الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(بَابٌ)
ــ
[منح الجليل]
[بَاب فِي أَحْكَام الشَّهَادَة]
ِ وَهِيَ لُغَةً الْبَيَانُ وَالشَّاهِدُ الْمُبَيِّنُ، وَكَذَا الشَّهِيدُ، وَفُسِّرَ قَوْله تَعَالَى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ} [آل عمران: 18] يُبَيِّنُ وَيُعَلِّمُ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا تُعَرَّفُ اصْطِلَاحًا لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ. ابْنُ عَرَفَةَ الْقَرَافِيُّ أَقَمْت نَحْوَ ثَمَانِ سِنِينَ أَطْلُبُ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ وَأَسْأَلُ الْفُضَلَاءَ عَنْهُ وَتَحْقِيقِ مَاهِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيَقُولُونَ يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ التَّعَدُّدُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةُ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ فَأَقُولُ لَهُمْ هَذَا فَرْعُ تَصَوُّرِهَا وَتَمَيُّزِهَا عَنْ الرِّوَايَةِ وَتَعْرِيفِهَا بِأَحْكَامِهَا الَّتِي لَا تُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا دَوْرٌ، وَإِذَا وَقَعَتْ حَادِثَةٌ غَيْرُ مَنْصُوصَةٍ مِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّهَا شَهَادَةٌ شَرْطُهَا التَّعَدُّدُ إلَخْ أَوْ رِوَايَةٌ لَيْسَ شَرْطُهَا ذَلِكَ وَبَنَوْا الْخِلَافَ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ عَلَى كَوْنِهِ رِوَايَةً أَوْ شَهَادَةً، وَفِي قَبُولِهِ بِعَدَدِ مَا صَلَّى إمَامُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِهِمَا وَمَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَزَلْ فِي شِدَّةِ قَلَقٍ حَتَّى طَالَعْت شَرْحَ الْبُرْهَانِ لِلْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَوَجَدْته حَقَّقَ الْمَسْأَلَةَ وَمَيَّزَ الشَّهَادَةَ مِنْ الرِّوَايَةِ، فَقَالَ هُمَا خَبَرَانِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ فَهِيَ الرِّوَايَةُ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَالشُّفْعَةُ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ» فَإِنَّهُمَا عَامَّانِ لَا يَخْتَصَّانِ بِمُعَيَّنٍ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِهَذَا عِنْدَ هَذَا دِينَارٌ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لِزَامُ الْمُعَيَّنِ لَا يَتَعَدَّاهُ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ. ثُمَّ قَالَ يَنْتَقِضُ هَذَا الْفَرْقُ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّيٍّ، كَشَهَادَةٍ بِوَقْفٍ مُؤَبَّدٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَكَوْنِ الْأَرْضِ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَبِأَنَّ الرِّوَايَةَ قَدْ تَتَعَلَّق بِجُزْئِيٍّ كَإِرْسَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَهِجْرَتِهِ وَوَفَاتِهِ وَخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ عُمُومَهَا عَارِضٌ، وَمَقْصُودَهَا الْأَوَّلَ إنَّمَا هُوَ جُزْئِيٌّ، فَالْمَقْصُودُ بِالشَّهَادَةِ بِالْوَقْفِ إنَّمَا هُوَ الْوَاقِفُ لِيَنْزِعَ مِنْهُ الْمَوْقُوفَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَأَمَّا كَوْنُ الْأَرْضِ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَالرِّوَايَةِ لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ لِتَعَيُّنِ الْمَحْكُومِ فِيهِ وَهُوَ الْأَرْضُ. وَأَمَّا النَّقْضُ عَلَى الرِّوَايَةِ فَإِنَّ الْمَذْكُورَاتِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِجُزْئِيَّاتٍ ابْتِدَاءً لَكِنَّ ثَمَرَاتِهَا وَفَوَائِدَهَا عَامَّةٌ لِلْعَالَمِينَ أَجْمَعِينَ، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَوَاضِحٌ أَنَّ قَوْلَهُ أَقَمْت أَطْلُبُ الْفَرْقَ وَأَسْأَلُ الْفُضَلَاءَ إلَخْ نَصٌّ فِي مُنَافَاتِهِ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَا حَاجَةَ لِتَعْرِيفِ الشَّهَادَةِ، وَالْحَقُّ قَوْلُ الْقَرَافِيِّ إنَّهُ مُحْتَاجٌ لِتَعْرِيفِهَا، وَتَعَقَّبَ بَعْضُ شُيُوخِنَا قَوْلَ الْقَرَافِيِّ أَقَمْت مُدَّةً كَذَا أَطْلُبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَخْ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي أَيْسَرِ الْكُتُبِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَ مُبْتَدَئِي الطَّلَبَةِ وَهُوَ تَنْبِيهٌ. ابْنُ بَشِيرٍ قَالَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لَمَّا كَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ رَدُّ ثُبُوتِ الْهِلَالِ لِبَابِ الْإِخْبَارِ إذَا رَأَوْا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ بَابِ الْخَبَرِ وَبَابِ الشَّهَادَةِ أَنَّ كُلَّ مَا خَصَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فَبَابُهُ بَابُ الشَّهَادَةِ، وَكُلَّ مَا عَمَّ فَلَزِمَ الْقَائِلَ مِنْهُ مَا لَزِمَ الْمَقُولَ لَهُ، فَبَابُهُ بَابُ الْإِخْبَارِ جَعَلُوا فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَهُ بِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْهِلَالِ، وَلَا تَجِدُهُ إلَّا فِي النَّقْلِ عَمَّا ثَبَتَ عِنْدَ الْإِمَامِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالصَّوَابُ أَنَّ الشَّهَادَةَ قَوْلٌ هُوَ بِحَيْثُ يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ سَمَاعَهُ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَاهُ إنْ عَدَلَ قَائِلُهُ مَعَ تَعَدُّدِهِ أَوْ حَلَفَ طَالِبُهُ فَتَخْرُجُ الرِّوَايَةُ وَالْخَبَرُ الْقَسِيمُ لِلشَّهَادَةِ وَإِخْبَارُ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قَاضِيًا آخَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَى مَا كَتَبَ بِهِ إلَيْهِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ بِالتَّعَدُّدِ أَوْ الْحَلِفِ، وَتَدْخُلُ الشَّهَادَةُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَغَيْرُ التَّامَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَيْثِيَّةَ لَا تُوجِبُ حُصُولَ مَدْلُولِ مَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ بِالْفِعْلِ حَسْبَمَا ذَكَرُوهُ فِي تَعْرِيفِ الدَّلَالَةِ. اهـ. وَقَالَ قَوْلٌ وَهُوَ جِنْسٌ بَعِيدٌ لِإِدْخَالِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ، إذْ هِيَ قَوْلٌ لَا خَبَرٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ النَّفْسِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ لُغَةً وَعُرْفًا، وَفِيهِ دَوْرٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِافْتِقَارِهِ لِلتَّعَدُّدِ فَرْعُ تَصَوُّرِ كَوْنِهِ شَهَادَةً، وَقَوْلُهُ إنْ عُدِّلَ قَائِلُهُ أَرَادَ بِهِ إنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِعِلْمِهِ وَلَوْ قَالَ قَوْلَ عَدْلٍ لَكَانَ أَبْيَنَ أَفَادَهُ شب. ابْنُ مَرْزُوقٍ تَعْرِيفُهُ غَيْرُ جَامِعٍ، إذْ لَا يَشْمَلُ الشَّهَادَةَ بِالْخَلْطَةِ
الْعَدْلُ: حُرٌّ،
ــ
[منح الجليل]
لِثُبُوتِهَا بِامْرَأَةٍ وَبِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِيهَا تُوجِبُ يَمِينَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
(الْعَدْلُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الدَّالِ (حُرٌّ) بِضَمِّ الْحَاءِ لَا قِنٌّ اتِّفَاقًا وَلَا ذُو شَائِبَةٍ كَمُكَاتَبٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ. يَحْيَى سَأَلَتْ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الْمَعْرُوفِ بِظُلْمِ النَّاسِ وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مِنْ ذَوِي السَّلْطَنَةِ وَالْوُلَاةِ يَدَّعِي رَجُلٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ ظَلَمَهُ فِي أَرْضٍ غَلَبَهُ عَلَيْهَا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَا يَجِدُ عَلَى دَعْوَاهُ عُدُولًا مِنْ الْبَيِّنَاتِ، وَيَجِدُ شُهُودًا لَا يُعْرَفُونَ بِعَدَالَةٍ وَلَا يُوصَفُونَ بِسَخْطَةٍ أَيُقْبَلُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ أَوْ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُ مَا يُقْبَلُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ عُدُولِ الشُّهَدَاءِ؟ فَقَالَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ غَيْرِ الْعُدُولِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ظَالِمًا أَوْ غَيْرَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] ، فَلَا يَنْبَغِي لِغَيْرِ الْعُدُولِ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الشَّاهِدَ الْمَجْهُولَ الْحَالُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُعَدَّلَ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل:{مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] ، أَيْ مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ غَيْرَ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ أَجَازَ شَهَادَةَ الْمَجْهُولِ الْحَالُ عَلَى التَّوَسُّمِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَ الْمُسَافِرِينَ فِي السَّفَرِ لِلضَّرُورَةِ إلَيْهَا قِيَاسًا عَلَى شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ وَمُرَاعَاةً لِلِاخْتِلَافِ، إذْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ حَمَلَ الشَّاهِدَ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى تُعْرَفَ جُرْحَتُهُ لِظَاهِرِ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ زُورٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمَذْهَبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَقَدْ اتَّفَقُوا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا لَا تَجُوزُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ عَدَالَةِ الشَّاهِدِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ أَجَازَ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ فِي يَسِيرِ الْمَالِ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
{مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] . وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ نَصَّ فِي النَّوَادِرِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي جِهَةٍ إلَّا غَيْرُ الْعُدُولِ أَقَمْنَا أَصْلَحَهُمْ وَأَقَلَّهُمْ فُجُورًا لِلشَّهَادَةِ، وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ لِئَلَّا تَضِيعَ الْمَصَالِحُ. قَالَ وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يُخَالِفُهُ فِي هَذَا، فَإِنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الْإِمْكَانُ. اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ رَاشِدٍ فِي مَذْهَبِهِ وَابْنِ عَبْدِ الْغَفُورِ فِي الِاسْتِغْنَاءِ، قَالَ إذَا كَانَ الْبَلَدُ لَا عُدُولَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِالْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، وَيُسْتَكْثَرُ بِحَسَبِ خَطَرِ الْحُقُوقِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى النِّصَابِ.
وَقَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ إذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ لَا عُدُولَ فِيهَا وَبَعُدُوا عَنْ الْعُدُولِ فَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي الْأَمْوَالِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يُعْلَمْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ خِلَافُهُ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تَجُوزُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيَّ، وَرَأَيْت قَوْمًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَحْكُونَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ بِأَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِجَوَازِ الشَّهَادَةِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَيُعَلِّمُونَهَا لِلضَّرُورَةِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْمَازِرِيِّ فِي دُرَرِهِ رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى السَّارِقِ مِمَّنْ لَقِيَهُ مِنْ النَّاسِ السَّيَّارَةِ عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالرِّعَاءِ إذَا عَرَفُوهُ وَقَالُوا رَأَيْنَا فُلَانًا سَرَقَ دَابَّةَ فُلَانٍ أَوْ رَأَيْنَا فُلَانًا فِي حَوْزَةِ كَذَا أَوْ فِي مَرَاعِي بَنِي فُلَانٍ، وَتَجُوزُ عَلَيْهِ شَهَادَةُ السَّيَّارَةِ سَوَاءٌ كَانُوا عُدُولًا أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ هَذَا فِي الْبَرَابِرِ، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا تَجُوزُ عَلَيْهِمْ إلَّا شَهَادَةُ الْعُدُولِ بِشَيْءٍ عِنْدَنَا. وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ مِثْلِ هَذَا فِي لُصُوصِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبَرَابِرِ بَرْقَةَ، فَقَالَ تَجُوزُ عَلَيْهِمْ شَهَادَةُ مَنْ لَقِيَهُمْ مِنْ النَّاسِ قِيلَ لَهُ إنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ، قَالَ وَأَيْنَ تُوجَدُ الْعُدُولُ عَلَى السَّارِقِ وَاللِّصِّ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ اللِّصَّ وَالسَّارِقَ مَوَاضِعَ الْخَلَوَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا الْعُدُولُ، وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ وَمِثْلُهُ فِي أَسْئِلَةِ ابْنِ سَحْنُونٍ كُلُّ ذَلِكَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَلَا ثُبُوتَ لِشَيْءٍ مِنْهُ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى، إذْ لَوْ
مُسْلِمٌ، عَاقِلٌ، بَالِغٌ. بِلَا فِسْقٍ وَحَجْرٍ
ــ
[منح الجليل]
كَانَ ثَابِتًا مَا خَفِيَ عَلَى ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حُفَّاظِ الْمَذْهَبِ وَلَذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ فِي كُتُبِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مُسْلِمٌ) لَا كَافِرٌ عَلَى مُسْلِمٍ إجْمَاعًا وَلَا عَلَى مِثْلِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَتَعَقَّبَ ابْنُ مَرْزُوقٍ حِكَايَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى مُسْلِمٍ بِأَنَّ مِنْ الْأَئِمَّةِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِهَا عَلَى وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ فِي السَّفَرِ لِلضَّرُورَةِ، عَزَاهُ ابْنُ سَهْلٍ لِشُرَيْحٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُبَيْدَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمْ (عَاقِلٌ) فِي حَالَتَيْ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ شَرْطُ الْعَقْلِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ وَلَا يَضْبِطُهُ وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يُخْتَلَفُ فِي اعْتِبَارِ الْعَقْلِ فِي حَالَتَيْ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَلَا يَضُرُّ ذَهَابُ الْعَقْلِ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَلَمْ أَعْرِفْهُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، بَلْ نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي كَبِيرٍ يَخْنُقُ ثُمَّ يُفِيقُ إنْ كَانَ يُفِيقُ إفَاقَةً يَعْقِلُهَا جَازَتْ شَهَادَتُهُ وَبَيْعُهُ وَابْتِيَاعُهُ.
(بَالِغٌ) فَلَا يُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّبِيِّ اتِّفَاقًا إلَّا لِصَبِيٍّ عَلَى صَبِيٍّ فِي دَمٍ. بِشُرُوطٍ تَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (بِلَا فِسْقٍ) بِجَارِحَةٍ ظَاهِرَةٍ؛ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ فِسْقَ الِاعْتِقَادِ (وَ) بِلَا (حَجْرٍ) عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِيهِ وَإِنْ رَشَدَ. مُحَمَّدٌ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ. شب هَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَفِي شَرْطِ عَدَمِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ خِلَافٌ سَمِعَ أَشْهَبُ أَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ عَدْلٌ؟ قَالَ نَعَمْ. ابْنُ رُشْدٍ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِثْلَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَهُوَ قِيَاسُ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ لَغْوِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْيَتِيمِ الْبَالِغِ فِي جَوَازِ أَفْعَالِهِ وَرَدِّهَا، وَالْآتِي عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَنَّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لَا تَنْفُذُ أَفْعَالُهُ وَإِنْ كَانَ رَشِيدًا فِي أَحْوَالِهِ: أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَوْ طَلَبَ مَالَهُ أَخَذَهُ وَهُوَ نَصُّ أَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
وَبِدْعَةٍ، وَإِنْ تَأَوَّلَ: كَخَارِجِيٍّ، وَقَدَرِيٍّ
ــ
[منح الجليل]
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ ظَاهِرُ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهَا، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي شَهَادَتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ حَالِهِ أَوْ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ أَنَّ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ، فَانْظُرْ هَلْ يَجْرِي ذَلِكَ هُنَا؟ . وَفِي شَرْحِ ابْنِ النَّاظِمِ عَلَى التُّحْفَةِ مَا يُفِيدُ هَذَا، فَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الْمَانِعَ الْحَجْرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) بِلَا (بِدْعَةٍ) أَيْ اعْتِقَادٍ مُخَالِفٍ لِاعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُبْتَدِعٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا فَاسِقٌ وَإِمَّا كَافِرٌ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ، بَلْ (وَإِنْ تَأَوَّلَ) بِفَتَحَاتٍ مَهْمُوزًا مُثَقَّلًا (كَخَارِجِيٍّ) أَيْ مَنْسُوبٍ لِلْخَوَارِجِ وَهُمْ قَوْمٌ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَفَّرُوهُمَا مُعَاوِيَةَ لِخُرُوجِهِ عَلَى عَلِيٍّ وَعَلِيٍّ لِرِضَاهُ بِتَحْكِيمِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَقَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمًّا غَفِيرًا (وَقَدَرِيٍّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ وَشَدِّ الْيَاءِ نِسْبَةً لِلْقَدَرِ، أَيْ إيجَادِ الْأَشْيَاءِ بِحَسَبِ عَمَلِهَا فِي الْأَزَلِ لِنَفْيِهِمْ إيَّاهُ وَقَوْلِهِ بِخَلْقِ الْعَبْدِ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، كَالْقَدَرِيِّ وَالْخَارِجِيِّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يُحْتَمَلُ كَوْنُ الْقَدَرِيِّ مِثَالًا لِلْجَاهِلِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ شُبَهِهِمْ عَقْلِيَّةٌ، وَالْخَطَأُ فِيهَا يُسَمَّى جَهْلًا، وَالْخَارِجِيُّ مِثَالٌ لِلْمُتَأَوِّلِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ شُبَهِهِمْ سَمْعِيَّةٌ وَالْخَطَأُ فِيهَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَاهِلِ الْمُقَلِّدُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ وَبِالْمُتَأَوِّلِ الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُعْذَرُوا بِالتَّأْوِيلِ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى كُفْرٍ أَوْ فِسْقٍ، بِخِلَافِ تَأْوِيلِ الْمُحَارِبِينَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْحَطَّابُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ شُرُوطًا فِي الْعَدْلِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوهَا شُرُوطًا فِي قَوْلِ الشَّهَادَةِ، وَمِنْهَا الْعَدَالَةُ وَهُوَ أَبْيَنُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُوصَفُ بِالْعَدَالَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُوجِبَةً لِحُكْمِ الْحَاكِمِ اُشْتُرِطَ فِيهَا شُرُوطٌ مِنْهَا فِي أَدَائِهَا الْإِسْلَامُ اتِّفَاقًا، ثُمَّ قَالَ وَمِنْهَا الْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ، ثُمَّ قَالَ وَالْبُلُوغُ، ثُمَّ قَالَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَالْعَدَالَةُ، قَالَ وَلَمَّا كَانَتْ شُرُوطًا فِي الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَصْلَيْهِ وَفِقْهِهِ. طفى إنْ قُلْت جَعَلَ عِيَاضٌ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي الشَّاهِدِ، وَجَعَلُوا مِنْهَا كَوْنَهُ عَدْلًا، ثُمَّ فَسَّرُوا الْعَدَالَةَ بِالْمُحَافَظَةِ الدِّينِيَّةِ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَالْكَذِبِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرُوا، فَخَالَفَ الْمُصَنِّفُ اصْطِلَاحَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. وَنَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا مُسْتَعْمِلًا لِمُرُوءَتِهِ. قُلْت لَا مُخَالَفَةَ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَذَ الْعَدْلَ بِمَعْنَى عَدْلِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مُرَادُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، حَيْثُ أَطْلَقُوهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرُوهَا، فَأَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وَأَخَذَهُ غَيْرُهُ بِمَعْنَى الْمَحَافِظِ عَلَى الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ مُحَافَظَةً دِينِيَّةً، فَشَمِلَ هَذَا الْمَعْنَى الْعَبْدَ، فَلِذَا احْتَاجُوا لِذِكْرِ الْحُرِّيَّةِ مَعَ الْعَدَالَةِ وَمَا سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالْمَقَامِ، فَقَوْلُ " ح " مُتَوَرِّكًا عَلَى الْمُصَنِّفِ إنَّ مَا ذَكَرُوهُ أَبْيَنُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُوصَفُ بِالْعَدَالَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ.
الثَّانِي: ابْنُ عَرَفَةَ أَطَالَ الْمَازِرِيُّ الْكَلَامَ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْأَوْلَى أَنَّهَا صِفَةُ مَظِنَّةٍ لِمَنْعِ مَوْصُوفِهَا الْبِدْعَةَ وَمَا يَشِينُهُ عُرْفًا وَمَعْصِيَةً غَيْرَ قَلِيلِ الصَّغَائِرِ، فَالصَّغَائِرُ الْخَسِيسَةُ مُنْدَرِجَةٌ فِيمَا يَشِينُ وَنَادِرُ الْكَذِبِ فِي غَيْرِ عَظِيمِ مَفْسَدَةٍ عَفْوٌ مُنْدَرِجٌ فِي قَلِيلِ الصَّغَائِرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهَا فِي آخِرِ شَهَادَاتِهَا مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَأَطْوَلُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الْفِقْهِيِّ الْعَدَالَةُ الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالْكَبَائِرِ، وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ، وَيُتَعَقَّبُ بِحَشْوِ الدِّينِيَّةِ لِاسْتِقْلَالِهِ دُونَهَا، وَإِجْمَالُ قَوْلِهِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ لِاحْتِمَالِهِ جَمِيعَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ رَاجِعٌ لِلْعَدَالَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ الْبِدْعَةِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَدَالَةِ، لَكِنَّ تَعْلِيلَهُ اشْتِرَاطَ هَذِهِ الْمَعِيَّةِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهَا فِسْقٌ يُوجِبُ كَوْنَهَا مُعْتَادَةً فَيُسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْعَدَالَةِ عَنْهَا كَمَا اُسْتُغْنِيَ بِذِكْرِهَا عَنْ سَائِرِ أَضْدَادِهَا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ أَضْدَادِهَا كَثُرَ النِّزَاعُ فِيهِ. اهـ. وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ الدِّينِيَّةِ احْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْمُحَافَظَةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَصْدُ بِهَا الدِّينَ، وَإِنَّمَا فَعَلَهَا لِتَحْصِيلِ مَنْصِبٍ دُنْيَوِيٍّ. وَقَالَ.
لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً، أَوْ كَثِيرَ كَذِبٍ،
ــ
[منح الجليل]
ابْنُ مُحْرِزٍ فِي تَبْصِرَتِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ فِي صِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ هُوَ الْمُجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ الْمُتَوَقِّي لِأَكْثَرِ الصَّغَائِرِ إذَا كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ وَتَمْيِيزٍ مُتَيَقِّظًا مُتَوَسِّطَ الْحَالِ بَيْنَ الْبُغْضِ وَالْمَحَبَّةِ. قُلْت وَقَدْ أَتَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَنْبَغِي فِي الشَّاهِدِ الْعَدْلِ اهـ.
الثَّالِثُ: عب هَذِهِ الشُّرُوطُ لَا يُشْتَرَطُ مِنْهَا حَالَ الْأَدَاءِ وَالتَّحَمُّلِ إلَّا الْعَقْلُ، وَبَقِيَّتُهَا إنَّمَا يُشْتَرَطُ حَالَ الْأَدَاءِ. الْبُنَانِيُّ هَذَا التَّفْصِيلُ فِي غَيْرِ شُهُودِ النِّكَاحِ وَالشُّهُودِ عَلَى الْخَطِّ. وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ وَالْخَطِّ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا وَقْتَ الْأَدَاءِ وَوَقْتَ التَّحَمُّلِ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(لَمْ يُبَاشِرْ) أَيْ يَفْعَلْ الْعَدْلُ مَعْصِيَةً (كَبِيرَةً) بِلَا تَوْبَةٍ مِنْهَا بِأَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا أَصْلًا أَوْ تَابَ مِنْهَا، فَإِنْ فَعَلَهَا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَدْلِ عَدَمُ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا لِتَعَذُّرِهِ إلَّا مِنْ وَلِيٍّ أَوْ صَدِيقٍ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ طَاعَتُهُ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ وَأَغْلَبَهَا وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَحَافَظَ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِر فَهُوَ عَدْلٌ. تت تَكْمِيلُ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ، وَاخْتُلِفَ فِي تَمْيِيزِ الْكَبَائِرِ مِنْهَا فَمِنْهُمْ مَنْ مَيَّزَهَا بِالْعَدِّ مُسْتَقْرِيًا مَوَارِدَ النُّصُوصِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَصَرَهَا بِضَابِطٍ، وَلْنَذْكُرْ طَرَفًا مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا.
فَمِنْ الْأَوَّلِ: قِيلَ أَرْبَعٌ، وَقِيلَ سَبْعٌ، وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ. ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - هِيَ إلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى السَّبْعِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ.
وَمِنْ الثَّانِي: قِيلَ مَا لَحِقَ صَاحِبَهَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَقِيلَ مَا أَوْجَبَ حُكْمًا. وَقِيلَ مَا نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ أَوْجَبَ فِي جِنْسِهِ حَدًّا. وَقِيلَ، كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَارٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ، وَقِيلَ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِنَارٍ أَوْ حَدٍّ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
(أَوْ كَثِيرَ كَذِبٍ) ظَاهِرُ مَفْهُومِهِ أَنَّ مَنْ بَاشَرَ كَثِيرَ الْكَذِبِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ اتَّحَدَ مُتَعَلِّقُهُ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ مِمَّا يُجَرَّحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ مُشْعِرٍ
أَوْ صَغِيرَةَ خِسَّةً وَسَفَاهَةً، وَلَعِبَ نَرْدٍ، ذُو مُرُوءَةٍ
ــ
[منح الجليل]
بِتَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِهِ. وَمَفْهُومُ " كَثِير " أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْكَذِبِ الْيَسِيرِ كَالْوَاحِدِ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَدَالَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ الْحَطَّابُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَمَّا الْكَذِبُ فَنَصُّهَا مِمَّا يُجَرَّحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَنَقَلَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامُهُ يُعْطِي تَكَرُّرَ الْكَذِبِ مِمَّنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ هَذَا الْقَيْدُ الْأَخِيرُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاكْتُفِيَ بِتَكْرَارِ الْكَذِبِ. قُلْت قَوْلُهُ يُعْطِي تَكْرَارَ الْكَذِبِ لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِهِ دُونَ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا لَفْظَ كَذَّابٍ، وَفَعَّالٌ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ ضَرُورَةً، وَقَوْلُهُ إنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِهِ يَرِدُ بِمَنْعِهِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ مَشْهُورٍ أَخَصُّ مِنْ مَعْرُوفٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ الْأَعَمِّ صِدْقُ الْأَخَصِّ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَرَادَ بِهِ كَوْنَهُ مَشْهُورًا فَلَا يَضُرُّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ مَعْرُوفٍ لَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَإِنْ أَرَادَ لَفْظَ مَعْرُوفٍ فَقَوْلُهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَرَادَ نَصًّا فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ وَلَا لُزُومًا مُنِعَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا قِيَامُ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ أَنَّهُ كَذَّابٌ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِمُطْلَقِ الْكَذِبِ عَادَةً؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ إلَّا وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِمُطْلَقِ الْكَذِبِ.
(أَوْ صَغِيرَةَ خِسَّةٍ) كَتَطْفِيفِ حَبَّةٍ أَوْ سَرِقَةِ لُقْمَةٍ فَمُبَاشِرُهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَمَفْهُومُ خِسَّةٍ أَنَّ مُبَاشَرَةَ صَغِيرَةٍ غَيْرِ الْخَسَّةِ لَا تَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا غَالِبًا (وَ) لَمْ يُبَاشِرْ (سَفَاهَةً) أَيْ مُجُونًا وَدُعَابَةً وَهَزْلًا فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ (وَ) لَمْ يُبَاشِرْ (لَعِبَ نَرْدٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الرَّاءِ آلَةٌ مُرَبَّعَةٌ مُخَطَّطَةٌ يُلْعَبُ عَلَيْهَا بِفُصُوصٍ، وَيُقَالُ لَهَا نَرْدَشِيرُ، وَتُسَمَّى فِي عُرْفِ مِصْرَ طَاوِلَةً، فَمُبَاشِرُ لَعِبِهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ مَرَّةً بِغَيْرِ قِمَارٍ لِحَدِيثِ «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرَ فَكَأَنَّمَا وَضَعَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» . وَحَدِيثِ «مَلْعُونٌ مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ» . عِيَاضٌ فِي مَشَارِقِهِ النَّرْدُ فَارِسِيٌّ لِنَوْعٍ مِنْ الْآلَاتِ الَّتِي يُقَامَرُ عَلَيْهَا، وَيُقَالُ لَهُ النَّرْدَشِيرُ وَالْكِعَابُ.
وَالْعَدْلُ (ذُو) أَيْ صَاحِبُ (مُرُوءَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ
بِتَرْكِ غَيْرِ لَائِقٍ. مِنْ حَمَّامٍ،
ــ
[منح الجليل]
أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا، وَيَجُوزُ إبْدَالُ الْهَمْزِ وَاوًا وَإِدْغَامُ الْوَاوِ الْأُولَى فِيهَا مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا. ابْنُ عَرَفَةَ وَهِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى فِعْلِ مَا تَرْكُهُ يُوجِبُ الذَّمَّ عُرْفًا مِنْ مُبَاحٍ، كَتَرْكِ الْمَلِيِّ الِانْتِعَالَ فِي بَلَدٍ يُسْتَقْبَحُ فِيهِ مَشْيُ مِثْلِهِ حَافِيًا، وَعَلَى تَرْكِ مَا فِعْلُهُ يُوجِبُ الذَّمَّ عُرْفًا مِنْ مُبَاحٍ كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ وَفِي حَانُوتِ الطَّبَّاخِ لِبَلَدِيٍّ. ابْنُ مُحْرِزٍ لَسْنَا نَعْنِي بِالْمُرُوءَةِ نَظَافَةَ الثَّوْبِ وَفَرَاهَةَ الْمَرْكُوبِ وَجَوْدَةَ الْآلَةِ وَحُسْنَ الشَّارَةِ، أَيْ الْهَيْئَةِ، بَلْ الْمُرَادُ الصَّوْنُ وَالصَّمْتُ الْحَسَنُ وَحِفْظُ اللِّسَانِ وَتَجَنُّبُ الْمُجُونِ وَالِارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ رَدِيءٍ يَرَى أَنَّ كُلَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يُحَافِظُ مَعَهُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ جُرْحَةٌ. ابْنُ عَرَفَةَ وَالرِّوَايَاتُ وَالْأَقْوَالُ وَاضِحَةٌ بِأَنَّ تَرْكَ الْمُرُوءَةِ جُرْحَةٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى عَدَمِ الْمُحَافَظَةِ الدِّينِيَّةِ وَهِيَ لَازِمُ الْعَدَالَةِ وَتَرْكُهَا مُسَبَّبٌ غَالِبًا عَنْ اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ. الْمَازِرِيُّ مَنْ لَا يُبَالِي بِسُقُوطِ مَنْزِلَتِهِ وَدَنَاءَةِ هِمَّتِهِ فَهُوَ نَاقِصُ الْعَقْلِ، وَنَقْصُهُ يُوجِبُ عَدَمَ الثِّقَةِ بِهِ. التُّونُسِيُّ الِاتِّصَافُ بِالْمُرُوءَةِ مَطْلُوبٌ وَبِخِلَافِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِنْ ظَهَرَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهُ مُبَاحٌ مُصَوَّرَةٌ.
(بِتَرْكِ) شَيْءٍ (غَيْرِ لَائِقٍ) أَيْ مُنَاسِبٍ لِحَالِ مُرْتَكِبِهِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ. ابْنُ الْحَاجِبِ الْمُرُوءَةُ الِارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يُحَافِظُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا. تت بِأَنْ لَا يَأْتِيَ بِمَا يَتَعَذَّرُ مِنْهُ مِمَّا يَبْخَسُهُ عَنْ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ ذَوِي الْفَضْلِ. الْبِسَاطِيُّ بِاجْتِنَابِ مَا يَرْتَكِبُهُ السُّفَهَاءُ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ كَاللَّعِبِ بِالطَّابِ وَالْقِمَارِ وَالْمُهَاجَنَةِ فِي الْأَقْوَالِ وَالتَّصْرِيحِ بِأَقْوَالٍ لَمْ يُعَبِّرْ الشَّرْعُ عَنْهَا إلَّا بِالْكِنَايَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَبَيَّنَ غَيْرَ اللَّائِقِ فَقَالَ (مِنْ) لَعِبٍ بِ (حَمَامٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ الطَّيْرُ الْمَعْرُوفُ، ظَاهِرُهُ بِقِمَارٍ أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي سَرِقَتِهَا، وَفِي رَجْمِهَا يُجَرَّحُ الشَّاهِدُ بِلَعِبِهِ بِالْحَمَامِ إذَا كَانَ يُقَامِرُ عَلَيْهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُحْمَلُ مُطْلَقُهَا عَلَى مُقَيَّدِهَا أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُمَا أَدْمَنَ عَلَيْهِ أَمْ لَا. الْمَازِرِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ مَنْ فَعَلَهُ عَلَى قِمَارٍ أَوْ أَدْمَنَ عَلَيْهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى أَبُو دَاوُد بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً فَقَالَ شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» .
وَسَمَاعِ غِنَاءٍ، وَدِبَاغَةٍ، وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَارًا، وَإِدَامَةِ شَطْرَنْجٍ
ــ
[منح الجليل]
وَ) مِنْ (سَمَاعِ غِنَاءٍ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودًا وَإِنْ قُصِرَ فَهُوَ الْيَسَارُ وَالْمَالُ، وَظَاهِرُهُ كَانَ مَعَ آلَةٍ أَمْ لَا فَفِيهَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحِ وَالنَّائِحَةِ إذَا عُرِفُوا بِذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ سَمَاعُ الْعُودِ جُرْحَةٌ إلَّا فِي صَنِيعٍ لَا شَرَابَ فِيهِ، فَلَا يُحَرَّمُ وَإِنْ كُرِهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْغِنَاءُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ آلَةٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِهِ، وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ. الْمَازِرِيُّ وَأَمَّا الْغِنَاءُ بِآلَةٍ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ أَوْتَارٍ كَالْعُودِ وَالطُّنْبُورِ فَمَمْنُوعٌ وَكَذَا الْمِزْمَارُ وَاسْتَظْهَرَ إلْحَاقَهُ بِالْمُحَرَّمَاتِ وَإِنْ أَطْلَقَ. مُحَمَّدٌ فِي سَمَاعِ الْعُودِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ. وَقَدْ يُرِيدُ بِهِ التَّحْرِيمَ.
(وَ) مِنْ (دِبَاغَةٍ) لِجِلْدٍ (وَحِيَاكَةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ لِغَزْلِ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ غَيْرِهَا إنْ فَعَلَهَا (اخْتِيَارًا) بِأَنْ كَانَ غَيْرَ أَهْلِهَا وَلَمْ يَتَوَقَّفْ قُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِهِ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا فَلَا تُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ، وَأُلْحِقَ بِمَنْ ذُكِرَ مَنْ يَقْصِدُ كَسْرَ نَفْسِهِ وَتَخَلُّقَهَا بِأَخْلَاقِ الْفُضَلَاءِ وَمُبَاعَدَتِهَا عَنْ الْكِبْرِ. ابْنُ رُشْدٍ لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ ذَوِي الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ كَالْكَنَّاسِ وَالْحَجَّامِ وَالدَّبَّاغِ وَالْحَائِكِ إلَّا مَنْ رَضِيَهَا اخْتِيَارًا مِمَّنْ لَا تَلِيقُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى خَبَلٍ فِي عَقْلِهِ. ابْنُ مُحْرِزٍ رَأَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ شَهَادَةَ الْبَخِيلِ لَا تُقْبَلُ وَقَالَهُ الْغَزَالِيُّ. الْبُرْزُلِيُّ رَأَيْت لِبَعْضِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَةَ إنْ صَنَعَهَا تَصْغِيرًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِيُدْخِلَ السُّرُورَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ لِيَتَصَدَّقَ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْهَا فَإِنَّهَا حَسَنَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ جُرْحَةٌ تت لَوْ أَدْخَلَ الْكَافَ عَلَى دِبَاغَةٍ لَكَانَ أَحْسَنَ لِإِدْخَالِ بَاقِي الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ.
(وَ) مِنْ (إدَامَةِ) لَعِبٍ بِ (شِطْرَنْجٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَوْ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ النُّونِ فَجِيمٌ. تت ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إبَاحَتُهُ، وَبِهَا صَرَّحَ الْبِسَاطِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ اللَّخْمِيُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ " رضي الله عنه " حُرْمَةُ اللَّعِبِ بِهِ، وَتَارَةً يُعَبِّرُ عَنْهُ بِالْكَرَاهَةِ، وَتَارَةً يَقُولُ هُوَ شَرٌّ مِنْ النَّرْدِ.
(تَنْبِيهٌ)
فَسَّرَ ابْنُ نَصْرٍ الْإِدْمَانَ بِأَنْ يَلْعَبَ بِهَا فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَبَعْضُ الْأَشْيَاخِ بِمَرَّةٍ
وَإِنْ أَعْمَى فِي قَوْلٍ
ــ
[منح الجليل]
فِي السَّنَةِ. الْحَطّ فِي الشَّامِلِ وَإِدَامَةُ شِطْرَنْجٍ وَلَوْ مَرَّةً فِي الْعَامِ، وَقِيلَ أَكْثَرُ وَهَلْ يَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ؟ قَوْلَانِ، وَثَالِثُهَا إنْ لَعِبَهُ مَعَ الْأَوْبَاشِ عَلَى طَرِيقِ الْمُجَاهَرَةِ حَرُمَ، وَفِي الْخَلْوَةِ مَعَ نُظَرَائِهِ بِلَا إدْمَانٍ وَتَرْكِ مُهِمٍّ وَلَهْوٍ عَنْ عِبَادَةٍ جَازَ. وَقِيلَ إنْ أَلْهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا حَرَامٌ اهـ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْحَطّ لُبْسُ اللِّبَاسِ الْمُحَرَّمِ أَوْ الْمَكْرُوهِ الْخَارِجِ عَنْ السُّنَّةِ لَيْسَ جُرْحَةً فِي الشَّهَادَةِ كَلِبَاسِ فُقَهَاءِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ تَكْبِيرِهِمْ الْعَمَائِمَ وَإِفْرَاطِهِمْ فِي تَوْسِيعِ الثِّيَابِ وَتَطْوِيلِهِمْ الْأَكْمَامَ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَدْخَلِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
الثَّانِي: " غ " ابْنُ عَرَفَةَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ يَشْتَغِلُ بِمُطْلَقِ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ، وَأَفْتَى الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ الْمُنْتَصِرُ بِمَنْعِ إمَامَتِهِ، وَرَجَحَ أَبُو زَيْدِ ابْنُ خَلْدُونَ أَنَّهَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ وُجُودِهَا، فَانْقِلَابُ الْأَعْيَانِ فِيهَا مِنْ السِّحْرِيَّاتِ لَا مِنْ الطِّبِّيَّاتِ، وَإِنَّهُمْ يُظْهِرُونَ بِأَلْغَازِهِمْ الضَّنَانَةَ بِهَا. وَإِنَّمَا قَصْدُهُمْ التَّسَتُّرُ مِنْ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ. وَمَنْ اجْتَمَعَتْ الْحُرِّيَّةُ وَمَا بَعْدَهَا فِيهِ فَهُوَ عَدْلٌ إنْ كَانَ بَصِيرًا سَمِيعًا.
بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (أَعْمَى) فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (فِي قَوْلِ) الْحَطّ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِي الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ جَوَازُهَا، وَشَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ الْأَقْوَالِ لَا تَجُوزُ، وَهَذَا فِيمَا تَحَمَّلَهُ بَعْدَ الْعَمَى. وَأَمَّا مَا تَحَمَّلَهُ قَبْلَ الْعَمَى مِنْ غَيْرِ الْقَوْلِ فَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا كَالْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوا الْمَذْهَبَ، ثُمَّ قَالُوا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَجُوزُ فِيمَا تَحَمَّلَهُ قَبْلَ الْعَمَى، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ التَّفْصِيلِ.
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَا شَهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَمَى يُقْبَلُ. سَحْنُونٌ " رضي الله عنه " لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَالَ شَهَادَتِهِ أَعْمَى. اهـ. فَظَاهِرُ كَلَامِ سَحْنُونٍ أَنَّ مَذْهَبَنَا لَا تُقْبَلُ، سَوَاءٌ تَحَمَّلَهَا بَعْدَ عَمَاهُ أَوْ قَبْلَهُ، وَصَرَّحَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ بِأَنَّهُ إذَا تَحَمَّلَهَا قَبْلَ عَمَاهُ تُقْبَلُ، وَنَصُّهُ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ وَتُقْبَلُ مِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
الْأَعْمَى فِيمَا لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَقْوَالِ قَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ مَعْنَاهُ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى عَلَى الْأَقْوَالِ إذَا كَانَ فَطِنًا، وَلَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْأَصْوَاتُ. وَيَتَيَقَّنُ الْمَشْهُودَ لَهُ وَالْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَا تُقْبَلُ فِي الْمَرْئِيَّاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَحَمَّلَهَا بَصِيرًا ثُمَّ عَمِيَ وَهُوَ يَتَيَقَّنُ عَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَيَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ.
طفى لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْقَوْلِ فَتَجُوزُ فِيمَا عَدَا الْمَرْئِيَّاتِ مِنْ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمَلْمُوسَاتِ وَالْمَذُوقَاتِ وَالْمَشْمُومَاتِ. عَبْدُ الْوَهَّابِ تُقْبَلُ عَلَى مَا لَمَسَهُ بِيَدِهِ أَنَّهُ حَارٌّ أَوْ بَارِدٌ أَوْ نَاعِمٌ أَوْ خَشِنٌ وَفِيمَا ذَاقَهُ أَنَّهُ حُلْوٌ أَوْ حَامِضٌ وَفِيمَا شَمَّهُ. ابْنُ فَرْحُونٍ هَذَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ فِي الْأَيْمَانِ وَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَشْرَبَ حُلْوًا أَوْ حَامِضًا فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِهِ فَيَلْزَمُهُ، وَخَصَّ الْمُصَنِّفُ الْقَوْلَ كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَلْمُوسَ وَالْمَذُوقَ وَالْمَشْمُومَ يَسْتَوِي فِيهَا الْأَعْمَى وَغَيْرُهُ، فَهِيَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمَسْمُوعِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ " رضي الله عنه " جَوَازُهَا، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ وَالْجُمْهُورِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مَنْعُهَا، وَمَثَارُ الْخِلَافِ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ أَنَّ هَذَا صَوْتُ فُلَانٍ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ تَحَمَّلَهَا عِنْدَنَا أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا، وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيُّ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ إذَا تَحَمَّلَهَا بَصِيرًا ثُمَّ عَمِيَ. وَأَمَّا شَهَادَتُهُ فِي الْأَفْعَالِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَرْئِيَّاتِ فَلَا تَجُوزُ، فَإِنْ تَحَمَّلَهَا بَصِيرًا ثُمَّ عَمِيَ جَازَتْ إنْ تَيَقَّنَ عَيْنَ مَا شَهِدَ عَلَيْهِ وَعَرَفَهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُ " ح " وَأَمَّا مَا تَحَمَّلَهُ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِ الْأَقْوَالِ قَبْلَ الْعَمَى فَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا كَالْمُصَنِّفِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِنَقْلِهِمْ الْمَذْهَبَ أَوَّلًا، ثُمَّ قَالُوا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ " رضي الله عنه " تَجُوزُ فِيمَا تَحَمَّلَهُ قَبْلَ الْعَمَى، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ التَّفْصِيلِ وَهْمٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ إنَّمَا ذَكَرُوهَا فِي الْأَقْوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلُوا الْمَذْهَبَ بِجَوَازِهَا، ثُمَّ قَالُوا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْأَفْعَالِ فَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي كَلَامِهِمْ. وَنَصُّ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى فَأَجَازَهَا مَالِكٌ " رضي الله عنه " عَلَى الْأَقْوَالِ، وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ " رضي الله عنه "، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ " رضي الله عنه " تَجُوزُ فِيمَا أَدْرَكَهُ قَبْلَ عَمَاهُ
أَوْ أَصَمَّ فِي فِعْلٍ؛
لَيْسَ بِمُغَفَّلٍ، إلَّا فِيمَا لَا يُلْبَسُ
وَلَا مُتَأَكِّدِ الْقُرْبِ، كَأَبٍ، وَإِنْ عَلَا، وَزَوْجِهِمَا وَوَلَدٍ، وَإِنْ سَفَلَ. كَبِنْتٍ وَزَوْجِهِمَا.
وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ وَاحِدَةٌ
ــ
[منح الجليل]
وَتُرَدُّ فِيمَا أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِالتَّكْرَارِ لِلْأَعْمَى بِأَنَّ هَذَا صَوْتُ فُلَانٍ أَمْ لَا. اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ، فَذِكْرُهُ مَعَ مَنْ فَرَّقَ سَهْوٌ. قَوْلُهُ وَفِي النَّوَادِرِ إلَخْ لَا دَلِيلَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْأَقْوَالِ لَا فِي الْأَفْعَالِ، وَمَذْهَبُنَا لَا فَرْقَ فِي الْجَوَازِ، وَقَصَدَ سَحْنُونٌ بِقَوْلِهِ لَا فَرْقَ الرَّدَّ عَلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ فِي التَّفْرِقَةِ بِأَنَّ الْعَمَى الَّذِي اعْتَبَرَاهُ مَوْجُودٌ حِينَ الْقَبُولِ وَتَبِعَهُ عج، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى.
(أَوْ) كَانَ الْعَدْلُ (أَصَمَّ) فَيُقْبَلُ إذَا شَهِدَ (فِي فِعْلٍ) رَآهُ بِعَيْنِهِ.
(لَيْسَ) الْعَدْلُ (بِمُغَفَّلٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ مُثَقَّلًا. الْبِسَاطِيُّ التَّغَفُّلُ عَدَمُ اسْتِعْمَالِ الْقُوَّةِ الْمُدْرَكَةِ مَعَ وُجُودِهَا وَالْبَلَادَةُ عَدَمُهَا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُغَفَّلِ الَّذِي لَا يَسْتَعْمِلُ مُدْرِكَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ (إلَّا فِيمَا) أَيْ شَيْءٍ وَاضِحٍ (لَا يُلْبَسُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ كَرَأَيْت فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا أَوْ قَطَعَ يَدَ فُلَانٍ أَوْ سَمِعْته يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ أَوْ يَعْتِقُ رَقِيقَهُ أَوْ يَقْذِفُ فُلَانًا. الْمَازِرِيُّ إطْلَاقُ الْمُتَقَدِّمِينَ رَدَّ الشَّهَادَةِ بِالْبَلَهِ وَالْغَفْلَةِ قَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِمَا كَثُرَ مِنْ الْكَلَامِ وَالْجُمَلِ الْمُتَعَلِّقِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لَا فِي نَحْوِ رَأَيْت هَذَا الشَّخْصَ يَفْعَلُ كَذَا.
(وَلَا) بِ (مُتَأَكِّدِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ مُثَقَّلَةً، أَيْ قَوِيِّ (الْقُرْبِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، أَيْ الْقَرَابَةِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ (كَأَبٍ) لَهُ إنْ اتَّصَلَ بِهِ، بَلْ (وَإِنْ عَلَا) كَجَدٍّ وَأَبِيهِ (وَزَوْجِهِمَا) أَيْ الْأَبِ وَالْجَدِّ (وَوَلَدٍ) لِلْمَشْهُودِ لَهُ إنْ اتَّصَلَ بِهِ، بَلْ (وَإِنْ سَفُلَ) أَيْ نَزَلَ الْوَلَدُ (كَبِنْتٍ) فِي نُسْخَةٍ بِكَافِ التَّمْثِيلِ لِلْوَلَدِ وَفِي أُخْرَى بِاللَّامِ فَهِيَ مُبَالَغَةٌ ثَانِيَةٌ، أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ السَّافِلُ لِابْنٍ، بَلْ وَإِنْ كَانَ لِبِنْتٍ (وَزَوْجِهِمَا) أَيْ الِابْنِ وَالْبِنْتِ.
(وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ) شَهَادَةٌ (وَاحِدَةٌ) فَيُحْتَاجُ لِتَكْمِيلِ النِّصَابِ بِشَاهِدٍ آخَرَ أَوْ يَمِينٍ. الْحَطّ هَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ بِجَوَازِ الْجَمِيعِ بِشَرْطِ التَّبْرِيزِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي اللُّبَابِ
كَكُلٍّ عِنْدَ الْآخَرِ، أَوْ عَلَى شَهَادَتِهِ، أَوْ حُكْمِهِ
ــ
[منح الجليل]
شَهَادَةُ الْأَبِ مَعَ وَلَدِهِ جَائِزَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الْمَعْمُولِ بِهِ ابْنُ فَرْحُونٍ لَوْ شَهِدَ الْأَبُ مَعَ ابْنِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ جَازَتْ عَلَى الْقَوْلِ الْمَعْمُولِ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ شَهَادَتُهُمَا بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ أَعْدَلُ، ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا شَهَادَةُ الْأَخَوَيْنِ فِي شَيْءٍ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ ولَيْسَا كَالْأَبِ وَابْنِهِ. طفى فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْأَبِ وَابْنِهِ شَهَادَتَانِ؛ لِأَنَّهُ الْأَقْوَى، أَوْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِلْغَاءِ فَقَالَ (كَ) شَهَادَةِ (كُلٍّ) مِنْ الْأَبِ وَابْنِهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ (عِنْدَ الْآخَرِ) الْقَاضِي أَيْ لَا تُعْتَبَرُ شَهَادَةُ الْأَبِ عِنْدَ ابْنِهِ الْقَاضِي وَلَا شَهَادَةُ الِابْنِ عِنْدَ أَبِيهِ الْقَاضِي (أَوْ) شَهَادَةُ الْأَبِ (عَلَى شَهَادَتِهِ) أَيْ ابْنِهِ نَقْلًا عَنْهُ أَوْ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ نَقْلًا عَنْهُ (أَوْ) شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى (حُكْمِهِ) أَيْ الْآخَرِ كُلُّ ذَلِكَ لَغْوٌ. ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافُ فِي شَهَادَةِ الْأَبِ عِنْدَ ابْنِهِ وَالِابْنِ عِنْدَ أَبِيهِ وَشَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى شَهَادَةِ الْآخَرِ الْحُكْمُ فِيهَا سَوَاءٌ وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا كُلُّهَا وَاحِدٌ فَقِيلَ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ لِإِجَازَتِهِ شَهَادَةَ الْأَبِ عَلَى قَضَاءِ ابْنِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ، وَإِجَازَتِهِ شَهَادَتَهُ عِنْدَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُبَرِّزًا، وَهَذَا تَفْسِيرُهُ لِقَوْلِهِ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ يَعْنِي مَعَ اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ، وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ لِإِجَازَتِهِ شَهَادَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ الْآخَرِ وَشَهَادَتَهُ لِمَنْعِهِ قَضَاءَهُ بَعْدَ عَزْلِهِ وَشَهَادَتَهُ عَلَى شَهَادَتِهِ، وَشَهَادَتَهُ عِنْدَهُ وَقِيلَ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ لِمَنْعِهِ شَهَادَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ الْآخَرِ، وَهُوَ الْآتِي عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ. وَفَرَّقَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بَيْنَ شَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ وَشَهَادَتِهِ عَلَى شَهَادَتِهِ، وَبَيْنَ شَهَادَتِهِ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ فَأَجَازَهَا فِي الْأُولَيَيْنِ، وَمَنَعَهَا فِي الْأَخِيرَةِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ اهـ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَقَوْلُهُ قَوْلُ مُطَرِّفٍ أَيْ الْجَوَازُ لَا فِي اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّبْرِيزُ، وَلِذَا كُلُّ مَنْ دَرَجَ عَلَى مَا بِهِ الْعَمَلُ مِنْ كَوْنِ شَهَادَتِهِ شَهَادَتَيْنِ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّبْرِيزَ، لَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ خَاصًّا بِالْأَبِ دَنِيَّةً، فَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَتَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ مَنَعَ ابْنُ سَحْنُونٍ إجَازَةَ الْقَاضِي شَهَادَةَ ابْنِهِ.
بِخِلَافِ أَخٍ لِأَخٍ إنْ بَرَّزَ، وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ، وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِخِلَافِهِ،
ــ
[منح الجليل]
أَوْ ابْنِ ابْنِهِ عَلَى رَجُلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَا مُبَرِّزَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ اهـ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ فَعِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهَا حُكْمُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ، قَالَ وَفِي كُلٍّ قَوْلَانِ، وَمِنْ هَذَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ.
(بِخِلَافِ) شَهَادَةِ (أَخٍ لِأَخِيهِ) فَتُقْبَلُ (إنْ بَرَّزَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ فَاقَ الشَّاهِدُ أَقَرَّ أَنَّهُ فِي عَدَالَتِهِ وَهُوَ لَازِمٌ وَاسْمُ فَاعِلِهِ مُبَرِّزٌ أَيْ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ سَابِقٌ غَيْرَهُ مُقَدَّمٌ فِيهَا وَأَصْلُهُ مِنْ تَبْرِيزِ الْخَيْلِ فِي السَّبَقِ وَتَقَدُّمِ سَابِقِهَا وَهُوَ الْمُبَرِّزُ لِظُهُورِهِ وَبُرُوزِهِ قَالَهُ عِيَاضٌ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَبُولُ شَهَادَةِ الْأَخِ الْمُبَرِّزِ لِأَخِيهِ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَيَّدَ فِي تَوْضِيحِهِ إطْلَاقَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالْأَمْوَالِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ رَجُلٍ لَهُ، وَكَذَا الْأَخُ وَالْأَجِيرُ إذَا كَانَا فِي عِيَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا إنْ كَانَا مُبَرِّزَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ. ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ تَقْيِيدِ شَهَادَتِهِ بِالْمَالِ. ابْنُ رُشْدٍ أَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي نِكَاحٍ وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ إنْ نَكَحَ مَنْ يَتَزَيَّنُ بِنِكَاحِهِ إلَيْهِمْ، وَفِي كَوْنِهِ تَفْسِيرَ الْقَوْلِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ خِلَافًا قَوْلَا ابْنِ دَحُونٍ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَجِرَاحُ الْخَطَأِ وَقَتْلُهُ كَالْمَالِ، وَفِي لَغْوَاهَا فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَصِحَّتِهَا نَقْلَا اللَّخْمِيِّ عَنْ مَعْرُوفِ الْمَذْهَبِ وَأَشْهَبَ مَعَ الْمَوَّازِيَّةِ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَفِيهِ اخْتِلَافُ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى سَمَاعِ زُونَانَ. أَشْهَبُ تَجُوزُ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ تَجُوزُ فِي قَتْلِهِ وَالْحُدُودِ. اللَّخْمِيُّ لَا تَجُوزُ فِي أَنَّ فُلَانًا قَذَفَهُ فَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُبَرِّزِ لِأَخِيهِ إنْ كَانَتْ بِمَالٍ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَتْ (بِتَعْدِيلٍ) لِلْأَخِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (تُؤُوِّلَتْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُثَقَّلًا أَيْ فُهِمَتْ الْمُدَوَّنَةُ (بِخِلَافِهِ) أَيْ عَدَمِ تَعْدِيلِ الْمُبَرِّزِ أَخَاهُ. عب كَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ وَتت، وَقَرَّرَهُ " ق " بِمَا يُفِيدُهُ أَنَّهَا تُؤُوِّلَتْ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ فِي شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا
وَالْمُعْتَمَدُ اشْتِرَاطُ التَّبْرِيزِ. الْبُنَانِيُّ وَيَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِمَا مَعًا بِأَنَّ مَعْنَاهُ وَتُؤُوِّلَتْ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهَذَا أَفْيَدُ. أَمَّا التَّأْوِيلَانِ
كَأَجِيرٍ، وَمَوْلَى وَمُلَاطِفٍ وَمُفَاوِضٍ فِي غَيْرِ مُفَاوَضَةٍ، وَزَائِدٍ
ــ
[منح الجليل]
فِي اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ وَعَدَمِهِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ هُوَ الَّذِي فِي أَوَّلِ شَهَادَاتِ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي أَثْنَائِهَا. وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ خِلَافٌ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا فِي أَوَّلِ الشَّهَادَاتِ قَيْدٌ لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا مَا فِي التَّعْدِيلِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي جَوَازِ تَعْدِيلِهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَا نَصُّهُ الْجَوَازُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ بِشَرْطِ التَّبْرِيزِ لِقَوْلِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَخُ وَالْأَجِيرُ فِي الْعِيَالِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا إذَا كَانَا مُبَرِّزَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهَا الْأَكْثَرُونَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِالتَّعْدِيلِ هُنَا تَعْدِيلُ مَنْ شَهِدَ لِأَخِيهِ بِمَالٍ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَالِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُجَرَّحُ مَنْ جَرَّحَ أَخَاهُ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يُجَرَّحُ مَنْ جَرَّحَهُ. وَشَبَّهَ فِي اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ فَقَالَ (كَأَجِيرٍ) يَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَ. فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إنْ كَانَ مُبَرِّزًا وَلَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِ الْمَشْهُودِ لَهُ (وَ) كَ (مَوْلَى) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ أَسْفَلَ يَشْهَدُ لِمُعْتِقِهِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إنْ كَانَ مُبَرِّزًا وَلَيْسَ فِي عِيَالِهِ. أَبُو الْحَسَنِ وَأَمَّا شَهَادَةُ الْأَعْلَى لِلْأَسْفَلِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّبْرِيزُ (وَ) كَصَدِيقٍ (مُلَاطِفٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِصَدِيقِهِ إنْ كَانَ مُبَرِّزًا وَلَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ. الْحَطّ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالرَّجُلِ الَّذِي يُلَاطِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَمَعْنَى اللُّطْفِ الْإِحْسَانُ وَالْبِرُّ وَالتَّكْرِمَةُ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي تَسْمِيَتِهِ تَعَالَى لَطِيفًا، وَلَوْ كَانَتْ الْمُلَاطَفَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ كَانَتْ كَمَسْأَلَةِ الْأَخَوَيْنِ اللَّذَيْنِ يَنَالُ أَحَدُهُمَا بِرَّ الْآخَرِ وَصِلَتَهُ قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ ابْنُ فَرْحُونٍ هُوَ الَّذِي قِيلَ فِيهِ.
إنَّ أَخَاك الْحَقَّ مَنْ كَانَ مَعَك
…
وَمَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَك
وَمَنْ إذَا رَيْبُ الزَّمَانِ صَدَّعَك
…
شَتَّتَ فِيك شَمْلَهُ لِيَجْمَعَك
اهـ. وَقَلَّ أَنْ يُوجَدَ هَذَا، فَتَفْسِيرُ التَّنْبِيهَاتِ أَوْلَى. (وَ) كَشَرِيكٍ (مُفَاوِضٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَاءٍ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا فَضَادٌ مُعْجَمَةٌ يَشْهَدُ لِشَرِيكِهِ (فِي غَيْرِ) مَالِ (مُفَاوَضَةٍ) فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إنْ بَرَّزَ فِي عَدَالَتِهِ (وَ) كَشَاهِدٍ (زَائِدٍ) فِي شَهَادَتِهِ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ أَوَّلًا بِأَنْ شَهِدَ لِزَيْدٍ عَمْرٌو بِعَشَرَةٍ ثُمَّ رَجَعَ لِشَهَادَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ
أَوْ مُنَقِّصٍ، وَذَاكِرٍ بَعْدَ شَكٍّ
وَتَزْكِيَةٍ وَإِنْ بِحَدٍّ مِنْ مَعْرُوفٍ، إلَّا الْغَرِيبَ:
ــ
[منح الجليل]
بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَتُقْبَلُ إنْ كَانَ مُبَرِّزًا (أَوْ مُنَقِّصٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا عَمَّا شَهِدَ بِهِ أَوَّلًا كَعَكْسِ الْمِثَالِ السَّابِقِ، فَيُقْبَلُ إنْ بَرَّزَ. (وَ) كَشَاهِدٍ (ذَاكِرٍ) أَيْ مُتَذَكِّرٍ لِمَا شَهِدَ بِهِ (بَعْدَ شَكٍّ) مِنْهُ فِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ إذَا سُئِلَ الشَّخْصُ عَنْ شَهَادَةٍ فِي مَرَضِهِ لِتُنْقَلَ عَنْهُ أَوْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ تَحْصِينًا أَوْ سُئِلَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيَشْهَدَ بِهَا فَأَنْكَرَهَا، وَقَالَ لَا عِلْمَ عِنْدِي مِنْهَا ثُمَّ جَاءَ يَشْهَدُ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إذَا كَانَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ.
وَأَمَّا لَوْ لَقِيَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَقَالَ لَهُ بَلَغَنِي أَنَّك تَشْهَدُ عَلَيَّ بِكَذَا فَقَالَ لَهُ لَا أَشْهَدُ عَلَيْك بِكَذَا وَلَا عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ، وَإِنْ شَهِدْت فَشَهَادَتِي بَاطِلَةٌ فَلَا يَقْدَحُ هَذَا فِي شَهَادَتِهِ وَلَا يَضُرُّهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ بَيِّنَةٌ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ. وَأَمَّا إذَا قَالَ الشَّاهِدُ بَعْدَ شَهَادَتِهِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إنْ كُنْت شَهِدْت عَلَيْك بِكَذَا فَأَنَا مُبْطِلٌ، فَهَذَا رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ خِلَافًا.
(وَ) كَشَاهِدٍ فِي (تَزْكِيَةٍ) لِشَاهِدٍ فَتُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ إنْ بَرَّزَ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ بِمَالٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (بِ) مُوجِبِ (حَدٍّ) كَقَتْلٍ وَرِدَّةٍ وَزِنًا وَقَذْفٍ وَسُكْرٍ. الْبَاجِيَّ يَجُوزُ التَّعْدِيلُ فِي الدِّمَاءِ وَغَيْرِهَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يَكُونُ التَّعْدِيلُ فِي الدِّمَاءِ وَلَا يُقْضَى بِهِ، وَيُزَادُ عَلَى شَرْطِ التَّبْرِيزِ كَوْنُ التَّزْكِيَةِ (مِنْ) شَخْصٍ (مَعْرُوفٍ) عِنْدَ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ فَلَا تُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ مِنْ مَعْرُوفٍ بِهَا عِنْدَهُ (إلَّا) الشَّاهِدَ (الْغَرِيبَ) فَتُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرُوفٍ بِهَا عِنْدَهُ، وَمِثْلُ الْغَرِيبِ الْمَرْأَةُ. ابْنُ عَاشِرٍ.
تَعْدِيلٌ احْتَاجَ لِتَعْدِيلٍ هَبَا
…
إلَّا عَدَالَة النَّسَا وَالْغُرَبَا
أَيْ إلَّا تَعْدِيلَ النِّسَاءِ وَالْغُرَبَاءِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِمَّنْ يَحْتَاجُ لِلتَّعْدِيلِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْقَاضِي وَالْهَبَاءُ مَا يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ الدَّاخِلِ مِنْ كُوَّةٍ مِثْلُ الْغُبَارِ " غ " أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ وَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى حَقٍّ فَعَدَّلَهُمْ قَوْمٌ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ فَعَدَّلَ الْمُعَدِّلِينَ
بِأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا
ــ
[منح الجليل]
آخَرُونَ، فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ غُرَبَاءَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ عَدَالَةً عَلَى عَدَالَةٍ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ حَتَّى تَكُونَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ التَّزْكِيَةِ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ (أَشْهَدُ بِأَنَّهُ) أَيْ الشَّاهِدَ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ (عَدْلٌ رِضًى) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورًا مُنَوَّنًا، أَيْ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ. ابْنُ الْجَلَّابِ لَا يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ الْمَعْلُومُ مِنْ الْمَذْهَبِ إجْزَاؤُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ فَلَا يُجْزِئُ أَعْلَمُ أَوْ أَعْرِفُ قَالَهُ تت. طفى تَبِعَ قَوْلَ الْبِسَاطِيِّ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ، فَلَوْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ رِضًى فَلَا يَكْفِي عَلَى الْمَشْهُورِ. اهـ. وَهُوَ تَابِعٌ لِقَوْلِ الْمُوَضِّحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَيَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى، وَقِيلَ أَوْ أَعْلَمُهُ أَوْ أَعْرِفُهُ يَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ، وَالثَّانِي يَكْفِي عِنْدَهُ أَشْهَدُ أَوْ أَعْلَمُهُ عَدْلًا رِضًى أَوْ أَعْرِفُهُ. اهـ. وَهَذَا مُرَادُهُ فِي مُخْتَصَرِهِ لِإِدْخَالِ الْجَارِّ عَلَى الْفِعْلِ قَاصِدًا حِكَايَةَ لَفْظِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ هُوَ مُرَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لَا بُدَّ مِنْ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ عَدْلٌ، سَوَاءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَشْهَدُ أَوْ بِغَيْرِهِ وَلَا يَقُولُ أَعْلَمُهُ وَلَا أَعْرِفُهُ، وَعَلَى هَذَا شَرَحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، فَقَالَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ اخْتَارَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي هَذَا الشَّاهِدُ عَدْلٌ رِضًى اهـ. اللَّخْمِيُّ إنْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ رِضًى صَحَّتْ الْعَدَالَةُ. الْمَازِرِيُّ
قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَفْظُ التَّعْدِيلِ. أَنْ يَقُولَ هُوَ عَدْلٌ رِضًى. اهـ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ أَشْهَدُ خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ بِقَوْلِهِ لَمْ أَقِفْ عَلَى اشْتِرَاطِ لَفْظِ أَشْهَدُ فِي التَّزْكِيَةِ، وَالرِّوَايَاتُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ. وَرَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ يَكْفِي إلَخْ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَسَحْنُونٌ يَقُولُ هُوَ عَدْلٌ رِضًى جَائِزُ الشَّهَادَةِ يَجْمَعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ اخْتَارَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ هُوَ عِنْدِي مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالرِّضَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وقَوْله تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا اكْتَفَى بِهِ لِذِكْرِهِ تَعَالَى كُلَّ لَفْظٍ وَحْدَهُ. قُلْت وَهُوَ نَقْلُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
ابْنُ فَتُّوحٍ عَنْ الْمَذْهَبِ. اللَّخْمِيُّ إنْ قَالَ عَدْلٌ رِضًى صَحَّتْ الْعَدَالَةُ، وَاخْتُلِفَ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ هَلْ هُوَ تَعْدِيلٌ أَمْ لَا، فَإِنْ قَالَ إحْدَاهُمَا وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ الْأُخْرَى فَهُوَ تَعْدِيلٌ لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِقَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ وُصِفَ بِإِحْدَاهُمَا، وَإِنْ سُئِلَ عَنْ الْأُخْرَى فَوَقَفَ فَهِيَ رِيبَةٌ فِي تَعْدِيلِهِ فَيُسْأَلُ عَنْ سَبَبِ وَقْفِهِ، فَقَدْ يَكُونُ مِمَّا لَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ أَوْ يَذْكُرُ مَا يُرِيبُ فَيُوقَفُ عَنْهُ. وَفِي الْجَلَّابِ وَالتَّزْكِيَةُ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ أَنْ نَشْهَدَ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى، وَلَا يَقْتَصِرَانِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدْلِ وَالرِّضَى. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ لَا تَكْفِي وَهُوَ الَّذِي فِي الْجَلَّابِ، وَفِي الْكَافِي هُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ الْمَعْلُومُ مِنْ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ، وَأَنَّهُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَجْزَأَهُ وَهُوَ الْمَعْلُومُ لِمَالِكٍ وَسَحْنُونٍ وَغَيْرِهِمَا وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ، فَالْأَوْلَى الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) الْقَرَافِيُّ قَاعِدَةُ اللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِهِ وَمَا لَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا بِهِ. اعْلَمْ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ بِالْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ، فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِلْحَاكِمِ أَنَا أُخْبِرُك أَنَّ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دِينَارًا عَنْ يَقِينٍ مِنِّي وَعِلْمٍ بِهِ فَلَا يُعَدُّ شَهَادَةً، بَلْ هَذَا وَعْدٌ مِنْ الشَّاهِدِ لَهُ أَنَّهُ سَيُخْبِرُهُ بِهِ عَنْ يَقِينٍ فَلَا يَعْتَمِدُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ قَدْ أَخْبَرْتُك بِكَذَا فَهُوَ كَاذِبٌ، إذْ مُقْتَضَاهُ تَقَدُّمُ إخْبَارِهِ بِهِ وَلَمْ يَقَعْ، فَالْمُضَارِعُ وَعْدٌ وَالْمَاضِي كَذِبٌ، وَكَذَا اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُقْتَضِي لِلْحَالِ كَأَنَا مُخْبِرُك بِكَذَا، فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ إخْبَارِهِ فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَقَعْ فَظَهَرَ أَنَّ الْخَبَرَ كَيْفَ تَصَرَّفَ لَا يُعَدُّ شَهَادَةً وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلشَّاهِدِ بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ فَقَالَ حَضَرْت عِنْدَ فُلَانٍ، فَسَمِعْته يُقِرُّ لِفُلَانٍ بِكَذَا أَوْ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا، أَوْ شَهِدْت بِصُدُورِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ، فَلَيْسَ هَذَا أَدَاءُ شَهَادَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخْبِرٌ عَنْ أَمْرٍ تَقَدَّمَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ بَعْدُ عَلَى مَا مَنَعَ الشَّهَادَةَ بِهِ مِنْ فَسْخٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
أَوْ إقَالَةٍ أَوْ حُدُوثِ رِيبَةٍ لِلشَّاهِدِ تَمْنَعُ الْأَدَاءَ فَلَا يَجُوزُ لِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الِاعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا صَدَرَ بِهِنَّ الشَّاهِدُ، فَالْخَبَرُ كَيْفَ تَقَلَّبَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا وَالْإِنْشَاءُ لَيْسَ بِخَبَرٍ، وَلِذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ، فَإِذَا قَالَ الشَّاهِدُ أَشْهَدُ بِكَذَا كَانَ إنْشَاءً، وَلَوْ قَالَ شَهِدْت لَمْ يَكُنْهُ. عَكْسُ الْبَيْعِ لَوْ قَالَ أَبِيعُك لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً لَهُ، بَلْ وَعْدٌ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ بِعْتُك كَانَ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ، فَإِنْشَاءُ الشَّهَادَةِ بِالْمُضَارِعِ وَالْعُقُودِ بِالْمَاضِي وَإِنْشَاءُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ بِالْمَاضِي وَاسْمِ الْفَاعِلِ نَحْوِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ وَلَا يَنْشَأُ الْبَيْعُ وَالشَّهَادَةُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، فَلَوْ قَالَ أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا أَوْ أَنَا بَائِعٌ، كَذَا لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً.
وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الْوَضْعُ الْعُرْفِيُّ، فَمَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْعُرْفِ لِلْإِنْشَاءِ فَهُوَ إنْشَاءٌ وَمَا لَا فَلَا فَاتُّفِقَ أَنَّهُمْ وَضَعُوا لِلْإِنْشَاءِ الْمَاضِيَ فِي الْعُقُودِ، وَالْمُضَارِعَ فِي الشَّهَادَةِ وَاسْمَ الْفَاعِلِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةً لِلْإِنْشَاءِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ صَحَّ اعْتِمَادُ الْحَاكِمِ عَلَى الْمُضَارِعِ فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ صَرِيحٌ فِيهِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الصَّرِيحِ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى غَيْرِهِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمُرَادِ مِنْهُ، فَإِنْ اتَّفَقَ تَغَيُّرُ الْعُرْفِ وَصَارَ الْمَاضِي مَوْضُوعًا لِإِنْشَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْمُضَارِعُ لِإِنْشَاءِ الْعُقُودِ اعْتَمَدَ الْحَاكِمُ عَلَى الْعُرْفِ الطَّارِئِ، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْعُرْفِ الْأَوَّلِ الَّذِي تُرِكَ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ نَاشِئٌ عَنْ الْعَوَائِدِ وَتَابِعٌ لَهَا، وَأَنَّهُ يَنْقَلِبُ وَيَنْتَسِخُ بِتَغَيُّرِهَا وَانْقِلَابِهَا فَلَا يَبْقَى بَعْدَ هَذَا خَفَاءٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا تُؤَدَّى بِهِ الشَّهَادَةُ وَمَا لَا تُؤَدَّى بِهِ اهـ. طفى جَعْلُهُ أَشْهَدُ إنْشَاءً لَا يَصِحُّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، لِقَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ تَقُولُ مِنْهُ شَهِدَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا، وَقَوْلُ ابْنِ فَارِسٍ فِي مُجْمَلِهِ الشَّهَادَةُ خَبَرٌ عَنْ عِلْمٍ، وَقَوْلُ فَخْرِ الدَّيْنِ أَشْهَدُ إخْبَارٌ عَنْ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ الْمُسَمَّى كَلَامَ النَّفْسِ، وَكَذَا هُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ لِوَصْفِ الشَّاهِدِ بِالصِّدْقِ وَالزُّورِ، وَهُمَا مِنْ عَوَارِضِ الْخَبَرِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اخْتَارَهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ عَامًّا فَهِيَ الرِّوَايَةُ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فَهِيَ الشَّهَادَةُ.
مِنْ فَطِنٍ
ــ
[منح الجليل]
فَإِنْ قُلْت لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ جَعْلِ لَفْظِ أَشْهَدُ إنْشَاءً، وَالشَّهَادَةِ خَبَرًا، كَمَا قَالَ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ الْإِخْبَارُ عَنْ عَامٍّ لَا تُدَافَعُ فِيهِ الرِّوَايَةُ، وَخِلَافُهُ الشَّهَادَةُ وَأَشْهَدُ إنْشَاءٌ تَضَمَّنَ إخْبَارًا لَا مَحْضَ إخْبَارٍ أَوْ إنْشَاءٍ، وَعَلَى الْمُخْتَارِ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ أَشْهَدُ إنْشَاءً وَبَيْنَ كَوْنِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ إخْبَارًا؛ لِأَنَّهُ صِيغَةٌ مُؤَدِّيَةٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى بِمُتَعَلِّقِهِ. قُلْت الشَّهَادَةُ مَصْدَرُ أَشْهَدُ فَيَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ أَحَدِهِمَا إنْشَاءً كَوْنُ الْآخَرِ كَذَلِكَ، وَمِنْ النَّظَرِ إلَى الْمُتَعَلِّقِ فِي أَحَدِهِمَا كَوْنُ الْآخَرِ كَذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى لِلْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا صَنَعَ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَالْمُحَلَّى، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَشْهَدُ إنْ سُلِّمَ أَنَّهُ إنْشَاءٌ لَزِمَ كَوْنُهُ إنْشَاءً لِذَلِكَ الْخَبَرِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَرَافِيُّ، فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْمُتَعَلِّقِ فَخَبَرَانِ وَإِلَّا فَإِنْشَاءَانِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا، وَصَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ بَنَى مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ عِنْدَهُمْ حَصْرُ الشَّهَادَةِ فِي لَفْظِ أَشْهَدُ، فَكَأَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ الْخَبَرِ، فَحَصْرُ الْقَرَافِيِّ الشَّهَادَةَ فِيهِ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، إذْ لَمْ يَشْتَرِطُوا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ صِيغَةً مَخْصُوصَةً، بَلْ قَالُوا الدَّارُ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ. فِي النَّوَادِرِ قَوْلُهُ هَذِهِ شَهَادَتِي أَدَاءٌ لَهَا، وَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَتَقَرَّرَ عِنْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ مَعَ تَوَفُّرِ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَانِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي حَصْرِ الْقَرَافِيِّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ فِي لَفْظِ أُؤَدِّي الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِعُرْفٍ تَقَرَّرَ بَعِيدٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ. وَنَقَلَ شَمْسُ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ الدِّمَشْقِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرَ كَلَامِ ابْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ، بَلْ مَتَى قَالَ الشَّاهِدُ رَأَيْت كَذَا أَوْ سَمِعْت كَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ كَانَتْ شَهَادَةً مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَمَنْ تَصَفَّحَ نُصُوصَ الْمَالِكِيَّةِ عَلِمَ بُطْلَانَ حَصْرِ الْقَرَافِيِّ الشَّهَادَةَ فِي لَفْظِ أَشْهَدُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ التَّزْكِيَةِ (مِنْ) شَخْصٍ (فَطِنٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ
عَارِفٍ لَا يُخْدَعُ؛ مُعْتَمِدٍ عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ، لَا سَمَاعٍ مِنْ سُوقِهِ، أَوْ مَحَلَّتِهِ، إلَّا لِتَعَذُّرٍ
ــ
[منح الجليل]
ذِي فَطَانَةٍ وَنَبَاهَةٍ لَا يُخْدَعُ (عَارِفٍ) صِفَاتِ الْعُدُولِ وَأَضْدَادِهَا وَأَحْوَالِ النَّاسِ بِمُخَالَطَتِهِ لَهُمْ فَلَا يَغْتَرُّ بِظَوَاهِرِهِمْ، إذْ كَمْ مِنْ ظَاهِرٍ مُمَوَّهٍ عَلَى بَاطِنٍ مُشَوَّهٍ (لَا يُخْدَعُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ. الْبِسَاطِيُّ هَذَا تَفْسِيرُ الْفَطِنِ يَزِيدُهُ أَيْضًا (مُعْتَمِدٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ فِي مَعْرِفَةِ حَالِ مُزَكَّاهُ (عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، أَيْ خُلْطَةٍ مَعَ مُزَكَّاهُ وَأَشْعَرَ تَذْكِيرُهُ الْأَوْصَافَ بِأَنَّ النِّسَاءَ لَا يُزَكِّينَ رِجَالًا وَلَا نِسَاءً وَهُوَ كَذَلِكَ (لَا) مُعْتَمِدٍ عَلَى (سَمَاعٍ) مِنْ مَحْصُورِينَ. وَأَمَّا السَّمَاعُ الْفَاشِي مِنْ الْعُدُولِ وَغَيْرِهِمْ فَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْمُزَكِّي كَمَا سَيَأْتِي أَنَّ بَيِّنَةَ السَّمَاعِ يَثْبُتُ بِهَا التَّعْدِيلُ. الْبُنَانِيُّ لَمَّا عَارَضَ هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي التَّعْدِيلِ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِتَخْصِيصِ هَذَا بِالسَّمَاعِ مِنْ مُعَيَّنٍ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ الْمُعَدِّلِينَ وَالْمُجَرِّحِينَ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا فُلَانًا وَفُلَانًا يَشْهَدَانِ أَنَّ فُلَانًا عَدْلٌ رِضًى أَوْ غَيْرُ عَدْلٍ نَقَلَهُ الْعَوْفِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ، قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَى شَهَادَتِهِ أَشْهَدَهُمْ عَلَى التَّزْكِيَةِ أَوْ التَّجْرِيحِ
وَوَفَّقَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بِتَوْفِيقٍ آخَرَ فَحَمَلَ مَا هُنَا عَلَى شَهَادَتِهِ بِالْقَطْعِ مُعْتَمِدًا عَلَى سَمَاعٍ فَاشِيًا كَانَ أَمْ لَا، وَمَا يَأْتِي عَلَى الشَّهَادَةِ بِالسَّمَاعِ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ التَّوْفِيقَيْنِ. ابْنُ عَاشِرٍ إذَا كَفَى فِي التَّعْدِيلِ السَّمَاعُ الْفَاشِي ضَاعَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ، أَيْ مُعْتَمِدًا عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ إلَخْ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُزَكِّي (مِنْ) أَهْلِ سُوقِهِ أَيْ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ (أَوْ) أَهْلِ (مَحِلَّتِهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدَّ اللَّامِ، أَيْ مَحِلِّ حُلُولِ وَسُكْنَى الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُمْ أَدْرَى بِأَحْوَالِهِ. " غ " لَيْسَ الْجَارُّ مُتَعَلِّقًا بِسَمَاعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ تَزْكِيَةٍ بِحَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ أَوْ مَحِلَّتِهِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ وَتَزْكِيَةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ مَعْرُوفٍ وَمِنْ فَطِنٍ وَمِنْ أَهْلِ سُوقِهِ أَوْ مَحِلَّتِهِ، وَأَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ مِنْ جِيرَانِهِ وَأَهْلِ سُوقِهِ وَمَحِلَّتِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ وُقُوفَهُمْ عَنْ تَعْدِيلِهِ مَعَ كَوْنِهِمْ أَقْعَدَ بِهِ رِيبَةٌ فِي تَعْدِيلِهِ (إلَّا لِتَعَذُّرٍ) لِتَزْكِيَتِهِ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ أَوْ مَحِلَّتِهِ لِعَدَمِ تَبْرِيزِهِمْ فَيُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَوَجَبَتْ؛ إنْ تَعَيَّنَ كَجَرْحٍ، إنْ بَطَلَ حَقٌّ.
وَنُدِبَ تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا
ــ
[منح الجليل]
اللَّخْمِيُّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ قُبِلَ مِنْ سَائِرِ بَلَدِهِ، وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَلَا يُزَكَّى الشَّاهِدَ إلَّا أَهْلُ مَسْجِدِهِ وَسُوقِهِ وَجِيرَانُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ، رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ أَوْ يَكُونَ مِنْ قَوْمٍ مُبْرِزِينَ بِالْعَدَالَةِ، وَفِي التَّوْضِيحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَدِّلُوهُ أَهْلَ بَرَازَةٍ فِي الْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَّا الْمُبَرِّزَ بَدَلَ قَوْلِهِ إلَّا لِتَعَذُّرٍ كَأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ، أَوْ قَوْلِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَدِّلُوهُ أَهْلَ بَرَازَةٍ.
(وَوَجَبَ) التَّعْدِيلُ (إنْ تَعَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ انْحَصَرَتْ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِ الْمُزَكِّي فِي مُبْرِزِينَ وَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ ثُبُوتُ حَقٍّ أَوْ بُطْلَانُ بَاطِلٍ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " مَنْ عَلِمَ عَدَالَةَ شَخْصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْحُقُوقِ إلَّا أَنْ يَجِدَ غَيْرَهُ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، فَإِنْ عَرَفَ عَدَالَةَ الشَّاهِدِ أَرْبَعَةٌ مُبَرِّزُونَ وَجَبَ عَلَى أَيِّ اثْنَيْنِ كِفَايَةً، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا إلَّا اثْنَانِ فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهِمَا، وَمَحِلُّ الْوُجُوبِ بِقِسْمَيْهِ إنْ طُلِبَتْ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ، فَإِنْ لَمْ تُطْلَبْ فِي حَقِّهِ فَلَا تَجِبُ، وَأَمَّا فِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالتَّزْكِيَةِ إنْ اُسْتُدِيمَ تَحْرِيمُهُ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَةِ.
وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ فَقَالَ (كَجَرْحٍ) أَيْ تَجْرِيحِ شَاهِدٍ فَيَجِبُ (إنْ بَطَلَ) بِتَرْكِهِ (حَقٌّ) تت الشَّرْطُ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا. طفى بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِهَذِهِ مِنْ قَاعِدَتِهِ مِنْ رُجُوعِ الشَّرْطِ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ، وَيَكْفِي الْأَوَّلُ قَوْلُهُ إنْ تَعَيَّنَ. الْحَطّ وَعَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَهِدَ الشَّاهِدُ بِحَقٍّ وَأَنْتَ تَعْلَمُ جَرْحَتَهُ فَهَلْ يَجُوزُ لَك أَنْ تَجْرَحَهُ؟ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ قَوْلَيْنِ، وَرَجَّحَ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ بِجَرْحَتِهِ.
(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا) أَيْ تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُشَابُ بِالْمُدَاهَنَةِ، فَإِنْ أَقْصَرَ عَلَى تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ أَجْزَأَتْ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا تُجْزِئُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى تَزْكِيَةِ السِّرِّ أَجْزَأَتْ اتِّفَاقًا، وَيَكْفِي فِي نَدْبِ الْجَمْعِ تَزْكِيَةُ وَاحِدٍ سِرًّا
مِنْ مُتَعَدِّدٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الِاسْمَ،
ــ
[منح الجليل]
وَيُنْدَبُ تَعَدُّدُهُ، فَفِيهِ مَنْدُوبَانِ، وَتَجُوزُ التَّزْكِيَةُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ إنْ عَرَفَ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ اسْمَ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ، بَلْ (وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ (الِاسْمَ) لِلْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَقَيَّدَهُ الْمُتَيْطِيُّ بِمَنْ اُشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ أَوْ لَقَبِهِ، وَرُبَّ مَشْهُورٍ بِكُنْيَتِهِ أَوْ لَقَبِهِ وَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ كَأَشْهَبَ اسْمُهُ مِسْكِينٌ وَسَحْنُونٌ اسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ وَإِلَّا فَيَبْعُدُ مَعَ طُولِ الْعِشْرَةِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ الِاسْمِ أَفَادَهُ تت. " وغ " وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الِاسْمَ، كَذَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَنْ عَدَّلَ رَجُلًا لَمْ يَعْرِفْ اسْمَهُ قَبْلَ تَعْدِيلِهِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ كَالْمُنَافِي لِقَوْلِ سَحْنُونٍ فِي نَوَازِلِهِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُزَكِّيَ رَجُلًا إلَّا رَجُلًا قَدْ خَالَطَهُ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَسَافَرَ مَعَهُ وَرَافَقَهُ، وَلِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا يُزَكِّيه حَتَّى تَطُولَ الْمُخَالَطَةُ بَيْنَهُمَا، فَيَعْلَمَ بَاطِنَهُ كَمَا يَعْلَمُ ظَاهِرَهُ، قَالَ يُرِيدُ عِلْمَ بَاطِنِهِ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ لَا أَنَّهُ يَقْطَعُ بِذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَانْظُرْ قَبُولَ سَحْنُونٍ تَزْكِيَةَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الِاسْمَ مَعَ تَعَقُّبِ بَعْضِ أَهْلِ الزَّمَانِ تَزْكِيَةَ الشَّاهِدِ بَعْضَ الْعَوَامّ مَعَ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ بِالتَّعْرِيفِ بَعْدَ تَزْكِيَتِهِ إيَّاهُ أَوْ قَبْلَهَا بِقَرِيبٍ. اهـ. وَاَلَّذِي فِي أَصْلِ الْمُتَيْطِيِّ وَيَجُوزُ تَزْكِيَةُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَهُ إذَا اُشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ أَوْ لَقَبٍ لَا يَعِزُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ، وَرُبَّ رَجُلٍ مَشْهُورٍ بِكُنْيَتِهِ لَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ، وَهَذَا أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يَكَادُ أَكْثَرُ النَّاسِ يَعْرِفُ اسْمَهُ مِسْكِينٌ وَسَحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ اسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، وَبِهِ كَانَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ.
وَيُقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِمَا سَبَقَ سَوَاءٌ ذَكَرَ سَبَبَهُ (أَوْ لَمْ يَذْكُرْ) الْمُعَدِّلُ بِالْكَسْرِ لِتَعْدِيلِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أُمُورٍ قَدْ يَعْسُرُ اسْتِحْضَارُهَا وَقْتَهُ (بِخِلَافِ الْجَرْحِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ التَّجْرِيحِ لِلشَّاهِدِ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بَعْدَ بَيَانِ سَبَبِهِ، لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، فَرُبَّمَا اعْتَمَدَ الْمُجَرِّحُ عَلَى مَا لَا يَقْتَضِيه كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَرَّحَ شَاهِدًا فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِهِ فَقَالَ رَأَيْته يَبِيعُ وَلَا يُرَجِّحُ فِي الْمِيزَانِ. سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " عَنْ الَّذِي يَسْأَلُهُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ الشَّاهِدِ فَيُخْبِرُهُ بِبَعْضِ مَا يَكُونُ فِيهِ الْحَدُّ، فَقَالَ إذَا كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي سَأَلَهُ فَكَشَفَ عَنْ الْمُشَاهَدِ فَلَيْسَ عَلَى الْمُخْبِرِ شَيْءٌ. الْحَطّ إذَا قَالَ أَحَدُ الْمُجَرِّحِينَ فِي الشَّاهِدِ هُوَ كَذَّابٌ، وَقَالَ
أَوْ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ، بِخِلَافِ الْجَرْحِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ
ــ
[منح الجليل]
الْآخَرُ فِيهِ هُوَ آكُلُ رِبًا فَلَيْسَ بِتَجْرِيحٍ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ خَائِنٌ، وَقَالَ الْآخَرُ يَأْكُلُ أَمْوَالَ الْيَتَامَى فَهَذَا تَجْرِيحٌ، وَقِيلَ أَيْضًا إذَا جَرَّحَهُ أَحَدُهُمَا بِمَعْنًى وَجَرَّحَهُ الْآخَرُ بِمَعْنًى آخَرَ فَهَذَا تَجْرِيحٌ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ. ابْنُ حَبِيبٍ وَسَأَلْته عَنْ تَجْرِيحِهِمَا إيَّاهُ أَنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ، وَقَالَا لَا نُسَمِّي الْجُرْحَةَ فَقَالَ هِيَ جُرْحَةٌ وَلَا يَكْشِفُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا أَفَادَهُ ابْنُ سَهْلٍ.
(وَ) إنْ زَكَّى الشَّاهِدَ مُبَرِّزُونَ مَوْصُوفُونَ بِجَمِيعِ مَا سَبَقَ وَجَرَّحَهُ آخَرُونَ كَذَلِكَ فَ (هُوَ) أَيْ الْجَرْحُ (مُقَدَّمٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (عَلَى التَّعْدِيلِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي الشَّاهِدِ يُعَدِّلُهُ الرَّجُلَانِ، وَيَأْتِي الْمَطْلُوبُ بِالرَّجُلَيْنِ يُجَرِّحَانِهِ، قَالَ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى الشُّهُودِ أَيُّهُمَا أَعْدَلُ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ الْمُجَرِّحَانِ أَوْلَى وَيَسْقُطُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ مِثْلَهُ. ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ هُوَ دَلِيلُ مَا فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ وَهْبٍ التَّعْدِيلُ أَوْلَى مِنْ التَّجْرِيحِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمُجَرِّحُونَ الْجُرْحَةَ وَتَعَارَضَتْ الشَّهَادَةُ، فَإِنْ بَيَّنَ الْمُجَرِّحُونَ الْجُرْحَةَ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ أَعْمَلُ مِنْ شَهَادَةِ الْمُعَدِّلِينَ وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ عَدَالَةً مِنْهُمْ، وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْهَا وَجْهٌ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَوْجِيهِهَا وَالْقَوْلُ بِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُجَرِّحِينَ أَعْمَلُ هُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ. ابْنُ سَهْلٍ تَقْدِيمُ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ، وَقَائِلُوهُ أَكْثَرُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. الْمُتَيْطِيُّ الَّذِي مَضَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ التَّجْرِيحَ أَتَمُّ شَهَادَةً؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا مِنْ الْبَاطِنِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُعَدِّلُونَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ، وَقَالَ فِي نِهَايَتِهِ شَهَادَةُ التَّجْرِيحِ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ التَّعْدِيلِ تُبْطِلُ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ بِالْجَرْحِ شَهَادَةَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْ الرِّجَالِ بِالْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُجَرِّحَ عَلِمَ مِنْ حَالِ الْمُجَرَّحِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُزَكِّي، هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي النَّوَادِرِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا عُدِّلَ الشُّهُودُ عِنْدَهُمْ ثُمَّ أَتَى مَنْ يُجَرِّحُهُمْ فَإِنَّهُ يُسْمَعُ الْجَرْحُ فِيهِمْ أَبَدًا مَا لَمْ يَحْكُمْ، فَإِنْ حَكَمَ فَلَا يَنْظُرُ فِي
وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا: فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى: تَرَدُّدٌ. وَبِخِلَافِهَا لِأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، أَوْ أَبَوَيْهِ: إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لَهُ
ــ
[منح الجليل]
حَالِهِمْ بِجُرْحَةٍ وَلَا بِعَدَالَةٍ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ اهـ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ جَرَّحَ رَجُلَانِ عَدْلًا ثُمَّ جَاءَ الْمُجَرَّحُ بِمَنْ يُعَدِّلُهُ فَلَا يُقْبَلُ وَلَوْ بِأَلْفِ عَدْلٍ وَقَالَهُ أَصْبَغُ اهـ الْحَطّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنْ شَهِدَ) الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ زَمَنًا (ثَانِيًا) مَرَّةً أُخْرَى (فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى) بِضَمِّ الْهَمْزِ رَوَاهُ أَشْهَبُ وَأَطْلَقَ. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " لَا يَحْتَاجُ لِتَعْدِيلٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَغْمِزَ بِشَيْءٍ أَوْ يَرْتَابَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إنْ زَكَّاهُ مَشْهُورُ الْعَدَالَةِ فَلَا يَحْتَاجُ لِإِعَادَةِ تَزْكِيَتِهِ وَنَقَلَ الْبَاجِيَّ عَنْهُ الْمَشْهُورُ بِالْعَدَالَةِ يَكْفِي فِيهِ التَّعْدِيلُ الْأَوَّلُ حَتَّى يُجَرَّحَ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ، وَاَلَّذِي لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ بِهَا يَتَوَقَّفُ فِي تَعْدِيلِهِ ثَانِيًا أَوْ لَا يَكْفِي التَّعْدِيلُ الْأَوَّلُ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْدِيلِ كُلَّمَا يَشْهَدُ حَتَّى يَكْثُرَ تَعْدِيلُهُ وَتَشْتَهِرُ تَزْكِيَتُهُ، وَهَذَا لِسَحْنُونٍ. وَلِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ الثَّانِيَةُ قَرِيبَةً مِنْ الْأُولَى وَلَمْ يَطُلْ مَا بَيْنَهُمَا جِدًّا كَفَتْ تَزْكِيَتُهُ الْأُولَى، وَإِلَّا فَلْيَكْشِفْ عَنْهُ ثَانِيًا طَلَبَهُ الْمَشْهُودُ أَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَالسَّنَةُ طُولٌ. وَلِأَشْهَبَ إنْ شَهِدَ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ وَنَحْوِهَا فَيُسْأَلُ عَنْهُ الْعَدْلُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ مَاتَ عُدِّلَ مَرَّةً أُخْرَى وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ شَهِدَ بِالْقُرْبِ مِنْ التَّزْكِيَةِ الْأُولَى عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ، وَبَعْدَ طُولٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُزَكِّيه، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّ طَلَبَ تَزْكِيَتِهِ ثَانِيًا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ الِاكْتِفَاءُ بِتَزْكِيَتِهِ الْأُولَى مَا لَمْ يُتَّهَمْ بِحُدُوثِ أَمْرٍ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ.
(وَبِخِلَافِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ مِنْ أَبٍ (لِأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى) وَلَدِهِ (الْآخَرِ) فَتُقْبَلُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْأَبِ مَيْلٌ مَعَ الشُّهُودِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ ظَهَرَ الْمَيْلُ فَلَا تُقْبَلُ كَشَهَادَتِهِ لِلْبَارِّ عَلَى الْعَاقِّ أَوْ لِلصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ (أَوْ) شَهَادَةِ الِابْنِ لِأَحَدِ (أَبَوَيْهِ) عَلَى وَالِدِهِ الْآخَرِ فَتُقْبَلُ (إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ) مِنْ الشَّاهِدِ مَعَ الْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَكَانَ مُبَرِّزًا، فَإِنْ
وَلَا عَدُوٌّ وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ، أَوْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَلْيُخْبِرْ بِهَا كَقَوْلِهِ بَعْدَهَا:" تَتَّهِمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجَانِينِ " مُخَاصِمًا لَا شَاكِيًا
ــ
[منح الجليل]
ظَهَرَ مَيْلُهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. ابْنُ يُونُسَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِي الِابْنِ يَشْهَدُ لِأَحَدِ وَالِدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا، أَوْ يَكُونَ مَا يَشْهَدُ بِهِ يَسِيرًا. " غ " الشَّرْطُ رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ قَبْلَهُ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ مُحْرِزٍ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (عَدُوٍّ) عَدَاوَةً دُنْيَوِيَّةً فِي مَالٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ إنْ شَهِدَ عَلَى عُدُوِّهِ، بَلْ (وَلَوْ) شَهِدَ (عَلَى ابْنِهِ) أَيْ الْعَدُوِّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى، زَادَ وَلَوْ كَانَ مِثْلَ ابْنِ شُرَيْحٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ عَرَفَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ أَبُو شُرَيْحٍ الْمَعَافِرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْقَاسِمِ مِنْ أَشْيَاخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ بِجَوَازِهَا عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ أَوْ بَيْنَ (مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُسْلِمٍ عَلَى عَدُوِّهِ الْكَافِرِ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ. عِيَاضٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ، إذْ لَوْ تَمَحَّضَ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَزِدْ عَلَى الْقَدْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. " غ " هَذَا فِي حَيِّزِ الْإِغْيَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ وَلَوْ طَرَأَتْ الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ. وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ كَاَلَّتِي بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ مِنْ جِهَةِ كُفْرِهِ وَاَلَّتِي بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ لِفِسْقِهِ وَجُرْأَتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَمْنَعُ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فِيهِمَا لَا الْعَكْسُ لِمَانِعِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ.
(وَلْيُخْبِرْ) الْعَدْلُ الَّذِي شَهِدَ عَلَى عَدُوِّهِ الْحَاكِمَ (بِهَا) أَيْ الْعَدَاوَةِ وُجُوبًا بِأَنْ يَقُولَ لَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ الَّذِي شَهِدْت عَلَيْهِ عَدَاوَةٌ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " لِيَسْلَمَ مِنْ التَّدْلِيسِ وَلِاحْتِمَالِ عَدَمِ قَدْحِهَا إذَا فُسِّرَتْ. ابْنُ فَرْحُونٍ وَمِثْلُهَا قَرَابَتُهُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، وَمَثَّلَ لِلْعَدَاوَةِ فَقَالَ (كَقَوْلِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (بَعْدَ) أَدَائِ (هَا) أَيْ الشَّهَادَةِ لِلْحَاكِمِ (تَشْتُمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجْنُونِ) حَالَ كَوْنِهِ (مُخَاصِمًا) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِتَحَقُّقِ عَدَاوَتِهِ لَهُ (لَا) تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ حَالَ كَوْنِهِ (شَاكِيًا) أَيْ مُعَاتِبًا وَمُسْتَجِيرًا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ عَدَاوَتِهِ لَهُ. " غ " كَذَا هُوَ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ الشَّهَادَاتِ
وَاعْتَمَدَ فِي إعْسَارٍ بِصُحْبَةٍ، وَقَرِينَةِ صَبْرٍ ضُرًّا: كَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ
ــ
[منح الجليل]
تَشْتُمُنِي مِنْ الشَّتْمِ لَا تَتَّهِمُنِي مِنْ التُّهْمَةِ. وَقَالَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ، وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ عَنْهُ أَنَّهُ فَصَلَ فِي الثَّمَانِيَةِ بَيْنَ الْمُخَاصِمِ وَالشَّاكِي، وَحَكَى عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ قَادِحٌ وَاسْتَظْهَرَهُ، وَكَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا. الْبُنَانِيُّ هَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ فِي الثَّمَانِيَةِ، وَلَمْ يُكْمِلْهُ الْمُصَنِّفُ، وَنَصُّهُ عَلَى نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ كَمَا فِي " ق " إنْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّكْوَى وَالْإِشْهَادِ مِنْ الْأَذَى لَا عَلَى وَجْهِ طَلَبِ خُصُومَةٍ وَلَا سَمَّى الشَّتْمَةَ فَلَا أَرَاهُ شَيْئًا، وَإِنْ سَمَّى الشَّتْمَةَ وَهِيَ مِمَّا فِي مِثْلِهَا الْخُصُومَةُ أَوْ كَانَ مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الطَّلَبِ لِخُصُومَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الشَّتْمَةَ فَشَهَادَتُهُ بَاطِلَةٌ سَاقِطَةٌ. اهـ. وَهَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ نَاقِصًا كَمَا هُنَا وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، قَالَ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَدُوُّهُ وَلَوْ قَالَ مَا هُوَ أَدْنَى مِنْ هَذَا سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ. ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَصْوَبُ، قَالَ وَنَحْوُ هَذَا اخْتَارَ اللَّخْمِيُّ. قَالَ طَرْحُ الشَّهَادَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْسَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا، فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَصَوَّبَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
(وَاعْتَمَدَ) الشَّاهِدُ (فِي) شَهَادَتِهِ بِ (إعْسَارٍ) لِمَدِينٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ شَرِيكٍ (بِ) طُولِ (صُحْبَةٍ) لِلْمَشْهُودِ بِإِعْسَارِهِ (وَ) بِ (قَرِينَةِ صَبْرِ) الْمَشْهُودِ بِإِعْسَارِهِ عَلَى تَحَمُّلِ (ضَرَرٍ) بِجُوعٍ وَعُرْيِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ غَالِبًا. وَشَبَّهَ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَى الصُّحْبَةِ وَالْقَرِينَةِ فَقَالَ (كَ) الشَّهَادَةِ بِ (ضَرَرِ) أَحَدِ (الزَّوْجَيْنِ) الْآخَرَ فَيَعْتَمِدُ الشَّاهِدُ بِهِ عَلَى طُولِ صُحْبَتِهِمَا وَقَرِينَةِ صَبْرِ أَحَدِهِمَا عَلَى سُوءِ عِشْرَةِ الْآخَرِ. الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ بِالْإِعْسَارِ وَمَا أَشْبَهَهُ كَالتَّعْدِيلِ، وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ عَلَى الظَّنِّ الْقَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ عَلَى تَحْصِيلِهِ غَالِبًا، وَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِمُقْتَضَاهُ لَتَعَطَّلَ الْحُكْمُ فِي التَّعْدِيلِ وَالْإِعْسَارِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَعْتَمِدُ فِي الْإِعْسَارِ عَلَى صُحْبَتِهِ وَمُشَاهَدَةِ صَبْرِهِ عَلَى الضَّرَرِ كَالْجُوعِ وَالْعُرْيِ مِمَّا لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْفَقْرِ، فَبَاءُ بِصُحْبَةٍ بِمَعْنَى عَلَى. " غ " بِصُحْبَةٍ أَيْ مُخَالَطَةٍ، وَبِهَا عَبَّرَ الْمَازِرِيُّ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمِحْنَتِهِ أَيْ امْتِحَانِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ بِالْخِبْرَةِ
وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ فِيمَا رُدَّ فِيهِ لِفِسْقٍ أَوْ صِبًا، أَوْ رِقٍّ
ــ
[منح الجليل]
الْبَاطِنَةِ وَعَلَى كُلٍّ فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَازِرِيُّ، وَعِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ احْتِمَالٌ فِي رُجُوعِ طَرِيقَةِ الْمُقَدِّمَاتِ إلَيْهَا. الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ يَكْفِيه الظَّنُّ الْقَوِيُّ فِيمَا يَعْسُرُ فِيهِ الْعِلْمُ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي شَرْطِ شَهَادَةِ غَيْرِ السَّمَاعِ بِقَطْعِ الشَّاهِدِ بِالْعِلْمِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ مُطْلَقًا وَصِحَّتُهَا بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ فِيمَا يَعْسُرُ الْعِلْمُ بِهِ عَادَةً طَرِيقَانِ، الْأُولَى لِلْمُقَدِّمَاتِ لَا تَصِحُّ شَهَادَةٌ بِشَيْءٍ إلَّا بِعِلْمِهِ، وَالْقَطْعُ بِمَعْرِفَتِهِ لَا فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَعْرِفَتُهُ، ثُمَّ قَسَّمَ مُحَصَّلَاتِ الْعِلْمِ. الثَّانِيَةُ لِلْمَازِرِيِّ إنَّمَا يُطْلَبُ الظَّنُّ الْقَوِيُّ الْمُزَاحِمُ لِلْعِلْمِ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَالشَّهَادَةِ بِالْإِعْسَارِ، وَعَلَى هَذَا مَرَّ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَهَذَا الظَّنُّ النَّاشِئُ عَنْ الْقَرَائِنِ إنَّمَا هُوَ كَافٍ فِي جَزْمِ الشَّاهِدِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَتِّ، وَلَوْ صَرَّحَ فِي أَدَاءِ شَهَادَتِهِ بِالظَّنِّ فَلَا تُقْبَلُ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ ابْنِ رُشْدٍ فَتَتَّفِقُ الطَّرِيقَتَانِ. الْمَازِرِيُّ وَمِنْهُ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِهِ.
(وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ حَرَصَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَإِهْمَالِ الصَّادِ الشَّاهِدُ، أَيْ اُتُّهِمَ فِي شَهَادَتِهِ بِالْحِرْصِ (عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ) عَنْهُ حَصَلَ لَهُ كَشَهَادَتِهِ بَعْدَ زَوَالِ مَانِعِهَا (فِيمَا) أَيْ شَيْءٍ أَوْ الشَّيْءِ الَّذِي (رُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ الشَّاهِدُ (فِي) شَهَادَتِهِ بِ (هـ لِفِسْقٍ أَوْ صِبًا أَوْ رِقٍّ) أَوْ كُفْرٍ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ الثَّانِيَةُ الَّتِي أَدَّاهَا بَعْدَ زَوَالِ مَانِعِهَا بِالتَّوْبَةِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِيمَانِ لِاتِّهَامِهِ فِيهَا بِالْحِرْصِ عَلَى إزَالَةِ نَقْصِ رَدِّ شَهَادَتِهِ. وَمَفْهُومُ رُدَّ أَنَّ مَنْ قَامَ بِهِ مَانِعٌ وَلَمْ يُؤَدِّ الشَّهَادَةَ حَالَّةً وَأَدَّاهَا بَعْدَ زَوَالِهِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ لِسَلَامَتِهَا مِنْ تُهْمَةِ الْحِرْصِ عَلَى إزَالَةِ نَقْصِ الرَّدِّ، إذْ لَا رَدَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِيمَنْ قَالَ لِقَاضٍ يَشْهَدُ لِي فُلَانٌ النَّصْرَانِيُّ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ فَقَالَ لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ، ثُمَّ زَالَ مَانِعُهُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهَا فَتْوًى لَا حُكْمٌ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ وَالْمَازِرِيُّ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا
أَوْ عَلَى التَّأَسِّي: كَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِيهِ أَوْ مَنْ حُدَّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ
ــ
[منح الجليل]
عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا رُدَّتْ لِظِنَّةٍ أَوْ تُهْمَةٍ أَوْ لِمَانِعٍ مِنْ قَبُولِهَا ثُمَّ زَالَتْ التُّهْمَةُ أَوْ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِهَا، فَإِذَا أُعِيدَتْ فَلَا تُقْبَلُ اهـ
وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ فِيمَا رُدَّ فِيهِ مِمَّا لَوْ أَدَّى شَهَادَةً وَلَمْ تُرَدَّ حَتَّى زَالَ الْمَانِعُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ بِشَرْطِ إعَادَتِهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ، فِي التَّوْضِيحِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْقَائِمُ بِشَهَادَتِهِ لِلْقَاضِي يَشْهَدُ لِي فُلَانٌ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَقَالَ لَا أُجِيزُ شَهَادَتَهُ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ رَدًّا لِشَهَادَتِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ زَوَالِ مَانِعِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فَتْوَى قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَاحْتَرَزَ بِهِ أَيْضًا عَنْ شَهَادَتِهِ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ فِي غَيْرِ مَا رُدَّ فِيهِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ. (أَوْ) حَرَصَ (عَلَى التَّأَسِّي) أَيْ مُمَاثَلَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي نَقْصِهِ لِيَخِفَّ عَارُهُ؛ لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ إذَا عَمَّتْ هَانَتْ، وَإِذَا خَصَّتْ هَالَتْ. الْبُنَانِيُّ الَّذِي فِي الْقَامُوسِ ائْتَسَى بِهِ جَعَلَهُ أُسْوَةً وَالْأُسْوَةُ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ الْقُدْوَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَأَسٍّ بِهَذَا الْمَعْنَى، لَكِنْ نَقَلَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ السِّرَاجِ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ يُقَالُ التَّأَسِّي وَالِائْتِسَاءُ فِي الِاقْتِدَاءِ، فَحَقَّقَ ذَلِكَ. (كَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِيهِ) أَيْ الزِّنَا فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ فِيهَا بِحِرْصِهِ مُشَارَكَةَ غَيْرِهِ لَهُ فِي كَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا (أَوْ) شَهَادَةِ (مَنْ) أَيْ شَخْصٍ أَوْ الشَّخْصِ الَّذِي (حُدَّ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ لِزِنًا أَوْ سُكْرٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ سَرِقَةٍ ثُمَّ تَابَ وَشَهِدَ (فِي) مِثْلِ (مَا حُدَّ فِيهِ) فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ بِالْحِرْصِ عَلَى التَّأَسِّي، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ تُقْبَلُ وَمَفْهُومُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، أَنَّ شَهَادَتَهُ فِي غَيْرِ مَا حُدَّ فِيهِ تُقْبَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَنْ حُدَّ لِسُكْرٍ ثُمَّ يَشْهَدُ بِقَذْفٍ. طفى قَوْلُهُ أَوْ عَلَى التَّأَسِّي هَذَا مِنْ الْمَانِعِ الرَّابِعِ، وَلِذَا لَمْ يَقْرِنْهُ بِلَا لَكِنْ الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِلَفْظٍ عَامٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ أَفْرَادُ الْمَانِعِ كَمَا فَعَلَ فِي بَقِيَّتِهَا، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ. الْخَامِسُ الْحِرْصُ عَلَى إزَالَةِ التَّعْيِيرِ بِإِظْهَارِ الْبَرَاءَةِ أَوْ بِالتَّأَسِّي كَشَهَادَتِهِ فِيمَا رُدَّ فِيهِ لِفِسْقٍ أَوْ صِبًا أَوْ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ، وَكَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا اتِّفَاقًا وَكَشَهَادَةِ مَنْ حُدَّ فِي مِثْلِ مَا حُدَّ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ اهـ. وَالتَّعْيِيرُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَصْدَرُ عَيَّرَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ: كَمُخَاصَمَةِ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، أَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ، أَوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ فِي مَحْضِ حَقِّ الْآدَمِيِّ،
ــ
[منح الجليل]
وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ حَرَصَ) أَيْ اُتُّهِمَ الشَّاهِدُ بِالْحِرْصِ (عَلَى الْقَبُولِ) لِشَهَادَتِهِ (كَمُخَاصَمَةِ) أَيْ مُحَاكِمَةِ الشَّاهِدِ لِ (مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِ الْمَشْهُودِ بِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ لِدَلَالَتِهَا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ عَلَى التَّعَصُّبِ مَعَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْحِرْصِ عَلَى الْقَبُولِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. الْمَازِرِيُّ مُخَاصَمَتُهُمْ تَدُلُّ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى إنْقَاذِهَا، وَقَدْ يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيفٍ أَوْ زِيَادَةٍ فِيهَا. طفى الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِعَامٍّ تَنْدَرِجُ فِيهِ أَفْرَادُ الْمَانِعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ لَا يَشْمَلُهُ مَا قَبْلَهُ، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ السَّادِسُ الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَالْقَبُولِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْإِفْرَادِ فَالْأَوْلَى، وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَبُولِ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ إفْرَادِهِمَا يَقُولُ بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ. الْبُنَانِيُّ الْأَوْلَى وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الشَّهَادَةِ لِيَشْمَلَ الرَّفْعَ قَبْلَ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ حَرَصَ عَلَى الْأَدَاءِ لَا عَلَى الْقَبُولِ، إذْ الْقَبُولُ فَرْعُ الْأَدَاءِ وَهُوَ لَمْ يَحْصُلْ الْآنَ.
(أَوْ) كَمَنْ (شَهِدَ وَحَلَفَ) عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ فَتُرَدُّ لِاتِّهَامِهِ بِالْحِرْصِ عَلَى قَبُولِهَا قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَامِّيًّا فِي التَّبْصِرَةِ. وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْقَبُولِ فَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ إذَا أَدَّاهَا، وَهَذَا قَادِحٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ دَلِيلٌ عَلَى التَّعَصُّبِ وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى نُفُوذِهَا. اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْيَمِينَ الْقَادِحَةَ هِيَ الْوَاقِعَةُ عِنْدَ الْأَدَاءِ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيه قَوْلُ " ز " قَدَّمَ الْحَلِفَ عَلَى الشَّهَادَةِ أَوْ أَخَّرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَلِفَ عِنْدَ الْأَدَاءِ صَادِقٌ بِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ وَتَأْخِيرِهِ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (أَوْ رَفَعَ) الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ لِلْحَاكِمِ وَأَدَّاهَا لَهُ (قَبْلَ الطَّلَبِ) لَهَا مِنْهُ (فِي مَحْضِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ خَالِصِ (حَقِّ آدَمِيٍّ) أَيْ مَا لَهُ إسْقَاطُهُ، وَإِنْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ حَقٌّ أَيْضًا بِأَمْرِهِ بِتَوْفِيَتِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ فَلَا تُقْبَلُ لِلِاتِّهَامِ بِالْحِرْصِ عَلَى الْأَدَاءِ وَالتَّعَصُّبِ مَعَ الْمَشْهُودِ، نَعَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ صَاحِبَ الْحَقِّ بِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ إنْ كَانَ حَاضِرًا فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ لِشَهَادَتِهِ الْأَخَوَانِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ صَاحِبُ
وَفِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالْإِمْكَانِ؛ إنْ اُسْتُدِيمَ تَحْرِيمُهُ: كَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَوَقْفٍ وَرَضَاعٍ، وَإِلَّا خُيِّرَ: كَالزِّنَا
ــ
[منح الجليل]
الْحَقِّ بِعِلْمِهِمْ، وَجَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ تَفْسِيرًا. سَحْنُونٌ لَا يَكُونُ جُرْحَةً إلَّا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ إنْ كَانَ حَاضِرًا فَقَدْ تَرَكَ حَقَّهُ، إنْ كَانَ غَائِبًا فَلَيْسَ لِلشَّاهِدِ شَهَادَةٌ
وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ الرُّبَاعَ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ أَبُوهُ أَعَارَهَا أَوْ أَكْرَاهَا لِمَنْ هِيَ بِيَدِهِ وَالْوَلَدُ يَعْلَمُ أَنَّهَا لِأَبِيهِ أَنْ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يُعْلِمَ الْوَلَدَ بِذَلِكَ وَإِلَّا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ جُرْحَةً إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إنْ كَتَمَ وَلَمْ يُعْلِمْ بِشَهَادَةٍ بَطَلَ الْحَقُّ أَوْ دَخَلَ بِذَلِكَ فِي مَضَرَّةٍ أَوْ مَعَرَّةٍ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ الْإِعْلَامُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ صَاحِبَ الْحَقِّ تَرَكَهُ. (وَفِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ) وَهُوَ مَا لَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ إسْقَاطُهُ (تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ) مِنْ الشَّاهِدِ بِالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ قَبْلَ الطَّلَبِ (بِ) حَسَبِ (الْإِمْكَانِ) فَلَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ لِعُذْرٍ لَا يُمْكِنُ الرَّفْعُ مَعَهُ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ بِالرَّفْعِ (إنْ اُسْتُدِيمَ تَحْرِيمُ) ارْتِكَابِ (هـ) أَيْ الْمَشْهُودِ بِهِ (كَعِتْقٍ) لِرَقِيقٍ مَعَ اسْتِمْرَارِ اسْتِيلَاءِ الْمُعْتِقِ عَلَى الْمُعْتَقِ اسْتِيلَاءَ الْمَالِكِ عَلَى مِلْكِهِ (وَطَلَاقٍ) بَائِنٍ لِزَوْجَةٍ مَعَ دَوَامِ مُعَاشَرَةِ الزَّوْجِ لَهَا مُعَاشَرَةَ الْأَزْوَاجِ (وَوَقْفٍ) مَعَ اسْتِمْرَارِ حَيَاةِ الْوَاقِفِ الْوَقْفَ وَتَصَرُّفِهِ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، وَظَاهِرُهُ كَالْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَيَّدَهُ بِالْجَوَاهِرِ بِالثَّانِي (وَرَضَاعٍ) بَيْنَ زَوْجَيْنِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِمْ تَحْرِيمَهُ (خُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً الشَّاهِدُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَتَرْكِهِ (كَالزِّنَا) غَيْرِ الْمُسْتَدَامِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. عِيَاضٌ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ بِالْفِسْقِ وَالْمَعَاصِي، وَأَمَّا هُوَ فَقَدْ كَرِهَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " وَغَيْرُهُ السَّتْرَ عَلَيْهِ لِيَرْتَدِعَ عَنْ فِسْقِهِ، وَنَصُّهُ هَذَا السَّتْرُ فِي غَيْرِ الْمُشْتَهِرِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ فِي السَّتْرِ وَسُتِرُوا غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَدَعُوا وَتَمَادَوْا فَكُشِفَ أَمْرُهُمْ وَقُمِعَ شَرُّهُمْ مِمَّا يَجِبُ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ السَّتْرِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُهَاوَدَةِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى وَمُصَافَاةِ أَهْلِهَا، وَهَذَا أَيْضًا فِي كَشْفِ مَعْصِيَةٍ انْقَضَتْ وَفَاتَتْ
فَأَمَّا إذَا عُرِفَ انْفِرَادُ رَجُلٍ بِعَمَلِ مَعْصِيَةٍ أَوْ اجْتِمَاعُ جَمَاعَةٍ عَلَى
بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ، كَالْمُخْتَفِي؛
ــ
[منح الجليل]
مَعْصِيَةٍ فَلَيْسَ السَّتْرُ هُنَا السُّكُوتُ عَلَيْهَا وَتَرْكُهُمْ وَإِيَّاهَا، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ إذَا أَمْكَنَهُ تَغْيِيرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِكَشْفِهِ لِمَنْ يُعِينُهُ أَوْ السُّلْطَانِ فَلْيَفْعَلْ. وَأَمَّا إيضَاحُ حَالِ مَنْ يُضْطَرُّ إلَى كَشْفِهِ مِنْ الشُّهُودِ وَالْأُمَنَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ فَبَيَانُ حَالِهِمْ مِمَّنْ يُقْبَلُ مِنْهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ مِمَّا يَجِبُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَّا الشَّاهِدُ فَعِنْدَ طَلَبِ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ رُؤْيَةِ الْحَاكِمِ يَقْضِي بِشَهَادَتِهِ وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ مَا يُسْقِطُهَا فَيَجِبُ رَفْعُهُ. وَأَمَّا فِي أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَحَمَلَةِ الْعِلْمِ الْمُقَلَّدِينَ فِيهِ فَيَجِبُ كَشْفُ أَحْوَالِهِمْ السَّيِّئَةِ لِمَنْ عَرَفَهَا مِمَّنْ يُقَلِّدُ فِي ذَلِكَ وَيُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِمْ وَيُقَلَّدُوا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، عَلَى هَذَا اجْتَمَعَ رَأْيُ الْأَئِمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَلَيْسَ السَّتْرُ هَاهُنَا بِمُرَغَّبٍ فِيهِ وَلَا بِمُبَاحٍ اهـ.
(بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ) لِلشَّهَادَةِ فَلَا يُقْدَحُ فِيهَا (كَالْمُخْتَفِي) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ الْمُتَوَارِي عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الَّذِي يُقِرُّ بِمَا عَلَيْهِ سِرًّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْتَحِقِّيهِ. وَيُنْكِرُهُ إذَا حَضَرَهُ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ
فَإِذَا اخْتَفَى مِنْهُ عَدْلَانِ أَوْ سَمِعَا إقْرَارَهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْخَلْوَةِ وَضَبَطَاهُ وَشَهِدَا عَلَيْهِ بِهِ فَالْمَشْهُورُ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِمَا عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِمَا حِرْصُهُمَا عَلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ. ابْنُ الْحَاجِبِ فَفِي التَّحَمُّلِ كَالْمُخْتَفِي لِتَحَمُّلِهَا لَا يَضُرُّ عَلَى الْمَشْهُورِ. مُحَمَّدٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَخْدُوعًا وَلَا خَائِفًا. خَلِيلٌ قَوْلُ مُحَمَّدٍ تَتْمِيمٌ لِلْمَشْهُورِ، فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِي رَجُلَيْنِ قَعَدَ الرَّجُلُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِ، قَالَ إنْ كَانَ ضَعِيفًا أَوْ مَخْدُوعًا أَوْ خَائِفًا فَلَا يَلْزَمُهُ وَيَحْلِفُ مَا أَقَرَّ إلَّا لِمَا ذُكِرَ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَلَعَلَّهُ يُقِرُّ خَالِيًا وَيَأْبَى مِنْ الْبَيِّنَةِ فَهَذَا يَلْزَمُهُ مَا سَمِعَ مِنْهُ، قِيلَ فَرَجُلٌ لَا يُقِرُّ إلَّا خَالِيًا فَاقْعُدْ لَهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُهُ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، قَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَسْتَوْعِبُ أَمْرَهُمَا، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ تَسْمَعَ جَوَابَهُ لِسُؤَالِهِ، وَلَعَلَّهُ قَالَ لَهُ سِرًّا إنْ جِئْتُك بِكَذَا، أَمَّا الَّذِي لِي عَلَيْك فَيَقُولُ لَك عِنْدِي كَذَا، فَإِنْ قَدَرْت أَنْ تُحِيطَ بِسِرِّهِمْ فَجَائِزٌ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ شَهَادَةُ الْمُخْتَفِي لَا خَفَاءَ فِي رَدِّهَا عَلَى الْقَوْلِ بِلَغْوِ الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِ
وَلَا إنْ اُسْتُبْعِدَ: كَبَدْوِيٍّ لِحَضَرِيٍّ، بِخِلَافِ إنْ سَمِعَهُ،
ــ
[منح الجليل]
الْمُقِرِّ دُونَ قَوْلِهِ اشْهَدْ عَلَيَّ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ فِيهَا مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الِاخْتِفَاءَ لِتَحَمُّلِهَا وَقَبِلَهَا إنْ شَهِدَا بِهَا وَهُمْ الْأَكْثَرُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عِيسَى هُنَا. خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَفْرِقَتِهِ بَيْنَ مَنْ يَخْشَى أَنْ يُخْدَعَ لِضَعْفِهِ وَجَهْلِهِ وَبَيْنَ مَنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَوْ أَنْكَرَ الضَّعِيفُ الْجَاهِلُ الْإِقْرَارَ جُمْلَةً لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُصَدَّقُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا قَالَ أَقْرَرْت لِوَجْهِ كَذَا مِمَّا يُشْبِهُ اهـ. وَدَلَّ الْمَشْهُورُ هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ قَوْلُ الْمُقِرِّ اشْهَدْ عَلَيَّ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي هَذَا قَوْلَانِ.
(وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ اُسْتُبْعِدَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وُقُوعُ مِثْلِهَا عَادَةً (كَ) شَهَادَةِ رَجُلٍ (بَدْوِيٍّ) مَنْسُوبٍ لِلْبَادِيَةِ لِسُكْنَاهُ بِهَا (لِ) رَجُلٍ (حَضَرِيٍّ) مَنْسُوبٍ لِلْحَاضِرَةِ لِسُكْنَاهُ بِهَا عَلَى حَضَرِيٍّ أَوْ بَدْوِيٍّ فَلَا تُقْبَلُ لِبُعْدِهَا عَادَةً، إذْ لَمْ تَجْرِ بِإِشْهَادِ الْبَدْوِيِّ مَعَ وُجُودِ الْحَضَرِيِّينَ. اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ هَذَا إذَا كَتَبَ الْبَدَوِيُّ الْوَثِيقَةَ بِخَطِّهِ وَهُمَا فِي الْحَضَرِ مَعَ تَيَسُّرِ إشْهَادِ الْحَضَرِيِّينَ. وَأَمَّا لَوْ مَرَّا بِهِ بِالْبَادِيَةِ أَوْ سَمِعَ إقْرَارَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي الْحَاضِرَةِ فَتُقْبَلُ لِعَدَمِ بُعْدِهَا حِينَئِذٍ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ حَاصِلُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فِيمَا يُقْصَدُ إلَى إشْهَادِهِمْ عَلَيْهِ دُونَ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ فِيمَا يَقَعُ بِالْحَاضِرَةِ مِنْ عُقُودِ مُعَاوَضَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَتَدْبِيرٍ وَعِتْقٍ وَنِكَاحٍ وَشَبَهِهَا لَا تَجُوزُ، فَلَا شَهَادَةَ لِبَدَوِيٍّ فِي حَضَرٍ عَلَى حَضَرِيٍّ، وَلَا عَلَى بِدَوِيٍّ وَلَا لِبَدَوِيٍّ عَلَى حَضَرِيٍّ إلَّا فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَشَبَهِهَا مِمَّا لَا يُقْصَدُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ. وَتَجُوزُ فِيمَا يَقَعُ بِالْبَادِيَةِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى حَضَرِيٍّ أَوْ بِدَوِيٍّ، فَعَلَى هَذَا لَوْ حَضَرَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ شَيْئًا مِمَّا يَقَعُ فِي الْحَاضِرَةِ بَيْنَ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ مُعَامَلَةٍ وَغَيْرِهَا دُونَ أَنْ يَحْضُرُوا لِذَلِكَ، أَوْ يُقْصَدَ إلَى إشْهَادِهِمْ فَشَهِدُوا بِمَا حَضَرُوهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ إنْ كَانُوا عُدُولًا. اهـ. وَأَمَّا شَهَادَةُ الْحَضَرِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ فَفِيهَا خِلَافٌ فِي التَّوْضِيحِ. (بِخِلَافِ) شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ بِإِقْرَارِ الْحَضَرِيِّ (إنْ سَمِعَهُ) أَيْ الْبَدْوِيُّ إقْرَارًا لِحَضَرِيٍّ
أَوْ مَرَّ بِهِ
وَلَا سَائِلٍ فِي كَثِيرٍ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْأَلْ، أَوْ يَسْأَلُ الْأَعْيَانَ
وَلَا إنْ جَرَّ بِهَا نَفْعًا: كَعَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ
ــ
[منح الجليل]
فَتُقْبَلُ لِعَدَمِ بُعْدِهَا (أَوْ) شَهَادَةِ الْبَدْوِيِّ لِحَضَرِيٍّ عَلَى حَضَرِيٍّ أَوْ بِدَوِيٍّ بِمُعَامَلَةٍ بِبَادِيَةٍ إنْ (مَرَّ) الْحَضَرِيُّ (بِهِ) أَيْ الْبَدْوِيِّ وَهُوَ بِبَادِيَتِهِ فَتُقْبَلُ، إذْ لَا بُعْدَ فِيهَا. وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَبُولُ شَهَادَةِ الْحَضَرِيِّ عَلَى الْبَدْوِيِّ. ابْنُ وَهْبٍ وَأَنَا أَقُولُ إنَّهَا جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلَهَا مَا دَخَلَ شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ مِنْ الظِّنَّةِ وَالتُّهْمَةِ، وَرَأَى قَوْمٌ مَنْعَهَا.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ شَخْصٍ فَقِيرٍ (سَائِلٍ) أَيْ طَلَبَ الْإِعْطَاءِ مِنْ غَيْرِهِ (فِي) مَالٍ (كَثِيرٍ) تَعَامَلَ فِيهِ غَنِيَّانِ لِبُعْدِهَا؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْأَغْنِيَاءِ كَتْمُ أَمْوَالِهِمْ الْكَثِيرَةِ وَإِخْفَاؤُهَا عَنْ السَّائِلِينَ. وَمَفْهُومُ كَثِيرٍ قَبُولُ شَهَادَتِهِ فِي التَّافِهِ الْيَسِيرِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ. طفى هَذَا مُنْتَظِمٌ فِي سِلْكِ الِاسْتِبْعَادِ وَمِنْ أَفْرَادِهِ، فَالْأَوْلَى تَجْرِيدُهُ مِنْ لَا، إذْ لَا يُعِيدُهَا إلَّا لِمَانِعٍ لَا لِإِفْرَادِهِ كَمَا فَعَلَ فِي سَائِرِ الْمَوَانِعِ، وَكَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِعُذْرٍ، فَلَوْ قَالَ عَقِبَ قَوْلِهِ حَضَرِيٍّ أَوْ سَائِلٍ فِي كَثِيرٍ إلَخْ. ثُمَّ قَالَ بِخِلَافِ إنْ سَمِعَهُ أَوْ مَرَّ بِهِ لِيَعُودَ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا هُوَ النَّقْلُ لَكَانَ أَحْسَنَ. الْبُنَانِيُّ الْمَانِعُ فِي هَذَا هُوَ الِاسْتِبْعَادُ أَيْضًا، فَيُقَيَّدُ بِمَا قَيَّدَ بِهِ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ، بِخِلَافِ إنْ سَمِعَهُ أَوْ مَرَّ بِهِ وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِي كَثِيرٍ أَنَّهَا فِي الْأَمْوَالِ لَا الْحِرَابَةِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِهِمَا. تت ظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ سَأَلَ لِمُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أَمْ لَا، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ مَنْ سَأَلَ لِمُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أَوْ دِيَةٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ. (بِخِلَافِ مَنْ) أَيْ فَقِيرٍ (لَمْ يَسْأَلْ) النَّاسَ شَيْئًا، سَوَاءٌ كَانَ يَأْخُذُ إنْ أُعْطِيَ أَمْ لَا فَتَقْبَلُ شَهَادَتُهُ. ابْنُ يُونُسَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تُجَوِّزُ شَهَادَتَهُ إنْ كَانَ يَقْبَلُ مِمَّنْ يُعْطِيه مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ مَا أَتَاك مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى اهـ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ (أَوْ) مَنْ (يَسْأَلُ) الْإِمَامَ أَوْ (الْأَعْيَانَ) جَمْعُ عَيْنٍ أَيْ الْأَكَابِرَ مِنْ النَّاسِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْكَثِيرِ. ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْأَصَحِّ.
(وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ جَرَّ) الشَّاهِدُ (بِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ (نَفْعًا) لِنَفْسِهِ (كَ) شَهَادَةِ فَقِيرٍ (عَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا أَوْ قَتْلِ
بِالزِّنَا، أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ إلَّا الْفَقِيرَ؛ أَوْ بِعِتْقِ مَنْ يُتَّهَمُ فِي وَلَائِهِ، أَوْ بِدَيْنٍ لِمَدِينِهِ،
ــ
[منح الجليل]
الْعَمْدِ) الْعُدْوَانِ فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ بِقَصْدِ قَتْلِهِ لِيَرِثَهُ. وَخَرَجَ بِالْمُحْصَنِ الْبِكْرُ وَبِالْعَمْدِ الْخَطَأُ فَتُقْبَلُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ. وَقَيَّدَ أَشْهَبُ عَدَمَ الْقَبُولِ بِكَوْنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ غَنِيًّا وَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (إلَّا) الْمُوَرِّثَ (الْفَقِيرَ) فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ وَارِثِهِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ (أَوْ) شَهَادَةٌ (بِعِتْقِ مَنْ) أَيْ رَقِيقٍ (يُتَّهَمُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الشَّاهِدُ (فِي) الِاخْتِصَاصِ بِ (وَلَائِهِ) عَنْ الْإِنَاثِ مِنْ وَرَثَةِ مُعْتِقِهِ وَالرَّقِيقُ ذُو مَالٍ، فَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ فِيهَا لِعَدَمِ الْإِنَاثِ فِي الْوَرَثَةِ أَوْ عَدَمِ مَالِ الرَّقِيقِ فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِعِتْقِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي ثَانِي عِتْقِهَا إنْ شَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا نِسَاءٌ وَالْعَبْدُ يَرْغَبُ فِي وَلَائِهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْغَبُ فِي وَلَائِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ نِسَاءٌ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا. (أَوْ) شَهَادَةٌ (بِدَيْنٍ لِمَدِينِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ بِقَصْدِ أَخْذِهِ فِي دَيْنِهِ الَّذِي عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، وَظَاهِرُهُ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا اتَّحَدَ الدَّيْنَانِ فِي الصِّفَةِ أَوْ اخْتَلَفَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا. وَمَفْهُومُ بِدَيْنٍ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ بِغَيْرِ الْمَالِ مَقْبُولَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَشْيَاخِ. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ جَوَازُ شَهَادَةِ رَبِّ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ الْمَدِينُ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا تُقْبَلُ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الَّذِي بَلَغَهُ هُوَ تَفْسِيرُ مَا سَمِعَهُ مُجْمَلًا، وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَرِيبَ الْحُلُولِ، وَأَمَّا إنْ بَعُدَ فَجَائِزَةٌ كَمَا لَوْ كَانَ مَلِيًّا وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعْتَبِرْ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ. قَالَهُ تت.
طفى فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْتَبِرْ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ يَكُونُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَمَا بَلَغَهُ خِلَافًا لَهُ، فَأَيْنَ مُسْتَنَدُ الْمُصَنِّفِ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَيْدِ وَهُوَ ظَاهِرُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلشَّهَادَةِ بِالدَّيْنِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ لَوْ قَالَ أَوْ بِمَالٍ لِمَدِينِهِ الْمُعْدِمِ أَوْ الْمُلِدِّ لَجَمَعَ الْقُيُودَ كُلَّهَا. اهـ. وَنُوقِشَ بِبَقَاءِ قَيْدِ الْحُلُولِ
بِخِلَافِ الْمُنْفِقِ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، وَشَهَادَةِ كُلٍّ لِلْآخَرِ وَإِنْ بِالْمَجْلِسِ
ــ
[منح الجليل]
أَوْ قُرْبِهِ، وَعُذْرُ تت مُتَابَعَةُ التَّوْضِيحِ التَّابِعِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: رَدُّهَا مُطْلَقًا، وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَجَوَازُهَا مُطْلَقًا لِأَشْهَبَ، وَلِبَعْضِهِمْ التَّفْرِقَةُ بَعْدَ الْمَلِيءِ وَالْمُعْدِمِ وَتَبِعَهُمَا فِي الشَّامِلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَمْ أَجِدْ الْمَنْعَ مُطْلَقًا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَمْ يَحْكِ فِيهَا خِلَافًا، وَلَعَلَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بِدَلِيلِ عَزْوِهِمَا التَّفْرِقَةَ لِبَعْضِهِمْ وَهُوَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ لِمَالِكٍ فِيمَا بَلَغَ ابْنَ الْقَاسِمِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَقَدْ أَشَارَ " ح " لِمَا قُلْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بِخِلَافِ) شَهَادَةِ الشَّخْصِ (الْمُنْفِقِ لِ) لِشَخْصِ ا (لِمُنْفَقٍ عَلَيْهِ) فَإِنَّهَا تُقْبَلُ قَرِيبًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا. ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي عِيَالِ الشَّاهِدِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ إذْ لَا تُهْمَةَ. بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنْ كَانَتْ الْمَشْهُودُ لَهُ مِنْ قَرَابَةِ الشَّاهِدِ كَأَخِيهِ انْبَغَى أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ لَهُ بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ لَا تَلْزَمُهُ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ بَعْدَ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ وَصِلَتِهِ مَعَرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَجْنَبِيًّا جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ. الصِّقِلِّيُّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَالْمَسْأَلَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ لَا لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِمَّا دَخَلَ فِي قَوْلِهِ أَوْ لِمَدِينِهِ بِدَيْنٍ. الْحَطّ وَأَمَّا شَهَادَةُ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لِلْمُنْفِقِ فَلَا تُقْبَلُ كَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْهَا، وَنَقَلَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ إذَا كَانَ مُبَرِّزًا، وَذَكَرَ نَصَّهَا وَقَالَ عَقِبَهُ لَعَلَّ صَوَابَهُ الْمُنْفِقُ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ وَهِيَ صُورَةُ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) بِخِلَافِ (شَهَادَةِ كُلٍّ) مِنْ الشَّاهِدَيْنِ (لِلْآخَرِ) فَإِنَّهَا تُقْبَلُ، سَوَاءٌ شَهِدَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ إنْ كَانَتْ شَهَادَةُ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ بِغَيْرِ الْمَجْلِسِ الْأَوَّلِ، بَلْ (وَإِنْ) شَهِدَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ (بِالْمَجْلِسِ) الْأَوَّلِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْن الْقَاسِمِ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ عَلَى رَجُلٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ. ابْنُ رُشْدٍ فِي صِحَّةِ شَهَادَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَسُقُوطِهَا. ثَالِثُهَا إنْ كَانَتْ عَلَى رَجُلَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَجْلِسَيْنِ جَازَتْ عَلَى رَجُلَيْنِ، وَفِي جَوَازِهَا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ.
وَالْقَافِلَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ؛ فِي حِرَابَةٍ
ــ
[منح الجليل]
اللَّخْمِيُّ عَنْ الْأَخَوَيْنِ إنْ كَانَتْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَمْ تَجُزْ، وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. جَازَتْ وَلَوْ تَقَارَبَ مَا بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى رَجُلَيْنِ جَازَتْ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَرَى رَدَّهُ جَمِيعًا وَلَوْ كَانَتْ عَلَى رَجُلَيْنِ بِمَجْلِسَيْنِ لَفْظًا أَوْ بِكِتَابٍ لِتُهْمَتِهِمَا إلَّا أَنْ يَطُولَ مَا بَيْنَهُمَا. الْمَازِرِيُّ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِدَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ لِرَجُلَيْنِ شَهِدَا لَهُمَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ بِمَجْلِسَيْنِ جَازَتْ وَلَوْ تَقَارَبَا، وَإِنْ كَانَتْ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَفِي سُقُوطِهَا نَصُّ قَوْلِ الْأَخَوَيْنِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْبَغَ ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِيَارَ اللَّخْمِيِّ وَأَقَرَّهُ تت تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِهِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا صُوَرٌ:
الْأُولَى أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ عَلَى رَجُلٍ بِأَنَّ عَلَيْهِ لِفُلَانٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَيَشْهَدَ فُلَانٌ الْمَشْهُودُ لَهُ بِأَنَّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِلشَّاهِدِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ اتَّحَدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُودُ بِهِ وَالزَّمَانُ وَالْمَكَانُ، فَقَالَ فِيهِمَا مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا تُقْبَلَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَبُولُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِيَةُ: تَعَدُّدُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَبَاقِيهَا بِحَالِهِ، وَالْمَذْهَبُ قَبُولُهَا، وَرَأَى اللَّخْمِيُّ عَدَمَهُ. الثَّالِثُ: تَعَدُّدُ الْمَجْلِسِ وَالْبَاقِي بِحَالِهِ، وَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَحَكَى الْمَازِرِيُّ الِاتِّفَاقَ فِيهَا وَلَمْ يَعْتَبِرْ رَأْيَ اللَّخْمِيِّ.
الرَّابِعَةُ: اخْتِلَافُ الْكُلِّ وَطُولُ الزَّمَانِ وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافٌ فِي قَبُولِهَا فِيهَا. (وَ) بِخِلَافِ شَهَادَةِ (الْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي حِرَابَةٍ) عَلَى الْمُحَارَبِينَ فَتُقْبَلُ مَعَ الْعَدَاوَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَظَاهِرُهُ كَانُوا عُدُولًا أَوْ لَا. وَفِيهَا إنْ كَانُوا عُدُولًا وَسَوَاءٌ شَهِدُوا بِمَالٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. طفى قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ كَانُوا عُدُولًا أَوْ لَا، لَيْسَ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ. الْبُنَانِيُّ وَهَذَا إذَا شَهِدُوا فِي حِرَابَةٍ. وَأَمَّا إنْ شَهِدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي مُعَامَلَةٍ فَفِي " ق " رَوَى الْأَخَوَانِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِلضَّرُورَةِ بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمِ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ وَحْدَهُ، وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْعَدَالَةُ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ فِي التُّحْفَةِ إذْ قَالَ:
وَمَنْ عَلَيْهِ وَسْمُ خَيْرٍ قَدْ ظَهَرْ
…
زُكِّيَ إلَّا فِي ضَرُورَةِ السَّفَرْ
لَا الْمَجْلُوبِينَ، إلَّا كَعِشْرِينَ
ــ
[منح الجليل]
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا تَجُوزُ عَلَى الْمُحَارَبِينَ شَهَادَةُ مَنْ حَارَبُوهُ إنْ كَانُوا عُدُولًا، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ شَهِدُوا بِقَتْلٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَسَمِعَ يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ إنْ شَهِدَ مَسْلُوبُونَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ سَلَبُونَا هَذِهِ الثِّيَابَ وَالدَّوَابَّ وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَيْدِيهِمْ أُقِيمَ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَا يَسْتَحِقُّونَ الْمَتَاعَ وَلَا الدَّوَابَّ إلَّا بِشَهِيدَيْنِ سِوَاهُمَا. ابْنُ رُشْدٍ قِيلَ هَذِهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِيهَا، إذْ لَمْ يُقَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ عَلَى قَبِيلِ قَوْلِهِ فِي سَرِقَتِهَا أَنَّهُ يُقَامُ عَلَى الْمُحَارَبِينَ الْحَدُّ وَيُعْطَوْنَ الْمَالَ بِشَهَادَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
وَقِيلَ لَيْسَتْ مُخَالَفَةً لَهُ وَمَعْنَى السَّمَاعِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْمَتَاعِ وَالدَّوَابِّ، فَلِذَا سَقَطَتْ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ. وَقِيلَ يَسْتَحِقَّانِ الدَّوَابَّ وَالْمَتَاعَ وَإِنْ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهِمَا وَهُوَ الْآتِي عَلَى رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ فِي أَنَّ شَهَادَةَ شَهِيدَيْنِ مِنْ الْمَسْلُوبِينَ عَلَى مَنْ سَلَبُوهُمْ جَائِزَةٌ فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلِأَصْحَابِهِمَا؛ لِأَنَّهَا إذَا جَازَتْ فِي الْحَدِّ جَازَتْ فِي الْمَالِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلِغَيْرِهِمَا، إذْ لَا يُجَوَّزُ بَعْضُ الشَّهَادَةِ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا. وَقِيلَ لَا تَجُوزُ فِي حَدٍّ وَلَا فِي مَالٍ لِغَيْرِهِمَا، إذْ لَمْ تَجُزْ لِأَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّ مَنْ اُتُّهِمَ فِي بَعْضِ شَهَادَتِهِ رُدَّتْ كُلُّهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ. ثُمَّ قَالَ فَفِي صِحَّتِهَا فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ وَلَوْ لِأَنْفُسِهِمَا وَرَدَّهَا فِيهِمَا وَلَوْ بِالْمَالِ لِغَيْرِهِمَا. ثَالِثُهَا فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ لِغَيْرِهِمَا لَا لِأَنْفُسِهِمَا، ثُمَّ قَالَ وَرَابِعُهَا لَا تَجُوزُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ فَتَجُوزُ فِي الْحَدِّ وَفِي أَمْوَالِ الرُّفْقَةِ وَلَا فِي أَمْوَالِ الشُّهَدَاءِ. هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ مَا شَهِدُوا بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يُتَّهَمُونَ عَلَيْهِ جَازَتْ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ الَّذِي فِي الْوَصِيَّةِ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَلَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِمْ بِالسَّلْبِ دُونَ الْمَالِ جَازَتْ عَلَيْهِمْ فِي الْحَدِّ وَبَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا وُجِدَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَالِ اتِّفَاقًا فِيهِمَا.
(لَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَوْمِ (الْمَجْلُوبِينَ) بِالْجِيمِ، أَيْ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ جَلَبَهُمْ وَأَرْسَلَهُمْ السُّلْطَانُ لِحِرَاسَةِ ثَغْرٍ وَنَحْوِهِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ أَوْ نَحْوِهِ الَّذِي أَقَامُوا بِهِ (إلَّا) الشُّهُودَ الْكَثِيرِينَ (كَعِشْرِينَ) عَدْلًا مِنْهُمْ وَأَبَاهُ سَحْنُونٌ فِي الْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُمْ تَأْخُذُهُمْ حَمِيَّةُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
الْبَلَدِيَّةِ. الْخَرَشِيُّ يَعْنِي أَنَّ الْمَجْلُوبِينَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا وَيَشْهَدُ مِنْهُمْ كَالْعِشْرِينِ فَأَكْثَرُ فَتُقْبَلُ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِنَفْسِهِ، وَهَلْ تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْعِشْرِينَ أَوْ لَا؟ الْأَوَّلُ لِلتُّونُسِيِّ، وَالثَّانِي لِلَّخْمِيِّ، وَكَوْنُ الْعِشْرِينَ شَاهِدِينَ صَرَّحَ بِهِ التُّونُسِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ، وَالْمَجْلُوبُونَ قَوْمٌ أَرْسَلَهُمْ السُّلْطَانُ لِسَدِّ ثَغْرٍ أَوْ حِرَاسَةِ قَرْيَةٍ أَوْ قَوْمٌ كُفَّارٌ أَتَوْا مُتَرَافِقِينَ لِبَلَدِ الْإِسْلَامِ أَسْلَمُوا اُسْتُرِقُّوا أَمْ لَا لِاتِّهَامِهِمْ بِحَمِيَّةِ الْبَلَدِيَّةِ. الْعَدَوِيُّ الْمُعْتَمَدُ اشْتِرَاطُ عَدَالَةِ الْعِشْرِينَ وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ ضَعِيفٌ. طفى عَمَّمَ فِي تَوْضِيحِهِ وَمُخْتَصَرُهُ عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَةِ الْمَجْلُوبِينَ وَقَرَّرَهُ تت وَغَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الشَّهَادَةِ بِالنَّسَبِ، وَبِهَا قَرَّرَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ، فَفِيهَا الْمَحْمُولُونَ إذَا أَعْتَقُوا فَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَخٌ لِبَعْضٍ أَوْ عَصَبَتُهُمْ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَّا أَهْلُ الْبَيْتِ وَالنَّفَرُ الْيَسِيرُ يُحْمَلُونَ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَيُسْلِمُونَ فَلَا يَتَوَارَثُونَ بِقَوْلِهِمْ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ لَهُمْ بِذَلِكَ مَنْ كَانَ بِبَلَدِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا أَهْلُ الْحِصْنِ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ يُحْمَلُونَ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَيُسْلِمُونَ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَيَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ. وَفِيهَا أَيْضًا كُلُّ بَلَدٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَقَرَّ أَهْلُهَا فِيهَا وَأَسْلَمُوا وَشَهِدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُمْ عَلَى أَنْسَابِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ حِينَ أَسْلَمَتْ، وَكَذَلِكَ الْحِصْنُ يُفْتَحُ وَشَبَهُهُ بِخِلَافِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ يُحْمَلُونَ إلَيْنَا. ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ الْعِشْرُونَ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَأَبَاهُ سَحْنُونٌ. أَبُو الْحَسَنِ هَذَا خَاصٌّ بِشَهَادَتِهِمْ بِالنَّسَبِ، وَهَلْ تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ أَوْ لَا تُشْتَرَطُ؟ خِلَافٌ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي تَحْقِيقِهِ، وَاخْتَارَ مِنْهُ الِاشْتِرَاطَ. اهـ. " ق ". ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ رَأَيْنَا مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يُجِيزُونَ لِلضَّرُورَةِ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الرُّفْقَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إذَا عَرَضَ لَهُمْ خِصَامٌ فِيمَا يَدُورُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْبَيْعِ وَالْكِرَاءِ وَالسَّلَفِ وَالْمُعَامَلَةِ بِتَوَسُّمِ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ فِي ذَلِكَ الشَّاهِدِ، كَانُوا مِنْ بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ بُلْدَانٍ شَتَّى، وَلَا تَجْرِيحَ لِلْخَصْمِ. فِيهِمْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحُدُودِ وَالْغَصْبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ
وَلَا مَنْ شَهِدَ لَهُ بِكَثِيرٍ وَلِغَيْرِهِ بِوَصِيَّةٍ؛ وَإِلَّا قُبِلَ لَهُمَا؛
ــ
[منح الجليل]
الْوُجُوهَ لَا شَهَادَةَ فِيهَا إلَّا بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا لِإِصْلَاحِ السَّبِيلِ وَرَدِّ أَكْثَرِ الشَّرِّ اهـ مِنْ الْمُفِيدِ، فَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِ الرَّمَاصِيِّ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (مَنْ شَهِدَ لَهُ) أَيْ الشَّاهِدُ نَفْسُهُ (بِ) مَالٍ (كَثِيرٍ وَلِغَيْرِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ (بِوَصِيَّةٍ) لِلتُّهْمَةِ. وَفِي الْجَلَّابِ قَبُولُهَا لِغَيْرِهِ فَقَطْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لِنَفْسِهِ بِكَثِيرٍ وَشَهِدَ لَهَا بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ بِهَا (قُبِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَا شَهِدَ بِهِ لَهُمَا. هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَظَاهِرُهُ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مَكْتُوبَةً أَمْ لَا.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " عَنْهُمَا فِيمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ فِي ذِكْرِ حَقٍّ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ عَلَى وَصِيَّةٍ أَوْصَى لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ تَافِهٍ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فَتَجُوزُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُجَازَ الشَّهَادَةُ وَيُرَدَّ بَعْضُهَا، وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِي رَجُلٍ هَلَكَ فَشَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ أَوْصَى لِقَوْمٍ بِوَصَايَا وَوَصَّى لِلشَّاهِدِ بِوَصِيَّةٍ أَوْ أَسْنَدَ الْوَصِيَّةَ إلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ يَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ فِيهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ. ابْنُ يُونُسَ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيهَا ضَرُورَةٌ، إذْ قَدْ يَخْشَى الْمُوصِي مُعَالَجَةَ الْمَوْتِ وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا الَّذِي أَوْصَى لَهُ، وَلَا ضَرُورَةَ تَلْحَقُ الْمُشْهَدَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ وَكَمَا أَجَازُوا شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ لِلضَّرُورَةِ وَشَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ. طفى قَوْلُهُ وَلَا مَنْ شَهِدَ لَهُ إلَخْ الْأَوْلَى تَجْرِيدُهُ مِنْ لَا؛ لِأَنَّهُ مَنْ سَلَكَ مَا قَبْلَهُ وَتَوَهَّمَ عَطْفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ لَيْسَ بِمُسَوِّغٍ لِذَلِكَ، ثُمَّ فِيهِ تَعَدَّى فِعْلُ الْفَاعِلِ الْمُتَّصِلِ إلَى ضَمِيرِهِ الْمُتَّصِلِ، وَذَلِكَ خَاصٌّ بِأَفْعَالِ الْقُلُوبِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِشَهِدَ، بَلْ بِمَا بَعْدَهُ وَهُوَ كَثِيرٌ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ، وَيَصِيرُ فِي الْكَلَامِ رَكَاكَةٌ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي وَصِيَّةٍ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ كَثِيرًا لَمْ يُقْبَلْ فِيهِمَا. الْبُنَانِيُّ لَا يَبْعُدُ إجْرَاءُ شَهِدَ مَجْرَى أَفْعَالِ الْقُلُوبِ لِرُجُوعِهِ لِلْعِلْمِ.
قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّ الْخَاصَّ بِأَفْعَالِ الْقُلُوبِ رَفْعُهَا وَنَصْبُهَا بِلَا وَاسِطَةِ حَرْفِ جَرٍّ ضَمِيرَيْ
وَلَا إنْ دَفَعَ: كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ، أَوْ الْمُدَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ
ــ
[منح الجليل]
وَاحِدٍ، نَحْوُ عَلِمْتنِي وَخِلْتنِي. وَأَمَّا رَفْعُ أَحَدِ الضَّمِيرَيْنِ وَنَصْبُ الْآخَرِ بِوَاسِطَةِ حَرْفِ الْجَرِّ فَلَيْسَ خَاصًّا بِأَفْعَالِ الْقُلُوبِ، نَحْوُ اشْتَرَيْت لِي وَوَكَّلْت لِي وَاكْتَرَيْت لِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ (إنْ دَفَعَ) الشَّاهِدُ بِهَا عَنْهُ ضَرَرًا (كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ (بِفِسْقِ) الـ (شُهُودِ) الشَّاهِدِينَ عَلَيْهِ بِ (الْقَتْلِ) خَطَأً لِاتِّهَامِهِمْ بِقَصْدِهِمْ إسْقَاطَهُمْ غُرْمَ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، عَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَجْرَأَ أَوْ يَدْفَعَ بِهَا، قَالَ أَمَّا الدَّفْعُ فَكَشَاهِدَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِرَدِّ هَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَاَلَّذِي يَلْزَمُ الْغَنِيَّ أَدَاؤُهُ يَسِيرٌ جِدًّا، فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَقَابِلْهُ بِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ يُقْبَلُ هَذَا اهـ، فَأَخَذَ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ تَقْيِيدَ الشَّاهِدِ بِالْفِسْقِ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ وتت وعب وشب وَاعْتَمَدَهُ الْبُنَانِيُّ وَالْعَدَوِيُّ. (أَوْ) كَشَهَادَةِ (الْمُدَانِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ الْمَدِينِ (الْمُعْسِرِ) فِي الْوَاقِعِ الظَّاهِرُ الْمُلَاءُ الَّذِي يُخْشَى حَبْسُهُ حَتَّى يَثْبُتَ عُسْرُهُ (لِرَبِّهِ) أَيْ الدَّيْنِ فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ بِقَصْدِ دَفْعِ ضَرَرِ حَبْسِهِ فِي دَيْنِهِ، وَمَفْهُومُ الْمُعْسِرِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَدِينِ الْغَنِيِّ الَّذِي لَا يَضُرُّهُ دَفْعُ مَا عَلَيْهِ وَلَا يُخْشَى حَبْسُهُ فِيهِ لَهُ مَقْبُولَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَكَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا بِأَجَلٍ بَعِيدٍ، سَوَاءٌ شَهِدَ لَهُ بِمَالٍ أَوْ اسْتِحْقَاقِ قِصَاصٍ أَوْ حَدِّ قَاذِفٍ أَوْ تَأْدِيبِ سَابٍّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَالِ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهَمِّ الْمَالِ خِلَافًا لِنَقْلِ ابْنِ زَرْقُونٍ عَنْ أَهْلِ النَّظَرِ إجَازَةَ شَهَادَةِ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ بِغَيْرِ الْمَالِ أَفَادَهُ الْخَرَشِيُّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ كَوْنَهُ أَسِيرَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ غَيْرُ الْمَالِ أَهَمَّ عِنْدَ الْمَشْهُودِ لَهُ مِنْ الْمَالِ. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ كَانَ الدَّيْنُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الشَّاهِدِ فَفِي سَمَاعِ زُونَانَ لِأَشْهَبَ جَوَازَهَا كَانَ مَلِيًّا أَوْ مُعْدِمًا، خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي
وَلَا مُفْتٍ عَلَى مُسْتَفْتِيهِ، إنْ كَانَ مِمَّا يُنَوَّى فِيهِ، وَإِلَّا رَفَعَ
ــ
[منح الجليل]
هَذَا السَّمَاعِ، يُرِيدُ وَالدَّيْنُ حَالٌّ أَوْ قَرِيبَ الْحُلُولِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ فِي أَجَلِ الدَّيْنِ وَيُؤَخِّرَهُ بِهِ كَانَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَرَ أَشْهَبُ هَذِهِ تُهْمَةً فِي الْعَدْلِ كَانَ الدَّيْنُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الشَّاهِدِ أَوْ بِالْعَكْسِ. الْبَاجِيَّ إنْ كَانَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الشَّاهِدِ، فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا قُبِلَتْ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رُدَّتْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَالْأَخَوَانِ قَالَا؛ لِأَنَّهُ كَأَسِيرٍ بِيَدِهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَرِيبَ الْحُلُولِ، وَإِنْ بَعُدَ أَجَلُهُ جَازَتْ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَرُدَّتْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ. وَمَعْنَى الْغِنَى هُنَا أَنْ لَا يَسْتَضِرَّ بِإِزَالَةِ هَذَا الْمَالِ عَنْهُ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ كَفَافُهُ فَالضَّرَرُ يَلْحَقُهُ بِتَعْجِيلِهِ مِنْهُ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
الْبُنَانِيُّ ضَبَطَ فِي التَّوْضِيحِ الْمُدَانَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَدَانَ الرُّبَاعِيِّ كأقأم، وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِشَدِّ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ ادَّانَ الْمُشَدَّدِ الدَّالِ الْخُمَاسِيِّ، وَأَصْلُهُ ادْتَيَنَ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ أَدَنْت الرَّجُلَ أَعْطَيْته دَيْنًا، وَهَذَا يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ وَادَّانَ وَاسْتَدَانَ وَدَانَ أَخَذَ الدَّيْنَ وَهَذَا يَشْهَدُ لِلثَّانِي وَنَحْوُهُمَا لِلْجَوْهَرِيِّ إلَّا أَنَّهُ فَسَّرَ الْخُمَاسِيَّ بِاسْتَقْرَضَ بَعْدَمَا قَالَ دِنْت الرَّجُلَ أَقْرَضْته فَهُوَ مَدِينٌ وَمَدْيُونٌ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (مُفْتٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، أَيْ مُخْبِرٍ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِلْزَامِ (عَلَى مُسْتَفْتِيه) أَيْ طَالِبِ الْفَتْوَى مِنْ الْمُفْتِي (إنْ كَانَ) الْمَسْئُولُ عَنْهُ (مِمَّا يُنَوَّى) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَالْوَاوِ مُثَقَّلًا، أَيْ تُقْبَلُ النِّيَّةُ (فِيهِ) مِنْ الْمُسْتَفْتِي عِنْدَ الْمُفْتِي وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِهِ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ تُقْبَلْ نِيَّتُهُ وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِظَاهِرِ لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ لِلْمُفْتِي كَانَتْ زَوْجَتِي مُوثَقَةً، فَقَالَتْ لِي أَطْلِقْنِي، فَقُلْت لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ نَاوِيًا مِنْ الْوَثَاقِ فَأَفْتَاهُ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَفَعَتْهُ زَوْجَتُهُ لِلْقَاضِي فَأَنْكَرَ فَطَلَبَتْ مِنْ الْمُفْتِي الشَّهَادَةَ عَلَى إقْرَارِهِ فَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ شَهِدَ لَهَا عَلَيْهِ بِهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُنَوَّى فِيهِ عِنْدَ الْمُفْتِي (رَفَعَ) الْمُفْتِي الشَّهَادَةَ لِلْقَاضِي وَشَهِدَ بِإِقْرَارِهِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ إنْ أَنْكَرَهُ. ابْنُ يُونُسَ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الرَّجُلِ يَأْتِي مُسْتَفْتِيًا عَنْ أَمْرٍ يُنَوَّى فِيهِ، وَلَوْ أَقَرَّ
وَلَا إنْ شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقٍ، وَقَالَ: أَنَا بِعْته لَهُ
وَلَا إنْ حَدَثَ فِسْقٌ بَعْدَ الْأَدَاءِ،
ــ
[منح الجليل]
بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِهِ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ فَيُفْتِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ الشَّهَادَةَ مِنْ الْمُفْتِي قَالَ لَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَوْ شَهِدَ لَمْ يَنْفَعْهَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِشْهَادِ قَالَ وَمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ حَدٌّ أَوْ طَلَاقٌ أَوْ حَقٌّ ثُمَّ أَنْكَرَهُ فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَ إذَا سَمِعُوا الْقَضِيَّةَ كُلَّهَا حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْهَا مِمَّا يُفْسِدُ الشَّهَادَةَ إنْ تَرَكَ اهـ " غ ".
مَثَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى بِالرَّجُلِ يَأْتِي الْعَالِمَ فَيَقُولُ حَلَفْت بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا وَكَلَّمْته بَعْدَ شَهْرٍ لِأَنِّي كُنْت نَوَيْت أَنْ لَا أُكَلِّمَهُ شَهْرًا فَإِذَا دَعَتْهُ امْرَأَتُهُ يَشْهَدُ لَهَا بِمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ مِنْ حَلِفِهِ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ بَعْدَ شَهْرٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ مِنْ بَاطِنِ يَمِينِهِ خِلَافَ مَا يُوجِبُهُ ظَاهِرُهَا. اهـ. وَهُوَ جَارٍ مَعَ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ شَهِدَ) لِشَخْصٍ (بِاسْتِحْقَاقٍ) لِشَيْءٍ بِيَدِ غَيْرِهِ (وَقَالَ) الشَّاهِدُ (أَنَا بِعْته) أَيْ الشَّيْءَ الْمُسْتَحَقَّ (لَهُ) أَيْ الْمَشْهُودَ لَهُ اتَّهَمْته بِقَصْدِ دَفْعِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ إنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي حَتَّى يُثْبِتَ مِلْكَ الْبَائِعِ مَا بَاعَهُ فَقَوْلُهُ أَنَا بِعْته لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ بِمِلْكِهِ وَهِيَ دَعْوَى لَا شَهَادَةٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنَا بِعْته أَوْ وَهَبْته أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَالنَّقْلُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ لِلْبَائِعِ، فَإِذَا قَالَ أَنَا بِعْته أَوْ وَهَبْته فَقَدْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِمِلْكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَهِيَ لَا تَصِحُّ.
(وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ حَدَثَ فِسْقٌ) مِنْ الشَّاهِدِ بِأَنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ سَكِرَ أَوْ قَذَفَ أَوْ قَتَلَ (بَعْدَ الْأَدَاءِ) لِلشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَبْلَ حُكْمِهِ بِهَا فَيَرُدُّهَا وَلَا يَحْكُمُ بِمُقْتَضَاهَا لِبُطْلَانِهَا هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا تَبْطُلُ فِيمَا لَا يُسَرُّ كَالْجَرْحِ وَالْقَتْلِ وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. طفى وَالْحُدُوثُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَبِهِ عَبَّرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ
بِخِلَافِ تُهْمَةِ جَرٍّ، وَدَفْعٍ وَعَدَاوَةٍ
وَلَا عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ
ــ
[منح الجليل]
وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَفْظُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ الْأَدَاءِ بَطَلَتْ مُطْلَقًا، وَقِيلَ إلَّا بِنَحْوِ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْفِسْقُ مِمَّا يُسِرُّهُ النَّاسُ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّ حُدُوثَهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ يُبْطِلُهُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كُمُونِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسَرُّ كَالْجَرْحِ وَالْقَتْلِ، فَقَالَ ابْن الْقَاسِمِ يُبْطِلُهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُبْطِلُهَا، أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ. (بِخِلَافِ) حُدُوثِ (تُهْمَةِ جَرٍّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَشَدِّ الرَّاءِ وَصِلَتُهُ مُقَدَّرَةٌ، أَيْ لِنَفْعٍ بَعْدَ الْأَدَاءِ كَتَزَوُّجِ الشَّاهِدِ الْمَرْأَةَ الَّتِي شَهِدَ لَهَا فَلَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ. ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنْ تَثْبُتَ خِطْبَتُهُ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ (وَ) بِخِلَافِ حُدُوثِ تُهْمَةِ (دَفْعٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ لِضُرٍّ كَشَهَادَةٍ بِفِسْقِ رَجُلٍ ثُمَّ شَهِدَ الْمَشْهُودُ بِفِسْقِهِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً، وَالشَّاهِدُ بِالْفِسْقِ مِنْ عَاقِلَتِهِ فَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِالْفِسْقِ. (وَ) بِخِلَافِ حُدُوثِ (عَدَاوَةٍ) دُنْيَوِيَّةٍ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْأَدَاءِ كَتَجَدُّدِ خُصُومَةٍ بَيْنَهُمَا فَلَا يُبْطِلُهَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا سَبَبٌ سَابِقٌ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ) ابْنُ عَاتٍ عَنْ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الشَّعْبَانِيِّ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقُرَّاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِتَحَاسُدِهِمْ كَالضَّرَائِرِ وَالْحَسُودُ ظَالِمٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مَنْ يَحْسُدُهُ اهـ. الْمُتَيْطِيُّ فِي الْمَبْسُوطَةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَارِئِ عَلَى الْقَارِئِ يَعْنِي الْعُلَمَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ تَحَاسُدًا. وَقَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. تت كَانَ الْغُبْرِينِيُّ يُنْكِرُ ذَلِكَ الْقَوْلَ. ابْنُ عَرَفَةَ الْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ ثُمَّ قَالَ عَقِبَ كَلَامِ الشَّعْبَانِيِّ هَذَا الْكَلَامُ سَاقِطٌ لِمُنَاقَضَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُمْ وَصْفَ الظُّلْمِ وَمَنْ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى أَحَدٍ وَلَا رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَرَدُّ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ إنْ أُرِيدَ بِهِ مَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ فَغَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ فَمُعَارِضٌ لِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ، وَمَا أَظُنُّهُ يَصْدُرُ مِنْ عَالِمٍ وَلَعَلَّهُ وَهْمٌ مِنْ النَّقَلَةِ، وَبِمَاذَا يُخَرِّجُ نَفْسَهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْهُمْ فَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ فَقَوْلُهُ غَيْرَهُ مَقْبُولٌ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِ.
وَلَا إنْ أَخَذَ مِنْ الْعُمَّالِ، أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ
ــ
[منح الجليل]
وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ (إنْ أَخَذَ) الشَّاهِدُ مَالًا (مِنْ الْعُمَّالِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمِيمِ، جَمْعُ عَامِلٍ الْمُقَامِينَ عَلَى قَبْضِ الْخَرَاجِ وَنَحْوِهِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ الَّذِينَ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِمْ صَرْفُهَا فِي وُجُوهِهَا (أَوْ أَكَلَ) الشَّاهِدُ (عِنْدَهُمْ) أَيْ الْعُمَّالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ أَكْلًا مُتَكَرِّرًا (بِخِلَافِ) الْأَخْذِ وَالْأَكْلِ مِنْ (الْخُلَفَاءِ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ مَمْدُودًا جَمْعُ خَلِيفَةٍ، أَيْ السَّلَاطِينِ النَّائِبِينَ عَنْ رَسُولٍ صلى الله عليه وسلم فِي تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ وَإِقَامَةِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحِفْظِهَا وَصَرْفِهَا فِي جِهَاتِهَا الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَكْلِ عِنْدَهُمْ، فَلَا يَمْنَعَانِ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، وَمِثْلُهُمْ الْعُمَّالُ الْمَأْذُونُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ لِسَحْنُونٍ مَنْ قَبِلَ صِلَةَ السُّلْطَانِ أَوْ أَكَلَ طَعَامَهُ وَسَلَاطِينُ الزَّمَانِ مَنْ عَلِمْت هَلْ تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ، وَقَدْ قَبِلَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ مَنْ قَدْ عَلِمْت مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - جَوَائِزَ الْحَجَّاجِ وَالْحَجَّاجُ مَنْ قَدْ عَلِمْت وَابْنُ شِهَابٍ جَوَائِزَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْخُلَفَاءِ، وَأَخَذَ مَالِكٌ جَوَائِزَ أَبِي جَعْفَرٍ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ الْأَخْذَ مِنْهُمْ فَلَمْ يَرَ مِنْهُمْ إلَّا خَيْرًا.
وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَمَرَ لِمَالِكٍ " رضي الله عنه " بِثَلَاثِ صُرَرٍ فَأَتْبَعَهُ الرَّسُولَ بِهَا فَسَقَطَتْ مِنْهُ صُرَّةٌ مِنْهَا فِي الزَّحْمَةِ فَأَتَاهُ بِصُرَّتَيْنِ فَسَأَلَهُ عَنْ الثَّالِثَةِ فَأَنْكَرَهَا فَأَلَحَّ مَالِكٌ " رضي الله عنه " عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى أَتَاهُ بِهَا مَنْ وَجَدَهَا، وَجَمِيعُ الْقُضَاةِ مِنْ السُّلْطَانِ يُرْزَقُونَ وَيَأْكُلُونَ فَكَتَبَ سَحْنُونٌ مَنْ قَبِلَ الْجَوَائِزَ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، وَمَنْ كَانَتْ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَالْفَلْتَةُ فَغَيْرُ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْخَفِيفَ مِنْ الزَّلَّةِ وَالْفَلْتَةِ لَا يَضُرُّ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهُمْ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ وَمَا قُلْت مِنْ قَبُولِ ابْنِ شِهَابٍ وَمَالِكٍ " رضي الله عنه " لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَوَائِزُ الْخُلَفَاءِ جَائِزَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا لِاجْتِمَاعِ الْخَلْقِ عَلَى قَبُولِ الْعَطِيَّةِ مِنْ الْخُلَفَاءِ مِمَّنْ يُرْضَى مِنْهُمْ وَمِمَّنْ لَا يُرْضَى، وَجُلُّ مَا يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَالِ مُسْتَقِيمٌ، وَمَا يَظْلِمُ فِيهِ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَخْذَ الْعَطَاءِ مُنْذُ زَمَنِ مُعَاوِيَةَ " رضي الله عنه " إلَى الْيَوْمِ، وَالْقُضَاةُ أُجَرَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - سَمِعَتْ عَلِيَّ بْنَ زِيَادٍ يُنْكِرُهُ وَيَرْفَعُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَلَا إنْ تَعَصَّبَ،
ــ
[منح الجليل]
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ قَبُولُ جَوَائِزِ الْعُمَّالِ جُرْحَةٌ مَعْنَاهُ عِنْدِي عُمَّالُ الْجِبَايَةِ الَّذِينَ إنَّمَا جُعِلَ لَهُمْ قَبْضُ الْأَمْوَالِ وَتَحْصِيلِهَا دُونَ وَضْعِهَا فِي وُجُوهِهَا بِالِاجْتِهَادِ. وَأَمَّا الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ فَوَّضَ لَهُمْ الْخَلِيفَةُ أَوْ خَلِيفَتُهُ قَبْضَ الْأَمْوَالِ وَصَرْفَهَا فِي وُجُوهِهَا بِاجْتِهَادِهِمْ كَالْحَجَّاجِ وَشَبَهِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الْبِلَادِ الْمُفَوَّضِ جَمِيعُ الْأُمُورِ فِيهَا إلَيْهِمْ، فَجَوَائِزُهُمْ كَجَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ. فَإِنْ صَحَّ أَخْذُ ابْنِ عُمَرَ جَوَائِزَ الْحَجَّاجِ فَهَذَا وَجْهُهُ، وَأَمَّا الْقُضَاةُ وَالْأَجْنَادُ وَالْحُكَّامُ فَلَهُمْ أَخْذُ أَرْزَاقِهِمْ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ الَّذِينَ فُوِّضَ إلَيْهِمْ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ وَضَرَبَ عَلَى أَيْدِيهِمْ فِيمَا سِوَاهُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِجَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ، فَأَمَّا جَوَائِزُ الْعُمَّالِ فَفِيهَا شَيْءٌ يُرِيدُ الَّذِينَ ظَهَرَ أَمْرُهُمْ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ خُلَفَائِهِمْ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ، وَيُرِيدُ أَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ مَكْرُوهٌ وَلَوْ تَحَقَّقَ التَّفْوِيضُ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِكَرَاهَةِ أَخْذِ جَوَائِزِهِمْ وَجْهٌ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي إعْطَاءِ الْمَالِ بِاجْتِهَادِهِمْ لِمَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ لِتَسْوِيغِ أَخْذِ جَوَائِزِهِمْ وَجْهٌ، فَإِنْ كَانَ حَلَالًا وَعُدِلَ فِي قِسْمَتِهِ فَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجَائِزَةِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْدَلْ فِي قِسْمَتِهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجَائِزَةِ مِنْهُ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنْ شَابَ الْمَجْبِيَّ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَالْأَكْثَرُ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَخْذِ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ
وَإِنْ كَانَ الْمَجْبِيُّ حَرَامًا فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ أَخْذَ الْجَائِزَةِ وَالرِّزْقِ عَلَى عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْهُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ اهـ. الْبُنَانِيُّ قَسَّمَ ابْنُ رُشْدٍ مَا بِيَدِ الْأُمَرَاءِ مِنْ الْمَالِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، أَحَدُهُمَا حَلَالٌ لَا يُعْدَلُ فِي قَسْمِهِ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ قَبُولِهِ مِنْهُمْ، وَقِيلَ يُكْرَهُ. الثَّانِي مُخْتَلِطٌ حَلَالٌ وَحَرَامٌ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى كَرَاهَةِ أَخْذِهِ، وَقِيلَ يَجُوزُ. الثَّالِثُ حَرَامٌ فَقِيلَ يَحْرُمُ أَخْذُهُ، وَقِيلَ يُكْرَهُ وَقِيلَ يَجُوزُ. قَالَ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَرَامُ فَلَهُ حُكْمُهُ، وَإِنْ غَلَبَ الْحَلَالُ فَلَهُ حُكْمُهُ وَفِيهِ كَرَاهَةٌ خَفِيفَةٌ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ (إنْ تَعَصَّبَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ الْعَصَبِيَّةُ وَهُوَ بُغْضُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا وَنَحْوِهِ فِي الْمُفِيدِ، «وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ
كَالرِّشْوَةِ
وَتَلْقِينُ خَصْمٍ
وَلَعِبِ نَيْرُوزِ
ــ
[منح الجليل]
مَا الْعَصَبِيَّةُ، قَالَ أَنْ تُعِينَ قَوْمًا عَلَى الظُّلْمِ» . ابْنُ مَرْزُوقٍ الْأَوْلَى أَنْ يُمَثِّلَ لَهُ بِشَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِجَرْحٍ أَوْ قَذْفٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْعَصَبِيَّةُ، كَتَعْدِيلِ شَاهِدِ الْأَخِ وَتَجْرِيحِ شَاهِدٍ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ شَهَادَةُ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ وَشَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ. وَشَبَّهَ فِي إبْطَالِ الشَّهَادَةِ فَقَالَ (كَ) أَخْذِ (الرِّشْوَةِ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَوْ لِتَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إبْطَالِ بَاطِلٍ، وَدَفْعِهَا لِإِبْطَالِ حَقٍّ أَوْ تَحْقِيقِ بَاطِلٍ. وَأَمَّا دَفْعُهَا لِتَحْقِيقِ حَقٍّ تَوَقَّفَ عَلَى دَفْعِهَا فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ، وَكَذَا دَفْعُهَا لِإِبْطَالِ بَاطِلٍ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْحُرْمَةُ عَلَى الْآخِذِ فِيهِمَا. ابْنُ عَاتٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُرْتَشٍ وَلَا مُلَقِّنٍ لِلْخُصُومِ فَقِيهًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَيُضْرَبُ عَلَى يَدِهِ وَيُشَهَّرُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ وَيُعَرَّفُ بِهِ وَيُسَجَّلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ قُضَاةِ قُرْطُبَةَ بِكَبِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِمَشُورَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(وَتَلْقِينُ خَصْمٍ) حُجَّةً يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى إبْطَالِ حَقٍّ أَوْ تَحْقِيقِ بَاطِلٍ، وَأَمَّا تَلْقِينُهُ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى تَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إبْطَالِ بَاطِلٍ فَلَيْسَ بِقَادِحٍ. وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ ثَبَّتَ غَبِيًّا فِي خُصُومَةٍ حَتَّى يَفْهَمَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ تَعَالَى قَدَمَهُ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ» . الْمِسْنَاوِيُّ مِنْ التَّلْقِينِ الْقَادِحِ مَا يَفْعَلُهُ الْمُفْتُونَ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ إنَّمَا كَانَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لِأَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا تَوَقُّفُ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ، وَالثَّانِي شَكُّهُ فِي مُصَادَفَتِهِ بَعْدَ تَسْجِيلِهِ. وَأَمَّا الْآنَ فَلَا تَرَاهُمْ يَشْرَعُونَ فِي الْخِصَامِ إلَّا بَعْدَ اسْتِفْتَائِهِمْ لِيَنْظُرُوا هَلْ الْحَقُّ لَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ، فَيَتَحَيَّلُونَ عَلَى إبْطَالِهِ، وَقَدْ يَكْتُبُ الْمُفْتِي الْوَاحِدُ لِكُلٍّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ نَقِيضَ مَا يَكْتُبُهُ لِلْآخَرِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُصْلِحَ أَحْوَالَنَا.
(وَلَعِبِ نَيْرُوزِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ آخِرُهُ زَايٌ، أَيْ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ الْقِبْطِيَّةِ لِإِخْلَالِهِ بِالْمُرُوءَةِ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْأَوْبَاشُ وَالْجَهَلَةُ وَالنَّصَارَى. تت قِيلَ كَانَ مَعْرُوفًا بِمِصْرَ قَدِيمًا وَلَمْ أَعْرِفْ صِفَتَهُ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ قُرَى الصَّعِيدِ يَأْتِي رَجُلٌ مِمَّنْ يُسْخَرُ بِهِ لِكَبِيرِ الْقَرْيَةِ فَيَجْعَلُ عَلَيْهِ فَرْوَةً أَوْ حَصِيرًا يَخْرِقُهَا فِي عُنُقِهِ وَيُرْكِبُهُ فَرَسًا وَيَتْبَعُهُ رَعَاعُ النَّاسِ وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ يَقْبِضُونَ مَنْ أَمَرَهُمْ بِقَبْضِهِ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ، وَلَا يُطْلِقُونَهُ إلَّا بِشَيْءٍ يَدْفَعُهُ لَهُمْ أَوْ يَعِدُهُمْ بِهِ.
وَمَطْلٍ وَحَلِفٍ: بِطَلَاقٍ وَعِتْقٍ
وَبِمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلَاثًا
ــ
[منح الجليل]
وَمَطْلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ غَنِيٍّ فِي حَقٍّ عَلَيْهِ لِخَبَرِ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» أَيْ تَأْخِيرُ دَفْعِ الْحَقِّ مَعَ طَلَبِهِ رَبَّهُ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَتَرْكُ الطَّلَبِ حَيَاءً كَالطَّلَبِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ. ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مَطْلُ الْغَنِيِّ جُنْحَةٌ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» . ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ بِأَنَّ الشُّهْرَةَ بِالْمَطْلِ دُونَ ضَرُورَةٍ جُرْحَةٌ؛ لِأَنَّهَا إذَايَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي مَالِهِ (وَ) اعْتِيَادُ (حَلِفٍ بِعِتْقٍ وَطَلَاقٍ) لِخَبَرِ «الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ» . الْحَطُّ ظَاهِرُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْحَلِفِ بِهِمَا وَلَوْ مَرَّةً جُرْحَةٌ، وَاَلَّذِي فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّ اعْتِيَادَهُ جُرْحَةٌ وَقَبِلَهُ الشَّيْخُ فِي النَّوَادِرِ وَاللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُمْ نَاقِلِينَ لَهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. ابْنُ الْمُلُوحِيُّ مِنْ الْمَوَانِعِ اعْتِيَادُ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ابْنُ رُشْدٍ الْأَدَبُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَمَا رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ» فَإِنَّهُمَا مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَالثَّانِي أَنَّ مَنْ اعْتَادَ الْحَلِفَ بِهِ لَا يَخْلُصُ مِنْ الْحِنْثِ فِيهِ فَتَصِيرَ زَوْجَتُهُ تَحْتَهُ مُطَلَّقَةً وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّ مُلَازَمَةَ ذَلِكَ وَاعْتِيَادَهُ جُرْحَةٌ فِي الشَّهَادَةِ وَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهُ حِنْثُهُ.
وَقِيلَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ إنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ أَنْ يُضْرَبَ فِي ذَلِكَ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَقَالَ قَدْ أَحْسَنَ، إذْ أَمَرَ فِيهِ بِالضَّرْبِ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَتَبَ أَنْ يُضْرَبَ فِي ذَلِكَ أَرْبَعِينَ سَوْطًا. اهـ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي النَّوَادِرِ وَالشَّارِحُ وَابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ حَدِيثَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ. عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا قَالَ السَّخَاوِيُّ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْمُلُوحِيُّ وَلَا ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ. الْبُنَانِيُّ بَحَثْت عَنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي جَامِعِ السُّيُوطِيّ الْكَبِيرِ فَلَمْ أَجِدْهُ فِيهِ.
(وَ) تُرَدُّ الشَّهَادَةُ (بِ) سَبَبِ (مَجِيءِ) الشَّاهِدِ لِ (مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلَاثًا) مِنْ الْمَرَّاتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ وَأَوْلَى فِي يَوْمٍ (بِلَا عُذْرٍ) ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ الْمَوَانِعِ إتْيَانُ مَجْلِسِ الْقَاضِي
وَتِجَارَةٍ لِأَرْضِ حَرْبٍ
وَسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ أَوْ مَعَ وَلَدٍ شِرِّيبٍ
ــ
[منح الجليل]
ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَاتٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ الْقَاضِي وَيَجْعَلَهَا مَأْكَلَةً فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي مَنْعُهُ مِنْهُ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى الْخُصُومَاتِ وَتَعَلُّمِهِ الْحِيَلَ فِي تَحْرِيفِهَا وَلِأَنَّ مَجْلِسَهُ عَوْرَةٌ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَحَاجَةٍ أَوْ عِلْمٍ فَلَا يُقْدَحُ.
(وَتِجَارَةٍ) مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ (لِأَرْضِ الْحَرْبِ) الَّتِي تَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُ الْكُفْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْإِطْلَاقُ، وَقَيَّدَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بِالْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَمِثْلُ أَرْضِ الْحَرْبِ أَرْضُ السُّودَانِ، وَمِثْلُ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ تِجَارَةُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحْكَامَ التِّجَارَةِ الْخَرَشِيُّ لَا دُخُولُهَا لِفِدَاءِ أَسِيرٍ أَوْ غَلَبَةِ رِيحٍ الْعَدَوِيُّ.
ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عِلَّةُ النَّهْيِ، عَنْ السَّفَرِ لِلسُّودَانِ خَوْفُ جَرَيَانِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ إنَّهُ غَيْرُ جُرْحَةٍ، وَقِيلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ عِلْمِ جَرَيَانِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ وَعَدَمِهِ، وَالْمُرَادُ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَرْضُ الرُّومِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ شَأْنُهُمْ لَا شَأْنُ السُّودَانِ وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي الْكُفْرِ. سَحْنُونٌ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ تَجَرَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَأَجَازَهَا أَبُو صَالِحٍ فِيمَنْ يَخْتَلِفُ إلَى الْعَدُوِّ مِمَّنْ لَا بَأْسَ بِحَالِهِ أَفَادَهُ ابْنُ عَاتٍ.
(وَسُكْنَى) دَارٍ مَثَلًا (مَغْصُوبَةٍ) غَصَبَهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ يَجِبُ الْإِقْلَاعُ عَنْهَا فَوْرًا وَكَذَا الطَّحْنُ عَلَى الرَّحَى الْمَغْصُوبَةِ، وَلَوْ قَالَ وَانْتِفَاعٍ بِكَمَغْصُوبٍ لَشَمِلَ الْمَغْصُوبَ وَغَيْرَهُ وَمُعَامَلَةَ الْغَاصِبِ فِيمَا غَصَبَهُ بِقَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَفَادَهُ شب (أَوْ سُكْنَاهُ) أَيْ الشَّاهِدِ (مَعَ وَلَدٍ) لَهُ (شِرِّيبٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ، أَيْ مُكْثِرٍ شُرْبَ مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ فَقَطْ مَعَ نَشْأَةٍ وَطَرَبٍ فِي الْمُفِيدِ عَاطِفًا عَلَى مَا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ وَسُكْنَاهُ دَارًا يَعْلَمُ أَنَّ أَصْلَهَا مَغْصُوبٌ أَوْ لَهُ وَلَدٌ شِرِّيبٌ يَسْمَعُ الْغِنَاءَ مِنْ الْخَدَمِ وَنَحْوِهِنَّ وَيَسْكُنُ مَعَهُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي الْكَافِي مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا وَاحِدًا مَعَ أَهْلِ الْخَمْرِ فِي مَجَالِسِهِمْ طَائِعًا غَيْرَ مُضْطَرٍّ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْهَا وَمَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ وَأَبْدَى عَوْرَتَهُ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ وَبَانَتْ جُرْحَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ حَلِيلَتِهِ، وَمِثْلُ السُّكْرِ سَائِرُ الْكَبَائِرِ وَمِثْلُ الْوَلَدِ غَيْرُهُ بِالْأَوْلَى إذَا عَلِمَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ أَوْ غَيَّرَ جُهْدَهُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ أَوْ
وَبِوَطْءِ مَنْ لَا تُوطَأُ، وَبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنْ الْمَسْجِدِ وَعَدَمِ إحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَالزَّكَاةِ لِمَنْ لَزِمَتْهُ،
ــ
[منح الجليل]
عَجَزَ عَنْ التَّغْيِيرِ وَعَنْ انْتِقَالِهِ عَنْهُ فَلَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ إذَا هَجَرَهُ جُهْدَهُ.
(وَ) تُرَدُّ (بِ) سَبَبِ (وَطْءِ مَنْ) أَيْ صَغِيرَةٍ شَأْنُهَا (لَا تُوطَأُ) سَحْنُونٌ مَنْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا أُدِّبَ أَدَبًا مُوجِعًا مَعَ طَرْحِ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ حَمْلُهَا مَأْمُونًا لِصِغَرِهَا أَوْ يَأْسِهَا لَمْ تَسْقُطْ شَهَادَتُهُ لِرِوَايَةِ عَلِيٍّ لَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا (وَ) تُرَدُّ (بِ) تَكَرُّرِ (الْتِفَاتِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ (فِي الصَّلَاةِ) وَلَوْ نَافِلَةً لِغَيْرِ عُذْرٍ لِدَلَالَتِهِ عَلَى قِلَّةِ اكْتِرَاثِهِ بِهَا وَأَوْلَى مَنْ لَا يَعْتَدِلُ فِي رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَنْ لَا يَطْمَئِنُّ فِيهِمَا الْأَخَوَانِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رَفْعِ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ دُونَ عُذْرٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَلَوْ فِي نَفْلٍ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ عُلِمَ إقَامَتُهُ فِي الْفَرْضِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ حَتَّى لَوْ إذَا تَكَرَّرَ الْتِفَاتُهُ اخْتِيَارًا، فَإِنْ الْتَفَتَ لِعُذْرٍ فَلَا يَضُرُّ وَأَوْلَى تَأْخِيرُهَا عَنْ اخْتِيَارِيِّهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ فِي ضَرُورِيِّهَا. سَحْنُونٌ كَثِيرُ الْمَالِ الْقَوِيُّ عَلَى الْحَجِّ وَلَمْ يَحُجَّ مَجْرُوحٌ إذَا طَالَ زَمَنُهُ وَاتَّصَلَ وَفْرُهُ وَلَا مَانِعَ. قِيلَ وَإِنْ كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ قَالَ وَإِنْ كَانَ بِهِ. ابْنُ يُونُسَ قَيَّدَ بِطُولِ الزَّمَانِ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي.
(وَ) تُرَدُّ (بِاقْتِرَاضِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ (حِجَارَةً مِنْ) حِجَارَةِ (الْمَسْجِدِ) الَّتِي بُنِيَ الْمَسْجِدُ بِهَا وَانْهَدَمَتْ يَبْنِي أَوْ يَرُمُّ بِهَا بَيْتَهُ مَثَلًا وَكَالْحِجَارَةِ اللَّبِنُ وَالْخَشَبُ وَكَالْمَسْجِدِ سَائِرُ الْحَبْسِ إذَا عَلِمَ حُرْمَتَهُ، وَإِلَّا تُرَدُّ كَمَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ سَحْنُونٍ، كَانَ الْحَبْسُ عَامِرًا أَوْ خَرِبًا احْتَاجَ لِتِلْكَ الْحِجَارَةِ أَوْ لَا رُجِيَتْ عِمَارَتُهُ أَوْ لَا، وَاقْتِرَاضُ النَّاظِرِ رِيعَ الْوَقْفِ كَاقْتِرَاضِ الْمُودَعِ الْوَدِيعَةَ اهـ شب. (وَ) تُرَدُّ بِعَدَمِ (إحْكَامِ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ، أَيْ إتْقَانِ (الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَأَوْلَى بِجَهْلِ كَيْفِيَّتِهِ وَكَذَا التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لَهُ بِتَحَقُّقِ سَبَبِهِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا سَائِرُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَوْلَى نَفْسُ الصَّلَاةِ (وَ) تُرَدُّ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ (الزَّكَاةِ)
وَبَيْعِ نَرْدٍ وَطُنْبُورٍ، وَاسْتِحْلَافِ أَبِيهِ
ــ
[منح الجليل]
لِنَقْدٍ أَوْ نَعَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ عَرْضِ تِجَارَةٍ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَالَهُ سَحْنُونٌ. فِي التَّوْضِيحِ الْبَخِيلُ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ هُوَ الَّذِي لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ، فَمَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ فَلَيْسَ بِبُخْلٍ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا شَهَادَةُ الْبَخِيلِ مَرْدُودَةٌ وَإِنْ كَانَ مَرَضِيَّ الْحَالِ، وَيُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ. ابْنُ فَرْحُونٍ ابْنُ الْقَاسِمِ اُخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْبَخِيلِ وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ الْمَازِرِيُّ الْبُخْلُ مَنْعُ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، وَأَمَّا مَنْعُ مَا لَمْ يَجِبْ فَالْقَدْحُ بِهِ مُغْتَفَرٌ فِي الشَّهَادَةِ بِتَفْصِيلٍ يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ الِاسْتِدْلَالَ بِحَرَكَاتِ النَّاسِ وَطَبَائِعِهِمْ وَسِيَرِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَصِدْقِهِمْ. (وَ) تُرَدُّ بِسَبَبِ (بَيْعِ نَرْدٍ وَطُنْبُورٍ) بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَالطِّنْبَارُ بِكَسْرِهَا لُغَةٌ فِيهِ وَعُودٍ وَمِزْمَارٍ (وَ) تُرَدُّ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ بِسَبَبِ (اسْتِحْلَافِ) الشَّاهِدِ لِ (أَبِيهِ) أَيْ الشَّاهِدِ فِي حَقٍّ لِلشَّاهِدِ عَلَى أَبِيهِ أَنْكَرَهُ فِيهِ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِ تَحْلِيفِهِ مُبَاحًا لِوَلَدِهِ وَكَوْنِهِ جُرْحَةً فِي عَدَالَتِهِ لِقَدْحِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُبَاحَاتِ فِيهَا، وَسَوَاءٌ حَلَّفَهُ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ أَمْ لَا أَفَادَهُ تت.
طفى فِي كَلَامِهِ تَدَافُعٌ لِتَصْرِيحِهِ أَوَّلًا بِأَنَّهُ مُبَاحٌ، ثُمَّ قَالَ سَوَاءٌ حَلَّفَهُ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ أَمْ لَا ثُمَّ الْإِبَاحَةُ لَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بِالْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ كَمَا فِي ابْنِ رُشْدٍ وَالتَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ وَفِي كَوْنِ تَحْلِيفِهِ فِي حَقٍّ يَدَّعِيه عَلَيْهِ مَكْرُوهًا وَيَقْضِي بِهِ أَوْ عُقُوقًا وَلَا يُقْضَى بِهِ. ثَالِثُهَا وَيُقْضَى بِهِ لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْأَقْضِيَةِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ، وَرِوَايَتُهَا فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ مَعَ الْأَخَوَيْنِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَحْنُونٍ فِي تَحْلِيفِهِ وَحْدَهُ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَسَمَاعُ أَصْبَغَ فِي الشَّهَادَاتِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْضَى بِتَحْلِيفِهِ وَحْدَهُ وَهُوَ عَاقٌّ بِذَلِكَ وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْعُقُوقَ كَبِيرَةٌ. اهـ. فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَاحِ مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ فَيَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ وَهُوَ الْمُرَادُ فَبَعِيدٌ وَيُشْكِلُ تَرَتُّبُ رَدِّ الشَّهَادَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى مَنْعِ تَحْلِيفِهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَأَيْضًا الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ ضَعِيفٌ وَخِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ تَحْرِيمِهِ، وَكَوْنُهُ عُقُوقًا وَعَدَمُ الْقَضَاءِ بِهِ وَإِنْ اقْتَحَمَ وَحَلِفُهُ فِسْقٌ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا تُرَدُّ
وَقُدِحَ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِكُلٍّ، وَفِي الْمُبَرِّزِ بِعَدَاوَةٍ وَقَرَابَةٍ، وَإِنْ بِدُونِهِ: كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ؛
ــ
[منح الجليل]
شَهَادَتُهُ. أَبُو الْحَسَنِ عَقِبَ ذِكْرِهِ كَوْنَ اسْتِحْلَافِهِ عُقُوقًا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ عُذِرَ بِجَهَالَتِهِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالصَّحِيحُ. وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ بِعُقُوقٍ فَيُقْضَى لَهُ بِهِ وَلَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ اهـ. ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي تَحْلِيفِ الرَّجُلِ فِي حَقٍّ يَدَّعِيه وَلَدُهُ قَبْلَهُ وَحْدَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ بِعُقُوقٍ، فَيُقْضَى بِهِ لَهُ وَلَا تَسْقُطُ بِهِ شَهَادَتُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عُقُوقٌ فَلَا يُقْضَى بِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه "، فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ، لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَمَا تَظَاهَرَتْ الْآثَارُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا يَمِينَ لِلْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ وَلَا لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ» . وَالثَّالِثُ أَنَّهُ عُقُوقٌ إلَّا أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِهِ إنْ طَلَبَهُ وَيَكُونُ جُرْحَةً فِيهِ تَسْقُطُ بِهَا شَهَادَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْعُقُوقَ إنْ كَانَ مِنْ الْكَبَائِرِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهِ أَحَدٌ اهـ.
(وَقُدِحَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ قُبِلَ الْقَدَحُ وَالتَّجْرِيحُ (فِي) الشَّاهِدِ (الْمُتَوَسِّطِ) فِي الْعَدَالَةِ وَأَوْلَى مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْهُ، أَوْ الْمُرَادُ بِهِ مُقَابِلُ الْمُبَرِّزِ فَيَشْمَلُهُمَا (بِكُلٍّ) مِنْ الْقَوَادِحِ السَّابِقَةِ. اللَّخْمِيُّ يُسْمَعُ الْقَدْحُ فِي الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا (وَ) قُدِحَ (فِي) الشَّاهِدِ (الْمُبَرِّزِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مُشَدَّدَةً، أَيْ الظَّاهِرِ الْعَدَالَةِ الزَّائِدِ فِيهَا عَلَى أَمْثَالِهِ (بِعَدَاوَةٍ) دُنْيَوِيَّةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (وَقَرَابَةٍ) أَكِيدَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْقَدَحُ فِيهِ بِغَيْرِهِمَا مِنْ تَسْفِيهٍ وَتَفْسِيقٍ، وَأَمَّا بِجَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَالتَّعَصُّبِ فَيُسْمَعُ كَالْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَيُقْبَلُ التَّجْرِيحُ فِي الشَّاهِدِ بِمِثْلِهِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ فِي الْعَدَالَةِ، بَلْ (وَإِنْ بِدُونِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ فِي الْعَدَالَةِ. وَشَبَّهَ فِي قَبُولِ الْقَدْحِ فِي الْمُبَرِّزِ فَقَالَ (كَغَيْرِهِمَا) أَيْ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ فَيُقْبَلُ الْقَدْحُ بِهِ فِي الْمُبَرِّزِ (عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيُّ مِنْ الْخِلَافِ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ،
وَزَوَالِ الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ؛ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بِلَا حَدٍّ
ــ
[منح الجليل]
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْإِنْسَانِ إخْفَاءُ جَرْحِهِ وَكَتْمُهُ عَنْ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى تَكْمِيلِ نَفْسِهِ فَلَا يَكَادُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْضُ النَّاسِ وَهِيَ شَهَادَةٌ يُؤَدِّيهَا مِثْلَ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ. عج هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. اللَّقَانِيُّ هَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ. طفى وَالْبَنَّانِيُّ لَوْ زَادَ وَشَبَهَهُمَا كَمَا فَعَلَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا عَدَا الْأَسْفَاهَ أَيْ الْفُسَّقَ، إذْ هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ وَفِيهِ فَقَطْ اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ.
(وَزَوَالِ الْعَدَاوَةِ) الدُّنْيَوِيَّةِ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِقَرَائِنَ وَأَحْوَالٍ تُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِزَوَالِهَا كَرُجُوعِهِمَا إلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَهَا (وَ) زَوَالُ (الْفِسْقِ) مِمَّنْ اتَّصَفَ بِهِ يَكُونُ (بِمَا) أَيْ أَمَارَاتٍ وَعَلَامَاتٍ (يَغْلِبُ) زَوَالُهُ (عَلَى الظَّنِّ) بِحُصُولِهَا كَتَوْبَتِهِ وَمُلَازَمَتِهَا وَظُهُورِ أَمَارَاتِ الصَّلَاحِ عَلَيْهِ (بِلَا حَدٍّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ، أَيْ تَحْدِيدٍ لِلزَّمَنِ الَّذِي يَحْصُلُ الزَّوَالُ فِيهِ، وَقِيلَ يُحَدُّ بِسَنَةٍ، وَقِيلَ بِنِصْفِهَا، وَأَنْكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي زَوَالِهِمَا فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُطَّلَعُ عَلَى بَاطِنِهِ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ، وَمُخَالَطَةِ الْحُذَّاقِ بِظَوَاهِرِ حَتَّى يُظَنَّ صَالِحًا أَوْ حَبِيبًا وَهُوَ فِي بَاطِنِهِ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ، يَنْتَظِرُ غَفْلَةً يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ إظْهَارِ مَا فِي بَاطِنِهِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ بِخِلَافِهِ، فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ الْقَرَائِنُ وَالْأَحْوَالُ لَا مُجَرَّدُ طُولِ الزَّمَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ جُرْحَةُ الْفِسْقِ تَزُولُ بِالتَّوْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي فَنِّ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْفِقْهِ.
الْمَازِرِيُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ تُبْت، إنَّمَا تُقْبَلُ بِدَلَالَةِ حَالِهِ وَالْقَرَائِنِ عَلَى صِدْقِهِ مَعَ اتِّصَافَةِ بِصِفَاتِ الْعَدَالَةِ وَلَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ وَوَقَّتَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالتَّحْقِيقُ مَا قُلْنَاهُ. قُلْت لِلشَّيْخِ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ مَنْ كَانَ يُعْرَفُ بِالصَّلَاحِ لِمَعْرِفَةِ تَوْبَتِهِ مِنْ قَذْفٍ بِطُولٍ لَيْسَ كَمَنْ كَانَ مُعْلِنًا بِالسُّوءِ؛ لِأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْخَيْرِ لَا يَتَبَيَّنُ تَزَيُّدُهُ فِيهِ إلَّا بِالتَّرْدَادِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، ظَاهِرُهُ فِي الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَفِي الرَّجْمِ مِنْهَا مَعَ الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ حَتَّى يُجْلَدَ وَقَالَهُ
وَمَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ، لَمْ يُزَكِّ
ــ
[منح الجليل]
سَحْنُونٌ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِقَذْفِهِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ وَثُبُوتُ تَوْبَتِهِ يُوجِبُ قَبُولَهَا الْمَازِرِيُّ الْمُعْتَبَرُ فِي تَوْبَتِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَذْفِهِ عَدْلًا صَالِحًا كَانَتْ تَوْبَتُهُ بِزِيَادَةِ دَرَجَتِهِ فِي الصَّلَاحِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
قُلْت هَذَا إنْ كَانَ حَدُّهُ بِقَذْفِهِ جُرْأَةً أَوْ سَبًّا أَوْ غَضَبًا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِانْقِلَابِ شَهَادَتِهِ قَذْفًا لِرُجُوعِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ الشَّاهِدِينَ مَعَهُ أَوْ اخْتِلَافِهِ فِي وَصْفِ الزِّنَا، فَأَظْهَرَ عَدَمَ اعْتِبَارِ زِيَادَةِ صَلَاحِهِ وَفِي شَرْطِ تَوْبَتِهِ بِتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ فِي قَذْفِهِ نَقْلُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَقَوْلُ مَالِكٍ " رضي الله عنه " فِي سَرِقَتِهَا لِوَاحِدٍ نَصْرَانِيٍّ فِي قَذْفٍ ثُمَّ أَسْلَمَ بِالْقُرْبِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فَلَمْ يُقَيِّدْهَا الصِّقِلِّيُّ. وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ عَنْ سَحْنُونٍ يُتَوَقَّفُ فِي شَهَادَتِهِ حَتَّى يُعْلَمَ صَلَاحُهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ زَوَالُ الْعَدَاوَةِ كَالْفِسْقِ. قُلْت لَا أَعْرِفُ هَذَا لِغَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ سَمَاعُ أَشْهَبَ فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ ثُمَّ يَشْهَدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بَعْدَ سِنِينَ قَالَ إنْ صَارَ أَمْرُهُمَا إلَى سَلَامَةٍ وَصُلْحٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ. ابْنُ رُشْدٍ سَلَامَةُ أَمْرِهِمَا إلَى صُلْحٍ هُوَ أَنْ يَرْجِعَا إلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ وَنَوَازِلِ أَصْبَغَ وَفِي إجْرَائِهَا. ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى زَوَالِ الْفِسْقِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ عَدَالَةِ الشَّاهِدِ شَرْطٌ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ فَنَظَرُ الْقَاضِي فِي ثُبُوتِهَا ضَرُورِيٌّ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِرَفْعِ فِسْقِهِ أَوْ بَقَائِهِ، وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ فَلَا نَظَرَ لِلْقَاضِي فِي رَفْعِهَا؛ لِأَنَّهَا مَانِعٌ يُبْدِيه الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَثْبَتَهَا ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ احْتَمَلَ النَّظَرَ فِي تَكْلِيفِهِ إثْبَاتَهَا ثَانِيًا لِاحْتِمَالِ بَقَائِهَا وَالْأَظْهَرُ تَخْرِيجُهَا عَلَى حُكْمِ مَنْ عُدِّلَ فِي شَهَادَتِهِ ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةً أُخْرَى هَلْ تُسْتَصْحَبُ عَدَالَتُهُ أَوْ يُسْتَأْنَفُ إثْبَاتُهَا؟ . تت عَنْ بَعْضِهَا إنَّمَا يَتِمُّ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمَانِعُ أَمَّا مَعَ ثُبُوتِهِ فَلَا يُسَوَّغُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ رَفْعُهُ وَلَيْسَ شَكَّا فِي الْمَانِعِ، بَلْ فِي رَافِعِهِ وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَنَوَازِلِ أَصْبَغَ شَاهِدٌ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمَنْ) أَيْ وَكُلُّ شَخْصٍ (امْتَنَعَتْ) شَهَادَةُ شَخْصٍ آخَرَ (لَهُ) لِتَأَكُّدِ قَرَابَتِهِمَا كَالْأَبِ وَابْنِهِ وَالزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ (لَمْ يُزَكِّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَشَدِّ الْكَافِ، أَيْ مَنْ امْتَنَعَتْ الشَّهَادَةُ مِنْهُ
شَاهِدَهُ وَيُجَرِّحْ شَاهِدًا عَلَيْهِ، وَمَنْ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ: فَالْعَكْسُ؛
إلَّا الصِّبْيَانَ، لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ، فِي جَرْحٍ، أَوْ قَتْلٍ، وَالشَّاهِدُ حُرٌّ، مُمَيِّزٌ،
ــ
[منح الجليل]
شَاهِدَ) الَّذِي امْتَنَعَتْ الشَّهَادَةُ لَ (هـ) ؛ لِأَنَّ تَزْكِيَةَ شَاهِدِهِ كَالشَّهَادَةِ لَهُ فِي النَّفْعِ (وَلَمْ يُجَرِّحْ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ الَّذِي امْتَنَعَتْ الشَّهَادَةُ مِنْهُ (شَاهِدًا عَلَيْهِ) أَيْ مَنْ امْتَنَعَتْ الشَّهَادَةُ لَهُ لِلتُّهْمَةِ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ (وَمَنْ) أَيْ الشَّخْصُ الَّذِي (امْتَنَعَتْ) شَهَادَةٌ (عَلَيْهِ) لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا (فَالْعَكْسُ) أَيْ لَا يُزَكِّي مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَلَا يُجَرِّحُ مَنْ شَهِدَ لَهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ مَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ امْتَنَعَتْ فِي تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ وَتَجْرِيحُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَمَنْ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ امْتَنَعَتْ فِي الْعَكْسِ أَقَلُّ مِنْ شَطْرِ عَدَدِ كَلِمَاتِهِ التَّزْكِيَةُ فِي شَيْءٍ كَشَهَادَةٍ بِهِ وَالتَّجْرِيحُ فِيهِ كَشَهَادَةٍ بِنَقِيضِهِ وَعِلَّةُ الْجَمِيعِ جَرُّ نَفْعٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ وَكُلُّ شَهَادَةٍ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(إلَّا الصِّبْيَانَ) فَتَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ. اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَهُوَ مَعْرُوفُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " وَأَصْحَابِهِ إلَّا ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَعَلَى الثَّانِي أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ " رَضٍ " أَجْمَعِينَ.
(لَا نِسَاءً) اجْتَمَعْنَ (فِي كَعُرْسٍ) وَمَأْتَمٍ وَحَمَّامٍ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ وَلَوْ لِبَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضِهِنَّ فِي قَتْلٍ أَوْ جَرْحٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَشَهَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَمُقَابِلُهُ لِلْجَلَّابِ وَفَرَّقَ لِلْمَشْهُورِ بِأَنَّ اجْتِمَاعَ الصِّبْيَانِ مَشْرُوعٌ لِلتَّدْرِيبِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ حُضُورِ الْعُدُولِ مَعَهُمْ فَلَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَنْ بَعْضٍ لَأَدَّى ذَلِكَ لِهَدَرِ دِمَائِهِمْ وَاجْتِمَاعُ النِّسَاءِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَتُعْتَبَرُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ (فِي جَرْحٍ) مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ (وَقَتْلٍ) كَذَلِكَ لَا فِي غَيْرِهِمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ إذَا جُوِّزَتْ فِي الْقَتْلِ فَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " لَا تَجُوزُ حَتَّى يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى رُؤْيَةِ الْبَدَنِ مَقْتُولًا. ابْنُ رُشْدٍ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
(وَالشَّاهِدُ) مِنْهُمْ (حُرٌّ) لَا قِنٌّ وَلَا ذُو شَائِبَةٍ لِلَغْوِ شَهَادَةِ الرَّقِيقِ الْكَبِيرِ فَالصَّغِيرُ أَوْلَى
ذَكَرٌ تَعَدَّدَ، لَيْسَ بِعَدُوٍّ، وَلَا قَرِيبٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَفُرْقَةَ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا،
ــ
[منح الجليل]
مُمَيِّزٌ) أَيْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَيُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ وَيَضْبِطُ مَا يُشَاهِدُ. الْخَرَشِيُّ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا وَأَنْ يَبْلُغَ عَشْرَ سِنِينَ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَضْبِطُ مَا يَقُولُ وَلَا يَثْبُتُ عَلَى مَا يَفْعَلُ لَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ " غ " قَوْلُهُ مُمَيِّزٌ أَعَمُّ مِمَّا حَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مِمَّنْ يَفْعَلُ الشَّهَادَةَ. ابْنُ عَرَفَةَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَجُوزُ شَهَادَةُ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ وَأَقَلُّ مِمَّا يُقَارِبُهَا اهـ. بَقِيَ هَذَا الشَّرْطُ عَلَيْهِ كَمَا بَقِيَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّوْضِيحِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالتَّمْيِيزِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ. (ذَكَرٌ) لَا أُنْثَى وَلَوْ تَعَدَّدَتْ مَعَ ذَكَرٍ (تَعَدَّدَ) الشَّاهِدُ فَلَا تُعْتَبَرُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ (لَيْسَ) الشَّاهِدُ (بِعَدُوٍّ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. الْبِسَاطِيُّ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ أَوْ بَيْنَ آبَائِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَوْرُوثَةَ أَشَدُّ مِنْ الطَّارِئَةِ (وَلَا قَرِيبٍ) لِلْمَشْهُودِ لَهُ. الْخَرَشِيُّ ظَاهِرُهُ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ مَانِعٌ فَتَشْمَلُ الْعُمُومَةَ وَالْخُؤُولَةَ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا أَكِيدَةً كَمَا ارْتَضَاهُ الْجِيزِيُّ.
(وَلَا خِلَافَ) أَيْ اخْتِلَافَ (بَيْنَهُمْ) أَيْ الصِّبْيَانِ فِي كَيْفِيَّةِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيهَا بِأَنْ قَالَ اثْنَانِ قَتَلَهُ فُلَانٌ، وَقَالَ آخَرَانِ قَتَلَهُ فُلَانٌ الْآخَرُ، أَوْ قَالَ اثْنَانِ لِاثْنَيْنِ أَنْتُمَا قَتَلْتُمَاهُ فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا لِلشَّاهِدَيْنِ، بَلْ أَنْتُمَا قَتَلْتُمَاهُ فَلَا تُقْبَلُ (وَلَا فُرْقَةَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ تَفَرُّقَ بَيْنَهُمْ قَبْلَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ افْتَرَقُوا قَبْلَهَا فَلَا تُقْبَلُ لِاحْتِمَالِ تَعْلِيمِ بَالِغٍ لَهُمْ خِلَافَ مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ، وَأَمْرِهِمْ بِكَتْمِ الْوَاقِعِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ أَوْ جَلْبِ النَّفْعِ (إلَّا أَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ صِلَتُهُ (يُشْهَدَ) عَدْلَانِ (عَلَى) شَهَادَتِ (هِمْ) أَيْ الصِّبْيَانِ (قَبْلَهَا) أَيْ الْفُرْقَةِ فَالْمُعْتَبَرُ شَهَادَتُهُمْ الْأُولَى الَّتِي سَمِعَهَا مِنْهُمْ الْعَدْلَانِ وَلَوْ رَجَعُوا عَنْهَا بَعْدَ افْتِرَاقِهِمْ. فِي الْمُدَوَّنَةِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ مَا لَمْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يُخَبَّبُوا أَيْ يُعَلَّمُوا ابْنَ عَرَفَةَ مُقْتَضَاهَا أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَرَادِفَيْنِ، وَنَصُّهُ شَرَطَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَهَادَتِهِمْ كَوْنَهَا قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا مُرَادُ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِهِمْ مَا لَمْ يُخَبَّبُوا، فَإِنَّ افْتِرَاقَهُمْ مَظِنَّةَ اخْتِلَاطِهِمْ
وَلَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ،
ــ
[منح الجليل]
بِمَنْ يُلَقِّنُهُمْ مَا تَبْطُلُ بِهِ شَهَادَتُهُمْ. قُلْت مُقْتَضَى قَوْلِهَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا وَيَخْبُوا مَعَ اخْتِصَارِهَا. أَبُو سَعِيدٍ كَذَلِكَ إنَّهُمَا غَيْرُ مُتَرَادِفَيْنِ، وَكَذَا لَفْظُ اللَّخْمِيِّ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ وَتَخْبِيبِهِمْ، وَلَفْظُ إذَا شَهِدُوا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا وَيُخَبَّبُوا
فَإِنْ افْتَرَقُوا وَأَمْكَنَ تَخْبِيبُهُمْ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَنَحْوُهُ لَفْظُ ابْنِ فَتُّوحٍ قَالَ وَمَعْنَى يُخَبَّبُوا يُعَلَّمُوا اهـ. (وَلَمْ يَحْضُرْ) مَعَهُمْ شَخْصٌ (كَبِيرٌ) أَيْ بَالِغٌ، فَإِنْ حَضَرَ مَعَهُمْ كَبِيرٌ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَدْلًا أَغْنَتْ شَهَادَتُهُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ يُتَّهَمُ بِتَخْبِيبِهِمْ. الْحَطّ أَطْلَقَ رحمه الله الْكَبِيرَ فَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَوْ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَيُفْهَمُ أَنَّ عِلَّةَ عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ مَعَ حُضُورِ الْكَبِيرِ خَوْفُ تَخْبِيبِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أُحْضِرَ مَعَهُمْ كَبِيرٌ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَشَهَادَتُهُمْ سَاقِطَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مَعَ حُضُورِ كَبِيرٍ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ. فِي التَّوْضِيحِ لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا سَحْنُونٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ اهـ. وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ سُقُوطِ شَهَادَتِهِمْ هَلْ هُوَ خَوْفُ التَّخْبِيبِ أَوْ الِاسْتِغْنَاءُ بِشَهَادَةِ الْكَبِيرِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا فَقَوْلَانِ فِي التَّوْضِيحِ، أَيْ الْكَبِيرُ الْحَاضِرُ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ كَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ لَا يَضُرُّ حُضُورُهُمْ بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ. الْمَازِرِيُّ لَا خِلَافَ فِيهِ مَنْصُوصٌ عِنْدَنَا وَقَالَهُ سَحْنُونٌ، ثُمَّ تَوَقَّفَ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْإِجَازَةِ عَلَى هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ إلَّا أَنَّهُ لَازِمٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّخْبِيبُ، بَلْ هُوَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ أَشَدُّ، وَالْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِارْتِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِشَهَادَةِ الْكَبِيرِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ وَجَعَلَ الرَّجْرَاجِيُّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ مَنْصُوصًا، وَنَصُّهُ إذَا حَضَرَ كَبِيرٌ فَإِنْ كَانَ شَاهِدًا فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَلَا خِلَافَ أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ سَاقِطَةٌ لِوُجُودِ الْكَبِيرِ الْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِعَدْلٍ فَالْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ شَهَادَتَهُمْ جَائِزَةٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ، وَالثَّانِي أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تَجُوزُ لِحُضُورِ الْكَبِيرِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُودًا عَلَيْهِ
أَوْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ، أَوْ لَهُ
وَلَا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ، وَلَا تَجْرِيحُهُمْ؛
وَلِلزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ
ــ
[منح الجليل]
فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُمْ فِي الْجِرَاحِ أَوْ فِي النَّفْسِ إنْ كَانَ عَاشَ حَتَّى يَعْرِفَ مَا هُوَ فِيهِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ لَهُ، وَصَرَّحَ ابْنُ يُونُسَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي وَنَصُّهُ بَعْدَ حِكَايَةِ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ إنَّمَا يُتَّقَى مِنْ الْكَبِيرِ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَوْ يُخَبِّبَهُمْ فَلَا تُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْجُرْحَةُ. اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَزَادَ فَقَالَ وَحَاصِلُهُ قَوْلَانِ فَنَظَرَ مُطَرِّفٌ وَمَنْ مَعَهُ إلَى رَفْعِ الضَّرُورَةِ وَإِذَا كَانَ الْكَبِيرُ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ تَرْتَفِعْ الضَّرُورَةُ، وَنَظَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ لِلتَّخْبِيبِ وَالتَّعْلِيمِ وَهُوَ فِي غَيْرِ الْعَدْلِ أَكْثَرُ.
(أَوْ يَشْهَدُ) الصِّبْيَانُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْكَبِيرِ لِصَغِيرٍ (أَوْ) يَشْهَدُ الصِّبْيَانُ (لَهُ) أَيْ الْكَبِيرِ عَلَى الصَّغِيرِ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ، فَالشَّرْطُ شَهَادَتُهُمْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضِهِمْ عب الضَّمِيرَانِ لِلْكَبِيرِ كَمَا فِي الشَّارِحِ، وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْهُمْ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ اعْتِبَارُ مَنْعِ الْكَذِبِ قَبُولَ شَهَادَةِ مَنْ عُرِفَ بِهِ مِنْهُمْ. تت سَكَتَ عَنْ شَرْطِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِعِلْمِهِ مِنْ بُطْلَانِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ الْبَالِغِ بِالْأَوْلَى. وَقَالَ " غ " تَضَمَّنَ شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ شَرْطَ إسْلَامِهِ، وَتَبِعَهُ عب، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صِغَارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَكَذَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَقْدَحُ) فِي شَهَادَتِهِمْ (رُجُوعُهُمْ) أَيْ الصِّبْيَانِ عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ أَدَائِهَا فَيُعْمَلُ بِالْأُولَى سَوَاءٌ رَجَعُوا عَنْهَا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَتَأَخَّرْ الْحُكْمُ عَنْ بُلُوغِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ بَعْدَهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَجَعَلَهُ اللَّخْمِيُّ الْمَذْهَبَ (وَلَا) يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمْ (تَجْرِيحُهُمْ) أَيْ الصِّبْيَانِ الشَّاهِدِينَ، أَيْ بِغَيْرِ الشُّهْرَةِ بِالْكَذِبِ. ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ لِذَلِكَ.
(وَلِ) الشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ ا (لَزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ) مِنْ الْعُدُولِ الْمُسْتَوْفِينَ الشُّرُوطَ السَّابِقَةَ وَالْخَالِينَ مِنْ الْمَوَانِعِ كَذَلِكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَاعْتُبِرَ هَذَا الْعَدَدُ فِي الزِّنَا إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15] وَحِكْمَةُ
بِوَقْتٍ؛ وَرُؤْيًا اتَّحَدَا، وَفُرِّقُوا فَقَطْ: أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا
ــ
[منح الجليل]
التَّشْدِيدِ بِاشْتِرَاطِ الْأَرْبَعَةِ طَلَبُ السَّتْرِ وَدَفْعُ الْعَارِ اللَّاحِقِ لِلزَّانِي، وَلَهَا وَلِأَهْلِهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَتَكُونُ تَأْدِيَةُ الْأَرْبَعَةِ الشَّهَادَةَ لِلْحَاكِمِ (بِوَقْتٍ وَ) اعْتِمَادًا عَلَى (رُؤْيًا) لِآلَةِ الرَّجُلِ فِي آلَةِ الْمَرْأَةِ بِالْبَصَرِ (اتَّحَدَا) أَيْ وَقْتَ التَّأْدِيَةِ وَالرُّؤْيَةِ، فَإِنْ أَدَّوْهَا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ رَأَوْا كَذَلِكَ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ وَحُدُّوا حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. الْحَطّ يَعْنِي بِالْوَقْتِ الْمُتَّحِدِ أَنْ يَأْتُوا بِشَهَادَتِهِمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ مُجْتَمِعِينَ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ، وَاشْتِرَاطُ اتِّحَادِهِ فِي الرُّؤْيَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُلَفَّقُ الشَّهَادَةُ فِي الْأَفْعَالِ. ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ عِيسَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا لَا تَجُوزُ حَتَّى تَجْتَمِعَ أَرْبَعَةٌ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَيَوْمٍ وَاحِدٍ وَسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا تَسْمِيَةُ الْمَوْضِعِ وَلَا الْيَوْمِ وَلَا السَّاعَةِ إنَّمَا شَرْطُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا تَخْتَلِفَ الْأَرْبَعَةُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ قَالُوا رَأَيْنَاهُ مَعًا يَزْنِي بِفُلَانَةَ غَائِبَةً فَرْجُهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ تَمَّتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ قَالُوا لَا نَذْكُرُ الْيَوْمَ وَلَا الْمَوْضِعَ وَإِنْ قَالُوا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَيَوْمِ كَذَا وَسَاعَةِ كَذَا مِنْ يَوْمِ كَذَا كَانَتْ أَتَمَّ
وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَوَاضِعِ أَوْ الْأَيَّامِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي يَوْمِ كَذَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ فِي يَوْمٍ آخَرَ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَازَتْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرُوهُ تَمَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهُ اهـ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ قَالَ أَحَدُهُمْ زَنَى بِهَا مُنْكَبَّةً وَقَالَ بَعْضُهُمْ مُسْتَلْقِيَةً بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَحُدُّوا لِلْقَذْفِ. اهـ. وَسَمِعَ عِيسَى إنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَا رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ شَهِدَ اثْنَانِ بِأَنَّهَا طَاوَعَتْهُ وَاثْنَانِ بِأَنَّهُ اغْتَصَبَهَا حُدَّ الْأَرْبَعَةُ. (وَفُرِّقُوا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، أَيْ الشَّاهِدُونَ بِالزِّنَا عِنْدَ تَأْدِيَةِ الشَّهَادَةِ وُجُوبًا، سَوَاءٌ حَصَلَتْ رِيبَةٌ أَمْ لَا قَالَهُ تت، وَتَبِعَهُ عب وَالْخَرَشِيُّ. وَقَالَ شب نَدْبًا، فَإِنْ اخْتَلَفُوا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ (وَ) يَشْهَدُونَ (أَنَّهُ أَدْخَلَ) ذَكَرَهُ (فِي فَرْجِهَا) وَمُقْتَضَى نَقْلِ " ق "
وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ.
ــ
[منح الجليل]
أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَيُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِزِيَادَةِ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ.
(وَ) يَجُوزُ (لِكُلٍّ) أَيْ مِنْ الْعُدُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ أَرَادُوا الشَّهَادَةَ بِالزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ (النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ) أَيْ لِقَصْدِ التَّحَمُّلِ فَلَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُمْ بِتَعَمُّدِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ بِكَوْنِهِمْ أَرْبَعَةً وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، وَجَازَ لَهُمْ نَظَرُهَا هُنَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا لِحَاجَةٍ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ غَالِبًا فَتَكْثُرَ الْفَاحِشَةُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا قِيلَ فَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَقَالُوا تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ إلَيْهِمَا لِتَثْبُتَ الشَّهَادَةُ، قَالَ كَيْفَ يَشْهَدُونَ إلَّا هَكَذَا، وَنَاقَضَهَا ابْنُ هَارُونَ بِعَدَمِ إجَازَتِهِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي عَيْبِ الْفَرْجِ نَظَرَ النِّسَاءِ إلَيْهِ لِيَشْهَدْنَ بِمَا يَرَيْنَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ وَهِيَ بِكْرٌ، قَالَ تُصَدَّقُ وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ، قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ مُشْكِلٌ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْخِيَارِ إنَّ نَظَرَ الْمُبْتَاعِ فَرْجَ الْأَمَةِ رِضًى مِنْهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُهُ إلَّا النِّسَاءُ أَوْ مَنْ يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ فَأَجَازَ نَظَرَ النِّسَاءِ إلَيْهِ. فَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ طَرِيقَ الْحُكْمِ هُنَا مُنْحَصِرٌ فِي الشَّهَادَةِ وَلَا تُقْبَلُ إلَّا بِصِفَتِهَا الْخَاصَّةِ وَطَرِيقُهُ فِي تِلْكَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي الشَّهَادَةِ، بَلْ لَهُ غَيْرُهَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَحَلِّهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْتَكَبَ مُحَرَّمٌ وَهُوَ نَظَرُ الْفَرْجِ بِلَا ضَرُورَةٍ. قُلْت يُرَدُّ بِأَنَّ صُورَةَ النَّقْضِ إنَّمَا هِيَ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْعَيْبِ إلَّا بِالنَّظَرِ. وَكَانَ يَجْرِي لَنَا الْجَوَابُ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَدَّ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَثُبُوتُ الْعَيْبِ حَقٌّ آدَمِيٌّ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْكَدُ لِقَوْلِهَا فِيمَنْ سَرَقَ وَقَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ عَمْدًا يُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ. الثَّانِي مَا لِأَجْلِهِ النَّظَرُ هُنَا مُحَقَّقُ الْوُجُودِ أَوْ رَاجِحُهُ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ بِالسَّوِيَّةِ. الثَّالِثُ: الْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي الزِّنَا إنَّمَا هُوَ مُغَيِّبُ الْحَشَفَةِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالْفَرْجِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ النَّظَرُ إلَى الْعَيْبِ. اللَّخْمِيُّ قَوْلُهُ كَيْفَ يَشْهَدُ الشُّهُودُ إلَّا هَكَذَا، أَرَادَ بِهِ أَنَّ تَعَمُّدَ النَّظَرِ لَا يُبْطِلُ شَهَادَتَهُمْ لِإِرَادَةِ إقَامَةِ الْحَدِّ، وَهَذَا أَحْسَنُ فِيمَنْ كَانَ مَعْرُوفًا
وَنُدِبَ سُؤَالُهُمْ،
ــ
[منح الجليل]
بِالْفَسَادِ وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِهِ فِيهِ نَظَرٌ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا يَكْشِفُونَ وَلَا تُحَقَّقُ عَلَيْهِمْ الشَّهَادَةُ،؛ لِأَنَّهُ إنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ لَهُمْ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ لَا يُبَلِّغُوا الشَّهَادَةَ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَكْشِفُونَ عَنْ تَحْقِيقِهَا، فَإِنْ قَذَفَهُ أَحَدٌ بَعْدَهَا بَلَّغُوهَا فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَالسَّتْرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ قَذْفِهِ نَادِرَةٌ قُلْت وَلِقَوْلِهَا مَنْ قُذِفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ زَنَى حَلَّ لَهُ الْقِيَامُ بِحَدِّ قَاذِفِهِ.
الْمَازِرِيُّ تَعَمُّدُ نَظَرِ الْبَيِّنَةِ لِفِعْلِ الزَّانِي ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ إلَّا بِهِ، وَنَظَرُ الْفَجْأَةِ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَا تَتِمُّ بِهِ الشَّهَادَةُ وَمَنَعَ بَعْضُ النَّاسِ نَظَرَ الْعَوْرَةِ فِي ذَلِكَ لِمَا نَبَّهَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِحْسَانِ السَّتْرِ. وَفِي قَوَاعِدِ عِزِّ الدِّينِ إنَّمَا يَجُوزُ لِلشُّهُودِ أَنْ يَنْظُرُوا مِنْ ذَلِكَ مَا يُحَصِّلُ وُجُوبَ الْحَدِّ وَهُوَ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ فَقَطْ، وَالنَّظَرُ إلَى الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ حَرَامٌ. قُلْت هَذَا كُلُّهُ إنْ عَجَزَ الشُّهُودُ عَنْ مَنْعِ الْفَاعِلَيْنِ إتْمَامَ مَا قَصَدَاهُ أَوْ ابْتَدَآهُ مِنْ الْفِعْلِ، فَلَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ وَلَمْ يَفْعَلُوا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِعِصْيَانِهِمْ بِعَدَمِ تَغْيِيرِهِمْ هَذَا الْمُنْكَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُمَا بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُهُ التَّغْيِيرُ لِإِسْرَاعِهِمَا. اهـ. الْحَطّ وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَهُوَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ ظَاهِرٌ، وَلَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ بِخِلَافِهِ، وَنَصُّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَرَى السَّارِقَ يَسْرِقُ مَتَاعَهُ فَيَأْتِي بِشَاهِدَيْنِ لِيَنْظُرَا إلَيْهِ وَيَشْهَدَا عَلَيْهِ بِسَرِقَتِهِ فَيَنْظُرَانِ إلَيْهِ وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُمَا، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَهُ مَنَعَهُ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ أَصْبَغُ أَرَى عَلَيْهِ الْقَطْعَ. مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُ أَصْبَغَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْمَتَاعَ مُسْتَسِرًّا بِهِ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُ لَا رَبَّ الْمَتَاعِ وَلَا غَيْرَهُ كَمَنْ زَنَى وَالشُّهُودُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ وَلَوْ شَاءُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ مَنَعُوهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمْ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ رَآهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُخْتَلِسِ لَمَّا أَخَذَ الْمَتَاعَ وَصَاحِبُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخْتَلِسِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ لَمْ يَعْلَمْ بِنَظَرِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ إلَيْهِ اهـ.
(وَ) إذَا شَهِدَ الْعُدُولُ الْأَرْبَعَةُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِالزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ (نُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ
كَالسَّرِقَةِ مَا هِيَ؟ وَكَيْفَ أُخِذْت؟
وَلِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ كَعِتْقٍ،
ــ
[منح الجليل]
لِلْحَاكِمِ (سُؤَالُهُمْ) أَيْ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ مَا رَأَوْهُ وَمَكَانَهُ وَوَقْتَهُ وَكَيْفِيَّةِ اجْتِمَاعِهِمَا وَدُخُولِهِمَا، وَمَا الْبَاعِثُ لَهُمَا، وَكَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِمَا وُصُولُكُمْ إلَيْهِمَا، فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْجَوَابِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي شُهُودِ الزِّنَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ. ابْنُ الْقَاسِمِ كَيْفَ رَأَوْهُ وَكَيْفَ صَنَعَ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْرَأُ الْحَدَّ دَرَأَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ إيَّاهُمْ فِي جَمْعٍ مِنْ النَّاسِ. مُحَمَّدٌ إنْ غَابُوا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ غَيْبَةً بَعِيدَةً أَوْ مَاتُوا أَقَامَ الْحَدَّ بِشَهَادَتِهِمْ. اللَّخْمِيُّ أَرَادَ إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمُوجَبِ الْحَدِّ، إذْ قَدْ يَرَوْنَهُ عَلَيْهَا فَيَشْهَدُونَ بِالزِّنَا، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَنَحْوُهُ لِلتُّونُسِيِّ. أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَهُ يَنْبَغِي هَلْ مَعْنَاهُ يَجِبُ أَوْ هُوَ عَلَى بَابِهِ؟ الْأَقْرَبُ الْوُجُوبُ. الْحَطّ وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَشَبَّهَ فِي نَدْبِ السُّؤَالِ فَقَالَ (كَالسَّرِقَةِ) فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَ شَاهِدَيْهَا (مَا هِيَ) أَيْ الذَّاتُ الْمَسْرُوقَةُ مِنْ الْأَنْوَاعِ (وَكَيْفَ أُخِذَتْ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَمِنْ أَيْنَ أَخَذَهَا وَإِلَى أَيْنَ ذَهَبَ بِهَا، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَعَنْ كَيْفِيَّةِ تَوَصُّلِهِمْ لِمَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ. وَأَمَّا مَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِ فَالسُّؤَالُ عَنْهُ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا كَأَخْذِ الْمَالِ مِنْ حِرْزِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ، وَفِي السَّرِقَةِ مَا هِيَ وَكَيْفَ أَخَذَهَا وَمِنْ أَيْنَ إلَى أَيْنَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ كَانُوا مِمَّنْ يَجْهَلُ. قُلْت قَوْلُ سَحْنُونٍ إنَّمَا نَقَلَهُ الصِّقِلِّيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ فِي السَّرِقَةِ. الصِّقِلِّيُّ بَعْضُ فُقَهَائِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْشِفُوا، وَإِنْ كَانُوا لَا يَجْهَلُونَ، إذْ قَدْ يَكُونُ رَأْيُ الْحَاكِمِ فِيهِ نَفْيَ الْقَطْعِ أَوْ ثُبُوتَهُ وَرَأْيُهُ خِلَافَ رَأْيِهِمْ. قُلْت سِيَاقُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَقُولُهُ حَيْثُ الشُّهُودُ وَالْحَاكِمُ أَهْلُ مَذْهَبٍ وَاحِدٍ.
(وَلِمَا) أَيْ مَشْهُودٍ بِهِ (لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ) أَيْ الْمَالُ (كَعِتْقٍ) وَهُوَ كُلُّ عَقْدٍ لَازِمٍ لَا يَفْتَقِرُ لِعَاقِدَيْنِ، وَفِيهِ إخْرَاجٌ فَمِثْلُهُ الْوَقْفُ وَالطَّلَاقُ غَيْرُ الْخُلْعِ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ
وَرَجْعَةٍ، وَكِتَابَةٍ عَدْلَانِ
ــ
[منح الجليل]
وَالْوَصِيَّةُ بِغَيْرِ الْمَالِ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَاءُ وَالتَّدْبِيرُ قَالَهُ تت. طفى لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْوَقْفَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَدْلَيْنِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَإِنْ تَعَذَّرَتْ يَمِينُ بَعْضٍ كَشَاهِدٍ بِوَقْفٍ إلَخْ يُنَافِيه. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ عَامِلَةٌ فِي الْأَحْبَاسِ؛ لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ، وَقَدْ عَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَبِأَحَدِهِمَا وَيَمِينٍ، وَقَوْلُهُ غَيْرُ الْخُلْعِ أَخْرَجَ الْخُلْعَ لِعَدَمِ انْتِظَامِهِ فِي هَذَا السِّلْكِ وَسَيَذْكُرُهُ فِي الْعُقُودِ الَّتِي تَفْتَقِرُ لِعَاقِدَيْنِ. الْبُنَانِيُّ أُجِيبَ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ تت وَمَنْ تَبِعَهُ يُحْمَلُ عَلَى الْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ. الْبَاجِيَّ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ وَلَا يُحَاطُ بِهِمْ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِصَدَقَةٍ لِبَنِي تَمِيمٍ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ لَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِشَهَادَتِهِ شَيْئًا، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مُسْتَحِقُّ هَذَا الْحَقِّ فَيَحْلِفُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ فِي الْحُقُوقِ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ الْمِلْكَ أَوْ الْقَبْضَ، وَيُطْلَبُ بِهِ إنْ نَكَلَ.
قُلْت الْجَوَابُ بِكَلَامِ الْبَاجِيَّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى تَعَذُّرِ الثُّبُوتِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَيَبْقَى الثُّبُوتُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، فَفِي ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مَا نَصُّهُ الصَّوَابُ جَوَازُ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ بِوَصِيَّةٍ لِلْمَسَاكِينِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا سَقَطَتْ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَقِّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لَا لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَالٍ لَا تُسْتَحَقُّ بِيَمِينٍ مَعَ الشَّاهِدِ.
(وَرَجْعَةٍ) تت وَهُوَ كَالْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ فِيهِ إدْخَالًا، فَمِثْلُهُ الِاسْتِلْحَاقُ وَالْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ، وَيُنَاسِبُهُ الْإِحْلَالُ وَالْإِحْصَانُ (وَكِتَابَةٍ) تت وَهُوَ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ لِعَاقِدَيْنِ، فَمِثْلُهَا النِّكَاحُ وَالْوَكَالَةُ فِي غَيْرِ الْمَالِ وَالْخُلْعِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْعِدَّةُ (عَدْلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ وَمُتَعَلِّقُ الشَّهَادَةِ بِالذَّاتِ مَحْكُومًا بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا وَلَا زِنًا وَلَا قَرِينَةً وَلَا مُخْتَصًّا بِاطِّلَاعِ النِّسَاءِ، فَشَرْطُ شَهَادَتِهِ اثْنَانِ رَجُلَانِ. ابْنُ شَاسٍ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مَا عَدَا الزِّنَا مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مَا يَئُولُ إلَيْهِ كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْوَلَاءِ وَالْعِدَّةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَثُبُوتِهِ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِمَا، وَالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَالْكِتَابَةِ
وَإِلَّا فَعَدْلٌ، وَامْرَأَتَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِيَمِينٍ: كَأَجَلٍ، وَخِيَارٍ، وَشُفْعَةٍ، وَإِجَارَةٍ، وَجَرْحٍ خَطَإٍ، أَوْ مَالٍ، وَأَدَاءِ كِتَابَةٍ، وَإِيصَاءٍ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ، أَوْ بِأَنَّهُ حُكِمَ بِهِ: كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ
ــ
[منح الجليل]
وَالتَّدْبِيرِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، وَكَذَا الْوَكَالَةُ وَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ. شَرْطُ كُلُّ ذَلِكَ الْعَدَدُ وَالذُّكُورِيَّةُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَدَّ الْمَازِرِيُّ فِي هَذَا النَّوْعِ الْإِحْلَالَ وَالْإِحْصَانَ وَالْإِيلَاءَ وَالظِّهَارَ، وَتَقَدَّمَ عَدُّ ابْنُ شَاسٍ الْعِدَّةَ فِيهِ. الْمَازِرِيُّ يَشْهَدَانِ بِانْقِضَائِهَا أَوْ ثُبُوتِهَا، قَالَ وَحَدُّ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَعَدَّ فِيهَا الرَّجْعَةَ كَالْمَعُونَةِ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهَا خِلَافًا. وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ فِي شَهَادَتِهِنَّ فِي الِارْتِجَاعِ قَوْلَانِ، فَسَمِعَ أَشْهَبُ لَا تَجُوزُ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي غَيْرِ الْمُسْتَخْرَجَةِ هِيَ جَائِزَةٌ فِيهِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَشْهُودُ بِهِ لَيْسَ مَالًا وَلَا آيِلًا إلَيْهِ، بِأَنْ كَانَ مَالًا أَوْ آيِلًا إلَيْهِ (فَ) يَكْفِي فِيهِ (عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ) بِلَا يَمِينٍ (أَوْ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْعَدْلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ (بِيَمِينٍ) يَحْلِفُهَا الْمَشْهُودُ لَهُ عَلَى أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الْعَدْلُ أَوْ الْمَرْأَتَانِ حَقٌّ صَحِيحٌ، وَمَثَّلَ لِمَا لَيْسَ مَالًا وَلَا آيِلًا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (كَأَجَلٍ) لِثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ أَوْ قَرْضٍ (وَخِيَارٍ) فِي بَيْعٍ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ (وَشُفْعَةٍ) أَيْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَخْذٍ أَوْ تَرْكٍ وَإِسْقَاطٍ أَوْ غَيْبَةِ الشَّفِيعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَإِجَارَةٍ) وَبَيْعٍ وَكِرَاءٍ (وَجَرْحٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ مُضَافٌ لِ (خَطَأٍ أَوْ) جَرْحِ (مَالٍ) وَهُوَ الْعَمْدُ الَّذِي لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِخَشْيَةِ التَّلَفِ كَجَائِفَةٍ وَآمَّةٍ (وَأَدَاءِ) نُجُومِ (كِتَابَةٍ وَإِيصَاءٍ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ) أَيْ الْمَالِ (أَوْ بِأَنَّهُ) أَيْ الْحَاكِمُ (حَكَمَ لَهُ) أَيْ الطَّالِبِ (بِهِ) أَيْ الْمَالِ فَيَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَيَمِينِ الشَّارِحِ، وَمَثَّلَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ (كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ) الرَّقِيقَةِ لِغَيْرِهِ فَيَكْفِي فِيهِ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَيَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ، وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَسْخُ النِّكَاحِ. الْبِسَاطِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ بِأَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ لِشَخْصٍ بِمَالٍ ثُمَّ أَرَادَ تَنْفِيذَهُ عِنْدَ إنْكَارِ الْخَصْمِ كَفَى فِيهِ الشَّاهِدُ وَامْرَأَتَانِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةُ إنْهَاءِ الْحَاكِمِ لِغَيْرِهِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَجَعَلَهَا الشَّارِحُ مِثَالًا، وَلَا أَدْرِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ اُنْظُرْ الْكَبِيرَ، وَنَصُّهُ وَلَعَلَّ اخْتِلَافَهُمَا نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْقَضَاءِ بِمَالٍ فَالْمَشْهُورُ لَا تَمْضِي فَصَلَهَا؛ لِأَنَّهَا عَكْسُ مَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيمَا قَبْلَهَا عَلَى مَالٍ وَتَئُولُ إلَى غَيْرِهِ، وَهَذِهِ بِالْعَكْسِ. وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ الشَّهَادَةُ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ بِأَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَدَاءِ آخِرِ نَجْمٍ، وَيُنْكِرَ السَّيِّدُ وَيَحْلِفَ الْمُكَاتَبُ مَعَ شَاهِدِهِ فَيَثْبُتَ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ، وَلَيْسَ بِمَالٍ. وَمَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ إنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ لَهُ عَلَيْهِ بِمَالٍ فَأَنْكَرَ فَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا بِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ الْمَشْهُورُ لَا، وَتَعَقَّبَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي، قَالَ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيَّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي كِتَابِ الْقَاضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ لَيْسَ بِمَالٍ وَيَئُولُ إلَى مَالٍ.
وَأَمَّا دَعْوَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمَالٍ، فَدَعْوًى بِمَالٍ حَقِيقَةً لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهَا وَرُدَّ بِأَنَّ الْخِلَافَ أَيْضًا مَوْجُودٌ فِي حُكْمِ الْقَاضِي حَكَاهُ فَضْلٌ، وَالْقَوْلُ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ لِمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَاهِدَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ، وَلَعَلَّ ابْنَ الْحَاجِبِ شَهَّرَهُ إمَّا لِأَخْذِ ابْنِ حَبِيبٍ بِهِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِمَّا لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ فِيهِ بَاشَرَتْ مَالًا وَإِمَّا لِلْمَجْمُوعِ اهـ. " غ " قَوْلٌ أَوْ بِأَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ، أَيْ وَكَذَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْقَاضِي بِالْمَالِ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ، فَلَيْسَ كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ تَمْثِيلًا، وَلَكِنَّهُ تَشْبِيهٌ لِإِفَادَةِ حُكْمٍ. طفى أَرَادَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَمَثَّلَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ أَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ غَيْرَ مَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ، لَكِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْمَالِ فَيَكْفِي فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَيَمِينٌ، وَنَصُّهُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَوْ بِأَنَّهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ إلَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ إذَا انْتَقَلَ بِالشَّهَادَةِ لِذَلِكَ، أَيْ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْمَرْأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ يَمِينٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ شَاهِدٌ مَعَ يَمِينٍ أَوْ امْرَأَتَانِ مَعَ يَمِينٍ، فَتَصِيرَ مِلْكًا لَهُ، فَيَجِبَ بِذَلِكَ فِرَاقُهَا، وَكَذَلِكَ عَلَى دَيْنٍ مُتَقَدِّمٍ يُرَدُّ بِهِ الْعِتْقُ أَوْ يُقِيمَ الْقَاذِفُ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَقْذُوفَ عَبْدٌ فَيَسْقُطَ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا زَادَ الشَّيْخُ الْقِصَاصَ فِي الْجَرْحِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ وَلَا مِمَّا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ لِيَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الصُّوَرِ. اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ كَلَامِهِ مَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ بِأَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ، وَأَنَّ شِرَاءَ الزَّوْجَةِ وَمَا بَعْدَهُ مِثَالَانِ لِذَلِكَ، وَكَذَا الْمِثَالُ الَّذِي زَادَهُ، فَالْفَسْخُ فِي الْأَوَّلِ وَرَدُّ الْعِتْقِ فِي الثَّانِي وَسُقُوطُ الْحَدِّ فِي الثَّالِثِ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَلَا تُؤَوَّلُ إلَيْهِ، لَكِنْ حُكِمَ لَهَا بِحُكْمِ الْمَالِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى شِرَاءِ الزَّوْجَةِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَتَثْبُتُ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَسْخُ وَالْعِتْقُ فَصَلَهَا بِأَمَّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مَحْضٍ، بَلْ مُرَكَّبٌ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ فَيَثْبُتُ الْبَيْعُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهُوَ مَالٌ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَحْكُمْ بِهِ لَأَدَّى إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ كِلَاهُمَا بَاطِلٌ، إمَّا رَدُّ شَهَادَةٍ بِشَاهِدٍ وَإِمَّا إبْقَاءُ الزَّوْجَةِ فِي عِصْمَةِ مَالِكِهَا، وَكَذَا الْمِثَالُ الثَّانِي يَثْبُتُ فِيهِ أَدَاءُ النُّجُومِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ. اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك صِحَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ، وَأَنَّ قَوْلَ الْبِسَاطِيِّ لَا أَدْرِي إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ وَأَمَّا تَقْرِيرُ الْبِسَاطِيِّ وَنَحْوُهُ لَغْ فَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْقَضَاءِ بِمَالٍ فَالْمَشْهُورُ لَا تَمْضِي وَلَهُ اسْتِحْلَافُ الْمَطْلُوبِ، وَأَقَرَّهُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَعَزَا مَا شَهَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى تَعَقُّبِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي مُخْتَصَرِهِ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ
وَتَقَدُّمِ دَيْنٍ عِتْقًا، وَقِصَاصٍ فِي جُرْحٍ
ــ
[منح الجليل]
مَا قَرَّرَ بِهِ الْبِسَاطِيُّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ غَيْرُ الْإِنْهَاءِ كَمَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ، وَأَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا. الْبُنَانِيُّ لَكِنَّ تَقْرِيرَ الشَّارِحِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ فِي ذَلِكَ هُوَ الْبَيْعُ، وَهُوَ مَالٌ وَيُؤَدِّي إلَى مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَهُوَ الْفَسْخُ مَثَلًا، فَلَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ طفى بِكَلَامِ التَّوْضِيحِ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ، لَكِنَّ تَقْرِيرَ التَّوْضِيحِ لَا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ تَقْرِيرَ ابْنِ غَازِيٍّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَتَمُّ فَائِدَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) كَ (تَقَدُّمِ دَيْنٍ) مُحِيطٍ بِمَالِ الْمُعْتِقِ (عِتْقًا) فَيَثْبُتُ بِذَلِكَ، وَيُرَدُّ الْعِتْقُ يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقِيقًا وَظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِهِ وَادَّعَى غُرَمَاؤُهُ أَنَّ تَدَايُنَهُ قَبْلَ عِتْقِهِ وَأَقَامُوا عَلَيْهِ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا، وَحَلَفُوا مَعَهُ يَمِينًا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِذَلِكَ وَيُرَدُّ الْعِتْقُ وَيُؤْخَذُ الرَّقِيقُ فِي الدَّيْنِ (وَ) كَ (قِصَاصٍ) مِنْ جَانٍ (فِي جَرْحِ) عَمْدٍ فَيَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي، وَهَذِهِ إحْدَى الْمُسْتَحْسَنَاتُ. فِيهَا مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جَرْحٍ عَمْدًا فَلْيَحْلِفْ وَيَقْتَصِفْ، فَإِنْ نَكَلَ قِيلَ لِلْجَارِحِ احْلِفْ وَابْرَأْ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، ثُمَّ قَالَ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ قَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " ذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، فَقَالَ كَلَّمْت مَالِكًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّهُ لِشَيْءٍ اسْتَحْسَنْته وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَفِيهَا أَيْضًا كُلُّ جَرْحٍ فِيهِ قِصَاصٌ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ فِيهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَكُلُّ جَرْحٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ مِمَّا هُوَ مُتْلِفٌ كَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ فَالشَّاهِدُ فِيهِ وَالْيَمِينُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ مَالٌ. " غ " قَوْلُهُ أَوْ قِصَاصٍ فِي جَرْحٍ مَعْطُوفٌ عَلَى شِرَاءِ زَوْجَةٍ وَكَأَنَّهُ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ وَلِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ عَدْلَانِ. الْبُنَانِيُّ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ قَبُولَ الشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ فِي الْمَالِ وَمَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا. وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ مَنْ صَحَّ نَظَرُهُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ أَنْ يَقْضِيَ إلَّا بِالشَّاهِدِ الْمُبَرِّزِ فِي الْعَدَالَةِ. اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّبْصِرَةِ. وَفِي الْمِعْيَارِ سُئِلَ ابْنُ لُبٍّ عَنْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَأَجَابَ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ مَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَأَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ، لَكِنْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الشَّاهِدِ الْعَدْلِ الْبَيِّنِ الْعَدَالَةِ، وَحُمِلَ عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْمَذْهَبِ، وَقَدْ كَانَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ
وَلِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ، كَوِلَادَةٍ وَعَيْبِ فَرْجٍ، وَاسْتِهْلَالٍ وَحَيْضٍ، وَنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتٍ، أَوْ سَبْقِيَّتِهِ، أَوْ مَوْتٍ وَلَا زَوْجَةَ، وَلَا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ؛
ــ
[منح الجليل]
مِنَّا لَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا مَعَ شَاهِدٍ مُبَرِّزٍ وَلَا يَأْخُذُ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ ظَهَرَتْ رِيبَةٌ فِي الْقَضِيَّةِ وَكَانَ الْأَخْذُ بِذَلِكَ مُؤَدِّيًا إلَى فَسْخِ عَقْدٍ ثَابِتِ الصِّحَّةِ فَلَا وَجْهَ لِلْأَخْذِ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ. اهـ. لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ رَحَّالٍ فِي حَاشِيَةِ التُّحْفَةِ ظَاهِرُ كَلَامِ جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ لَا تَفْسِيرٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ قَيَّدَ كَلَامَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا بِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْإِتْيَانُ بِالْمُبَرِّزِ، اُنْظُرْ كَلَامَهُ.
(وَلِمَا) بِكَسْرِ اللَّامِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ، أَيْ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ (لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ) لِكَوْنِهِ عَوْرَةً لَهُنَّ (امْرَأَتَانِ) عَدْلَتَانِ، وَمَثَّلَ لِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ فَقَالَ (كَوِلَادَةٍ) وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَوْلُودِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاشْتَرَطَ سَحْنُونٌ حُضُورَهُ لِيُشَاهِدَهُ الرِّجَالُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ (وَ) كَ (عَيْبِ فَرْجٍ) مِنْ أَمَةٍ اخْتَلَفَ فِيهِ بَائِعُهَا وَمُشْتَرِيهَا. وَأَمَّا عَيْبُ فَرْجِ الْحُرَّةِ فَتُصَدَّقُ فِيهِ وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ إلَّا بِرِضَاهَا. وَقَالَ سَحْنُونٌ تُجْبَرُ عَلَى تَمْكِينِهِنَّ مِنْ نَظَرِهِ كَالْأَمَةِ، وَتَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي النِّكَاحِ وَإِنْ أَتَى بِامْرَأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ لَهُ قُبِلَتَا (وَ) كَ (اسْتِهْلَالٍ) أَيْ صُرَاخِ الْمَوْلُودِ حِينَ وِلَادَتِهِ وَعَدَمِهِ وَظَاهِرُهُ كَانَ الْبَدَنُ مَوْجُودًا أَمْ لَا، وَذُكُورَتُهُ أَوْ أُنُوثَتُهُ مَعَ يَمِينِ الْقَائِمِ بِشَهَادَتِهِنَّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَ) كَ (حَيْضٍ) مِنْ أَمَةٍ، وَأَمَّا الْحُرَّةُ فَتُصَدَّقُ فِيهِ.
(وَنِكَاحٍ) ادَّعَاهُ حَيٌّ (بَعْدَ مَوْتٍ) فَيَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي فَيَثْبُتُ الصَّدَاقُ وَالْإِرْثُ لَا النِّكَاحُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (أَوْ سَبْقِيَّتِهِ) أَيْ مَوْتِ أَحَدِ الْقَرِيبَيْنِ أَوْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مَوْتِ الْآخَرِ فَثَبَتَ بِعَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَأَحَدُهُمَا مَعَ يَمِينٍ (أَوْ مَوْتٍ) لِرَجُلٍ (وَلَا زَوْجَةَ) لَهُ (وَلَا مُدَبَّرَ) لَهُ فَيَثْبُتُ بِمَا ذَكَرَ (وَ) لَا (نَحْوَهُ) أَيْ الْمُدَبَّرِ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ وَمُوصًى بِعِتْقِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ أَوْ نَحْوُ مُدَبَّرٍ فَلَا يَثْبُتُ مَوْتُهُ إلَّا
وَثَبَتَ الْإِرْثُ وَالنَّسَبُ لَهُ، وَعَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ
وَالْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ
ــ
[منح الجليل]
بِعَدْلَيْنِ. " غ " قَوْلُهُ وَنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتٍ أَوْ سَبْقِيَّتِهِ أَوْ مَوْتٍ وَلَا زَوْجَةَ وَلَا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ حَقُّ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى قَوْلِهِ وَلِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ مُنْتَظِمًا فِي سِلْكِ مَا يُقْبَلُ فِيهِ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِيَمِينٍ، فَلَعَلَّهُ كَانَ مُلْحَقًا فِي الْمُبَيَّضَةِ فَوَضَعَهُ النَّاسِخُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
(وَ) إنْ شَهِدَ امْرَأَتَانِ بِاسْتِهْلَالِ الْمَوْلُودِ (ثَبَتَ الْإِرْثُ وَالنَّسَبُ لَهُ) أَيْ الْمَوْلُودِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَوْلُودِ (بِلَا يَمِينٍ) مَعَ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ. " غ " يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ بِقَوْلِهِ وَلِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ كَوِلَادَةٍ وَعَيْبِ فَرْجٍ وَاسْتِهْلَالٍ وَحَيْضٍ كَمَا فِي عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ النَّسَبَ وَالْمِيرَاثَ يَثْبُتَانِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ بِالْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ لِلْمَوْلُودِ، وَعَلَيْهِ فَإِنْ شَهِدَتَا أَنَّهُ اسْتَهَلَّ وَمَاتَ بَعْدَ أُمِّهِ وَرِثَهَا وَوَرِثَهُ وَارِثُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَتَعَرَّضْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِشَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَثْبُتُ الْمِيرَاثُ وَالنَّسَبُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَقَرَّرَهُ ابْنُ هَارُونَ بِقَوْلِهِ مِثْلُ أَنْ تَشْهَدَ امْرَأَتَانِ بِوِلَادَةِ أَمَةٍ أَقَرَّ سَيِّدُهَا بِوَطْئِهَا وَأَنْكَرَ وِلَادَتَهَا، فَإِنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ لَاحِقٌ بِهِ، وَكَذَا مُوَارَثَتُهُ إيَّاهُ لَهُ وَعَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا كَقَوْلِ آخِرِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَمَةٌ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَأَنْكَرَ لَمْ أُحَلِّفْهُ لَهَا إلَّا أَنْ تُقِيمَ رَجُلَيْنِ عَلَى إقْرَارِ سَيِّدِهَا بِوَطْئِهَا وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى وِلَادَتِهَا فَتَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ وَيَثْبُتَ النَّسَبُ لِلْوَلَدِ إنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ سَيِّدُهَا اسْتِبْرَاءَهَا بَعْدَ وَطْئِهَا فَذَلِكَ لَهُ، وَهَذَا نَصٌّ فِي جَوَازِ شَهَادَتِهِنَّ فِيمَا لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ إذَا كَانَ لَازِمًا لِمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ أَوْ غَيْرِهِ اهـ. وَمِنْ تَمَامِ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدِينَ عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِوَطْئِهَا وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى وِلَادَتِهَا أَحْلَفَتْهُ وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ بِلَا يَمِينٍ كَابْنِ الْحَاجِبِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ كَذَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَطْلَقَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا وَإِنْ كَانَ الْقَائِمُ بِشَهَادَتِهِنَّ يَتَيَقَّنُ صِدْقَهُنَّ كَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ، فَحَكَى اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ فِي إلْزَامِهِ الْيَمِينَ قَوْلَيْنِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا يَطَّرِدُ هَذَا الْخِلَافُ فِي هَذَا الْفَصْلِ.
(وَ) إنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا حَلَفَ الْمُدَّعِي فَإِنَّهُ يَثْبُتُ (الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ) لِيَدِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ (فِي) شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَيَمِينٍ عَلَى مُكَلَّفٍ
فِي سَرِقَةٍ: كَقَتْلِ عَبْدٍ آخَرَ
وَحِيلَتْ أَمَةٌ مُطْلَقًا
ــ
[منح الجليل]
بِ (سَرِقَةٍ)" غ " أَرَادَ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِيَمِينٍ وَلَوْ وَصَلَهُ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَقَدْ نَكَّتَ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَصِلْهُ بِالْأَمْوَالِ، إذْ قَالَ هُنَا وَلَوْ شَهِدَ عَلَى السَّرِقَةِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ثَبَتَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُوهِمُ كَوْنَ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ، فَمَا الظَّنُّ بِهَذَا، وَلَكِنَّهُ اتَّكَلَ عَلَى تَمْيِيزِ ذِهْنِ السَّامِعِ اللَّبِيبِ. وَشَبَّهَ فِي ثُبُوتِ الْمَالِ دُونَ الْقَتْلِ فَقَالَ (كَقَتْلِ عَبْدٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولُهُ قَوْلُهُ عَبْدًا (آخَرَ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَيَمِينٍ الْمَالُ، أَيْ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ أَوْ نَفْسُ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ إنْ لَمْ يَفْدِهِ سَيِّدُهُ بِقِيمَةِ الْمَقْتُولِ وَسَلَّمَهُ لِسَيِّدِهِ وَلَا يَثْبُتُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ الْقَتْلُ قِصَاصًا.
(وَحِيلَتْ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، أَيْ مُنِعَتْ وَأُبْعِدَتْ (أَمَةٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْمِيمِ مِنْ حَائِزِهَا ادَّعَتْ حُرِّيَّتَهَا أَوْ ادَّعَى آخَرُ أَنَّهَا مِلْكُهُ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهَا رَائِعَةً وَيَطْلُبُ حَيْلُولَتَهَا وَيَكُونُ حَائِزُهَا غَيْرَ مَأْمُونٍ، وَجُعِلَتْ عِنْدَ أَمِينَةٍ حَتَّى يَتَّضِحَ أَمْرُهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. " غ " أَيْ رَائِعَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ رَائِعَةٍ بِيَدِ مَأْمُونٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرِ مَأْمُونٍ طَلَبَ الْقَائِمُ الْحَيْلُولَةَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَا قَالَ بَعْدَهَا كَغَيْرِهَا إنْ طَلَبَتْ، أَيْ كَغَيْرِ الْأَمَةِ إنْ طَلَبَتْ الْحَيْلُولَةَ. شب إنْ كَانَ الْحَائِزُ مَأْمُونًا فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمَةِ، وَيُؤْمَرُ بِتَرْكِ التَّمَتُّعِ بِهَا حَتَّى يَتَّضِحَ حَالُهَا كَمَا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَالشَّامِلِ تَبَعًا لَهَا فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَبِهِ قَرَّرَ اللَّقَانِيُّ، وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ أَفَادَ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ. الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَيْنِ، وَصَدَّرَ بِالْأَوَّلِ فَأَفَادَ تَرْجِيحَهُ وَنَصُّهُ وَتُحَالُ الْأَمَةُ وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا عَلَيْهَا. وَقِيلَ تُحَالُ الرَّائِعَةُ مُطْلَقًا. اهـ. وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ إنْ ادَّعَتْ الْجَارِيَةُ أَوْ الْعَبْدُ الْحُرِّيَّةَ فَإِنْ سَبَّبَا لِذَلِكَ سَبَبًا كَالشَّاهِدِ الْعَدْلِ أَوْ الشُّهُودِ غَيْرِ الْعُدُولِ وَقَفَ السَّيِّدُ عَنْ الْجَارِيَةِ وَأُمِرَ بِكَفِّهِ عَنْ وَطْئِهَا إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا وُضِعَتْ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ، اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ فِي الْمَوَّاقِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ " غ " إذْ قَالَ كَانَتْ بِيَدِ مَأْمُونٍ أَوْ غَيْرِ مَأْمُونٍ وَنَحْوُهُ لِأَحْمَدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
كَغَيْرِهَا، إنْ طَلَبَتْ بِعَدْلٍ، أَوْ اثْنَيْنِ يُزَكَّيَانِ
ــ
[منح الجليل]
وَشَبَّهَ فِي الْحَيْلُولَةِ فَقَالَ (كَغَيْرِهَا) أَيْ الْأَمَةِ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ كَبَقَرَةٍ وَفَرَسٍ وَثَوْبٍ وَكِتَابٍ فَتَجِبُ الْحَيْلُولَةُ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِزِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إنْ طُلِبَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْحَيْلُولَةُ مِنْ الْمُدَّعِي وَقَدْ أَتَى (بِعَدْلٍ) شَاهِدٍ لَهُ بِهِ وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ شَاهِدًا ثَانِيًا (أَوْ) أَتَى بِ (اثْنَيْنِ) شَهِدَا لَهُ بِهِ (يُزَكَّيَانِ) بِفَتْحِ الْكَافِ، أَيْ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِهِمَا عَلَى تَزْكِيَتِهِمَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَلَدِيًّا أَوْ غَرِيبًا.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ الْفِقْهُ يَقْتَضِي أَخْذَ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْغَرِيبِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِضَامِنٍ عَلَى نَظَرٍ فِي قَبُولٍ لِاحْتِمَالِ هُرُوبِهِ وَتَغْيِيبِ الْمُعَيَّنِ. وَأَمَّا الْعَقَارُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إلَّا بِنِصَابٍ كَامِلٍ. طفى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْبِسَاطِيُّ فِي الْعَقَارِ مُخَالِفٌ لِلنَّقْلِ الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِكَمَالِ النِّصَابِ أَنَّهُمَا زَكَّيَا وَحَازَ الْمَشْهُودُ بِهِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ خِلَافُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ الْعَقَارَ لَا يُوقَفُ بِحَالٍ. ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي الْحَدِّ الَّذِي يَدْخُلُ بِهِ الشَّيْءُ الْمُسْتَحَقُّ فِي ضَمَانِ الْمُسْتَحِقِّ، وَتَكُونُ الْغَلَّةُ لَهُ وَيَجِبُ بِهِ التَّوْقِيفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ، وَلَا تَجِبُ لَهُ الْغَلَّةُ حَتَّى يَقْضِيَ لَهُ بِهِ وَهُوَ الْآتِي عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْغَلَّةِ لِلَّذِي هِيَ بِيَدِهِ حَقٌّ يَقْضِي بِهَا لِلطَّالِبِ، فَعَلَيْهِ لَا يَجِبُ تَوْقِيفُ الْأَصْلِ الْمُسْتَحَقِّ تَوَقُّفًا بِحَالٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلَا تَوْقِيفُ غَلَّتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الرُّبْعَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ لَا يُوقَفُ مِثْلُ مَا يَحُولُ وَيَزُولُ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ وَقْفًا يَمْنَعُ مِنْ الْإِحْدَاثِ فِيهِ. اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ. ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى نَقْلِهِ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ التَّوْقِيفُ بِمُجَرَّدِ شَهَادَةِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ. اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لِقَوْلِهِ وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْقَضَاءِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ تت صِفَةُ الْإِيقَافِ غَلْقُ الدَّارِ خِلَافُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَخِلَافُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُوَطَّإِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَمَعْنَى قَوْلِهَا فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُوقَفُ وَقْفًا يَمْنَعُ مِنْ الْإِحْدَاثِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ لِلَّذِي هُوَ عِنْدَهُ، وَفِي يَدِهِ لَا تُحْدِثُ فِيهِ حَدَثًا مِنْ تَفْوِيتٍ وَلَا تَغْيِيرٍ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِك قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
وَبِيعَ مَا يَفْسُدُ، وَوُقِفَ ثَمَنُهُ مَعَهُمَا، بِخِلَافِ الْعَدْلِ فَيَحْلِفُ، وَيُبَقَّى بِيَدِهِ.
ــ
[منح الجليل]
(وَبِيعَ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ (مَا) أَيْ الْمُدَّعَى بِهِ الَّذِي (يَفْسُدُ) بِتَأْخِيرِهِ إلَى تَمَامِ الشَّهَادَةِ كَطَرِيِّ لَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ وَمَطْبُوخٍ (وَوُقِفَ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْقَافِ (ثَمَنُهُ) بِيَدِ عَدْلٍ (مَعَ) الشَّهَادَةِ مِنْ (هُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ الْمُحْتَاجَيْنِ لِلتَّزْكِيَةِ (بِخِلَافِ) شَهَادَةِ (الْعَدْلِ فَ) لَا يُبَاعُ الْمُدَّعَى بِهِ بِسَبَبِهَا وَ (يَحْلِفُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْهُ (وَيُبَقَّى) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا الْمُدَّعَى بِهِ (بِيَدِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ كَاللَّحْمِ وَرُطَبِ الْفَوَاكِهِ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ وَاحْتِيجَ إلَى تَزْكِيَتِهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ عَدْلًا وَاحِدًا فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ وَيَتْرُكُ الشَّيْءَ بِيَدِهِ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ مُتَبَرِّئًا مِنْهُ بِقَوْلِهِ قَالُوا وَقَبْلَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَقَالَ تَبْرَأَ مِنْهُ لِإِشْكَالِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّاهِدِ الثَّانِي، كَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَالَةِ الشَّاهِدَيْنِ. فَإِمَّا أَنْ يُبَاعَ وَيُوقَفَ ثَمَنُهُ فِيهِمَا أَوْ يُخَلَّى بِيَدِهِ فِيهِمَا. وَأَجَابَ صَاحِبُ النُّكَتِ بِأَنَّ مُقِيمَ الْعَدْلِ قَادِرٌ عَلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ بِيَمِينِهِ فَلَمَّا تَرَكَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا صَارَ كَأَنَّهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدًا أَوْ وَقَفَ ذَلِكَ الْقَاضِي لِيَنْظُرَ فِي تَعْدِيلِهِمْ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ بِغَيْرِ عَدَالَتِهِمْ.
وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ إلَى فَرْقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ الْمَجْهُولَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ وَالشَّهِيدَانِ الْمَجْهُولَانِ إذَا عُدِّلَا فَإِنَّمَا أَفَادَ تَعْدِيلُهُمَا بَعْدَ الْكَشْفِ عَنْ وَصْفٍ كَانَا عَلَيْهِ حِينَ شَهَادَتِهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْإِشْكَالِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ إنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ مَكَّنُوا مِنْ الطَّعَامِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ بَعْدَ شَاهِدٍ وَلَمْ يُمَكِّنُوهُ مِنْهُ إنْ قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ، بَلْ قَالُوا يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ وَالشَّاهِدَانِ أَضْعَفُ. قَالَ فَإِنْ قُلْت وَلِأَجْلِ أَنَّ الشَّاهِدَ أَضْعَفُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ أُبْقِيَ الطَّعَامُ بِيَدِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ إذَا أُضْعِفَتْ الدَّعْوَى لِضَعْفِ الْحُجَّةِ ضَعُفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَثَرُهَا، فَإِبْقَاءُ الطَّعَامِ بِيَدِهِ لَيْسَ هُوَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
لِمَا تُوُهِّمَ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَضْعَفِ عَلَى الْأَقْوَى، بَلْ هُوَ عَيْنُ تَرْجِيحِ الْأَقْوَى. فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَلَزِمَ مِثْلُهُ فِيمَا لَا يُخْشَى فَسَادُهُ أَنْ يَحْلِفَ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ وَيُتْرَكَ لَهُ يَفْعَلُ فِيهِ مَا أَحَبَّ. قَالَ وَيُجَابُ عَنْ أَصْلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ مَا يُخْشَى فَسَادُهُ قَدْ تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِعَيْنِهِ لِلْمُدَّعِي لِخَشْيَةِ فَسَادِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ دَعْوَاهُ. فَلَمْ يَبْقَ إلَّا النِّزَاعُ فِي ثَمَنِهِ، فَهُوَ كَدَيْنٍ عَلَى مَنْ هُوَ بِيَدِهِ فَمُكِّنَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ لِيَسْقُطَ حَقُّ الْمُنَازِعِ فِي تَعْجِيلِهِ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُدَّعِي فِيهِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
ابْنُ عَرَفَةَ حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ هُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَأَشَارَ إلَى التَّبَرِّي مِنْهُ وَهُوَ أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ فِيمَا يُخْشَى فَسَادُهُ يُوجِبُ عَدَمَ تَمَامِهِ حِينَ خَوْفِ الْمُدَّعِي فِيهِ تَسْلِيمَهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ بَيْعِهِ، وَإِنَّ عَدَمَ عَدَالَةِ الشَّاهِدَيْنِ حِينَئِذٍ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ، بَلْ يُوجِبُ بَيْعَهُ وَوَقْفَ ثَمَنِهِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ عِيَاضٍ وَأَبِي حَفْصٍ الْعَطَّارِ مُرَاعِيًا أُصُولَ الْمَذْهَبِ عَلِمَ أَنَّ مَا فَهِمَهُ الشَّيْخُ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَفَسَّرَ بِهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِيهَا إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِيمَا يَفْسُدُ مِنْ اللَّحْمِ وَرَطْبِ الْفَوَاكِهِ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَأَثْبَتَ لَطْخًا وَقَالَ لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ أَجَّلَهُ الْقَاضِي لِإِحْضَارِ شَاهِدٍ إنْ قَالَ لِي شَاهِدٌ وَلَا أَحْلِفُ، أَوْ بَيِّنَةٌ مَا لَمْ يَخَفْ الْفَسَادَ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي ادَّعَى وَاسْتُؤْنِيَ، فَإِنْ أَحْضَرَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَإِلَّا خَلَّى بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ إنْ كَانَ هُوَ الْبَائِعَ، وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَكَانَ الْقَاضِي يَنْظُرُ فِي تَعْدِيلِهِمَا وَخَافَ عَلَيْهِ الْفَسَادَ أُمِرَ بِبَيْعِهِ وَوَضْعِ ثَمَنِهِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، فَإِنْ زُكِّيَتْ الْبَيِّنَةُ قَضَى لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي وَأَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ فَدُفِعَ لِلْبَائِعِ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا زَادَ ثَمَنُ الْمُشْتَرِي الَّذِي جَحَدْت الْبَيْعَ بِهِ عَلَى ثَمَنِ سِلْعَتِك وَإِنْ لَمْ تَزُلْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشِّرَاءِ دَفَعَ الْقَاضِي الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ ضَاعَ الثَّمَنُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهِ لِأَحَدِهِمَا فَضَمَانُهُ مِمَّنْ يُقْضَى لَهُ بِهِ.
عِيَاضٌ قَوْلُهُ فِي تَوْقِيفِ مَا يُسْرِعُ لَهُ الْفَسَادُ إذَا قَالَ الْمُدَّعِي عِنْدِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَلَا أَحْلِفُ مَعَهُ أَنَّهُ يُؤَجِّلُهُ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الْفَسَادَ، وَإِلَّا خَلَّى بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ. مَعْنَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
قَوْلِهِ وَلَا أَحْلِفُ مَعَهُ أَيْ أَلْبَتَّةَ وَلَوْ أَرَادَ لَا أَحْلِفُ مَعَهُ الْآنَ لِأَنِّي أَرْجُو شَاهِدًا، فَإِنْ وَجَدْته وَإِلَّا حَلَفْت مَعَ شَاهِدِي بِيعَ حِينَئِذٍ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ إنْ خُشِيَ فَسَادُهُ وَلَيْسَ هَذَا بِأَضْعَفَ مِنْ شَاهِدَيْنِ يُطْلَبُ تَعْدِيلُهُمَا، فَقَدْ جَعَلَهُ بِبَيْعِهِ هُنَا وَنَحْنُ عَلَى شَكٍّ مِنْ تَعْدِيلِهِمَا، وَهُوَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ بَطَلَ الْحَقُّ وَشَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي الْأَوَّلِ ثَابِتٌ بِكُلِّ حَالٍ وَالْحَلِفُ مَعَهُ مُمْكِنٌ إنْ لَمْ يَجِدْ آخَرَ وَيَثْبُتُ الْحَقُّ، فَحَاصِلُهَا إنْ لَمْ يُقِمْ الْمُدَّعِي إلَّا لَطْخًا قَاصِرًا عَنْ شَاهِدِ عَدْلٍ وَعَنْ شَهِيدَيْنِ مُمْكِنٍ تَعْدِيلُهُمَا وَقَفَ الْمُدَّعِي فِيهِ مَا لَمْ يَخْشَ فَسَادَهُ، فَإِنْ خَشِيَ فَسَادَهُ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَا إنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا وَقَالَ لَا أَحْلِفُ مَعَهُ بِوَجْهٍ وَإِنْ قَالَ أَحْلِفُ مَعَهُ أَوْ أَتَى بِشَاهِدَيْنِ يَنْظُرُ فِي تَعْدِيلَهُمَا بِيعَ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُمِّ، وَمِثْلُ مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ عَنْ الْمَذْهَبِ ذَكَرَ أَبُو حَفْصٍ الْعَطَّارُ، وَزَادَ إنْ كَانَ أَتَى الطَّالِبُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُزَكِّهِ وَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّزْكِيَةِ فَهُوَ كَقِيَامِ شَهِيدَيْنِ يُنْظَرُ فِي تَزْكِيَتِهِمَا يُبَاعُ الْمُدَّعَى بِهِ لِخَوْفِ فَسَادِهِ. وَنَقَلَ أَبُو إبْرَاهِيمَ قَوْلَ عِيَاضٍ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ.
قُلْت لَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَزِمَ فِيمَا لَا يُخْشَى فَسَادُهُ وَاضِحٌ رَدُّهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ تَسْلِيمُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ بَيْعُهُ وَوَقْفُ ثَمَنِهِ عُلِّلَ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ بِخَوْفِ فَسَادِهِ حِينَ عَدَمِ حُجَّةِ الْمُدَّعِي عَدَمًا لَا يُوجِبُ تَعْجِيزَهُ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَفْقُودَةٌ فِيمَا لَا يُخْشَى فَسَادُهُ. وَقَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِهِ أَنَّ الْمَذْهَبَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَالشَّاهِدَيْنِ، وَتَقَدَّمَ رَدُّهُ وَعَلَى تَسْلِيمِهِ يُرَدُّ جَوَابُهُ بِأَنَّ اللَّازِمَ حِينَئِذٍ كَوْنُهُ كَدَيْنٍ عَلَى مَنْ هُوَ بِيَدِهِ، وَهَذَا إنَّمَا يُوجِبُ عَدَمَ بَيْعِهِ عَلَيْهِ لَا الزِّيَادَةَ الثَّابِتَةَ فِي رِوَايَةِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهُ لَا يَعْرِضُ لَهُ مُطْلَقًا لَا فِي عَيْنِ الْمُدَّعَى بِهِ وَلَا فِي تَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ وَلَوْ بَقِيَتْ دَعْوَاهُ فِي ثَمَنِهِ لَوُقِفَ ثَمَنُهُ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرَ مَلِيءٍ بِثَمَنِهِ، وَمُوجَبُ كَلَامِ الشَّيْخِ عَدَمُ وُقُوفِهِ عَلَى كَلَامِ عِيَاضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمِنْ اهْتَدَى.
الْحَطّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْعَدْلِ فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيَبْقَى بِيَدِهِ يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِمَا إذَا قَالَ
وَإِنْ سَأَلَ ذُو الْعَدْلِ أَوْ بَيِّنَةٍ سُمِعَتْ؛ وَإِنْ لَمْ تَقْطَعْ وَضَعَ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَلَدٍ يَشْهَدُ لَهُ عَلَى عَيْنِهِ: أُجِيبَ، لَا إنْ انْتَفَيَا، وَطَلَبَ إيقَافَهُ لِيَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ بِكَيَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً، أَوْ سَمَاعًا يَثْبُتُ بِهِ، فَيُوقَفُ وَيُوَكَّلُ بِهِ
ــ
[منح الجليل]
الْمُدَّعِي أَنَا لَا أَحْلِفُ أَلْبَتَّةَ مَعَ شَاهِدَيْ الْعَدْلِ، وَإِنَّمَا أَطْلُبُ شَاهِدًا ثَانِيًا، فَإِنْ وَجَدْته وَإِلَّا حَلَفْت، فَإِنَّ الْمُدَّعَى فِيهِ يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ كَمَا يُبَاعُ ثَمَنُهُ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى مَا قَالَهُ عِيَاضٌ وَأَبُو حَفْصٍ الْعَطَّارُ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنْ) كَانَ عِنْدَ الْقَاضِي عَبْدٌ أَبَقَ فَادَّعَى شَخْصٌ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَبَقَ وَأَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا أَوْ بَيِّنَةَ سَمَاعٍ عَلَى ذَلِكَ بِلَا قَطْعٍ وَ (سَأَلَ) أَيْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي (ذُو) أَيْ صَاحِبُ الشَّاهِدِ (الْعَدْلِ) الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِأَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ الْمَوْقُوفَ عِنْدَ الْقَاضِي لَهُ (أَوْ) سَأَلَ مُقِيمُ (بَيِّنَةٍ سُمِعَتْ) أَنَّهُ لَهُ (وَإِنْ لَمْ تَقْطَعْ) بِأَنَّهُ لَهُ وَاوُهُ لِلْحَالِ وَإِنْ مُؤَكِّدَةٌ، وَمَفْعُولُ سَأَلَ قَوْلُهُ (وَضْعَ قِيمَةَ الْعَبْدِ) عِنْدَ الْقَاضِي وَأَخَذَ الْعَبْدَ (لِيَذْهَبَ) السَّائِلُ (بِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (إلَى بَلَدٍ يُشْهِدُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ (لَهُ) أَيْ السَّائِلِ فِيهِ (عَلَى عَيْنِهِ) أَيْ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَهُ عِنْدَ قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَيَنْهَى بِثُبُوتِهِ لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ لِيَدْفَعَ الْقِيمَةَ الْمَوْقُوفَةَ عِنْدَهُ لِلسَّائِلِ.
وَجَوَابُ إنْ سَأَلَ (أُجِيبَ) السَّائِلُ (لِذَلِكَ) أَيْ وَضْعِ الْقِيمَةِ وَالذَّهَابِ بِالْعَبْدِ (لَا) يُجَابُ لِذَلِكَ (إنْ انْتَفَيَا) أَيْ الْعَدْلُ وَبَيِّنَةُ السَّمَاعِ (وَ) طَلَبَ الْمُدَّعِي عَبْدًا فِي يَدِ غَيْرِهِ (إيقَافَهُ) أَيْ الْعَبْدِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ أَوْ وَضْعِ قِيمَتِهِ (لِيَأْتِيَ) الطَّالِبُ (بِبَيِّنَةٍ) بَعِيدَةٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ قَرِيبَةً (بِكَالْيَوْمَيْنِ) لِاتِّهَامِهِ بِأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ إضْرَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَعْطِيلَ مَنْفَعَةِ الْعَبْدِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ) الْمُدَّعِي (بَيِّنَةً حَاضِرَةً) بِالْبَلَدِ قَاطِعَةً بِأَنَّ الْعَبْدَ لَهُ (أَوْ) يَدَّعِيَ (سَمَاعًا) فَأَشْيَاءُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ (يَثْبُتُ بِهِ) أَنَّ الْعَبْدَ لَهُ (فَيُوقَفُ) الْعَبْدُ (وَيُوَكَّلُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْكَافِ مُثَقَّلًا وَكِيلٌ (بِهِ) أَيْ عَلَى حِفْظِهِ
فِي كَيَوْمٍ، وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْقَضَاءِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بِهِ.
وَجَازَتْ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ بِلَا يَمِينٍ،
ــ
[منح الجليل]
حَتَّى يَأْتِيَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ (فِي كَيَوْمٍ وَالْغَلَّةُ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ اللَّامِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْمُدَّعَى بِهِ (لَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِلْقَضَاءِ) بِهِ لِلْمُدَّعِي قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِي الْمُدَوَّنَةِ (وَالنَّفَقَةُ) عَلَى الْمُدَّعِي بِهِ بَعْدَ الدَّعْوَى وَقَبْلَ الْقَضَاءِ (عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بِهِ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ قَضَى بِهِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ قَضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي رَجَعَ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي فِيهَا وَنَفَقَةُ الْعَبْدِ فِي الْإِيقَافِ عَلَى مَنْ يُقْضَى لَهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ وَالْغَلَّةُ أَبَدًا لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُهُ مِنْهُ حَتَّى يُقْضَى بِهِ لِطَالِبِهِ.
أَبُو الْحَسَنِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، النَّفَقَةُ، وَالْغَلَّةُ لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ. وَقِيلَ لِمَنْ يُقْضَى لَهُ بِهِ وَالتَّفْصِيلُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى الْعَبْدُ كَأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَيْهِ فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْغَلَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ فِيهَا.
(وَجَازَتْ) الشَّهَادَةُ (عَلَى خَطِّ) شَخْصٍ (مُقِرٍّ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ وَشَدِّ الرَّاءِ، أَيْ بِحَسَبِ دَلَالَةِ خَطِّهِ بِأَنْ كَتَبَ بِخَطِّهِ لِفُلَانٍ عِنْدِي دِينَارٌ مِنْ قَرْضٍ أَوْ قَبَضْت مِنْ فُلَانٍ الدَّيْنَ مِنْ الَّذِي كَانَ لِي عَلَيْهِ أَوْ زَوْجَتُهُ فُلَانَةُ طَالِقٌ أَوْ عَبْدُهُ فُلَانٌ حُرٌّ أَوْ عَفَوْت عَنْ قَاذِفِي فُلَانٍ أَوْ قَاطِعِ طَرَفِي أَوْ قَاتِلِ وَلِيِّي، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا الْآنَ وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ لِلشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ وَيُعْمَلُ بِهَا اتِّفَاقًا عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا فِي الْجَلَّابِ (بِلَا يَمِينٍ) عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَتَبَ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي ذِكْرِ الْحَقِّ أَوْ كَتَبَ ذِكْرَ الْحَقِّ وَلَمْ يَكْتُبْ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَفِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَسُئِلَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " عَنْ رَجُلٍ كَتَبَ عَلَى رَجُلٍ ذِكْرَ حَقٍّ وَأَشْهَدَ فِيهِ رَجُلَيْنِ فَكَتَبَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ شَهَادَةً عَلَى نَفْسِهِ بِيَدِهِ فِي ذِكْرِ الْحَقِّ وَهَلَكَ الشَّاهِدَانِ ثُمَّ جَحَدَ الْمَكْتُوبَ الشَّاهِدُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَتَى رَجُلَانِ فَقَالَا إنَّهُ كِتَابُهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّهَا كِتَابَتُهُ بِيَدِهِ رَأَيْت أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْحَقُّ وَلَا يَنْفَعُهُ إنْكَارُهُ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ جَحَدَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِإِقْرَارِهِ فَأَرَى أَنْ يَغْرَمَ اهـ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارٌ عَلَيْهَا وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ شَهَادَةٌ عَلَيْهَا وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ شب لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَثِيقَةِ كُلِّهَا بِخَطِّهِ أَوْ الْمَكْتُوبِ بِخَطِّهِ صِيغَةَ الْإِقْرَارِ وَالْبَاقِي بِخَطِّ غَيْرِهِ أَوْ كَوْنِهَا كُلِّهَا بِخَطِّ غَيْرِهِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ عَلَى طَرَفِهَا الْمَنْسُوبُ إلَيَّ فِيهَا صَحِيحٌ أَوْ أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِمَا كُتِبَ عَلَيَّ فِي هَذِهِ الْوَثِيقَةِ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ إلَّا عَدْلَانِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَيَمِينٍ؛ لِأَنَّهَا عَلَى خَطِّ الْوَاحِدِ كَالنَّقْلِ عَنْهُ، وَلَا يَنْقُلُ عَنْهُ إلَّا اثْنَانِ وَلَوْ فِي الْمَالِ، وَصَوَّبَهُ الْبُرْزُلِيُّ وَصَحَّحَهُ فِي الْجَلَّابِ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، زَادَ عب وَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْخَطِّ، وَيُنْتَزَعُ بِهَا مِنْ يَدِ حَائِزٍ فَهِيَ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ.
الْبُنَانِيُّ أَمَّا حُضُورُ الْخَطِّ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فَتْوَى شَيْخِنَا ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ شَرْطَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ حُضُورُهُ، وَلَا تَصِحُّ فِي غَيْبَتِهِ صَوَابٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ تَسْجِيلَاتِ الْمُوَثَّقِينَ. الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ فِي الْمِعْيَارِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَاهِدَيْنِ نَظَرَا وَثِيقَةً بِيَدِ رَجُلٍ وَحَفِظَا وَتَحَقَّقَا مَا فِيهَا وَعَرَفَا شُهُودَهَا، وَأَنَّهُمْ مَاتُوا بِوَسْمِ الْعَدَالَةِ ثُمَّ ضَاعَتْ الْوَثِيقَةُ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ، إذْ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ حُضُورِهَا وَغَيْبَتِهَا، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ وَانْظُرْ مَا يُنَاقِضُ هَذِهِ الْفَتْوَى فِي الْمُتَيْطِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِهِ اهـ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْخَطِّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ دُونَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْمُعْتَمَدُ ثُبُوتُهُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، إذْ هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ ضَيْح، وَنَصُّهُ فَرْعٌ إذَا أَقَامَ صَاحِبُ الْحَقِّ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى الْخَطِّ فَرِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَهِدَ لَهُ اثْنَانِ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ أَمْ لَا؟ فَمَنْ قَالَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا أَعْمَلَ الشَّهَادَةَ هُنَا وَمَنْ قَالَ يَحْتَاجُ أَبْطَلَهَا هُنَا، وَإِذَا قُلْنَا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى يَمِينَيْنِ يَمِينٌ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَمِينٌ أُخْرَى لِيُكْمِلَ السَّبَبَ الْمُشَارَ إلَيْهِ مَسَّاحِي فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ، وَصَحَّ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَيْنِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. اهـ. فَيُفْهَمُ مِنْ بِنَائِهِ الْحُكْمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْخَطِّ عَلَى عَدَمِ
وَخَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ، أَوْ غَابَ بِبُعْدٍ، وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا
ــ
[منح الجليل]
الِاحْتِيَاجِ مَعَ الِاثْنَيْنِ إلَى يَمِينٍ لِلَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْمَتْنِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ ثُبُوتُهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ " ق "، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) جَازَتْ عَلَى (خَطِّ شَاهِدٍ) كَتَبَهُ فِي وَثِيقَةٍ وَ (مَاتَ) الشَّاهِدُ (أَوْ غَابَ) الشَّاهِدُ (بِبُعْدٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ بِمَحَلٍّ بَعِيدٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ مَا يَنَالُ الشَّاهِدُ فِي حُضُورِهِ مِنْهُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ مَشَقَّةٌ، وَجَرَتْ الْعَادَةُ عِنْدَنَا أَنَّ اخْتِلَافَ عَمَلِ الْقُضَاةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبُعْدِ وَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْعَمَلَيْنِ قَرِيبًا، وَحَدَّهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ وَأَصْبَغُ بِمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْعِرَاقِ أَوْ إفْرِيقِيَةَ مِنْ مِصْرَ، فَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْحَيِّ الْحَاضِرِ أَوْ قَرِيبِ الْغَيْبَةِ، وَتَجُوزُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ إنْ كَانَتْ بِمَالٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا) أَيْ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ. الْحَطّ هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ جَائِزَةٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَأَنَّهُ رحمه الله اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ، وَنَصُّهُ فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ مَوْلَى ابْنِ الطَّلَّاعِ أَنَّهُ قَالَ الْأَصْلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخُطُوطِ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ وَالطَّلَاقِ وَالْأَحْبَاسِ وَغَيْرِهَا. اهـ. وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ السُّيُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ عَلَى مَا فِي الْوَاضِحَةِ وَغَيْرِهَا اهـ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ قُيِّمَ عَلَيْهِ بِعَقْدٍ تَضَمَّنَ إشْهَادَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مَتَى تَزَوَّجَ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَتَزَوَّجَهَا وَأَنْكَرَ الْعَقْدَ فَشَهِدَ شُهُودٌ أَنَّ الْعَقْدَ خَطُّ يَدِهِ، فَقَالَ إنْ كَانَ الْعَقْدُ الَّذِي قِيمَ بِهِ عَلَى الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَضَمَّنَهُ وَعَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ، فَاَلَّذِي أَرَاهُ وَأَتَقَلَّدُهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ الْأَقْوَالِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً تُسْقِطُ شَهَادَتَهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حَلِفِهِ بِطَلَاقِهَا أَلْبَتَّةَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، إذْ لَوْ أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ وَقَالَ إنَّمَا تَزَوَّجَهَا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يُسَوَّغُ لَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
لِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ لِعُذْرٍ فِيمَا فَعَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ جُرْحَةً لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الْعِلْمِ وَسَمِعَ الْأَحَادِيثَ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَثْبُتْ الْعَقْدُ الَّذِي قِيمَ بِهِ عَلَيْهِ إلَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، فَلَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ إنْ أَنْكَرَهُ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ فِي شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ يَدِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا نِكَاحٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ خَطُّهُ كَتَبَهُ بِيَدِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْهُ عَازِمًا عَلَى إنْفَاذِهِ، وَإِنَّمَا كَتَبَهُ عَلَى أَنْ يَسْتَشِيرَ وَيَنْظُرَ لِصِدْقٍ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيهَا عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ وَلَا كِتَابِ قَاضٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ فَقَطْ وَحَيْثُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الشَّاهِدُ مَعَ الْيَمِينِ فَلَا تَجُوزُ عَلَى الْخَطِّ، وَحَيْثُ يَجُوزُ هَذَا يَجُوزُ هَذَا. وَفِي رَسْمِ الْقَضَاءِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي امْرَأَةٍ كَتَبَ لَهَا زَوْجُهَا بِطَلَاقِهَا مَعَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إنْ وَجَدَتْ مَنْ يَشْهَدُ لَهَا عَلَى خَطِّهِ نَفَعَهَا ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا شُبْهَةٌ تُوجِبُ لَهَا الْيَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ مَا طَلَّقَ. ابْنُ رُشْدٍ كَانَ يَمْضِي لَنَا عِنْدَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ الشُّيُوخِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ نَفَعَهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا شُبْهَةٌ تُوجِبُ لَهَا الْيَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ مَا طَلَّقَ، وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ مَعْنَى مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا هُوَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا نِكَاحٍ لَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّهِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ نَكَحَ، بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ عَلَى خَطِّهِ بِذَلِكَ كَمَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ قَوْلِهِ فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَفَعَهَا عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ الْحُكْمِ لَهَا بِالطَّلَاقِ عَلَيْهِ إذَا شَهِدَ عَلَى خَطِّهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ خَطُّهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ مِثْلَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى رَجُلٍ يُعْلِمُهُ بِأَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ إلَيْهَا يُعْلِمُهَا بِذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْكِتَابُ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ابْتِدَاءً فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ كَتَبَهُ مُجْمِعًا عَلَى
إنْ عَرَفَتْهُ: كَالْمُعَيَّنِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ،
ــ
[منح الجليل]
الطَّلَاقِ. وَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ إنَّهُ كَتَبَهُ غَيْرَ مُجْمِعٍ عَلَى الطَّلَاقِ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُ كَتَبَهُ اخْتِلَافٌ. اهـ. فَاخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ ثَالِثُ فَرْقٍ فِيهِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ، فَتَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا إذَا كَانَ الْخَطُّ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَطُّ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ابْتِدَاءً فَلَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ وَالْبَاجِيِّ نَحْوَ اخْتِيَارِ ابْنِ رُشْدٍ، وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ قَوْلَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَهُ فِي نَوَازِلِهِ ظَاهِرُ مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالَ لَا عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ وَلَا عَلَى خَطِّ الْمُطَلِّقِ أَوْ الْمُعْتِقِ وَسَائِرِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ الشُّيُوخُ يَحْمِلُونَهُ، وَمَعْنَاهُ إذَا وُجِدَ الْكِتَابُ بِالْعِتْقِ عِنْدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ بِيَدِهِ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ خَطُّهُ وَقَالَ كَتَبَتْهُ عَلَى أَنْ أَسْتَخِيرَ فِي تَنْفِيذِهِ وَلَمْ أُنَفِّذْهُ بَعْدُ لَصَدَقَ فِي ذَلِكَ. وَمَا إذَا كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْعَبْدِ أَوْ كَانَ قَدْ نَصَّ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ أَنْفُذَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ عَامِلَةٌ كَالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. اهـ. ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ. ابْنُ رَاشِدٍ هَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَا مَعْنَى لَهَا إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْأَمْوَالَ أَخَفُّ وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ فِي الْجَمِيعِ. ابْنُ الْهِنْدِيِّ يَلْزَمُ مَنْ أَجَازَهَا فِي الْأَحْبَاسِ الْقَدِيمَةِ إجَازَتُهَا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ.
وَمَحَلُّ جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ أَوْ الشَّاهِدِ (إنْ عَرَفَتْهُ) أَيْ الْبَيِّنَةُ الْخَطَّ مَعْرِفَةً تَامَّةً مُتَيَقَّنَةً (كَ) مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ (الْمُعَيَّنِ) بِضَمٍّ فَفَتْحَتَيْنِ مُثَقَّلًا، أَيْ الَّذِي يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ إلَّا مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ مُمَارِسٍ لِلْخُطُوطِ. ابْنُ عَاتٍ الْخَطُّ شَخْصٌ قَائِمٌ وَمِثَالٌ مُمَاثِلٌ تُبْصِرُهُ الْعَيْنُ وَيُمَيِّزُهُ الْعَقْلُ كَتَمْيِيزِهِ سَائِرَ الْأَشْخَاصِ وَالصُّوَرِ (وَ) عَرَفْت (أَنَّهُ) أَيْ الشَّاهِدَ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ (كَانَ يَعْرِفُ) أَيْ الْمَشْهُودَ
وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا
ــ
[منح الجليل]
عَلَى خَطِّهِ (مُشْهِدَهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، أَيْ الشَّخْصَ الَّذِي أَشْهَدَهُ قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ. ابْنُ رُشْدٍ هُوَ الصَّحِيحُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ (وَ) عَرَفْت أَنَّ الشَّاهِدَ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ (تَحَمَّلَهَا) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ هَذَا حَالَ كَوْنِهِ (عَدْلًا) مَرْضِيَّ الشَّهَادَةِ.
الْحَطّ اشْتِرَاطُ مَعْرِفَتِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَمَعْرِفَتُهُمْ تَحَمُّلَهُ عَدْلًا تَعْدِيلٌ لِلْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْخَطِّ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا. قَالَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ فِي فَصْلٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ قَائِمًا قَامَ بِالْحِسْبَةِ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ حَبْسًا مَا نَصُّهُ وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى خُطُوطٍ مَوْتَى فِي كِتَابٍ. قُلْت فَأَتَى إلَيْهِ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ فَشَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّ شَهَادَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ الْوَاقِعَةَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ الْمُنْتَسِخِ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِخُطُوطِ أَيْدِيهِمَا لَا يَشُكَّانِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُمَا مَيِّتَانِ فَقَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَةَ الشَّهِيدَيْنِ عِنْدَهُ، وَشَهَادَةَ الشَّهِيدَيْنِ الْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِمَا وَإِنْ عَدَّلَهُمَا غَيْرُ الشَّهِيدَيْنِ عَلَى خَطِّهِمَا جَازَ وَقُلْت فِي إثْرِ قَوْلِك إنَّهُمَا مَيِّتَانِ وَإِنَّهُمَا يُوسَمُ الْعَدَالَةُ، وَقَبُولُ الشَّهَادَةِ فِي تَارِيخِ شَهَادَتِهِمَا الْمَذْكُورَةِ وَبَعْدَهَا إلَى أَنْ تَوَفَّيَا وَإِنْ عَدَّلَهُمَا عِنْدَهُ غَيْرُ الشَّهِيدَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَا عَلَى خُطُوطِهِمَا. قُلْت فِي الشَّهِيدَيْنِ وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا لِمَعْرِفَتِهِ بِهِمَا، وَقَبِلَ شَهَادَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ الْمَشْهُودِ عَلَى خُطُوطِهِمَا بِتَعْدِيلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لَهُمَا عِنْدَهُ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا إلَى أَنْ تَوَفَّيَا عَلَى ذَلِكَ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَإِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ جَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ شَرْطَ صِحَّةٍ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ زَرْبٍ. ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ شَرْطُ كَمَالٍ فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ الْوَثِيقَةُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهَا خَالِيَةً مِنْ التَّعْرِيفِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا، وَعَرَّفَهُ أَوْ عَرَّفَ بِهِ، فَلَوْ كَانَ فِيهَا مَا ذَكَرَ فَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ لَا يُحْتَاجُ لِهَذَا الشَّرْطِ اتِّفَاقًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ. قَوْلُهُ وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةَ التَّحَمُّلِ، بَلْ وَضْعَهَا فِي الرَّسْمِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ
لَا عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا، وَأَدَّى بِلَا نَفْعٍ
ــ
[منح الجليل]
وَوَضَعَهَا فِي الرَّسْمِ عَدْلًا كَانَ أَصْوَبَ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ تَعْدِيلٌ لِلْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى الْخَطِّ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا اُنْظُرْ " ح ". وَإِذَا كُتِبَتْ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ وَكَتَبَ شَخْصٌ بِخَطِّهِ أَنَّهُ شَهِدَ بِمَا فِيهَا ثُمَّ نَسِيَ مَا فِيهَا وَنَسِيَ شَهَادَتَهُ بِهِ وَعَرَفَ خَطَّهُ الَّذِي كَتَبَهُ بِشَهَادَتِهِ بِمَا فِيهَا فَ (لَا) يَشْهَدُ بِمَا فِيهَا مُعْتَمِدًا (عَلَى خَطِّهِ نَفْسِهِ) الَّذِي عَرَفَهُ وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ (حَتَّى يَذْكُرَ) أَيْ يَتَذَكَّرَ مَا فِيهَا وَأَنَّهُ شَهِدَ بِهِ (وَ) إنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ ذَلِكَ (أَدَّاهَا) أَيْ الشَّهَادَةَ أَيْ يَشْهَدُ عِنْدَ الْقَاضِي بِأَنَّ هَذَا خَطُّهُ، وَأَنَّهُ نَاسٍ مَا فِي الْوَثِيقَةِ وَنَاسٍ شَهَادَتَهُ بِهِ (بِلَا نَفْعٍ) لِلطَّالِبِ فِي هَذِهِ التَّأْدِيَةِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْضَ مَا فِيهَا.
وَلِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ فَلْيَشْهَدْ بِمَا فِي الْوَثِيقَةِ مُعْتَمِدًا عَلَى خَطِّهِ، وَلَا يُخَيَّرُ الْحَاكِمُ بِنِسْيَانِهِ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ لَا يَشْهَدُ حَتَّى يَذْكُرَ بَعْضَهُ الْبُنَانِيُّ لَا عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا. ذَكَرَ فِي ضَيْح عَنْ الْبَيَانِ فِي هَذِهِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ، وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. ابْنُ رُشْدٍ وَكَانَ الْإِمَامُ مَالِكٌ يَقُولُ إنْ عَرَفَ خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ وَلَا شَيْئًا مِنْهَا وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ فَلْيَشْهَدْ، وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ مُطَرِّفٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ وَسَحْنُونٌ. مُطَرِّفٌ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ. مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلْيَقُمْ بِالشَّهَادَةِ تَامَّةً بِأَنْ يَقُولَ مَا فِيهِ حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ مَا فِي الْكِتَابِ عَدَدًا وَلَا مَقْعَدًا، وَلَا يَعْلَمُ الْقَاضِي أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا عَيْنَ خَطِّهِ، فَإِنْ أَعْلَمَهُ لَزِمَ الْحَاكِمَ رَدُّهَا. وَفِي التَّوْضِيحِ صَوَّبَ جَمَاعَةٌ أَنْ يَشْهَدَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ نِسْيَانِ الشَّاهِدِ الْمُنْتَصِبِ لِلشَّهَادَةِ وَلِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَذْكُرَهَا لَمَا كَانَ لِوَضْعِ خَطِّهِ فَائِدَةٌ، وَذَكَرَ ابْنُ نَاظِمٍ التُّحْفَةِ وَابْنُ فَرْحُونٍ أَنَّهُ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، وَنَظَمَهُ فِي التُّحْفَةِ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَيْضًا يُقَاسُ قَالَهُ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ فِي عَمَلِهَا عِنْدَ سَيِّدِي الْعَرَبِيِّ الْفَاسِيِّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: طفى قَوْلُهُ وَأَدَّاهَا بِلَا نَفْعٍ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ مُحْرِزٍ وَجْهُ مَا فِي الْكِتَابِ أَنْ يَقُولَ هُوَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا عِنْدِي، وَلَكِنْ يُرْفَعُ إلَى الْقَاضِي يَجْتَهِدُ فِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَرْفَعُهَا، وَهُوَ قِيَاسٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فِي اجْتِهَادِهِ وَامْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ.
الثَّانِي: تت ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرَ الْحَقَّ وَالشَّهَادَةَ بِخَطِّهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِخَطِّهِ إلَّا الشَّهَادَةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ حَارِثٍ. الثَّالِثُ: تت ظَاهِرُهُ أَيْضًا كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي كَاغَدٍ أَوْ رَقٍّ بِبَاطِنِ الْكَاغَدِ أَوْ ظَاهِرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ. الرَّابِعُ: تت ظَاهِرُهُ عَرَفَ عِدَّةَ الْمَاءِ أَوْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ إنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَدَ الْمَالِ عَرَّفَ الْإِمَامَ بِذَلِكَ وَلَا أَرَاهُ يَنْفَعُهُ. الْخَامِسُ: جَوَازُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ كَلَامُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " فِي الْأُمَّهَاتِ الْمَشْهُورَةِ. ابْنُ فَرْحُونٍ هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ. اللَّخْمِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ لِلضَّرُورَةِ، وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ بَاطِلَةٌ، وَمَا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ " رضي الله عنه " إلَّا عَلَى الْخَطِّ. وَقَالَ الْبَاجِيَّ مَشْهُورُ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " أَنَّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ، رَوَاهُ مُحَمَّدٌ وَاخْتَارَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ إجَازَتَهَا وَقَالَهُ سَحْنُونٌ وَقَالَ أَصْبَغُ هِيَ قَوِيَّةٌ فِي الْحُكْمِ، وَزَادَ الْمُتَيْطِيُّ عَنْهُ لَا يُعَجَّلُ الْحُكْمُ لِغَيْبَتِهِ، وَلْيَتَثَبَّتْ. اللَّخْمِيُّ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ لِغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ صَحِيحَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ، وَعَلَى مَعْرُوفِ الْمَذْهَبِ مِنْ الْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ. قَالَ الْمَازِرِيُّ نَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ مُنْذُ نَيِّفٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَشُيُوخُ الْفَتْوَى مُتَوَافِرُونَ، وَهِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ غَرِيبَيْنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِمَالٍ جَلِيلٍ فَأَنْكَرَهُ، فَأَخْرَجَ الْمُدَّعِي كِتَابًا فِيهِ إقْرَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ كَوْنَهُ خَطَّهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يُشْهِدُ عَلَيْهِ فَطَلَبَ الْمُدَّعِي كَتْبَهُ، فَأَفْتَى
وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ، إلَّا عَلَى عَيْنِهِ، وَلْيُسَجِّلْ
ــ
[منح الجليل]
شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى أَنْ يُطَوِّلَ فِيمَا يَكْتُبَ تَطْوِيلًا لَا يُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ خَطًّا غَيْرَ خَطِّهِ
وَأَفْتَى شَيْخُنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ اجْتَمَعْت بَعْدَ ذَلِكَ بِالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ، وَأَخَذَ مَعِي فِي إنْكَارِ مَا أَفْتَى بِهِ صَاحِبُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، فَقُلْت بِهِ احْتَجَّ بِأَنَّهُ كَالْتِزَامِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً يُقِيمُهَا عَلَى نَفْسِهِ لِخَصْمِهِ، فَأَنْكَرَ هَذَا وَقَالَ إنَّ الْبَيِّنَةَ لَوْ أَتَى بِهَا الْمُدَّعِي لَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَهِدْت عَلَيَّ بِالزُّورِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْعَى فِيمَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ، بِخِلَافِ الَّذِي يَكْتُبُ خَطُّهُ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ أَفَادَهُ ابْنُ غَازِيٍّ. ابْنُ فَرْحُونٍ اخْتَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ حُلُولُو هُوَ الْحَقُّ إنْ كَانَ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ. السَّادِسُ: ابْنُ عَرَفَةَ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ إلَّا مِنْ الْفَطِنِ الْعَارِفِ بِالْخُطُوطِ وَمُمَارَسَتِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَ ذَا الْخَطِّ. وَحَضَرْت يَوْمًا بَعْضَ مَنْ قَدَّمَهُ الْقَاضِي بْنُ قَدَّاحٍ لِلشَّهَادَةِ بِتُونُسَ، وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ قُلَيْدٍ، وَقَدْ نَاوَلَ الْقَاضِي ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَثِيقَةً لِيَرْفَعَ عَلَى خَطِّ شَاهِدٍ فِيهَا مَاتَ فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّك لَمْ تُدْرِكْ هَذَا الشَّاهِدَ الَّذِي أَرَدْت أَنْ تَشْهَدَ عَلَى خَطِّهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْوَثِيقَةَ وَمَنَعَهُ مِنْ الرَّفْعِ عَلَى الْخَطِّ فِيهَا وَأَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ابْنُ قُلَيْدٍ قَالَ لِي إنَّمَا لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَتَهُ عَلَى الْخَطِّ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْخُطُوطِ، وَلَيْسَ عَدَمُ إدْرَاكِ الرَّافِعِ عَلَى الْخَطِّ كَاتِبَهُ بِمَانِعٍ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ عَارِفًا بِالْخُطُوطِ، فَإِنَّا نَعْرِفُ كَثِيرًا مِنْ خُطُوطِ مَنْ لَمْ نُدْرِكْهُ كَخَطِّ الشَّلُوفِينَ وَابْنِ عُصْفُورٍ وَابْنِ السَّيِّدِ وَنَحْوِهِمْ لِتَكَرُّرِ خُطُوطِهِمْ عَلَيْنَا مَعَ تَلَقِّينَا مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ أَنَّهَا خُطُوطُهُمْ.
(وَلَا) يَشْهَدُ الشَّاهِدُ عَلَى (مَنْ) أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي (لَا يَعْرِفُ) الشَّاهِدُ نَسَبَهُ (إلَّا عَلَى عَيْنِهِ) ظَاهِرُهُ الْمَنْعُ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى اسْمِهِ لِاحْتِمَالِ تَسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ (وَ) إنْ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى امْرَأَةٍ مَجْهُولَةِ النَّسَبِ، وَقَدْ سَمَّتْ نَفْسَهَا وَانْتَسَبَتْ لِأَبٍ سَمَّتْهُ، وَالشُّهُودُ لَا يَعْرِفُونَ اسْمَهَا وَلَا اسْمَ أَبِيهَا فَ (لْيُسَجِّلْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ
مَنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا ابْنَةُ فُلَانٍ، وَلَا عَلَى مُنْتَقِبَةٍ لِتَتَعَيَّنَ لِلْأَدَاءِ، وَإِنْ قَالُوا أَشْهَدَتْنَا مُنْتَقِبَةً، وَكَذَلِكَ نَعْرِفُهَا قُلِّدُوا، وَعَلَيْهِمْ إخْرَاجُهَا، إنْ قِيلَ لَهُمْ عَيِّنُوهَا.
ــ
[منح الجليل]
مُشَدَّدَةً أَيْ يَأْمُرُ الْقَاضِي مَنْ يَكْتُبُ فِي كِتَابِهِ الْمَحْفُوظِ عِنْدَهُ الَّذِي يَكْتُبُ الْوَقَائِعَ فِيهِ شَهِدَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ بِكَذَا عَلَيَّ (مَنْ) أَيْ الْمَرْأَةِ الَّتِي (زَعَمَتْ) أَيْ أَخْبَرَتْ (أَنَّ) اسْمَ (هَا) فُلَانَةُ (ابْنَةُ فُلَانٍ) مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِاسْمِهَا وَاسْمِ أَبِيهَا لِاحْتِمَالِ كَذِبِهَا فِيهِمَا الْمُصَنِّفُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمَجْهُولُ نَسَبُهُ وَاسْمُهُ كَذَلِكَ لِذَلِكَ. (وَ) لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ (عَلَى) امْرَأَةٍ مَجْهُولَةٍ لِلشُّهُودِ (مُنْتَقِبَةٍ) حَتَّى تَرْفَعَ النِّقَابَ عَنْ وَجْهِهَا وَيَشْهَدُوا عَلَى عَيْنِهَا (لِتَتَعَيَّنَ) الْمَرْأَةُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهَا (لِلْأَدَاءِ) أَيْ تَأْدِيَةِ الشَّهَادَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوهَا عَلَيْهَا إذَا طَلَبُوا بِهَا عَنْ الْحَاكِمِ (وَإِنْ قَالُوا) أَيْ الشُّهُودُ وَقْتَ الْأَدَاءِ (أَشْهَدَتْنَا) هَذِهِ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا بِكَذَا حَالَ كَوْنِهَا (مُنْتَقِبَةً وَكَذَلِكَ) أَيْ حَالَ كَوْنِهَا مُنْتَقِبَةً (نَعْرِفُهَا) وَلَا تَشْتَبِه عَلَيْنَا بِغَيْرِهَا فَتُؤَدَّى الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا مُنْتَقِبَةً (قُلِّدُوا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، أَيْ صُدِّقُوا وَاتُّبِعُوا فِي ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ أَشْهَدَتْنَا وَهِيَ مُنْتَقِبَةٌ، وَكَذَلِكَ نَعْرِفُهَا وَلَا نَعْرِفُهَا بِغَيْرِ نِقَابٍ فَهُمْ أَعْلَمُ مَا تَقَلَّدُوا إنْ كَانُوا عُدُولًا وَعَيَّنُوهَا كَمَا ذَكَرَتْ وَقُطِعَ بِشَهَادَتِهِمْ، سَأَلَ ابْنُ حَبِيبٍ سَحْنُونًا عَنْ امْرَأَةٍ أَنْكَرَتْ دَعْوَى رَجُلٍ عَلَيْهَا فَأَقَامَ عَلَيْهَا بَيِّنَةً قَالُوا أَشْهَدَتْنَا عَلَى نَفْسِهَا وَهِيَ مُنْتَقِبَةٌ بِكَذَا وَكَذَا، وَلَا نَعْرِفُهَا إلَّا مُنْتَقِبَةً وَإِنْ كَشَفَتْ وَجْهَهَا فَلَا نَعْرِفُهَا فَقَالَ هُمْ أَعْلَمُ بِمَا تَقَلَّدُوا، فَإِنْ كَانُوا عُدُولًا وَقَالُوا عَرَفْنَاهَا قُطِعَ بِشَهَادَتِهِمْ.
(وَ) إنْ شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِحَقٍّ وَأَنْكَرَتْ وَقَالُوا شَهِدْنَا عَلَيْهَا عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنَّا بِعَيْنِهَا وَنَسَبِهَا وَسَأَلَ الْخَصْمُ إدْخَالَهَا فِي نِسَاءٍ وَإِخْرَاجَهَا الشُّهُودَ مِنْ بَيْنِهِنَّ فَ (عَلَيْهِمْ) أَيْ الشُّهُودِ (إخْرَاجُهَا) وَتَعْيِينُهَا مِنْهُنَّ (إنْ قِيلَ لَهُمْ عَيِّنُوهَا) وَقَالَ أَصْبَغُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعْيِينُهَا. ابْنُ عَرَفَةَ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ اعْتَرَفَ دَابَّةً أَوْ رَأْسًا هَلْ تُجْمَعُ دَوَابُّ أَوْ رَقِيقٌ وَيُدْخَلُ فِيهَا الْمُعْتَرِفُ وَيُكَلَّفُ الشُّهُودُ بِإِخْرَاجِهِ، قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ فِي شَيْءٍ وَذَلِكَ خَطَأٌ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَلَكِنْ إنْ كَانُوا عُدُولًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ. أَصْبَغُ وَكَذَا النِّسَاءُ إنْ شُهِدَ عَلَيْهِنَّ، وَعَنْ سَحْنُونٍ لَوْ شَهِدُوا عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ وَإِقْرَارِهَا وَإِبْرَائِهَا وَسَأَلَ الْخَصْمُ إدْخَالَهَا فِي نِسَاءٍ لِيُخْرِجُوهَا وَقَالُوا شَهِدْنَا عَلَيْهَا عَنْ مَعْرِفَتِنَا بِعَيْنِهَا وَنَسَبِهَا وَلَا نَدْرِي هَلْ نَعْرِفُهَا الْيَوْمَ وَقَدْ تَغَيَّرَ حَالُهَا وَقَالُوا لَا نَتَكَلَّفُ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجُوا عَيْنَهَا، وَإِنْ قَالُوا نَخَافُ أَنْ تَكُونَ تَغَيَّرَتْ قِيلَ لَهُمْ إنْ شَكَكْتُمْ وَقَدْ أَيْقَنْتُمْ أَنَّهَا بِنْتُ فُلَانٍ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا بِنْتٌ وَاحِدَةٌ مِنْ حِينِ شَهِدْتُمْ عَلَيْهَا إلَى الْيَوْمِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ. شب
فَإِنْ لَمْ يُخْرِجُوهَا ضَمِنُوا خِلَافًا لِبَعْضِ شُيُوخِ الزَّرْقَانِيِّ، وَنَصُّهُ اُنْظُرْ إذَا لَمْ يُعَيِّنُوهَا، فَهَلْ يَغْرَمُونَ إذَا تَلِفَ مَالٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَمْ لَا وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَدَمَ تَغْرِيمِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَفَسَقَةٍ تَحَمَّلُوا شَهَادَةً بِحَقٍّ عَالِمِينَ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تُقْبَلُ، ثُمَّ أَدَّوْهَا فَرُدَّتْ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ عج. ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ لَا يَعْرِفُهَا غَيْرُهُ كَبِنْتِ أَخِيهِ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا كَيْفَ يُشْهِدَ عَلَيْهَا، قَالَ يُدْخِلُ عَلَيْهَا مَنْ لَا تَحْتَشِمُ مِنْهُ فَيَشْهَدَ عَلَى رُؤْيَتِهَا، قَالَ عِيسَى قَالَ لِي ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا الشَّهِيدَانِ. ابْنُ رُشْدٍ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَعْرِفُهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى رُؤْيَتِهَا مَنْ لَا تَحْتَشِمُ مِنْهُ فَلْتُسْفِرْ لَهُمْ عَنْ وَجْهِهَا لِيَثْبُتُوا عَلَيْهَا لِيَشْهَدُوا عَلَى عَيْنِهَا إنْ أَنْكَرَتْ أَنَّهَا الَّتِي أَشْهَدَتْهُمْ، فَإِنْ وُجِدَ مِنْ الْعُدُولِ مَنْ يَعْرِفُهَا فَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَعْرِفُهَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا، فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهَا مَعَ وُجُودِ مَنْ يَعْرِفُهَا أَوْ دُونَهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهَا بِالرِّضَا بِالنِّكَاحِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ هِيَ الَّتِي أَشْهَدَتْهُمْ فَيَمُوتُوا وَيُشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ فَتُلْزَمَ نِكَاحًا لَمْ تَرْضَهُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ عَلَيْهَا بِذَلِكَ كَشَهَادَتِهِمْ بِهِ عَلَيْهَا عِنْدَ حَاكِمٍ وَالْحُقُوقُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَشْهَدُ الرَّجُلُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ، وَمِثْلُهُ لِأَصْبَغَ. قَالَ وَأَمَّا الْحُقُوقُ مِنْ الْبُيُوعِ وَالْوَكَالَاتِ وَالْهِبَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَنْ لَا يَعْرِفُهَا بِعَيْنِهَا وَاسْمِهَا وَنَسَبِهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحُقُوقِ أَنَّهُ يُخْشَى أَنْ يَمُوتُوا فَيُشْهَدَ عَلَى خُطُوطِهِمْ فَتُلْزَمَ نِكَاحًا بَاطِلًا لَمْ تُشْهِدْ بِهِ عَلَى نَفْسِهَا، وَعَلَى مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ إلَّا فِي الْأَحْبَاسِ وَمَا جَرَى
وَجَازَ الْأَدَاءُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ، وَإِنْ بِامْرَأَةٍ لَا بِشَاهِدَيْنِ إلَّا نَقْلًا.
ــ
[منح الجليل]
مَجْرَاهَا يَسْتَوِي النِّكَاحُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُقُوقِ وَلَا يُجَرَّحُ الرَّجُلُ بِوَضْعِ شَهَادَتِهِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ فِي الْحُقُوقِ كَمَا يَضَعُهَا عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ إذَا لَمْ يُشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَجَازَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا، وَأَمَّا عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِإِجْمَاعٍ إلَّا عَلَى مَنْ ثَبَتَتْ عَيْنُهُ وَعَرَفَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَشْهَدَهُ دُونَ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ. ابْنُ أَيُّوبَ إذَا كَتَبَ ذِكْرَ الْحَقِّ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ الشُّهُودُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكْتُبَ نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ وَيُشْهِدَ الشُّهُودَ عَلَى صِفَتِهِ حَيِيَ أَوْ مَاتَ حَضَرَ أَوْ غَابَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَكْتُبُ اسْمَهُ وَقَرْيَتَهُ وَمَسْكَنَهُ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَسَمَّى الرَّجُلُ بِغَيْرِ اسْمِهِ وَغَيْرِ مَسْكَنِهِ وَمَوْضِعِهِ.
(وَجَازَ) لِمَنْ تَحَمَّلَ شَهَادَةً عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ (الْأَدَاءُ) لِلشَّاهِدَةِ عَلَيْهِ (إنْ حَصَلَ) لِلشَّاهِدِ (الْعِلْمُ) بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ الْيَقِينِيِّ الَّذِي لَا شَكَّ مَعَهُ بِتَعْرِيفِ عَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ لَفِيفٍ مِنْ النَّاسِ، بَلْ (وَإِنْ) حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ (بِ) تَعْرِيفِ (امْرَأَةٍ) وَاحِدَةٍ، ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُ عَنْ الْغُبْرِينِيُّ قَبُولَ تَعْرِيفِ الصَّغِيرِ وَالْأَمَةِ يَسْأَلُهُمَا عَنْ غَفْلَةٍ وَيَتْرُكُ تَعْرِيفَ الْمَقْصُودِ (لَا بِ) شَهَادَةِ (شَاهِدَيْنِ) عَدْلَيْنِ أَنَّهَا فُلَانَةُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهَا فُلَانَةُ بِشَهَادَتِهِمَا، فَلَا يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا (إلَّا نَقْلًا) عَنْهُمَا بِأَنْ يَقُولَا لَهُ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِنَا أَنَّهَا فُلَانَةُ.
طفى قَوْلُهُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ أَنْت بِغَيْرِ رِيبَةٍ، كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، أَيْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الشَّهَادَةِ، بَلْ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنْ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ أَوْ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدَةٍ، وَاحْتُرِزَ عَمَّا إذَا كَانَ بِالْبَيِّنَةِ أَيْ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ لَا بِشَاهِدَيْنِ، أَيْ أَتَى بِهِمَا الْمَشْهُودُ لَهُ يَشْهَدَانِ بِتَعْرِيفِهَا، وَلِذَا عَبَّرَ بِالشَّاهِدَيْنِ وَإِلَّا لَقَالَ لَا بِرَجُلَيْنِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي أَقُولُهُ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَتَاهُ بِالشَّاهِدَيْنِ لِيَشْهَدَا لَهُ عَلَيْهَا بِشَهَادَتِهِمَا بِأَنَّهَا فُلَانَةُ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ سَأَلَ الشَّاهِدَيْنِ فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهَا فُلَانَةُ فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهَا، وَكَذَا لَوْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَجُلًا وَاحِدًا يَثِقُ بِهِ أَوْ امْرَأَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ، وَلَوْ أَتَاهُ الْمَشْهُودُ لَهُ بِجَمَاعَةٍ مِنْ لَفِيفِ النَّاسِ فَيَشْهَدُونَ عِنْدَهُ أَنَّهَا فُلَانَةُ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إذَا وَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِشَهَادَتَيْنِ اهـ. فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَسْأَلَ هُوَ عَنْ ذَلِكَ، وَبَيْنَ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
لَا يَقْبَلُ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ، وَيَكْتَفِي بِهِ فِي التَّعْرِيفِ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّقْلِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِهِ كَاللَّفِيفِ مِنْ النَّاسِ، وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ اقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ عَرَفَةَ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَجَازَ الْأَدَاءُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ أَيْ وَكَانَ عَلَى وَجْهِ الْخَيْرِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الثِّقَةُ بِخَبَرِ الْمُخْبِرِ
وَقَوْلُهُ لَا بِشَاهِدَيْنِ أَيْ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ بِهِمْ الْعِلْمُ بِأَنْ بَلَغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ، هَذَا هُوَ الْمُتَحَصِّلُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ غَيْرَهُ، وَنَحْوُ عِبَارَتِهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ تَحْتَفُّ بِهِ قَرِينَةٌ فَيُفِيدُ الْعِلْمَ إلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَلِذَا قُبِلَ الْوَاحِدُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّفْصِيلَ الَّذِي سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ الْحَاجِبِ هُوَ لِابْنِ رُشْدٍ إلَّا أَنَّهُمَا أَجْمَلَا وَالْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ غَيْرُ مُفَصَّلٍ فَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ دُعِيَ لِيَشْهَدَ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا وَيَشْهَدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ يَشْهَدُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطَةِ فِيمَنْ دُعِيَ لِلشَّهَادَةِ عَلَى امْرَأَةٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا إنْ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا. ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا بَاطِلٌ، وَلَا يَشْهَدُ إلَّا وَهُوَ يَعْرِفُهَا بِتَعْرِيفِهِمَا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ الْبَاطِلُ، وَكَيْفَ يُعْرَفُ النِّسَاءُ إلَّا بِمِثْلِ هَذَا اهـ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْبِيرِ الرِّوَايَةِ بِالشَّهَادَةِ، فَيَكُونُ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ وِفَاقًا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ جَعَلَهُ فِي الشَّامِلِ مُخَالِفًا لِلْقَوْلَيْنِ، فَقَالَ وَلَوْ عَرَفَهَا شَاهِدَانِ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا إنْ تَعَذَّرَ، أَوْ قِيلَ يَشْهَدُ وَالْمُخْتَارُ إنْ سَأَلَهُمَا الشَّاهِدُ عَنْهَا فَأَخْبَرَاهُ فَلْيَشْهَدْ لَا إنْ أَحْضَرَهُمَا الْمَشْهُودُ لَهُ لِيُخْبِرَاهُ اهـ. الْبُنَانِيُّ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَقَوْلِهِ قَبْلُ وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مَحَلُّهُ إذْ لَمْ تَحْصُلْ مَعْرِفَةٌ وَلَا تَعْرِيفٌ، وَهَذَا مَعْنَى مَنْ لَا يَعْرِفُ، وَقَرَّرَ ابْنُ رَحَّالٍ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ مَعْنَاهُ وَجَازَ الْأَدَاءُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِالتَّعْرِيفِ وَإِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
بِتَعْرِيفِ امْرَأَةٍ، وَلَا يَجُوزُ الْأَدَاءُ بِحُصُولِ الْعِلْمِ بِسَبَبِ تَعْرِيفِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَمَدْ عَلَيْهِمَا مَعَ حُصُولِ الْعِلْمِ فَأَحْرَى مَعَ عَدَمِهِ. قَالَ وَأَمَّا تَقْرِيرُ الشَّارِحِ وتت وعج وَابْنِ مَرْزُوقٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُرُوحِهِ قَوْلُهُ لَا بِشَاهِدَيْنِ بِعَدَمِ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِمَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ كَلَامِ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمَا فِي التَّعْرِيفِ مُطْلَقًا، حَصَلَ عِلْمٌ بِهِمَا أَمْ لَا، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخُصُوصِهِ لِمُرُورِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فَيَصِحُّ كَلَامُ الشَّارِحِ وَمَنْ تَبِعَهُ إلَّا أَنَّهُ قَلِيلُ الْجَدْوَى، إذْ لَوْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ لَقَالَ بَدَلَ لَا بِشَاهِدَيْنِ لَا إنْ لَمْ يَحْصُلْ عِلْمٌ.
فَإِنْ قُلْت مَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْمَنْعِ مَعَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ، قُلْت؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ عَرَفَا صِحَّةَ شَهَادَتِهِمَا وَحُضُورَهُمَا فِيهِ تُهْمَةٌ وَرِيبَةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَبُو الْحَسَنِ صَاحِبُ الْفَائِقِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ تَفْصِيلَ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ اهـ. الْبُنَانِيُّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ مُطْلَقًا، وَلَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِمَا وَهُوَ بَعِيدٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مُقْتَضَى مَنْ جَعَلَ مَا لِابْنِ رُشْدٍ ثَالِثًا وَالظَّاهِرُ قَوْلُ طفى يُمْكِنُ حَمْلُ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ، فَيَكُونُ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ وِفَاقًا لِابْنِ الْقَاسِمِ اهـ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَأَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ، وَكَذَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. أَقُولُ وَتَوْجِيهُ ابْنِ رَحَّالٍ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ مُتَنَاقِضٌ، فَإِنَّ تُهْمَةَ الشَّاهِدَيْنِ وَالرِّيبَةَ فِي شَهَادَتِهِمَا بِتَوَقُّفِهِمَا عَنْهَا تَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِشَهَادَتِهِمَا، وَحَاشَا الْإِمَامُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَقُولَ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِتَعْرِيفِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ الشَّاهِدَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِ، وَإِنْ
وَجَازَتْ بِسَمَاعٍ فَشَا عَنْ ثِقَاتٍ وَغَيْرِهِمْ؛ بِمِلْكٍ
ــ
[منح الجليل]
حَصَلَ الْعِلْمُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَجَازَتْ) الشَّهَادَةُ (بِسَمَاعٍ فَشَا) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ شَاعَ وَاشْتَهَرَ وَكَثُرَ (عَنْ ثِقَاتٍ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ، أَيْ مَنْ يُوثَقُ بِكَلَامِهِمْ وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ (وَغَيْرِهِمْ) ابْنُ عَرَفَةَ شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ فِيهِ بِإِسْنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَتَخْرُجُ شَهَادَةُ الْبَتِّ وَالنَّقْلِ بِأَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ سَمَّاهُ فَاشِيًا كَذَا، فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا لَمْ تَصِحَّ. طفى الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ الشُّيُوخِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ عِيَاضٌ. وَقَالَ الْبَاجِيَّ شَهَادَةُ السَّمَاعِ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ الْعُدُولِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ. وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، وَنَحْوُهُ فِي وَثَائِقِ ابْنِ سَلْمُونٍ. وَقَالَ ابْنُ فَتُّوحٍ شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَا تَكْمُلُ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ فِيهَا أَهْلُ الْعَدْلِ وَغَيْرُهُمْ، عَلَى هَذَا مَضَى عَمَلُ النَّاسِ، وَلَيْسَ يَأْتِي آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَهْدَى مِمَّا عَلَيْهِ أَوَّلُهَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَقَرَّهُ، ثُمَّ قَالَ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى كَوْنِ السَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ دُونَ تَسْمِيَتِهِمْ فَفِي صِحَّتِهَا نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَصْبَغَ مَعَ ظَاهِرِ نَقْلِ ابْنِ فَتُّوحٍ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَهَادَةَ سَمَاعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ نَقْلٌ فَيَفْتَقِرُ لِتَسْمِيَةِ الشُّهُودِ، يَعْنِي أَنَّ السَّمَاعَ مِنْ الْعُدُولِ دُونَ تَسْمِيَتِهِمْ مَقْبُولٌ، لَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ شَهَادَةُ سَمَاعٍ أَوْ نَقْلٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُهُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ عُمُومِ النَّاسِ دُونَ ذِكْرِ الْعُدُولِ فَفِي صِحَّتِهَا بِمَا لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ يَدٍ نَقْلَا اللَّخْمِيِّ قَائِلًا، وَهِيَ فِيمَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ يَدٍ لَغْوٌ اتِّفَاقًا. وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ بِصِحَّةِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ مِنْ لَفِيفِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَإِنْ لَمْ تَبْدُ عَدَالَتُهُمْ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْمَسْمُوعِ مِنْهُمْ ثَالِثُهَا إلَّا فِي الرَّضَاعِ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ إلَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَيَّدَهَا أَبُو الْحَسَنِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ اهـ. وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي (بِمِلْكٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ. تت مُطْلَقٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَكَادُ يُقْطَعُ بِهِ، وَحَاوَلَ بَعْضُهُمْ تَصْوِيرَهُ بِمِنْ صَادَ مِنْ فَيَافِي الْأَرْضِ بِحَضْرَةِ بَيِّنَةٍ فَتَشْهَدُ
لِحَائِزٍ مُتَصَرِّفٍ طَوِيلًا.
ــ
[منح الجليل]
لَهُ أَنَّهُ مَلَكَهُ عَلَى الْقَطْعِ
وَاعْتُرِضَ بِاحْتِمَالِ نُدُودِهِ مِنْ مَالِكٍ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ مِنْ زَمَنٍ لَمْ يَتَوَحَّشْ فِيهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْأَوَّلِ، وَصَوَّرَهُ آخَرُ بِمَا مَلَكَ مِنْ غَنِيمَةٍ وَنَظَرَ فِيهِ بِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْدَعَهُ لِكَافِرٍ. ابْنُ عَرَفَةَ صَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمِلْكِ مُشْتَرٍ لُقَطَةً بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَى الْتِقَاطِهَا وَتَعْرِيفِهَا وَبَيْعِهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَهَذَا عَجِيبٌ، فَإِنَّ صُوَرَ الْقَطْعِ بِالْمِلْكِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الرِّكَازُ وَالْمَعْدِنُ الَّذِي أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ وَمَلْفُوظُ الْبَحْرِ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَمَاؤُهُ الْمَنْقُولُ مِنْهُ وَحَجَرُ الْجَبَلِ، وَمَا نُقِلَ مِنْ شَجَرِ الْغَابَةِ وَالْمَوَاتِ الْمُحَيَّاةِ. وَتَشْهَدُ بِالسَّمَاعِ بِمِلْكٍ (لِ) شَخْصٍ (حَائِزٍ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَهَمْزٍ وَزَايٍ لِلشَّيْءِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِمِلْكِهِ (مُتَصَرِّفٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مُثَقَّلَةً فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ لَهُ فِيهِ زَمَنًا (طَوِيلًا) طفى لَمْ أَرَ مَنْ اشْتَرَطَ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ التَّصَرُّفَ سِوَى الْمُصَنِّفِ فِي مُخْتَصَرِهِ هَذَا وَتَوْضِيحِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَتَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ الْفَاشِي عَنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْمِلْكِ مَا نَصُّهُ أَيْ الْمُطْلِقُ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ إنَّمَا يَشْهَدُ بِالْمِلْكِ إذَا طَالَتْ الْحِيَازَةُ وَكَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ بِالْهَدْمِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ، وَلَا يَكْتَفِي بِشَهَادَتِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَحُوزُهَا حَتَّى يَقُولُوا إنَّهُ يَحُوزُهَا لِحَقِّهِ وَأَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ اشْتَرَى مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِمِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ. اهـ. وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْجَوَاهِرِ هَذَا فِي الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ عَلَى الْقَطْعِ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي، وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِ. وَأَمَّا شَهَادَةُ السَّمَاعِ بِالْمِلْكِ فَقَدْ قَالَ فِيهِ فِي غَائِبٍ قَدِمَ وَادَّعَى دَارًا فِي يَدِ حَائِزٍ فَيُقِيمُ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ بَيِّنَةً عَلَى السَّمَاعِ فِي تَطَاوُلِ الزَّمَانِ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ أَبِي هَذَا الْقَائِمِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ مِمَّنْ صَارَتْ إلَيْهِ عَنْهُمْ فَيَثْبُتُ لَهُ نَفَاذُهَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ. اهـ. فَاشْتَرَطَ الْحَوْزَ فَقَطْ كَمَا تَرَى وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَامَتْ بِيَدِهِ دَارٌ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ قَدِمَ رَجُلٌ كَانَ غَائِبًا فَادَّعَاهَا وَأَثْبَتَ الْأَصْلَ لَهُ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ وَثَبَتَتْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
الْمَوَارِيثُ حَتَّى صَارَتْ لَهُ فَقَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ أَوْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ ابْتَاعَهَا مِنْ الْقَادِمِ أَوْ مِنْ أَحَدِ آبَائِهِ أَوْ مِمَّنْ وَرِثَهُ الْقَادِمُ عَنْهُ أَوْ مِمَّنْ ابْتَاعَهَا مِنْ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فَذَلِكَ يَقْطَعُ حَقَّ الْقَادِمِ مِنْهَا وَهِيَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا بِسَمَاعٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا إلَخْ. وَفِي ابْنِ يُونُسَ ابْنُ الْمَوَّازِ تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ لِمُدَّعِي دَارًا بِيَدِ غَيْرِهِ وَقَدْ حَازَهَا عَلَيْهِ إنَّمَا تَجُوزُ لِمَنْ الدَّارُ بِيَدِهِ إذَا أَثْبَتَ الَّذِي يَدَّعِيهَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ مِمَّنْ هُوَ وَارِثُهُ، وَتَكُونُ قَدْ قَامَتْ بِيَدِ حَائِزِهَا سِنِينَ يَنْقَطِعُ فِيهَا الْعِلْمُ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ أَنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الْعُدُولِ أَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ أَوْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ ابْتَاعَهَا مِنْ الْقَادِمِ أَوْ مِنْ أَحَدٍ وَرِثَهَا الْقَادِمُ عَنْهُ فَلِذَلِكَ يُقْطَعُ حَقُّ الْقَادِمِ. اهـ. وَالْمَالِكِيَّةُ مُطْبِقُونَ عَلَى التَّعْبِيرِ بِأَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ لَا يُسْتَخْرَجُ بِهَا مِنْ يَدِ حَائِزٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ لِلْحَائِزِ وَلَمْ يَقُولُوا لِلْمُتَصَرِّفِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ وَعَرَفَ الْحَقَّ بِنَفْسِهِ لَا بِالرِّجَالِ وَلَمْ يَجْعَلْ رِبْقَةَ التَّقْلِيدِ فِي عُنُقِهِ لِكُلِّ غَثٍّ وَسَمِينٍ
وَالْعَجَبُ مِنْ " ح " وَالشَّارِحِ وَ " ق " وَغَيْرِهِمْ كَيْفَ تَوَاطَئُوا عَلَى نَقْلِ كَلَامِ الْجَوَاهِرِ هُنَا تَقْلِيدًا لِلتَّوْضِيحِ وَلَمْ يَتَنَبَّهُوا لِمَا قُلْنَاهُ مَعَ وُضُوحِهِ، وَتَبِعَهُمْ عج حَتَّى فَسَّرَ الطُّولَ فِي قَوْلِهِ وَحَوْزٍ طَالَ بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا فُسِّرَ بِهِ مُرَادُ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ، لَكِنْ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ عَلَى الْبَتِّ كَمَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ قَوْلِهِ وَحَوْزٍ طَالَ كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَأَمَّا هُنَا فَكَيْفَ يَأْتِي اشْتِرَاطُ الْحَوْزِ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ مَعَ شَرْطِ طُولِ الزَّمَانِ كَالْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ سَنَةً مَا هَذَا إلَّا تَهَافُتٌ، وَتَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْحِيَازَةَ هُنَا خَمْسُونَ سَنَةً أَوْ سِتُّونَ سَنَةً وَنَحْوُهَا مِمَّا يَنْقَطِعُ بِهِ الْعِلْمُ وَرَبُّك أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَالْعُذْرُ لِلْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ صَاحِبَ الْجَوَاهِرِ تَكَلَّمَ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ عَلَى الْبَتِّ أَثْنَاءَ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، فَتَوَهَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، فَوَقَعَ فِيمَا وَقَعَ وَالْكَمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى.
الْبُنَانِيُّ وَوَقَعَ لِابْنِ مَرْزُوقٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَرَّرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِ الْمَازِرِيِّ مَا نَصُّهُ مِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا يَكَادُ
وَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ، إلَّا بِسَمَاعٍ: أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ كَأَبِي الْقَائِمِ
ــ
[منح الجليل]
يُقْطَعُ بِهِ، وَيَعْتَمِدُ الشَّاهِدُ فِي الشَّهَادَةِ بِذَلِكَ عَلَى وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، وَنِسْبَتُهَا مَعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَعَدَمُ الْمُنَازِعِ وَطُولُ الْحِيَازَةِ وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ، وَهُوَ وَهْمٌ أَيْضًا مِنْ ابْنِ مَرْزُوقٍ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَيُعْتَمَدُ إلَخْ إنَّمَا هُوَ فِي شَهَادَةِ الْقَطْعِ بِالْمِلْكِ لَا السَّمَاعِ.
(وَ) إنْ حَازَ شَخْصٌ عَقَارًا نَحْوَ سِتِّينَ سَنَةً مُدَّعِيًا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ هُوَ أَوْ أَحَدُ مُوَرِّثِيهِ وَقَدِمَ شَخْصٌ آخَرُ مِنْ غَيْبَتِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ مَلَكَهُ وَأَقَامَ الْحَائِزُ بَيِّنَةَ سَمَاعٍ بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَالْقَادِمُ بَيِّنَةَ بَتٍّ أَنَّهُ مَلَكَهُ (قُدِّمَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (بَيِّنَةُ الْمِلْكِ) الشَّاهِدَةُ بِهِ بَتًّا عَلَى بَيِّنَةِ السَّمَاعِ بِالشِّرَاءِ (إلَّا) بَيِّنَةً شَاهِدَةً (بِسَمَاعٍ) مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ (أَنَّهُ) أَيْ الْحَائِزَ (اشْتَرَاهَا) أَيْ الْحَائِزُ الدَّارَ (مِنْ كَأَبِي) وَجَدِّ (الْقَائِمِ) أَيْ الْمُدَّعِي عَلَى الْحَائِزِ أَنَّهَا مِلْكُهُ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ وَبَيِّنَةُ الْقَطْعِ مُسْتَصْحِبَةٌ. طفى قَوْلُهُ وَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ إلَخْ تت عَلَى بَيِّنَةِ الْحَوْزِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قُدِّمَتْ، وَعِبَارَةٌ كَبِيرَةٌ إذَا عَارَضَتْهَا بَيِّنَةُ الْحَوْزِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بَيِّنَةُ الْحَوْزِ أَنَّهَا شَهِدَتْ بِالْحَوْزِ، بَلْ بَيِّنَةُ الْحَائِزِ فَهُوَ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ أَوْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ ذِي الْحَوْزِ شَهِدَتْ لِلْحَائِزِ شَهَادَةُ سَمَاعٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَلَمْ تُبَيِّنْ مِمَّنْ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ فِي كَبِيرِهِ وَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ إذَا عَارَضَتْهَا بَيِّنَةُ الْحَوْزِ فِي دَارِ شَخْصٍ قَدِمَ مِنْ غِيبَةٍ بَعِيدَةٍ وَأَثْبَتَ أَنَّهَا لَهُ أَوْ لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ، وَأَثْبَتَ الْمِيرَاثَ حَتَّى صَارَتْ لَهُ، وَقَالَ مَنْ هِيَ فِي حَوْزِهِ طَوِيلًا إنَّهُ اشْتَرَاهَا، وَلَهُ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ عَلَى السَّمَاعِ أَنَّهَا لِوَاحِدٍ مِنْ آبَائِهِ وَلَا يَدْرُونَ مِمَّنْ فَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ. اهـ. وَهُوَ تَقْرِيرٌ حَسَنٌ أَمَسُّ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَبِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ وَإِنْ أَتَى الَّذِي بِيَدِهِ دَارٌ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ مِنْ الْعُدُولِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي بِيَدِهِ الدَّارُ أَوْ أَحَدُ آبَائِهِ ابْتَاعَهَا وَلَا يَدْرِي مِمَّنْ ابْتَاعَهَا فَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَهَكَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ وَ " ق " وَأَمَّا تَقْرِيرُ ح لَهُ بِمَا إذَا شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ بَيِّنَةٌ بِالسَّمَاعِ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِالْمِلْكِ بِالْقَطْعِ لِشَخْصٍ آخَرَ فَبَيِّنَةُ الْمِلْكِ الَّتِي قَطَعَتْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ السَّمَاعِ فَبَعِيدٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَوَقْفٍ
ــ
[منح الجليل]
الْبُنَانِيُّ إنْ قُلْت الْحَوْزُ عَشْرَ سِنِينَ كَافٍ وَحْدَهُ فِي رَدِّ دَعْوَى الْقَائِمِ وَبَيِّنَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ بِالْقَطْعِ فَلَا يَحْتَاجُ لِبَيِّنَةِ سَمَاعٍ وَلَا غَيْرِهَا. قُلْت هَذَا إذَا كَانَ الْقَائِمُ حَاضِرًا بِلَا عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ لَهُ عُذْرٌ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَيَحْتَاجُ الْحَائِزُ لِدَفْعِهَا وَلَوْ بَيِّنَةَ سَمَاعٍ، وَفَرْضُ هَذِهِ أَنَّ الْقَائِمَ كَانَ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا لَهُ مَانِعٌ.
(وَ) تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ بِ (وَقْفٍ) عَلَى حَائِزِهِ أَوْ لَا يَدَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ فَتَشْهَدُ بَيِّنَةٌ بِالسَّمَاعِ بِأَنَّهُ حَبْسٌ عَلَى حَائِزِهِ أَوْ عَلَى بَنِي فُلَانٍ أَوْ لِلَّهِ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا. أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ. الْحَطّ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَسْمِيَةُ الْمُحْبِسِ وَلَا إثْبَاتُ مِلْكِهِ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِمَا عَلَى الْحَبْسِ بِالْقَطْعِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحَبْسُ حَتَّى يَشْهَدُوا بِالْمِلْكِ لِلْمُحْبِسِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ. ابْنُ سَهْلٍ كَيْفِيَّةُ الشَّهَادَةِ بِالسَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الدَّارَ الَّتِي بِمَوْضِعِ كَذَا وَحَدُّهَا كَذَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ عِشْرِينَ عَامًا مُتَقَدِّمَةَ التَّارِيخِ شَهَادَتَهُ هَذِهِ سَمَاعًا فَاشِيًا مُسْتَفِيضًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذَا الْمِلْكَ حَبْسٌ عَلَى مَسْجِدِ كَذَا أَوْ عَلَى الْمَرْضَى بِحَاضِرَةِ كَذَا أَوْ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ أَوْ حَبْسٌ لَا غَيْرُ، وَأَنَّهَا مُحْتَرَمَةٌ بِحُرْمَةِ الْأَحْبَاسِ وَتَحْوِزَتُهَا بِالْوَقْفِ إلَيْهَا وَالتَّبْيِينِ لَهَا، بِهَذَا جَرَى الْعَمَلُ فِي أَدَاءِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَإِذَا أُدِّيَتْ هَكَذَا بِشَاهِدَيْنِ فَصَاعِدًا حُكِمَ بِهَا بَعْدَ حِيَازَةِ الشُّهُودِ بِتَحْبِيسِهِ، وَالْإِعْذَارُ إلَى مَنْ يَعْتَرِضُ فِيهِ وَيَدَّعِيه فِي سَمَاعِ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ، إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهُمَا كَانَا يَسْمَعَانِ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ حَبْسٌ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا وَكَانَتْ حَبْسًا عَلَى الْمَسَاكِينِ إذَا لَمْ يُسَمِّ أَحَدًا. الْحَطّ اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَصَارِفَ الْحَبْسِ وَشَرْطِ الْوَاقِفِ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ، وَنَصَّ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قَوْمٍ شَهِدُوا بِالسَّمَاعِ فِي حَبْسٍ عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَا تَدْخُلُ زَوْجَتُهُ فِي نَصِيبِهِ، وَتَهْلِكُ بِنْتُ الْمَيِّتِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُهَا وَلَا زَوْجُهَا فَقَالَ أَرَاهُ حَبْسًا ثَابِتًا، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى أَصْلِ الْحَبْسِ وَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ كُلَّهُ وَذَكَرُوا فِي السَّمَاعِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ اهـ.
وَمَوْتٍ بِبُعْدٍ إنْ طَالَ الزَّمَانُ، بِلَا رِيبَةٍ.
ــ
[منح الجليل]
وَ) تَجُوزُ بِ (مَوْتٍ بِبُعْدٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ بَلَدٍ بَعِيدٍ (إنْ طَالَ الزَّمَانُ) عَلَى السَّمَاعِ سَوَاءٌ كَانَ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ. ابْنُ الْقَاسِمِ أَرْبَعُونَ سَنَةً أَوْ خَمْسُونَ سَنَةً. ابْنُ زَرْقُونٍ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَعَنْهُ أَيْضًا عِشْرُونَ سَنَةً. ابْنُ رُشْدٍ وَبِهِ الْعَمَلُ بِقُرْطُبَةَ، وَهَلْ خَمْسَ عَشْرَةَ طُولٌ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَبَاءِ وَغَيْرِهِ (بِلَا رِيبَةٍ) فَإِنْ كَانَ فِيهِ رِيبَةٌ بِأَنْ شَهِدَ بِالسَّمَاعِ اثْنَانِ وَفِي الْقَبِيلَةِ مِائَةٌ مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهِمَا لَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ، أَوْ شَهِدَا بِمَوْتِ شَخْصٍ بِبَلَدٍ وَفِيهِ جَمٌّ غَفِيرٌ لَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلَانِ. " غ " قَوْلُهُ إنْ طَالَ الزَّمَانُ بِلَا رِيبَةٍ تَبِعَ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ الْفَاشِي عَنْ الثِّقَاتِ فِي الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ وَالْمَوْتِ لِلضَّرُورَةِ بِشَرْطِ طُولِ الزَّمَانِ وَانْتِفَاءِ الرَّيْبِ. ابْنُ عَرَفَةَ حَمَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، إنَّمَا هُوَ فِي الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَشْرِبَةِ الْقَدِيمَةِ وَالنِّكَاحِ وَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَالْحِيَازَةِ جَمِيعُ ذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهِ طُولُ الزَّمَانِ.
وَأَمَّا الْمَوْتُ فَمُقْتَضَى الرِّوَايَاتِ وَالْأَقْوَالِ أَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ الْقَاصِرَةَ عَنْ شَهَادَةِ الْبَتِّ فِي الْقَطْعِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُ بِالْقَطْعِ وَالْبَتِّ عَادَةً، فَإِنْ أَمْكَنَ عَادَةً الْبَتُّ بِهِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْبَاجِيَّ. أَمَّا الْمَوْتُ فَيُشْهَدُ فِيهِ عَلَى السَّمَاعِ فِيمَا بَعُدَ مِنْ الْبِلَادِ، وَأَمَّا مَا قَرُبَ أَوْ كَانَ بِبَلَدِ الْمَوْتِ فَإِنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ بِالْبَتِّ وَقَدْ شَهِدْت شَيْخَنَا الْقَاضِيَ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ بِتُونُسَ بَعْضُ أَهْلِهَا إثْبَاتَ وَفَاةِ صِهْرٍ لَهُ مَاتَ بِبَرْقَةَ قَافِلًا مِنْ الْحَجِّ، فَأَذِنَ لَهُ فَأَتَاهُ بِوَثِيقَةٍ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ عَلَى سَمَاعٍ بِوَفَاتِهِ عَلَى مَا يَجِبُ كَتْبُهُ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مُدَّةٍ يُتَصَوَّرُ فِيهَا بَتُّ الْعِلْمِ بِوَفَاتِهِ نَحْوَ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ فِي ظَنِّي، فَرَدَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَلَمَّا حَكَى قَوْلَ الْبَاجِيَّ فَيَشْهَدُ عَلَى الْمَوْتِ بِالسَّمَاعِ فِيمَا بَعُدَ مِنْ الْبِلَادِ لَا مَا قَرُبَ قَيَّدَهُ بِأَنْ قَالَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَطُولَ زَمَنُ تَقَدُّمِ الْمَوْتِ كَالْعِشْرِينِ عَامًا، فَإِنَّ هَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا الْبَتُّ قَالَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِيت وَهُوَ صَوَابٌ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْبَتِّ كَمِنْ يَمُوتُ بِبَلَدٍ قَرِيبٍ. الْبُنَانِيُّ نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ فَحَمَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ظَاهِرِ إطْلَاقِهِ، وَتَبِعَهُ فِي ضَيْح،
وَحَلَفَ وَشَهِدَ اثْنَانِ: كَعَزْلٍ، وَجَرْحٍ، وَكُفْرٍ، وَسَفَهٍ؛ وَنِكَاحٍ، وَضِدِّهَا،
ــ
[منح الجليل]
وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ هَارُونَ بِأَنَّ طُولَ الزَّمَنِ لَيْسَ فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ، بَلْ فِي الْأَمْلَاكِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْأَحْبَاسِ وَالْأَنْكِحَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَالْحِيَازَةِ. وَأَمَّا الْمَوْتُ فَيُشْتَرَطُ تَنَائِي الْبُلْدَانِ أَوْ طُولُ الزَّمَانِ وَاعْتَمَدَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ هَارُونَ فِي حَصْرِهِ، وَتَبِعَهُ " غ " وَاخْتَارَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَوْتِ بُعْدَ الْبَلَدِ وَقُرْبَ الزَّمَنِ قَائِلًا إذَا بَعُدَ الزَّمَنُ أَمْكَنَ بَتُّ الشَّهَادَةِ بِفُشُوِّ الْإِخْبَارِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ كَقُرْبِ الْبَلَدِ وَاتِّحَادِهِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَحَلَفَ) الْمَشْهُودُ لَهُ بِالسَّمَاعِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْأَصْلِ الْمَسْمُوعِ عَنْهُ وَاحِدًا، وَهُوَ لَا يُثْبِتُ الْحَقَّ إلَّا مَعَ يَمِينٍ (وَشَهِدَ) بِالسَّمَاعِ (اثْنَانِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ. وَشَبَّهَ فِي الثُّبُوتِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ فَقَالَ (كَعَزْلٍ) لِقَاضٍ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ وَكِيلٍ (وَجَرْحٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ تَجْرِيحِ شَاهِدٍ بِأَنْ يَقُولَا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ فُلَانًا مُجَرَّحٌ أَوْ يَشْرَبُ أَوْ يَزْنِي وَلَا يُعَدُّ هَذَا قَذْفًا (وَكُفْرٍ) أَصْلِيٍّ أَوْ بِارْتِدَادٍ (وَسَفَهٍ) أَيْ عَدَمِ حِفْظِ الْمَالِ وَحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ (وَنِكَاحٍ) فِي التَّوْضِيحِ أَبُو عِمْرَانَ يُشْتَرَطُ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ عَلَى النِّكَاحِ اتِّفَاقُ الزَّوْجَيْنِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ. وَفِي شَرْحِ التُّحْفَةِ لِمَيَّارَةَ شَرْطُ السَّمَاعِ فِي النِّكَاحِ كَوْنُ الْمَرْأَةِ تَحْتَ حِجَابِ الزَّوْجِ فَيَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ زَوْجِيَّتِهَا، أَوْ يَمُوتُ أَحَدُهُمَا فَيَطْلُبُ الْحَيُّ مِيرَاثَهُ مِنْهُ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي عِصْمَةِ أَحَدٍ فَأَثْبَتَ رَجُلٌ بِالسَّمَاعِ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْبِنَاءَ بِهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ إنَّمَا يَنْفَعُ مَعَ الْحِيَازَةِ وَلِاحْتِمَالِ كَوْنِ أَصْلِهِ مِنْ وَاحِدٍ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِّ. اهـ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ رَحَّالٍ فِي حَاشِيَتِهِ ظَاهِرُ النَّقْلِ خِلَافُ مَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ وَابْنُ الْحَاجِّ. اهـ. وَهُوَ فِي عُهْدَتِهِ فَانْظُرْهُ، وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ وَنِكَاحٌ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَضِدِّهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ تَوْلِيَةٍ وَتَعْدِيلٍ وَإِسْلَامٍ وَرُشْدٍ وَطَلَاقٍ. تت بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ أَقِفْ عَلَى الطَّلَاقِ فِي كَلَامِ أَئِمَّتِنَا إلَّا فِي النَّظْمِ الْآتِي إنْ كَانَ الطَّلَاقُ الدَّاخِلُ فِي
وَإِنْ بِخُلْعٍ وَضَرَرِ زَوْجٍ وَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَوِلَادَةٍ وَحِرَابَةٍ وَإِبَاقٍ وَعُدْمٍ وَأَسْرٍ وَعِتْقٍ وَلَوْثٍ
ــ
[منح الجليل]
ضِدِّهَا بِغَيْرِ خُلْعٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (بِخُلْعٍ) أَيْ عِوَضٍ (وَ) كَ (ضَرَرِ زَوْجٍ) أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ بِأَنْ يَشْهَدُوا بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي أَنَّ فُلَانًا ضَرَّ زَوْجَتَهُ أَوْ أَنَّ فُلَانَةَ ضَرَّتْ زَوْجَهَا (وَ) كَ (هِبَةٍ) وَصَدَقَةٍ (وَ) كَ (وَصِيَّةٍ)" غ " فَسَّرَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِالْإِيصَاءِ عَلَى أَيْتَامٍ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي. الْبُنَانِيُّ وَاَلَّذِي فِي " غ " مَا نَصُّهُ أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْقَرَافِيُّ وَالْغِرْنَاطِيُّ لَفْظَةَ الْوَصِيَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ قَصَدُوا مَا فِي الْكَافِي مِنْ الْإِيصَاءِ بِالنَّظَرِ، وَبِهَذَا فَسَّرَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِي لَفْظِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ اهـ. قُلْت قَدْ عَدُّوا الْهِبَةَ مِمَّا يُعْمَلُ فِيهِ بِالسَّمَاعِ فَلَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) كَ (وِلَادَةٍ وَ) كَ (حِرَابَةٍ) أَيْ قَطْعِ طَرِيقٍ (وَ) كَ (إبَاقٍ) تت بَعْضُهُمْ لَمْ أَرَ الْإِبَاقَ إلَّا فِي النَّظْمِ (وَعُدْمٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ فَقْرٍ (وَأَسْرٍ) لِمُسْلِمٍ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ (وَعِتْقٍ وَلَوْثٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَمُثَلَّثَةٍ، أَيْ قَرِينَةِ تُهْمَةٍ بِقَتْلٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِرْثٍ بَدَلَ لَوْثٍ. الْبُنَانِيُّ اجْتَهَدَ النَّاسُ فِي عَدِّ مَوَاطِنِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فَعَدَّهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَزْفِيُّ السَّبْتِيُّ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَنَظَمَهَا وَزَادَ عَلَيْهِ وَلَدُهُ سِتَّةً وَنَظَمَهَا وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ خَمْسَةً فَهَذِهِ ثِنْتَانِ وَثَلَاثُونَ، وَنَظَمَهَا الْعَبْدُوسِيُّ فِي قَصِيدَةٍ وَجِيزَةٍ وَذَكَرَهَا كُلَّهَا. " غ " وَزَادَ مَسَائِلَ أُخَرَ وَنَظَمَهَا فَانْظُرْهُ فَقَدْ أَطَالَ هُنَا، وَرَأَيْت أَنْ أُثْبِتَ هُنَا نَظْمَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْزُوقٍ، فَقَدْ نَظَمَ أَرْبَعِينَ مَوْطِنًا فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ فَقَالَ:
فَعَدْلٌ وَإِسْلَامٌ وَرُشْدُ وِلَايَةٍ
…
وَأَضْدَادُهَا ثُمَّ الْمُقِرُّ وَوَاهِبُ
رَضَاعٌ وَقَسْمُ نِسْبَةٍ ذُو وَصِيَّةٍ
…
وَلَاءٌ وَأَسْرٌ ثُمَّ مَوْتٌ وَنَائِبُ
نِكَاحٌ وَضِدٌّ ثُمَّ خُلْعٌ عَتَاقَةٌ
…
إبَاقٌ وَتَفْلِيسٌ كَذَاك الْمُحَارِبُ
وَبَيْعٌ وَوَقْفٌ طَالَ عَهْدُهُمَا وَفِي
…
جِرَاحٍ وَحَمْلٍ وَالْمُصَدَّقُ رَاغِبُ
وَإِضْرَارُ زَوْجٍ ثُمَّ لَوْثُ قَسَامَةٍ
…
وِلَادَتُهَا ثُمَّ التَّصَرُّفُ غَالِبُ
وَإِنْفَاقُ مَنْ أَوْصَى وَمَنْ هُوَ غَائِبٌ
…
وَتَنْفِيذُ إيصَاءٍ وَعِشْرُونَ عَاقِبُ
وَإِرْثٌ وَإِيسَارٌ فَذِي أَرْبَعُونَ خُذْ
…
فَمَا رُتْبَةٌ إلَّا عَلَتْهَا مَرَاتِبُ
وَالتَّحَمُّلُ إنْ اُفْتُقِرَ إلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ،
ــ
[منح الجليل]
وَتَعَقَّبَ عَلَيْهِ " غ " فِي التَّكْمِيلِ ذَكَرَهُ الْجَرَّاحُ قَائِلًا مِمَّا وَقَفْت فِي الْجِرَاحِ عَلَى شَيْءٍ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا عَدُّهُ الْإِقْرَارَ مِنْهَا فَتَبِعَ فِيهِ الْقَرَافِيُّ فِي فُرُوقِهِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ التَّصَرُّفُ غَالِبُ وَإِنْفَاقُ مَنْ أَوْصَى وَمَنْ هُوَ غَائِبٌ إلَى قَوْلِ الْكَافِي، وَجَائِزٌ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْمَعُ أَنَّ فُلَانًا فِي وِلَايَةِ فُلَانٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَوَلَّى النَّظَرَ لَهُ وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ بِإِيصَاءِ أَبِيهِ إلَيْهِ أَوْ تَقْدِيمِ مَاضٍ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهُ أَبُوهُ بِالْإِيصَاءِ وَلَا الْقَاضِي بِالتَّقَدُّمِ، وَلَكِنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِاسْتِفَاضَةِ السَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، وَيَصِحُّ بِذَلِكَ سَفَهٌ إذَا شَهِدَ مَعَهُ غَيْرُهُ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِ، وَفِيهَا بَيْنَ أَصْحَابِنَا اخْتِلَافٌ. اهـ. فَأَطْلَقَ ابْنُ مَرْزُوقٍ الْمُسَبَّبَ الَّذِي هُوَ التَّصَرُّفُ وَالْإِنْفَاقُ وَأَرَادَ السَّبَبَ الَّذِي هُوَ الْإِيصَاءُ وَالتَّقْدِيمُ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَتَنْفِيذُ إيصَاءٍ إلَى مَا فِي الْمُفِيدِ مِنْ أَنَّ ابْنَ زَرْبٍ أَفْتَى فِي وَصِيٍّ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً عَلَى تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ أُسْنِدَتْ إلَيْهِ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالثِّقَةِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ. قَالَ فِي التَّكْمِيلِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَعِشْرُونَ عَاقِبُ، أَيْ مُتَأَخِّرٌ عَنْ تَنْفِيذِ الْإِيصَاءِ فَلَعَلَّهُ فَهِمَ أَنَّ الثَّلَاثِينَ فِي فَتْوَى ابْنِ زَرْبٍ وَقَعَتْ فِي وَصِيٍّ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةُ السُّؤَالِ، فَاعْتَمَدَ عَلَى صَرِيحِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إعْمَالِ السَّمَاعِ فِي الْعِشْرِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَالتَّحَمُّلُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ مُثَقَّلَةً، أَيْ عَلِمَ الْمَشْهُودُ بِهِ (إنْ اُفْتُقِرَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ اُحْتِيجَ (إلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) عِنْدَ تَعَدُّدِ مَنْ يَقُومُ بِهِ لِأَجْلِ حِفْظِ الْحَقِّ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ إذْ لَوْ تُرِكَ لَضَاعَتْ حُقُوقُ النَّاسِ، وَيَسْقُطُ بِقِيَامِ بَعْضِ النَّاسِ بِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِمَا يَتَعَيَّنُ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ مِنْ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَبِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُمَا. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ عَدَمُ فَرْضِيَّتِهِ إنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ. عب وَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ الِانْتِفَاعُ عَلَى التَّحَمُّلِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ دُونَ الْأَدَاءِ كَمَا يَأْتِي، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا، إذْ قَدْ يَحْسُنُ حَالُهُ حَالَ الْأَدَاءِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. الْبُنَانِيُّ مَفْهُومُ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَنَّهُ إنْ تَعَيَّنَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ
وَتَعَيَّنَ الْأَدَاءُ مِنْ كَبَرِيدَيْنِ وَعَلَى ثَالِثٍ، إنْ لَمْ يُجْتَزْ بِهِمَا
وَإِنْ انْتَفَعَ: فَجُرْحٌ،
ــ
[منح الجليل]
وَفِي جَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَى التَّحَمُّلِ خِلَافٌ، وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عَلَى أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَيْهِ بِالْكُتُبِ بِإِفْرِيقِيَةَ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ انْتَصَبَ لَهَا. ابْنُ الْمُنَاصِفِ فَمَنْ أَخَذَ وَاسْتَغْنَى تَرَكَ الْأَخْذَ، وَعَلَى الْأَخْذِ تَكُونُ الْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً مُسَمَّاةً، وَتَجُوزُ بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَكْتُوبُ لَهُ مُضْطَرًّا لِلْكِتَابِ، إمَّا لِقَصْرِ الْقَاضِي الْكَتْبَ عَلَيْهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمُوجِبِهَا، وَإِمَّا لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَجِبُ عَلَى الْكَاتِبِ أَنْ لَا يَطْلُبَ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ، فَإِنْ فَعَلَ فَهِيَ جُرْحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا شَيْئًا فَفِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَهُوَ عِنْدِي مَحْمَلُ هِبَةِ الثَّوَابِ.
فَإِنْ أَعْطَاهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لَزِمَهُ وَإِلَّا خُيِّرَ فِي قَبُولِ مَا أَعْطَاهُ وَتَمَسُّكِهِ بِمَا كَتَبَهُ لَهُ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلْمَكْتُوبِ لَهُ فَيَكُونَ فَوْتًا وَيُجْبَرَانِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ. (وَتَعَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا (الْأَدَاءُ) لِلشَّهَادَةِ الْمُتَحَمَّلَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَدَاءُ إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَةٍ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ، وَصِلَةُ الْأَدَاءِ (مِنْ) مَسَافَةٍ (كَبَرِيدَيْنِ) ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْأَدَاءُ مِنْ نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَإِنْ كَانُوا أَزْيَدَ مِنْ اثْنَيْنِ فَالْأَدَاءُ عَلَيْهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ إلَّا أَنْ لَا يَكْتَفِيَ الْقَاضِي بِالِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَدَّيَا أَوَّلًا لِمَانِعٍ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا أَوْ شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الثَّالِثِ إلَخْ. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْأَدَاءَ فَرْضُ عَيْنٍ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْقَائِمُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَقَدْ تَعَيَّنَا، فَإِنْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ احْلِفْ مَعَ الْآخَرِ فَهُوَ آثِمٌ لَمْ أَعْرِفْهُ لِأَصْحَابِنَا، بَلْ لِلْغَزَالِيِّ فِي وَجِيزِهِ وَهُوَ جَارٍ عَلَى أُصُولِ مَذْهَبِنَا. (وَ) تَعَيَّنَ الْأَدَاءُ (عَلَى) شَاهِدٍ (ثَالِثٍ إنْ لَمْ يَجْتَزْ) الْقَاضِي (بِهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ عِنْدَهُ لِمَانِعٍ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا.
(وَإِنْ انْتَفَعَ) الشَّاهِدُ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ بِمَالٍ فِي نَظِيرِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَهُ (فَ) انْتِفَاعُهُ (جَرْحٌ) فِي شَهَادَتِهِ مُسْقِطٌ لَهَا. طفى أَطْلَقَ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَبِهِ قَرَّرَ ابْنُ مَرْزُوقٍ، وَالتَّقْيِيدُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
بِالِامْتِنَاعِ إنَّمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ فِي السُّؤَالِ، فَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ قِيلَ لَهُ أَرَأَيْت الشَّاهِدَيْنِ يَأْتِيهِمَا صَاحِبُ الشَّهَادَةِ أَنْ يَشْهَدَا لَهُ فَيَقُولَانِ الْهُبُوطُ إلَى الْحَاضِرَةِ يَشُقُّ عَلَيْنَا إلَّا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْنَا وَتُعْطِيَنَا دَوَابَّ نَهْبِطُ عَلَيْهَا، قَالَ إنْ كَانَ مِثْلَ السَّاحِلِ مِنَّا كَتَبَ الْقَاضِي لِرَجُلٍ يَشْهَدُ عِنْدَهُ لِشَاهِدَانِ فَيَكْتُبُ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا يُعَنِّتُهُمَا بِالْقُدُومِ إلَيْهِ، قِيلَ وَلَا تُرَى هَذِهِ وِلَايَةً لِلْمَشْهُودِ عِنْدَهُ، قَالَ لَا يَسْتَغْنِي الْقَاضِي عَنْ مِثْلِ هَذَا قِيلَ لَهُ كَمْ بُعْدُ السَّاحِلِ مِنْ هُنَا قَالَ سِتُّونَ مِيلًا، قَالَ فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ عَلَى بَرِيدٍ أَوْ بَرِيدَيْنِ وَيَجِدُونَ الدَّوَابَّ وَالنَّفَقَةَ فَلَا يُعْطِيهِمْ رَبُّ الْحَقِّ نَفَقَةً وَلَا دَوَابَّ
فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ عَلَى شَهَادَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا نَفَقَةً وَلَا دَوَابَّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْرِيَ لَهُمْ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِمْ. ابْنُ رُشْدٍ أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْله تَعَالَى {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ جَمِيعًا فِيمَا قَرُبَ دُونَ مَا بَعُدَ خُصِّصَ الْقُرْآنُ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ بِحَيْثُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ وَجَبَ عَلَيْهِ رُكُوبُ دَابَّتِهِ وَأَكْلُ طَعَامِهِ، فَإِنْ أَكَلَ طَعَامَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَرَكِبَ دَابَّتَهُ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَرْشَى عَلَيْهَا بِذَلِكَ، وَخَفَّفَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا وَكَانَ أَمْرًا خَفِيفًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ فَالْقَرِيبُ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ قِسْمَانِ: قَرِيبٌ جِدًّا تَقِلُّ فِيهِ النَّفَقَةُ، وَمُؤْنَةُ الرُّكُوبِ فَهَذَا لَا يَضُرُّ الشَّاهِدَ فِيهِ رُكُوبُ دَابَّةِ الْمَشْهُودِ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَابَّةٌ وَلَا أَكْلُ طَعَامِهِ. وَغَيْرُ قَرِيبٍ جِدًّا تَكْثُرُ فِيهِ النَّفَقَةُ وَمُؤْنَةُ الرُّكُوبِ، فَهَذَا تَبْطُلُ فِيهِ شَهَادَتُهُ إنْ رَكِبَ دَابَّةَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَلَهُ دَابَّةٌ أَوْ أَكَلَ طَعَامَهُ عِنْدَ سَحْنُونٍ. وَقِيلَ لَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغُ يُطْلَبُ لِيَشْهَدَ فِي الْأَرْضِ النَّائِيَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِهَا بِالْحَيَاةِ لَهَا، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ دَابَّةَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَيَأْكُلَ طَعَامَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، إذْ لَيْسَ مَا يَصِيرُ لِلشَّاهِدِ مِنْ هَذَا مَالًا يَتَمَوَّلُهُ.
وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّفَقَةِ وَلَا اكْتِرَاءِ الدَّابَّةِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ رَاجِلًا فَلَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمَشْهُودُ لَهُ أَوْ اكْتَرَى لَهُ دَابَّةً. وَقِيلَ تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ إنْ كَانَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ،
إلَّا رُكُوبَهُ لِعُسْرِ مَشْيِهِ وَعَدَمِ دَابَّتِهِ،
ــ
[منح الجليل]
وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ مِنْ الْبُعْدِ بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي مَنْ يَشْهَدُ عِنْدَهُ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ فَلَا يَضُرُّهُ أَكْلُ طَعَامِ الْمَشْهُودِ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَا رُكُوبُ دَابَّتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَابَّةٌ ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فَانْظُرْ أَبَدًا إذَا أَنْفَقَ الْمَشْهُودُ لَهُ عَلَى الشَّاهِدِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ وَالْمُقَامُ فِيهِ جَازَ، وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُ الشَّاهِدَ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا فِيمَا يَرْكَبُ الشَّاهِدُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ دَابَّةٌ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْكَبَ دَابَّةَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ دَابَّةٌ وَشَقَّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ وَمُوسِرٍ وَمُعْسِرٍ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ حَسْبَمَا ذَكَرْنَا فِي النَّفَقَةِ، وَفِي الرُّكُوبِ إذَا كَانَتْ لَهُ دَابَّةٌ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ قَائِلًا نَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَ ابْنِ كِنَانَةَ مَعْكُوسًا فَقَالَ وَقِيلَ تَبْطُلُ فِي غَيْرِ الْمُبَرِّزِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا ابْنُ هَارُونَ لِذَلِكَ، فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْإِطْلَاقُ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَيْدِ الِامْتِنَاعِ الْوَاقِعِ فِي السُّؤَالِ، إذْ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ فِي شَرْحِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَظَهَرَ لَك أَيْضًا أَنَّهُ عِنْدَ الْجَوَازِ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّفَقَةِ وَالرُّكُوبِ وَأَنَّ الِاكْتِرَاءَ لَهُ حُكْمُ دَابَّةِ الْمَشْهُودِ لَهُ إلَّا أَنَّ تَخْصِيصَ الْمُصَنِّفِ لِلرُّكُوبِ وَعُسْرِ الْمَشْيِ وَإِطْلَاقِهِ فَيَشْمَلُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الصُّورَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَبِهَا صَدَّرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الرُّكُوبِ وَالنَّفَقَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ الِانْتِفَاعِ فَقَالَ (إلَّا رُكُوبَهُ) أَيْ الشَّاهِدِ دَابَّةَ الْمَشْهُودِ لَهُ مَمْلُوكَةً أَوْ مُكْتَرَاةً فَلَيْسَ جُرْحَةً إذَا كَانَ (لِعُسْرِ مَشْيِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ لِمَوْضِعِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ (وَعَدَمِ دَابَّتِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ تت.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إضَافَةُ الدَّابَّةِ لِضَمِيرِ الشَّاهِدِ مُخْرِجٌ لِدَابَّةٍ قَرِيبَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِعَارَتُهَا. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ انْتِفَاعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْأَدَاءِ جَرْحٌ، وَلَوْ كَانَ اشْتِغَالُهُ بِأَدَائِهَا يَمْنَعُهُ مِنْ اشْتِغَالِهِ بِاكْتِسَابِ مَا تَقُومُ بِهِ بَيِّنَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلِابْنِ الْمُنَاصِفِ عَنْ
لَا كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ. وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِدَابَّةٍ؛ وَنَفَقَةٍ؛
وَحُلِّفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ، وَعِتْقٍ، لَا نِكَاحٍ. فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ، وَإِنْ طَالَ دُيِّنَ.
ــ
[منح الجليل]
بَعْضِ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ عَلَى الْأَدَاءِ وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ اشْتِغَالُهُ بِهِ يَمْنَعُهُ مِنْ اكْتِسَابِ قُوتِهِ.
الثَّالِثُ: ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى الْأَسْمَاعِ أَوْ السَّمَاعُ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ وَالتَّفْصِيلُ. (وَلَا) يَلْزَمُ الشَّاهِدَ الْأَدَاءُ مِنْ (كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ) سَحْنُونٌ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ قَاضِي نَاحِيَتِهِ وَيَكْتُبُ بِهَا إلَى قَاضِي النَّاحِيَةِ الَّذِي عَلَى يَدَيْهِ النَّازِلَةُ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ رَجُلٍ يَكْتُبُهَا الْقَاضِي وَلَمْ يَخُصَّ الْقَاضِيَ. وَفِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ وَ " ق " عَنْ سَحْنُونٍ يَشْهَدُونَ عِنْدَ مَنْ يَأْمُرُهُمْ الْقَاضِي بِالشَّهَادَةِ عِنْدَهُ مِنْ بَلَدِهِمْ. (وَلَهُ) أَيْ الشَّاهِدِ الَّذِي طَلَبَ مِنْهُ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ مِنْ كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ (أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ) أَيْ الْمَشْهُودُ لَهُ (بِدَابَّةٍ) يَرْكَبُهَا فِي ذَهَابِهِ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَرُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ (وَنَفَقَةٍ) تت ذَهَابًا وَمَقَامًا وَإِيَابًا.
وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ بِمُجَرَّدِهَا مِنْ قَوْلِهِ سَابِقًا وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا فَقَالَ (وَ) إنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ أَوْ عِتْقِ رَقِيقِهِ أَوْ نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَأَنْكَرَهُ وَأُقِيمُ عَلَيْهِ شَاهِدٌ بِذَلِكَ (حُلِّفَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِ) سَبَبِ شَهَادَةِ (شَاهِدٍ) عَلَيْهِ (فِي طَلَاقٍ) لِزَوْجَتِهِ (وَعِتْقٍ) لِرِقِّهِ (لَا) يَحْلِفُ بِشَاهِدٍ عَلَيْهِ بِ (نِكَاحٍ) عَلَى الْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ الشُّهْرَةُ بَيْنَ الْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ، فَالْعَجْزُ عَنْ إقَامَةِ شَاهِدٍ ثَانٍ عَلَيْهِ يُضَعِّفُ الشَّاهِدَ وَيُصَيِّرُهُ كَالْعَدَمِ.
(فَإِنْ) حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِرَدِّ شَاهِدِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ سَقَطَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ وَخُلِّيَ سَبِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ (نَكَلَ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (حُبِسَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ لِيَحْلِفَ فِيهِمَا، فَإِنْ حَلَفَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ (وَإِنْ طَالَ) زَمَنُ حَبْسِهِ وَلَمْ يَحْلِفْ (دُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، أَيْ وُكِّلَ لِدَيْنِهِ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه "، وَبِهِ الْقَضَاءُ وَلَهُ تَحْدِيدُ الطُّولِ بِسَنَةٍ،
وَحَلَفَ عَبْدٌ وَسَفِيهٌ مَعَ شَاهِدٍ، لَا صَبِيٌّ وَأَبُوهُ، وَإِنْ أَنْفَقَ وَحَلَفَ مَطْلُوبٌ لِيُتْرَكَ بِيَدِهِ،
ــ
[منح الجليل]
وَلَهُ أَيْضًا حَبْسُهُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ.
(وَحَلَفَ عَبْدٌ) قِنٌّ أَوْ ذُو شَائِبَةٍ حُرِّيَّةٍ مُدَّعٍ بِمَالٍ عَلَى مُنْكِرٍ وَشَهِدَ لَهُ عَدْلٌ بِهِ وَثَبَتَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ وَلَا كَلَامَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ حَلَفَ سَيِّدُهُ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّ الْمَالَ. (وَ) حَلَفَ شَخْصٌ (سَفِيهٌ) أَيْ بَالِغٌ عَاقِلٌ لَا يَحْفَظُ الْمَالَ وَلَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِيهِ مُدَّعٍ بِمَالٍ عَلَى مُنْكِرٍ وَشَهِدَ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ (مَعَ شَاهِدٍ) لَهُ بِهِ وَثَبَتَ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ وَيَبْرَأُ وَابْنُ رُشْدٍ فَلَيْسَ لَهُ الْحَلِفُ بَعْدَ رُشْدٍ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَهُ الْحَلِفُ بَعْدَ رُشْدِهِ (لَا) يَحْلِفُ (صَبِيٌّ) عَامِلٌ بَالِغًا بِمَالٍ وَأَنْكَرَهُ وَشَهِدَ لَهُ بِهِ عَلَيْهِ شَاهِدٌ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ (وَ) لَا يَحْلِفُ (أَبُوهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَلَّ الْمُعَامَلَةَ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ شَخْصٌ لِيَسْتَحِقَّ غَيْرَهُ إنْ لَمْ يُنْفِقْ لِوُجُودِ مَالِهِ، بَلْ (وَإِنْ أَنْفَقَ) الْأَبُ عَلَى الصَّبِيِّ لِفَقْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَيَّدَ الْخِلَافَ بِمَا إذَا لَمْ يَلِ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ الْمُعَامَلَةَ، فَإِنْ وَلِيَهَا أَحَدُهُمَا وَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ. (وَ) إذَا لَمْ يَحْلِفْ الصَّبِيُّ وَلَا أَبُوهُ (حَلَفَ) شَخْصٌ (مَطْلُوبٌ) لِلصَّبِيِّ عَلَى بُطْلَانِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ الصَّبِيُّ (لِيُتْرَكَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُدَّعَى بِهِ (بِيَدِهِ) أَيْ الْمَطْلُوبِ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ، فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ سُلِّمَ الْمَالُ لِلصَّبِيِّ لِثُبُوتِهِ لَهُ بِالشَّاهِدِ وَنُكُولِ الْمَطْلُوبِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مُعَيَّنًا كَدَارٍ أَوْ غَيْرِهِ كَالْعَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَطْلُوبُ مَأْمُونًا أَوْ يُخْشَى فَقْرُهُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
الْبُنَانِيُّ الَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ فَإِذَا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ فَفِي وَقْفِ الْمُعَيَّنِ قَوْلَانِ، فَنَسَبَ فِي ضَيْح الْأَوَّلَ لِظَاهِرِ الْمَوَّازِيَّةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَالثَّانِي لِلْأَخَوَيْنِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ، وَبَنَى الْمَازِرِيُّ الْخِلَافَ عَلَى الْخِلَافِ فِي إسْنَادِ الْحَقِّ إلَى الشَّاهِدِ فَقَطْ وَالْيَمِينُ كَالْعَاضِدِ، فَيَحْسُنُ الْإِيقَافُ أَوْ إلَيْهِمَا مَعًا فَيَضْعُفُ الْإِيقَافُ، وَذَكَرَ فِي الْبَيَانِ الْخِلَافَ فِي وَقْفِ الدَّيْنِ
وَأُسْجِلَ لِيَحْلِفَ، إذَا بَلَغَ كَوَارِثِهِ قَبْلَهُ،
ــ
[منح الجليل]
ثُمَّ قَالَ وَوَقْفُهُ صَحِيحٌ فِي الْقِيَاسِ، إذْ لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ شَيْئًا مُعَيَّنًا لَوَجَبَ تَوْقِيفُهُ أَوْ بَيْعُهُ وَتَوْقِيفُ ثَمَنِهِ إنْ خَشِيَ عَلَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي لِابْنِ الْقَاسِمِ. اهـ. فَظَاهِرُهُ أَنَّ وَقْفَ الْمُعَيَّنِ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إذَا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَتُرِكَ الْمَالُ بِيَدِهِ (أُسْجِلَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ، أَيْ كُتِبَ مَا وَقَعَ فِي سِجِلِّ الْقَاضِي (لِيَحْلِفَ) الصَّبِيُّ يَمِينًا يُكَمِّلُ النِّصَابَ (إذَا بَلَغَ) الصَّبِيُّ وَيَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ لِحَلِفِهِ أَوَّلًا كَمَا يَأْتِي. وَشَبَّهَ فِي الْحَلِفِ فَقَالَ (كَوَارِثِهِ) أَيْ الصَّبِيِّ إنْ مَاتَ (قَبْلَهُ) أَيْ الْبُلُوغِ فَيَحْلِفُ الْوَارِثُ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ لِانْتِقَالِهِ لَهُ بِمَوْتِ الصَّبِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَلِفُ وَارِثِ الصَّبِيِّ وَلَوْ كَانَ حَلَفَ أَوَّلًا مَعَ الشَّاهِدِ وَأَخَذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ. الْبُنَانِيُّ اعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ ابْنِ يُونُسَ لَوْ حَلَفَ الْكَبِيرُ أَوَّلًا وَأَخَذَ مِقْدَارَ حَقِّهِ ثُمَّ وَرِثَ الصَّغِيرُ فَلَا يَأْخُذُ نَصِيبَهُ إلَّا بِيَمِينٍ ثَانِيَةٍ، وَسَلَّمَهُ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَانْظُرْ كَيْفَ سَلَّمُوهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْيَمِينِ فِي مِثْلِ هَذَا، إذْ سَأَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ عَنْ وَرَثَةٍ كِبَارٍ وَابْنَةٍ صَغِيرَةٍ فَأَثْبَتُوا لَهُ مِلْكًا بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَحَلَفَ الْكِبَارُ مَعَهُ وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ لِنَصِيبِ الْبِنْتِ ثُمَّ مَاتَتْ قَبْلَ بُلُوغِهَا وَوَرِثَتْهَا أُمُّهَا فَلَا تَحْلِفُ ثَانِيَةً لِحَظِّهَا مِنْ بِنْتِهَا، فَأَجَابَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا نَصُّهُ يَمِينُ الْمَرْأَةِ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ حَقٌّ لِيَسْتَحِقَّ بِهَا حَظَّهَا مِمَّا أَحَقَّتْهُ لِزَوْجِهَا مَعَ الشَّاهِدِ تُجْزِيهَا فِيمَا صَارَ إلَيْهَا مِنْ بِنْتِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ حَلَفَتْ عَلَى ذَلِكَ، إذْ حَلَفَتْ عَلَى الْجَمِيعِ حِينَ لَمْ يَصِحَّ لَهَا أَنْ تُبَعِّضَ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ فَتَحْلِفَ عَلَى أَنَّهُ شَهِدَ بِحَقٍّ فِي مِقْدَارِ حِصَّتِهَا، فَتَكُونَ قَدْ أَكْذَبَتْهُ فِي شَهَادَتِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُسْمَعُ عِنْدِي فِيهِ اخْتِلَافٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَسْتَحِقَّ بِيَمِينِهَا أَوَّلًا إلَّا قَدْرَ حَظِّهَا، فَقَدْ حَلَفَتْ عَلَى الْجَمِيعِ، فَإِذَا رَجَعَ الْحَقُّ إلَيْهَا فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ بِيَمِينِهَا مِمَّا حَلَفَتْ عَلَيْهِ اكْتَفَتْ بِالْيَمِينِ الْأُولَى، هَذَا الَّذِي يَأْتِي عَلَى مِنْهَاجِ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَدْ نَقَلَ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ
إلَّا أَنْ يَكُونَ نَكَلَ أَوَّلًا، فَفِي حَلِفِهِ: قَوْلَانِ.
وَإِنْ نَكَلَ اكْتَفَى بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ الْأُولَى.
ــ
[منح الجليل]
بِتَمَامِهَا
وَقَالَ فَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ ابْنَ يُونُسَ قَطَعَ بِتَكْرِيرِ الْيَمِينِ، وَقَطَعَ ابْنُ رُشْدٍ بِعَدَمِ تَكْرِيرِهَا وَاللَّائِقُ بِتَحْصِيلِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنْ لَا يُغْفَلَ فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِمُخَالَفَتِهَا مَا نُقِلَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَإِنْ مَاتَ شَخْصٌ عَنْ ابْنَيْنِ بَالِغٍ وَصَبِيٍّ وَشَهِدَ لَهُ عَدْلٌ بِمَالٍ عِنْدَ مُنْكِرِهِ وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ لِبَقَاءِ نَصِيبِ الصَّبِيِّ مِنْهُ بِيَدِهِ أَوْ إيقَافِهِ بِيَدِ عَدْلٍ وَمَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَوَرِثَ نَصِيبَهُ أَخُوهُ الْبَالِغُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى حَقِّيَّةَ مَا شَهِدَ الْعَدْلُ بِهِ وَيَأْخُذُ نَصِيبَ الصَّبِيِّ مِمَّنْ هُوَ بِيَدِهِ فِي كُلِّ حَالٍ. (لَا أَنْ يَكُونَ) الْبَالِغُ (نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ عَلَى حَقِّيَّةَ مَا شَهِدَ بِهِ الْعَدْلُ لِأَبِيهِمَا (أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ مُنَوَّنًا أَيْ حِينَ إقَامَةِ الدَّعْوَى وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ لَهُمَا (فَفِي حَلِفِهِ) أَيْ الْبَالِغِ بَعْدَ مَوْتِ الصَّبِيِّ وَأَخْذِ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ لَهُ مَا يُقَوِّي ظَنَّهُ بِحَقِّيَّةِ مَا شَهِدَ الْعَدْلُ بِهِ. ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَوَّلًا وَأَخَذَ حِصَّتَهُ ثُمَّ وَرِثَ الصَّغِيرُ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ حِصَّتَهُ إلَّا بِيَمِينٍ ثَانِيَةٍ وَعَدَمُ حَلِفِهِ لِنُكُولِهِ أَوَّلًا قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ (قَوْلَانِ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا. الْمَازِرِيُّ وَلَا نَصَّ فِيهَا لِلْمُتَقَدِّمِينَ، وَلِذَا عِيبَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ كَانَ وَارِثُ الصَّغِيرِ مَعَهُ أَوَّلًا وَكَانَ قَدْ نَكَلَ لَا يَحْلِفُ عَلَى الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَنْهَا.
(وَإِنْ نَكَلَ) الصَّبِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى حَقِّيَّةِ مَا شَهِدَ الشَّاهِدُ بِهِ أَوْ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ صَبِيًّا وَكَانَ الْمَطْلُوبُ حَلَفَ أَوَّلًا (اُكْتُفِيَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ اُجْتُزِئَ (بِيَمِينِ) الشَّخْصِ (الْمَطْلُوبِ الْأُولَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، أَيْ الَّتِي حَلَفَهَا حِينَ إقَامَةِ الدَّعْوَى وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ " غ " لَا إشْكَالَ أَنَّ فَاعِلَ نَكَلَ ضَمِيرُ الصَّبِيِّ أَوْ وَارِثِهِ، وَأَمَّا نُكُولُ الْمَطْلُوبِ فَقَدْ أَغْفَلَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إذْ قَالَ فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ فَفِي أَخْذِهِ مِنْهُ تَمْلِيكًا أَوْ وَقْفًا قَوْلَانِ.
(وَإِنْ) ادَّعَى شَخْصٌ بِمَالٍ عَلَى مُنْكِرِهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَامْتَنَعَ مِنْ الْحَلِفِ مَعَهُ وَرَدَّ
وَإِنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ أَتَى بِآخَرَ فَلَا ضَمَّ، وَفِي حَلِفِهِ مَعَهُ وَتَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ قَوْلَانِ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ يَمِينُ بَعْضٍ: كَشَاهِدٍ بِوَقْفٍ عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِمْ، أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ: حَلَفَ، وَإِلَّا فَحُبِسَ.
ــ
[منح الجليل]
الْيَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَ (حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ أَتَى) الطَّالِبُ (بِ) شَاهِدٍ (آخَرَ) يَشْهَدُ لَهُ كَالْأَوَّلِ (فَلَا ضَمَّ) أَيْ لَا تُضَمُّ شَهَادَةُ الثَّانِي لِشَهَادَةِ الْأَوَّلِ لِبُطْلَانِهَا بِنُكُولِ الطَّالِبِ، وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ (وَفِي حَلِفِهِ) أَيْ الطَّالِبِ (مَعَهُ) أَيْ الشَّاهِدِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَوَّلِ صَارَتْ كَالْعَدَمِ بِنُكُولِهِ وَحَلِفُ الْمَطْلُوبِ وَعَدَمُ حَلِفِهِ مَعَهُ لِتَرْكِهِ حَقَّهُ بِنُكُولِهِ مَعَ الْأَوَّلِ، وَهَذَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ كِنَانَةَ قَوْلَانِ (وَ) عَلَى الْقَوْلِ بِحَلِفِهِ مَعَهُ فَفِي (تَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ) لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الثَّانِي (إنْ لَمْ يَحْلِفْ) الطَّالِبُ مَعَهُ بِأَنْ نَكَلَ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنْ يَمِينِهِ إلَّا رَدَّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ أَخَذَ الطَّالِبُ حَقَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَدَمُ تَحْلِيفِهِ ثَانِيًا وَسُقُوطُ الْحَقِّ عَنْهُ اكْتِفَاءً بِحَقِّهِ أَوَّلًا قَالَهُ ابْنُ مُيَسِّرٍ (قَوْلَانِ) حُذِفَ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ هَذَا عَلَيْهِ.
(فَإِنْ) شَهِدَ عَدْلٌ بِحَقٍّ لِأَشْخَاصٍ (وَتَعَذَّرَ يَمِينُ بَعْضٍ) مِنْهُمْ أَوْ الْجَمِيعِ فَالْأَوَّلُ (كَشَاهِدٍ بِوَقْفٍ) لِدَارٍ مَثَلًا (عَلَى بَنِيهِ) أَيْ الْوَاقِفِ (وَ) عَلَى (عَقِبِهِمْ) فَالْيَمِينُ مُمْكِنَةٌ مِنْ بَعْضِ الشُّهُودِ لَهُمْ وَهُمْ الْبَنُونَ الْمَوْجُودُونَ وَقْتَ الشَّهَادَةِ وَمُتَعَذِّرَةٌ فِي الْحَالِ مِنْ الْعَقِبِ. وَالثَّانِي أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ) شَاهِدٍ بِوَقْفٍ (عَلَى الْفُقَرَاءِ) فَالْيَمِينُ مُتَعَذِّرٌ مِنْ جَمِيعِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ وَهُمْ الْفُقَرَاءُ، وَأَشَارَ لِحُكْمِ الْقِسْمَيْنِ بِقَوْلِهِ (حَلَفَ) الْمَطْلُوبُ بِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَبَقِيَ الْمُدَّعَى مِلْكًا لَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ بِأَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ (فَ) الْمَشْهُودُ بِهِ (حَبْسٌ) عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِمْ أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَنُكُولِ الْمَطْلُوبِ. " غ " أَمَّا الْبَنُونَ وَعَقِبُهُمْ فَإِنَّمَا تَعَذَّرَتْ الْيَمِينُ مِنْ بَعْضِهِمْ كَمَا قَالَ، وَأَمَّا الْفُقَرَاءُ وَنَحْوُهُمْ فَالْيَمِينُ فِي حَقِّهِمْ مُمْتَنِعَةٌ غَيْرُ مَرْجُوَّةِ الْإِمْكَانِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْجَوَاهِرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَوْعِ تَجَوُّزٍ، وَفَاعِلُ حَلَفَ ضَمِيرُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، أَيْ حَلَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لِتَعَذُّرِ الْيَمِينِ مِنْ بَعْضِ الْمَشْهُودِ لَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
أَوْ كُلِّهِ، فَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ الْحَبْسُ فِي الْفَرْعَيْنِ، هَذَا أَقْرَبُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ لَفْظُهُ، وَمَنْ قَالَ حَلَفَ الْمُسْتَحِقُّ فِي الْأَوَّلِ وَالْمَطْلُوبُ فِي الثَّانِي فَيَحْتَاجُ إلَى وَحْيٍ يُسْفِرُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَتَّضِحُ مُرَادُهُ هُنَا بِالْوُقُوفِ عَلَى مَا سَلَخَ فِي تَوْضِيحِهِ مِمَّا فِي الْجَوَاهِرِ مِمَّا أَصْلُهُ لِلْمَازِرِيِّ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: لِمَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ وَهْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ إذَا حَلَفَ وَاحِدٌ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مَعَ الشَّاهِدِ ثَبَتَ الْحَبْسُ لِلْجَمِيعِ. الثَّانِي: لِمَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ إذَا حَلَفَ جُلُّهُمْ ثَبَتَ الْجَمِيعُ. الثَّالِثُ: قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا امْتِنَاعُ الْيَمِينِ مَعَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ كَمَا إذَا شَهِدَ الْوَاحِدُ عَلَى وَقْفِ الْفُقَرَاءِ وَالْحُكْمُ فِي وَقْفِ الْفَقْرِ عَلَى مَا نَصَّ أَنْ يَحْلِفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَ الْحَبْسُ. الرَّابِعُ: لِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَرَجَّحَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ ثَبَتَ نَصِيبُهُ وَمَنْ لَا فَلَا، كَشَاهِدٍ شَهِدَ الْحَاضِرُ وَغَائِبٍ أَوْ حُمِّلَ اهـ. فَأَنْتَ تَرَاهُ سَوَّى فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ بَيْنَ هَذَا الْفَرْعِ الْأَوَّلِ وَالْفَرْعِ الثَّانِي الْمُتَّفَقِ عَلَى نَفْيِ الْيَمِينِ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُمْ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ حَتَّى سَاوَى بَيْنَهُمَا أَيْضًا فِي رُجُوعِ الْيَمِينِ لِجِهَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَ الْحَبْسُ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ اللَّخْمِيِّ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي، فَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ، وَحَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا خَبْطُ عَشْوَاءٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) الَّذِي فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ شَهَادَةَ وَاحِدٍ بِحَبْسٍ فِي السَّبِيلِ أَوْ وَصِيَّةٍ فِيهِ أَوْ لِلْيَتَامَى أَوْ مَنْ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ سَاقِطَةٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ الْحَلِفُ مَعَهُ وَلِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ، وَلَمَّا عَلَّلَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ الْحَقَّ لِمَجْمُوعٍ يَتَعَذَّرُ حُصُولُهُ وَالْوَاحِدُ مِنْهُ لَا يَتَقَرَّرُ حَقُّهُ فِيهِ إلَّا بِإِحْصَاءِ الْمَجْمُوعِ، قَالَ وَيَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى إبْطَالِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ كَالشَّاهِدِ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ عَدَمُ حَلِفِهِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ طَالِبِهِ، وَنَقَلَ
فَإِنْ مَاتَ فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِينَ أَوْ الْبَطْنِ الثَّانِي: تَرَدُّدٌ،
ــ
[منح الجليل]
اللَّخْمِيُّ حَلِفَهُ كَالْمَازِرِيِّ قَائِلًا إنْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ طفى وَبِهَذَا تُعْلَمُ مُعَارَضَةُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا لِمَا ذَكَرَهُ آخِرَ الْهِبَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَمِثْلُهَا الْحَبْسُ لَا يُقْضَى بِهِ، إذْ تَوَجُّهُ الْيَمِينِ فَرْعُ الْقَضَاءِ وَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ وَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَوْلُ عج وَمَنْ تَبِعَهُ كَلَامُهُ هُنَا فِي بَيَانِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْوَقْفُ لَا فِي الْقَضَاءِ بِهِ فَلَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. الْبُنَانِيُّ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلثُّبُوتِ إلَّا الْقَضَاءُ. قُلْت قَدْ يُقَالُ فِي دَفْعِهَا مَا تَقَدَّمَ مَحَلُّهُ فِي الدَّعْوَى عَلَى الْمَالِكِ لِشَيْءٍ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ حَبَسَهُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ، وَمَا هُنَا فِي شَيْءِ حَائِزٍ يَدَّعِي مِلْكَهُ فَيُسْتَحَقُّ مِنْ يَدِهِ بِإِثْبَاتِ وَقْفِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيُقْضَى بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إنْ شَهِدَ الْعَدْلُ بِوَقْفٍ عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِمْ فَحَلَفَ بَعْضُ الْبَنِينَ وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ اسْتَحَقَّ الْحَالِفُ نَصِيبَهُ (فَإِنْ مَاتَ) الْحَالِفُ وَبَقِيَ إخْوَتُهُ النَّاكِلُونَ (فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقِّهِ) أَيْ نَصِيبِ الْحَالِفِ الَّذِي حَلَفَ الْحَالِفُ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ مَنْ نَكَلَ (مِنْ بَقِيَّةِ) الْبَطْنِ (الْأَوَّلِينَ) دُونَ أَهْلِ الْبَطْنِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ نُكُولَهُمْ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى نَصِيبِهِمْ لَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ نَصِيبِ الْحَالِفِ الَّذِي مَاتَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَأْخِيرِ الصَّغِيرِ إذَا نَكَلَ أَخُوهُ الْكَبِيرُ ثُمَّ مَاتَ الصَّغِيرُ (أَوْ) يَسْتَحِقُّهُ (الْبَطْنُ الثَّانِي) لِبُطْلَانِ حَقِّ بَقِيَّةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ بِنُكُولِهِمْ، وَالْبَطْنُ الثَّانِي إنَّمَا تَلَقَّوْهُ عَنْ جَدِّهِمْ الْمُحْبِسِ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ لَوْ حَلَفَ وَاحِدٌ فَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ وَنَكَلَ الْآخَرُ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ ثُمَّ مَاتَ الْحَالِفُ وَحْدَهُ وَبَقِيَ إخْوَتُهُ النَّاكِلُونَ فَقِيلَ نُكُولُهُمْ كَمَوْتِهِمْ، فَيَصِيرُ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ قَدْ مَاتُوا أَحَدُهُمْ حَقِيقَةً وَسَائِرُهُمْ حُكْمًا بِنُكُولِهِمْ، فَيَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِلْبَطْنِ الثَّانِي، وَهَذَا عِنْدِي يَجْرِي عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا، وَهُوَ أَنَّ نُكُولَ مَنْ نَكَلَ لَا يُبْطِلُ حَقَّ مِنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي، وَأَمَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ
وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى حَاكِمٍ قَالَ: ثَبَتَ عِنْدِي، إلَّا بِإِشْهَادٍ مِنْهُ.
ــ
[منح الجليل]
الْبَطْنِ الثَّانِي فَلَا يَرْجِعُ حَظُّ النَّاكِلِ إلَى أَهْلِ الْبَطْنِ الثَّانِي وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُحْبِسَ إنْ اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَأْخُذَ الْبَطْنُ الثَّانِي شَيْئًا إلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَمَوْتِ جَمِيعِهِمْ فَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي شَيْئًا مَا دَامَ أَحَدٌ مِنْ النَّاكِلِينَ حَيًّا، وَنَقَلَ ابْنُ شَاسٍ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ. (وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يَشْهَدْ) شَاهِدٌ عَلَى حُكْمِ (حَاكِمٍ قَالَ) الْحَاكِمُ (ثَبَتَ عِنْدِي) لِزَيْدٍ مَثَلًا كَذَا، أَوْ حَكَمْت لَهُ بِهِ إلَّا بِإِشْهَادٍ مِنْ الْحَاكِمِ لِلشَّاهِدِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ اشْهَدْ عَلَيَّ بِهِ، نَقَلَ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ الْمُفِيدِ عَنْ مُطَرِّفٍ. الْمَازِرِيُّ مِنْ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ مَنْعُ الْقَاضِي مِنْ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ خَوْفَ كَوْنِهِ غَيْرَ عَدْلٍ، فَيَقُولُ عَلِمْت فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْبَيِّنَةَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَابْنُ الْجَلَّابِ، وَرَأَى الْمَازِرِيُّ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا لَيْسَ حُكْمًا مِنْهُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ وَأَلَّفَ فِيهِ جُزْءًا، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَعَارَضَهُ بِمَا لَهُ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ، فَقِفْ عَلَى الْفَرْعَيْنِ فِي أَقْضِيَتِهِ قَالَهُ " غ ".
طفى ظَاهِرُهُ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْجَلَّابِ وَابْنِ الْقَصَّارِ فِي فَرْضِ الْمُصَنِّفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي النَّقْلِ عَنْ الْقَاضِي فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ وَلَوْ سَمَّى الْبَيِّنَةَ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّوَقُّفِ فِيهِ، إذْ أَصْلُ النَّقْلِ كَذَلِكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِشْهَادِ، وَلَا يُغْنِي عَنْهُ تَسْمِيَةُ الْبَيِّنَةِ، وَلِذَا أَطْلَقَ مُطَرِّفٌ هَذَا الْفَرْعَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَكَلَامُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَابْنِ الْجَلَّابِ فِي قَوْلِ الْقَاضِي نَفْسِهِ ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا لَا بُدَّ فِي قَبُولِهِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْبَيِّنَةِ، وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَبِنَقْلِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ يَتَّضِحُ لَك الْمُرَادُ. ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ إنْ حَكَمَ عَلَى الْخَصْمِ بِإِقْرَارِهِ الْمُسْتَمِرِّ حَتَّى حَكَم عَلَيْهِ ثُمَّ أَنْكَرَ بَعْدَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ وَقَالَ مَا كُنْت أَقْرَرْت بِشَيْءٍ فَلَا يُنْظَرُ إلَى إنْكَارِهِ هَذَا مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ إنْ ذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَيْءٍ وَأَنْكَرَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهُوَ أَشْبَهُ فِي قُضَاةِ الْيَوْمِ لِضَعْفِ عَدَالَتِهِمْ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ
كَاشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أَوْ رَآهُ يُؤَدِّيهَا، إنْ غَابَ الْأَصْلُ،
ــ
[منح الجليل]
إذَا جَاءَ كِتَابٌ مِنْ قَاضٍ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى طَابَعِ الْقَاضِي وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَزَادَ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ أَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ خَتْمِهِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا يَجُوزُ كِتَابُ قَاضٍ إلَى قَاضٍ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ أَشْهَدَهُمَا بِمَا فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَاتَمُهُ. ابْنُ فَرْحُونٍ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ عَالِمًا بِعَدَالَةِ شَاهِدَيْ الْكِتَابِ وَلَا يَكْفِي تَعْدِيلُهُمَا فِيهِ. وَشَبَّهَ فِي الِاشْتِرَاطِ فَقَالَ (كَ) قَوْلِ الشَّاهِدِ الْأَصْلِيِّ لِلشَّاهِدِ الَّذِي يَنْقُلُ عَنْهُ شَهَادَتَهُ (اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي) ابْنُ عَرَفَةَ النَّقْلُ عُرْفًا إخْبَارُ الشَّاهِدِ عَنْ سَمَاعِهِ شَهَادَةَ غَيْرِهِ أَوْ سَمَاعِهِ إيَّاهُ لِقَاضٍ، فَيَدْخُلُ نَقْلُ النَّقْلِ، وَيَخْرُجُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ لِغَيْرِ قَاضٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ سَمِعْته يَقُولُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مِائَةُ دِينَارٍ وَلَمْ يُشْهِدْك فَاشْهَدْ بِمَا سَمِعْت إنْ كُنْت سَمِعْته يُؤَدِّيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِلْحُكْمِ بِهَا وَإِلَّا فَلَا حَتَّى يُشْهِدَك، إذْ لَعَلَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّك تَنْقُلُهَا عَنْهُ لَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يَنْقُضُهَا. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْوَلَاءِ وَكُلِّ شَيْءٍ. ابْنُ عَرَفَةَ وَالنَّقْلُ عَنْ الْأَصْلِ شَيْءٌ، فَظَاهِرُ عُمُومِ الرِّوَايَاتِ وَإِطْلَاقُهَا صِحَّةُ نَقْلِ النَّقْلِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِيهِ، فَإِنْ قَالَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ لِلنَّاقِلِ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَوْ اُنْقُلْهَا عَنِّي صَحَّ نَقْلُهُ اتِّفَاقًا. الْبَاجِيَّ مَنْ سَمِعَ شَاهِدًا قَبَضَ شَهَادَتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ نَقْلُهَا عَنْهُ حَتَّى يُشْهِدَهُ عَلَيْهَا. ابْنُ الْحَاجِبِ شَرْطُهَا أَنْ يَقُولَ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْ شَرْطُ قَبُولِهَا أَوْ تَحَمُّلِهَا اهـ (أَوْ رَآهُ) أَيْ الشَّاهِدُ النَّاقِلُ الشَّاهِدَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ (يُؤَدِّيهَا) أَيْ الْمَنْقُولُ عَنْهُ الشَّهَادَةَ عِنْدَ حَاكِمٍ لِلْحُكْمِ بِهَا فَيَجُوزُ لَهُ نَقْلُهَا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَجُوزُ لَهُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي. ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ. وَيَصِحُّ نَقْلُ الشَّهَادَةِ (إنْ غَابَ الْأَصْلُ) أَيْ الْمَنْقُولُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ حَاضِرًا قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا يَصِحُّ النَّقْلُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا رِيبَةٌ لَوْ حَضَرَتْ تَثْبُتُ فِيهِ وَلِأَنَّ خَوْفَ
وَهُوَ رَجُلٌ بِمَكَانٍ، لَا يَلْزَمُ الْأَدَاءُ مِنْهُ، وَلَا يَكْفِي فِي الْحُدُودِ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامِ أَوْ مَاتَ أَوْ مَرِضَ
ــ
[منح الجليل]
سَهْوِ أَوْ غَلَطِ أَوْ كَذِبِ الْأَصْلِ أَخَفُّ مِنْ خَوْفِهِ مِنْ النَّاقِلِ (وَ) الْحَالُ (هُوَ) أَيْ الْمَنْقُولُ عَنْهُ (رَجُلٌ) فَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ امْرَأَةً فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ النَّقْلِ عَنْهَا غَيْبَتُهَا. ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ يَنْقُلُ عَنْ النِّسَاءِ وَإِنْ حَضَرْنَ وَهُوَ الشَّأْنُ، رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ لَمْ أَرَ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةً قَطُّ أَدَّتْ الشَّهَادَةَ بِنَفْسِهَا، وَلَكِنْ تُحْمَلُ عَنْهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّقْلِ عَنْهَا غَيْبَتُهَا. الْبَاجِيَّ لِمَا أُمِرَ النِّسَاءُ بِهِ مِنْ السَّتْرِ وَالْبُعْدِ عَنْ الرِّجَالِ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا يَلْزَمُ الْمُخَدَّرَةَ حُضُورُ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لِلْمُحَاكَمَةِ وَهِيَ الَّتِي تَبْتَذِلُ بِكَثْرَةِ التَّصَرُّفِ وَلَا تَخْرُجُ إلَّا لِزِيَارَةٍ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَالْأَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يُخْشَى مِنْ خُرُوجِهَا مَفْسَدَةٌ وَمَنْ لَا وَيُشْتَرَطُ غَيْبَةُ الْأَصْلِ (بِمَكَانٍ) بَعِيدٍ (لَا يَلْزَمُ) الْأَصْلَ (الْأَدَاءُ) لِلشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي الَّذِي الْخُصُومَةُ عِنْدَهُ (مِنْهُ وَ) لَكِنْ (لَا يَكْفِي) فِي صِحَّةِ نَقْلِ الشَّهَادَةِ (فِي) مُوجِبِ جِنْسِ (الْحُدُودِ) كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَالْقَذْفِ (الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامِ) أَيْ غَيْبَةُ الشَّاهِدِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ مَسَافَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَعَلَيْهِ إذَا كَانَ الشَّاهِدَانِ بِمُوجِبِ الْحَدِّ عَلَى يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَرْفَعَانِ شَهَادَتَهُمَا إلَى مَنْ يُخَاطِبُ الْقَاضِيَ الَّذِي يُرَادُ نَقْلُ الشَّهَادَةِ إلَيْهِ.
ابْنُ عَاشِرٍ اُنْظُرْ لِمَ لَمْ يَكْتَفِ فِي غَيْبَةِ الْيَوْمَيْنِ بِنَقْلِ الشَّهَادَةِ، وَاكْتَفَى فِيهَا بِخِطَابِ الْمَشْهُودِ عِنْدَهُ، وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ الْمَشْهُودِ عَنْهُ أَوْثَقُ مِنْ النَّقْلِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ تَكْفِي مَسَافَةُ الْيَوْمَيْنِ فِي الْحُدُودِ أَيْضًا. وَعَطَفَ عَلَى غَابَ فَقَالَ (أَوْ) إنْ (مَاتَ) الْأَصْلُ بِالْأُولَى (أَوْ) إنْ (مَرِضَ) الْأَصْلُ مَرَضًا يَشُقُّ مَعَهُ حُضُورُهُ إلَى الْقَاضِي. ابْنُ الْمَوَّازِ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ عَنْ مَرِيضٍ أَوْ غَائِبٍ وَلَا يَجُوزُ النَّقْلُ عَنْ الصَّحِيحِ الْحَاضِرِ أَرَادَ إلَّا النِّسَاءَ، فَيَجُوزُ النَّقْلُ عَنْهُنَّ مَعَ حُضُورِهِنَّ وَصِحَّتِهِنَّ لِضَرُورَةِ الْكَشَفَةِ. وَأَمَّا فِي الْحُدُودِ فَلَا يُنْقَلُ عَنْ الْبَيِّنَةِ إلَّا فِي غَيْبَةٍ بَعِيدَةٍ، فَأَمَّا الْيَوْمَانِ وَالثَّلَاثَةُ فَلَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْحُدُودِ فَجَائِزٌ فِي مِثْلِ هَذَا.
وَلَمْ يَطْرَأْ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ بِخِلَافِ جِنٍّ. وَلَمْ يُكَذِّبْهُ أَصْلُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَإِلَّا مَضَى بِلَا غُرْمٍ.
وَنَقَلَ عَنْ كُلٍّ: اثْنَانِ
ــ
[منح الجليل]
وَ) إنْ لَمْ (يَطْرَأْ) أَيْ يَتَجَدَّدْ لِلْأَصْلِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ (فِسْقٌ) خَفِيٌّ كَسَرِقَةٍ وَزِنًا، أَوْ ظَاهِرٌ كَقَتْلٍ وَحِرَابَةٍ (أَوْ عَدَاوَةٌ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَدَاءِ شَهَادَةِ النَّقْلِ، فَإِنْ طَرَأَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُمَا قَبْلَهُ بَطَلَتْ شَهَادَةُ النَّقْلِ (بِخِلَافِ) طُرُوُّ (جِنٍّ) أَيْ جُنُونٍ لِلْمَنْقُولِ عَنْهُ قَبْلَهُ فَلَا يُبْطِلُهَا (وَ) إنْ (لَمْ يُكَذِّبْهُ) أَيْ النَّاقِلُ (أَصْلُهُ) أَيْ الْمَنْقُولُ عَنْهُ (قَبْلَ الْحُكْمِ) بِشَهَادَةِ النَّقْلِ بِأَنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ أَصْلًا أَوْ كَذَّبَهُ بَعْدَهُ، كَمَا يَأْتِي، فَإِنْ كَذَّبَهُ قَبْلَهُ بِأَنْ قَالَ لَمْ أُشْهِدْهُ عَلَى شَهَادَتِي وَلَمْ يَسْمَعْنِي أُؤَدِّيهَا عِنْدَ حَاكِمٍ لِيَحْكُمَ بِهَا أَوْ قَالَ لَا شَهَادَةَ لِي فِي ذَلِكَ بَطَلَ النَّقْلُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ كَذَّبَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ النَّاقِلَ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِنَقْلِ الشَّهَادَةِ (مَضَى) الْحُكْمُ وَنَفَذَ الْمَحْكُومُ بِهِ (بِلَا غُرْمٍ) عَلَى الشُّهُودِ النَّاقِلِينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِكَذِبِهِمْ وَالْحُكْمُ صَدَرَ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلَا يُنْقَضُ، وَكَذَا طُرُوُّ فِسْقِ الْأَصْلِ أَوْ عَدَاوَتُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ. فِي الْعُتْبِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي شَاهِدَيْنِ نَقَلَا شَهَادَةَ رَجُلٍ ثُمَّ قَدِمَ فَأَنْكَرَ إشْهَادَهُمَا أَوْ كَوْنَهُ عَلِمَ ذَلِكَ وَقَدْ حَكَمَ بِهَا، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُفْسَخُ، وَفِي سَمَاعِ عِيسَى يَمْضِي وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا وَلَا يُقْبَلُ تَكْذِيبُهُ لَهُمَا. ابْنُ يُونُسَ هَذَا أَصْوَبُ، قَالَ وَلَوْ قَدَّمَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَقَالَ ذَلِكَ سَقَطَتْ الشَّهَادَةُ. ابْنُ يُونُسَ كَالرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ. ابْنُ شَاسٍ إنْ طَرَأَ عَلَى الْأَصْلِ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ أَوْ رِدَّةٌ امْتَنَعَتْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ. الْمَازِرِيُّ حُدُوثُ فِسْقِ الْأَصْلِ بَعْدَ سَمَاعِ النَّقْلِ عَنْهُ وَقَبْلَ أَدَائِهِ يُبْطِلُ شَهَادَتَهُ، وَأَشَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْفِسْقَ إنْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى وَيُكْتَمُ كَالزِّنَا أَشْعَرَ بِسَابِقِ مُقَدِّمَاتٍ تَمْنَعُ الْعَدَالَةَ، وَإِنْ كَانَ يُجَاهَرُ بِهِ كَالْقَتْلِ لَمْ يُشْعِرْ بِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. قَالَ وَإِنْ انْتَقَلَ مَنْ طَرَأَ فِسْقُهُ لِعَدَالَةٍ فَفِي صِحَّةِ النَّقْلِ عَنْهُ بِالسَّمَاعِ الْأَوَّلِ مِنْهُ أَوْ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ بَعْدَ انْتِقَالِهِ خِلَافٌ بَيْنَ النَّاسِ.
(وَ) إنْ (نَقَلَ عَنْ كُلٍّ) مِنْ الشَّاهِدَيْنِ الْأَصْلَيْنِ أَوْ الشُّهُودِ الْأُصُولِ (اثْنَانِ) يَنْقُلَانِ عَنْ أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ ثُمَّ يَنْقُلَانِ عَنْ الْأَصْلِ الْآخَرِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ
لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا.
وَفِي الزِّنَا: أَرْبَعَةٌ عَنْ كُلٍّ، أَوْ عَنْ كُلٍّ اثْنَيْنِ: اثْنَانِ.
ــ
[منح الجليل]
عَنْ الْآخَرِ (لَيْسَ أَحَدُهُمَا) أَيْ النَّاقِلَيْنِ (أَصْلًا) فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا كَانَ نَقْلُ أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ مَعَ ثَالِثٍ غَيْرُ أَصْلٍ عَنْ الْأَصْلِ الْآخَرِ، فَلَا يَصِحُّ. ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ نَقْلِ غَيْرِ الزِّنَا اثْنَانِ وَلَوْ اشْتَرَكَا فِي أَصْلٍ آخَرَ فِيهَا، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ وَلَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ فِي الْحُقُوقِ عَنْ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ وَاحِدٍ عَنْ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ فِي مَالٍ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُ شَهَادَةِ شَاهِدٍ وَالنَّقْلُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَوْ أُجِيزَ ذَلِكَ فَلَا يَصِلُ إلَى قَبْضِ الْمَالِ إلَّا بِيَمِينَيْنِ، وَإِنَّمَا «قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَالِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَاحِدَةٍ» . ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا وَثَالِثٌ عَلَى شَهَادَةِ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ وَاحِدًا أَحْيَا شَهَادَتَهُمَا. ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا شَهِدَ رَجُلٌ فِي حَقٍّ عَلَى عِلْمِهِ وَشَهِدَ هُوَ وَآخَرُ يَنْقُلَانِ عَنْ رَجُلٍ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ وَاحِدًا أَحْيَا الشَّهَادَةَ. فِي الْعُتْبِيَّةِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى عِلْمِ نَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ عَنْ الْآخَرِ.
(وَ) إنْ نَقَلَ (فِي الزِّنَا أَرْبَعَةٌ) وَاحِدَةً (عَنْ كُلٍّ) مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأُصُولِ (أَوْ) يَنْقُلُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا لَكِنْ (عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ) أَصْلَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأُصُولِ (اثْنَانِ) مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْفُرُوعِ، وَأَوْلَى نَقْلُ سِتَّةَ عَشَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةٌ. وَقِيلَ لَا يَصِحُّ النَّقْلُ إلَّا هَكَذَا، وَلَوْ نَقَلَ اثْنَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَاثْنَانِ عَنْ الرَّابِعِ فَلَا تَصِحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ شَهَادَةُ الْفَرْعِ إلَّا حَيْثُ تَصِحُّ شَهَادَةُ الْأَصْلِ لَوْ حَضَرَ
وَالرَّابِعُ الَّذِي نَقَلَ عَنْهُ اثْنَانِ لَوْ حَضَرَ مَا صَحَّتْ شَهَادَتُهُ مَعَ الِاثْنَيْنِ النَّاقِلَيْنِ عَنْ الثَّلَاثَةِ لِنَقْصِ الْعَدَدِ وَلِأَنَّ عَدَدَ الْفَرْعِ نَاقِصٌ عَنْ عَدَدِ الْأَصْلِ حَيْثُ نَقَلَ عَنْ الثَّلَاثَةِ اثْنَانِ فَقَطْ
وَالْفَرْعُ لَا يَنْقُصُ عَنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ وَنَائِبٌ عَنْهُ هَذَا عَلَى مَا لِلْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَلِابْنِ عَرَفَةَ خِلَافُهُ، وَنَصُّهُ وَسَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ تَجُوزُ ثَلَاثَةٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ فِي الزِّنَا وَاثْنَانِ عَنْ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي السَّمَاعِ تَجُوزُ ثَلَاثَةٌ إلَخْ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ، لَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِهِ اثْنَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَاثْنَانِ عَنْ وَاحِدٍ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْجَوَازَ فِي هَذَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ، وَنَقَلْت نَصَّ ابْنِ عَرَفَةَ بِتَمَامِهِ فِي حَاشِيَتِي عَلَى شَرْحِ شَيْخِ مَشَايِخِي سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَمِيرِ عَلَى مَجْمُوعِهِ.
وَلُفِّقَ نَقْلٌ بِأَصْلٍ
وَجَازَ تَزْكِيَةُ نَاقِلٍ أَصْلِهِ وَنَقْلُ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ فِي بَابِ شَهَادَتِهِنَّ
ــ
[منح الجليل]
وَلُفِّقَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (نَقْلٌ بِأَصْلٍ) فِي الزِّنَا وَغَيْرِهِ فَفِيهِ كَاثْنَيْنِ عَلَى رُؤْيَتِهِ وَاثْنَيْنِ نَاقِلَيْنِ عَنْ اثْنَيْنِ بِرُؤْيَتِهِ، وَكَثَلَاثَةٍ بِرُؤْيَتِهِ، وَاثْنَيْنِ عَنْ أَصْلٍ بِهَا، وَفِي غَيْرِهِ كَاثْنَيْنِ نَاقِلَيْنِ عَنْ وَاحِدٍ وَوَاحِدٌ أَصْلٌ. ابْنُ عَرَفَةَ وَتَتِمُّ الشَّهَادَةُ بِبَعْضِ الْأَصْلِ وَالنَّقْلِ عَنْ بَاقِيهِ بِشَرْطِ عَدَدِهِ عِنْدَ قَائِلِيهِ. الشَّيْخُ لِمُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى رُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَثَلَاثَةٌ عَلَى شَهَادَةِ ثَلَاثَةٍ، فَذَلِكَ تَامٌّ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ حَتَّى يَكُونَ عَدَدُ الشُّهُودِ أَرْبَعَةً عِنْدَ الْحَاكِمِ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَاثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ وَأَمَّا وَاحِدٌ عَلَى رُؤْيَتِهِ وَاثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَجُزْ، وَحُدَّ شَاهِدُ الرُّؤْيَةِ لِلْقَذْفِ وَشَاهِدُ النَّقْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِمَا أَنَّهُ زَانٍ إنَّمَا قَالَا أَشْهَدَانَا عَلَى شَهَادَتِهِمْ أَنَّ فُلَانًا زَانٍ رَأَيْنَاهُ وَفُلَانًا، فَلَا يُحَدَّانِ، وَإِنْ قَدِمَ الثَّلَاثَةُ حُدُّوا إلَّا أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى شَهَادَتِهِمْ حِينَ قَدِمُوا، وَيَشْهَدُوا بِهَا فَيُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ. مُحَمَّدٌ هَذَا إنْ تَأَخَّرَ ضَرْبُ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ حَتَّى قَدِمَ هَؤُلَاءِ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ وَاحِدٌ وَقَدِمَ اثْنَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ الْمَيِّتِ مِنْهُمْ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ فَشَهِدَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَأَصْبَغُ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ إنْ حَضَرَ ثَلَاثَةٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَغَابَ الرَّابِعُ أَوْ مَاتَ فَلَا تَتِمُّ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ يَنْقُلُونَ عَنْهُ.
(وَجَازَ تَزْكِيَةُ) شَاهِدٍ (نَاقِلٍ) شَهَادَةَ غَيْرِهِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولُهُ قَوْلُهُ (أَصْلَهُ) أَيْ الْمَنْقُولَ عَنْهُ إذْ لَا تُهْمَةَ فِيهَا وَلَا تَجُوزُ تَزْكِيَةُ الْأَصْلِ النَّاقِلِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ مَشَقَّةَ التَّأْدِيَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ لَيْسَ النَّقْلُ عَنْ الشَّاهِدِ تَعْدِيلًا لَهُ حَتَّى يُعَدِّلَهُ النَّاقِلُونَ أَوْ يَعْرِفَهُ الْقَاضِي بِعَدَالَةٍ أَشْهَبَ، وَإِلَّا طَلَبَ مِنْهُ مَنْ يُزَكِّيه. (وَ) جَازَ (نَقْلُ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ) نَاقِلٍ عَنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ (فِي بَابِ شَهَادَتِهِنَّ) أَيْ النِّسَاءِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ مِمَّا تَعَلَّقَ بِعَوْرَةِ النِّسَاءِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْوَكَالَةُ عَلَيْهَا وَهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ كَرَجُلٍ، فَلَا يَنْقُلْنَ إلَّا مَعَ رَجُلٍ نَقَلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَقَالَهُ أَشْهَبُ،
وَإِلَّا قَالَا وَهِمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا: سَقَطَتَا
وَنُقِضَ، إنْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ:
ــ
[منح الجليل]
وَقَالَ غَيْرُهُمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى شَهَادَةٍ وَلَا عَلَى وَكَالَةٍ فِي مَالٍ. سَحْنُونٌ وَهَذَا أَعْدَلُ. عِيَاضٌ أَرَادَ أَنَّ أَشْهَبَ وَافَقَهُ فِي نَقْلِهِنَّ فَقَطْ لَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ.
(وَإِنْ) شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا بِمَالٍ ثُمَّ (قَالَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِمُقْتَضَاهَا (وَهِمْنَا) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، أَيْ غَلِطْنَا فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ زَيْدٌ مَثَلًا (بَلْ) إنَّمَا نَشْهَدُ عَلَى عَمْرٍو وَ (هُوَ هَذَا: سَقَطَتَا) أَيْ الشَّهَادَتَانِ مَعًا الْأُولَى لِاعْتِرَافِهِمَا بِالْغَلَطِ فِيهَا، وَالثَّانِيَةُ لِإِخْرَاجِهِمَا أَنْفُسَهُمَا مِنْ الْعَدَالَةِ لِإِقْرَارِهِمَا بِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِدُونِ يَقِينٍ، رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَقَالَهُ هُوَ وَأَشْهَبُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ قَالَا قَبْلَ الْقَطْعِ وَهِمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا الْآخَرُ فَلَا يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. أَبُو الْحَسَنِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُمَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا عَلَيْهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا بَرَّآهُ حِينَ شَهِدَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْحُكْمِ وَقَبْلَ إنْفَاذِهِ. وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ إذَا قَالَا قَبْلَ الْحُكْمِ وَهِمْنَا لَمْ يُقْبَلَا وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، قَالَا وَلَوْ قَالَا فِي آخَرَ عَلَى هَذَا شَهِدْنَا وَوَهِمْنَا فِي الْأَوَّلِ لَمْ يُقْبَلَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. أَشْهَبُ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقٍّ أَوْ قَتْلٍ أَوْ سَرِقَةٍ لِإِخْرَاجِهِمَا أَنْفُسَهُمَا عَنْ الْعَدَالَةِ بِإِقْرَارِهِمَا أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى الْوَهْمِ وَالشَّكِّ.
(وَ) إنْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى شَخْصٍ بِقَتْلٍ آخَرَ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ عَمْدًا عُدْوَانًا أَوْ أَرْبَعَةٌ عَنْ مُحْصَنٍ بِالزِّنَا وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْقِصَاصِ مِنْ الْأَوَّلِ وَرَجْمِ الثَّانِي (نُقِضَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ فُسِخَ الْحُكْمُ (إنْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ) أَيْ الشُّهُودِ فِي شَهَادَتِهِمْ. الْبُنَانِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اسْتَوْفَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَجْمَلَهَا الْمُصَنِّفُ، فَلَوْ قَالَ وَنُقِضَ إنْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ أَوْ جَبِّهِ قَبْلَ الزِّنَا أَوْ بَعْدَهُ وَأَمْكَنَ كَدِيَةِ خَطَأٍ وَإِلَّا فَلَا كَرُجُوعِهِمْ وَلَوْ عَنْ دِمَاءٍ وَحَدٍّ وَغَرِمَا مَالًا وَدِيَةً لَكَانَ أَوْضَحَ وَأَتَمَّ. ابْنُ عَاشِرٍ هَذَا تَفْصِيلُ الْمَسْأَلَةِ وَضَمِيرُ غَرِمَا لِلشَّاهِدَيْنِ فِي عَدَمِ النَّقْضِ فِي صُورَتَيْ تَبَيُّنِ الْكَذِبِ وَالرُّجُوعِ. اهـ. (كَ) ظُهُورِ (حَيَاةِ
كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ، أَوْ جَبِّهِ قَبْلَ الزِّنَا
ــ
[منح الجليل]
مَنْ) أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي شَهِدَا بِأَنَّهُ (قُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأٍ، فَإِنْ كَانَ اقْتَصَّ فِي الْعَمْدِ ثُمَّ قَدِمَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا غَرِمَ الشَّاهِدَانِ الدِّيَةَ مِنْ أَمْوَالِهِمَا وَلَا شَيْءَ مِنْهَا عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ وَإِنْ شَهِدَا بِالْقَتْلِ خَطَأً ثُمَّ ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ بَعْدَ غُرْمِ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَرْجِعُ الْعَاقِلَةُ بِالدِّيَةِ عَلَى مَنْ أَخَذَهَا، فَإِنْ أَعْدَمَ فَلَهَا الرُّجُوعُ عَلَى الشُّهُودِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
(أَوْ) ظُهُورِ (جَبِّهِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِرُؤْيَةِ الزِّنَا (قَبْلَ الزِّنَا) الْمَشْهُودِ بِهِ وَيَغْرَمُ الشُّهُودُ دِيَتَهُ وَلَا يُحَدُّونَ لِجَبِّهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَتَلَ ابْنَ هَذَا عَمْدًا فَقَضَى بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الِابْنُ حَيًّا غَرِمَ الشَّاهِدَانِ دِيَتَهُ فِي أَمْوَالِهِمَا إنْ تَعَمَّدَا ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا عَلَى الْأَبِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ إنْ كَانَ ذَلِكَ عَمْدًا مِنْ الشَّاهِدَيْنِ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ صَالَحَ الْأَبُ الْقَاتِلَ بِمَالٍ لِرَدِّهِ فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَلَا يُتَّبَعُ الشَّاهِدَانِ بِشَيْءٍ وَقَالَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا يُقَيَّدُ إنْ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ، وَزَادَ عَنْهُ وَلَا يَرْجِعُ الشَّاهِدَانِ فِيمَا غَرِمَا عَلَى الْقَاتِلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ تَعَدَّيَا، فَإِنْ كَانَا عَدِيمَيْنِ رَجَعَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَلَى الْوَلِيِّ الْقَاتِلِ، فَإِنْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَتْلَفَ النَّفْسَ، ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَتْبَعَ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَوُّلُ عَنْهُمَا إلَّا بِعَدَمِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمَا رَجَعَا بِهِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْوَلِيِّ الْقَاتِلِ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَوُّلُ عَنْهُ إلَى الشَّاهِدَيْنِ أَعْدَمَ أَوْ لَمْ يُعْدِمْ وَإِنْ وَدَى الْوَلِيُّ الْقَاتِلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَلِيِّ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْمَحْكُومِ بِقَتْلِهِ حَيًّا أَبْطَلَ الْحُكْمَ، وَالْوَلِيُّ إنَّمَا أَخَذَ مَا أَعْطَاهُ الشَّاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُمَا صَدَقَا عِنْدَهُ، وَاَلَّذِي أَخَذَهُ قِصَاصٌ لَا ثَمَنَ لَهُ، وَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ غُرْمُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ أَتْلَفَا ذَلِكَ. قُلْت فَحَاصِلُهُ إنْ قَدِمَ مَنْ اُقْتُصَّ بِقَتْلِهِ بِبَيِّنَةٍ حَيًّا فَفِي تَعَيُّنِ رُجُوعِ وَلِيِّ مَنْ قُتِلَ بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ بِدِيَتِهِ فِي أَمْوَالِهِمْ إنْ كَانَا مَلِيَّيْنِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُقْتَصِّ تَخْيِيرُهُ فِي ذَلِكَ وَفِي رُجُوعِهِ
لَا رُجُوعُهُمْ، وَغَرِمَا مَالًا وَدِيَةً
ــ
[منح الجليل]
عَلَى الْمُقْتَصِّ. ثَالِثُهَا لَا رُجُوعَ عَلَى الْمُقْتَصِّ بِشَيْءٍ مُطْلَقًا، ثُمَّ قَالَ وَلَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ بِقَتْلٍ خَطَأً ثُمَّ قَدِمَ مَنْ شَهِدَ بِقَتْلِهِ بَعْدَ غُرْمِ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ رَجَعَتْ عَلَى الْبَيِّنَةِ بِهَا حَالَّةً
فَإِنْ أَعْدَمَتْ فَعَلَى الْوَلِيِّ وَمَنْ يَغْرَمُ مِنْهُمَا فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، وَرُوِيَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ مُخَيَّرَةٌ، فَإِنْ اتَّبَعَتْ الْبَيِّنَةَ فَلَا تَحَوُّلَ لَهَا عَنْهَا إلَى الْوَلِيِّ إلَّا فِي عَدَمِهَا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ غَرِمَتْ رَجَعَتْ عَلَى الْوَلِيِّ، وَإِنْ اتَّبَعَتْ الْوَلِيَّ فَلَا تَحَوُّلَ لَهَا عَنْهُ إلَى الْبَيِّنَةِ وَلَوْ أَعْدَمَ؛ لِأَنَّهُ إنْ غَرِمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ عَلَى الْبَيِّنَةِ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَبَ يَرُدُّ عَلَى الْعَاقِلَةِ مَا أَخَذَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا غَرِمَتْ الْبَيِّنَةُ، ثُمَّ قَالَ وَفِيهَا إنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَرَجَمَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَجْبُوبًا فَلَا يُحَدُّ الشُّهُودُ، إذْ لَا يُحَدُّ مَنْ قَالَ لِمَجْبُوبٍ يَا زَانٍ وَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ مَعَ وَجِيعِ الْأَدَبِ وَطُولِ السَّجْنِ إلَّا أَنْ يَقُولُوا رَأَيْنَاهُ يَزْنِي قَبْلَ جَبِّهِ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حَالٍ.
(لَا) يُنْقَضُ الْحُكْمُ إنْ ثَبَتَ (رُجُوعُهُمْ) أَيْ الشُّهُودِ عَنْ الشَّهَادَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ انْتِقَالُ الشَّاهِدِ بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ بِأَمْرٍ إلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ دُونَ نَقِيضِهِ، فَيَدْخُلُ انْتِقَالُهُ إلَى شَكٍّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الشَّاكَّ حَاكِمٌ أَوْ غَيْرُ حَاكِمٍ، الْأَوَّلُ لِلْأَصْبَهَانِيِّ شَارِحِ الْمَحْصُولِ، وَالثَّانِي لِلْقَرَافِيِّ، وَقَيْدُ بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ، هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ، وَظَاهِرُ لَفْظِ الْمَازِرِيِّ صِدْقُهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْأَدَاءِ فَعَلَيْهِ يُحْذَفُ لَفْظُ بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ رُجُوعُهُمْ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِمَالٍ مَضَى اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بِقَتْلٍ فَلِابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُنْقَضُ كَمَا فِي الْمَالِ، وَلَهُ أَيْضًا مَعَ غَيْرِهِ لَا يُسْتَوْفَى فِي الدَّمِ لِحُرْمَتِهِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْحُكْمَ تَامٌّ.
(وَ) إنْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ (غَرِمَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (مَالًا) اتِّفَاقًا لِلْمَشْهُودِ لِشَهَادَتِهِمَا بِهِ، وَلَوْ قَالَا غَلِطْنَا؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ، وَإِنْ رَجَعَا بَعْدَهُ غَرِمَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا غَرِمَهُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَقِيمَتَهُ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا (وَ) غَرِمَا (دِيَةً) لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ أَوْ الْمَرْجُومِ إنْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِقَتْلٍ بَعْدَ قَتْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا بِالرَّجْمِ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدَا الزُّورَ، وَقَالَا غَلِطْنَا خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
فِي عَدَمِهِ قَالَ إذْ لَوْ غَرِمَا فِي الْخَطَأِ مَعَ كَثْرَةِ الشَّهَادَةِ لَتَوَرَّعَ النَّاسُ عَنْهَا، بَلْ (وَلَوْ تَعَمَّدَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ الزُّورَ فَيَغْرَمَانِ الدِّيَةَ وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ أَشْهَبَ يُقْتَصُّ مِنْهُمَا فِي الْعَمْدِ وَاسْتَقَرَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ لِقَتْلِهِمَا نَفْسًا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ وَالْوَلِيُّ وَالْقَاضِي مَعْذُورَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ لَوْ شَهِدُوا بِقَتْلِ رَجُلٍ فَحَكَمَ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ وَدَفْعِهِ لِلْوَلِيِّ فَأَقَرَّ بِالزُّورِ قَبْلَ قَتْلِهِ فَقَدْ اُضْطُرِبَ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً يَنْفُذُ الْحُكْمُ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُمَا الْآنَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، ثُمَّ قَالَ هَذَا الْقِيَاسُ وَلَكِنْ أَقِفُ عَنْ الْحُكْمِ بِقَتْلِهِ لِحُرْمَتِهِ، وَكَذَا الْقَطْعُ وَشَبَهُهُ، وَالْعَقْلُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَشْهَبَ أَيْضًا. أَصْبَغُ الْقِيَاسُ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ وَالرَّجْمُ فِي زِنَا الْمُحْصَنِ وَأَسْتَحْسِنُ أَنْ لَا يُقْتَلَ لِحُرْمَةِ الدَّمِ وَخَطَرِهِ وَلَا دِيَةَ عَلَى شَاهِدٍ وَلَا مَشْهُودٍ عَلَيْهِ وَأَرَاهُ شُبْهَةً كَبِيرَةً وَقَالَهُ مُحَمَّدٌ الْمَازِرِيُّ. قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ الْعَقْلُ أَحَبُّ إلَيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَلَى مَنْ يَكُونُ الْعَقْلُ هَلْ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ أَبْطَلُوا الدَّمَ فَيَغْرَمُوا دِيَتَهُ وَإِنْ أَرَادَهُ فَهَلْ عَلَيْهِمْ دِيَةُ مَنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أَوْ دِيَةُ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَخْتَلِفُ قَدْ يَكُونُ الْقَتِيلُ رَجُلًا وَالْقَاتِلُ امْرَأَةً أَوْ عَكْسُهُ
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْقَاتِلِ حَقٌّ لَا يَبْطُلُ الدَّمُ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ رُجُوعُهُمَا عَنْ زِنَا مُحْصَنٍ فَفِي تَنْفِيذِ حَدِّهِ وَسُقُوطِهِ لَا لِبَدَلٍ. ثَالِثُهَا يُحَدُّ حَدَّ بِكْرٍ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ كَانَ رُجُوعُهُمَا عَنْ زِنَا غَيْرِ مُحْصَنٍ فَفِي إنْفَاذِهِ وَسُقُوطِهِ بِعُقُوبَتِهِ فَقَطْ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ اللَّخْمِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَاخْتِيَارِهِ. وَفِي الْقَذْفِ مِنْهَا وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ بَعْدَمَا وَجَبَ الْحَدُّ مَا شَهِدْنَا إلَّا بِزُورٍ دُرِئَ الْحَدُّ. ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا شَهِدَا بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ فَرُجُوعُهُمَا لَيْسَ بِشَهَادَةٍ، وَهُوَ إقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِمَا أَتْلَفَاهُ وَشَهَادَتُهُمَا الْأُخْرَى بَاطِلَةٌ وَالْحُكْمُ مَاضٍ. ابْنُ شَاسٍ إنْ كَانَ رُجُوعُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَلَا قَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ فَخِلَافٌ يَنْفُذُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ غَرِمَا الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ حَارِثٍ إنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ قَبْضِ الْمَالِ وَجَبَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ قَبْضُهُ اتِّفَاقًا، وَفِيهَا إنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِدَيْنٍ ضَمِنَاهُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبْلَ تَنْفِيذِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى نَقْلِ الصِّقِلِّيِّ عَلَى الْمَوَّازِيَّةِ إنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ
وَلَوْ تَعَمَّدَا
وَلَا يُشَارِكُهُمْ شَاهِدَا الْإِحْصَانِ فِي الْغُرْمِ:
ــ
[منح الجليل]
فَهَرَبَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ فَطَلَبَ الْمَقْضِيُّ لَهُ الشَّاهِدَيْنِ بِمَا كَانَا يَغْرَمَانِهِ لِغَرِيمِهِ لَوْ غَرِمَ فَلَا يَلْزَمُهُمَا غُرْمٌ حَتَّى يَغْرَمَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُنَفِّذُ الْقَاضِي الْحُكْمَ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ عَلَى الرَّاجِعِينَ بِالْغُرْمِ هَرَبَ أَوْ لَمْ يَهْرُبْ، فَإِنْ غَرِمَ أَغْرَمَهُمَا، وَكَمَا لَوْ شَهِدَا بِالْحَقِّ إلَى سَنَةٍ ثُمَّ رَجَعَا فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَغْرَمَ هُوَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ الشَّاهِدَيْنِ بِالْمَالِ حَتَّى يَدْفَعَاهُ عَنْهُ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ بِهِ. الْبُنَانِيُّ الْمُبَالَغَةُ رَاجِعَةٌ لِقَوْلِهِ وَدِيَةً فَقَطْ، إذَا الْعَمْدُ فِي الْمَالِ أَحْرَى بِالْغُرْمِ فَلَا يُبَالَغُ عَلَيْهِ، وَمَا قَبْلَهَا فِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا، لَكِنْ بِالْغُرْمِ وَعَدَمِهِ، وَمَا مَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ الْغُرْمِ خِلَافُ قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لَكِنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ.
(وَ) لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى شَخْصٍ بِالزِّنَا وَاثْنَانِ بِإِحْصَانِهِ وَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ السِّتَّةُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ اخْتَصَّ شُهُودُ الزِّنَا بِغُرْمِ الدِّيَةِ فَ (لَا يُشَارِكُهُمْ) أَيْ شُهُودَ الزِّنَا (شَاهِدَا الْإِحْصَانِ) فِي غُرْمِ الدِّيَةِ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ سَحْنُونٌ وَأَصْبَغُ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَمَنْ وَافَقَهُ يُشَارِكُهُمْ شَاهِدَا الْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ رَجْمِهِ مُرَكَّبٌ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَسْتَوِي السِّتَّةُ فِي الْغُرْمِ أَوْ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ نِصْفُهَا؟ قَوْلَانِ، وَلَوْ انْفَرَدَتْ شَهَادَةُ الزِّنَا لَمْ يُرْجَمْ، كَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَرَّرَهُ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّهُ رُجِمَ بِشُهُودِ الزِّنَا وَالْإِحْصَانِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مَجْبُوبٌ، فَإِنَّ الْغُرْمَ يَخْتَصُّ بِشُهُودِ الزِّنَا لِعَدَمِ تَبَيُّنِ كَذِبِ شُهُودِ الْإِحْصَانِ فَهِيَ مِنْ تَمَامِ قِسْمِ تَبَيُّنِ الْكَذِبِ. ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ رُجِمَ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ بِزِنَاهُ وَاثْنَيْنِ بِإِحْصَانِهِ ثُمَّ رَجَعُوا أَجْمَعُونَ فَفِي عَدَمِ غُرْمِ شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ وَغُرْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا سُدُسُ الدِّيَةِ، وَبَاقِيهَا عَلَى بَيِّنَةِ الزِّنَا بِالسَّوِيَّةِ، ثَالِثُهَا عَلَى كُلٍّ مِنْ شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ رُبْعُهَا وَنِصْفُهَا عَلَى بَيِّنَةِ الزِّنَا بِالسَّوِيَّةِ لِأَصْبَغَ مَعَ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُحَمَّدٍ، وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ إلَى أَنَّ ذَلِكَ بِنَاءٌ عَلَى حَصْرِ حُكْمِ الرَّجْمِ إلَى إضَافَتِهِ لِوَصْفِ زِنَاهُ وَلَغْوِ إحْصَانِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَصْفُ كَمَالٍ لَهُ لَا وَصْفُ نَقْصٍ فِيهِ، أَوْ إضَافَتِهِ إلَى وَصْفَيْ إحْصَانِهِ وَزِنَاهُ مِنْ عَدَدِ مُثْبِتِهِمَا أَوْ إضَافَتِهِ إلَى الْوَصْفَيْنِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُمَا.
كَرُجُوعِ الْمُزَكِّي، وَأُدِّبَا فِي كَقَذْفٍ، وَحُدَّ شُهُودُ الزِّنَا مُطْلَقًا: كَرُجُوعِ أَحَدِ الْأَرْبَعَةِ
ــ
[منح الجليل]
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْغُرْمِ فَقَالَ (كَرُجُوعِ) جِنْسِ الْعَدْلِ (الْمُزَكِّي) لِشُهُودِ الزِّنَا أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ عَنْ تَزْكِيَتِهِمْ بَعْدَ رَجْمِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ قَتْلِهِ قِصَاصًا، فَلَا يَغْرَمُ الْمُزَكِّي شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ، سَوَاءٌ رَجَعَ الشُّهُودُ الْأُصُولُ أَوْ لَا، فَفِي النَّوَادِرِ سَحْنُونٌ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِحَقٍّ وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُهُمَا فَزَكَّاهُمَا رَجُلَانِ فَقَبِلَهُمَا الْقَاضِي وَحَكَمَ بِالْحَقِّ ثُمَّ رَجَعَ الْمُزَكِّيَانِ لِلْبَيِّنَةِ وَقَالَا زَكَّيْنَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ وَمَنْ لَا يُزَكَّى مِثْلُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ أُخِذَ بِغَيْرِهِمَا وَلَوْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ وَمَنْ زَكَّاهُمَا فَلَا يَغْرَمُ إلَّا الشَّاهِدَانِ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَيْضًا. الْمِسْنَاوِيُّ لَمْ يَذْكُرُوا خِلَافَ أَشْهَبَ فِي رُجُوعِ الْمُزَكِّي كَخِلَافِهِ فِي رُجُوعِ شَاهِدِ الْإِحْصَانِ. وَلَعَلَّهُ يَتَخَرَّجُ فِي رُجُوعِ الْمُزَكِّي بِالْأَوْلَى لِعَدَمِ ثُبُوتِ شَيْءٍ بِدُونِ الْمُزَكِّي، بِخِلَافِ شَاهِدِ الْإِحْصَانِ فَيَثْبُتُ بِدُونِهِ الْجَلْدُ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ.
(وَأُدِّبَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ الشَّاهِدَانِ الرَّاجِعَانِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا (فِي كَقَذْفٍ) وَشَتْمٍ وَضَرْبٍ بِسَوْطٍ وَلَطْمٍ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ بِحَدِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَتَأْدِيبِهِ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا وَلَا قَوَدَ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا، إذْ لَمْ يُتْلِفَا مَالًا فَيَغْرَمَانِهِ، وَلَا نَفْسًا فَيُطْلَبَانِ بِدِيَتِهَا. سَحْنُونٌ إذَا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَ رَجُلًا أَوْ شَتَمَهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ أَوْ لَطَمَهُ فَجَلَدَهُ الْقَاضِي فِي الْقَذْفِ أَوْ أَدَّبَهُ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْأَدَبُ ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ وَأَقَرُّوا بِالزُّورِ فَلَيْسَ فِي هَذَا عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا غُرْمٌ وَلَا قَوَدٌ وَلَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ إلَّا الْأَدَبُ مِنْ السُّلْطَانِ، وَلَا تَقَعُ الْمُمَاثَلَةُ فِي اللَّطْمَةِ وَلَا ضَرْبُ السَّوْطِ بِأَمْرٍ يُضْبَطُ، وَلَا أَرْشَ لِذَلِكَ إنَّمَا فِيهِ الْأَدَبُ.
(وَحُدَّ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ كَذَلِكَ (شُهُودُ الزِّنَا) الرَّاجِعُونَ عَنْ الشَّهَادَةِ بِهِ حَدَّ الْقَذْفِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْحُرِّ ذِي الْآلَةِ الْعَفِيفِ عَمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِ رُجُوعِهِمْ بَعْدَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ بِحَدِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ لِلرُّجُوعِ ثَلَاثُ صُوَرٍ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَبَعْدَهُ، وَيُحَدُّونَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا وَشَبَّهَ فِي حَدِّ شُهُودِ الزِّنَا فَقَالَ (كَرُجُوعِ أَحَدِ الْأَرْبَعَةِ) الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنَا عَلَى
قَبْلَ الْحُكْمِ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَهُ حُدَّ الرَّاجِعُ فَقَطْ
وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ، فَلَا غُرْمَ، وَلَا حَدَّ، إلَّا إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ عَبْدٌ فَيُحَدُّ الرَّاجِعَانِ وَالْعَبْدُ،
ــ
[منح الجليل]
مُكَلَّفٍ عَنْ شَهَادَتِهِ (قَبْلَ الْحُكْمِ) بِحَدِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَيُحَدُّ الْأَرْبَعَةُ لِعَدَمِ كَمَالِ نِصَابِ شَهَادَةِ الزِّنَا فَهُمْ قَاذِفُونَ.
(وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ) أَيْ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنَا عَلَى مُكَلَّفٍ (بَعْدَهُ) أَيْ الْحُكْمِ بِحَدِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (حُدَّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا الشَّاهِدُ (الرَّاجِعُ) اتِّفَاقًا لِاعْتِرَافِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَذْفِ (فَقَطْ) أَيْ وَلَا يُحَدُّ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَيْهَا. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي تَوْضِيحِهِ. وَفِي الْجَوَاهِرِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَهُ تت. طفى لَمْ يَتَّبِعْهُ بَلْ عِبَارَتُهُ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَنَصُّهُ فَلَوْ رَجَعَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ حُدُّوا وَبَعْدَهُ حُدَّ الرَّاجِعُ اتِّفَاقًا دُونَ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَنَصُّ الْجَوَاهِرِ وَإِذَا رَجَعَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ حُدُّوا وَلَوْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ حُدَّ الرَّاجِعُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَاخْتُلِفَ هَلْ يُحَدُّ الْبَاقُونَ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ أَوْ لَا يُحَدُّونَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَمَّ بِشَهَادَتِهِمْ وَهُمْ الْآنَ بَاقُونَ عَلَيْهَا. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ رَجَعَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ حُدُّوا كُلُّهُمْ وَبَعْدَهُ حُدَّ الرَّاجِعُ فَقَطْ، وَإِيَّاهَا تَبِعَ ابْنُ شَاسٍ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ خِلَافًا فِي حَدِّ الرَّاجِعِ فَقَطْ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ أَوْ الْجَمِيعِ اهـ.
(وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ) شَهِدُوا بِالزِّنَا عَلَى مُكَلَّفٍ (فَلَا غُرْمَ وَلَا حَدَّ) عَلَى مَنْ رَجَعَ وَلَا عَلَى مَنْ بَقِيَ لِتَمَامِ النِّصَابِ بِالْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ، هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُهُ الثَّانِي يُحَدُّ الرَّاجِعَانِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا غُرْمَ وَلَا حَدَّ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ) بَعْدَ الْحَدِّ وَرُجُوعِ الِاثْنَيْنِ (أَنَّ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ) الْبَاقِينَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ (عَبْدٌ فَيُحَدُّ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الِاثْنَانِ (الرَّاجِعَانِ) عَنْ شَهَادَتِهِمَا (وَالْعَبْدُ) حَدَّ الْقَذْفِ لِنَقْصِ
وَغَرِمَا فَقَطْ رُبْعَ الدِّيَةِ، ثُمَّ إنْ رَجَعَ ثَالِثٌ: حُدَّ هُوَ وَالسَّابِقَانِ، وَغَرِمُوا رُبْعَ الدِّيَةِ، وَرَابِعٌ فَنِصْفَهَا
وَإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ بَعْدَ فَقْءِ عَيْنِهِ، وَخَامِسٌ بَعْدَ مُوضِحَتِهِ، وَرَابِعٌ بَعْدَ مَوْتِهِ:
ــ
[منح الجليل]
الْبَاقِينَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ عَنْ النِّصَابِ (وَغَرِمَا) أَيْ الرَّاجِعَانِ (رُبْعَ الدِّيَةِ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْمَرْجُومِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَلَوْ كَثُرُوا بِمَنْزِلَةِ الرَّابِعِ الْمُكَمِّلِ لِلنِّصَابِ، وَلَا يَغْرَمُ الْعَبْدُ مَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ شَهَادَتِهِ وَلَا غُرْمَ وَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ مَعَهُمْ الِاثْنَانِ الرَّاجِعَانِ، وَرُجُوعُهُمْ لَغْوٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ. طفى قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَخْ، أَصْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَبَحَثَ فِيهِ بِاقْتِضَائِهِ غُرْمَهُ إذَا رَجَعَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لِسَيِّدِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِالْوَصْفِ الْمُعْتَبَرِ وَهُوَ عُبُودِيَّتُهُ، إذْ هُوَ الْمُضِرُّ لِلشَّهَادَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِالرُّجُوعِ مَعَهُ حَصَلَ أَمْ لَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ فَلَا عِبْرَةَ بِرُجُوعِهِ إنْ رَجَعَ، وَإِنْ شَهِدَ سِتَّةُ أَحْرَارٍ بِالزِّنَا عَلَى مُحْصَنٍ وَرَجَعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بَعْدَ رَجْمِهِ فَلَا يَغْرَمَانِ وَلَا يُحَدَّانِ. (ثُمَّ إنْ رَجَعَ ثَالِثٌ) أَيْ مِنْ السِّتَّةِ الْأَحْرَارِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنَا (حُدَّ) بِضَمِّ الْحَاءِ (هُوَ) أَيْ الثَّالِثُ (وَ) الشَّاهِدَانِ (السَّابِقَانِ) لِلثَّالِثِ فِي الرُّجُوعِ لِعَدَمِ كَمَالِ النِّصَابِ بِالثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ (وَغَرِمُوا) أَيْ الثَّلَاثَةُ الرَّاجِعُونَ عَنْ شَهَادَتِهِمْ (رُبْعَ الدِّيَةِ) بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّابِعِ الْمُكَمِّلِ لِلنِّصَابِ، وَكَذَا إذَا رَجَعُوا مُجْتَمِعِينَ (وَ) إنْ رَجَعَ (رَابِعٌ) أَيْ مِنْ السِّتَّةِ الْأَحْرَارِ أَيْضًا (فَنِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ لِبَقَاءِ نِصْفِ النِّصَابِ وَهُمْ الِاثْنَانِ الْبَاقِيَانِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَالْأَرْبَعَةُ الرَّاجِعُونَ بِمَنْزِلَةِ اثْنَيْنِ مُتِمَّيْنِ لِلنِّصَابِ، وَإِنْ رَجَعَ خَامِسٌ فَعَلَى الْخَمْسَةِ الرَّاجِعِينَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا لِبَقَاءِ رُبْعِهِ، وَإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ فَعَلَى السِّتَّةِ جَمِيعُهَا أَسْدَاسًا وَسَكَتَ عَنْ هَذَيْنِ لِوُضُوحِهِمَا.
(وَإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ) مِنْ سِتَّةِ أَحْرَارٍ شَهِدُوا عَلَى مُحْصَنٍ بِالزِّنَا وَأَمَرَ الْإِمَامُ بِرَجْمِهِ وَكَانَ رُجُوعُهُ (بَعْدَ عَيْنِهِ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ (وَ) رَجَعَ (خَامِسٌ بَعْدَ مُوضِحَتِهِ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِهِ (وَ) رَجَعَ (رَابِعٌ بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِهِ (فَعَلَى) الرَّاجِعِ
فَعَلَى الثَّانِي خُمُسُ الْمُوضِحَةِ مَعَ سُدُسِ الْعَيْنِ: كَالْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّالِثِ: رُبْعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ.
ــ
[منح الجليل]
الثَّانِي) أَيْ الْخَامِسِ خُمُسُ دِيَةِ (الْمُوضِحَةِ) لِحُصُولِهَا بِشَهَادَةِ خَمْسَةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ (مَعَ سُدُسِ) دِيَةِ (الْعَيْنِ) لِحُصُولِ فَقْئِهَا بِسِتَّةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ، وَشَبَّهَ فِي غُرْمِ سُدُسِ دِيَةِ الْعَيْنِ فَقَالَ (كَ) الرَّاجِعِ (الْأَوَّلِ) أَيْ السَّادِسِ لِذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ لِرُجُوعِهِ قَبْلَ حُصُولِهَا (وَعَلَى) الرَّاجِعِ (الثَّالِثِ رُبْعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ) لِإِتْلَافِهَا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَتَيْ الْعَيْنِ وَالْمُوضِحَةِ لِانْدِرَاجِهِمَا فِي دِيَةِ النَّفْسِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا حَاصِلُهُ إنْ رَجَعَ أَحَدُ سِتَّةٍ شَهِدُوا بِزِنَا رَجُلٍ حَدُّهُ الرَّجْمُ بَعْدَ فَقْءِ عَيْنِهِ بِهِ، وَثَانٍ بَعْدَ مُوضِحَتِهِ بِهِ، وَثَالِثٌ بَعْدَ مَوْتِهِ بِهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ سُدُسُ دِيَةِ عَيْنِهِ لِفَقْئِهَا بِشَهَادَتِهِ مَعَ خَمْسَةٍ، وَكَذَا عَلَى الثَّانِي مَعَ خُمُسِ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ لِكَوْنِهَا بِشَهَادَتِهِ مَعَ أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى الثَّالِثِ رُبْعُ دِيَةِ النَّفْسِ لِمَوْتِهِ بِشَهَادَتِهِ مَعَ ثَلَاثَةٍ. وَفِي سُقُوطِ مَا عَلَى الثَّانِي عَنْهُ وَلُزُومِهِ إيَّاهُ قَوْلَانِ.
ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى أَنَّ دُخُولَ دِيَةِ فَقْءِ عَيْنِ رَجُلٍ وَدِيَةِ مُوضِحَتِهِ فِي دِيَةِ قَتْلِهِ خَطَأٌ فِي الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ اسْتِلْزَامِ دِيَةِ النَّفْسِ دِيَةَ مَا دُونَهَا كُلِّيَّةً فِي أَجْزَائِهَا أَوْ كُلًّا بِهَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الشُّهُودَ إذَا رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ اسْتِيفَائِهِ فَلَا يَسْتَوْفِي. قُلْت هَذَا وَاضِحٌ بَيِّنٌ مِنْ تَعْلِيلِ قَدْرِ مَا وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ، قَالَ وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إذَا رَجَعُوا حِينَئِذٍ فَيَسْتَوْفِي، وَلَا يَمْنَعُ رُجُوعُهُمْ مِنْ اسْتِيفَائِهِ فَيَصِيرُ الْمَرْجُومُ كَأَنَّهُ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِشَهَادَةِ السِّتَّةِ جَمِيعًا، فَيَكُونُونَ كَمَنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ أَوْضَحَهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ سِوَى رُبْعِ الدِّيَةِ فَيَكُونُ عَلَيْهِمْ بِالسَّوَاءِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ مَا عَدَاهُ. قُلْت قَوْلُهُ فَيَكُونُونَ كَمَنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ أَوْضَحَهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ وَهْمٌ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَنْ قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ أَوْضَحَهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بِنَفْسِ شَهَادَتِهِمْ وَرُجُوعُهُمْ لَغْوٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَأَيْضًا الْقَوْلُ بِإِمْضَاءِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ مَنْ رَجَعَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ تَنْفِيذِهِ إنَّمَا ثَبَتَ حَيْثُ لَا مُسْتَنَدَ لِلْحُكْمِ إلَّا شَهَادَةُ الرَّاجِعِينَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إسْنَادُهُ إلَيْهِ حَيْثُ صَحَّ إسْنَادُهُ لِمُقِيمٍ عَلَى شَهَادَتِهِ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمُكِّنَ مُدَّعٍ رُجُوعًا مِنْ بَيِّنَةٍ: كَيَمِينٍ إنْ أَتَى بِلَطْخٍ
وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمَا عَنْ الرُّجُوعِ.
ــ
[منح الجليل]
وَ) إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى شَخْصٍ بِحَقٍّ عِنْدَ حَاكِمٍ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ فَادَّعَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ رَجَعَتْ عَنْ شَهَادَتِهَا عَلَيْهِ بِهِ وَأَنْكَرَتْهُ الْبَيِّنَةُ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى رُجُوعِهَا (مُكِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا شَخْصٌ (مُدَّعٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً (رُجُوعًا) مِنْ الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْهِ عَنْ شَهَادَتِهَا عَلَيْهِ وَأَنْكَرَتْ الْبَيِّنَةُ الرُّجُوعَ الَّذِي ادَّعَاهُ عَلَيْهَا وَصِلَةُ مُكِّنَ (مِنْ) إقَامَةِ (بَيِّنَةٍ) عَلَى الرُّجُوعِ الَّذِي ادَّعَاهُ، فَإِنْ أَقَامَهَا وَأُعْذِرَ فِيهَا لِلْبَيِّنَةِ وَعَجَزَتْ عَنْ تَجْرِيحِهَا غَرِمَتْ لَهُ مَا غَرِمَهُ بِشَهَادَتِهَا، وَسَوَاءٌ أَتَى الْمُدَّعِي بِلَطْخٍ أَمْ لَا. وَشَبَّهَ فِي التَّمْكِينِ فَقَالَ (كَيَمِينٍ) مِنْ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَدَمِ رُجُوعِهَا عَنْ شَهَادَتِهَا عَلَيْهِ الَّذِي ادَّعَاهُ عَلَيْهَا فَيُمَكَّنُ مِنْ طَلَبِهَا مِنْهَا (إنْ) كَانَ (أَتَى) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (بِلَطْخٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ قَرِينَةٍ تُقَوِّي دَعْوَاهُ رُجُوعَهَا عَنْهَا كَتَحَدُّثِ النَّاسِ بِرُجُوعِ الْبَيِّنَةِ عَنْ شَهَادَتِهَا، وَإِقَامَتُهُ شَاهِدًا بِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَإِنْ حَلَفَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَدَمِ رُجُوعِهَا بَرِئَتْ وَإِنْ نَكَلَتْ حَلَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى رُجُوعِهَا أَوْ غَرَّمَهَا مَا غَرِمَهُ بِشَهَادَتِهَا. ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ سَحْنُونٍ إذَا ادَّعَى الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَأَنْكَرَا فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِلَطْخٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ أَتَى بِلَطْخٍ حَلَفَا وَبَرِئَا، وَإِنْ نَكَلَا حَلَفَ الْمُدَّعِي وَأَغْرَمَهُمَا مَا أَتْلَفَاهُ لَهُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِمَا. وَلَوْ أَقَامَ عَلَيْهِمَا شَاهِدَيْنِ بِإِقْرَارِهِمَا مَعًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ فَلْيَغْرَمَا مَا شَهِدَا بِهِ وَيَغْرَمَا دِيَةَ النَّفْسِ فِي الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ مَعَ حَدِّ الْقَذْفِ، وَيَغْرَمَا أَرْشَ الْجِرَاحِ، وَلَا يُنْظَرُ لِرُجُوعِهِمَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ.
(وَ) إنْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْ رُجُوعِهِمَا عَنْهَا فَ (لَا يُقْبَلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (رُجُوعُهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ (عَنْ الرُّجُوعِ) لِاتِّهَامِهِمَا بِالنَّدَمِ وَالتَّحَيُّلِ عَلَى إسْقَاطِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى رُجُوعِهِمَا مِنْ الْغُرْمِ وَالْحَدِّ وَنَحْوِهِمَا، وَلِأَنَّهُ كَرُجُوعِ الْمُقِرِّ بِحَقٍّ. ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَا يُنْظَرُ لِرُجُوعِهِمَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَوْ رَجَعَا عَنْ رُجُوعِهِمَا الْمُوجِبِ غُرْمَهُمَا فَلَا يُقَالُ وَيُقْضَى عَلَيْهِمَا بِمَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الرَّاجِعِ الْمُتَأَدِّي عَلَى رُجُوعِهِ.
وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ، وَحَكَمَ: فَالْقِصَاصُ
وَإِنْ رَجَعَا عَنْ طَلَاقٍ: فَلَا غُرْمَ: كَعَفْوِ الْقِصَاصِ إنْ دَخَلَ، وَإِلَّا فَنِصْفُهُ:
ــ
[منح الجليل]
وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ) أَيْ الشُّهُودِ فِي شَهَادَتِهِمْ عِنْدَهُ بِقَتْلِ عَمْدٍ وَزِنَا مُحْصَنٍ (وَحَكَمَ) الْحَاكِمُ بِقَتْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ رَجْمِهِ (فَالْقِصَاصُ) عَلَى الْحَاكِمِ لَا عَلَى الشُّهُودِ الْكَاذِبِينَ فِي شَهَادَتِهِمْ بِالْقَتْلِ سَوَاءٌ تَعَمَّدُوا الْكَذِبَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ لَا بِشَهَادَتِهِمْ وَإِنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ وَالْحَاكِمُ كَذِبَهُمْ اقْتَصَّ مِنْهُمَا، وَسَوَاءٌ بَاشَرَ الْحَاكِمُ الْقَتْلَ أَوْ أَمَرَ بِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَى مَأْمُورِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ كَذِبَ الشُّهُودِ وَيَعْلَمْ عِلْمَ الْمَذْكُورِينَ بِكَذِبِهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ. ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ عَلِمَ كَذِبَ الشُّهُودِ فَحَكَمَ بِالْجَوْرِ وَأَرَاقَ هَذَا الدَّمَ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الشُّهُودِ إذَا لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ وَأَمَرَ بِهِ مَنْ تَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ، وَلَوْ أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ عَلِمَ كَذِبَ الشُّهُودِ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ عَلِمَ ذَلِكَ فَقَتَلَ قَاتِلَ وَلِيِّهِ اُقْتُصَّ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ " رضي الله عنه " لَا يُقْتَلُ كَالشُّهُودِ خَيَالٌ فَاسِدٌ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ.
(وَإِنْ رَجَعَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (عَنْ) شَهَادَتِهِمَا بِ (طَلَاقٍ) بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (فَلَا غُرْمَ) عَلَيْهِمَا إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا كَمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ كُلَّ الْمَهْرِ بِالدُّخُولِ فَلَمْ يُفْتِيَا عَلَيْهِ إلَّا الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا وَلَا قِيمَةَ لَهُ، وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْغُرْمِ فَقَالَ (كَ) رُجُوعِهِمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا عَلَى مُسْتَحِقِّ الْقِصَاصِ بِ (عَفْوِ) هـ عَنْ (الْقِصَاصِ) بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِسُقُوطِهِ فَلَا يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ شَيْئًا، إذْ لَا قِيمَةَ لِلْقِصَاصِ، وَمَحَلُّ عَدَمِ غُرْمِ الرَّاجِعِينَ عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (إنْ) كَانَ (دَخَلَ) الزَّوْجُ (بِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا (فَنِصْفُهُ) أَيْ الصَّدَاقِ يَغْرَمُهُ الشَّاهِدَانِ الرَّاجِعَانِ لِلزَّوْجِ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ كِتَابَيْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ سَحْنُونٍ إنْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِطَلَاقِهِ أَلْبَتَّةَ وَالنِّكَاحُ ثَبَتَ بِغَيْرِ شَهَادَتِهِمَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَغْرَمَانِ نِصْفَ الْمَهْرِ. أَصْبَغُ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا. ابْنُ الْمَوَّازِ الصَّوَابُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ أَرْضَى، وَفِيهَا إنْ رَجَعَا بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الصَّدَاقِ. عِيَاضٌ كَذَا عِنْدَنَا فِي الْأَصْلِ بَعْضُ الشُّيُوخِ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ هَذَا النِّصْفُ، فَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ عَلَى
كَرُجُوعِهَا عَنْ دُخُولِ مُطَلَّقَةٍ
وَاخْتَصَّ الرَّاجِعَانِ بِدُخُولٍ عَنْ الطَّلَاقِ
ــ
[منح الجليل]
أَنَّ غُرْمَهُ لِلزَّوْجِ، وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الْعُشُورِ مِنْ الْأَسْمِعَةِ، وَحَمَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهُ لِلْمَرْأَةِ لِيَكْمُلَ لَهَا صَدَاقُهَا الَّذِي أَبْطَلَاهُ عَلَيْهَا بِالْفِرَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ الْمَسْأَلَةَ الْقَرَوِيُّونَ قَالُوا هَذَا مُقْتَضَى النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ غُرْمَهُ لِلزَّوْجِ لَا وَجْهَ لَهُ، إذْ النِّصْفُ عَلَيْهِ مَتَى حَصَلَ الْفِرَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ يَرَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ عَلَيْهِمَا شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ. وَشَبَّهَ فِي غُرْمِ النِّصْفِ فَقَالَ (كَرُجُوعِهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ (عَنْ) شَهَادَتِهِمَا بِ (دُخُولِ) زَوْجَةٍ (مُطَلَّقَةٍ) أَقَرَّ زَوْجُهَا بِطَلَاقِهَا وَأَنْكَرَ دُخُولَهُ بِهَا فَشَهِدَا عَلَيْهِ بِهِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِغُرْمِ جَمِيعِ الْمَهْرِ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَيَغْرَمَانِ لِلزَّوْجِ نِصْفَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ لَهُ رُبْعَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةِ الدُّخُولِ فِي مُطَلَّقَةٍ غَرِمَا نِصْفَ الْمَهْرِ هُوَ نَصُّ الْجَلَّابِ، وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ فِي زَوْجَةٍ لَهُ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا فَطَلَّقَهَا بَعْدَهُ وَهُوَ مُقِرٌّ بِنِكَاحِهَا وَطَلَاقِهَا وَمُنْكِرٌ دُخُولَهُ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا غَرِمَا لَهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ الَّذِي لَزِمَهُ بِشَهَادَتِهِمَا.
(وَ) إنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِدُخُولٍ وَاثْنَانِ بِطَلَاقٍ عَلَى مَنْ ثَبَتَ نِكَاحُهُ وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَرْبَعَةُ عَمَّا شَهِدُوا بِهِ (اخْتَصَّ) الشَّاهِدَانِ (الرَّاجِعَانِ) عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِدُخُولٍ) عَنْ الرَّاجِعَيْنِ (عَنْ) شَهَادَتِهِمَا بِ (الطَّلَاقِ) بِغُرْمِ نِصْفِ الْمَهْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ إنَّمَا تَمَّ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِطَلَاقِ مَنْ ثَبَتَ نِكَاحُهَا بِغَيْرِ شَهَادَتِهِمَا وَآخَرَانِ بِأَنَّ الزَّوْجَ دَخَلَ بِهَا وَأَرْخَى السِّتْرَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَعْلَمْ شَاهِدَا الطَّلَاقِ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ شَاهِدَا الدُّخُولِ بِطَلَاقِهِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَرْبَعَةُ فَلَا غُرْمَ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ الْمَوَّازِ.
ابْنُ سَحْنُونٍ هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ خَالَفَ فِيهِ وَأَسْقَطَ غُرْمَهُمَا لِأَنَّهُمَا إنَّمَا أَتْلَفَا مَنَافِعَ بُضْعٍ، وَذَلِكَ لَا يَتَقَوَّمُ، وَمَا غَرِمَهُ الزَّوْجُ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَجَبَ عَلَيْهِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَلَوْ رَجَعَ شَاهِدَا الدُّخُولِ غَرِمَا نِصْفَ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ لَوْ اُقْتُصِرَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا لَمْ يَلْزَمْ الزَّوْجَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَغَرَامَةُ النِّصْفِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ إنَّمَا هِيَ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِالْبِنَاءِ، فَإِذَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا غَرِمَا هَذَا النِّصْفَ بِالسَّوَاءِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا
وَرَجَعَ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ: إنْ أَنْكَرَ الطَّلَاقَ،
ــ
[منح الجليل]
غَرِمَ رُبْعَ الصَّدَاقِ وَقَرَّرَ أَحْمَدُ أَنَّ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ يَغْرَمَانِ لِلزَّوْجِ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَتَبِعَهُ الْخَرَشِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ شَيْئًا. طفى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ لَا يَغْرَمَانِ شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ لَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الصَّدَاقِ بِرُجُوعِهِمَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ شَيْئًا مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ الْمَوَّازِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَلَكَتْ بِالْعَقْدِ الْجَمِيعَ أَوْ النِّصْفَ، ثُمَّ قَالَ وَبِمَا ذُكِرَ تَعْلَمُ التَّنَافِيَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالْعُذْرُ لَهُ أَنَّهُ دَرَجَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا فَنِصْفُهُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَدَرَجَ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَمَنْ مَعَهُ لَمَّا رَأَى أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَلَيْهِ فَلَمْ تُمْكِنْهُ مُخَالَفَتُهُ عَلَى أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيهِ مَجَالٌ لِلشُّيُوخِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْتَضِي أَنَّ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ نِصْفُ الصَّدَاقِ وَعَلَى شَاهِدَيْ الدُّخُولِ نِصْفُهُ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ اخْتَصَّ الرَّاجِعَانِ بِدُخُولٍ بِغُرْمِ الصَّدَاقِ لَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ. الْبُنَانِيُّ لَوْلَا تَفْرِيعُ الْمَازِرِيِّ مَا هُنَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَمَنْ مَعَهُ لَقُلْنَا لَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَلَامَيْ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا بِمَنْزِلَةِ رُجُوعٍ عَنْ طَلَاقِ مَدْخُولٍ بِهَا لِوُجُودِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ اهـ. أَقُولُ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرُّجُوعَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ غَيْرِ الرَّاجِعِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
(وَ) إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى مَنْ ثَبَتَ نِكَاحُهُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَآخَرَانِ بِدُخُولِهِ بِهَا وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْمَهْرِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَرْبَعَةُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ وَغَرِمَ الرَّاجِعَانِ عَنْ شَهَادَةِ الدُّخُولِ نِصْفَ الْمَهْرِ لِلزَّوْجِ ثُمَّ مَاتَتْ الزَّوْجَةُ (رَجَعَ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ) بِنِصْفِ الصَّدَاقِ الَّذِي غَرِمَاهُ لَهُ بِرُجُوعِهِمَا (بِ) سَبَبِ (مَوْتِ الزَّوْجَةِ إنْ أَنْكَرَ) الزَّوْجُ (الطَّلَاقَ) أَيْ اسْتَمَرَّ عَلَى إنْكَارِهِ لِاسْتِلْزَامِهِ وُجُوبَ جَمِيعِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ بِمَوْتِهَا، فَقَدْ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا لَمْ تُتْلِفْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ.
وَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ إرْثٍ، دُونَ مَا غَرِمَ وَرَجَعَتْ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ إرْثٍ وَصَدَاقٍ
وَإِنْ كَانَ
ــ
[منح الجليل]
وَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهِمَا) أَيْ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ الرَّاجِعَيْنِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِهِ (بِ) عِوَضِ (مَا فَوَّتَاهُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْوَاوِ مُثَقَّلًا، أَيْ شَاهِدَا الطَّلَاقِ الزَّوْجَ (مِنْ إرْثٍ) أَيْ مَا كَانَ يَرِثُهُ مِنْ نِصْفِ تَرِكَةِ الزَّوْجَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فَرْعٌ وَإِرْثٌ أَوْ رُبْعُهَا إنْ كَانَ بَيَانٌ لِمَا (دُونَ مَا غَرِمَ) الزَّوْجُ مِنْ صَدَاقِهَا فَلَا يَرْجِعُ بِهِ لِاعْتِرَافِهِ بِكَمَالِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ بِمَوْتِهَا لِإِنْكَارِهِ طَلَاقَهَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالطَّلَاقِ وَاثْنَانِ بِالدُّخُولِ فَالْأَكْثَرُ لَا غَرَامَةَ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ، وَيَرْجِعُ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ إذَا كَانَ مُنْكِرًا طَلَاقَهَا وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ الْمِيرَاثِ دُونَ مَا غَرِمَ لَهَا، وَتَرْجِعُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهَا مِنْ الْمِيرَاثِ وَالصَّدَاقِ. الْمَازِرِيُّ ابْنُ سَحْنُونٍ لَوْ غَرِمَ شَاهِدَا الْبِنَاءِ لِرُجُوعِهِمَا ثُمَّ مَاتَتْ الزَّوْجَةُ رَجَعَا عَلَى الزَّوْجِ بِمَا غَرِمَا لَهُ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ طَلَاقَهَا وَالْبِنَاءَ بِهَا يُوجِبُ أَنَّ مَوْتَهَا فِي عِصْمَتِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ عَلَيْهِ كُلَّ الصَّدَاقِ. ابْنُ شَاسٍ إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ فَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَإِنَّهُمَا يَغْرَمَانِ لِلْمَرْأَةِ مَا حَرَمَاهَا مِنْ مِيرَاثِهِ وَمَا أَسْقَطَا مِنْ صَدَاقِهَا، وَلَوْ مَاتَتْ هِيَ لَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهِمَا بِمِيرَاثِهِ فَقَطْ لَا بِشَيْءٍ مِمَّا غَرِمَ مِنْ الصَّدَاقِ، وَهَذَا الْجَوَابُ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مُنْكِرَ الطَّلَاقَ الَّذِي شَهِدَا بِهِ. (وَ) إنْ مَاتَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا وَمُنْكِرَةٌ لِطَلَاقِهَا الَّذِي شَهِدَا بِهِ وَرَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ (رَجَعَتْ) الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمَا (بِ) عِوَضِ (مَا فَوَّتَاهَا مِنْ إرْثٍ) مِنْ زَوْجِهَا وَهُوَ رُبْعُ تَرِكَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرْعٌ وَارِثٌ وَثُمُنُهَا إنْ كَانَ لَهُ فَرْعٌ وَارِثٌ (وَ) بِمَا فَوَّتَاهَا مِنْ نِصْفِ (صَدَاقٍ) .
(وَإِنْ كَانَ) أَيْ الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ بِتَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْنِ بِطَلَاقِ أَمَةٍ بِأَنْ كَانَ رَجُلٌ مُتَزَوِّجًا أَمَةَ غَيْرِهِ وَادَّعَى سَيِّدُهَا طَلَاقَهَا بَائِنًا وَأَنْكَرَهُ زَوْجُهَا فَأَقَامَ سَيِّدُهَا شَاهِدَيْنِ عَلَيْهِ فَأَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدَيْنِ بِتَجْرِيحِهِمَا أَوْ غَلَّطَهُمَا
عَنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْ طَلَاقِ أَمَةٍ: غَرِمَا لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ بِزَوْجِيَّتِهَا
ــ
[منح الجليل]
فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِرَدِّ شَهَادَةِ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ وَبَقَاءِ الْأَمَةِ عَلَى عِصْمَةِ زَوْجِهَا ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ الْأَخِيرَانِ (عَنْ) شَهَادَتِهِمَا بِ (تَجْرِيحِ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْ طَلَاقِ أَمَةٍ) فَإِنَّهُمَا (يَغْرَمَانِ) أَيْ الشَّاهِدَانِ الرَّاجِعَانِ عَنْ التَّجْرِيحِ أَوْ التَّغْلِيطِ (لِلسَّيِّدِ) لِتِلْكَ الْأَمَةِ (مَا نَقَصَ) مِنْ قِيمَتِهَا (بِ) سَبَبِ (زَوْجِيَّتِهَا) أَيْ كَوْنِهَا زَوْجَةً. الْبُنَانِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حَكَمَ بِالطَّلَاقِ أَوَّلًا ثُمَّ نَقَضَهُ، فَهُمَا حُكْمَانِ كَمَا صَوَّرَ بِهِ " ز " تَبَعًا لتت، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِالطَّلَاقِ حَتَّى يَعْذُرَ لِلزَّوْجِ فِي بَيِّنَتِهِ وَيَعْجِزَ عَنْ تَجْرِيحِهَا، وَأَيْضًا مَا الْمَانِعُ مِنْ تَصْوِيرِهَا بِالشَّهَادَةِ بِالتَّجْرِيحِ أَوْ التَّغْلِيطِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ الرُّجُوعُ عَنْهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِبَقَاءِ زَوْجِيَّتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ابْنُ مَرْزُوقٍ اُنْظُرْ كَيْفِيَّةَ الشَّهَادَةِ بِغَلَطِ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شَاسٍ كَصَاحِبِ النَّوَادِرِ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ. الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَابَا كَيْفِيَّتُهَا أَنْ يَشْهَدَا أَنَّهُمَا سَمِعَا شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ يُقِرَّانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْغَلَطِ وَمَاتَا أَوْ غَابَا وَلَمْ يَسْأَلَا وَتَذَكَّرَ هُنَا شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْقَاضِي أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بِكَذَا فَوَهَمَ، وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَوْ غَلَطَ بِبَيِّنَةٍ.
قُلْت أَوْ بِأَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدَانِ الْأَخِيرَانِ بِأَنَّهُمَا حَضَرَا مَجْلِسَ الطَّلَاقِ وَأَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَةً أُخْرَى لَا الْأَمَةَ أَوْ بِأَنَّهُمَا سَمِعَا كَلَامَ الزَّوْجِ مَعَ الْأَمَةِ وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظُ الطَّلَاقِ، وَتَعْتَرِفُ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى بِذَلِكَ، وَانْظُرْ مَا سَبَبُ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ وَمَاتَا أَوْ غَابَا وَلَمْ يَسْأَلَا، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَصْوِيرِهِ بِحَيَاتِهِمَا وَحُضُورِهِمَا مُنْكِرِينَ الْإِقْرَارَ الْمَشْهُودَ بِهِ أَوْ مُعْتَرِفِينَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ لَهُ أَمَةٌ ذَاتُ زَوْجٍ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِطَلَاقِهَا وَالسَّيِّدُ يَدَّعِيه فَقَضَى لَهُ بِطَلَاقِهَا ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِإِسْقَاطِ شَهَادَتِهِمَا بِأَنَّهُمَا زَوَّرَا بِشَهَادَتِهِمَا أَوْ كَانَا غَائِبَيْنِ عَنْ الْبَلَدِ الَّذِي شَهِدَا بِهِ فَأَثْبَت الْقَاضِي النِّكَاحَ وَنَقَضَ حُكْمَهُ بِالْفِرَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ الْأَخِيرَانِ فَعَلَيْهِمَا غُرْمُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا ذَاتَ زَوْجٍ وَقِيمَتِهَا خَالِيَةً مِنْهُ.
وَلَوْ كَانَ بِخُلْعٍ بِثَمَرَةٍ لَمْ تَطِبْ، أَوْ آبِقٍ: فَالْقِيمَةُ حِينَئِذٍ عَلَى الْأَحْسَنِ.
ــ
[منح الجليل]
وَلَوْ كَانَ) الرُّجُوعُ عَنْ شَهَادَةٍ عَلَى زَوْجَةٍ (بِخُلْعٍ) مِنْهَا لِزَوْجِهَا (بِثَمَرَةٍ لَمْ تَطِبْ أَوْ) بِرِقِّ (آبِقٍ) بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِصِحَّتِهِ لِاغْتِفَارِ الْغَرَرِ فِيهِ (فَالْقِيمَةُ) لِلثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تَطِبْ وَالْآبِقُ عَلَى غَرَرِهِمَا يَغْرَمُهَا الشَّاهِدَانِ لِلزَّوْجَةِ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ رُجُوعِهِمَا بِلَا تَأْخِيرٍ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَكْثَرِ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّهَا (كَالْإِتْلَافِ) لِلثَّمَرَةِ قَبْلَ طِيبِهَا الْمُوجِبِ لِغُرْمِ الْمُتْلِفِ قِيمَتَهَا عَلَى غَرَرِهَا حِينَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ لَا تَرْجِعُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ حَتَّى تُجَذَّ الثَّمَرَةُ وَيَقْبِضَهَا الزَّوْجُ فَيَغْرَمَ الشَّاهِدَانِ قِيمَتَهَا حِينَئِذٍ لِلزَّوْجَةِ، وَلَا يَغْرَمَانِ لَهَا قِيمَةَ الْآبِقِ إلَّا بَعْدَ وِجْدَانِهِ وَقَبْضِهِ وَوَضَحَ قَوْلُهُ فَالْقِيمَةُ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ (بِلَا تَأْخِيرٍ) لِتَقْوِيمِ الثَّمَرَةِ وَالْآبِقِ (لِلْحُصُولِ) أَيْ طِيبِ الثَّمَرَةِ وَقَبْضِ الْآبِقِ (فَيَغْرَمَ) بِالنَّصْبِ فِي جَوَابِ النَّفْيِ الشَّاهِدَانِ (الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الْحُصُولِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ (عَلَى الْأَحْسَنِ) عِنْدَ رَاشِدٍ شَارِحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، قَالَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَقْيَسُ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ رَجَعَا عَنْ الْخُلْعِ بِثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَغْرَمَانِ قِيمَتَهَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ كَمَنْ أَتْلَفَهَا، وَفِي الْآبِقِ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُؤَخَّرُ الْجَمِيعُ إلَى الْحُصُولِ فَيَغْرَمَانِ مَا يَحْصُلُ، وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ شَهِدَا عَلَى أَنَّهُ خَالَعَهَا بِثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَأَقَرَّا بِالزُّورِ فَلْيَغْرَمَا لَهَا قِيمَةَ الثَّمَرَةِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ. ابْنُ الْمَوَّازِ بَلْ يَغْرَمَانِ لَهَا قِيمَتَهَا يَوْمَ يَأْخُذُهَا الزَّوْجُ وَيَقْبِضُهَا، وَكَذَلِكَ إنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ آبِقٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ أَوْ جَنِينٍ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ثُمَّ رَجَعَا فَلَا يَلْزَمُهُمَا غُرْمٌ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْجَنِينِ وَقَبْضِهِ، وَبَعْدَ وُجْدَانِ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ وَقَبْضِهِمَا فَيَغْرَمَانِ لَهَا قِيمَةَ ذَلِكَ يَوْمئِذٍ إلَى هَذَا رَجَعَ مُحَمَّدٌ وَلِعَبْدِ الْمَلِكِ قَوْلٌ تَرَكْته، وَعَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ إنْ ظَهَرَ مَوْتُ الْآبِقِ أَوْ الشَّارِدِ قَبْلَ الْخُلْعِ رَدَّتْ الزَّوْجَةُ الْقِيمَةَ لِلشَّاهِدَيْنِ وَإِنْ ظَهَرَ مَعِيبًا رَدَّتْ لَهُمَا مَا زَادَتْهُ قِيمَتُهُ سَلِيمًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ. " غ " الْقِيمَةُ الْأُولَى حِينَ الرُّجُوعِ وَهِيَ مُثْبَتَةٌ، وَالْقِيمَةُ الثَّانِيَةُ حِينَ الْحُصُولِ وَهِيَ مَنْفِيَّةٌ فَلَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى
وَإِنْ كَانَ بِعِتْقٍ غَرِمَا قِيمَتَهُ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ، وَهَلْ إنْ كَانَ لِأَجَلٍ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ وَالْمَنْفَعَةُ إلَيْهِ لَهُمَا، أَوْ تَسْقُطُ مِنْهَا الْمَنْفَعَةُ،
ــ
[منح الجليل]
مَوْضِعٍ وَلَا عَلَى حُكْمٍ فَلَا تَكْرَارَ وَلَا إعَادَةَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فَيَغْرَمَ بِالنَّصْبِ جَوَابًا لِلنَّفْيِ وَعُطِفَ الْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ عَلَى الصَّرِيحِ وَالْأَحْسَنِيَّةُ ذَكَرَهَا ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ فَقَالَ وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَقْيَسُ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْغُرْمُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُخَالِعُ بِهِ يَوْمَ الْخُلْعِ كَالْإِتْلَافِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ كَانَ تَالِفًا يَوْمئِذٍ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ. وَأَمَّا فِي الْإِتْلَافِ فَلَا. اهـ. وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنْ كَانَ) الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ (بِعِتْقٍ) لِرَقِيقٍ عَلَى سَيِّدِهِ الْمُنْكِرِ لَهُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ (غَرِمَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (قِيمَتَهُ) أَيْ الرَّقِيقِ يَوْمَ الْحُكْمِ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ الْإِفَاتَةِ فِيهَا إنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْعِتْقِ الَّذِي شَهِدَا بِهِ ضَمِنَا قِيمَةَ الْمُعْتَقِ (وَوَلَاؤُهُ) أَيْ الْمُعْتَقِ بِالْفَتْحِ (لَهُ) أَيْ السَّيِّدِ لِاعْتِرَافِهِمَا لَهُ بِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُقِيمًا عَلَى الْجَحْدِ فَلَهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَوَلَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ رَجُلٍ فَوَلَاؤُهُ لِلرَّجُلِ. الْمَازِرِيُّ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ مُعْتَرِفَانِ بِأَنَّ الْوَلَاءَ لِسَيِّدِهِ لَا لَهُمَا، فَإِذَا مَاتَ الْعَتِيقُ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ النَّسَبِ وَرِثَهُ سَيِّدُهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِعِتْقِهِ أَمَةً وَعَلِمَ سَيِّدُهَا بُطْلَانَ الشَّهَادَةِ فَلَهُ وَطْؤُهَا وَلَوْ قَبَضَ قِيمَتَهَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَمَةِ التَّزَوُّجُ إذَا عَلِمَتْ بُطْلَانَ الشَّهَادَةِ وَإِلَّا جَازَ. (وَهَلْ إنْ كَانَ) الْعِتْقُ الَّذِي شَهِدَا بِهِ وَرَجَعَا عَنْهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (لِأَجَلٍ) كَسَنَةٍ (يَغْرَمَانِ) أَيْ الشَّاهِدَانِ (الْقِيمَةَ) لِسَيِّدِهِ (وَ) تَكُونُ (الْمَنْفَعَةُ) أَيْ غَلَّةُ الرَّقِيقِ مُسْتَمِرَّةً (إلَيْهِ) أَيْ الْأَجَلِ (لَهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ يَسْتَوْفِيَانِ مِنْهَا الْقِيمَةَ الَّتِي أَدَّيَاهَا لِلسَّيِّدِ، وَمَا زَادَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ عَنْهَا فَهُوَ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي الْأَجَلِ أَوْ تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ تُوفِ مَنْفَعَتُهُ بِقِيمَتِهِ فَلَا يَرْجِعَانِ عَلَى السَّيِّدِ بِشَيْءٍ، وَهَلْ يُسَلَّمُ الْعَبْدُ لَهُمَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَا مِنْ غَلَّتِهِ أَوْ يَبْقَى تَحْتَ سَيِّدِهِ وَيَدْفَعَ لَهُمَا غَلَّتَهُ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ أَوْ كُلَّ شَهْرٍ مَثَلًا قَوْلَانِ. (أَوْ يُسْقَطَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَافِ (مِنْهَا) أَيْ الْقِيمَةِ (الْمَنْفَعَةُ) أَيْ قِيمَتُهَا
أَوْ يُخَيَّرُ فِيهِمَا؟ أَقْوَالٌ.
وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ تَدْبِيرٍ:
ــ
[منح الجليل]
عَلَى غَرَرِهَا وَتَبْقَى الْمَنْفَعَةُ لِلسَّيِّدِ إلَى الْأَجَلِ (أَوْ يُخَيَّرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ مُثَقَّلًا لِلسَّيِّدِ (فِيهِمَا) أَيْ إسْلَامِ الْعَبْدِ لِلشَّاهِدَيْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَا الْقِيمَةَ مِنْهَا وَإِسْقَاطِ قِيمَتِهَا مِنْ قِيمَةِ الرَّقَبَةِ، فِي الْجَوَابِ (أَقْوَالٌ) الْبُنَانِيُّ جَعَلَ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةً وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: لِعَبْدِ الْمَلِكِ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ وَالْمَنْفَعَةَ لِلْأَجَلِ لَهُمَا، لَكِنْ يَبْقَى تَحْتَ يَدِ سَيِّدِهِ وَيُعْطِيهِمَا مِنْ تَحْتِ يَدِهِ. الثَّانِي: لِسَحْنُونٍ كَالْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُ يُسَلَّمُ إلَيْهِمَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَا مَا غَرِمَاهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ لِسَيِّدِهِ إلَى الْأَجَلِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَحْتَمِلُهُمَا قَوْلُهُ وَالْمَنْفَعَةُ لَهُمَا إلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ بَعْدَ أَنْ تَسْقُطَ مِنْهَا قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ كَمَا فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ لَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ. وَلَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ. وَالرَّابِعُ: لِابْنِ الْمَوَّازِ يُخَيَّرُ السَّيِّدُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. شب عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ إنْ اسْتَوْفَيَا مِنْهَا مَا غَرِمَا وَبَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ رَجَعَتْ لِلسَّيِّدِ وَإِنْ قَتَلَهُ سَيِّدُهُ رَجَعَا عَلَيْهِ بِبَقِيَّةِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ بِبَقِيَّةِ مَالِهِمَا إنْ زَادَتْ قِيمَةُ بَاقِي الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهَا فَإِنْ مَاتَ قَبْلُ وَتَرَكَ مَالًا أَوْ قُتِلَ وَأَخَذَ سَيِّدُهُ قِيمَتَهُ مِمَّنْ قَتَلَهُ فَإِنَّهُمَا يَأْخُذَانِ مَا بَقِيَ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ.
" ق " مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ إلَى سِنِينَ فَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعَا فَعَلَيْهِمَا لِسَيِّدِهِ قِيمَتُهُ حَالَّةً، وَيَطْلُبَانِ ذَلِكَ فِي خِدْمَتِهِ فَيُؤَجِّرَاهُ أَوْ يَسْتَخْدِمَاهُ، فَإِنْ قَبَضَا مَا أَدَّيَا قَبْلَ الْأَجَلِ رَجَعَ الْعَبْدُ يَخْدُمُ سَيِّدَهُ إلَيْهِ، وَإِنْ تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَتِمَّ مَا أَدَّيَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا مِمَّا بَقِيَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَغْرَمَانِ قِيمَتَهُ مُسْقِطًا مِنْهَا قِيمَةَ خِدْمَتِهِ لِلْأَجَلِ. ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ قَالَ سَيِّدُهُ بَعْدَمَا أَغْرَمَهُمَا قِيمَتَهُ لَا أُسَلِّمُهُ إلَيْهِمَا وَأَسْتَخْدِمُهُ وَأَدْفَعُ إلَيْهِمَا مَا يَحِلُّ عَلَيَّ مِنْ خِدْمَتِهِ، فَذَلِكَ لَهُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إسْلَامِهِ إلَيْهِمَا لِيَأْخُذَا مِنْ خِدْمَتِهِ مَا أَدَّيَا وَبَيْنَ حَبْسِهِ وَدَفْعِهِ إلَيْهِمَا مَا يَحْصُلُ مِنْ خِدْمَتِهِ إلَى مَبْلَغِ مَا أَدَّيَا.
(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِعِتْقِ تَدْبِيرٍ) بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ وَإِضَافَتُهُ لِلْبَيَانِ
فَالْقِيمَةُ، وَاسْتَوْفَيَا مِنْ خِدْمَتِهِ. فَإِنْ عَتَقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ فَعَلَيْهِمَا، وَهُمَا أَوْلَى، إنْ رَدَّهُ دَيْنٌ، أَوْ بَعْضُهُ: كَالْجِنَايَةِ.
وَإِنْ كَانَ بِكِتَابَةٍ فَالْقِيمَةُ، وَاسْتَوْفَيَا مِنْ نُجُومِهِ، وَإِنْ رُقَّ: فَمِنْ رَقَبَتِهِ
ــ
[منح الجليل]
فَالْقِيمَةُ) عَلَيْهَا حَالَّةً (وَاسْتَوْفَيَا) هَا (مِنْ خِدْمَتِهِ) أَيْ الْمُدَبَّرِ لِمَنْعِهِمَا سَيِّدَهُ مِنْ بَيْعِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَبَاقِي خِدْمَتِهِ إنْ كَانَ لِسَيِّدِهِ (فَإِنْ عَتَقَ) الْمُدَبَّرُ (بِمَوْتِ سَيِّدِهِ) لِحَمْلِهِ ثُلُثَهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِمَا (فَ) قَدْ فَاتَ (عَلَيْهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ مَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهِ (وَ) إنْ أَبْطَلَ تَدْبِيرَهُ دُيِّنَ عَلَى سَيِّدِهِ فَ (هُمَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (أَوْلَى) أَيْ أَحَقُّ مِنْ أَرْبَابِ الدَّيْنِ بِاسْتِيفَاءِ قِيمَتِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ (إنْ رَدَّهُ) أَيْ الْمُدَبَّرَ إلَى الرِّقِّ (دَيْنٌ) عَلَى سَيِّدِهِ كُلَّهُ (أَوْ) رَدَّ الدَّيْنَ (بَعْضَهُ) لِبُطْلَانِ التَّدْبِيرِ فِي الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ وَرُجُوعِهِ رِقًّا وَقَدْ أَخَذَ سَيِّدُهُ مِنْهُمَا قِيمَتَهُ وَهِيَ دَيْنٌ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ (كَ) أَرْشِ (الْجِنَايَةِ) مِنْ الْمُدَبَّرِ عَلَى حُرٍّ أَوْ عَبْدِ الَّذِي بَطَلَ تَدْبِيرُهُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بِدَيْنٍ فَمُسْتَحِقُّهُ مُقَدَّمٌ فِي رَقَبَتِهِ عَلَى رَبِّ دَيْنٍ عَلَى السَّيِّدِ. ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ مَاتَ سَيِّدُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِرِقِّهِ بِيعَ لَهُمَا أَيْ الشَّاهِدَيْنِ قَبْلَ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ جَنَى جِنَايَةً وَالدَّيْنُ مُحِيطٌ بِهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْجِنَايَةِ أَوْلَى بِرَقَبَتِهِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ ضَيْح، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَحَمَلَهُ ثُلُثُهُ خَرَجَ حُرًّا، وَإِنْ رَقَّ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُمَا أَوْلَى بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّهُ دَيْنٌ فَهُمَا أَوْلَى مِنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ كَأَهْلِ الْجِنَايَةِ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ، قَالَ وَقَوْلُهُ أَوْ بَعْضَهُ يَقْتَضِي أَنَّ رُقْيَةَ بَعْضِهِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّيْنِ كَرِقِّيَّةِ الْكُلِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ السَّيِّدَ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا سِوَى الْمُدَبَّرِ عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُهُ وَرَقَّ ثُلُثَاهُ.
(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِكِتَابَةٍ) لِرَقِيقٍ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا (فَالْقِيمَةُ) لِلْمَشْهُودِ بِكِتَابَتِهِ يَغْرَمَانِهَا لِسَيِّدِهِ حَالَّةً (وَاسْتَوْفَيَا) هَا، أَيْ الشَّاهِدَانِ الْقِيمَةَ (مِنْ نُجُومِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ وَبَاقِيهَا لِسَيِّدِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَإِنْ رُقَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ الْمُكَاتَبُ لِعَجْزِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ نُجُومِهَا (فَ) تُسْتَوْفَى قِيمَتُهُ (مِنْ) ثَمَنِ (رَقَبَتِهِ) وَإِنْ لَمْ يَفِ ثَمَنُهُ بِقِيمَتِهِ ضَاعَ بَاقِيهَا عَلَيْهِمَا. سَحْنُونٌ إنْ شَهِدَ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدَهُ فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا وَأَقَرَّا بِالزُّورِ فَالْحُكْمُ
وَإِنْ كَانَ بِإِيلَادٍ فَالْقِيمَةُ، وَأَخَذَا مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا، وَفِيمَا اسْتَفَادَتْهُ: قَوْلَانِ
ــ
[منح الجليل]
مَاضٍ، وَلْيُؤَدِّيَا قِيمَتَهُ نَاجِزَةً لِلسَّيِّدِ يَوْمَ الْحُكْمِ وَيَتَأَدَّيَاهَا مِنْ الْكِتَابَةِ عَلَى النُّجُومِ، فَإِنْ اقْتَضَيَا مِنْهَا مِثْلَ مَا أَدَّيَا رَجَعَ السَّيِّدُ فَأَخَذَ بَاقِيَ الْكِتَابَةِ مُنَجَّمَةً، فَإِنْ أَدَّاهَا عَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ رَقَّ لَهُ، وَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ بَعْضِ الرَّاجِعِينَ مَا أَدَّيَا بِيعَ لِتَمَامِ مَا بَقِيَ لَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَمَامُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا غَيْرُهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ هَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَبِهِ أَقُولُ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه ". وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُوقَفُ قِيمَتُهُ بِيَدِ عَدْلٍ وَالسَّيِّدُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَظْلُومٌ مُنِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي عَبْدِهِ دُونَ ثَمَنٍ وَصَلَ إلَيْهِ وَلَا رَاحَةَ لِلشَّاهِدَيْنِ فِي وَقْفِهَا، وَلَعَلَّهَا تَتْلَفُ فَيَغْرَمَانِهَا ثَانِيَةً، وَلَوْ اسْتَحْسَنْتُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَقُلْتُ كُلَّمَا يَقْبِضُ السَّيِّدُ مِنْ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا يَدْفَعُ مِثْلَهُ لِلشَّاهِدَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ الْمَوْقُوفَةِ خِلَافُ ظَاهِرِ جَوَابِ سَحْنُونٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا رَجَعَا بِيعَتْ الْكِتَابَةُ بِعَرْضٍ، فَإِنْ شَاءَ السَّيِّدُ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ بِيعَ الْعَرْضُ، فَإِنْ وَفَّى ثَمَنَهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ زَادَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ تَبِعَهُمَا بِتَمَامِ الْقِيمَةِ. قَالَ عَنْهُ ابْنُ مُيَسِّرٍ فَإِنْ أَبَى السَّيِّدُ بَيْعَ الْكِتَابَةِ فَلَا يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ لَهُ شَيْئًا، فَالْأَقْوَالُ أَرْبَعَةٌ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ سَحْنُونٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَفِي عَدِّ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَوْ اسْتَحْسَنْت قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَخْ خَامِسًا نَظَرٌ.
(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِاسْتِيلَادٍ) مِنْ السَّيِّدِ لِأَمَتِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (فَالْقِيمَةُ) يَغْرَمَانِهَا كَامِلَةً عَلَى الْمَشْهُورِ نَاجِزَةً، وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمَا شَيْءٌ مِنْهَا لِبَقَاءِ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا وَيَسِيرِ خِدْمَتِهَا خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ (وَأَخَذَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ بَدَلَ قِيمَتِهَا (مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا) أَيْ الْأَمَةِ إنْ اتَّفَقَتْ وَبَاقِيهِ إنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ (وَفِي) أَخْذِهَا مِ (مَّا اسْتَفَادَتْهُ) الْأَمَةُ بِعَمَلٍ أَوْ هِبَةٍ مَثَلًا وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَعَدَمُهُ وَيَخْتَصُّ السَّيِّدُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا. الْعَدَوِيُّ الرَّاجِحُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَمِنْ كِتَابِهِ إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَوْلَدَ جَارِيَتَهُ، أَوْ أَنَّهُ
وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِهَا: فَلَا غُرْمَ؛
أَوْ بِعِتْقِ مُكَاتَبٍ: فَالْكِتَابَةُ.
ــ
[منح الجليل]
أَقَرَّ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ ثُمَّ رَجَعَا فَعَلَيْهِمَا قِيمَتُهَا لَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُمَا وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ يَطَؤُهَا لَهُ وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا وَلَا يَبْقَى فِيهَا خِدْمَةٌ، وَلَا يَرْجِعَانِ فِيهَا بِمَا غَرِمَا إلَّا أَنْ تُجْرَحَ أَوْ تُقْتَلَ، وَيُؤْخَذُ لِذَلِكَ أَرْشٌ فَلَهُمَا الرُّجُوعُ فِيهِ بِمِقْدَارِ مَا أَدَّيَا وَالْفَضْلُ لِسَيِّدِهَا. مُحَمَّدٌ وَلَا يَرْجِعَانِ فِيمَا تُفِيدُهُ مِنْ مَالٍ بِعَمَلٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ لِلسَّيِّدِ مَعَ مَا أَخَذَهُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ يَرْجِعَانِ فِي الْأَرْشِ وَفِي كُلِّ مَا أَخَذَتْ.
(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِعِتْقِهَا) أَيْ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ، إذْ لَمْ يُفَوِّتَا عَلَيْهِ غَيْرَ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَا قِيمَةَ لَهُ، وَيَسِيرُ الْخِدْمَةِ كَذَلِكَ. مُحَمَّدٌ إنْ شَهِدَا فِي أُمِّ وَلَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا فَحُكِمَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَا فَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا غَيْرُ وَطْئِهَا وَلَا قِيمَةَ لَهُ كَشَهَادَتِهِمَا أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْهَا، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهَا كَقَتْلِهَا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَصَحُّ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةٍ بِعِتْقِ أُمِّ وَلَدٍ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ فَفِي غُرْمِهِمَا قِيمَتَهَا وَعَدَمِهِ ثَالِثُهَا قِيمَةٌ مُخَفَّفَةٌ.
(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِعِتْقِ مُكَاتَبٍ) بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (فَالْكِتَابَةُ) أَيْ الْمَالُ الْمُكَاتَبُ بِهِ يَغْرَمَانِهَا مُنَجَّمَةً قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَيْنًا كَانَتْ أَوْ عَرْضًا لَا قِيمَتَهَا، وَإِنْ أَوْهَمَهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ غَرِمَا قِيمَةَ كِتَابَتِهِ، وَإِنْ كَانَ أَدَّى مِنْهَا شَيْئًا قَبْلَ الْحُكْمِ بِعِتْقِهِ غَرِمَا مَا بَقِيَ مِنْهَا. سَحْنُونٌ إنْ شَهِدَا لِلْمُكَاتَبِ أَنَّ سَيِّدَهُ قَبَضَ مِنْهُ كِتَابَتَهُ وَأَعْتَقَهُ أَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُ كِتَابَتَهُ وَخَرَجَ حُرًّا فَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعَا فَلْيَغْرَمَا لِسَيِّدِهِ مَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مِمَّا كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ كَانَ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا. ابْنُ الْمَوَّازِ يُؤَدِّيَانِهِ عَلَى النُّجُومِ وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ. الْخَرَشِيُّ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ رُجُوعِهِمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِعِتْقِ مُدَبَّرٍ أَوْ بِتَنْجِيزِ عِتْقِ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ، اُنْظُرْ الْكَبِيرَ لِلْعَدَوِيِّ، حَاصِلُهُ أَنَّهُمَا إذَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِعِتْقِ الْمُدَبَّرِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِقِيمَتِهِ عَلَى أَنَّهُ مُدَبَّرٌ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً لَكَانَ لَهُ وَطْؤُهَا وَيُقْضَى بِهِمَا دَيْنُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِتَنْجِيزِ عِتْقِ الْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ، فَإِنَّهُمَا يَغْرَمَانِ قِيمَةَ رَقَبَتِهِ
وَإِنْ كَانَ بِبُنُوَّةٍ، فَلَا غُرْمَ، إلَّا بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ بِإِرْثٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا: فَقِيمَتُهُ أَوَّلًا، ثُمَّ إنْ مَاتَ وَتَرَكَ آخَرَ: فَالْقِيمَةُ لِلْآخَرِ، وَغَرِمَا لَهُ نِصْفَ الْبَاقِي، وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ: أُخِذَ مِنْ كُلٍّ النِّصْفُ،
ــ
[منح الجليل]
عَلَى أَنَّهُ مُعْتَقٌ لِأَجَلٍ، وَلَوْ كَانَ إلَى مَوْتِ فُلَانٍ غَرِمَا قِيمَتَهُ إلَى أَقْصَى عُمُرَيْ الْعَبْدِ، وَاَلَّذِي أَعْتَقَ إلَى مَوْتِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِبُنُوَّةٍ) لِشَخْصٍ ادَّعَاهَا وَأَنْكَرَهَا أَبُوهُ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْهَا (فَلَا غُرْمَ) عَلَيْهِمَا فِي الْحَالِ إذْ لَمْ يُتْلِفَا عَلَى الْأَبِ مَالًا (إلَّا بَعْدَ) مَوْتِ الْأَبِ وَ (أَخَذَا) لِوَلَدِ الْمَشْهُودِ لَهُ لِ (لِمَالِ) الَّذِي تَرَكَهُ الْأَبُ (بِإِرْثٍ) عَنْهُ وَلِلْأَبِ وَرَثَةٌ حَجَبَهُمْ الِابْنُ الْمَشْهُودُ لَهُ كَإِخْوَةٍ أَوْ شَارَكَهُمْ كَأَوْلَادٍ فَيَغْرَمَانِ عِوَضَ مَا أَخَذَهُ الِابْنُ الْمَشْهُودُ لَهُ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وَارِثٌ غَيْرُ الِابْنِ الْمَشْهُودِ لَهُ فَإِنَّهُمَا يَغْرَمَانِ عِوَضَ جَمِيعِ التَّرِكَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِإِرْثٍ عَمَّا أَخَذَهُ الِابْنُ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى أَبِيهِ فَلَا يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ عِوَضَهُ وَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْمَشْهُودُ بِبُنُوَّتِهِ (عَبْدًا) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْأُبُوَّةِ (فَقِيمَتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ يَغْرَمُهَا الشَّاهِدَانِ (أَوَّلًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ مُشَدَّدًا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. (ثُمَّ إنْ مَاتَ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (وَتَرَكَ) ابْنًا (آخَرَ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الْخَاءِ ثَابِتًا نَسَبُهُ (فَالْقِيمَةُ) الَّتِي أَخَذَهَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ (لِ) لِابْنِ اَ (لِآخَرَ) الثَّابِتِ نَسَبُهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا الْمَشْهُودُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا حَقَّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِيهَا وَأَخْذُهَا مِنْ الشَّاهِدَيْنِ ظُلْمٌ وَتُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ الثَّابِتِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ (وَغَرِمَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (لَهُ) أَيْ الِابْنِ الثَّابِتِ نَسَبُهُ (نِصْفَ الْبَاقِي) مِنْ تَرِكَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ مِنْهَا.
(وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ) لِلتَّرِكَةِ عَلَى الْأَبِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (أُخِذَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (مِنْ كُلٍّ) مِنْ الِابْنَيْنِ الثَّابِتِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ (نِصْفُهُ) الَّذِي أُخِذَ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِمَا، وَكَذَا إنْ ظَهَرَ
وَكُمِّلَ بِالْقِيمَةِ؛ وَرَجَعَا عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيمِ
ــ
[منح الجليل]
دَيْنٌ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ فَيُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ وَخَصَّ الْمُصَنِّفُ الْمُسْتَغْرِقَ لِقَوْلِهِ وَكُمِّلَ بِالْقِيمَةِ (وَ) إنْ لَمْ يُوَفِّ مَا يُؤْخَذُ بِهِمَا بِالدَّيْنِ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى أَبِيهِمَا (كُمِّلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الدَّيْنُ (بِالْقِيمَةِ) الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا ثَابِتُ النَّسَبِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ الدَّيْنِ اخْتَصَّ بِهِ أَيْضًا وَأُخِّرَتْ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ لِلشَّكِّ فِي اسْتِحْقَاقِهَا الْمَيِّتِ (وَرَجَعَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ الِابْنِ الثَّابِتِ نَسَبُهُ (بِ) عِوَضِ (مَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ) الْمَشْهُودُ بِبُنُوَّتِهِ (لِلْغَرِيمِ) أَيْ صَاحِبِ الدَّيْنِ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا غَرِمَاهُ لِلثَّابِتِ لِإِتْلَافِهِ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا، فَلَمَّا ظَهَرَ الدَّيْنُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ كَشَفَ أَنَّ تَرِكَتَهُ حَقٌّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ لَا لِابْنِهِ الثَّابِتِ نَسَبُهُ، وَأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهُ الْغَرِيمُ. الْبِسَاطِيُّ قَالَ بِمَا غَرِمَهُ لِلْعَبْدِ إلَخْ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ لَا يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ فَلَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَلْزَمُ الثَّانِي لِلْغَرِيمِ. الْحَطّ هَذَا ظَاهِرٌ لَكِنْ الْمُصَنِّفُ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي دَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ فَلَا يُلَائِمُهُ مَا قَالَهُ، وَإِنَّمَا يُلَائِمُهُ لَوْ قَالَ بِمَا غَرِمَاهُ لَهُ وَيَظْهَرُ لِي إنْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ أَنَّ الْغَرِيمَ قَدْ لَا يَجِدُ بِيَدِ الْعَبْدِ إلَّا بَعْضَ مَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ بِالْبَاقِي، فَلَا يَرْجِعُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا بِقَدْرِ مَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيمِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَإِنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ فِي عَبْدِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ فَقَضَى بِإِلْحَاقِ نَسَبِهِ بِهِ وَحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ رَجَعَا وَالسَّيِّدُ صَحِيحُ الْبَدَنِ، فَالْحُكْمُ بِالنَّسَبِ مَاضٍ، وَعَلَيْهِمَا لِلسَّيِّدِ قِيمَةُ الْعَبْدِ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَرَكَ وَلَدًا آخَرَ مَعَ الْمُسْتَلْحَقِ فَلْيَقْسِمَا تَرِكَتَهُ إلَّا قِيمَةَ الْمُسْتَلْحَقِ الَّتِي أَخَذَهَا الْأَبُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ، فَإِنَّهَا تُعْزَلُ مِنْ التَّرِكَةِ فَتَكُونُ لِلِابْنِ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَلْحَقَ يَقُولُ إنَّ أَبَاهُ ظَلَمَ الشُّهُودَ فِيهَا وَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُ فِيهَا، وَيَنْظُرُ مَا حَصَلَ لِلْمُسْتَلْحَقِ مِنْ الْمِيرَاثِ فَيَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ مِثْلَهُ لِلِابْنِ الْأَوَّلِ عِوَضَ مَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ. مُحَمَّدٌ إنَّمَا جَعَلْنَا الْقِيمَةَ كُلَّهَا لِلِابْنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّا لَوْ قَسَمْنَاهَا بَيْنَهُمَا لَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْمُسْتَلْحَقِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهَا فَأَخَذَاهُ مِنْهُ لِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِأَبِيهِ عَلَيْهِمَا لِصِحَّةِ نَسَبِهِ، فَإِذَا أَخَذَا ذَلِكَ مِنْهُ قَامَ عَلَيْهِمَا الِابْنُ الْأَوَّلُ فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُسْتَلْحَقِ لَوَجَبَ لِي الرُّجُوعِ بِمِثْلِهِ عَلَيْكُمَا، إذْ تَغْرَمَانِ لِي كُلَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّكُمَا أَلْحَقْتُمَاهُ
وَإِنْ بِرِقٍّ لِحُرٍّ فَلَا غُرْمَ؛ إلَّا لِكُلِّ مَا اُسْتُعْمِلَ، وَمَالٍ اُنْتُزِعَ، وَلَا يَأْخُذُهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَوَرِثَ عَنْهُ، وَلَهُ عَطِيَّتُهُ لَا تَزَوُّجٌ
ــ
[منح الجليل]
بِأَبِي مُحَمَّدٍ
فَلَوْ طَرَأَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مِائَةُ دِينَارٍ فَلْيَأْخُذْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَلَدَيْنِ نِصْفَهَا، فَإِنْ عَجَزَ ذَلِكَ أَتَمَّ قَضَاءَ ذَلِكَ الدَّيْنِ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الِابْنُ الْأَوَّلُ، وَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الِابْنِ الثَّابِتِ فَأَغْرَمَاهُ مِثْلَ الَّذِي غَرِمَهُ الْمُسْتَلْحَقُ لِلْغَرِيمِ. ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا غَرِمَا لَهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ الْمُسْتَلْحَقُ، وَاَلَّذِي أَخَذَهُ الْمُسْتَلْحَقُ قَدْ قَضَى بِهِ الِابْنُ دَيْنَ أَبِيهِ وَلَا مِيرَاثَ لِلِابْنِ الثَّابِتِ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ الدَّيْنِ، وَأَيْضًا فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَأْخُذْ الْمُسْتَلْحَقُ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا غَرِمَ مِثْلَ ذَلِكَ لِلثَّابِتِ، فَلِذَا وَجَبَ لَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا بِهِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِرِقٍّ) أَيْ رُقْيَةٍ (لِ) شَخْصٍ (حُرٍّ) فِي الْوَاقِعِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا (فَلَا غُرْمَ) عَلَيْهِمَا حَالَ رُجُوعِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ الْحُرِّيَّةَ وَلَا قِيمَةَ لَهَا (إلَّا) أَنَّ عَلَيْهِمَا الْغُرْمَ (لِكُلِّ مَا) أَيْ عَمَلٍ (اُسْتُعْمِلَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْمَشْهُودِ بِرِقِّيَّتِهِ، أَيْ اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ الْمَشْهُودُ لَهُ فَيَغْرَمَانِ لَهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ (وَ) يَغْرَمَانِ لَهُ أَيْضًا عِوَضَ كُلِّ (مَالٍ اُنْتُزِعَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ انْتَزَعَهُ مِنْهُ الْمَشْهُودُ لَهُ (وَلَا يَأْخُذُهُ) أَيْ مَا غَرِمَهُ الشَّاهِدَانِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (الْمَشْهُودُ لَهُ) لِأَنَّهُ يَقُولُ إنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ قَدْ ظَلَمَ الشَّاهِدَيْنِ فِي أَخْذِهِ مِنْهُمَا. (وَ) إنْ مَاتَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَنْ وَرَثَةٍ (وُرِثَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَالُ الَّذِي غَرِمَهُ الشَّاهِدَانِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (عَنْهُ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ مِنْهُ (وَلَهُ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (عَطِيَّتُهُ) أَيْ إعْطَاءُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ لِشَخْصٍ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً وَلَيْسَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ فِيهِ (لَا تَزَوُّجٌ) أَيْ لَيْسَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِدُونِ إذْنِ الْمَشْهُودِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِيهِ تَنْقُصُ بِهِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِدُونِ إذْنِهِ فَلَهُ فَسْخُهُ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُ فُلَانٍ وَهُوَ يَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ فَقَضَى بِرِقِّهِ ثُمَّ رَجَعَا فَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِمَا، وَيَغْرَمَانِ لِلْعَبْدِ كُلَّمَا اسْتَعْمَلَهُ سَيِّدُهُ وَخَرَاجَ عَمَلِهِ وَمَا انْتَزَعَهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ قَضَى لَهُ بِمِلْكِهِ
وَإِنْ كَانَ بِمِائَةٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، ثُمَّ قَالَا لِزَيْدٍ: غَرِمَا خَمْسِينَ لِعَمْرٍو فَقَطْ.
ــ
[منح الجليل]
أَخْذُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ فَلَا يَرِثُ ذَلِكَ السَّيِّدُ وَيُوقَفُ حَتَّى يَسْتَحِقَّهُ مُسْتَحِقٌّ ثُمَّ يَرِثَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ أَوْصَى مِنْهُ الْعَبْدُ فَمَا أَوْصَى بِهِ فِي ثُلُثِهِ، وَإِنْ وَهَبَ مِنْهُ أَوْ تَصَدَّقَ جَازَ، وَيَرِثُ بَاقِيَهُ وَرَثَتُهُ إنْ كَانَ لَهُ مَنْ يَرِثُهُ إنْ كَانَ حُرًّا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ اهـ. فِي التَّوْضِيحِ يَتَخَرَّجُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْغَصْبِ أَنَّ مَنْ بَاعَ حُرًّا وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ أَنَّ عَلَى الرَّاجِعِينَ دِيَةَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. الْمِسْنَاوِيُّ هَذَا تَخْرِيجٌ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ الْقَوْلِ عَنْ الْفِعْلِ وَلِانْضِمَامِ دَعْوَى الْمُدَّعِي لِلشَّهَادَةِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ لَا تَجِبُ دِيَتُهُ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمَا بِالتَّسَبُّبِ فِي رِقِّيَّتِهِ، بَلْ الْمُدَّعَى مَعَهُمَا.
(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِمِائَةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ فَهَمْزٌ مِنْ الدَّنَانِيرِ مَثَلًا (لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو) عَلَى بَكْرٍ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ الشَّاهِدَانِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا لَهُمَا عَلَيْهِ الْمِائَةُ (لِزَيْدٍ وَحْدَهُ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُنْفَرِدًا بِهَا عَنْ عَمْرٍو (غَرِمَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (خَمْسِينَ) دِينَارًا مَثَلًا (لِلْغَرِيمِ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ بَكْرٌ فِي الْمِثَالِ (فَقَطْ) قَيَّدَ فِي خَمْسِينَ، أَيْ لَا أَزْيَدَ مِنْهَا " غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ لِعَمْرٍو مَكَانَ لِلْغَرِيمِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ فَظِيعٌ، وَأَصْلُهَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهَا لَهُمَا وَقَالَا إنَّمَا نَشْهَدُ لِأَحَدِهِمَا وَعَيَّنَاهُ رَجَعَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ بِخَمْسِينَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِلْآخَرِ بِكُلِّ الْمِائَةِ لِجَرْحِهِمَا بِرُجُوعِهِمَا وَلَا يَغْرَمَانِ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَقَدْ بَقِيَ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ يَغْرَمَانِ لَهُ خَمْسِينَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا أَخَذَا خَمْسِينَ مِنْ الْمَطْلُوبِ أَعْطَيَاهَا لِمَنْ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ شَهِدَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَرَجَعَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ لَهُمَا وَقَالَا إنَّمَا أَقَرَّ بِهِ لِفُلَانٍ مِنْهُمَا فَهَهُنَا يَغْرَمَانِ لِمَنْ أَقَرَّا لَهُ قِيمَةَ نِصْفِهِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ.
هَذَا إنْ أَقَرَّ مَنْ كَانَ الْعَبْدُ بِيَدِهِ أَنَّهُ لِمَنْ شَهِدَا لَهُ خَيْرًا، وَإِنْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ وَأَنْكَرَ شَهَادَتَهُمَا غَرِمَا نِصْفَ قِيمَتِهِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْمُقَرِّ لَهُ آخِرًا إلَّا نِصْفُهُ.
وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا: غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ كَرَجُلٍ مَعَ نِسَاءٍ، وَهُوَ مَعَهُنَّ فِي الرَّضَاعِ كَاثْنَتَيْنِ:
ــ
[منح الجليل]
ابْنُ عَرَفَةَ يَقُومُ مِنْهُ أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ بِحَالٍ مَا دَامَ فِي الذِّمَّةِ وَأَنَّ التَّعَرُّضَ لَهُ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ لَا يُوجِبُ فِيهِ حُكْمًا، وَنَزَلَتْ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْقَرْنِ يَعْنِي الثَّامِنَ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فَعَدَا السُّلْطَانُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ فَأَخَذَ دَيْنَهُ مِنْ غَرِيمِهِ ثُمَّ تَمَكَّنَ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ طَلَبِ الْمَدِينِ بِدَيْنِهِ فَاحْتَجَّ الْمَدِينُ بِجَبْرِ السُّلْطَانُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ، فَأَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِبَرَاءَةِ الْمَدِينِ وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ.
(وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ بِحَقٍّ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ بِشَهَادَتِهِمَا (غَرِمَ) الرَّاجِعُ (نِصْفَ الْحَقِّ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنْ وَافَقَهُ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الرُّجُوعِ وَلَعَلَّهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ يَغْرَمُ الْكُلَّ لِكَوْنِ الرُّجُوعِ عَنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَشْهُودِ بِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَهِدَ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْحَقِّ، وَشَبَّهَ فِي غُرْمِ نِصْفِ الْحَقِّ فَقَالَ (كَ) رُجُوعِ (رَجُلٍ) شَهِدَ (مَعَ نِسَاءٍ) بِحَقٍّ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ وَعَلَيْهِنَّ النِّصْفُ إنْ رَجَعْنَ دُونَهُ وَإِنْ كَثُرْنَ لِأَنَّهُنَّ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ. سَحْنُونٌ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ ثُمَّ رَجَعَ الرَّجُلُ وَامْرَأَةٌ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْحَقِّ وَحْدَهُ وَلَا تُضَمُّ الْمَرْأَةُ إلَى رَجُلٍ، وَإِنَّمَا تُضَمُّ إلَى مِثْلِهَا، وَاثْنَتَانِ مِنْهُنَّ فَأَكْثَرُ عَدْلُ رَجُلٍ
فَلَوْ رَجَعَ الرَّجُلُ وَالنِّسْوَةُ كُلُّهُنَّ لَزِمَ الرَّجُلَ نِصْفُ الْحَقِّ وَالنِّسْوَةَ نِصْفُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَلِابْنِ سَحْنُونٍ عَنْهُ لَوْ رَجَعَ رَجُلٌ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ عَنْ شَهَادَةٍ بِحَقٍّ غَرِمَ الرَّجُلُ نِصْفَهُ وَالنِّسْوَةُ نِصْفَهُ، وَلَوْ رَجَعَ النِّسْوَةُ وَهُنَّ عَشْرٌ وَاحِدَةٌ إلَى ثَمَانِيَةٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِنَّ، فَلَوْ رَجَعَ مِنْهُنَّ تِسْعٌ فَعَلَيْهِنَّ رُبْعُ الْمَالِ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوَاءِ، قُلْت لِأَنَّ التِّسْعَ كَامْرَأَةٍ مِنْ امْرَأَتَيْنِ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِمَالٍ ثُمَّ رَجَعَتْ الْمَرْأَتَانِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ رُبْعُهُ، وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ إلَّا وَاحِدَةٌ فَعَلَيْهَا الرُّبْعُ. (وَهُوَ) أَيْ الرَّجُلُ الشَّاهِدُ (مَعَهُنَّ) أَيْ النِّسَاءِ (فِي الرَّضَاعِ كَاثْنَتَيْنِ) نَحْوُهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
لِابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَعَهُنَّ فِيهِ كَامْرَأَةٍ. الْخَرَشِيُّ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الرَّجُلَ مَعَ النِّسَاءِ كَامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ وَمَا شَابَهَهُ مِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَتَانِ، ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا شَهَادَةُ الرَّضَاعِ وَنَحْوُهُ فَهَلْ هُوَ فِيهِ كَامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ فِي الرَّضَاعِ يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَبِامْرَأَتَيْنِ أَوْ كَامْرَأَتَيْنِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ بِرَضَاعٍ وَرَجَعَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ لِبَقَاءِ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِهِ الْحُكْمُ وَهُمَا امْرَأَتَانِ حَيْثُ فَشَا قَوْلُهُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ، فَإِنْ رَجَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْبَاقِيَتَيْنِ فَنِصْفُ الْغَرَامَةِ عَلَى الرَّجُلِ وَالتِّسْعِ الرَّاجِعِينَ، وَهَلْ يُجْعَلُ كَامْرَأَةٍ أَوْ كَامْرَأَتَيْنِ؟ فِيهِ مَا مَرَّ، فَإِنْ رَجَعَتْ الْمَرْأَةُ الْبَاقِيَةُ فَالْغُرْمُ عَلَى الرَّجُلِ وَعَلَيْهِنَّ، وَهَلْ يُجْعَلُ الرَّجُلُ كَامْرَأَةٍ أَوْ كَامْرَأَتَيْنِ فِيهِ مَا مَرَّ أَيْضًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ النِّسَاءَ تُضَمُّ لِلرَّجُلِ فِي الْغَرَامَةِ فِي شَهَادَةِ الرَّضَاعِ فِي الْحَالَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَتَانِ كَالرَّضَاعِ وَغَيْرِهِ وَرَجَعُوا، فَعَلَى الرَّجُلِ السُّدُسُ وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ سُدُسٍ.
قُلْتُ أَرَادَ أَنَّ الشُّهُودَ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ، كَذَا صَوَّرَهَا ابْنُ شَاسٍ، وَذَكَرَ فِيهَا الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. ابْنُ هَارُونَ جَعَلَ عَلَى الرَّجُلِ ضَعْفَ مَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْقِيَاسُ اسْتِوَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْغُرْمِ فِي هَذَا الْفَصْلِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ فِيهِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، ثُمَّ قَالَ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَمَّا آلَتْ إلَى الْمَالِ حُكِمَ فِي الرُّجُوعِ عَنْهَا بِحُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِالْمَالِ. قُلْتُ هَذَا التَّوْجِيهُ وَهْمٌ؛ لِأَنَّ رُجُوعَ الرَّجُلِ مَعَ النِّسْوَةِ فِي الْأَمْوَالِ يُوجِبُ عَلَيْهِ غُرْمَ نِصْفِ الْحَقِّ لَا ضِعْفَ مَا يَجِبُ عَلَى امْرَأَةٍ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ مِنْ إضَافَةِ الْغُرْمِ إلَى عَدَدِ الشُّهُودِ مِنْ حَيْثُ عَدَدُهُمْ لَا عَلَى أَقَلِّ النِّصَابِ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَشْهَبَ فِي أَرْبَعَةٍ رَجَعَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْحَقِّ، خِلَافُ الْمَشْهُورِ أَنَّ عَلَيْهِمْ نِصْفُهُ، ثُمَّ تَعَقَّبَ تَوْجِيهَهُ الْمَذْكُورَ بِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ لَوْ رَجَعُوا إلَّا امْرَأَتَيْنِ فَلَا غُرْمَ، قَالَ فَهَذَا يُقَوِّي مَا قُلْنَاهُ إنَّ الرَّجُلَ فِي هَذَا
وَعَنْ بَعْضِهِ: غَرِمَ نِصْفَ الْبَعْضِ
وَإِنْ رَجَعَ مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ: فَلَا غُرْمَ،
ــ
[منح الجليل]
الْبَابِ كَالْمَرْأَةِ، فَلِذَا اسْتَقَلَّ الْحُكْمُ بِامْرَأَتَيْنِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ بَقَاءَ الْمَرْأَتَيْنِ يُثْبِتُ حُكْمَ الرَّضَاعِ وَكُلُّ مَا ثَبَتَ فَلَا غُرْمَ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي نُقِضَ فِيهَا عِلَّةُ الْحُكْمِ مُبَايِنَةٌ لِصُورَةِ النِّزَاعِ فَلَا تُرَدُّ نَقْضًا فَتَأَمَّلْهُ، وَلَمْ أَعْرِفْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَلَقَدْ أَطَالَ الشَّيْخُ وَالصَّقَلِّيُّ فِي هَذَا الْبَابِ، فَذَكَرَا فِيهِ مَسَائِلَ كَثِيرَةً، وَلَمْ يَذْكُرَاهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ فِي وَجِيزِهِ بِلَفْظِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ، فَإِضَافَةُ ابْنِ شَاسٍ إلَى الْمَذْهَبِ عَلَى عَادَتِهِ فِي ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ فِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَامٌّ، وَهُوَ إضَافَتُهُ مَا يَظُنُّهُ جَارِيًا عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ إلَى الْمَذْهَبِ، كَأَنَّهُ نَصٌّ فِيهِ وَتَعَقُّبٌ خَاصٌّ، وَهُوَ حَيْثُ الْإِجْرَاءُ غَيْرُ صَحِيحٍ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَلَمَّا ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ قَالَ تُنَزَّلُ كُلُّ امْرَأَتَيْنِ مَنْزِلَةَ رَجُلٍ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسْوَةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ شَطْرُهُ عَلَى الرَّجُلِ. قُلْتُ هَذَا التَّوْجِيهُ يَتِمُّ لِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ الرَّضَاعِ وَالشَّهَادَةُ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ عِنْدَنَا فِي الرَّضَاعِ كَامْرَأَةٍ قَالَهُ فِي نِكَاحِهَا الثَّانِي.
(وَ) إنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا (عَنْ بَعْضِهِ) أَيْ الْحَقِّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا (غَرِمَ) الرَّاجِعُ (نِصْفَ الْبَعْضِ) الَّذِي رَجَعَ عَنْ الشَّهَادَةِ بِهِ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ النِّصْفِ غَرِمَ الرُّبْعَ، وَعَنْ الرُّبْعِ غَرِمَ الثُّمْنَ، وَعَنْ الثُّلْثِ غَرِمَ السُّدْسَ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِحَقٍّ بَعْدَ الْحُكْمِ غَرِمَ نِصْفَهُ فَقَطْ وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ. مُحَمَّدٌ لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ نِصْفِ مَا شَهِدَا بِهِ غَرِمَ الرُّبْعَ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْ الثُّلْثِ غَرِمَ السُّدُسَ، وَلَوْ اخْتَلَفَ رُجُوعُهُمَا غَرِمَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ مَا رَجَعَ عَنْهُ.
(وَإِنْ رَجَعَ) عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا (مَنْ يَسْتَقِلُّ) أَيْ يَحْصُلُ وَيَتِمُّ وَيَصِحُّ (الْحُكْمُ بِعَدَمِ) شَهَادَتِهِ لِزِيَادَتِهِ عَنْ النِّصَابِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ (فَلَا غُرْمَ) عَلَى الرَّاجِعِ. ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ ثَلَاثَةً فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَا شَيْءَ
فَإِذَا رَجَعَ غَيْرُهُ، فَالْجَمِيعُ
وَلِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهُمَا بِالدَّفْعِ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ
ــ
[منح الجليل]
عَلَيْهِ لِبَقَاءِ مَنْ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ، فَإِنْ رَجَعَ ثَانٍ غَرِمَ هُوَ وَالْأَوَّلُ نِصْفَ الْحَقِّ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَغْرَمُ الرَّاجِعُ أَوَّلًا مِنْ الثَّلَاثَةِ ثُلُثَ الْحَقِّ، وَذَكَرَ أَنَّ أَشْهَبَ قَالَهُ فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا بِدِرْهَمٍ فَرَجَعَ ثَلَاثَةٌ فَعَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ. مُحَمَّدٌ لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِثَلَاثِينَ فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ عَنْ الْجَمِيعِ وَآخَرُ عَنْ عِشْرِينَ وَآخَرُ عَنْ عَشَرَةٍ، فَقَدْ بَقِيَتْ عَشَرَةٌ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا رَجُلَانِ وَاجْتَمَعُوا فِي الرُّجُوعِ عَنْ عَشَرَةٍ فَهِيَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، وَالْعَشَرَةُ الثَّالِثَةُ رَجَعَ عَنْهَا اثْنَانِ وَأَثْبَتَهَا وَاحِدٌ، فَعَلَى الِاثْنَيْنِ نِصْفُهَا اثْنَانِ وَنِصْفٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَهُمَا الرَّاجِعُ عَنْ الْجَمِيعِ وَالرَّاجِعُ عَنْ عِشْرِينَ. (فَإِذَا رَجَعَ) عَنْ الشَّهَادَةِ (غَيْرُهُ) أَيْ مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ مِمَّنْ لَا يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ (فَالْجَمِيعُ) أَيْ الرَّاجِعُ أَوَّلًا الَّذِي يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِدُونِهِ وَالرَّاجِعُ ثَانِيًا الَّذِي لَا يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ يَشْتَرِكُونَ فِي الْغُرْمِ بِالسَّوِيَّةِ، كَأَنَّهُمْ رَجَعُوا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ أَرْبَعَةٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا لِبَقَاءِ النِّصَابِ، فَإِنْ رَجَعَ ثَالِثٌ غَرِمَ مَعَ الِاثْنَيْنِ النِّصْفَ أَثْلَاثًا عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَ) إنْ شَهِدَا عَلَى شَخْصٍ بِمَالٍ وَقُضِيَ بِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَا بِهِ فَ (لِ) لِشَخْصِ (الْمَقْضِيِّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْيَاءِ (عَلَيْهِ) بِهِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي رَجَعَ شَاهِدَاهَا عَنْهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ وَقَبْلَ غُرْمِهِ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ (مُطَالَبَتُهُمَا) أَيْ الرَّاجِعِينَ (بِالدَّفْعِ لِ) لِشَخْصِ (الْمَقْضِيِّ لَهُ) الْمَالُ الْمَحْكُومُ بِهِ بِشَهَادَتِهِمَا الَّتِي رَجَعَا عَنْهَا إذْ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ لَهُمَا إذَا دَفَعَتْهُ أَنَا رَجَعْتُ عَلَيْكُمَا بِعِوَضِهِ، فَقَرَارُ الْغَرَامَةِ عَلَيْكُمَا فَادْفَعَاهُ أَنْتُمَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ قَصْرًا لِلْمَسَافَةِ وَتَقْلِيلًا لِلْعَمَلِ (وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ مُطَالَبَةُ الشَّاهِدَيْنِ لَهُ الرَّاجِعَيْنِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالدَّفْعِ لَهُ (إذَا تَعَذَّرَ) أَخْذُهُ (مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ) قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ إنَّهُ مُقْتَضَى الْفِقْهِ وَلِأَنَّهُمَا غَرِيمَانِ لِغَرِيمِهِ وَغَرِيمُ الْغَرِيمِ غَرِيمٌ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَا يَلْزَمُهُمَا الْغُرْمُ لِلْمَشْهُودِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
عَلَيْهِ حَتَّى يَغْرَمَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا قَائِلًا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ نَقَلَهُ إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ عَلَى هَذَا إذَا كَانَ الشَّاهِدَانِ فِي هَذَا الْفَرْعِ لَا يَلْزَمُهُمَا الدَّفْعُ إلَّا بَعْدَ غُرْمِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، فَهَذَا مُنَاقِضٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهَا بِالدَّفْعِ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ قَبْلَ غُرْمِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَقْفُهُ عَلَى غُرْمِهِ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْبَتِهِ لَا مَعَ حُضُورِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْبَتِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَوْ حَضَرَ لَأَقَرَّ بِالْحَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِهِ، وَإِذَا حَضَرَ وَطَلَبَ غُرْمَهُمَا انْتَفَى هَذَا الِاحْتِمَالُ اهـ.
قُلْت جَوَابُ ابْنِ عَرَفَةَ هَذَا يَحْتَاجُ لِنَقْلٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ فِي الْجَوَابِ مَنْعُ الْمُنَاقَضَةِ بِأَنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ الطَّلَبُ بِالدَّفْعِ لَا الدَّفْعُ بِالْفِعْلِ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى دَفْعِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمَوَّازِيَّةِ الْآتِي، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ وَابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا بِأَنَّهُ وَهْمٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ إنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا وَهَرَبَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغُرْمِ فَلَيْسَ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ تَغْرِيمُ الرَّاجِعِينَ بِمَا يَغْرَمَانِهِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ إذَا غَرِمَ مَا شَهِدَا بِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُنَفَّذُ الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَغْرَمَ أَغْرَمَهُمَا كَمَا لَوْ شَهِدَا بِالْحَقِّ مُؤَجَّلًا ثُمَّ رَجَعَا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَحِلَّ الْمُؤَجَّلُ، وَيَغْرَمَ، وَلَهُ طَلَبُ الْحُكْمِ لَهُ عَلَيْهِمَا الْآنَ وَلَا يَغْرَمَانِ الْآنَ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ طَلَبُ الشَّاهِدَيْنِ بِدَفْعِ الْمَالِ عَنْهُ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُحْكَمُ عَلَى الرَّاجِعِينَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَغْرَمَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِبَيْعِ دَارِهِ وَإِتْلَافِ مَالِهِ وَاَللَّذَانِ أَوْجَبَا ذَلِكَ عَلَيْهِ قَائِمَانِ أَرَأَيْت لَوْ حَبَسَهُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ أَيُتْرَكُ مَحْبُوسًا وَلَا يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ، بَلْ يُؤْخَذَانِ بِذَلِكَ حَتَّى يُخَلِّصَاهُ، فَإِنْ أَبَيَا حُبِسَا مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهُمَا قَبْلَ غُرْمِهِ لِيَغْرَمَاهُ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُمَا إلَّا بَعْدَ غُرْمِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَضَعَّفَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. قُلْت قَوْلُهُ عَنْ الْمَذْهَبِ وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ وَهْمٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ، وَلَوْ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَنْصُوصِ لَأَمْكَنَ كَوْنُهُ قَوْلًا انْفَرَدَ بِمَعْرِفَتِهِ، وَقَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُمَا إلَّا بَعْدَ غُرْمِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ إلَخْ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي
وَإِنْ أَمْكَنَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ: جُمِعَ،
ــ
[منح الجليل]
الْمَذْهَبِ وَهُوَ وَهْمٌ وَمَا نَقَلَهُ مِنْ تَضْعِيفِهِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ نَقَلَهُ الشَّيْخُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنْ) تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ بِأَنْ شَهِدَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا يُنَافِي مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى وَ (أَمْكَنَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ) الْمُتَعَارِضَتَيْنِ (جُمِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ بَيْنَهُمَا وَعُمِلَ بِهِمَا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ، كَدَعْوَى شَخْصٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ لِفُلَانٍ هَذَا الثَّوْبَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً، وَدَعْوَى فُلَانٍ أَنَّهُ أَسْلَمَهُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِالْحُكْمِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْأَثْوَابِ الثَّلَاثَةِ وَعَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِالْمِائَتَيْنِ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهُمَا سَلَمَانِ حَضَرَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ سَلَمًا وَشَهِدَتْ بِهِ.
الْمُتَيْطِيُّ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَسْلَمَ هَذَا الثَّوْبَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بَلْ ثَوْبَيْنِ غَيْرَهُ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ كَانَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَثْوَابِ فِي الْمِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى. ابْنُ عَبْدُوسٍ هَذَا إنْ كَانَا فِي مَجْلِسَيْنِ. وَأَمَّا إنْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَهُوَ تَكَاذُبٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ فِي مَجْلِسَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ أَثْبَتَتْ حُكْمًا غَيْرَ مَا أَثْبَتَتْ صَاحِبَتُهَا، وَلَا قَوْلَ لِمَنْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ لَمْ يُقِيمَا بَيِّنَةً تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ هَذَا الْعَبْدَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً، وَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَهُ ذَلِكَ الْعَبْدَ وَثَوْبًا مَعَهُ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ الْعَبْدَ وَالثَّوْبَ فِي الْمِائَةِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ شَهِدَتْ بِالْأَكْثَرِ. اهـ. وَالْمَسْأَلَتَانِ مَعًا فِي الْمُدَوَّنَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى إنْ شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى مِثْلَ أَنْ تَشْهَدَ إحْدَاهُمَا بِعِتْقٍ وَالثَّانِيَةُ بِطَلَاقٍ، أَوْ إحْدَاهُمَا بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ وَالثَّانِيَةُ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَشِبْهِ هَذَا، فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ فِي أَنَّهُ تَهَاتُرٌ وَتَكَاذُبٌ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ يُحْكَمُ فِيهِ بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا، وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ أَنَّهُ يُقْضَى بِهِمَا مَعًا إذَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَالَةِ أَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَعْدَلَ
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ جَمْعٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِأَنَّهُ
وَإِلَّا رُجِّحَ بِسَبَبِ مِلْكٍ كَنَسْجٍ،
ــ
[منح الجليل]
طَلَّقَ الْكُبْرَى وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ طَلَّقَ الصُّغْرَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَتَقَدَّمَ مِنْ نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ اهـ. " ح " وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَزِمَهُ مَا أَلْزَمَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِمِثْلِ مَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. الثَّانِي: أَنَّ مَا فَرَضَهُ هُوَ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تُكَلِّمُهُ بِغَيْرِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى يَتَبَيَّنُ هَذَا بِنَقْلِ الْمَسْأَلَةِ بِلَفْظِهَا، وَهُوَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ أَنَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ شَهِدَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّهُ لَمْ يَتَفَوَّهْ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا حَلَفَ بِعِتْقِ غُلَامِهِ فُلَانٍ لَا أَرَى لَهُمْ شَهَادَةً أَجْمَعِينَ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَكْذَبَ بَعْضًا، هَذَا الَّذِي سَمِعْنَاهُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَشْهَدُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُطَلِّقْ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ حَتَّى تَفَرَّقْنَا، وَإِنَّمَا حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فُلَانَةَ الْأُخْرَى، أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ نَشْهَدُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فُلَانًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا أَعْتَقَ الَّذِي شَهِدْتُمْ لَهُ بِالْإِعْتَاقِ، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ فُلَانًا غُلَامًا لَهُ آخَرَ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَبْطُلُ، وَسَقَطَ قَوْلُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي الْإِعْتَاقِ وَالطَّلَاقِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَكْذَبَ بَعْضًا، وَشَرَحَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْبُنَانِيُّ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْجَمْعَ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِ شَهَادَتِهِمَا فِي مَجْلِسَيْنِ، وَبِهِ يَسْقُطُ اعْتِرَاضُ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ الَّتِي هِيَ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ كَشَهَادَةِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ لِفُلَانٍ يَوْمَ كَذَا، وَشَهَادَةِ أُخْرَى أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (رُجِّحَ) ت بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى (بِ) بَيَانِ (سَبَبِ مِلْكٍ) شَهِدَتْ بِهِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى الَّتِي شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ لِلْخَصْمِ الْآخَرِ، وَلَمْ تُبَيِّنْ سَبَبَهُ فَيُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْأُولَى وَتُلْغَى الثَّانِيَةُ. وَمَثَّلَ لِلسَّبَبِ بِقَوْلِهِ (كَنَسْجٍ) لِشُقَّةٍ تَنَازَعَ فِيهَا اثْنَانِ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَقَالَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ إنَّ مَنْ شَهِدْت لَهُ نَسْجُهَا فِي التَّوْضِيحِ اُخْتُلِفَ فِي الشَّهَادَةِ بِنَسْجِ الثَّوْبِ هَلْ هِيَ كَالشَّهَادَةِ بِالنَّتَاجِ؟ فَأَجْرَاهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَجْرَى النَّتَاجِ.
وَنَتَاجٍ إلَّا بِمِلْكٍ مِنْ الْمَقَاسِمِ
ــ
[منح الجليل]
وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمِلْكِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ النَّسْجِ، وَيُقْضَى لِمَنْ شُهِدَ لَهُ بِالنَّسْجِ بِقِيمَةِ عَمَلِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَنْسِجْهَا مَجَّانًا. الْمَازِرِيُّ هَذَا إذَا كَانَ النَّاسِجُ يَنْسِجُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا إنْ انْتَصَبَ لِلنَّاسِ فَلَا تَنْفَعُهُ الشَّهَادَةُ بِالنَّسْجِ. اهـ. وَكَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ قَائِلًا إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَنْسِجُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ انْتَصَبَ لِنَسْجِ النَّاسِ بِأَجْرٍ أَوْ لِلْبَيْعِ فَالْبَيِّنَةُ لَهُ بِالنَّسْجِ لَغْوٌ. اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِالنَّسْجِ فَقَطْ وَلَمْ تَزِدْ لِنَفْسِهِ، وَكَلَامُهُمْ هَذَا يَدُلُّ لِقَوْلِنَا. الرَّاجِحُ أَنَّ ذَا السَّبَبِ شَهِدَ بِهِ فَقَطْ. (وَ) كَ (نَتَاجٍ) أَيْ وِلَادَةٍ لِحَيَوَانٍ مُتَنَازَعٍ فِيهِ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مِلْكٌ لِفُلَانٍ وُلِدَ عِنْدَهُ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ مِلْكٌ لِفُلَانٍ الْآخَرِ، وَلَمْ تَزِدْ عَلَى هَذَا فَتُرَجَّحُ الْأُولَى وَيُقْضَى بِهَا وَتُلْغَى الثَّانِيَةُ (إلَّا) شَهَادَةَ الثَّانِيَةِ (بِمِلْكٍ) لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ (مِنْ الْمَقَاسِمِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ الْغَنَائِمِ بِأَخْذِهَا فِي سَهْمِهِ أَوْ شِرَائِهِمَا مِمَّنْ أَخَذَهَا فِي سَهْمِهِ أَوْ مِنْ الْإِمَامِ فَيُعْمَلُ بِشَهَادَتِهَا وَتُلْغَى الْأُولَى؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ نَاقِلَةٌ، وَالْأُولَى مُسْتَصْحِبَةٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَغَارَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ ثُمَّ غَنِمَ مِنْهُ، لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ لَوْ أَنَّ أَمَةً تَنَازَعَ فِيهَا اثْنَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، فَأَتَى أَحَدُهُمَا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا وُلِدَتْ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِنَاقِلٍ شَرْعِيٍّ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ حَتَّى سُرِقَتْ فَتُرَجَّحُ الْأُولَى بِبَيَانِهَا سَبَبَ الْمِلْكِ، وَيُقْضَى لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا إذَا لَمْ تَشْهَدْ لِبَيِّنَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِذَلِكَ فَصَاحِبُ الْمَقَاسِمِ أَحَقُّ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ صَاحِبُ الْوِلَادَةِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ. وَفِيهَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي دَابَّةٍ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا نَتَجَتْ عِنْدَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ فَهِيَ لِمَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ، بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا تُغْصَبُ وَتُسْرَقُ وَلَا تُحَازُ عَلَى النَّاتِجِ إلَّا بِأَمْرٍ يَثْبُتُ وَأَمْرُ الْمَغْنَمِ قَدْ اسْتُوقِنَ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِحِيَازَةِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ وُجِدَتْ فِي يَدِ مَنْ نَتَجَتْ عِنْدَهُ وَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَغَانِمِ أَخَذَهُمَا مِنْهُ أَيْضًا، وَكَانَ أَوْلَى بِهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا اشْتَرَاهَا بِهِ وَيَأْخُذَهَا، وَقَالَهُ سَحْنُونٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
غ " قَوْلُهُ وَالْأَرْجَحُ بِسَبَبِ مِلْكٍ كَنَسْجٍ وَنَتَاجٍ، أَيْ إذَا ذَكَرَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ مَعَ الْمِلْكِ سَبَبَهُ مِنْ نَسْجِ ثَوْبٍ وَنَتَاجِ حَيَوَانٍ وَنَحْوَهُمَا، كَنَسْخِ كِتَابٍ وَاصْطِيَادِ وَحْشٍ، وَلَمْ تَذْكُرْ الْأُخْرَى سِوَى مُجَرَّدِ الْمِلْكِ، فَتُرَجَّحُ ذَاكِرَةُ السَّبَبِ عَلَى الَّتِي لَمْ تَذْكُرْهُ، وَبِنَحْوِ هَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ. وَفِي التَّوْضِيحِ كَمَا إذَا شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ صَادَهُ أَوْ نَتَجَ عِنْدَهُ وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَفِي شَهَادَاتِهَا وَلَوْ أَنَّ أَمَةً تَنَازَعَ فِيهَا اثْنَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَأَتَى أَحَدُهُمَا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا لَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِشَيْءٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ وُلِدَتْ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى سُرِقَتْ قُضِيَ بِهَا لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فِي أَمَةٍ بِيَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا وُلِدَتْ عِنْدَهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِهَا حَتَّى يَقُولُوا إنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا لَا نَعْلَمُ لِغَيْرِهِ فِيهَا حَقًّا، إذْ قَدْ يُولَدُ فِي يَدِهِ مَا هُوَ لِغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهَا لِمَنْ وُلِدَتْ عِنْدَهُ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ أَوْ غَصْبٌ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ التُّونُسِيِّ. طفى قَرَّرَهُ الشَّارِحُ بِمَا فِي التَّوْضِيحِ مِنْ شَهَادَةِ ذَاتِ السَّبَبِ بِهِ فَقَطْ. وَفِيهَا خِلَافٌ وَالْمُعْتَمَدُ مَا عَلَيْهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلتَّوْضِيحِ وَذَكَرَ نَصَّ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ وَقَالَ عَقِبَهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَقَرَّهُ، وَلَمَّا نَقَلَ فِي تَوْضِيحِهِ قَوْلَ أَشْهَبَ هَذَا قَالَ وَخَالَفَهُ التُّونُسِيُّ اهـ. وَضَعَّفَ قَوْلَ أَشْهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَظَهَرَ لَك أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا لَقَالَ وَرُجِّحَ بِسَبَبِ مِلْكٍ مَعَهُ، وَمَا أَدْرِي مَا الْحَامِلُ لِابْنِ غَازِيٍّ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّارِحِ مَعَ نَقْلِهِ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَمُخَالَفَةِ التُّونُسِيِّ، وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ إلَّا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَدْ عَلِمْت ضَعْفَهُ مِنْ ضَعْفِ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ. وَإِنْ وَافَقَ أَحَدَ التَّأْوِيلَيْنِ فَفِي تَنْبِيهَاتِ عِيَاضٍ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ مَذْهَبِهِ فِي الْكِتَابِ فِي إعْمَالِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْحِيَازَةِ وَعَلَى النَّسْجِ وَعَلَى النَّتَاجِ وَشِبْهِهَا وَإِيجَابُهَا الْمِلْكَ هَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الشَّهَادَةِ بِهَا يُوجِبُ الْمِلْكَ أَوْ حَتَّى يَزِيدُوا أَنَّهَا مِلْكُهُ أَوْ يَحُوزُهَا حِيَازَةَ الْمِلْكِ. فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا وَأَنَّهُ مُرَادُهُ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ تَتِمَّ شَهَادَتُهُ وَلَا عَارَضَتْ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِالْمِلْكِ، وَعَلَيْهِ تَأَوَّلَهَا ابْنُ مُحْرِزٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَقُلْ هَذَا
أَوْ تَارِيخٍ، أَوْ تَقَدُّمِهِ،
ــ
[منح الجليل]
ابْنُ الْقَاسِمِ وَالشَّهَادَةُ بِالْوِلَادَةِ أَوْ النَّسْجِ مُغْنِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ الْمِلْكِ وَقَائِمَةٌ مَقَامَهُ عِنْدَهُ. الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ طفى غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَ لغ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْخِلَافَ فِي بَيِّنَةِ السَّبَبِ بِمُجَرَّدِهَا تُفِيدُ الْمِلْكَ، فَتُقَدَّمُ عَلَى الْحَوْزِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوَّلًا تُفِيدُهُ فَلَا يُنْزَعُ بِهَا مِنْ يَدِ الْحَائِزِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيِّنَةَ السَّبَبِ تُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ الْمِلْكِ كَمَا ادَّعَاهُ طفى تَبَعًا لِلشَّارِحِ وَالتَّوْضِيحِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحَامِلُ لِابْنِ غَازِيٍّ عَلَى تَقْرِيرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ) بَيَانُ (تَارِيخٍ) لِمِلْكِ أَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ مِنْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى فَتُرَجَّحُ الْمُؤَرَّخَةُ وَيُحْكَمُ بِالْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ، وَتُلْغَى الَّتِي لَمْ تُؤَرَّخْ. ابْنُ شَاسٍ إنْ كَانَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ مُطْلَقَةً وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً قُدِّمَتْ الْمُؤَرَّخَةُ عَلَى الْمُطْلَقَةِ. وَحَكَى اللَّخْمِيُّ فِي هَذَا خِلَافًا. ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي مُجَرَّدِ التَّارِيخِ قَوْلَانِ. التَّوْضِيحُ الْقَوْلُ بِتَقْدِيمِ الْمُؤَرَّخَةِ لِأَشْهَبَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي شَهَادَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَرِّخْ أَنَّ الْحَاكِمَ قَضَى بِالْعَبْدِ لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ، وَالْقَوْلُ بِنَفْيِ التَّقْدِيمِ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَلَمْ يَعْزُوَاهُ.
(أَوْ تَقَدُّمِهِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْقَافِ وَضَمِّ الدَّالِ مُشَدَّدَةً أَيْ التَّارِيخِ لِمَا شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِهِ عَلَى تَارِيخِ مَا شَهِدَ بِهِ الْأُخْرَى بِأَنْ قَالَتْ إحْدَاهُمَا نَشْهَدُ أَنَّهُ مِلْكُ زَيْدٌ مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ وَلَمْ نَعْلَمْ خُرُوجَهُ عَنْهُ إلَى الْآنَ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى عَلَى أَنَّهُ مِلْكُ عَمْرٍو مِنْ سَنَةِ سِتِّينَ وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْآنَ، فَيُعْمَلُ بِشَهَادَةِ الْأُولَى وَيُحْكَمُ بِهِ لِزَيْدٍ، وَتُلْغَى شَهَادَةُ الثَّانِيَةِ فِيهَا أَقْضِي بِبَيِّنَةِ أَبْعَدِ التَّارِيخِ إنْ عُدِّلَتْ وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَعْدَلَ، وَلَا أُبَالِي بِيَدِ مَنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَحُوزَهَا الْأَقْرَبُ تَارِيخًا بِالْوَطْءِ وَالْخِدْمَةِ وَالِادِّعَاءِ لَهَا بِمَحْضَرِ الْآخَرِ فَقَدْ أَبْطَلَ دَعْوَاهُ اللَّخْمِيُّ إنْ وُرِّخَتَا قُضِيَ بِالْأَقْدَمِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَعْدَلَ وَسَوَاءٌ كَانَ تَحْتَ يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا أَوْ تَحْتَ يَدِ ثَالِثٍ أَوْ لَا يَدَ عَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ وُرِّخَتْ بَيِّنَتَا الْمُتَدَاعِيَيْنِ قُضِيَ بِأَبْعَدِهِمَا تَارِيخًا. الْبُنَانِيُّ لَا يُقَالُ كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ حَدِيثَةِ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ شَرْطُ التَّرْجِيحِ بِالنَّقْلِ
وَبِمَزِيدِ عَدَالَةٍ، لَا عَدَدٍ،
ــ
[منح الجليل]
تَبْيِينُ سَبَبِهِ كَاشْتِرَائِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِ أَوْ الْمَقَاسِمِ، وَهُنَا إنَّمَا شَهِدْنَا بِالْمِلْكِ غَيْرَ أَنَّ إحْدَاهُمَا قَالَتْ مَلَكَهُ مُنْذُ عَامَيْنِ وَالْأُخْرَى قَالَتْ مَلَكَهُ مُنْذُ عَامٍ وَالْأَصْلُ الِاسْتِصْحَابُ.
(وَ) رُجِّحَ (بِزِيَادَةِ عَدَالَةٍ) فِي إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ الشَّاهِدَتَيْنِ بِمَالٍ أَوْ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِمَّا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ دُونَ غَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ كَعِتْقٍ وَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَمُوجِبِ حَدٍّ، فَلَا يُرَجَّحُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ. الصِّقِلِّيُّ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ اخْتَلَفَ إذَا كَانَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَعْدَلَ، فَهَلْ يَحْلِفُ صَاحِبُ الْأَعْدَلِ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَحْلِفُ اهـ. وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا كَشَاهِدَيْنِ فَيُرَجَّحُ بِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ جُمِعَ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ خَاصًّا بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ بَلْ سَائِرُ الْمُرَجِّحَاتِ كَذَلِكَ لَا يُرَجَّحُ بِهَا إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْقَرَافِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ، قَالَ حَكَى الْقَرَافِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِتَرْجِيحِ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا إلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً (لَا) تُرَجَّحُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِزِيَادَةِ (عَدَدٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ، إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّرْجِيحِ قَطْعُ النِّزَاعِ وَمَزِيدُ الْعَدَالَةِ أَقْوَى فِي قَطْعِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعَدَدِ، إذْ كُلٌّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ تُمْكِنُهُ زِيَادَةُ الْعَدَدِ فِي الشُّهُودِ، بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْعَدَالَةِ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ دُورٌ أَوْ عَبِيدٌ أَوْ عُرُوضٌ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ غَيْرُهَا فَادَّعَاهَا رَجُلٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَأَقَامَ مِنْ ذَلِكَ بِيَدِهِ بَيِّنَةً فَيُقْضَى بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا وَبَقِيَ الشَّيْءُ بِيَدِ حَائِزِهِ وَيَحْلِفُ عِيَاضٌ ثَبَتَ قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ عِنْدَ ابْنِ وَضَّاحٍ وَسَقَطَ عِنْدَ غَيْرِهِ
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي لَغْوِ التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ وَاعْتِبَارِهِ قَوْلُهَا رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " رحمه الله " لَوْ شَهِدَ لِهَذَا شَاهِدَانِ وَلِهَذَا مِائَةٌ وَتَكَافَئُوا فِي الْعَدَالَةِ فَلَا يُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ. اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ مَحْمَلُهُ عَلَى الْمُغَايَاةِ وَلَوْ كَثُرُوا حَتَّى حَصَلَ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ لَقَضَى بِهِمْ، وَوَجَّهَ الْقَرَافِيُّ الْمَشْهُورَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَضَاءِ قَطْعُ النِّزَاعِ وَمَزِيدٌ فِي الْعَدَالَةِ أَشْهَدُ فِي التَّعَذُّرِ
وَبِشَاهِدَيْنِ عَلَى شَاهِدٍ، وَيَمِينٍ، أَوْ امْرَأَتَيْنِ،
ــ
[منح الجليل]
مِنْ مَزِيدِ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْخَصْمَيْنِ يُمْكِنُهُ زِيَادَةُ الْعَدَدِ فِي الشُّهُودِ، وَلَا يُمْكِنُهُ مَزِيدُ الْعَدَالَةِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ زِيَادَةُ الْعَدَدِ إنَّمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِقَيْدِ الْعَدَالَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَدِ بِهَذَا الْقَيْدِ سَهْلَةٌ، وَتَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْوَصْفَ مَتَى كَانَ أَدْخَلَ تَحْتَ الِانْضِبَاطِ وَأَبْعَدَ عَنْ النَّقْضِ وَالْعَكْسِ كَانَ أَرْجَحَ، وَزِيَادَةُ الْعَدَدِ مُنْضَبِطٌ مَحْسُوسٌ لَا يَتَخَلَّفُ، وَالْعَدَالَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ قُيُودٍ فَضَبْطُ زِيَادَتِهَا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ فِي التَّرْجِيحِ.
قُلْت رَدَّهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَدِ بِهَذَا الْقَيْدِ سَهْلَةٌ، يَرُدُّ بِأَنَّ الْقَرَافِيَّ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِأَنَّهَا سَهْلَةٌ، بَلْ بِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، وَكَوْنُهَا لَيْسَتْ سَهْلَةً لَا يَمْنَعُ إمْكَانَهَا عَادَةً، وَقَوْلُهُ ضَبْطُ زِيَادَةِ الْعَدَالَةِ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ يُرَدُّ بِمَنْعِ ذَلِكَ، فَإِنَّا نَعْلَمُ ضَرُورَةً فِي شُهُودِ شُيُوخِنَا وَأَمْثَالِنَا مَنْ هُوَ أَعْدَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ، وَوَجَّهَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا قَيَّدَ شَهَادَةَ الزِّنَا بِأَرْبَعَةٍ وَالطَّلَاقَ بِاثْنَيْنِ وَقِبَلَ فِي الْمَالِ الْوَاحِدَ مَعَ الْيَمِينِ دَلَّ عَلَى أَنْ لَا أَثَرَ لِلْعَدَدِ. قُلْتُ الْأَظْهَرُ فِي التَّرْجِيحِ بِالْأَعْدَلِيَّةِ دُونَ الْكَثْرَةِ أَنَّ مَا بِهِ التَّرْجِيحُ فِي الْأَعْدَلِيَّةِ هُوَ وَصْفٌ حَاصِلٌ فِيمَا وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ، وَهُمَا الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ يَجِبُ الْإِعْذَارُ فِيهِمَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالْكَثْرَةُ وَصْفٌ خَارِجٌ عَمَّا وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ. (وَ) رُجِّحَ (بِشَاهِدَيْنِ) لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ (عَلَى شَاهِدٍ) لِلْآخَرِ مُعَارِضٍ لَهُمَا وَلَوْ أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ (وَيَمِينٍ) مِنْهُ مَعَ شَاهِدِهِ (أَوْ) عَلَى (شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِلْآخَرِ مُعَارِضَيْنِ لِلشَّاهِدَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] فَجَعَلَ مَرْتَبَتَهُمْ عِنْدَ عَدَمِ الشَّاهِدَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ الَّذِي مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ أَعْدَلَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ وَالْأَقْدَمُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ هُوَ وَالْمَرْأَتَانِ، هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَشْهَبُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. ابْنُ فَرْحُونٍ، يُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْعَدَالَةِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقَدَّمَانِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ أَوَّلًا بِتَقْدِيمِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى عَدَمِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَالْأَظْهَرُ التَّرْجِيحُ وَيُقَدَّمُ شَاهِدٌ
وَبِيَدٍ، إنْ لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَةُ مُقَابِلِهِ فَيَحْلِفُ
وَبِالْمِلْكِ عَلَى الْحَوْزِ؛ وَبِنَقْلٍ عَلَى مُسْتَصْحِبَةٍ
ــ
[منح الجليل]
وَامْرَأَتَانِ عَلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَلَوْ أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ لِلْعَمَلِ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْعَمَلِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ خِلَافٌ. (وَ) رُجِّحَ (بِ) وَضْعِ (يَدٍ) مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (إنْ لَمْ تُرَجَّحْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالْجِيمِ (بَيِّنَةُ مُقَابِلِهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ خَصْمِهِ فَإِنْ رُجِّحَتْ بِتَارِيخٍ أَوْ تَقَدُّمِهِ أَوْ زِيَادَةِ عَدَالَةٍ عُمِلَ بِهَا وَلَمْ يُعْمَلْ بِوَضْعِ الْيَدِ (فَيَحْلِفُ) وَاضِعُ الْيَدِ الَّذِي لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَةُ مُقَابِلِهِ. " غ " رُجُوعُ الْحَلِفِ لِلْمَنْطُوقِ أَبْيَنُ مِنْ رُجُوعِهِ لِلْمَفْهُومِ وَإِنْ رَجَّحَهُ الْبِسَاطِيُّ، وَتَبِعَهُ تت لِلْمَفْهُومِ فَقَالَ فَيَحْلِفُ ذُو الْبَيِّنَةِ الرَّاجِحَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
(وَ) رُجِّحَتْ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ (بِالْمِلْكِ) أَيْ اسْتِحْقَاقِ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ بِكُلِّ أَمْرٍ جَائِزٍ فِعْلًا أَوْ حُكْمًا لَا بِنِيَابَةٍ، فَيَدْخُلُ مِلْكُ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ حُكْمًا، وَيَخْرُجُ تَصَرُّفُ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ وَذِي الْإِمَرَةِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (عَلَى) الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِ (الْحَوْزِ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ أَخَصُّ مِنْ الْحَوْزِ وَأَقْوَى مِنْهُ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْحَوْزِ مُؤَرَّخَةً أَوْ مُتَقَدِّمَتَهُ وَلِعَدَمِ مُعَارَضَةِ بَيِّنَةِ الْحَوْزِ بَيِّنَةَ الْمِلْكِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَوْزِ الْمِلْكُ. (وَ) رُجِّحَ (بِنَقْلٍ) فَتُرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ كَالشَّاهِدَةِ بِالشِّرَاءِ مِنْ الْخَصْمِ أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِ أَوْ مِنْ الْمَقَاسِمِ (عَلَى) بَيِّنَةٍ (مُسْتَصْحِبَةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ كَالشَّاهِدَةِ بِالْبِنَاءِ أَوْ الِاصْطِيَادِ أَوْ النَّتْجِ أَوْ النَّسْجِ أَوْ الْإِحْيَاءِ أَوْ الْإِرْثِ. الْبُنَانِيُّ بَقِيَ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ الْأَصَالَةُ فَتُقَدَّمُ عَلَى الْفَرْعِيَّةِ، فَإِذَا شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَنَّهُ أَوْصَى وَهُوَ صَحِيحُ الْعَقْلِ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ أَوْصَى وَهُوَ مُشَوَّشُ الْعَقْلِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَالْغَالِبُ فِي الْفَائِقِ وَمِثْلُهَا بَيِّنَتَا الطَّوْعِ وَالْإِكْرَاهِ وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالرُّشْدِ وَالسَّفَهِ وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْعَدَالَةِ وَالْجُرْحَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالرُّقْيَةِ وَالْكَفَاءَةِ وَعَدَمِهَا وَالْبُلُوغِ وَعَدَمِهِ. اهـ. قَوْلُهُ وَمِثْلُهَا، أَيْ مَسْأَلَةِ التَّرْجِيحِ لَا بِقَيْدِ الْأَصَالَةِ قَوْلُهُ بَيِّنَتَا الطَّوْعِ وَالْإِكْرَاهِ، أَيْ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِكْرَاهِ عَلَى بَيِّنَةِ الطَّوْعِ، وَكَذَا كُلُّ صُورَةٍ؛ لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ فَقَدْ زَادَ كَمَا صَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْحَاجِّ، وَنَقَلَهُ فِي الْمِعْيَارِ،
وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ، وَعَدَمِ مُنَازِعٍ، وَحَوْزٍ طَالَ: كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ،
ــ
[منح الجليل]
وَقَوْلُهُ وَالرُّشْدِ وَالسَّفَهِ، أَيْ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ السَّفَهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمِعْيَارِ عَنْ ابْنِ لُبٍّ، وَكَذَا مُرَادُهُ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْيُسْرِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَكَذَا الْمُجَرِّحَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَصِحَّةُ) الشَّهَادَةِ بِ (الْمِلْكِ) أَيْ اسْتِحْقَاقِ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ بِكُلِّ مَا يَجُوزُ شَرْعًا فِعْلًا أَوْ قُوَّةً أَصَالَةً، فَيَدْخُلُ مِلْكُ الْمَحْجُورِ، وَيَخْرُجُ اسْتِحْقَاقُ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ (بِ) مُعَايَنَةِ (التَّصَرُّفِ) فِي الشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِمِلْكِهِ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ بِهِ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ (وَعَدَمِ مُنَازِعٍ) لَهُ فِيهِ (وَ) بِمُعَايَنَةِ (حَوْزٍ) أَيْ اسْتِيلَاءٍ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ بِهِ مَعَ التَّصَرُّفِ الْمَذْكُورِ (طَالَ) زَمَانُهُ (كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ) أَبُو الْحَسَنِ وَأَمَّا الشَّاهِدُ بِمَعْرِفَةِ الْمِلْكِ فَإِنْ عَرَفَ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ جَازَ لَهُ الشَّهَادَةُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ يَعْرِفُهَا قُبِلَ مِنْهُ إطْلَاقُ مَعْرِفَةِ الْمِلْكِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَإِلَّا فَلَا حَتَّى يُفَسِّرَ الْأَشْيَاءَ الْخَمْسَةَ أَنْ يَعْرِفَ الشَّاهِدُ كَوْنَ يَدِ الْمُدَّعِي الْمِلْكَ عَلَى مَا يَدَّعِي وَكَوْنَهُ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ وَنِسْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، وَكَوْنَهُ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ مُنَازِعٌ وَطُولُ مُدَّةِ ذَلِكَ عَامًا فَأَكْثَرَ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَقُومُ مِنْهُ أَنَّ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ طُولُ هَذَا الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ لَا غَيْرُ الْمَازِرِيُّ لَا يُبِيحُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ مُجَرَّدُ مُشَاهَدَتِهِ شَخْصًا ابْتَاعَ سِلْعَةً مِنْ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُهَا غَاصِبٌ أَوْ مُودَعٌ أَوْ مُسْتَعِيرٌ أَوْ مُكْتَرٍ أَوْ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْمِلْكِ بِالْحَوْزِ وَوَضْعِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ مَعَ دَعْوَى الْمِلْكِ وَإِضَافَتَهُ لِنَفْسِهِ وَطُولِ الزَّمَنِ، وَلَا يَظْهَرُ مَنْ يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ شَهِدَ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِفُلَانٍ، فَإِنْ عَوَّلَ عَلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُضِفْهَا إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فَلَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا كَانَ عَارِفًا إلَى هَذَا، أَشَارَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا. اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ هِلَالٍ وَأَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي لَغْوِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ فِي دَارٍ أَنَّهَا مِلْكٌ لِفُلَانٍ حَتَّى يَقُولَ وَمَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ وَقَبُولُهَا مُطْلَقًا. ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الشُّهُودُ لَهُمْ نَبَاهَةٌ وَيَقَظَةٌ لِابْنِ سَلْمُونٍ عَنْ ابْنِ مَالِكٍ قَائِلًا
وَأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ، وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى الْكَمَالِ فِي الْأَخِيرِ،
ــ
[منح الجليل]
شَاهَدْت الْقَضَاءَ بِهِ، وَالثَّانِي لِابْنِ مُطَرِّفٍ، وَالثَّالِثُ لِابْنِ عَاتٍ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ أَنْ تَكُونَ الْحِيَازَةُ وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الْمَالِكُ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ، سَوَاءٌ حَضَرُوا ابْتِدَاءَ دُخُولِهَا فِي يَدِهِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْحِيَازَةُ فَلَا تُفِيدُ الْمِلْكَ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ غَنِمَهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَشَبَهِهِ. الْحَطّ أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ أَنْ تَكُونَ لِكَوْنِهِ رَأَى الْمَشْهُودَ لَهُ يَتَصَرَّفُ فِي الشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ.
(وَ) بِذِكْرِهِمْ فِي أَدَاءِ شَهَادَتِهِمْ (أَنَّهُ) أَيْ الْمَشْهُودَ بِمِلْكِهِ (لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ) أَيْ الْمَشْهُودِ لَهُ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ كَبَيْعٍ وَتَبَرُّعٍ (فِي عِلْمِهِمْ) أَيْ الشُّهُودِ. ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ عَنْهَا الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " مَنْ ادَّعَى عَيْنًا قَائِمَةً مِنْ رَقِيقٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ نَاضٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَأَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَمِنْ تَمَامِ شَهَادَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا وَمَا عَلِمْنَاهُ بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَنَحْوُهُ لِأَبِي سَعِيدٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ سَمِعْت مَالِكًا " رضي الله عنه " غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ فِي الَّذِي يَدَّعِي الْعَبْدَ أَوْ الثَّوْبَ، وَيُقِيمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ شَيْؤُهُ لَمْ يَعْلَمْهُ بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ، وَإِذَا شَهِدُوا بِهَذَا مَا اسْتَوْجَبَ مِمَّا ادَّعَاهُ.
(وَتُؤُوِّلَتْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُثَقَّلَةً، أَيْ فُهِمَتْ الْمُدَوَّنَةُ (عَلَى الْكَمَالِ فِي الْأَخِيرِ) أَيْ ذِكْرِ الشُّهُودِ أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ سَمِعَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ إذَا شَهِدُوا بِالسَّرِقَةِ قَالَ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ مَا عَلِمُوهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ عَلَى الْعِلْمِ. ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ يَزِيدُونَ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمِلْكِ بِالْبَتِّ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ هِيَ كَمَالُ الشَّهَادَةِ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الشَّاهِدَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَزِدْهُ فِي شَهَادَتِهِ بَطَلَتْ وَلَا يُحْكَمُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ الْقَاضِي حَتَّى مَاتَ الشُّهُودُ أَوْ غَابُوا حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ، إذْ لَا يَصِحُّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدُ بِمَعْرِفَةِ الْمِلْكِ إلَّا مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِ الصِّقِلِّيِّ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّ زِيَادَةَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَاعَ إلَخْ إنَّمَا هُوَ كَمَالٌ فِي الشَّهَادَةِ لَا شَرْطٌ، وَهُوَ نَصُّ قَوْلِهَا فِي الْعَارِيَّةِ،
لَا بِالِاشْتِرَاءِ
وَإِنْ شُهِدَ بِإِقْرَارٍ:
ــ
[منح الجليل]
وَكَانَ ابْنُ هَارُونَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ شُيُوخِنَا يَحْمِلُونَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي كَوْنِهَا شَرْطَ إجْزَاءٍ أَوْ كَمَالٍ، لِقَوْلِهَا فِي الشَّهَادَاتِ وَالْعَارِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ عَاتٍ فِي الطُّرَرِ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ حَمْلِهَا عَلَى الْخِلَافِ، وَأَنَّ مَا فِي الْعَارِيَّةُ تَفْسِيرُ تت، ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا، وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ فِي وَثِيقَةِ الْمَيِّتِ دُونَ الْحَيِّ بِأَنْ طَلَبَ الْوَرَثَةُ عَنْ مُوَرِّثِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ وَإِلَّا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِي مِلْكِ الْحَيِّ تَمَّتْ شَهَادَتُهُمْ. ابْنُ الْعَطَّارِ وَهُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ. طفى الْبَعْضُ هُوَ أَبُو الْحَسَنِ وَعَطَفَ عَلَى بِالتَّصَرُّفِ فَقَالَ (لَا بِالِاشْتِرَاءِ) سَحْنُونٌ مَنْ حَضَرَ رَجُلًا اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ السُّوقِ فَلَا يَشْهَدُ أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَإِنْ ادَّعَاهَا آخَرُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ السُّوقِ كَانَتْ لِذِي الْمِلْكِ وَقَدْ يَبِيعُهَا مَنْ لَمْ يَمْلِكْهَا. وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي دَابَّةٍ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا نَتَجَتْ عِنْدَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ فَهِيَ لِمَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ، بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تُغْصَبُ وَتُسْرَقُ وَلَا تُحَازُ عَلَى النَّاتِجِ إلَّا بِأَمْرٍ يَثْبُتُ اهـ. " غ " قَوْلُهُ لَا بِالِاشْتِرَاءِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى بِالتَّصَرُّفِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ وَمَا مَعَهُ لَا بِالِاشْتِرَاءِ فَهُوَ إشَارَةٌ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ.
قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ رَأَى رَجُلًا اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ السُّوقِ فَلَا يَشْهَدُ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ السُّوقِ كَانَتْ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ، وَقَدْ يَبِيعُهَا مَنْ لَا يَمْلِكُهَا، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا بِالِاشْتِرَاءِ مِنْهُ لَأَمْكَنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْخَصْمِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ شُهُودَ الْمِلْكِ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى أَنْ يَقُولُوا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ خَصْمِهِ، بَلْ يُحْكَمُ بِالِاسْتِصْحَابِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ خَصْمِهِ أَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْهُ نَصًّا فِي الْمَذْهَبِ، وَيَكُونُ هَذَا مِنْ نَوْعِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَإِنْ شَهِدَ بِإِقْرَارٍ اُسْتُصْحِبَ. اهـ. وَنَقَلَهُ طفى وَأَقَرَّهُ.
(وَإِنْ شُهِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِإِقْرَارٍ) مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مِلْكٌ
اُسْتُصْحِبَ
وَإِنْ تَعَذَّرَ تَرْجِيحٌ سَقَطَتَا، وَبَقِيَ بِيَدِ حَائِزِهِ، أَوْ لِمَنْ يُقِرُّ لَهُ،
ــ
[منح الجليل]
لِخَصْمِهِ (اُسْتُصْحِبَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، حُكْمُ إقْرَارِهِ وَكَفَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَزِيدُوا فِيهَا لَا نَعْلَمُ خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْآنَ إذْ إقْرَارُهُ بِأَنَّهُ لِخَصْمِهِ مُسْقِطٌ لِخُصُومَتِهِ وَمُوجِبٌ لِتَسْلِيمِهِ لَهُ، فَإِنْ ادَّعَى انْتِقَالَهُ لَهُ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ كَبَيْعٍ وَتَبَرُّعٍ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ بِبَيِّنَةٍ مُعْتَبَرَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ لَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهِ بِالْأَمْسِ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ وَيُسْتَصْحَبُ مُوجَبُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ هُوَ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ أَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعِي بِالْأَمْسِ فَلَا يَأْخُذُهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ انْتَزَعَهُ مِنْهُ أَوْ غَصَبَهُ أَوْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ كَانَتْ الشَّهَادَةُ جَائِزَةً، وَيُجْعَلُ الْمُدَّعِي صَاحِبَ الْيَدِ. قُلْت أَعْيَانُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَمْ أَعْرِفْهَا نَصًّا لِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إلَّا لِمَنْ تَبِعَهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ. وَفِي وَجِيزِ الْغَزَالِيِّ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْأَمْسِ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّاهِدُ لِلْمِلْكِ فِي الْحَالِ، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَ مِلْكًا لَهُ بِالْأَمْسِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ تَحْقِيقٍ فَيَسْتَصْحِبُ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ، فَإِنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ تَخْمِينٍ وَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ هُوَ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ سُمِعَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى تَحْقِيقٍ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعِي بِالْأَمْسِ قُبِلَ، وَجُعِلَ الْمُدَّعِي صَاحِبَ يَدٍ.
(وَإِنْ) تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَ (تَعَذَّرَ تَرْجِيحٌ) لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَكَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ غَيْرِ الْمُتَنَازِعَيْنِ (سَقَطَتَا) أَيْ الْبَيِّنَتَانِ (وَبَقِيَ) الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (بِيَدِ حَائِزِهِ) إنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا (أَوْ) يَدْفَعَ (لِمَنْ) أَيْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ الَّذِي (يُقِرُّ) الْحَائِزُ أَنَّهُ (لَهُ) الْبُنَانِيُّ حَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ غَيْرِ الْمُتَنَازِعَيْنِ صُوَرٌ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ حَائِزَهُ تَارَةً يَدَّعِيه لِنَفْسِهِ، وَتَارَةً يُقِرُّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا وَتَارَةً لِغَيْرِهِمَا، وَتَارَةً يَسْكُتُ. وَفِي كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعِ فَتَارَةً تَقُومُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَنَازِعَيْنِ بَيِّنَةٌ وَتَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ، وَتَارَةً
وَقُسِمَ عَلَى الدَّعْوَى، إنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، كَالْعَوْلِ
ــ
[منح الجليل]
لَا تَقُومُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَهَذِهِ ثَمَانُ صُوَرٍ، فَفِي صُوَرِ الْبَيِّنَةِ إنْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ وَسَقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ حَلَفَ وَبَقِيَ بِيَدِهِ كَمَا فِي الْمَتْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقِيلَ يُنْزَعُ مِنْهُ وَيُقْسَمُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِيَمِينِهِ كَمَا فِيهَا أَيْضًا، وَقِيلَ إقْرَارُهُ لَغْوٌ وَيَقْتَسِمَانِهِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِمَا أَوْ سَكَتَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَهَاتَانِ دَخَلَتَا فِي قَوْلِهِ وَقُسِمَ عَلَى الدَّعْوَى، وَفِي صُوَرِ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ إنْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ حَلَفَ وَبَقِيَ بِيَدِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا اهـ لِغَيْرِهِمَا أَخَذَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ سَكَتَ أَوْ قَالَ لَا أَدْرِي قُسِمَ عَلَى الدَّعْوَى.
(وَقُسِمَ) فَكُسِرَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (عَلَى) قَدْرِ (الدَّعْوَى) عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ مُنَاصَفَةً (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (بِيَدِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمُتَنَازِعَيْنِ بِأَنْ كَانَ بِيَدِهِمَا أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِمَا وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ كَانَ لَيْسَ بِيَدِ أَحَدٍ كَعَفَى أَرْضٍ، وَلَمَّا شَمِلَ الْقَسْمُ عَلَى الدَّعْوَى صُورَتَيْنِ: الْقَسْمُ كَالْعَوْلِ وَالْقَسْمُ عَلَى التَّنَازُعِ وَالتَّسْلِيمِ بَيَّنَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (كَالْعَوْلِ) فِي الْفَرِيضَةِ الَّتِي زِيدَ فِي سِهَامِهَا عَلَى أَصْلِهَا الضَّيِّقِ سِهَامُهَا عَنْ وَرَثَتِهَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْكُلِّ وَنِسْبَتُهُ لِلْمَجْمُوعِ وَنِسْبَةُ الْمَزِيدِ لِلْمَجْمُوعِ أَيْضًا وَإِعْطَاءُ مُسْتَحِقِّ كُلِّ مِثْلٍ نِسْبَةَ مَالِهِ مِنْ الْمَجْمُوعِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْكُلَّ وَالْآخَرُ النِّصْفَ زِيدَ عَلَى الْكُلِّ مِثْلُ نِصْفِهِ وَنُسِبَ الْكُلُّ لِلْمَجْمُوعِ، فَكَانَ ثُلُثَيْهِ وَالنِّصْفُ لَهُ فَكَانَ ثُلُثًا، فَيُعْطَى مُدَّعِي الْكُلِّ ثُلُثَيْ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَمُدَّعِي النِّصْفِ ثُلُثَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ إذَا وَجَبَ قَسْمُ الْمُدَّعَى فِيهِ. ابْنُ شَاسٍ إنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا قُسِمَ عَلَى قَدْرِ الدَّعَاوَى زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ اتِّفَاقًا. ابْنُ هَارُونَ فَعَلَيْهِ إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا جَمِيعَ الثَّوْبِ وَالْآخَرُ نِصْفَهُ قُسِمَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا. قُلْت ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ ابْنُ حَارِثٍ وَقَالَ فِيهَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٍ لِمُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفُ بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهِ وَالنِّصْفُ الثَّانِي الَّذِي تَدَاعَيَا فِيهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. قُلْت وَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ اتِّفَاقًا. الشَّيْخُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي مَالٍ بِأَيْدِيهِمَا لَهُ ثُلُثَاهُ وَقَالَ الْآخَرُ لِي نِصْفُهُ، وَإِنَّمَا لَك نِصْفُهُ فَلِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ النِّصْفُ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ الثُّلُثُ وَالسُّدُسُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بَعْدَ تَحَالُفِهِمَا. وَقَالَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
أَشْهَبُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَعَبَّرَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ قَوْلِهِ بِلَا يَكُونُ الْقَسْمُ عَلَى الدَّعَاوَى، وَفِي تَعْيِينِ الْمُبْدَأِ مِنْهُمَا بِالْيَمِينِ خِلَافٌ، ثُمَّ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَكَانَ شَيْخُنَا يَخْتَارُ فِي هَذَا الْأَصْلِ الْقَوْلَ بِالْقُرْعَةِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى كَوْنِهِ عَلَى التَّدَاعِي، فَفِي كَوْنِهِ عَلَى قَدْرِ مُدَّعِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَعَوْلِ الْفَرَائِضِ أَوْ عَلَى اخْتِصَاصِ مُدَّعِي الْأَكْثَرِ بِمَا سُلِّمَ لَهُ وَقَسْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِالسَّوِيَّةِ نَقْلَا الشَّيْخِ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ، وَابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ زَادَ عَلَى اثْنَيْنِ فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا اخْتِصَاصُ مُدَّعِي الْأَكْثَرِ بِمَا زَادَ عَلَى الدَّعْوَيَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالثَّانِي اخْتِصَاصُهُ بِمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِمَا. فَلَوْ كَانَ ثَالِثٌ يَدَّعِي الثُّلُثَ مَعَ مُدَّعِي جَمِيعِهِ وَنِصْفِهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بِالسُّدُسِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ الْبَاقِي نِصْفَهُ وَهُوَ رُبُعٌ وَسُدُسٌ، ثُمَّ يَخْتَصُّ مُدَّعِي النِّصْفِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَهُوَ نِصْفُ سُدُسٍ وَيَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ، وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بِالنِّصْفِ ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ الْبَاقِي نِصْفَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ، وَيَأْخُذُ مُدَّعِي النِّصْفِ سُدُسًا، ثُمَّ يَقْسِمُ الْبَاقِي أَثْلَاثًا لِثَلَاثَةٍ. قُلْت يُرِيدُ بِالْأَوَّلِ الِاخْتِصَاصَ بِمَا زَادَ عَلَى الدَّعْوَيَيْنِ، وَبِالثَّانِي بِمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِمَا وَتَقْرِيرُ كَلَامِهِ وَاضِحٌ، وَعَزَا الشَّيْخُ الْأَوَّلَ لِابْنِ الْمَوَّازِ، وَالثَّانِيَ لِأَشْهَبَ، وَقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ يُقَالُ لِمُدَّعِي النِّصْفِ وَمُدَّعِي الثُّلُثِ سَلَّمْتُمَا النِّصْفَ لِمُدَّعِي الْكُلِّ فَلَهُ سِتَّةٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، وَيُقَالُ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ سَلَّمْت السُّدُسَ وَهُوَ سَهْمَانِ بَيْنَ مُدَّعِي الْكُلِّ وَمُدَّعِي النِّصْفِ، وَيَبْقَى الثُّلُثُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ يَدَّعُونَهُ كُلُّهُمْ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، فَيَصِيرُ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ سَهْمٌ وَثُلُثٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ سَهْمَانِ وَثُلُثٌ، وَلِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَمَانِيَةٌ وَثُلُثٌ، قَالَ وَهُوَ نَحْوُ جَوَابِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَرَّرَ مُحَمَّدٌ قَوْلَهُ بِأَنَّهُ يُقَالُ لِمُدَّعِي النِّصْفِ وَالثُّلُثِ سَلِّمَا السُّدُسَ لِمُدَّعِي الْكُلِّ تَبْقَ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ يَدَّعِيهَا مُدَّعِي الْكُلِّ وَيَدَّعِيهَا صَاحِبَاهُ أَيْضًا فَيُعْطِيَانِهِ نِصْفَهَا وَهُوَ عَشَرَةُ قَرَارِيطَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا، فَيُقَالُ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ أَنْتَ لَا تَدَّعِي فِي قِيرَاطَيْنِ مِنْ الْعَشَرَةِ الْبَاقِيَةِ سَلِّمْهُمَا لِمُدَّعِي النِّصْفِ وَتُقْسَمُ الثَّمَانِيَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
ابْنُ حَارِثٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلٌ ثَالِثٌ هُوَ أَعْدَلُهَا، أَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهِ عَلَى حِسَابِ عَوْلِ
وَلَمْ يَأْخُذْهُ بِأَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ.
ــ
[منح الجليل]
الْفَرَائِضِ وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " فِي الدِّينَارِ الْوَاقِعِ فِي مِائَةِ دِينَارٍ، وَكَثِيرًا مَا كُنْت سَمِعْته مِنْ شُيُوخِنَا وَكُهُولِ أَصْحَابِهِمْ فِي أَيَّامِ الدَّرْسِ لَهُمْ وَالْمُنَاظَرَةِ لَهُمْ. قُلْت حَكَاهُ الشَّيْخُ مِنْ نَوَادِرِهِ مِنْ نَقْلِ أَشْهَبَ، قَالَ قَالَ أَشْهَبُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُقْسَمُ عَلَى حِسَابِ الْعَوْلِ فِي الْفَرَائِضِ فَيُقْسَمُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا، فَلِمُدَّعِي الْكُلِّ سِتَّةٌ وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ اثْنَانِ.
(وَ) إنْ تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي مِلْكِ شَيْءٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مِلْكُهُ وَتَعَذَّرَ تَرْجِيحُ إحْدَاهُمَا وَشَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ بِيَدِ مَنْ شَهِدْت لَهُ بِالْأَمْسِ (لَمْ يَأْخُذْهُ) أَيْ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مَنْ شَهِدَ لَهُ (بِأَنَّهُ) أَيْ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ (كَانَ بِيَدِهِ) أَمْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ بِيَدِهِ كَوْنُهُ مِلْكَهُ وَلَا مُسْتَحَقَّهُ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْيَدِ أَعَمُّ، وَالْأَعَمُّ لَا يُشْعِرُ بِالْأَخَصِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُطْلَقُ الْحَوْزِ، وَهَا هُوَ مَحُوزٌ فِي يَدِ الْآخَرِ الْيَوْمَ. ابْنُ شَاسٍ وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ انْتَزَعَهُ أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ، وَيُجْعَلُ الْمُدَّعِي صَاحِبَ الْيَدِ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. " غ " أَغْفَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الثَّانِيَةَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُمَا مَعًا نَصًّا لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، مَعَ أَنَّ الثَّانِيَةَ فِي النَّوَادِرِ وَالْكَمَالُ لِلَّهِ سبحانه وتعالى. الْبُنَانِيُّ وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ مَنْصُوصَةٌ لِأَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ سبحانه وتعالى.
التُّونُسِيُّ رَأَيْت لِأَشْهَبَ لَوْ كَانَ عَبْدٌ بِيَدِ رَجُلٍ فَادَّعَاهُ آخَرُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ أَمْسِ بِيَدِهِ فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ. التُّونُسِيُّ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي يَدِهِ أَمْسِ سَابِقٌ لِلَّذِي هُوَ بِيَدِهِ الْيَوْمَ فَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى يَدِهِ حَتَّى يُثْبِتَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَبَقَتْ يَدُهُ عَلَى شَيْءٍ لَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ إلَّا بِيَقِينٍ. ابْنُ مُحْرِزٍ قَوْلُ أَشْهَبَ صَحِيحٌ. الْعَوْفِيُّ كَلَامُ التُّونُسِيِّ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصْوَبُ مِنْ كَلَامِ أَشْهَبَ نَقَلَهُ الطِّخِّيخِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ، وَقَوْلُ " غ " أَغْفَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا، أَيْ فِي هَذَا الْبَابِ وَإِلَّا فَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغَصْبِ مَا تُفْهَمُ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُ، حَيْثُ قَالَ كَشَاهِدٍ بِمِلْكٍ لِآخَرَ، وَجَعَلْت ذَا يَدٍ لَا مَالِكًا وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا نَقَلَهُ " ق " هُنَا.
وَإِنْ ادَّعَى أَخٌ أَسْلَمَ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَ فَالْقَوْلُ لِلنَّصْرَانِيِّ وَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ، إلَّا بِأَنَّهُ تَنَصَّرَ، أَوْ مَاتَ إنْ جُهِلَ أَصْلُهُ فَيُقْسَمُ كَمَجْهُولِ الدِّينِ، وَقُسِمَ عَلَى الْجِهَاتِ بِالسَّوِيَّةِ
ــ
[منح الجليل]
وَإِنْ ادَّعَى أَخٌ أَسْلَمَ) أَيْ حَدَثَ إسْلَامُهُ عَلَى أَخِيهِ النَّصْرَانِيِّ (أَنَّ أَبَاهُ) النَّصْرَانِيَّ (أَسْلَمَ) وَمَاتَ مُسْلِمًا وَأَنْكَرَ الْأَخُ النَّصْرَانِيُّ إسْلَامَ أَبِيهِ وَقَالَ إنَّهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا (فَالْقَوْلُ لِلنَّصْرَانِيِّ) اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، وَهَذَا حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَأَمَّا لَوْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً شَهِدَتْ لَهُ (قُدِّمَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ) ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا) أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ (بِأَنَّهُ) أَيْ أَبَاهُمَا (تَنَصَّرَ) أَيْ نَطَقَ بِمَا دَلَّ عَلَى اعْتِقَادِهِ النَّصْرَانِيَّةَ (وَمَاتَ) عَقِبَهُ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ بِأَنَّهُ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمَاتَ عَقِبَهُ فَقَدْ تَعَارَضَتَا، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ فَيَتَرَجَّحُ إحْدَاهُمَا بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قُسِمَتْ تَرِكَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَهَذَا (إنْ جُهِلَ أَصْلُهُ) أَيْ دِينُ الْأَبِ الْأَصْلِيِّ. طفى الصَّوَابُ إسْقَاطُهُ، إذْ لَا فَائِدَةَ لِاشْتِرَاطِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فِي مَعْلُومِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَعَلَيْهِ قَرَّرَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَذَلِكَ، فَذِكْرُهُ أَوْجَبَ انْقِطَاعَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِحَالَةَ الْمَسْأَلَةِ عَنْ وَجْهِهَا، فَلَوْ حَذَفَهُ ثُمَّ قَالَ كَمَجْهُولِ الدِّينِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَأَجَادَ، وَلِذَا قَالَ " ق " لَوْ قَالَ إلَّا بِأَنَّهُ تَنَصَّرَ وَمَاتَ فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ فَيُقْسَمُ كَمَجْهُولِ الدِّينِ وَعَلَيْهِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا.
وَشَبَّهَ فِي الْقَسْمِ فَقَالَ (كَمَجْهُولِ الدِّينِ) الَّذِي مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَتَنَازَعَا فِي مَوْتِهِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا بِلَا بَيِّنَةٍ، فَيُقْسَمُ مَتْرُوكُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (وَقُسِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَالُ الَّذِي تَرَكَهُ مَجْهُولُ الدِّينِ وَأَبْنَاؤُهُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ (عَلَى الْجِهَاتِ) أَيْ الْإِسْلَامِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا الَّتِي تَدِينُ بِهَا أَوْلَادُهُ الْمُتَنَازِعُونَ (بِالسَّوِيَّةِ) مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى عَدَدِ أَصْحَابِ كُلِّ جِهَةٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْجِهَاتُ ثَلَاثَةً فَلِكُلِّ جِهَةٍ ثُلُثُهُ وَلَوْ كَانَتْ جِهَةٌ أَصْحَابُهَا عَشَرَةٌ وَجِهَةٌ أَصْحَابُهَا خَمْسَةٌ وَجِهَةٌ صَاحِبُهَا وَاحِدٌ. الْعَدَوِيُّ الْجِهَاتُ أَرْبَعٌ إسْلَامٌ وَيَهُودِيَّةٌ وَنَصْرَانِيَّةٌ وَسِوَاهَا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ، وَصَرَّحَ الْعُقْبَانِيُّ فِي شَرْحِ فَرَائِضِ الْحَوفِيِّ بِأَنَّ الْقَسْمَ عَلَى
وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا طِفْلٌ، فَهَلْ يَحْلِفَانِ وَيُوقَفُ الثُّلُثُ فَمَنْ وَافَقَهُ أَخَذَ حِصَّتَهُ وَرَدَّ عَلَى الْآخَرِ
ــ
[منح الجليل]
الْجِهَاتِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ حَلِفِ أَصْحَابِهَا فِي صُورَتَيْ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَمِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَصْلُهُ، فَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ بِشَهَادَةٍ، وَقَالَ الْأَخَوَانِ وَأَصْبَغُ إنْ كَانَتْ بِحَضْرَةِ النَّصْرَانِيِّ قَطَعَتْ دَعْوَاهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ لَهُ عُذْرٌ فِي سُكُوتِهِ وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهِ النَّصَارَى وَدَفَنُوهُ عِنْدَهُمْ بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِ اخْتَصَّ النَّصْرَانِيُّ بِإِرْثِهِ. قُلْت لِلشَّيْخِ عَنْ الْأَخَوَيْنِ فِي الْوَاضِحَةِ إنْ دُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْآخَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا لَا يُنْكِرُ، فَذَلِكَ يَقْطَعُ حُجَّتَهُ. اللَّخْمِيُّ إنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ، فَإِنْ كَانَتْ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ إلَى مَوْتِهِ وَلَا يَعْرِفُونَهُ انْتَقَلَ عَنْهُ كَانَ تَكَاذُبًا وَقُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا، فَإِنْ تَكَافَأَتَا كَانَ الْإِرْثُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَحَدِ الدِّينَيْنِ أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْوَارِثُ، فَفِي كَوْنِ ذَلِكَ تَكَاذُبًا أَوْ الْقَضَاءُ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي نَقَلَتْهُ عَنْ حَالَتِهِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا زَادَتْ حُكْمًا قَوْلَانِ، وَعَلَى الثَّانِي إنْ كَانَتْ الْحَالَةُ الْأُولَى كُفْرًا فَإِرْثُهُ لِلْمُسْلِمِ، وَفِي الْعَكْسِ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا) أَيْ الْأَخَوَيْنِ الْبَالِغَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ أَبُوهُمَا أَخٌ لَهُمَا (طِفْلٌ فَهَلْ يَحْلِفَانِ) أَيْ الْأَخَوَانِ الْبَالِغَانِ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ (وَيُوقَفُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَافِ (الثُّلُثُ) مِمَّا بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ سُدُسُ التَّرِكَةِ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ ثُلُثَهَا إلَى بُلُوغِ الطِّفْلِ، وَإِذَا بَلَغَ (فَمَنْ) أَيْ الْأَخُ الَّذِي (وَافَقَهُ) الطِّفْلُ فِي دِينِهِ (أَخَذَ) الطِّفْلُ (حِصَّتَهُ) أَيْ سُدُسَ الْأَخِ الَّذِي وَافَقَهُ الطِّفْلُ الْمَوْقُوفُ إلَى بُلُوغِهِ (وَرُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ (عَلَى) الْأَخِ (الْآخَرِ) الَّذِي لَمْ يُوَافِقْهُ الطِّفْلُ فِي دِينِهِ سُدُسُهُ الْمَوْقُوفُ، فَإِنْ وَافَقَ الْمُسْلِمَ أَخَذَ سُدُسَهُ وَرُدَّ سُدُسُ النَّصْرَانِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَافَقَ النَّصْرَانِيَّ أَخَذَ سُدُسَهُ وَرُدَّ سُدُسُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، وَعَلَى كُلٍّ يَكْمُلُ لِجِهَةِ الْإِسْلَامِ نِصْفُ التَّرِكَةِ، وَلِجِهَةِ النَّصْرَانِيَّةِ نِصْفُهَا الْآخَرُ، وَوُقِفَ الثُّلُثُ أَوَّلًا لِلطِّفْلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ ثَالِثٍ وَيَدَّعِي أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ مَاتَ حَلَفَا وَقُسِمَ، أَوْ لِلصَّغِيرِ النِّصْفُ وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَوْلَانِ
ــ
[منح الجليل]
وَإِنْ مَاتَ) الطِّفْلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ (حَلَفَا) أَيْ أَخَوَاهُ الْبَالِغَانِ يَحْلِفُ كُلٌّ أَنَّ الطِّفْلَ مَاتَ عَلَى دِينِهِ (وَاقْتَسَمَا) أَيْ أَخَوَاهُ الثُّلُثَ الْمَوْقُوفَ لَهُ بِالسَّوِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَاشِرٍ بِأَنَّهُ تَوْرِيثٌ مَعَ الشَّكِّ فِي الْمُوَافَقَةِ فِي الدِّينِ، إذْ لَا يُمْكِنُ لِلطِّفْلِ إلَّا دِينٌ وَاحِدٌ مُوَافِقٌ لِأَحَدِهِمَا أَوْ مُخَالِفٌ لَهُمَا مَعًا. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَالِغِينَ يَدَّعِي أَنَّ الطِّفْلَ كَانَ عَلَى دِينِهِ وَمَاتَ عَلَيْهِ جَازَ مَا بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ، وَأَنَّ أَخَاهُمَا يَظْلِمُهُ فِيمَا يَأْخُذُهُ مِنْهَا فَبِالْوَجْهِ الَّذِي وَرِثَ بِهِ أَبَاهُ يَرِثُ أَخَاهُ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ، وَيُنْظَرُ مَا الْحُكْمُ إذَا كَانَ لِلطِّفْلِ وَارِثٌ غَيْرُ أَخَوَيْهِ كَأُمِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ بُنَانِيٌّ. (أَوْ) يُوقَفُ (لِلصَّغِيرِ النِّصْفُ) مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْبَالِغَيْنِ يَدَّعِي أَنَّهُ عَلَى دِينِهِ فَيَسْلَمُ لَهُ نِصْفُ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ رُبْعُ التَّرِكَةِ (وَيُجْبَرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الطِّفْلُ (عَلَى الْإِسْلَامِ) إذَا بَلَغَ وَيُقْسَمُ النِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ فِي الْجَوَابِ (قَوْلَانِ) مُسْتَوِيَانِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ أَصْبَغُ قَالَ كَانَ مَعَهُمَا أَخٌ صَغِيرٌ فَكِلَاهُمَا مُقِرٌّ لَهُ بِالنِّصْفِ كَامِلًا، وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالنِّصْفُ لَهُمَا بَعْدَ إيمَانِهِمَا. سَحْنُونٌ فَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ حَلَفَا وَقَسَمَا مَالَهُ. اللَّخْمِيُّ أَصْلُ قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، فَإِنْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ سِتِّينَ دِينَارًا كَانَ لِكُلٍّ مِنْ الْأَوْلَادِ عِشْرُونَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَقُولُ الْمَالُ بَيْنِي وَبَيْنَ الصَّغِيرِ نِصْفَيْنِ وَالنَّصْرَانِيُّ غَاصِبٌ لَنَا وَالْغَصْبُ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَنْصِبَائِنَا، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى اسْتِوَائِهِمَا فِيهِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يَحْلِفَانِ وَيُوقَفُ ثُلُثُ مَا بِيَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى يَكْبَرَ الصَّبِيُّ فَيَدَّعِي دَعْوَى أَحَدِهِمَا فَيَأْخُذَ مَا وُقِفَ مِنْ سَهْمِهِ وَيَرُدَّ لِلْآخَرِ مَا وُقِفَ مِنْ سَهْمِهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ حَلَفَا وَاقْتَسَمَا مِيرَاثَهُ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ وَلَهُ وَرَثَةٌ يُعْرَفُونَ فَهُمْ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهِ وَلَا يُرَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ يُعْرَفُونَ وُقِفَ مِيرَاثُهُ، فَإِذَا كَبِرَ وَادَّعَاهُ كَانَ لَهُ. قُلْت قَوْلُ سَحْنُونٍ فَيَأْخُذُ مَا وُقِفَ لَهُ مِنْ سَهْمِهِ وَيَرُدُّ إلَى الْآخَرِ مَا وُقِفَ لَهُ مِنْ سَهْمِهِ إلَخْ، خِلَافُ قَوْلِ أَصْبَغَ.
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى شَيْئِهِ: فَلَهُ أَخْذُهُ، إنْ يَكُنْ غَيْرَ عُقُوبَةٍ، وَأَمِنَ فِتْنَةً وَرَذِيلَةً
ــ
[منح الجليل]
وَإِنْ) كَانَ لِشَخْصٍ حَقٌّ عِنْدَ آخَرَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ الظَّاهِرِ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ مَعَ إنْكَارِهِ وَ (قَدَرَ عَلَى) أَخْذِ عَيْنِ (شَيْئِهِ) خُفْيَةً (فَلَهُ أَخْذُهُ) سَوَاءٌ عَلِمَ غَرِيمُهُ بِأَخْذِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ (إنْ يَكُنْ) شَيْؤُهُ (غَيْرَ عُقُوبَةٍ) فَإِنْ كَانَ عُقُوبَةً كَحَدِّ قَذْفٍ وَقِصَاصٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ تَأْدِيبِ شَاتِمٍ وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إلَّا بِالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ سَدًّا لِتَعَدِّي بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ وَادِّعَائِهِمْ أَخْذَ حَقِّهِمْ، وَلَا يَلْزَمُهُ الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ، وَكَذَا غَيْرُ عَيْنِ شَيْئِهِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ يَكُنْ غَيْرَ عُقُوبَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ أَخْذُ عَيْنِهَا فَلَوْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِشَيْئِهِ عَيْنَهُ خَاصَّةً لَمْ يَحْتَجْ لِقَوْلِهِ إنْ يَكُنْ غَيْرَ عُقُوبَةٍ لِعَدَمِ شُمُولِ عَيْنِ شَيْئِهِ لَهَا، فَيُحْمَلُ شَيْؤُهُ عَلَى حَقِّهِ الشَّامِلِ لِعَيْنِ شَيْئِهِ وَعِوَضِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِ الْعُقُوبَةِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْوَدِيعَةَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا قَدَّمَهُ فِي بَابِهَا مِنْ قَوْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا لِمَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا ضَعِيفٌ قَالَهُ عب وَمِثْلُهُ لِلْخَرَشِيِّ. (وَ) إنْ (أَمِنَ) صَاحِبُ الْحَقِّ (فِتْنَةً) تَحْصُلُ بِأَخْذِ حَقِّهِ كَقِتَالٍ وَإِرَاقَةِ دَمٍ (وَ) أَمِنَ (رَذِيلَةً) كَنِسْبَتِهِ لِسَرِقَةٍ أَوْ خِيَانَةٍ بِأَخْذِ حَقِّهِ. طفى لَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَصَرَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِرْجَاعِ عَيْنِ حَقِّهِ آمِنًا مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ إلَى رَذِيلَةٍ جَازَ لَهُ
وَأَمَّا فِي الْعُقُوبَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَاكِمِ وَكَلَامُهُمَا كَمَا تَرَى فِي اسْتِرْجَاعِ عَيْنِ حَقِّهِ، وَبِهِ شَرَحَ فِي التَّوْضِيحِ، فَقَالَ إنْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِ شَيْئِهِ بِعَيْنِهِ. وَعِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ وَمَنْ غُصِبَ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَدَرَ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ تَحْرِيكِ فِتْنَةٍ أَوْ سُوءِ عَاقِبَةٍ بِأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ. اهـ. وَهَكَذَا عِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي هَذَا خِلَافًا، وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ فِي غَيْرِ عَيْنِ شَيْئِهِ. ثَالِثُهَا إنْ كَانَ جِنْسَهُ جَازَ، فَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى عَيْنِ شَيْئِهِ كَمَا قُلْنَا فَيَكُونُ غَيْرَ شَيْئِهِ عِنْدَهُ بِالْمَنْعِ كَمَا يَأْخُذُهُ مِنْ بَابِ الْوَدِيعَةِ. وَأَمَّا حَمْلُ تت كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى غَيْرِ عَيْنِ شَيْئِهِ وَتَعْمِيمُهُ فِي الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ
وَإِنْ قَالَ: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ؛ أُنْظِرَ
ــ
[منح الجليل]
وَمُعَارَضَتُهُ لِذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ، وَجَوَابُهُ عَنْ ذَلِكَ بِإِخْرَاجِ الْوَدِيعَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ نُبُوُّ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ عَنْ حَمْلِهِ. الثَّانِي: خُلُوُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَنْ بَيَانِ حُكْمِ اسْتِرْدَادِ عَيْنِ شَيْئِهِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَهُمَا مَتْبُوعَاهُ، وَلَا يُقَالُ يُؤْخَذُ بِالْأُولَى لِخَفَائِهِ وَلِتَعَرُّضِ الْأَئِمَّةِ لَهُ. الثَّالِثُ: لُزُومُ الْمُعَارَضَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
وَأَمَّا جَوَابُهُ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَمْ أَرَ مَنْ اسْتَثْنَاهَا مِنْ الْمَنْعِ، إذْ مَنْ أَجَازَ أَجَازَهَا، وَمَنْ مَنَعَ مَنَعَهَا، وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ عَرَفَةَ طُرُقَ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْوَدِيعَةَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي طَرِيقِهِ فِي الْوَدِيعَةِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ الْمَنْعَ وَالْكَرَاهَةَ وَالْإِبَاحَةَ وَالِاسْتِحْبَابَ. خَامِسُهَا إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا يَأْخُذُ إلَّا قَدْرَ الْحِصَاصِ وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ الْإِبَاحَةُ مُطْلَقًا عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمْ لَا، وَأَيْضًا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ. وَإِنْ كَانَ فَرْضُهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ فِي الْوَدِيعَةِ فَلَيْسَ الْحُكْمُ خَاصًّا بِهَا وَقَدْ تَوَرَّكَ عَلَيْهِ هُنَاكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهَا وَمَنْ لَك عَلَيْهِ مَالٌ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ قِرَاضٍ أَوْ بَيْعٍ فَجَحَدَهُ، ثُمَّ صَارَ لَهُ بِيَدِك مِثْلُهُ بِإِيدَاعٍ وَبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْحَدَهُ اهـ.
الْبُنَانِيُّ مَا قَرَّرَ بِهِ " ز " هُوَ الظَّاهِرُ، وَمَا قَالَهُ طفى، وَصَوَّبَهُ مِنْ حَمْلِ مَا هُنَا عَلَى عَيْنِ شَيْئِهِ، إذْ هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا غَيْرُ عَيْنِهِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ مَشَى الْمُصَنِّفُ مِنْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمَنْعِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ أَظْهَرَ الْأَقْوَالِ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ الْإِبَاحَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنْ) كَانَ لِشَخْصٍ حَقٌّ عَلَى آخَرَ وَوَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى خَلَاصِهِ فَطَلَبَهُ الْوَكِيلُ مِنْ الْغَرِيمِ فَ (قَالَ) الْغَرِيمُ لِلْوَكِيلِ (أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك) بِكَسْرِ الْكَافِ (الْغَائِبُ أُنْظِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أُمْهِلَ وَأُخِّرَ الْغَرِيمُ إلَى حُضُورِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِإِبْرَائِهِ وَإِلَّا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ وَأَخَذَ حَقَّهُ مِنْ الْغَرِيمِ، وَلَا يَحْلِفُ الْوَكِيلُ عَلَى عَدَمِهِ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ يَحْلِفُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَرِيبَةِ اتِّفَاقًا، وَفِي الْبَعِيدَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَحَكَاهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
اللَّخْمِيُّ بِقِيلِ، وَلَمْ يَعْزُهُ، وَقَالَ إنَّهُ الْأَصْلُ، ثُمَّ قَالَ الْحَطّ وَالْمَنْصُوصُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْمَطْلُوبِ الْقَضَاءَ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ وَلَا يُؤَخَّرُ إلَى لَقِيَ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَمِثْلُهُ دَعْوَاهُ الْإِبْرَاءَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ. وَفِي النَّوَادِرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي وَكِيلِ الْغَائِبِ يَطْلُبُ دَيْنَهُ الثَّابِتَ فَيَقُولُ الْمَطْلُوبُ بَقِيَ مِنْ حَقِّي أَنْ يَحْلِفَ الْمَحْكُومُ لَهُ أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ مِنِّي، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً كَتَبَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْحَقَّ السَّاعَةَ وَيُقَالُ لَهُ إذَا اجْتَمَعْت مَعَهُ فَحَلِّفْهُ وَيَكْتُبُ الْقَاضِي لَهُ كِتَابًا بِذَلِكَ يَكُونُ بِيَدِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْمَقْضِيُّ لَهُ حَلَفَ الْأَكَابِرُ مِنْ وَرَثَتِهِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَلَا يَحْلِفُ الصِّغَارُ وَإِنْ كَبِرُوا بَعْدَ مَوْتِهِ. اهـ. وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ وَقَوْلُهُ عِنْدِي تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِ الْمُوَكِّلِ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً كَيَوْمَيْنِ انْتَظَرَ الْمُوَكِّلُ حَتَّى يَحْلِفَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً يَحْلِفُ الْوَكِيلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مُوَكِّلَهُ قَبَضَ مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا وَيُقْضَى لَهُ بِهِ. وَفِي الْمُعِينِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ. وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يَقْضِي عَلَى الْمَطْلُوبِ وَلَهُ تَحْلِيفُ الطَّالِبِ إذَا لَقِيَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ، ثُمَّ قَالَ الْحَطّ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ يُنْظَرُ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُوَكِّلُ بِلَا خِلَافٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ. وَأَمَّا فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ فَالْمَنْصُوصُ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ كِنَانَةَ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَى الْمَطْلُوبِ بِدَفْعِ الْحَقِّ وَلَا يُؤَخَّرُ، لَكِنَّ ابْنَ كِنَانَةَ قَالَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ حَقٌّ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ بِقَبْضِ مُوَكِّلِهِ، وَمُقَابِلُ الْمَنْصُوصِ مَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ بِقِيلَ، وَعَزَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَخَرَّجَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى يَمِينِ الِاسْتِحْقَاقِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا عُلِمَ هَذَا فَقَوْلُهُ أُنْظِرَ الْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مُشْكِلٌ لِاقْتِضَائِهِ إنْظَارَهُ فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ
وَمَنْ اسْتَمْهَلَ لِدَفْعِ بَيِّنَةٍ، أُمْهِلَ بِالِاجْتِهَادِ:
ــ
[منح الجليل]
فِي عَزْوِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَبُولِهِ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى. وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَرَّجٌ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ اللَّخْمِيَّ حَكَاهُ بِقِيلَ، فَالْمُنَاسِبُ وَإِنْ قَالَ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ أَوْ قَضَيْته فَلَا يُنْتَظَرُ فِي الْبَعِيدَةِ بِخِلَافِ الْقَرِيبَةِ، فَيُؤَخَّرُ لِيَمِينِ الْقَضَاءِ وَوُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنْ قَالَ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ، أُنْظِرَ فِي الْقَرِيبَةِ. وَفِي الْبَعِيدَةِ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ مَا عَلِمَ بِقَبْضِ مُوَكِّلِهِ وَيَقْضِي لَهُ، فَإِنْ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ حَلَفَ وَاسْتَمَرَّ الْقَبْضُ وَإِلَّا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ، وَاسْتَرْجَعَ مَا أَخَذَ مِنْهُ. " غ " حَلَفَ الْوَكِيلُ قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا، إذْ لَا يَحْلِفُ شَخْصٌ لِيَنْتَفِعَ غَيْرُهُ، وَمَا بَعْدَهُ سَاقَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلًا آخَرَ، وَنَسَبَهُ فِي تَوْضِيحِهِ لِابْنِ الْمَوَّازِ، فَقَدْ رَكَّبَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْفَتْوَى مِنْ قَوْلَيْنِ.
الْحَطّ أَمَّا حَلِفُ الْوَكِيلِ فَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ فَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ وَابْنَ الْقَاسِمِ وَابْنَ الْمَوَّازِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ وَلَا يُؤَخَّرُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ لَهُ تَحْلِيفَ الْمُوَكِّلِ إذَا لَقِيَهُ، فَإِنْ حَلَفَ مَضَى، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ فَهَذِهِ النُّسْخَةُ حَسَنَةٌ مُوَافِقَةٌ لِلرَّاجِحِ مِنْ الْأَقْوَالِ إلَّا حَلِفَ الْوَكِيلِ، فَإِنَّهُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ.
الثَّانِي: لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ الْمَطْلُوبِ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك كَمَا فُرِضَ فِي سَمَاعِ عِيسَى، وَقَوْلِهِ قَبَضَهُ مِنِّي مُوَكِّلُك. الثَّالِثُ: إذَا قُضِيَ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْحَقِّ ثُمَّ لَقِيَ الْمُوَكِّلَ فَاعْتَرَفَ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ الْقَبْضِ أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِالْحَقِّ عَلَى الْوَكِيلِ أَوْ الْمُوَكِّلِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى وَكِيلِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى دَفْعِهِ لَهُ بَيِّنَةً وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى دَفْعِهِ لَهُ.
(وَمَنْ) شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَأُعْذِرَ لَهُ فِيهَا فَادَّعَى حُجَّةً وَ (اسْتَمْهَلَ) أَيْ طَلَبَ الْإِمْهَالَ وَالتَّأْخِيرَ (لِدَفْعِ بَيِّنَةٍ) شَهِدَتْ عَلَيْهِ أَوْ جُرِحَتْ بَيِّنَتَهُ (أُمْهِلَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ أُخِّرَ وَضُرِبَ لَهُ أَجَلٌ (بِالِاجْتِهَادِ) مِنْ الْحَاكِمِ بِحَسَبِ الدَّعْوَى وَالْمُدَّعَى فِيهِ وَتَقَدَّمَ
كَحِسَابٍ وَشِبْهِهِ، بِكَفِيلٍ بِالْمَالِ: كَأَنْ أَرَادَ إقَامَةَ ثَانٍ،
ــ
[منح الجليل]
فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْعَمَلَ بِتَفْرِيقِ الْأَجَلِ. عب مَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ قَرُبَتْ بَيِّنَتُهُ كَجُمُعَةٍ وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ وَبَقِيَ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا أَحْضَرَهَا. الْبُنَانِيُّ هَذَا كَقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ إذَا قَالَ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَمْهِلُونِي فَلِي بَيِّنَةٌ دَافِعَةٌ أُمْهِلَ مَا لَمْ يَبْعُدْ فَيُقْضَى عَلَيْهِ وَيَبْقَى عَلَى حُجَّتِهِ إذَا أَحْضَرَهَا أهـ. وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ التَّحْدِيدِ فِي الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ عَلَى الطَّالِبِ ضَرَرًا فِي إمْهَالِ الْمَطْلُوبِ مَعَ بُعْدِ بَيِّنَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِمْهَالِ بِالِاجْتِهَادِ فَقَالَ (كَ) اسْتِمْهَالِ التَّحْرِيرِ (حِسَابٍ وَشِبْهِهِ) مِنْ مُرَاجَعَةِ مَكْتُوبٍ عِنْدَهُ وَسُؤَالِ غُلَامٍ وَنَحْوِهِ لِيَتَحَقَّقَ مَا يَجِبُ بِهِ، وَيُمْهَلُ (بِكَفِيلٍ) أَيْ ضَامِنٍ (بِالْمَالِ) فَلَا يَكْفِي ضَامِنٌ بِالْوَجْهِ لِثُبُوتِ الْمَالِ وَالْإِمْهَالُ إنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْبَيِّنَةِ. عب هَذَا رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ الْكَافِ فَقَطْ وَأَوْلَى لِقَوْلِهِ أُنْظِرَ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهَا فَيَكْفِي كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا وَقَعَ طَلَبُ الْإِمْهَالِ لِنَحْوِ الْحِسَابِ بَعْدَ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِ بِالْمَالِ، وَيَفُوتُ الْمُصَنِّفُ حِينَئِذٍ طَلَبُ الْإِمْهَالِ لِنَحْوِ الْحِسَابِ قَبْلَ إقَامَتِهَا. طفى هَذَا رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ الْكَافِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرُ تت، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَخَّرَهُ لِيُشَبِّهَ بِهِ، وَأَمَّا فِي الْحِسَابِ وَشَبِيهِهِ فَحُمِلَ بِالْوَجْهِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ. ابْنُ عَرَفَةَ وَتَقْيِيدُ ابْنِ شَاسٍ تَأْخِيرَهُ بِكَفِيلٍ بِوَجْهِهِ صَوَابٌ، وَيَبْعُدُ كَوْنُهُ اعْتَمَدَ هُنَا قَوْلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَفِيلُ بِالْمَالِ اهـ. إذْ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِمْهَالِ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ كَفِيلٍ بِالْمَالِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ صِلَتُهُ أَقَامَ الطَّالِبُ شَاهِدًا وَ (أَرَادَ) الطَّالِبُ (إقَامَةَ) شَاهِدٍ (ثَانٍ) وَطَلَبَ الْإِمْهَالَ فَيُمْهَلُ مَعَ كَفِيلٍ بِالْمَطْلُوبِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ لِلطَّالِبِ الْحَلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، أَوْ لِأَنَّ
أَوْ بِإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ: فَبِحَمِيلٍ بِالْوَجْهِ. وَفِيهَا أَيْضًا: نَفْيُهُ، وَهَلْ خِلَافٌ، أَوْ الْمُرَادُ وَكِيلٌ يُلَازِمُهُ، أَوْ إنْ لَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ، تَأْوِيلَاتٌ
ــ
[منح الجليل]
الْمَالَ ثَبَتَ بِهِ وَالْيَمِينُ اسْتِظْهَارٌ. الْبُنَانِيُّ الْأَوْلَى أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي الْإِمْهَالِ وَفِي لُزُومِ كَفِيلٍ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ قَيْدٌ لَا فِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ، كَمَا يَقْتَضِيه كَلَامُ ابْنِ مَرْزُوقٍ (أَوْ) ادَّعَى بِمَالٍ عَلَى شَخْصٍ فَأَنْكَرَهُ وَطَلَبَ الْمُدَّعِي الْإِمْهَالَ (بِ) إرَادَتِهِ لِ (إقَامَةِ بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ (فَ) يُمْهَلُ بِالِاجْتِهَادِ (بِحَمِيلٍ) لِلْمَطْلُوبِ (بِالْوَجْهِ) كَمَا فِي شَهَادَاتِهَا. الْمَازِرِيُّ لَا بِالْمَالِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَيْءٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ (وَفِيهَا) أَيْ الْمُدَوَّنَةِ (أَيْضًا نَفْيُهُ) أَيْ كَفِيلِ الْوَجْهِ، وَنَصُّهَا مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ خُلْطَةٌ فِي مُعَامَلَةٍ فَادَّعَى عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَثْبُتَ حَقُّهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ إذَا ثَبَتَتْ الْخُلْطَةُ فَلَهُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ لِيُوقِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَيْنِهِ.
(وَ) اُخْتُلِفَ (هَلْ) مَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ (خِلَافٌ) وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ (أَوْ وِفَاقٌ) بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا لِأَبِي عِمْرَانَ (الْمُرَادُ) بِكَفِيلِ الْوَجْهِ الَّذِي فِي شَهَادَاتِهَا (وَكِيلٌ يُلَازِمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَكِيلِ كَفِيلٌ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَفِيلُ الْوَجْهِ كَمَا فِي الْحَمَّالَاتِ (أَوْ) مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الشَّهَادَاتِ فَلَهُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ (إنْ لَمْ تُعْرَفْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ (عَيْنُهُ) أَيْ الْمَطْلُوبِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِعَيْنِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ كَفِيلٌ بِوَجْهِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُسْمَعُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ. فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَاتٌ) ثَلَاثَةٌ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا مَنْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ غَصْبًا أَوْ دَيْنًا وَاسْتِهْلَاكًا فَإِنْ عُرِفَ بِمُخَالَطَتِهِ فِي مُعَامَلَةٍ أَوْ عُلِمَتْ تُهْمَتُهُ فِيمَا ادَّعَى قِبَلَهُ مِنْ التَّعَدِّي وَالْغَصْبِ نَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ، فَإِمَّا أَحْلَفَهُ لَهُ أَوْ أَخَذَ لَهُ كَفِيلًا حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ خُلْطَتُهُ وَلَا تُهْمَتُهُ فِيمَا ذُكِرَ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ. عِيَاضٌ بَعْضُهُمْ جَعَلَ لَهُ أَخْذَ الْكَفِيلِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ وَلِغَيْرِهِ هُنَاكَ كَمَا لَهُ هُنَا. وَقَالَ آخَرُونَ ظَاهِرُهُ أَخْذُ الْكَفِيلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لِقَوْلِهِ، وَأَمَّا الدَّيْنُ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ وَإِلَّا فَلَا يَعْرِضُ لَهُ فَدَلَّ أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ بِخِلَافِهِ.
وَيُجِيبُ عَنْ الْقِصَاصِ: الْعَبْدُ، وَعَنْ الْأَرْشِ السَّيِّدُ
وَالْيَمِينُ فِي كُلِّ حَقٍّ
ــ
[منح الجليل]
عِيَاضٌ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْكَفِيلَ بِمَعْنَى الْمُوَكَّلِ بِهِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ لَزِمَهُ الْكَفِيلُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ، لِقَوْلِهِ إنْ كَانَ يُعْرَفُ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ فِي دَيْنٍ " ق " ابْنُ يُونُسَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ لَهُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا لِلطَّالِبِ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِوَجْهِهِ لِيُوقِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا فَلَيْسَ لِلطَّالِبِ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِوَجْهِهِ لِأَنَّا نَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَ) إنْ ادَّعَى عَلَى عَبْدٍ بِمُوجِبِ قِصَاصٍ كَفِيلٌ عَمْدًا أَوْ جُرْحٍ كَذَلِكَ فَ (يُجِيبُ عَنْ) دَعْوَى مُوجِبِ (الْقِصَاصِ الْعَبْدُ) لِأَنَّهُ الَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ إنْ أَقَرَّ بِمُوجِبِهِ لَا سَيِّدُهُ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ وَأَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ فَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ جَوَابَ الدَّعْوَى إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يُؤْخَذُ بِهِ الْمُجِيبُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ يَلْزَمُهُ فَيَلْزَمُهُ الْجَوَابُ عَنْهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ جَوَابُ سَيِّدِهِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَمِثْلُ الْقِصَاصِ حَدُّ الْقَذْفِ وَالتَّعْزِيرِ.
(وَ) إنْ ادَّعَى عَلَى عَبْدٍ بِمُوجِبِ أَرْشٍ كَجِنَايَةٍ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَا قِصَاصَ فِيهَا كَجَائِفَةٍ وَآمَّةٍ فَيُجِيبُ (عَنْ) دَعْوَى مُوجِبِ (الْأَرْشِ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَإِعْجَامِ الشَّيْنِ، أَيْ الدِّيَةِ لِنَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ (السَّيِّدُ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُطَالَبُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ بِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ جَوَابُهُ فِيهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ قَرِينَةٌ تُوجِبُ قَبُولَ إقْرَارِهِ فَيُعْتَبَرُ، فَفِي كِتَابِ دِيَاتِهَا فِي عَبْدٍ عَلَى بِرْذَوْنٍ مَشَى عَلَى أُصْبُعِ صَغِيرٍ فَقَطَعَهَا فَتَعَلَّقَ بِهِ الصَّغِيرُ وَهِيَ تَدْمَى، وَقَالَ فَعَلَ بِي هَذَا وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ، فَإِنَّ الْأَرْشَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ جَوَابُ دَعْوَى الْقِصَاصِ عَلَى الْعَبْدِ يُطْلَبُ مِنْ الْعَبْدِ، وَدَعْوَى الْأَرْشِ يُطْلَبُ جَوَابُهُ مِنْ سَيِّدِهِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ إنَّمَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ عَامِلٌ دُونَ سَيِّدِهِ، وَفِي الثَّانِي سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ عَامِلٌ دُونَ الْعَبْدِ.
(وَالْيَمِينُ) الشَّرْعِيَّةُ (فِي كُلِّ حَقٍّ) مَالِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا اللِّعَانَ وَالْقَسَامَةَ صِيغَتُهَا
بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ
ــ
[منح الجليل]
بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ) ابْنُ عَرَفَةَ وَلَفْظُ الْيَمِينِ فِي حُقُوقِ غَيْرِ اللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ فِيهَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ مَنْ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَمِثْلُهُ ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ بِزِيَادَةِ لَا أَعْرِفُ غَيْرَ هَذَا. ابْنُ رُشْدٍ فِي صِيغَةِ الْيَمِينِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ الْمَشْهُورُ قَوْلُهَا، وَقِيلَ يَزِيدُ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمَدَنِيَّةِ. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إنْ قَالَ وَاَللَّهِ وَلَمْ يَزِدْ أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " أَنَّهَا يَمِينٌ جَائِزَةٌ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا تَجْزِئَةَ فِي الْوَجْهَيْنِ. قُلْت هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيمَنْ قَالَ وَاَللَّهِ وَلَمْ يَزِدْ، أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّهَا يَمِينٌ تُكَفَّرُ. قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّهَا يَمِينٌ تُكَفَّرُ أَنْ تُجْزِئَ فِي الْحُقُوقِ لِاخْتِصَاصِ يَمِينِ الْخُصُومَةِ بِالتَّغْلِيظِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ قَوْلَ أَشْهَبَ قَالَ حَمَلَ بَعْضُ أَشْيَاخِي عَنْ مَالِكٍ " رضي الله عنه " أَنَّهُ رَأَى الِاكْتِفَاءَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ يَقُولُ بِاَللَّهِ وَلَيْسَ مَقْصُودُ مَالِكٍ رضي الله عنه بَيَانُ اللَّفْظِ الْمَحْلُوفِ بِهِ فِي اللِّعَانِ، وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ فِي يَمِينِ اللِّعَانِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يَقُولُ أَشْهَدُ بِعِلْمِ اللَّهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. وَالرَّابِعُ بِزِيَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَنَحْوِهِ. اللَّخْمِيُّ الْمَازِرِيُّ وَفِي الْقَسَامَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ بِاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَالثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. مُحَمَّدٌ وَالْعَبْدُ كَالْحُرِّ وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ وَرِوَايَةُ ابْنِ كِنَانَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِزِيَادَةِ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. ابْنُ رُشْدٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أُقْسِمُ بِاَلَّذِي أَحْيَا وَأَمَاتَ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ صِيغَةَ حَلِفِ الْقَسَامَةِ أَنْ يَقُولَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَلَا الطَّالِبُ الْغَالِبُ الْمُدْرِكُ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مَشْهُورُ مَذْهَبِهِ، وَفِي
وَلَوْ كِتَابِيًّا، وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ: بِاَللَّهِ فَقَطْ
ــ
[منح الجليل]
كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ مَنْ حَلَفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَلْيَقُلْ وَرَبِّ هَذَا الْمِنْبَرِ. ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِاَلَّذِي أَحْيَا وَأَمَاتَ وَالزِّيَادَةُ عَلَى بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عِنْدَ مَنْ رَآهَا اسْتِحْسَانٌ، إذْ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ أَجْزَأَتْهُ يَمِينُهُ. قُلْت وَقَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنْ كَانَ الْحَالِفُ مُسْلِمًا بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (كِتَابِيًّا) يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا (وَتُؤُوِّلَتْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُثَقَّلًا، أَيْ فُهِمَتْ الْمُدَوَّنَةُ (عَلَى أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ) فِي يَمِينِهِ فِي كُلِّ حَقٍّ (بِاَللَّهِ) وَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (فَقَطْ) لَا يَزِيدُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا الْيَهُودِيُّ فَيَزِيدُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهَا. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا يَحْلِفُ النَّصَارَى وَلَا الْيَهُودُ فِي حَقٍّ أَوْ لِعَانٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا بِاَللَّهِ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْيَهُودِيَّ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالنَّصْرَانِيَّ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى. ابْنُ مُحْرِزٍ فِي الْكِتَابِ فِي النَّصْرَانِيِّ لَا يَحْلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَقَالَهُ ابْنُ شَبْلُونَ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُوَحِّدُونَ فَلَا يُكَلَّفُونَ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَحْلِفُونَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَا تَكُونُ مِنْهُمْ أَيْمَانًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو عُلَمَائِنَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِحْلَافُهُمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ يَنْفُونَ الصَّانِعَ. تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ. زَادَ عِيَاضٌ وَفَرَّقَ غَيْرُ ابْنِ شَبْلُونٍ بَيْنَ الْيَهُودِ فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يُلْزِمُهُمْ لِعَدَمِ قَوْلِهِمْ بِهِ. فِي التَّوْضِيحِ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكِتَابِيَّ يَقُولُ فِي يَمِينِهِ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَحْلِفُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي حَقٍّ أَوْ لِعَانٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا بِاَللَّهِ. عِيَاضٌ حَمَلَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ تَمَامُ الشَّهَادَةِ إذْ لَا يَعْتَقِدُونَهَا فَلَا يُكَلَّفُونَ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ شَبْلُونٍ، وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بَيْنَ الْيَهُودِ فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يَلْزَمُهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّمَا قَالَ إنَّمَا يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ فَقَطْ مُفْتِيًا لَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ أَيَزِيدُونَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، فَقَالَ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ فَقَطْ وَلَا يَزِيدُونَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ. اهـ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " أَنَّ الْمَجُوسِيَّ يَحْلِفُ كَمَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ إلَّا بِاَللَّهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْحَطّ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْيَمِينِ مِنْ كَوْنِ حَرْفِ الْقَسَمِ فِيهَا الْبَاءَ الْمُوَحَّدَةَ؛ لِأَنَّ غَالِبَ مَنْ وَقَفْت عَلَى كَلَامِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ قَالَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى صِيغَةِ الْيَمِينِ وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَوْ وَصِيغَةُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَاءِ وَغَيْرِهَا مِنْ حُرُوفِ الْقَسَمِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، وَأَمَّا الْوَاوُ فَغَالِبُ مَنْ رَأَيْت كَلَامَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ وَزَرُّوقٍ وَالْجَزِيرِيِّ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ وَلَمْ يَزِدْ، أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ أَشْهَبُ إنْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ بِاَللَّهِ فَقَطْ فَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقُولَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. اللَّخْمِيُّ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " أَنَّهَا أَيْمَانٌ تُكَفَّرُ أَنَّهَا تُجْزِيه، ثُمَّ قَالَ الْحَطّ وَفِي الْجَوَاهِرِ أَمَّا الْحَلِفُ فَهُوَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُقُوقِ، ثُمَّ نَقَلَهُ بِالْبَاءِ، وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي فِي الْكِتَابِ، أَيْ الْمُدَوَّنَةِ، إنَّمَا هُوَ بِالْوَاوِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَاءِ وَالْوَاوِ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَالصَّحِيحُ الِاجْتِزَاءُ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. وَفِي الْمُنْتَقَى اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الَّذِي يُجْتَزَى بِهِ مِنْ التَّغْلِيظِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، فَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَوْ قَالَ بِاَللَّهِ فَقَطْ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُجْزِيه حَتَّى يَقُولَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّاءَ الْفَوْقِيَّةَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْيَمِينِ بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ، فَإِنْ أَحْلَفَهُ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ قَالَهُ الْبَاجِيَّ.
الثَّالِثُ: ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ طُرُوُّ مَا بِيَدِهِ مِنْ إيرَادٍ أَوْ بَيْعٍ هُوَ قَوْلُهَا فِي اللَّقْطَةِ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ صَاحِبَ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدَيْهِ يُرِيدُ
وَغُلِّظَتْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ بِجَامِعٍ، كَالْكَنِيسَةِ، وَبَيْتِ النَّارِ،
ــ
[منح الجليل]
فِي غَيْرِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي غَيْرِ الرُّبْعِ عَلَى الْمَشْهُورِ اهـ.
الرَّابِعُ: ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ يَزِيدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ وَفِي الْقَسَامَةِ وَلِلِّعَانِ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ضَيْح الْمَازِرِيُّ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ بِاَللَّهِ فَقَطْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا أَجْزَأَهُ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا.
الْخَامِسُ: تَعَقَّبَ الْبِسَاطِيُّ قَوْلَهُ وَتُؤُوِّلَتْ إلَخْ بِأَنَّهُ صَرِيحُهَا لَا تَأْوِيلَ لَهَا لِقَوْلِهَا وَلَا يَحْلِفُ الْيَهُودِيُّ وَلَا النَّصْرَانِيُّ إلَّا بِاَللَّهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي أَوَّلَهَا هُوَ الرَّادُّ لَهَا إلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا بِاَللَّهِ لَا يَحْلِفُونَ بِشَيْءٍ مِنْ أَيْمَانِهِمْ الَّتِي يَعْتَقِدُونَهَا، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الِاقْتِصَارَ عَلَى لَفْظِ بِاَللَّهِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الِاصْطِلَاحَ أَنَّ إبْقَاءَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَغُلِّظَتْ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُثَقَّلَةً وَإِعْجَامِ الظَّاءِ الْيَمِينُ عَلَى الْحَالِفِ (فِي رُبْعِ دِينَارٍ) شَرْعِيٍّ أَوْ مَا يُسَاوِيه مِنْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَا فِي أَقَلَّ مِنْهُ وَتَغْلِيظُهَا (بِ) حَلِفِهَا (بِجَامِعٍ) لِلْجُمُعَةِ فَلَا يَكْفِي حَلِفُهَا بِغَيْرِهِ وَلَوْ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ مَكَانٌ مِنْ الْجَامِعِ وَقَالَ الْمِسْنَاوِيُّ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَحْلِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي غَيْرِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَيْضًا، وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ التَّغْلِيطِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْخَصْمُ، وَنَصَّ الْقَرَافِيِّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ حَقُّ مَنْ تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ لِأَجْلِهِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ، فَعَلَى وُجُوبِهِ يَحْنَثُ، وَعَلَى نَدْبِهِ لَا، وَأَيْضًا عَلَى وُجُوبِهِ تُعَادُ الْيَمِينُ لَهُ وَعَلَى نَدْبِهِ لَا، وَأَيْضًا عَلَى وُجُوبِهِ بَعْدَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ نَاكِلًا وَعَلَى نَدْبِهِ لَا. وَشَبَّهَ فِي الْجَامِعِ فِي التَّغْلِيظِ بِهِ فَقَالَ (كَالْكَنِيسَةِ) لِلنَّصْرَانِيِّ، وَالْبِيعَةِ لِلْيَهُودِيِّ (وَبَيْتِ النَّارِ لِلْمَجُوسِيِّ) زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَحَيْثُ يُعَظِّمُونَ. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي مَحَلِّ الْيَمِينِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي مَحَلِّهِ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، وَفِي رُبْعِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ حَيْثُ يُعَظَّمُ مِنْهُ. الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمُ رُبْعُ دِينَارٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ رِوَايَةً، وَذَكَرَ
وَبِالْقِيَامِ، لَا بِالِاسْتِقْبَالِ وَبِمِنْبَرِهِ عليه الصلاة والسلام
وَخَرَجَتْ الْمُخَدَّرَةُ فِيمَا ادَّعَتْ؛ أَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهَا، إلَّا الَّتِي لَا تَخْرُجُ نَهَارًا، وَإِنْ مُسْتَوْلَدَةً فَلَيْلًا،
ــ
[منح الجليل]
عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ الِاسْتِحْلَافَ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. (وَ) تُغَلَّظُ (بِ) حَلِفِهَا حَالَ (الْقِيَامِ) مِنْ الْحَالِفِ (لَا) تُغَلَّظُ (بِالِاسْتِقْبَالِ) مِنْ الْحَالِفِ حَالَ حَلِفِهَا هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، فَفِيهَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهَا، وَعَلَى التَّغْلِيظِ بِهِ جَرَى ابْنُ سَلْمُونٍ قَائِلًا بِهِ الْعَمَلُ وَصَاحِبُ التُّحْفَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَخَوَيْنِ (وَ) تُغَلَّظُ (بِ) حَلِفِهَا عِنْدَ (مِنْبَرِهِ) أَيْ النَّبِيِّ (عليه الصلاة والسلام) هَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَخَصَّ مِنْبَرَهُ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي كَاذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» ، وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمِنْبَرَ الْمَوْجُودَ الْآنَ فِي مَوْضِعِ مِنْبَرِهِ صلى الله عليه وسلم وَمِثْلُهُ لِلدَّمَامِينِيِّ وَالسَّيِّدِ السَّمْهُودِيِّ وَابْنِ فَرْحُونٍ. تت وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ فِي الْمَالِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا فِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ فَتُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.
(وَخَرَجَتْ) الْمَرْأَةُ (الْمُخَدَّرَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ الْمُلَازِمَةِ لِلْخِدْرِ، أَيْ السِّتْرِ بِالْكَسْرِ فِيهِمَا أَيْ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا، يُقْضَى عَلَيْهَا بِالْخُرُوجِ إلَى الْجَامِعِ لِتَحْلِفَ فِيهِ (فِيمَا) أَيْ رُبْعِ دِينَارٍ (ادَّعَتْ) بِهِ عَلَى غَيْرِهَا وَشَهِدَ لَهَا شَاهِدٌ يَمِينًا تُكَمِّلُ بِهَا النِّصَابَ، أَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَهَا شَاهِدٌ وَرَدَّ الْمَطْلُوبُ الْيَمِينَ عَلَيْهَا (أَوْ) فِيمَا (اُدُّعِيَ) بِضَمِّ الدَّالِ مُثَقَّلَةً وَكَسْرِ الْعَيْنِ بِهِ (عَلَيْهَا) أَيْ الْمُخَدَّرَةِ وَأَنْكَرَتْهُ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا شَاهِدٌ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا شَاهِدٌ وَرَدَّ الْخَصْمُ الْيَمِينَ عَلَيْهَا. أَبُو حَفْصٍ الْعَطَّارُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا تَخْرُجُ أَيْ غَيْرَ مُسْتَتِرَةٍ، وَأَمَّا الَّتِي تَخْرُجُ مُسْتَتِرَةً فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ لَا تَخْرُجُ أَلْبَتَّةَ نَقَلَهُ الْقَلْشَانِيُّ عَنْ الْغُبْرِينِيُّ، وَاَلَّتِي لَا تَخْرُجُ أَصْلًا تَحْلِفُ فِي بَيْتِهَا فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ مِنْ شَأْنِهَا الْخُرُوجُ فِي مَصَالِحِهَا نَهَارًا وَلَيْلًا وَمَنْ تَخْرُجُ لَهَا لَيْلًا فَقَطْ وَمَنْ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا (إلَّا) الْمُخَدَّرَةَ (الَّتِي لَا تَخْرُجُ نَهَارًا) وَهِيَ حُرَّةٌ، بَلْ (وَ) إنْ كَانَتْ (مُسْتَوْلَدَةً) بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ (فَ) تَخْرُجُ لِلْحَلِفِ (لَيْلًا) ابْنُ عَرَفَةَ، فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا سَأَلَتْ عَنْهُ مِنْ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَسُنَّتُهُنَّ فِي الْيَمِينِ سُنَّةُ الْأَحْرَارِ.
وَتُحَلَّفُ فِي أَقَلَّ بِبَيْتِهَا
وَإِنْ ادَّعَيْت قَضَاءً عَلَى مَيِّتٍ
ــ
[منح الجليل]
عِيَاضٌ قَوْلُهُ مَا سَأَلْت عَنْهُ مِنْ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَسُنَّتُهُمْ سُنَّةُ الْأَحْرَارِ إلَّا أَنِّي أَرَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ كَالْحَرَائِرِ فَمِنْهُنَّ مَنْ تَخْرُجُ، وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَخْرُجُ حَمَلَ بَعْضُهُمْ أَوَّلَ الْكَلَامِ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَأَنَّ مَا عَدَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ كَالرِّجَالِ فِي الْخُرُوجِ لِلْيَمِينِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِحُرْمَةِ سَادَتِهِنَّ كَالْحَرَائِرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مُحْرِزٍ.
وَلِلْبَاجِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْحُرَّةُ وَالْعَبْدُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ سَوَاءٌ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ فِيمَا لَهُ بَالٌ مِنْ الْحُقُوقِ فَتَحْلِفُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ نَهَارًا فَلْتَخْرُجْ لَيْلًا، وَتَحْلِفُ فِي الْيَسِيرِ فِي بَيْتِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ تَخْرُجُ وَيَبْعَثُ الْقَاضِي إلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا وَيُجْزِئُهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ. اللَّخْمِيُّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تَحْلِفُ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ وَفِي رُبْعِ دِينَارٍ فِي الْجَامِعِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَتَصَرَّفُ أُحْلِفَتْ نَهَارًا وَإِلَّا أُحْلِفَتْ لَيْلًا. وَأَجَازَ سَحْنُونٌ فِي امْرَأَتَيْنِ لَيْسَتَا مِمَّنْ يَخْرُجْنَ أَنْ تَحْلِفَا فِي أَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِمَا. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الشَّرَفِ وَالْقَدْرِ جَازَ أَنْ يَبْعَثَ الْحَاكِمُ إلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا وَلَا مَقَالَ لِخَصْمِهَا. عِيَاضٌ هَذَا فِيمَا تُطْلَبُ بِهِ. ابْنُ كِنَانَةَ تَحْلِفُ النِّسَاءُ اللَّاتِي لَا تَخْرُجْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ فِيمَا اُدُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ أَرَدْت أَنْ يَسْتَحْقِقْنَ حَقَّهُنَّ فَلْيَخْرُجْنَ إلَى مَوْضِعِ الْيَمِينِ وَقَدْ أَحْلَفَ سَحْنُونٌ أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فِي أَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِنَّ. وَرَأَى شُيُوخُ الْأَنْدَلُسِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِ هَؤُلَاءِ وَمَنْ امْتَنَعَتْ حُكِمَ عَلَيْهَا بِحُكْمِ الْمَلِكِ. عِيَاضٌ لَيْسَ هَذَا بِصَوَابٍ الشَّيْخُ فِي نَوَادِرِهِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ تَخْرُجُ فِيمَا لَهُ بَالٌ فَمَنْ تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ خَرَجَتْ وَإِلَّا خَرَجَتْ بِاللَّيْلِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِثْلُهُ.
(وَتَحْلِفُ) الْمَرْأَةُ (فِي أَقَلَّ) مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ (بِبَيْتِهَا) وَيُرْسِلُ لَهَا الْحَاكِمُ مَنْ يُحَلِّفُهَا وَيَكْفِي رَجُلٌ وَاحِدٌ وَلَا تَخْرُجُ لِلْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُغَلَّظُ فِيهِ الْيَمِينُ بِالْمَكَانِ.
(وَإِنْ) كَانَ عَلَيْك دَيْنٌ لِمَيِّتٍ وَطَلَبَهُ وَرَثَتُهُ فَ (ادَّعَيْتَ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ خِطَابٌ لِلْمَدِينِ (قَضَاءً) لِلدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ مِنْك بِهِ ثُمَّ ادَّعَيْت قَضَاءَهُ (عَلَى مَيِّتٍ) وَأَنْكَرَ وَرَثَتُهُ الْقَضَاءَ
لَمْ يَحْلِفْ إلَّا مَنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ مِنْ وَرَثَتِهِ
وَحَلَفَ فِي نَقْصٍ بَتًّا، وَغِشٍّ عِلْمًا،
ــ
[منح الجليل]
لَمْ) الْأَوْلَى فَلَا (يَحْلِفُ) عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْقَضَاءِ (إلَّا مَنْ) أَيْ الَّذِي (يُظَنُّ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ (بِهِ الْعِلْمُ) بِقَضَائِك (مِنْ وَرَثَتِهِ) الْبَالِغِينَ بِسَبَبِ مُخَالَطَتِهِ لِلْمَيِّتِ وَعِلْمِهِ بِأَسْرَارِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِدَيْنٍ لِمَيِّتٍ فَادَّعَى الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ قَضَى الْمَيِّتَ حَقَّهُ فَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ يَظُنُّ بِهِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ مِنْ بَالِغِي وَرَثَتِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى مَنْ لَا يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ، وَلَا عَلَى صَغِيرٍ الشَّيْخُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنْ كَانَ لِمَيِّتٍ دَيْنٌ مُبَيَّنَةٌ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ فَقَامَ وَرَثَتُهُ يَطْلُبُونَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ أَكَابِرُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا وَلِيَّهُمْ قَبَضَهُ مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ سَبَبِهِ، وَلَا يَحْلِفُ الْأَصَاغِرُ وَإِنْ كَبِرُوا بَعْدَ مَوْتِهِ.
(وَ) مَنْ دَفَعَ لِآخَرَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَاطَّلَعَ آخِذُهَا فِيهَا عَلَى نَقْصٍ أَوْ غِشٍّ فَرَدَّهَا لِدَافِعِهَا فَأَنْكَرَهَا (حَلَفَ) الدَّافِعُ (فِي) دَعْوَى (نَقْصٍ) حَلِفًا (بَتًّا وَ) فِي دَعْوَى (غِشٍّ عِلْمًا) أَيْ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ قَدْ تَخْفَى وَلَا يَتَحَقَّقُ عَيْنُ دَرَاهِمِهِ، وَظَاهِرُهُ صَيْرَفِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقِيلَ هَذَا فِي غَيْرِ الصَّيْرَفِيِّ. وَأَمَّا الصَّيْرَفِيُّ فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ مُطْلَقًا. ابْنُ عَرَفَةَ فِي سَلَمِهَا الْأَوَّلِ إنْ أَصَابَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ رَأْسَ الْمَالِ رَصَاصًا أَوْ نُحَاسًا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مَا دَفَعْت لَك إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَيَحْلِفُ مَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَخَذَهَا عَلَى أَنْ يُرِيَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَيْهِ بَدَلُهَا. التُّونُسِيُّ إنْ حَقَّقَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ دَرَاهِمِهِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ قَابِضُهَا عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ مُوقِنٌ قُلْت ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ حَلَفَ الْأَوَّلُ عَلَى الْعِلْمِ فَتَنْقَلِبُ يَمِينُهُ عَلَى خِلَافِ مَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ قُلْت ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ الْفَاسِيِّينَ فِي صِيغَةِ يَمِينِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ مُطْلَقًا. الثَّانِي يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ
وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ: كَخَطِّ أَبِيهِ أَوْ قَرِينَةٍ
وَيَمِينُ الْمَطْلُوبِ مَا لَهُ عِنْدِي كَذَا، وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، وَنَفَى سَبَبًا، إنْ عُيِّنَ وَغَيْرَهُ،
ــ
[منح الجليل]
مُطْلَقًا. الثَّالِثُ هَذَا إنْ كَانَ صَيْرَفِيًّا. وَعَزَاهَا ابْنُ حَارِثٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. (وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الْفَوْقِيَّةِ، أَيْ مُرِيدُ الْحَلِفِ عَلَى الْبَتِّ (فِي) إقْدَامِهِ عَلَى حَلِفِهِ بَتًّا (عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ كَخَطِّ أَبِيهِ أَوْ قَرِينَةٍ) مِنْ خَصْمِهِ كَنُكُولِهِ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ أَوْ شَاهِدٍ لِأَبِيهِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي بَتِّ الْيَمِينِ الْقَطْعُ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه ". طفى نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ زَادَ وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ الْيَقِينُ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَابِلْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَعَ مَا قَالَهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي فَصْلِ يَمِينِ الْغَمُوسِ حَيْثُ قَالَ قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّ الظَّنَّ كَذَلِكَ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ. قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّ الظَّنَّ كَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ.
(وَيَمِينُ) الشَّخْصِ (الْمَطْلُوبِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرِ صِيغَتُهَا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ (مَا لَهُ) أَيْ الطَّالِبِ الْمُدَّعِي (عِنْدِي كَذَا) أَيْ الْقَدْرُ الْمُعَيَّنُ الَّذِي ادَّعَاهُ الطَّالِبُ كَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ (وَلَا شَيْءَ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ بِالْعَشَرَةِ مَثَلًا مُدَّعٍ بِكُلِّ آحَادِهَا، فَحَقُّ الْيَمِينِ نَفْيُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِهَا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ إثْبَاتَ الْكُلِّ إثْبَاتٌ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَنَفْيُ الْكُلِّ لَيْسَ نَفْيًا لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ وَلِئَلَّا يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ أَقَلَّ مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَيُعْتَذَرُ بِالنِّسْيَانِ وَيُحَلِّفُهُ ثَانِيًا، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ فِي يَمِينِهِ لَزِمَهُ الْحَلِفُ ثَانِيًا عَلَى مَا تَرَكَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدِي مِمَّا ادَّعَاهُ، أَوْ يَقُولَ مَا لَهُ عِنْدِي كَذَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ. (وَنَفَى) الْمَطْلُوبُ فِي يَمِينِهِ (سَبَبًا) لِتَرَتُّبِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ كَبَيْعٍ وَقَرْضٍ (إنْ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا السَّبَبُ مِنْ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ (وَ) نَفَى (غَيْرَهُ) أَيْ السَّبَبِ الْمُعَيَّنِ،
فَإِنْ قَضَى نَوَى سَلَفًا يَجِبُ رَدُّهُ
وَإِنْ قَالَ وَقْفٌ، أَوْ لِوَلَدِي: لَمْ يُمْنَعْ مُدَّعٍ مِنْ بَيِّنَتِهِ،
ــ
[منح الجليل]
فَإِنْ كَانَ ادَّعَى عَلَيْهِ بِعَشَرَةٍ مِنْ سَلَفٍ فَيَقُولُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا مِنْ سَلَفٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ. أَشْهَبُ إنْ لَمْ يَزِدْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَجْتَزِئُ بِيَمِينِهِ، أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ الْمُدَّعِي نَاسِيًا (فَإِنْ) كَانَ الْمَطْلُوبُ قَدْ (قَضَى) الطَّالِبَ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَجَحَدَهُ الطَّالِبُ وَاسْتَحْلَفَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَسَلَّفْ مِنْهُ مَثَلًا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ مَا تَقَدَّمَ (وَنَوَى) الْمَطْلُوبُ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَتَسَلَّفْ (سَلَفًا يَجِبُ) لَك عَلَيَّ (رَدُّهُ) الْآنَ إلَيْك قَالَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ لَمَّا قِيلَ لَهُ إنْ حَلَفَ مَا تَسَلَّفَ كَانَتْ يَمِينُهُ غَمُوسًا، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ مَا لَا يَلْزَمُهُ.
فَإِنْ قِيلَ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُحَلِّفِ قِيلَ مَحَلُّهُ إنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِيهَا وَإِلَّا فَعَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ شَرْطُ الْيَمِينِ أَنْ تُطَابِقَ الْإِنْكَارَ. قُلْت وَهُوَ قَوْلُهَا فِي الشَّهَادَاتِ مَنْ اشْتَرَى مِنْك ثَوْبًا وَنَقَدَك الثَّمَنَ فَقَبَضْته وَجَحَدْته الِاقْتِضَاءَ وَطَلَبْت يَمِينَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَك قَبْلَهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " وَلَك أَنْ تُحَلِّفَهُ مَا اشْتَرَى سِلْعَةَ كَذَا بِكَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَرَادَ أَنْ يُورِيَ. ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَادَ بِقَوْلِهِ يُورِيَ الْإِلْغَازَ أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ. قُلْت لِابْنِ عَبْدُوسٍ إذَا أَسْلَفَ رَجُلًا مَالًا وَقَضَاهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا بَيِّنَةٍ وَجَحَدَ الْقَابِضُ وَأَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَهُ أَنَّهُ مَا أَسْلَفَهُ، وَقَالَ الْمُتَسَلِّفُ بَلْ أَحْلِفُ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ قَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ مَا أَسْلَفَهُ شَيْئًا. قُلْت فَقَدْ اضْطَرَرْتُمُوهُ إلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ أَوْ إلَى غُرْمِ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، قَالَ يَحْلِفُ مَا أَسْلَفَهُ، وَيَعْنِي فِي ضَمِيرِهِ سَلَفًا يَجِبُ عَلَيَّ رَدُّهُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَيَبْرَأُ مِنْ الْإِثْمِ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَارِثٍ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ بِلَفْظِ ابْنِ شَاسٍ.
(وَإِنْ) ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَطَلَبَ مِنْهُ الْجَوَابَ فَ (قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (هُوَ) أَيْ الْمُدَّعَى بِهِ (وَقْفٌ) عَلَى فُلَانٍ أَوْ الْمَسَاكِينِ (أَوْ) قَالَ هُوَ (لِوَلَدِي) مَثَلًا (لَمْ) الْأَوْلَى فَلَا (يُمْنَعُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ (مُدَّعٍ) لِذَلِكَ الشَّيْءِ (مِنْ) إقَامَةِ (بَيِّنَةٍ) عَلَى أَنَّهُ لَهُ بِحَضْرَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الرَّشِيدِ أَوْ نَاظِرِ الْوَقْفِ أَوْ وَلِيِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمَحْجُورِ. ابْنُ شَاسٍ إنْ ادَّعَى
وَإِنْ قَالَ لِفُلَانٍ، فَإِنْ حَضَرَ: اُدُّعِيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَغَرِمَ مَا فَوَّتَهُ،
ــ
[منح الجليل]
عَلَيْهِ مِلْكًا فَقَالَ لَيْسَ لِي إنَّمَا هُوَ وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى وَلَدِي أَوْ هُوَ مِلْكٌ لِطِفْلٍ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إقَامَةَ بَيِّنَةٍ لِلْمُدَّعِي حَتَّى يُثْبِتَ مَا ذَكَرَ، فَتُوقَفُ الْخُصُومَةُ عَلَى حُضُورِ مَنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا مُقْتَضَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ، وَمُقْتَضَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ لِحَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ وَلَمْ أَعْلَمْ مَنْ ذَكَرَ نَفْسَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا إلَّا الْغَزَالِيَّ فِي وَجِيزِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ (لِفُلَانٍ فَإِنْ) كَانَ قَدْ (حَضَرَ فُلَانٌ اُدُّعِيَ) بِضَمِّ الدَّالِ مُثَقَّلَةً وَكَسْرِ الْعَيْنِ (عَلَيْهِ) أَيْ انْتَقَلَتْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إنْ صَدَّقَ الْأَوَّلَ فِي أَنَّهُ لَهُ (فَإِنْ حَلَفَ) فُلَانٌ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى نَفْيِ الدَّعْوَى لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا أَوْ انْفِرَادِ شَاهِدٍ وَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ (فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ) أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِحَقٍّ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ (وَإِنْ نَكَلَ) الْمُقِرُّ (حَلَفَ) الْمُدَّعِي أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ لَهُ لَا لِلْمُقَرِّ لَهُ (وَغَرَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْمُدَّعِي الْمُقِرَّ (مَا) أَيْ الشَّيْءَ الْمُدَّعَى بِهِ الَّذِي (فَوَّتَهُ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْمُقِرُّ عَلَى الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ بِهِ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا غَرِمَ مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَوَّمًا غَرِمَ قِيمَتَهُ. الْمَازِرِيُّ لَوْ قَالَ هُوَ لِفُلَانٍ وَهُوَ حَاضِرٌ يُصَدِّقُهُ سُلِّمَ لَهُ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَتَصِيرُ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي وَلِلْمُدَّعِي إحْلَافُ الْمُقِرِّ أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِحَقٍّ إذْ لَوْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْبَاطِلِ، وَأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِمُدَّعِيهِ لَزِمَهُ الْغُرْمُ لِإِتْلَافِهِ حَقَّهُ، فَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِالصِّدْقِ، وَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْمُدَّعِي سَقَطَ مَقَالُ الْمُدَّعِي، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَهَاهُنَا اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ غَرَامَةَ الْمُقِرِّ لِإِتْلَافِهِ بِإِقْرَارِهِ وَمَا أَقَرَّ بِهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْإِتْلَافَ، وَإِذَا تَوَجَّهَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُقَرِّ لَهُ وَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَثَبَتَ حَقُّهُ، فَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ أَمْ لَا؟ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ نَحْوُهُ قَوْلُ عِيَاضٍ إذَا اطَّلَعَ بَائِعُ سِلْعَةٍ مِنْ وَكِيلٍ عَلَى شِرَائِهَا عَلَى زَائِفٍ فِي الثَّمَنِ فَأَحْلَفَ الْآمِرَ فَنَكَلَ فَوَجَبَتْ الْيَمِينُ
أَوْ غَابَ لَزِمَهُ يَمِينٌ أَوْ بَيِّنَةٌ، وَانْتَقَلَتْ الْحُكُومَةُ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَهُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ، أَخَذَهُ.
ــ
[منح الجليل]
لِلْبَائِعِ فَنَكَلَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمَأْمُورَ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ عَنْ يَمِينِ الْآمِرِ نُكُولٌ عَنْ يَمِينِ الْمَأْمُورِ.
وَعَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ حَضَرَ فَقَالَ (أَوْ غَابَ) الْمُقَرُّ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي غَيْبَةً بَعِيدَةً لَا يُعْذَرُ لَهُ فِيهَا (لَزِمَهُ) أَيْ الْمُقِرَّ (يَمِينٌ) أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِحَقٍّ (أَوْ بَيِّنَةٌ) عَلَى أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ أَوْدَعَهُ أَوْ رَهَنَهُ عِنْدَهُ (وَ) إنْ حَلَفَ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ (انْتَقَلَتْ الْحُكُومَةُ لَهُ) أَيْ الْغَائِبِ فَيُنْتَظَرُ قُدُومُهُ (وَإِنْ نَكَلَ) الْمُقِرُّ وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ عَلَى ذَلِكَ (أَخَذَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى بِهِ (بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ) فِي إقْرَارِهِ أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ لَهُ (أَخَذَهُ) أَيْ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ الْمُدَّعِي بِيَمِينٍ لِقَوْلِهِ وَانْتَقَلَتْ الْحُكُومَةُ لَهُ، وَأَمَّا إنْ حَلَفَ الْمُقِرُّ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ لِلْغَائِبِ، فَقَدِمَ وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ فَيَأْخُذُهُ بِلَا يَمِينٍ وَتَنْتَقِلُ الْحُكُومَةُ لَهُ. الْحَطّ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ غَائِبًا فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَوْ غَابَ، وَالْأَحْسَنُ وَإِنْ غَابَ، أَيْ الْمُقَرُّ لَهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَإِنْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ لِمُدَّعِيهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُجَرَّدًا عَنْ يَمِينٍ أَوْ بَيِّنَةٍ اهـ. فَلِذَا قَالَ هَذَا لَزِمَهُ، أَيْ الْمُقِرَّ يَمِينٌ أَوْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَلَا كَلَامَ أَنَّ الْخُصُومَةَ تَنْتَقِلُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْغَائِبِ كَمَا قَالَ، وَانْتَقَلَتْ الْحُكُومَةُ لَهُ، أَيْ الْغَائِبِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ وَأَرَادَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَ الْمُقِرِّ، فَقَالَ أَشْهَبُ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُقِرُّ عَنْ الْيَمِينِ أَخَذَهُ الْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ، وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمْ إذَا أَقَامَ الْمُقِرُّ بَيِّنَةً أَوْ حَلَفَ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمْ إذَا نَكَلَ الْمُقِرُّ عَنْ الْيَمِينِ وَأَخَذَهُ الْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَازِرِيُّ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لِغَائِبٍ لَا يُعْذَرُ إلَيْهِ لِبُعْدِ غَيْبَتِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ اتِّفَاقًا،
وَإِنْ اسْتَحْلَفَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، أَوْ كَالْجُمُعَةِ يَعْلَمُهَا لَمْ تُسْمَعْ
وَإِنْ نَكَلَ فِي مَالٍ وَحَقِّهِ اسْتَحَقَّ بِهِ
ــ
[منح الجليل]
فَإِنْ أَرَادَ تَحْلِيفَهُ سُئِلَ فَإِنْ قَالَ رَجَاءَ أَنْ يَنْكَلَ فَأَحْلِفَ وَأُغَرِّمُهُ قِيمَتَهُ جَرَى عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي تَوَجُّهِ الْغُرْمِ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ دُونَ مُبَاشَرَةِ إتْلَافِهِ، فَمَنْ أَغْرَمَهُ يُحَلِّفْهُ وَمَنْ لَا فَلَا، وَإِنْ قَالَ رَجَاءَ أَنْ يَنْكَلَ فَأَحْلِفَ وَاسْتَحِقَّ نَفْسَ الثَّوْبِ، فَذَكَرَ سَحْنُونٌ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِدَارٍ فِي يَدِهِ فَقَالَ هِيَ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، فَإِنْ حَلَفَ بَقِيَتْ الدَّارُ بِيَدِهِ، وَإِنْ نَكَلَ أَخَذَهَا الْمُدَّعِي دُونَ يَمِينٍ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ فَيَأْخُذَ بِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَشْيَاخِي إسْقَاطَ الْيَمِينِ عَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَوْدَعَهُ السِّلْعَةَ أَوْ رَهَنَهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَلِفُ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ غَيْرِهِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَأَخَذَ الْمُدَّعَى فِيهِ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ فَيُخَاصِمَهُ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذَا صِيَانَةٌ لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّا لَوْ مَنَعْنَا الْمُدَّعِيَ مِنْ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَلَا يَحْلِفُ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا فَعَلَ كُلُّ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنْ يُضِيفَ الْمُدَّعَى فِيهِ لِغَائِبٍ.
(وَإِنْ) ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِمَالٍ فَأَنْكَرَهُ وَ (اسْتَحْلَفَ) أَيْ طَلَبَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَحَلَفَ (وَ) الْحَالُ (لَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (بِبَيِّنَةٍ حَاضِرَةٍ) بِالْبَلَدِ يَعْلَمُهَا (أَوْ) غَائِبَةٍ غَيْبَةً قَرِيبَةً (كَالْجُمُعَةِ يَعْلَمُهَا) أَيْ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ ثُمَّ أَرَادَ إقَامَتَهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَخَذَ حَقَّهُ مِنْهُ (لَمْ) الْأَوْلَى فَلَا (تُسْمَعُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ، أَيْ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَهَا بِاسْتِحْلَافِهِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ يَعْلَمُهَا مِمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْهَا، فَإِنَّهَا تُسْمَعُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَظَاهِرُهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ اسْتِحْلَافَهُ مُسْقِطٌ لِبَيِّنَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمَطْلُوبُ، وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُ بِحَلِفِهِ. عج وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ. طفى وَهُوَ صَوَابٌ، فَفِيهَا وَإِنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ وَجَدَ الطَّالِبَ بَيِّنَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا قَضَى لَهُ بِهَا، وَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِبَيِّنَتِهِ تَارِكًا لَهَا وَهِيَ حَاضِرَةٌ أَوْ غَائِبَةٌ فَلَا حَقَّ عَلَيْهِ وَإِنْ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ اهـ. فَدَلَّ أَوَّلُ كَلَامِهَا عَلَى أَنَّ " اسْتَحْلَفَهُ " لَيْسَ لِلطَّلَبِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ حَلَّفَهُ.
(وَإِنْ) ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِمَالٍ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ فَأَنْكَرَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَاسْتَحْلَفَهُ فَ (نَكَلَ) الْمَطْلُوبُ (فِي مَالٍ وَحَقِّهِ) أَيْ مُتَعَلِّقِ الْمَالِ كَأَجَلٍ وَخِيَارٍ (اسْتَحَقَّ) الطَّالِبُ
إنْ حَقَّقَ،
ــ
[منح الجليل]
مَا ادَّعَاهُ (بِهِ) أَيْ نُكُولَ الْمَطْلُوبِ (بِيَمِينٍ) مِنْ الطَّالِبِ (إنْ حَقَّقَ) الْمُدَّعِي مَا ادَّعَاهُ. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ الطَّالِبُ دَعْوَاهُ وَاتَّهَمَ الْمَطْلُوبَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا ادَّعَاهُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِ الْمَطْلُوبِ عَلَى الْمَشْهُورِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ زَرْقُونٍ اُخْتُلِفَ فِي تَوَجُّهِ يَمِينِ التُّهْمَةِ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَالسَّرِقَةِ أَنَّهَا تَتَوَجَّهُ، وَقَالَهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَتَوَجَّهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَنْقَلِبُ، وَفِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السَّرِقَةِ أَنَّهَا تَنْقَلِبُ.
الْبَاجِيَّ إنْ ادَّعَى الْمُودَعُ تَلَفَ الْوَدِيعَةِ وَالْمُودِعُ تَعَدِّيَهُ عَلَيْهَا صُدِّقَ الْمُودَعُ، إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ فَيَحْلِفَ قَالَهُ أَصْحَابُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه ". ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا أَفَادَهُ الْحَطّ. طفى قَوْلُهُ بِيَمِينٍ إنْ حَقَّقَ تَفْرِيعٌ عَلَى تَوَجُّهِ يَمِينِ التُّهْمَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْقَضَاءِ فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ إلَخْ، يَقْتَضِي عَدَمَ سَمَاعِ دَعْوَى التُّهْمَةِ فَضْلًا عَنْ عَدَمِ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ فِيهَا، وَفِيهِ خِلَافٌ، فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَوْلَانِ التَّوَجُّهُ وَعَدَمُهُ. ابْنُ فَرْحُونٍ الْمُتَيْطِيُّ اُخْتُلِفَ فِي الدَّعْوَى إذَا لَمْ تُحَقَّقْ، فَظَاهِرُ مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ إلَّا بِتَحْقِيقِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ قَالَ إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الصَّدَاقِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ أَوْ وَرَثَتِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ عَلَى وَرَثَتِهِ إلَّا أَنْ تَدَّعِيَ الْمَرْأَةُ أَوْ وَرَثَتُهَا عَلَيْهِمْ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ شَيْئًا فَيَجِبُ الْيَمِينُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى غَائِبٍ وَلَا عَلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ الْيَمِينَ حَتَّى يَدَّعِيَ عَلَيْهِمْ وَرَثَةُ الزَّوْجَةِ الْعِلْمَ، وَكَذَا مَذْهَبُهُ فِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ فِي الدَّابَّةِ إذَا رُدَّتْ بِعَيْبٍ فَطَلَبَ الْبَائِعُ يَمِينَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اسْتَخْدَمَهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالْعَيْبِ، فَقَالَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا بِتَحْقِيقِ الدَّعْوَى أَوْ يَدَّعِي أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُخْبِرٌ. ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مُخْبِرُ صِدْقٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْيَمِينِ.
وَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ بِغَيْرِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى فَمَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ إذَا قَبِلَ الدَّرَاهِمَ وَلَمْ يَعْرِفْهَا، وَكَذَا مَسْأَلَةُ كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ الشِّقْصُ أَوْ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَحْلِفُ أَنَّك مَا بِعْته مِنْهُ أَوْ مَا عَوَّضْته سِرًّا وَأَرَدْتُمَا قَطْعَ الشُّفْعَةِ بِمَا أَظْهَرْتُمَا، فَقَالَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ حَلَّفَهُ وَإِلَّا فَلَا يُحَلِّفُهُ، فَأَوْجَبَ الْيَمِينَ مَعَ عَدَمِ تَحْقِيقِ
وَلْيُبَيِّنْ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ
ــ
[منح الجليل]
الدَّعْوَى اهـ. قُلْت وَمَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ هِيَ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا وَقَبِلَهَا حَلَفَ الْآمِرُ لَهُ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ وَمَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ وَبَرِئَ، وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ شَرْطَ الْمُدَّعَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُحَقَّقًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ خِلَافًا.
وَفِي رَسْمِ الطَّلَاقِ مِنْ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ مَنْ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ ثُمَّ مَاتَ فَطَلَبَتْ صَدَاقَهَا حَلَفَ الْوَرَثَةُ مَا تَعْلَمُ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ صَدَاقٌ. ابْنُ رُشْدٍ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. خِلَافُ مَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَا فِي الْغَرَرِ مِنْهَا فِي التَّدَاعِي فِي مَوْتِ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ عَلَى الصِّفَةِ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ صَدَاقَهَا وَتَسْتَوْجِبُهُ لَا عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ عَلِمُوا أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْهُ، فَهَذِهِ الْيَمِينُ تَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ مَا نَكَلَ عَنْهُ الْوَرَثَةُ، وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ، وَيُخْتَلَفُ فِي تَوَجُّهِ هَذِهِ الْيَمِينِ إذَا لَمْ تُحَقِّقْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي رُجُوعِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ لِمَا تَحْلِفُ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَلَفُ فِي رُجُوعِ يَمِينِ التُّهْمَةِ اهـ. وَأَشَارَ بِمَا فِي الْغَرَرِ لِقَوْلِهَا وَمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً كَانَ قَدْ رَآهَا أَوْ مَوْصُوفَةً فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهَا هَلَكَتْ بَعْدَ الصَّفْقَةِ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَائِعُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ كَانَتْ مِنْهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " الْأَوَّلِ، وَيَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ عَلَى عِلْمِهِ أَنَّهَا لَمْ تَهْلِكْ بَعْدَ وُجُوبِ الْبَيْعِ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ اهـ. إذَا عَلِمْت هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَ عج وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ إنْ حَقَّقَ سَمَاعَ دَعْوَى التُّهْمَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ قَوْلِهِ فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ، فَهُوَ فِي غَيْرِ دَعْوَى الِاتِّهَامِ، أَمَّا فِيهَا فَتُسْمَعُ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا مَعْنَى لَهُ إذْ كُلُّ مَا خَالَفَ التَّحْقِيقَ فَهُوَ تُهْمَةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ كَلَامُهُ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّهَامِ وَكَوْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عَلِمْته مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ يَمِينَ التُّهْمَةِ أَعْنِي الْمُقَابِلَةَ لِلْمُحَقَّقَةِ تَتَوَجَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ نَعَمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ لِمُوجَبٍ وَهِيَ قَلِيلَةٌ فَتَأَمَّلْهُ. (وَلْيُبَيِّنْ) الْحَاكِمُ لِمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ (حُكْمَهُ) أَيْ النُّكُولِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ إنْ
وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهَا إنْ نَكَلَ بِخِلَافِ مُدَّعٍ الْتَزَمَهَا، ثُمَّ رَجَعَ
ــ
[منح الجليل]
نَكَلْت حَلَفَ خَصْمُك وَاسْتَحَقَّ مَا ادَّعَاهُ، وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْبَيَانِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ يَنْبَغِي الِاسْتِحْبَابُ. طفى عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِمَا لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ ظَاهِرُهُمَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَوَقَعَ لِمَالِكٍ " رضي الله عنه " فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فَقَالَ وَإِذَا جَهِلَ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ فَلْيَذْكُرْهُ لَهُ الْقَاضِي.
(وَلَا يُمَكَّنُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَالْكَافِ مُثَقَّلًا أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مِنْهَا) أَيْ الْيَمِينِ (إنْ نَكَلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ حَلِفُهَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ خَصْمَهُ تَعَلَّقَ لَهُ حَقٌّ بِالْيَمِينِ بِنُكُولِهِ فَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ النُّكُولُ امْتِنَاعُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ مِنْهَا وَلِأَنَّ نُكُولَهُ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ خَصْمِهِ، وَرُجُوعُهُ لَهَا نَدَمٌ. ابْنُ شَاسٍ الرُّكْنُ الرَّابِعُ النُّكُولُ وَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ بِمُجَرَّدِهِ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي إلَّا إذَا تَمَّ نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَتِمُّ نُكُولُهُ بِأَنْ يَقُولَ لَا أَحْلِفُ وَأَنَا نَاكِلٌ، أَوْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ أَنْتَ أَوْ يَتَمَادَى عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْيَمِينِ فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِنُكُولِهِ، ثُمَّ حَيْثُ تَمَّ نُكُولُهُ ثُمَّ قَالَ أَنَا أَحْلِفُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ. ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ قَوْلُهَا. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " إذَا نَكَلَ مُدَّعُو الدَّمِ عَنْ الْيَمِينِ وَرَدُّوا الْأَيْمَانَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرَادُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَحْلِفُوا فَلَا يَكُونُ لَهُمْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِيمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى مَالٍ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَحْلِفَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَسَمِعَ عِيسَى ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ أَنْ طَلَبَ يَمِينَهُ احْلِفْ أَنْتَ وَخُذْ، فَلَمَّا هَمَّ الْمُدَّعِي بِالْحَلِفِ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا أَرْضَى بِيَمِينِك مَا ظَنَنْتُك تَحْلِفُ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ. ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُهُ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَكِتَابِ الدِّيَاتِ، وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ رَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي وَلَوْ نَكَلَ عَنْهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، فَفِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ وَصِحَّةِ رُجُوعِهِ قَوْلَانِ لِظَاهِرِ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَدَنِيَّةِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهَا فِي الدِّيَاتِ وَظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْمَدَنِيَّةِ. (بِخِلَافِ مُدَّعًى) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (عَلَيْهِ الْتَزَمَهَا) أَيْ الْيَمِينَ (ثُمَّ رَجَعَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا فَلَهُ ذَلِكَ. بَهْرَامُ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَهُ لَا يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ إلْزَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَعْلِيقَةِ أَبِي عِمْرَانَ
وَإِنْ رُدَّتْ عَلَى مُدَّعٍ وَسَكَتَ زَمَنًا: فَلَهُ الْحَلِفُ
وَإِنْ حَازَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ شَرِيكٍ وَتَصَرَّفَ، ثُمَّ ادَّعَى حَاضِرٌ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ عَشْرَ سِنِينَ
ــ
[منح الجليل]
فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ الْيَمِينَ ثُمَّ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَى إحْلَافِ الْمُدَّعِي، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَهُ لَيْسَ أَشَدَّ مِنْ إلْزَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، قَالَ وَخَالَفَنِي ابْنُ الْكَاتِبِ، وَقَالَ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْيَمِينِ.
(وَإِنْ رُدَّتْ) بِضَمِّ الرَّاءِ الْيَمِينُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عَلَى مُدَّعٍ فَسَكَتَ) الْمُدَّعِي (زَمَنًا) غَيْرَ مُلْتَزِمٍ وَلَا نَاكِلٍ ثُمَّ أَرَادَ الْحَلِفَ (فَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْحَلِفُ وَلَا مَقَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إذْ لَا يُعَدُّ سُكُوتُهُ نُكُولًا وَلَوْ طَالَ مِنْهُ. الْبُنَانِيُّ لَوْ قَالَ وَإِنْ سَكَتَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ زَمَانًا إلَخْ، لَكَانَ أَحْسَنَ لِشُمُولِهِ.
(وَإِنْ حَازَ) بِإِهْمَالِ الْحَاءِ وَإِعْجَامِ الزَّايِ شَخْصٌ (أَجْنَبِيٌّ) مِنْ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ (غَيْرُ شَرِيكٍ) لِلْمَحُوزِ عَلَيْهِ فِي الْمَحُوزِ (وَتَصَرَّفَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْأَجْنَبِيُّ الْحَائِزُ فِي الشَّيْءِ الْمَحُوزِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ (ثُمَّ ادَّعَى) شَخْصٌ (حَاضِرٌ) بِالْبَلَدِ مَعَ الْحَائِزِ، وَاحْتَرَزَ بِحَاضِرٍ عَنْ الْغَائِبِ غَيْبَةً بَعِيدَةً كَسَبْعَةِ أَيَّامٍ (سَاكِتٌ) عَنْ مُنَازَعَةِ الْحَائِزِ الْمُتَصَرِّفِ (بِلَا مَانِعٍ) لَهُ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَى الْحَائِزِ وَمُنَازَعَتِهِ وَاحْتَرَزَ عَمَّنْ نَازَعَ الْمُتَصَرِّفَ وَعَمَّنْ سَكَتَ لِمَانِعٍ، كَخَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ عَدَمِ عِلْمٍ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَحَازَ الْأَجْنَبِيُّ (عَشْرَ سِنِينَ) الْبُنَانِيُّ هَذَا خَاصٌّ بِالْعَقَارِ وَالتَّحْدِيدُ بِالْعَشْرِ نَحْوُهُ فِي الرِّسَالَةِ، وَعَزَاهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِرَبِيعَةَ، وَنَصُّهَا وَلَمْ يُحِدَّ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِي الْحِيَازَةِ فِي الرُّبْعِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَهَا، وَقَالَ رَبِيعَةُ حَوْزُ عَشْرِ سِنِينَ يَقْطَعُ دَعْوَى الْحَاضِرِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ إنَّمَا أَكْرَى أَوْ أَسْكَنَ أَوْ أَخْدَمَ أَوْ أَعَارَ وَنَحْوَهُ، وَلَا حِيَازَةَ عَلَى غَائِبٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ حَازَ عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» اهـ. فِي التَّوْضِيحِ بِهَذَا أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ، وَدَلِيلُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
لَمْ تُسْمَعْ، وَلَا بَيِّنَتُهُ،
ــ
[منح الجليل]
وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا قَارَبَ الْعَشْرَ كَسَبْعٍ كَالْعَشْرِ، وَعَنْ مَالِكٍ تُحَدُّ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فَيَتَحَصَّلُ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا لَا تُحَدُّ بِسِنِينَ مُقَدَّرَةٍ، بَلْ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ. الثَّانِي قَوْلُ رَبِيعَةَ تُحَدُّ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَبِهِ أَخَذَ أَصْحَابُ الْإِمَامِ. الثَّالِثُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الثَّانِي حَدُّهَا بِسَبْعِ سِنِينَ، وَلَخَّصَهَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَوْلِهِ وَفِي تَحْدِيدِ مُدَّةِ الْحِيَازَةِ بِعَشْرٍ أَوْ سَبْعٍ ثَالِثُهَا لَا تَحْدِيدَ بِمُدَّةٍ بَلْ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ. اهـ. وَتُلَفَّقُ مِنْ حِيَازَةِ الْمُوَرِّثِ وَوَارِثِهِ كَحَوْزِ الْمُوَرِّثِ خَمْسَ سِنِينَ، وَوَارِثُهُ كَذَلِكَ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ، وَيَجْرِي هَذَا فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عَنْ الْعَشْرِ وَالْقَصِيرَةِ عَنْهَا الْآتِيَيْنِ.
(لَمْ) الْأَوْلَى فَلَا (تُسْمَعْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ دَعْوَى الْحَاضِرِ السَّاكِتِ بِلَا مَانِعٍ (وَلَا) تُسْمَعُ (بَيِّنَتُهُ) أَيْ الْحَاضِرِ السَّاكِتِ بِلَا مَانِعٍ الَّتِي تَشْهَدُ لَهُ بِمِلْكِهِ الْمَحُوزِ، أَيْ لَا يُعْمَلُ بِمُقْتَضَى شَهَادَتِهَا. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْحَطّ خَتَمَ الْمُصَنِّفُ بَابَ الشَّهَادَاتِ بِالْكَلَامِ عَلَى الْحِيَازَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالشَّاهِدِ عَلَى الْمِلْكِ. الثَّانِي: ابْنُ رُشْدٍ الْحِيَازَةُ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ إلَى الْحَائِزِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ كَإِرْخَاءِ السُّتُورِ وَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ مَعَهَا قَوْلَ الْحَائِزِ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِيَمِينِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُهُ لَهُ بِدَعْوَاهُ، فَإِنْ حَازَ الرَّجُلُ مَالَ غَيْرِهِ فِي وَجْهِهِ مُدَّةً تَكُونُ الْحِيَازَةُ فِيهَا عَامِلَةً وَهِيَ عَشَرَةُ أَعْوَامٍ دُونَ هَدْمٍ وَلَا بُنْيَانٍ أَوْ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ عَادَ مِلْكًا لِنَفْسِهِ بِابْتِيَاعٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ بِيَمِينِهِ اهـ. وَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ، وَفِي الشَّامِلِ وَفِي يَمِينِ الْحَائِزِ حِينَئِذٍ قَوْلَانِ الْحَطّ وَلُزُومُ الْيَمِينِ أَقْوَى وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثُ: ابْنُ رُشْدٍ الْحِيَازَةُ سِتَّةُ أَقْسَامٍ أَضْعَفُهَا حِيَازَةُ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ أَوْ عَكْسُهُ، وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْقَرِيبِ الشَّرِيكِ، وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْقَرِيبِ غَيْرِ الشَّرِيكِ وَالْوَلِيِّ وَالْخَتْنِ الشَّرِيكِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْمَوْلَى وَالْخَتْنِ غَيْرِ الشَّرِيكِ، وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْأَجْنَبِيِّ الشَّرِيكِ، وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْأَجْنَبِيِّ غَيْرِ الشَّرِيكِ وَهِيَ أَقْوَاهَا. الرَّابِعُ: ابْنُ رُشْدٍ الْحِيَازَةُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَضْعَفُهَا السُّكْنَى وَالِازْدِرَاعُ، وَيَلِيهَا الْهَدْمُ وَالْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ وَالِاسْتِغْلَالُ، وَيَلِيهَا التَّفْوِيتُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالنَّحْلِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ إلَّا فِي مَالِهِ، وَالِاسْتِخْدَامُ فِي الرَّقِيقِ وَالرُّكُوبُ فِي الدَّوَابِّ كَالسُّكْنَى فِيمَا يُسْكَنُ وَالِازْدِرَاعُ فِيمَا يُزْرَعُ.
الْخَامِسُ: الْحِيَازَةُ عَلَى النِّسَاءِ عَامِلَةٌ إذَا كُنَّ فِي الْبَلَدِ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي الْمُقْنِعِ. السَّادِسُ: يُسْتَحَبُّ لِلْغَائِبِ إذَا عَلِمَ بِالْحِيَازَةِ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ عَلَى حَقِّهِ قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَالرَّجْرَاجِيُّ. السَّابِعُ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُطَالَبُ الْحَائِزُ بِبَيَانِ سَبَبِ مِلْكِهِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ لَا يُطَالَبُ بِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ يُطَالَبُ بِهِ. وَقِيلَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلُ الْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي فَلَا يُسْأَلُ الْحَائِزُ عَنْ بَيَانِ أَصْلِ مِلْكِهِ، وَإِنْ ثَبَتَ الْأَصْلُ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِ الْحَائِزِ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَتَّابِ وَابْنُ الْقَطَّانِ لَا يُطَالَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ. الثَّامِنُ: الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَدَمُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا لَا أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ ابْتِدَاءً، وَلَا يُسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَوَابِهَا، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ يُسْأَلُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّ مِلْكَ مَا حَازَهُ لِلْمُدَّعِي وَيَعْتَقِدَ أَنَّ مُجَرَّدَ حَوْزِهِ يُوجِبُ لَهُ الْمِلْكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَوْزَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكِ إجْمَاعًا، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِقَالِهِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِهِ كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ، وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ صلى الله عليه وسلم «لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ» . التَّاسِعُ: الْحَطّ إنْ قِيلَ قَوْلُهُ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ وَلَا بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى عَدَمُ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، فَجَوَابُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَالَ وَلَا بَيِّنَتُهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْبَيِّنَةِ لَا تُسْمَعُ، وَاَلَّتِي عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ تُسْمَعُ كَدَعْوَى الرَّقِيقِ الْعِتْقَ وَالزَّوْجَةِ الطَّلَاقَ، وَأَيْضًا لِيُفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إلَّا بِالْإِمْكَانِ وَنَحْوِهِ.
إلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ؛ كَشَرِيكٍ أَجْنَبِيٍّ حَازَ فِيهَا إنْ هَدَمَ وَبَنَى
ــ
[منح الجليل]
الْعَاشِرُ الْحَطّ لَا تَسْقُطُ الْحِيَازَةُ وَلَوْ طَالَتْ الدَّعْوَى فِي الْحَبْسِ، بِهَذَا أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْوَقْفِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَتَضَمَّنُ السُّؤَالَ عَنْ جَمَاعَةٍ وَاضِعِينَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَمُوَرِّثِهِمْ وَمُوَرِّثِ مُوَرِّثِهِمْ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ عَامًا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَالتَّعْوِيضِ وَالْقِسْمَةِ، وَكَثِيرٍ مِنْ وُجُوهِ التَّفْوِيتِ، فَادَّعَى عَلَيْهِمْ بِوَقْفِيَّتِهَا شَخْصٌ حَاضِرٌ عَالِمٌ بِالتَّفْوِيتِ الْمَذْكُورِ وَالتَّصَرُّفِ هُوَ وَمُوَرِّثُهُ مِنْ قَبْلِهِ، وَنَصُّهُ وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِالْحَبْسِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ التَّحْبِيسُ وَمِلْكُ الْمُحْبِسِ لِمَا حَبَسَهُ يَوْمَ تَحْبِيسِهِ، وَبَعْدَ أَنْ تَتَعَيَّنَ الْأَمْلَاكُ الْمُحْبَسَةُ بِالْحِيَازَةِ لَهَا عَلَى مَا تَصِحُّ الْحِيَازَةُ فِيهِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى وَجْهِهِ وَأَعْذَرَ إلَى الْقَوْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ إلَّا تَرْكَ الْقَائِمِ وَأَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ، وَطُولَ سُكُوتِهِمَا عَنْ طَلَبِ حَقِّهِمَا بِتَفْوِيتِ الْأَمْلَاكِ، فَالْقَضَاءُ بِالْحَبْسِ وَاجِبٌ وَالْحُكْمُ بِهِ لَازِمٌ. اهـ. وَأَفْتَى بِهِ أَيْضًا فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ مَسَائِلِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَاتِ فَانْظُرْهَا، وَالْجَوَابُ فِي الْحَطّ. وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَلَا بَيِّنَتُهُ فَقَالَ (إلَّا) بِبَيِّنَتِهِ الشَّاهِدَةِ لَهُ (بِإِسْكَانٍ) مِنْ الْمُدَّعِي لِلْحَائِزِ فِي الْعَقَارِ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِلَا أُجْرَةٍ (وَنَحْوِهِ) أَيْ الْإِسْكَانِ كَإِعْمَارٍ وَمُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ الْحِيَازَةُ لَا يَنْتَفِعُ الْحَائِزُ بِهَا إلَّا أَنْ يَجْهَلَ أَصْلَ دُخُولِهِ فِيهَا، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ أَصْلَ دُخُولِهِ فِيهَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ مَا مِنْ غَصْبٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ إسْكَانٍ أَوْ إرْفَاقٍ فَلَا يَنْتَفِعُ بِطُولِ حِيَازَتِهِ لَهُ إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَنُ ذَلِكَ جِدًّا، وَلَمْ يَحُدَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَدًّا إلَّا أَنَّهُ قَالَ قَدْرَ مَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ الْحَقَّ هَلَكَ أَوْ نَسِيَ لِطُولِ زَمَانِهِ، فَيَحْلِفَ مَعَ بَيِّنَتِهِ، وَيَقْضِي لَهُ إنْ ادَّعَى الْحَائِزُ أَنَّ الْمَالِكَ بَاعَهُ مَثَلًا. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَدَّعِ نَقْلَ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا تَمَسَّك بِمُجَرَّدِ الْحِيَازَةِ فَلَا يَحْلِفُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ. وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ فَقَالَ (كَشَرِيكٍ) لِلْمُدَّعِي (أَجْنَبِيٍّ) مِنْهُ (حَازَ) الْعَقَارَ عَنْ شَرِيكِهِ (فِيهَا) أَيْ الْعَشْرِ سِنِينَ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُدَّعِي بَعْدَهَا وَلَا بَيِّنَتُهُ (إنْ هَدَمَ) الْحَائِزُ الْعَقَارَ الَّذِي لَمْ يَخْشَ سُقُوطَهُ (وَبَنَى) الْعَقَارَ، فَإِنْ هَدَمَ مَا خَشِيَ سُقُوطَهُ
وَفِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ مَعَهُمَا قَوْلَانِ؛ لَا بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ، إلَّا بِكَهِبَةٍ إلَّا أَنْ يَطُولَ مَعَهُمَا
ــ
[منح الجليل]
أَوْ كَانَ يَسِيرًا فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْحِيَازَةِ.
(وَفِي) تَحْدِيدِ مُدَّةِ حِيَازَةِ (الشَّرِيكِ) لِلْقَائِمِ (الْقَرِيبِ) لَهُ (مَعَهُمَا) أَيْ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ (قَوْلَانِ) لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ مَرَّةً الْعَشْرُ سِنِينَ حِيَازَةٌ، وَقَالَ مَرَّةً لَيْسَتْ حِيَازَةً إلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ، أَرَادَ مِثْلَ الْأَرْبَعِينَ وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ، وَسَوَاءٌ كَانُوا إخْوَةً أَوْ لَا. وَمَفْهُومُ إنْ هَدَمَ وَبَنَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ. ابْنُ رُشْدٍ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بِهِمَا أَيْضًا وَهُوَ بَعِيدٌ.
(تَنْبِيهٌ) سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حِيَازَةِ الْقَرِيبِ غَيْرِ الشَّرِيكِ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَجَعَلَهُ مَرَّةً كَالْقَرِيبِ الشَّرِيكِ، قَالَ فَيَكُونُ قَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي عَشْرِ سِنِينَ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا حِيَازَةَ بَيْنَهُمْ إلَّا مَعَ الطُّولِ الْكَثِيرِ وَهُوَ نَصُّ قَوْلِهِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى، وَمَرَّةً رَآهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ قَوْلِهِ إنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَهُمْ بِعَشْرِ سِنِينَ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ، وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِهِ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ اهـ. الْحَطّ فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ حُكْمَ الْقَرِيبِ غَيْرِ الشَّرِيكِ كَحُكْمِ الْقَرِيبِ الشَّرِيكِ هُوَ الرَّاجِحُ لِقَوْلِهِ إنَّهُ نَصُّ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَنَّ الثَّانِيَ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِهِ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَ الْأَقَارِبِ سَوَاءٌ كَانُوا شُرَكَاءَ أَوْ غَيْرَ شُرَكَاءَ لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ فِي الْأَمَدِ الطَّوِيلِ الزَّائِدِ عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً عَلَى الْأَرْجَحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(لَا) تَكُونُ الْحِيَازَةُ (بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ) بِشَيْءٍ (إلَّا بِكَهِبَةٍ) مِنْ أَحَدِهِمَا عَقَارَ الْآخَرِ لِأَجْنَبِيٍّ وَالْآخَرُ حَاضِرٌ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الصَّدَقَةَ وَالْبَيْعَ وَالْعِتْقَ وَالتَّدْبِيرَ وَالْكِتَابَةَ وَالْوَطْءَ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْمَالِكُ فِي مِلْكِهِ فَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَلَا تُعْتَبَرُ الْحِيَازَةُ بَيْنَهُمَا بِهَدْمٍ وَبِنَاءٍ إذَا فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا فِي عَقَارِ الْآخَرِ وَادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، سَوَاءٌ قَامَ عَلَيْهِ الْآخَرُ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَطُولَ
مَا تَهْلِكُ الْبَيِّنَاتُ، وَيَنْقَطِعُ الْعِلْمُ، وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ، فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ، وَيُزَادُ فِي عَبْدٍ وَعَرْضٍ.
ــ
[منح الجليل]
مَعَهُمَا) أَيْ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ (مَا) أَيْ زَمَانٌ (تَهْلِكُ) مَعَهُ (الْبَيِّنَاتُ وَيَنْقَطِعُ) فِيهِ (الْعِلْمُ) الْحَطّ مُحَصَّلُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْحِيَازَةَ لَا تَكُونُ بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا الْأَقَارِبُ الشُّرَكَاءُ بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَكَذَا الشُّرَكَاءُ الْأَجَانِبُ بِخِلَافِ الْأَجَانِبِ الَّذِينَ لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ، فَالْحِيَازَةُ بَيْنَهُمْ عَشَرَةُ أَعْوَامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بُنْيَانٌ، وَإِنْ حَصَلَ هَدْمٌ وَبُنْيَانٌ وَغَرْسٌ فَتَكْفِي الْأَعْوَامُ الْعَشَرَةُ فِي الشَّرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ مَعَ ذَلِكَ قَوْلَانِ. وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ فِي الْقَرِيبِ غَيْرِ الشَّرِيكِ وَالْمَوْلَى وَالصِّهْرِ الشَّرِيكَيْنِ حِيَازَةً. ثَالِثُهَا فِي الصِّهْرِ وَالْمَوْلَى دُونَ الْقَرِيبِ. وَفِي كَوْنِ السُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْعَشْرِ حِيَازَةً لِمَوْلًى وَصِهْرٍ غَيْرِ شَرِيكَيْنِ أَوْ إنْ هَدَمَ وَبَنَى فِي الْعَشْرِ أَوْ إنْ طَالَ جِدًّا أَقْوَالٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا تَحْصُلُ الْحِيَازَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَلَوْ بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ وَلَوْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ إلَّا أَنَّهُ إنْ حَضَرَ مَجْلِسَ الْبَيْعِ وَسَكَتَ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَزِمَهُ الْبَيْعُ فِي حِصَّتِهِ وَكَانَ لَهُ الثَّمَنُ، وَإِنْ سَكَتَ بَعْدَهُ الْعَامَ وَنَحْوَهُ اسْتَحَقَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ بِالْحِيَازَةِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَقَامَ حِينَ عَلِمَ أَخَذَ حَقَّهُ، وَإِنْ سَكَتَ الْعَامَ وَنَحْوَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَاسْتَحَقَّهُ الْحَائِزُ، وَإِنْ حَضَرَ مَجْلِسَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ فَسَكَتَ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ فَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ثُمَّ عَلِمَ فَإِنْ قَامَ حِينَئِذٍ كَانَ لَهُ حَقُّهُ، وَإِنْ سَكَتَ الْعَامَ وَنَحْوَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَيُخْتَلَفُ فِي الْكِتَابَةِ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ عَلَى الْعِتْقِ قَوْلَانِ. (وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ) أَيْ الْعَقَارُ (مِنْ غَيْرِهَا) مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ (فِي) مُدَّةِ حِيَازَةِ (الْأَجْنَبِيِّ فَفِي الدَّابَّةِ) بِالنِّسْبَةِ لِرُكُوبِ الْأَجْنَبِيِّ السَّنَتَانِ (وَ) فِي (أَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ وَيُزَادُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ عَلَى السَّنَتَيْنِ (فِي) حِيَازَةِ (عَبْدٍ وَعَرْضٍ) وَنَحْوُهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
لِأَصْبَغَ، زَادَ وَمَا أَحْدَثَ الْأَجْنَبِيُّ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَطْءٍ فِي الْأَمَةِ بِعِلْمِ مُدَّعِيه أَوْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ حِينَ عَلِمَ اسْتَحَقَّهُ الْحَائِزُ بِذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ إنَّ الْأَقَارِبَ الشُّرَكَاءَ بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا خِلَافَ أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَهُمْ لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تَكُونُ بِالتَّفْوِيتِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ، وَاسْتِخْدَامُ الرَّقِيقِ وَرُكُوبُ الدَّوَابِّ كَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ، وَالِاسْتِغْلَالُ كَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا فَرْقَ فِي مُدَّةِ حِيَازَةِ الْوَارِثِ عَلَى وَارِثِهِ بَيْنَ الرُّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ بِالِاعْتِمَارِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأُصُولِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوب وَاللُّبْسِ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ، فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ إنَّ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الثِّيَابِ حِيَازَةٌ إذَا كَانَتْ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ وَأَنَّ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ حِيَازَةٌ فِي الدَّوَابِّ إذَا كَانَتْ تُرْكَبُ، وَفِي الْإِمَاءِ إذَا كُنَّ يُسْتَخْدَمْنَ وَفِي الْعَبِيدِ وَالْعُرُوضِ فَوْقَ ذَلِكَ وَلَا يَبْلُغُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ إلَى الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ كَمَا يُصْنَعُ فِي الْأُصُولِ اهـ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ لُبْسَ الثِّيَابِ كَسُكْنَى الدَّارِ، وَأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ حِيَازَةٌ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ، وَأَنَّ اسْتِغْلَالَ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ كَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ فَتَحْصُلُ الْحِيَازَةُ بِهِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ. وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّتِهَا عَلَى قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي الْمَتْنِ وَبِالْأُمُورِ الْمُفَوِّتَةِ كَالْبَيْعِ، وَعُلِمَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا مُفَوِّتًا بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ، فَغَيْرُهُمَا بِالْأَوْلَى.
(الثَّانِي) : مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي الْأَجْنَبِيِّ إنَّ الْقَرِيبَ لَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي حَقِّهِ كَانَ شَرِيكًا أَوْ غَيْرَ شَرِيكٍ.
(الثَّالِثُ) : تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الثِّيَابَ يَكْفِي فِي حِيَازَتِهَا السَّنَةُ، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ دُخُولُهَا فِي الْعُرُوضِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
الرَّابِعُ) : التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَتْنِ وَلَا مِنْ التَّوْضِيحِ وَهُوَ أَتَمُّ فَائِدَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسُ: فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يُسْقِطُ الدَّيْنَ بِهَا وَلَدٌ. ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَسَائِلِهِ الْمَلْقُوطَةِ السَّاكِتُ طَلَبَ دَيْنَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا قَوْلَ لَهُ، وَيُصَدَّقُ الْغَرِيمُ فِي دَعْوَى دَفْعِهِ وَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً لِإِمْكَانِ مَوْتِهِمْ أَوْ نِسْيَانِهِمْ لِلشَّهَادَةِ. اهـ. وَمِنْ مُنْتَخَبِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ فِي مُدَّعِي دَيْنِ سَلَفٍ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُصَدَّقٌ فِي الْقَضَاءِ، إذْ الْغَالِبُ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ السَّلَفُ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَالْبُيُوعَاتِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا قَدِيمًا وَقَامَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ حَقِّهِ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً وَنَحْوِهَا أَخَذَهُ بِهِ، وَعَلَى الْآخَرِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ إنَّ ذِكْرَ الْحَقِّ الْمَشْهُودِ فِيهِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِطُولِ الزَّمَانِ كَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَذَلِكَ الدُّيُونُ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي الْأَصْلِ إذَا طَالَ زَمَانُهَا هَكَذَا وَمَنْ هِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ حُضُورٌ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ إلَّا بَعْدَ هَذَا مِنْ الزَّمَانِ. فَيَقُولُ قَدْ قَضَيْتُك وَبَادَ شُهُودِي بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَدِينِ غَيْرَ الْيَمِينِ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ يَقُومُ عَلَيْهِ الْيَتِيمُ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ وَيُنْكِرُ قَبْضَهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةً يَهْلِكُ فِي مِثْلِهَا شُهُودُ الْوَصِيِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالدَّفْعِ، ثُمَّ قَالَ الْحَطّ أَحْفَظُ لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ إذَا تَقَرَّرَ الدَّيْنُ وَثَبَتَ لَا يَبْطُلُ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ» ، وَاخْتَارَهُ التُّونُسِيُّ إذَا كَانَ بِوَثِيقَةٍ فِي يَدِ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهَا بِيَدِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِهِ دَيْنَهُ إذْ الْعَادَةُ أَنَّهُ إذَا قَضَى الدَّيْنَ أَخَذَ عَقْدَهُ أَوْ مَزَّقَهُ
فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ. ابْنُ رُشْدٍ وَلَيْسَ مِنْ وَجْهِ الْحِيَازَةِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا الْحَائِزُ وَيُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَالْأَجْنَبِيَّيْنِ وَالْأَصْهَارِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا جَهْلُ أَصْلِ وَضْعِ الْيَدِ وَهُوَ هُنَا مَعْلُومٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسُ: طفى قَوْلُهُ وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ، اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ حَيْثُ تَكَلَّمَ عَلَى حِيَازَةِ الْأَقَارِبِ الشُّرَكَاءِ بِالْمِيرَاثِ، وَلَا فَرْقَ فِي مُدَّةِ حِيَازَةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
الْوَارِثِ عَلَى الْوَارِثِ بَيْنَ الرُّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ بِالِاعْتِمَارِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأُصُولِ، وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ، فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ إنَّ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الثِّيَابِ حِيَازَةٌ إذَا كَانَتْ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ، وَإِنَّ السَّنَتَيْنِ حِيَازَةٌ فِي الدَّوَابِّ إذَا كَانَتْ تُرْكَبُ. وَفِي الْإِمَاءِ إذَا كُنَّ يُسْتَخْدَمْنَ، وَفِي الْعَبْدِ وَالْعُرُوضِ فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَا يَبْلُغُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ إلَى عَشَرَةِ أَعْوَامٍ كَمَا فِي الْأُصُولِ هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ أَصْبَغَ دُونَ نَصِّهِ. اهـ. فَلَمْ يَسْتَنِدْ فِي التَّفْرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ إلَّا لِقَوْلِ أَصْبَغَ، فَاقْتَضَى أَنَّ أَصْبَغَ سَوَّى بَيْنَ الرُّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ، وَمَا مَعَهَا فِي الشُّرَكَاءِ بِالْمِيرَاثِ مَعَ أَنَّ أَصْبَغَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا، فَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ أَصْبَغَ وَمُطَرِّفٍ وَأَمَّا حِيَازَةُ الشَّرِيكِ الْوَارِثِ عَمَّنْ وَرِثَ مَعَهُ فِي الْعُرُوضِ وَالْعَبِيدِ بِالِاخْتِدَامِ وَاللُّبْسِ وَالِامْتِهَانِ مُنْفَرِدًا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ لَهُ فَالْقَضَاءُ فِيهِ أَنَّ الْحِيَازَةَ فِي ذَلِكَ فَوْقَ الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ عِنْدَ نُزُولِ ذَلِكَ اهـ.
فَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ مُشْكِلَةٌ وَلِذَا اعْتَرَضَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ قَائِلًا مَفْهُومُ الْحَصْرِ يَقْتَضِي مُسَاوَاةَ الدَّارِ وَغَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَقَارِبِ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ وَلَا عَمَلَ عَلَى هَذَا الْمَفْهُومِ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ. ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَمَا حَازَ الشُّرَكَاءُ وَالْوَرَثَةُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّوَابِّ وَالْحَيَوَانِ وَجَمِيعِ الْعُرُوضِ تُخْتَدَمُ وَتُرْكَبُ وَتُمْتَهَنُ الْعُرُوض فَلَا يُقْطَعُ حَقُّ الْبَاقِينَ مَا لَمْ يَطُلْ، وَالطُّولُ فِي ذَلِكَ دُونَ الطُّولِ بَيْنَهُمْ فِي حِيَازَةِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَفَوْقَ حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ اهـ. وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ مُطَرِّفٍ يَرْجِعُ لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ عَنْهُ مَعَ أَصْبَغَ، وَقَوْلُهُ وَالطُّولُ فِي ذَلِكَ دُونَ الطُّولِ فِي حِيَازَةِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ مُدَّةُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي كَلَامِ ابْنِ عَاصِمٍ وَغَيْرِهِ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً وَنَصُّهُ فِي تُحْفَتِهِ:
وَالْأَقْرَبُونَ حَالُهُمْ مُخْتَلِفٌ
…
بِحَسَبِ اعْتِمَادِهِمْ يَخْتَلِفُ
فَإِنْ يَكُنْ بِمِثْلِ سُكْنَى الدَّارِ
…
وَالزَّرْعُ لِلْأَرْضِ وَالِاعْتِمَارُ
فَهُوَ بِمَا يُجَوِّزُ الْأَرْبَعِينَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَفِي مُنْتَقَى الْأَحْكَامِ إذَا حَازَ الْوَارِثُ عَلَى الْوَارِثِ الْأُصُولَ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ حِيَازَةً حَتَّى يَزِيدَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ سَنَةً خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ لَا حِيَازَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ الشُّرَكَاءِ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ جِدًّا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ يُسْلَف لَا اخْتِلَافَ أَنَّ الْحِيَازَةَ لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي حَقِّ الْأَقَارِبِ الشُّرَكَاءِ فِي الْمِيرَاثِ إلَّا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَالَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الْمَشْهُورُ إنَّ الْوَارِثِينَ لَا حِيَازَةَ بَيْنَهُمْ بِالسُّكْنَى وَالِاعْتِمَارِ. اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ أَصْبَغَ كَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ كَذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي حِيَازَةِ الْقَرِيبِ. وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَسَوَّى بَيْنَ الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ فَفِيهَا ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ حَازَ عَلَى حَاضِرٍ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ رَقِيقًا فَذَلِكَ كَالْحِيَازَةِ فِي الرُّبْعِ إذَا كَانَتْ الثِّيَابُ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ، وَالدَّوَابُّ تُرْكَبُ وَتُكْرَى، وَالْأَمَةُ تُوطَأُ، وَلَمْ يَحُدَّ لِي مَالِكٌ فِي الْحِيَازَةِ فِي الرُّبَاعِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَهَا اهـ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَقَارِبِ الشُّرَكَاءِ فَفِي رَسْمِ شَهِدَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي رَجُلٍ يَحُوزُ مَالَهُ ابْنُهُ فِي حَيَاتِهِ فِي الْحَيَوَانِ الرَّأْسِ وَالدَّابَّةِ حَتَّى يَمُوتَ أَبُوهُ وَذَلِكَ الْحَيَوَانُ فِي يَدِهِ، فَيَقُولُ وَرَثَتُهُ هَذَا الرَّأْسَ لِأَبِينَا وَالدَّابَّةُ لَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَى صَدَقَتِهِ وَلَا عَلَى عَطِيَّتِهِ، فَهَلْ يَنْتَفِعُ بِطُولِ تَقَادُمِهِ فِي يَدِهِ، وَالْأَصْلُ مَعْرُوفٌ. ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَنْتَفِعُ بِطُولِ تَقَادُمِهِ فِي يَدِهِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي رَسْمِ يُسْلَف مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَنَّ الِابْنَ لَا يَنْتَفِعُ بِحِيَازَةِ الْأَرْضِ عَلَى أَبِيهِ بِالِازْدِرَاعِ وَالِاعْتِمَارِ، وَفِي رَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى فِي امْرَأَةٍ هَلَكَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ مَنْزِلًا وَرَقِيقًا فَعَاشَتْ الْمَرْأَةُ وَوَلَدَ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِهَا زَمَانًا وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ زَوْجًا وَزَوْجَيْنِ ثُمَّ هَلَكَتْ فَقَامَ وَلَدُهَا مِنْ زَوْجِهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْأَوَّلِ يَطْلُبُ مُوَرِّثَهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ فِي رُبَاعِهِ وَرَقِيقِهِ فَقَالَ وَلَدُ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ قَدْ عَايَشَتْنَا أُمُّكُمْ زَمَانًا طَوِيلًا وَكَانَتْ عَالِمَةً بِحَقِّهَا، وَوَجْهُ خُصُومَتِهَا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَمْ تَطْلُبْ قِبَلَنَا شَيْئًا حَتَّى مَاتَتْ، فَقَالَ لَا أَرَى أَنْ يَقْطَعَ سُكُوتُهَا بِمَا ذَكَرْت مِنْ الزَّمَانِ مَوْرُوثُهَا مَعْرُوفًا لَهَا وَوَلَدِهَا فِي الْقِيَامِ