المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب اللقطة والضالة والآبق واللقيط وما يتعلق بها] - منح الجليل شرح مختصر خليل - جـ ٨

[محمد بن أحمد عليش]

الفصل: ‌[باب اللقطة والضالة والآبق واللقيط وما يتعلق بها]

بَابٌ)

اللُّقَطَةُ: مَالٌ مَعْصُومٌ: عَرَضَ لِلضَّيَاعِ؛

ــ

[منح الجليل]

[بَاب اللُّقَطَة وَالضَّالَّة وَالْآبِق وَاللَّقِيط وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا]

بَابُ اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ وَالْآبِقِ وَاللَّقِيطِ وَأَحْكَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (اللُّقَطَةُ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ فِي أَشْهَرِ لُغَاتِهَا الْأَرْبَعِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ خِلَافُ الْقِيَاسِ لِأَنَّ فُعَّلَةٌ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وُضِعَ لِمَنْ كَثُرَ فِعْلُهُ كَهُمَزَةٍ، وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَجَعَلَ الزُّبَيْدِيُّ سَاكِنَ الْقَافِ اسْمًا لِلشَّيْءِ الْمُلْتَقَطِ وَمَفْتُوحَهَا لِلشَّخْصِ الْمُلْتَقِطِ، ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ الْتِقَاطُهُ، وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ الْقَوْلَيْنِ، وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَةُ لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَالرَّابِعَةُ لُقَطٌ بِلَا هَاءٍ أَيْ مَعْنَاهَا شَرْعًا (مَالٌ) جِنْسٌ شَمَلَ اللُّقَطَةَ وَغَيْرَهَا، وَخَرَجَ عَنْهُ اللَّقِيطُ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ صَغِيرٌ حُرٌّ كَمَا يَأْتِي (مَعْصُومٌ) أَيْ مُحْتَرَمٌ فَصْلٌ مُخْرِجٌ الرِّكَازَ وَمَالَ الْحَرْبِيِّ (عَرَضَ) بِفَتَحَاتٍ وَإِعْجَامِ الضَّادِ، أَيْ تَهَيَّأَ وَاسْتَعَدَّ وَصَارَ مُعَرَّضًا (لِلضَّيَاعِ) بِتَلَفِهِ أَوْ أَخَذَهُ خَائِنٌ أَوْ سَبُعٌ. فَصْلٌ مُخْرِجٌ مَا فِي حِرْزِهِ وَضَالَّةَ الْإِبِلِ. ابْنُ شَاسٍ اللُّقَطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ مُعَرَّضٌ لِلضَّيَاعِ.

ابْنُ عَرَفَةَ اللُّقَطَةُ مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا، فَيَخْرُجُ الرِّكَازُ وَمَا بِأَرْضِ الْحَرْبِ، وَتَدْخُلُ الدَّجَاجَةُ وَحَمَامُ الدُّورِ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا السَّمَكَةُ تَقَعُ فِي سَفِينَةٍ هِيَ لِمَنْ وَقَعَتْ إلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ عَاتٍ عَنْ الشَّعْبَانِيِّ وَالْأَظْهَرُ إنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا مَنْ سَقَطَتْ إلَيْهِ لَنَجَتْ بِنَفْسِهَا لِقُوَّةِ حَرَكَتِهَا وَقُرْبِ مَحَلِّ سُقُوطِهَا مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ، فَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ وَإِلَّا فَهِيَ لِرَبِّ السَّفِينَةِ كَقَوْلِهَا فِيمَنْ طَرَدَ صَيْدًا حَتَّى دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ، فَإِنْ اضْطَرَّهُ إلَيْهَا فَهُوَ لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ لِرَبِّ الدَّارِ إنْ بَعُدَ عَنْهُ فَقَوْلُهُ مَالُ جِنْسٍ شَمَلَ اللُّقَطَةَ وَغَيْرَهَا، وَخَرَجَ عَنْهُ اللَّقِيطُ لِأَنَّهُ صَغِيرٌ آدَمِيٌّ حُرٌّ، وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ حِرْزٍ يُخْرِج الْمَسْرُوقَ، وَقَوْلُهُ مُحْتَرَمًا يُخْرِجُ مَالَ الْحَرْبِيِّ وَالرِّكَازِ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا يُخْرِجُ الرَّقِيقَ لِأَنَّهُ

ص: 224

وَإِنْ كَلْبًا وَفَرَسًا وَحِمَارًا

وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وَبِهِ وَعَدَدِهِ بِلَا يَمِينٍ؛ وَقُضِيَ لَهُ عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ

ــ

[منح الجليل]

آبِقٌ لَا لُقَطَةٌ، وَقَوْلُهُ وَلَا نَعَمًا مُخْرِجٌ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، إذْ هِيَ ضَالَّةٌ لَا لُقَطَةٌ.

ابْنُ عَرَفَةَ وَالضَّالَّةُ نَعَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا، وَالْآبِقُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وُجِدَ كَذَلِكَ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ كَوْنُ الْجَمِيعِ لُقَطَةً خِلَافُ ظَاهِرِهَا مَعَ غَيْرِهَا وَالْأَحَادِيثِ الْآمِرَةُ بِحِفْظِ عِفَاصِ اللُّقَطَةِ وَوِكَائِهَا. الْحَطّ حَدُّهُ اللُّقَطَةَ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ الثَّمَرِ. الْمُعَلَّقِ فِيهِ، وَلَيْسَ لُقَطَةٌ فَالْأَحْسَنُ قَوْلُهُمْ عَرَضَ لِلضَّيَاعِ.

الْبُنَانِيُّ وَغَيْرُ جَامِعٍ لِعَدَمِ شُمُولِهِ الرَّقِيقَ الصَّغِيرَ وَهُوَ لُقَطَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِ اللَّقِيطِ إنْ كَانَ الْمَالُ الْمُعَرَّضُ لِلضَّيَاعِ لَيْسَ كَلْبًا وَلَا فَرَسًا وَلَا حِمَارًا بَلْ (وَإِنْ كَلْبًا) مَأْذُونًا فِيهِ لِحِرَاسَةٍ أَوْ صَيْدٍ لِأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي الْمَالِ الْمَعْصُومِ. ابْنُ شَاسٍ مَنْ وَجَدَ كَلْبًا الْتَقَطَهُ إنْ كَانَ بِمَكَانٍ يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهَا مَنْ سَرَقَ كَلْبًا صَائِدًا فَلَا يُقْطَعُ إلَّا أَنْ يُرَاعَى دَرْءُ حَدٍّ بِالشُّبْهَةِ (وَفَرَسًا وَحِمَارًا) اللَّخْمِيُّ الْبَقَرُ وَالْخَيْلُ وَسَائِرُ الدَّوَابِّ الَّتِي لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ سَبُعٍ وَلَا غَيْرِهِ لَا تُؤْخَذُ وَإِلَّا فَتُؤْخَذُ وَتُعَرَّفُ عَامًا.

(وَرُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمَالُ الْمُلْتَقَطُ لِمُدَّعٍ أَنَّهُ لَهُ (بِمَعْرِفَةِ) عِفَاصٍ (مَشْدُودٍ فِيهِ) الْمَالُ مِنْ كِيسٍ أَوْ مِنْدِيلٍ أَوْ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا (وَ) مَعْرِفَةِ وِكَاءٍ مَشْدُودٍ (بِهِ) مِنْ نَحْوِ خَيْطٍ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ، وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، وَحَكَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَحَكَى الْبَاجِيَّ عَنْ أَشْهَبَ عَكْسَهُ (وَ) بِمَعْرِفَةِ (عَدَدِهِ) أَيْ الْمَالِ فَيُرَدُّ لِمَنْ عَرَفَ الثَّلَاثَةَ (بِلَا يَمِينٍ) مِنْهُ أَنَّهُ لَهُ فِيهَا مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَأَتَى مَنْ وَصَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعُدَّتَهَا لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَيْهِ وَإِنْ أَبَى فَيُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ. أَبُو عُمَرَ أَجْمَعُوا أَنَّ الْعِفَاصَ الْخِرْقَةُ الْمَرْبُوطُ فِيهَا وَهُوَ لُغَةً مَا يُسَدُّ بِهِ فَمُ الْقَارُورَةِ وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ. الْبَاجِيَّ هَلْ تَلْزَمُهُ يَمِينٌ إذَا وَصَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعَدَدَ؟ الْمَشْهُورُ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ.

(وَقُضِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (لَهُ) أَيْ مَنْ عَرَفَ الثَّلَاثَةَ يَرُدُّهَا لَهُ فَيُقَدَّمُ (عَلَى ذِي) أَيْ عَارِفِ (الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ) وَادَّعَاهَا كُلٌّ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ. أَصْبَغُ لَوْ عَرَفَ وَاحِدٌ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ

ص: 225

وَإِنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أَوَّلٍ؛ وَلَمْ يَبِنْ بِهَا: حَلَفَا، وَقُسِمَتْ

ــ

[منح الجليل]

وَوَصَفَ آخَرُ عَدَدَ الدَّنَانِيرِ وَوَزْنَهَا كَانَتْ لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ سُمِعَ أَشْهَبُ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا اللُّقَطَةَ فَوَصَفَ أَحَدُهُمَا عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَوَصَفَ الْآخَرُ عَدَدَهَا وَوَزْنَهَا فَقَالَ هِيَ لِلَّذِي عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ. ابْنُ رُشْدٍ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ إذَا جَاءَ وَحْدَهُ فَقِيلَ إنَّهَا تُدْفَعُ لَهُ بِالصِّفَةِ دُونَ يَمِينِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ لَا تُدْفَعُ لَهُ إلَّا بِيَمِينٍ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ اهـ مِنْ الْبَيَانِ، وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهَا تُدْفَعُ لِوَاصِفِهَا إنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ هَلْ تُدْفَعُ لَهُ بِيَمِينٍ أَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ؟ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا تُدْفَعُ لَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.

(وَإِنْ) ادَّعَى اللُّقَطَةَ رَجُلٌ وَوَصَفَهَا وَصْفًا يَسْتَحِقُّهَا بِهِ وَادَّعَى آخَرُ وَ (وَصَفَ) اللُّقَطَةَ شَخْصٌ (ثَانٍ وَصْفَ) شَخْصٍ (أَوَّلٍ) أَيْ بِعَيْنِهِ (لَمْ يَبِنْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ لَمْ يَنْفَصِلْ الْأَوَّلُ (بِهَا) أَيْ بِاللُّقَطَةِ عَنْ مَجْلِسِ وَصْفِهَا بِأَنْ وَصَفَهَا الثَّانِي وَصْفَ الْأَوَّلِ قَبْلَ انْفِصَالِ الْأَوَّلِ بِهَا وَاشْتِهَارِ أَمْرِهَا (حَلَفَا) أَيْ الْوَاصِفَانِ، أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْآخَرِ وَأَنَّهَا لَهُ (وَقُسِمَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ اللُّقَطَةُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ الْوَاصِفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ اخْتَصَّ الْحَالِفُ بِهَا. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تُدْفَعُ لَهُمَا إنْ نَكَلَا، فَإِنْ أَتَى الثَّانِي بَعْدَ أَنْ بَانَ بِهَا الْأَوَّلُ وَظَهَرَ أَمْرُهَا فَلَا يُقْبَلُ وَصْفُ الثَّانِي وَتُدْفَعُ لِلْأَوَّلِ.

فِيهَا إنْ دَفَعَهَا لِمَنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ مَا وَصَفَ الْأَوَّلَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ تِلْكَ اللُّقَطَةَ كَانَتْ لَهُ فَلَا يَضْمَنُهَا لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ يَجُوزُ لَهُ الدَّفْعُ بِهِ. اللَّخْمِيُّ وَإِنْ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَاتَّفَقَتْ صِفَتُهُمَا اقْتَسَمَاهَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَهَا أَحَدُهُمَا بِالصِّفَةِ ثُمَّ أَتَى الْآخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَبِينَ بِهَا وَيَظْهَرَ أَمْرُهَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ ظَهَرَ أَمْرُهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الثَّانِي.

وَشَبَّهَ فِي حَلِفِهِمَا وَقَسْمِهَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ (كَ) إقَامَتِهِمَا (بَيِّنَتَيْنِ) مُتَكَافِئَتَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ

ص: 226

كَبَيِّنَتَيْنِ لَمْ تُؤَرِّخَا؛ وَإِلَّا فَلِلْأَقْدَمِ

ــ

[منح الجليل]

مُتَعَارِضَتَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ بِأَنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهَا لِهَذَا وَالْأُخْرَى أَنَّهَا لِلْآخَرِ (لَمْ تُؤَرِّخَا) أَيْ الْبَيِّنَتَانِ فَيَحْلِفَانِ وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ أُرِّخَتَا (فَ) اللُّقَطَةُ لِمُقِيمِ الْبَيِّنَةِ (الْأَقْدَمِ) تَارِيخًا. اللَّخْمِيُّ إنْ أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً اُنْتُزِعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً فَيُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا، وَإِنْ تَكَافَأَتَا بَقِيَتْ لِلْأَوَّلِ بِالصِّفَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّوَادِرِ لِأَشْهَبَ زَادَ هَذَا إنْ لَمْ تُؤَرَّخْ الْبَيِّنَتَانِ وَإِنْ أُرِّخَتَا كَانَتْ لِأَوَّلِهِمَا مِلْكًا بِالتَّارِيخِ وَنَصُّ التَّوْضِيحِ أَشْهَبُ إنْ دَفَعَهَا لِلْأَوَّلِ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً أَيْضًا فَهِيَ لِأَوَّلِهِمَا مِلْكًا بِالتَّارِيخِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَارِيخٌ فَهِيَ لِأَعْدِلهُمَا، فَإِنْ تَكَافَأَتَا كَانَتْ لِمَنْ هِيَ بِيَدِهِ وَهُوَ الْأَوَّلُ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهَا لَهُ وَلَا يُعْلِمُهَا لِلْآخَرِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الثَّانِي وَأَخَذَهَا، فَإِنْ نَكَلَ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ بِلَا يَمِينٍ.

ابْنُ يُونُسَ يُحْتَمَلُ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ تُقْسَمَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ حَازَهَا الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ مَالٌ عُرِفَ أَصْلُهُ كَقَوْلِهِ فِيمَنْ وَرِثَ رَجُلًا بِوَلَاءٍ ادَّعَاهُ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَوْلَاهُ وَتَكَافَأَتَا فَالْمَالُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ مَالٌ عُرِفَ أَصْلُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ أَشْهَبَ هُنَا. اهـ. وَتَعَقَّبَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِهَذَا النَّقْلِ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ قَائِلًا لَعَلَّ هَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ طَرَفًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَطَرَفًا مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ، وَتَبِعَهُ الْبِسَاطِيُّ وتت، وَرَدَّهُ الْفِيشِيُّ وطفي بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ مَشَى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوَّلًا وَآخِرًا لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ أَشْهَبُ فِي التَّرْجِيحِ بِالْأَعْدَلِيَّةِ أَوْ تَقَدُّمِ التَّارِيخِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَشْهَبُ إلَّا بِبَقَائِهَا عِنْدَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ إذَا تَكَافَأَتَا وَالْمُصَنِّفُ خَالَفَ فِيهِ وَمَشَى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا عَزَاهُ ابْنُ يُونُسَ لَهُ، وَبِهِ تَعْلَمُ قُصُورَ نَقْلِ " ق " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.

بُنَانِيٌّ وَنَصَّ طفي عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ فَانْظُرْ هَذَا مَعَ كَلَامِهِ هُنَا اهـ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَتَبِعَهُ الْبِسَاطِيُّ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وَحَكَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَشْهَبَ، ثُمَّ قَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ فِيهَا نَصٌّ، ثُمَّ حَكَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ، ثُمَّ قَالَ وَعَلَيْك بَعْدَ هَذَا السَّعْيِ فِي تَصْحِيحِ كَلَامِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُوَ كَذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَسَلَّمَ تت تَعَقَّبَ الشَّارِحِينَ وَقَدْ لَا يُسَلِّمُ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْأَعْدَلِيَّةِ وَالتَّارِيخُ الَّذِي

ص: 227

وَلَا ضَمَانَ عَلَى دَافِعٍ بِوَصْفٍ، وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ

وَاسْتُؤْنِيَ بِالْوَاحِدَةِ إنْ جَهِلَ غَيْرَهَا لَا غَلِطَ عَلَى الْأَظْهَرِ؛

ــ

[منح الجليل]

نَقَلَهُ عَنْ أَشْهَبَ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَشْهَبُ إلَّا بِبَقَائِهَا عِنْدَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ عِنْدَ تَكَافُئِهِمَا، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ، وَيَدُلُّ لِهَذَا كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ التَّرْجِيحَ بِالتَّارِيخِ أَوْ الْأَعْدَلِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ سَكَتَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا تَبْقَى بِيَدِهِ عِنْدَ تَكَافُئِهِمَا، قَالَ يُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ تُقْسَمَ إلَخْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَالْمُصَنِّفُ دَرَجَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ لَعَلَّ هَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ فِيهِ نَظَرٌ.

(وَلَا ضَمَانَ عَلَى) مُلْتَقِطِ (دَافِعِ) اللُّقَطَةَ لِمَنْ ادَّعَى أَنَّهَا لَهُ وَوَصَفَهَا (بِوَصْفٍ) يُسَوِّغُ دَفْعَهَا لَهُ بِأَنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا أَوْ وِكَاءَهَا ثُمَّ أَتَى آخَرُ وَوَصَفَهَا مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ أَتَمَّ مِنْهُ وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، بَلْ (وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمَدْفُوعِ لَهُ الْأَوَّلُ، فِيهَا إنْ دَفَعَهَا لِمَنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا مِثْلَ وَصْفِهَا الْأَوَّلِ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ اللُّقَطَةَ لَهُ فَلَا يَضْمَنُهَا دَافِعُهَا لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُهَا بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَضْمَنْ دَافِعُهَا بِوَصْفٍ فَأَوْلَى دَافِعُهَا بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهَا آخَرُ وَوَصَفَهَا أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ.

(وَ) إنْ ادَّعَى اللُّقَطَةَ شَخْصٌ وَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَقَالَ لَمْ أَعْرِفْ وِكَاءَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ (اُسْتُؤْنِيَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ النُّونِ أَيْ لَا يُسْتَعْجَلُ فِي دَفْعِهَا لَهُ (بِ) الصِّفَةِ (الْوَاحِدَةِ) مِنْ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ لَا مِنْ غَيْرِهِمَا، هَذَا فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي السَّمَاعِ، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَاشِرٍ وَغَيْرُهُ، عَسَى أَنْ يَأْتِيَ غَيْرُهُ بِأَزْيَدَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُ فَتُدْفَعُ لَهُ (إنْ جَهِلَ) مُدَّعِيهَا (غَيْرَهَا) أَيْ الصِّفَةِ الَّتِي عَرَفَهَا، أَيْ قَالَ لَمْ أَعْرِفْهَا (لَا) إنْ (غَلِطَ) فِي غَيْرِهَا بِأَنْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ مَا هُوَ بِهِ فَقِيلَ لَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَالَ غَلِطْت فَلَا تُدْفَعُ لَهُ (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ الْخِلَافِ.

أَصْبَغُ لَوْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ وَادَّعَى جَهْلَ مَا سِوَاهُ فَلْيُسْتَبْرَأْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أُعْطِيهَا. ابْنُ رُشْدٍ إذَا وَصَفَ الْعِفَاصَ أَوْ الْوِكَاءَ وَجَهِلَ الْآخَرُ أَوْ غَلِطَ فِيهِ فَفِي ذَلِكَ

ص: 228

وَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهِ؛

وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ:

ــ

[منح الجليل]

ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَعْدَلُهَا عِنْدِي. ثَالِثُهَا وَهُوَ إنْ ادَّعَى الْجَهْلَ اُسْتُبْرِئَ أَمْرُهُ وَإِنْ ادَّعَى الْغَلَطَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَتَعَقَّبَ الْبِسَاطِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ، وَالثَّانِي قَوْلُهُ لَا إنْ غَلِطَ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَوْنِي، وَهَذَا صَادِقٌ بِأَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لَهُ، وَبِتَعْجِيلِ دَفْعِهَا لَهُ وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ. وَيُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِجَعْلِ أَلْ فِي الْوَاحِدَةِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ، أَيْ مِنْ الْمَشْدُودِ فِيهِ وَالْمَشْدُودِ بِهِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْقَرِينَةَ عَلَى إرَادَةِ عَدَمِ دَفْعِهَا مُطْلَقًا. قَوْلُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، فَإِنَّهُ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ.

(وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يَضُرَّ جَهْلُهُ) أَيْ مُدَّعِي اللُّقَطَةِ (بِقَدْرِهِ) أَيْ الْمَالِ الْمُلْتَقَطِ إذَا عَرَفَ عِفَاصَهُ وَوِكَاءَهُ أَوْ أَحَدَهُمَا وَجَهِلَ الْآخَرَ وَلَمْ يَأْتِ غَيْرُهُ مَعَ الِاسْتِينَاءُ ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا جَهْلُهُ بِالْعَدَدِ فَلَا يَضُرُّهُ إذَا عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، وَكَذَلِكَ غَلَطُهُ فِيهِ بِالزِّيَادَةِ لَا يَضُرُّهُ، وَاخْتُلِفَ فِي غَلَطِهِ بِالنُّقْصَانِ

(وَوَجَبَ أَخْذُهُ) أَيْ الْمَالِ الَّذِي وُجِدَ فِي غَيْرِ حِرْزِهِ وَخِيفَ ضَيَاعُهُ إنْ تُرِكَ فِي مَحَلِّهِ (لِخَوْفِ) أَخْذِ شَخْصٍ (خَائِنٍ) فِيهِ بِتَمَلُّكِهِ لِأَنَّ حِفْظَ مَالِ الْغَيْرِ وَاجِبٌ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي حُكْمِ أَخْذِ اللُّقَطَةِ اضْطِرَابٌ.

ابْنُ رُشْدٍ يَلْزَمُ أَنْ يُؤْخَذَ اللَّقِيطُ وَلَا يُتْرَكَ لِأَنَّهُ إنْ تُرِكَ ضَاعَ وَهَلَكَ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي لُقَطَةِ الْمَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ لَا يَخْشَى أَنْ يَأْخُذَهَا إنْ عَلِمَهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهِ إيَّاهَا وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ فَأَخْذُهَا وَاجِبٌ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ، وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ، لَكَانَ الِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ لَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ ظَنُّهُ مِنْ أَكْثَرِ الْخَوْفَيْنِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا عَدَا لُقَطَةَ الْحَاجِّ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا مَخَافَةَ أَنْ لَا يَجِدَ رَبَّهَا لِتَفَرُّقِ الْحُجَّاجِ إلَى بُلْدَانِهِمْ، فَإِنْ الْتَقَطَهَا وَجَبَ فِي تَعْرِيفِهَا مَا يَجِبُ فِيمَا سِوَاهَا.

اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَتْ بَيْنَ نَاسٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَجَبَ حِفْظُهَا لِأَنَّ حِفْظَ أَمْوَالِ النَّاسِ وَأَنْ

ص: 229

لَا إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ؛ وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الْأَحْسَنِ

ــ

[منح الجليل]

لَا تَضِيعُ وَاجِبٌ، وَيَجِبُ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ إنْ عَلِمَ وَاجِدُهُ أَمَانَةَ نَفْسِهِ (لَا إنْ عَلِمَ) وَاجِدُهُ (خِيَانَتَهُ) أَيْ وَاجِدِ الْمَالِ (هُوَ) تَأْكِيدٌ لِلْمَاءِ بِتَمَلُّكِهِ وَعَدَمِ تَعْرِيفِهِ (فَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ أَخْذُهُ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وُجُوبَ أَخْذِهَا وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ خِيَانَةَ نَفْسِهِ عُذْرًا مُسْقِطًا عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ مَالِ الْغَيْرِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْحَطّ، وَنَصُّهُ وَالْأَظْهَرُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحِفْظِ أَنْ يَجِبَ الِالْتِقَاطُ، وَلَا يُعَدُّ عِلْمُهُ خِيَانَةَ نَفْسِهِ مَانِعًا، وَأَحْرَى خَوْفُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْخِيَانَةِ وَحِفْظُ الْمَالِ الْمَعْصُومِ، وَقُصَارَى الْأَمْرِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْحِفْظِ وَحْدَهُ، وَمَنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ أَوْ شَكَّ فِيهَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ الْحِفْظُ وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ وَبَعْدَ تَسْلِيمِ هَذَا فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الِاسْتِحْبَابُ أَوْ الْوُجُوبُ لَوْ قِيلَ بِهِ لِوُجُوبِ إعَانَةِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا اهـ. الْحَطّ كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَسَنٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا مِنْ خَائِنٍ وَعَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ (كُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَخْذُهُ (عَلَى الْأَحْسَنِ) عِنْدَ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَذَا خَوْفُ الْخَائِنِ مَعَ شَكِّهِ فِي أَمَانَةِ نَفْسِهِ.

طفي عِبَارَة الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَاصِرَةٌ عَنْ تَحْرِيرِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ وَالِالْتِقَاطُ حَرَامٌ عَلَى مَنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ، وَمَكْرُوهٌ لِلْخَائِفِ. وَفِي الْمَأْمُونِ الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ فِيمَا لَهُ بَالٌ وَالْوُجُوبُ إنْ خَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ.

خَلِيلٌ الْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ:

الْأَوَّلُ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهَا.

الثَّانِي أَنْ يَخَافَ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ.

الثَّالِثُ أَنْ يَثِقَ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ، وَهَذَا يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ أَمْ لَا، فَإِنْ خَافَ وَجَبَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَالثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالِ وَكُلُّهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَصْلُهُ كُلُّهُ لِلَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ، فَيَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ وُجُوبَ الْتِقَاطِهَا لِخَوْفِ خَائِنٍ لِلْمَأْمُونِ وَحُرْمَتَهُ عَلَى مَنْ عَلِمَ الْخِيَانَةَ مِنْ نَفْسِهِ مُطْلَقًا خَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ أَمْ لَا، فَقَوْلُهُ وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ أَيْ مَعَ ثِقَتِهِ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا كُرِهَ النَّفْيُ بِلَا مَنْصِبٍ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْخَوَنَةَ وَلَا عَلِمَهَا مِنْ نَفْسِهِ كُرِهَ وَنَفْيُ عِلْمِهَا يَصْدُقُ بِالْخَوْفِ

ص: 230

وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً، وَلَوْ كَدَلْوٍ

ــ

[منح الجليل]

مِنْ نَفْسِهِ وَثِقَتِهِ بِهَا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَوَّلَ اقْتَصَرَ فِيهِ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَكَذَا الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَفِي الثَّانِي هِيَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَتَقْرِيرُ تت بِعَزْوِهِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاسْتِحْسَانُ بَعْضِهِمْ هُوَ فِي الثَّانِي فَقَطْ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ، فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إجْمَالٌ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ فِي بَعْضِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ كَلَامُهُ غَيْرُ مُبَيَّنٍ، ثُمَّ قَالَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْوُجُوبِ بِعَدَالَةِ الْإِمَامِ وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا تَفْصِيلٌ تَرَكْنَاهُ خَوْفَ الطُّولِ.

(وَ) وَجَبَ (تَعْرِيفُهُ) أَيْ الْمَالِ الْمُلْتَقَطِ (سَنَةً) فَوْرًا مِنْ حِينِ أَخْذِهِ، فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا وَإِلَّا فَلَا آمُرُهُ بِأَكْلِهَا كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ دِرْهَمًا فَصَاعِدًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ بَعْدَ السَّنَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا، وَيُخَيَّرُ صَاحِبُهَا إنْ جَاءَ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُهَا أَوْ يَغْرَمَهَا لَهُ فِعْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ إلَّا الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ. أَبُو الْحَسَنِ الْكَرَاهَةُ هُنَا عَلَى الْمَنْعِ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ.

اللَّخْمِيُّ إنْ أَمْسَكَهَا سَنَةً وَلَمْ يُعَرِّفْهَا ثُمَّ عَرَّفَهَا فَتَلِفَتْ ضَمِنَ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَيَّدَ بِالسَّنَةِ.

وَيَجِبُ التَّعْرِيفُ سَنَةً إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (كَدَلْوٍ) وَمِخْلَاةٍ فَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ التَّعْرِيفِ سَنَةً بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَشَارَ بِ وَلَوْ إلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ أَنَّ الْيَسِيرَ يُعَرَّفُ أَيَّامًا بِمَظَانِّ طَلَبِهِ. فِيهَا سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي لُقَطَةٍ مِثْلِ الدَّلْوِ وَالْحَبْلِ وَالْمِخْلَاةِ وَشِبْهِ ذَلِكَ إنْ وُجِدَ بِطَرِيقٍ وُضِعَ بِأَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِمَدِينَةٍ انْتَفَعَ بِهِ وَعَرَّفَهُ بِهِ وَالصَّدَقَةُ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ. ابْنُ رُشْدٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ اللُّقَطَةِ هُوَ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ إنْ تُرِكَ، وَيَبْقَى فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ إنْ الْتَقَطَهُ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا جِدًّا لَا بَالَ لَهُ وَلَا قَدْرَ لَقِيمَتِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ لِتَفَاهَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُعَرَّفُ وَهُوَ لِوَاجِدِهِ إنْ شَاءَ أَكَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ، أَصْلُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «مَرَّ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَوْلَا أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتهَا» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَعْرِيفًا.

ص: 231

لَا تَافِهًا؛ بِمَظَانِّ طَلَبِهَا: بِكَبَابِ مَسْجِدٍ، فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمِنْ يَثِقُ بِهِ

ــ

[منح الجليل]

وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يَجِدُ السَّوْطَ وَالْعَصَا أَنَّهُ يُعَرِّفُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا إلَّا أَنَّ لَهُ قَدْرًا وَمَنْفَعَةً، وَقَدْ يَشِحُّ بِهِ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ، فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِهِ. وَظَاهِرُ مَا حَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُعَرِّفُ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنَّمَا يُعَرِّفُهُ أَيَّامًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.

(لَا) يَجِبُ أَنْ يُعَرِّفَ مَالًا (تَافِهًا) لَا تَلْتَفِتُ النُّفُوسُ إلَيْهِ كَفَلْسٍ وَتَمْرَةٍ وَكِسْرَةٍ وَهُوَ لِوَاجِدِهِ إنْ شَاءَ أَكَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ (بِمَظَانِّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِعْجَامِ الظَّاءِ وَشَدِّ النُّونِ، أَيْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّ صَاحِبَ اللُّقَطَةِ يَطْلُبُهَا بِهَا (بِكَبَابِ مَسْجِدٍ) فِيهَا يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ حَيْثُ وَجَدَهَا وَعَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ. ابْنُ الْقَاسِمِ يُعَرِّفُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا هُنَاكَ أَوْ خَبَرَهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَمْرِ الْإِمَامِ. ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَنْدُوبٌ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا مِنْهُ سَمِعَ الْقَرِينَانِ أَيُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ مَا أُحِبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ تُعَرَّفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ مَشَى هَذَا الَّذِي وَجَدَهَا إلَى الْخَلْقِ فِي الْمَسْجِدِ يُخْبِرُهُمْ بِهَا وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا. وَفِي التَّمْهِيدِ التَّعْرِيفُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا عَلِمْت لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الْعَامَّةِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ.

وَيُعَرِّفُهُ (فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) مِنْ الْأَيَّامِ مَرَّةً، رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَنْبَغِي لِلَّذِي يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ أَنْ لَا يُرِيَهَا أَحَدًا وَلَا يُسَمِّيَهَا بِعَيْنِهَا وَيُعَمِّيَ بِهَا لِئَلَّا يَأْتِيَ مُتَحَيِّلٌ فَيَصِفَهَا بِصِفَةِ الْمُعَرِّفِ فَيَأْخُذَهَا وَلَيْسَتْ لَهُ، وَلْيُعَرِّفْهَا بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَعَ صَنْعَتَهُ وَيُعَرِّفُهَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ التَّعْرِيفِ، وَيُعَرِّفُهُ (بِنَفْسِهِ) أَيْ وَاجِدِ الْمَالِ (أَوْ بِمَنْ) أَيْ شَخْصٍ أَوْ الشَّخْصِ الَّذِي (يَثِقُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ فَقَافٌ، أَيْ يَطْمَئِنُّ (بِهِ) قَلْبُهُ وَيَعْتَقِدُ

ص: 232

أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا، إنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ

وَبِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا وَلَا يُذْكَرُ جِنْسُهَا عَلَى الْمُخْتَارِ

وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ، إنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ

ــ

[منح الجليل]

أَمَانَتَهُ وَصِدْقَهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ (أَوْ) بِمَنْ يَثِقُ بِهِ (بِأُجْرَةٍ) لِمُعَرِّفِهَا (مِنْهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (إنْ لَمْ يُعَرِّفْ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا اللُّقَطَةَ (مِثْلُهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ لِإِزْرَائِهِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يُعَرِّفُهَا فَلَا يَسْتَأْجِرُ عَلَى تَعْرِيفِهَا إلَّا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ بِالْتِقَاطِهِ كَأَنَّهُ الْتَزَمَ التَّعْرِيفَ بِنَفْسِهِ.

اللَّخْمِيُّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعٍ تَعْرِيفِهَا بِنَفْسِهِ وَرَفْعِهَا إلَى السُّلْطَانِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَلَا يَتَشَاغَلُ عَنْ تَعْرِيفِهَا وَبِمُؤْتَمِنٍ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ وَاسْتِئْجَارِ مَنْ يُعَرِّفُهَا. وَأَجَازَ ابْنُ شَعْبَانَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا عَلَيْهِ، يُرِيدُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ تَعْرِيفَهَا وَكَانَ مِثْلُهُ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ. ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا دَفَعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ لَمْ يُعَرِّفْهَا فَضَاعَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ، وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. ابْنُ كِنَانَةَ وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ لِيَعْمَلَ مَا شَاءَ.

(وَ) تُعَرَّفُ (بِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْبَلَدَيْنِ اللَّخْمِيُّ إنْ وُجِدَتْ بِطَرِيقٍ بَيْنَ مَدِينَتَيْنِ عَرَّفَهَا فِيهِمَا وَكَذَا الْقَرْيَتَانِ وَالْمَدِينَةُ وَالْقَرْيَةُ (وَلَا يَذْكُرُ) الْمُعَرِّفُ (جِنْسَهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (عَلَى الْمُخْتَارِ) لِلَّخْمِيِّ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. اللَّخْمِيُّ اخْتَلَفَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ يُسَمِّي جِنْسَ اللُّقَطَةِ إذَا أَنْشَدَهَا. وَإِنْ لَا يُسَمِّيَ أَحْسَنُ.

(وَدُفِعَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ اللُّقَطَةُ (لِحَبْرٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ عَالِمٍ ذِمِّيٍّ (إنْ وُجِدَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ اللُّقَطَةُ (بَقَرِيَّةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ كُفَّارٍ أَهْلِ ذِمَّةٍ (رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ) فِي اللُّقَطَةِ تُوجَدُ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ تُدْفَعُ إلَى أَحْبَارِهِمْ، وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ بِإِمْكَانِ كَوْنِهَا لِمُسْلِمٍ، فَالِاحْتِيَاطُ تَعْرِيفُهَا أَوَّلًا سَنَةً، ثُمَّ تُدْفَعُ لِحَبْرِهِمْ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّهَا لَهُمْ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا غَرَّمُوهَا لَهُ وَتُدْفَعُ لِأَحْبَارِهِمْ ابْتِدَاءً إنْ تَحَقَّقَ أَنَّهَا لِأَهْلِ الذَّمَّةِ يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنْ قَالُوا إنَّ مِنْ دِينِهِمْ كَوْنَ لُقَطَةِ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ لَهُمْ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُدْفَعَ لِأَحْبَارِهِمْ، وَتُوقَفُ أَبَدًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

ص: 233

وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهُ أَوْ التَّصَدُّقُ أَوْ التَّمَلُّكُ وَلَوْ بِمَكَّةَ

ــ

[منح الجليل]

(وَلَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ بَعْدَ السَّنَةِ (حَبْسُهَا) أَيْ إبْقَاءُ اللُّقَطَةِ عِنْدَهُ وَدِيعَةً لِرَبِّهَا (أَوْ التَّصَدُّقُ) بِهَا عَنْ رَبِّهَا، وَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّمَلُّكِ.

(أَوْ التَّمَلُّكُ) لَهَا أَيْ اقْتِرَاضُهَا لِنَفْسِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعَهَا لَهُ فِي الْأَوَّلِ وَغَرِمَ لَهُ عِوَضَهَا فِي الْأَخِيرَيْنِ. الْجَلَّابِ إنْ مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَأْتِ طَالِبُهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْفَقَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا وَضَمِنَهَا أَوْ حَبَسَهَا لِيَأْتِيَ رَبُّهَا اللَّخْمِيُّ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا. وَفِي الصَّحِيحِ فَإِنْ لَمْ تُعَرِّفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَفِي النَّسَائِيّ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بَعْدَ الْحَوْلِ خِلَافُهُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا لِنَفْسِهِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَيْضًا. وَفِي التَّمْهِيدِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَأْكُلَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنِيِّ، فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَيَضْمَنَهَا. ابْنُ وَهْبٍ قُلْت لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا شَأْنُهُ بِهَا قَالَ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ اسْتَنْفَقَهَا، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَدَّاهَا إلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَأْكُلُ اللُّقَطَةَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ بَعْدَ الْحَوْلِ، هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.

وَقَوْلُهُ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِهَا وَتَمَلُّكُهَا بَعْدَ السَّنَةِ إنْ الْتَقَطَهَا بِغَيْرِ مَكَّةَ، بَلْ (وَلَوْ) الْتَقَطَهَا (بِمَكَّةَ) حَكَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.

الْمَازِرِيُّ حُكْمُ لُقَطَةِ مَكَّةَ حُكْمُ لُقَطَةِ سَائِرِ الْبِلَادِ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى خِلَافِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ لُقَطَتَهَا لَا تُمْلَكُ لِخَبَرِ لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ هَذَا حُكْمُ اللُّقَطَةِ إلَّا بِمَكَّةَ إذْ لُقَطَتُهَا لَا تُسْتَبَاحُ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً، وَعَلَى مُلْتَقِطِهَا تَعْرِيفُهَا أَبَدًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» . ابْنُ زَرْقُونٍ كَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَتَبِعَهُمَا ابْنُ رُشْدٍ. وَلِابْنِ الْقَصَّارِ عَنْ مَالِكٍ " رضي الله عنه ". لُقَطَةُ مَكَّةَ كَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» تَأْكِيدًا لِلْإِعْلَامِ لِسَنَةِ اللُّقَطَةِ لِكَثْرَتِهَا بِمَكَّةَ.

ص: 234

ضَامِنًا فِيهِمَا

: كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا

ــ

[منح الجليل]

الْمَازِرِيُّ حُكْمُ لُقَطَةِ مَكَّةَ حُكْمُ لُقَطَةِ سَائِرِ الْبِلَادِ، وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ لِرُجُوعِ رَبِّهَا لِبَلَدِهِ وَعَدَمِ عَوْدِهِ إلَّا بَعْدَ أَعْوَامٍ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا حُجَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ لَا لَهُ. عِيَاضٌ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ كَغَيْرِهَا. اللَّخْمِيُّ ابْنُ الْقَصَّارِ حُكْمُ اللُّقَطَةِ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - " لُقَطَةُ مَكَّةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا وَهُوَ أَبْيَنُ لِلْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ، فَلَوْ كَانَتْ كَغَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِيثِ مَعْنًى. وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأَنَّ غَالِبَ مَنْ حَجَّ عَدَمُ رُجُوعِهِ لِمَكَّةَ فِي عَامِهِ، بَلْ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، فَلَا يَكُونُ مُرُورُ السَّنَةِ دَلِيلًا عَلَى الْإِيَاسِ مِنْ رَبِّهَا. ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَالِكٌ " رضي الله عنه " لُقَطَةُ مَكَّةَ كَسَائِرِ اللُّقَطِ، وَتَكَلَّمَ عُلَمَاؤُنَا فِي الِاحْتِجَاجِ لَهُ وَالِانْفِصَالِ عَنْ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَرَ مُخَالَفَةَ الْحَدِيثِ وَلَا تَأْوِيلَ مَا لَا يَقْبَلُهُ.

قُلْت وَالِانْفِصَالُ عَنْ الْحَدِيثِ عَلَى قَاعِدَةِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " مِنْ تَقْدِيمِهِ الْعَمَلَ عَلَيْهِ وَاضِحٌ، وَيُقَالُ جَاءَ الْحَدِيثُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ التَّعْرِيفِ بِمَكَّةَ لِغَلَبَةِ تَفَرُّقِ الْحُجَّاجِ مُشَرِّقِينَ وَمُغَرِّبَيْنِ وَمَدِّ الْمَطَايَا أَعْنَاقَهَا فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّعْرِيفِ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ التَّعْرِيفَ فِيهَا كَغَيْرِهَا لِاحْتِمَالِ بَقَاءِ صَاحِبِهَا بِمَكَّةَ أَوْ تَوْكِيلِهِ مُقِيمًا بِهَا عَلَيْهَا حَالَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ الْمُتَصَدِّقِ أَوْ الْمُتَمَلِّكِ بَعْدَ السَّنَةِ (ضَامِنًا) اللُّقَطَةَ لِمُسْتَحِقِّهَا إذَا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ (فِيهِمَا) أَيْ التَّصَدُّقِ وَالتَّمَلُّكِ.

وَشَبَّهَ فِي الضَّمَانِ فَقَالَ (كَنِيَّةِ) الْمُلْتَقِطِ لِ (أَخْذِهَا) أَيْ تَمَلُّكِ اللُّقَطَةِ (قَبْلَ) تَمَامِ (هَا) أَيْ السَّنَةِ.

ابْنُ الْحَاجِبِ هِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبِ، وَفِيهَا إذَا ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ فَلَا يَضْمَنُهَا. أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ. ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَخَذْتهَا لِتَذْهَبَ بِهَا وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ لَا أَعْرِفُهَا صُدِّقَ الْمُلْتَقِطُ. أَشْهَبُ بِلَا يَمِينٍ قَرَّرَ الشَّارِحُ أَوَّلًا بِمَا تَقَدَّمَ وَدَرَج عَلَيْهِ فِي شَامِلِهِ فَقَالَ وَلَوْ نَوَى أَكْلَهُ قَبْلَ الْعَامِ ضَمِنَهُ إنْ تَلِفَ اهـ. الشَّارِحُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إذَا تَلِفَ بَعْدَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ قَالَ الْمَشْهُورُ أَنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُقَارِنَهَا فِعْلٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ قَبْلَهَا لِلُّقَطَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ اللُّقَطَةَ نَوَى أَخْذَهَا لِتَمَلُّكِهَا قَبْلَ الْتِقَاطِهَا وَتَبِعَهُ الْبِسَاطِيُّ.

ص: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الْحَطّ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ لَمْ يَقُلْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَبَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا رَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا أَوْ غَيْرِهِ ضَمِنَهَا، فَإِنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنْ سَاعَتِهِ كَمَنْ مَرَّ فِي إثْرِ رَجُلٍ فَوَجَدَ شَيْئًا فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَك فَقَالَ لَا فَتَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْإِمَامُ " رضي الله عنه " فِي وَاجِدِ كِسَاءٍ بِإِثْرِ رُفْقَةٍ فَأَخَذَهُ وَصَاحَ أَهَذَا لَكُمْ فَقَالُوا لَا فَرَدَّهُ، قَالَ قَدْ أَحْسَنَ فِي رَدِّهِ وَلَا يَضْمَنُهُ. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ لِيُعَرِّفَهَا اُنْظُرْ هَلْ تَعْرِيفًا عَامًّا الَّذِي هُوَ السَّنَةُ، أَوْ تَعْرِيفًا خَاصًّا كَوَاجِدِ الْكِسَاءِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَهَلْ تُوجِبُ النِّيَّةُ بِمُجَرَّدِهَا شَيْئًا أَوْ لَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» ، فَمَنْ نَوَى قُرْبَةً فَلَا تَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَارِنَهَا قَوْلٌ كَالنَّذْرِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ كَصَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ فَهَذَا يَلْزَمُ إتْمَامُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَجَزَّأُ كَالْجِوَارِ وَقِرَاءَةِ أَحْزَابٍ فَمَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَ وَمَا لَمْ يَأْتِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَالتَّعْرِيفُ مِمَّا يَتَجَزَّأُ فَلَيْسَ فِيمَا يَأْتِي إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ اهـ.

وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ أَيْ وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ إذَا نَوَى لَمَّا وَجَدَ اللُّقَطَةَ أَخَذَهَا تَمَلُّكًا، وَهَذِهِ النِّيَّةُ قَبْلَ أَخْذِهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا صَارَ كَالْغَاصِبِ، فَإِنْ قُلْت حَمَلْت اللَّفْظَ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ، قُلْت بَلْ يَحْتَمِلُ، وَغَايَةُ مَا يُورَدُ أَنِّي غَيَّرْت الْأَخْذَ حَتَّى يَصِحَّ الْمَعْنَى الْمَنْصُوصُ، وَقَدَّرْت مُضَافًا مَحْفُوظًا بَعْدَ قَبْلُ، أَيْ قَبْلَ قَبْضِهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ أَوَّلًا لَا يَصِحُّ مَعْنًى وَلَا نَقْلًا. اهـ. فَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي قَوْلِهِ، وَظَاهِرُ إلَخْ وَاحْتِجَاجَهُ بِكَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اتِّفَاقًا فَيَبْقَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْبِسَاطِيُّ فَأَوَّلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لِيُوَافِقَ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الضَّمَانَ إذَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرَ كَالْمَغْصُوبِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ اللُّقَطَةَ بِيَدِ مُتَلَقِّطِهَا عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ بِمُقْتَضَى حُكْمِ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا مَا لَمْ يَنْوِ اغْتِيَالًا وَغَصْبًا، فَإِنْ نَوَاهُ ضَمِنَهَا

ص: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

كَالْغَاصِبِ، وَهَذَا بَيِّنٌ إذَا كَانَتْ هَذِهِ النِّيَّةُ حِينَ الْتَقَطَهَا، وَإِنْ حَدَثَتْ لَهُ هَذِهِ النِّيَّةُ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ جَرَى ذَلِكَ عَلَى تَبَدُّلِ النِّيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ يُرَدُّ بِأَنَّ الْقَوْلَ بَلَغُوا أَثَرَ النِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ كَمَا كَانَتْ لَا مَعَ تَغَيُّرِ بَقَائِهَا عَمَّا كَانَتْ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِتَأْثِيرِ النِّيَّةِ وَيَدُ الْمُلْتَقِطِ السَّابِقَةُ عَنْ نِيَّةِ الِاغْتِيَالِ كَانَتْ مَقْرُونَةً بِالتَّعْرِيفِ أَوْ الْعَزْمِ عَلَيْهِ، وَهِيَ بَعْدَهَا مَقْرُونَةٌ بِنَقِيضِ ذَلِكَ فَصَارَ ذَلِكَ كَالْفِعْلِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ اتِّفَاقًا وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَنْظُرَ لِحَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْغَصْبِ. اهـ. وَكَذَلِكَ هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةٍ لِلشَّامِلِ وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَيْضًا، فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَأْوِيلِ الْبِسَاطِيِّ. اهـ. كَلَامُ الْحَطّ.

طفي أَتَى أَبُو الْحَسَنِ بِمَا قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ فَصَحَّ اسْتِدْلَالُ الشَّارِحِ بِهِ هُنَا، وَسَقَطَ تَوَرُّكُ الْحَطّ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ تَحَامُلٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِنَقِيضِ مَا اخْتَارَهُ هُنَا فَقَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ تَمَلُّكِهَا أَوْ التَّصَدُّقِ بِهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ ذَلِكَ، قَبِلَهُ ابْنُ هَارُونَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَائِلًا هَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلِ بِتَأْثِيرِ النِّيَّةِ، وَلَمْ أَعْرِفُهُ نَصًّا، وَتَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِتَأْثِيرِ النِّيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي النِّيَّةِ الْمُسْتَنِدَةِ لِعَقْدٍ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِتَأْثِيرِهَا لَمْ أَعْرِفْهُ إلَّا لِابْنِ بَشِيرٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي تَخْرِيجِهِ جَوَازَ صَرْفِ الْوَدِيعَةِ وَمَنْعَهُ عَلَى تَأْثِيرِ النِّيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ فِي الْحُكْمِ وَلَغْوِهَا، وَالنِّيَّةُ فِي الْوَدِيعَةِ مُسْتَنِدَةٌ لِعَقْدٍ، وَلِذَا عَبَّرَ الْمَازِرِيُّ عَنْ إجْرَاءِ الْخِلَافِ فِي صَرْفِ الْوَدِيعَةِ بِقَوْلِهِ بِنَاءً عَلَى وَقْفِ انْتِقَالِ ضَمَانِهَا عَلَى قَبْضِهَا وَحُصُولِهِ بِالْعَقْدِ، فَلَمْ يُعَلِّلْ ضَمَانَهَا إلَّا بِالْعَقْدِ لَا بِالنِّيَّةِ، وَالْعَقْدُ أَقْوَى مِنْهَا اهـ.

ص: 237

وَرَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ، إلَّا بِقُرْبٍ: فَتَأْوِيلَانِ.

ــ

[منح الجليل]

وَالْمُرَادُ بِالْعَقْدِ عَقْدُ الصَّرْفِ فَظَهَرَ، أَنَّ الصَّوَابَ التَّقْرِيرُ الثَّانِي وَلِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ كَذَلِكَ مَفْرُوضَةٌ فَفِي الْجَوَاهِرِ هِيَ مَغْصُوبَةٌ فِي يَدِ مَنْ أَخَذَهَا بِقَصْدِ الِاخْتِزَالِ. الْبُنَانِيُّ بَلْ الظَّاهِرُ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ وَ " ح " لِأَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ هُنَا لَمْ تَتَجَرَّدْ، بَلْ قَارَنَهَا الْكَفُّ عَنْ التَّعْرِيفِ وَلَا حُجَّةَ لطفي فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ بَعْدُ لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ فِي نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا بَعْدَ السَّنَةِ وَالنِّيَّةُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ وَصْفِ الْيَدِ لِأَنَّهُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ سَقَطَ عَنْهُ التَّعْرِيفُ، فَتَمَسُّكُهُ بِهِ غَفْلَةٌ وَاضِحَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) كَ (رَدَّهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ لِمَوْضِعِهَا الَّذِي وُجِدَتْ بِهِ وَأَوْلَى لِغَيْرِهِ (بَعْدَ أَخْذِهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (لِلْحِفْظِ) وَالتَّعْرِيفِ وَطُولِ الزَّمَانِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ فَتَلِفَتْ فَيَضْمَنُهَا وَهَذَا فِي أَخْذِهَا الْمَكْرُوهِ لَا الْوَاجِبِ لِضَمَانِهَا بِمُجَرَّدِ تَرْكِهَا وَلَا الْحَرَامِ لِضَمَانِهَا بِأَخْذِهَا إنْ لَمْ يَرُدَّهَا لِمَكَانِهَا، فَإِنْ رَدَّهَا لَهُ فَلَا يَضْمَنُهَا لِوُجُوبِ رَدِّهَا حِينَئِذٍ (إلَّا) رَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ (بِقُرْبٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مِنْ وَقْتِ أَخْذِهَا (فَ) فِي ضَمَانِهَا إذَا تَلِفَتْ وَعَدَمِهِ (تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ، وَالثَّانِي لِلَّخْمِيِّ. فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَبَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا رَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ ضَمِنَهَا، وَأَمَّا إنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مَكَانَهُ مِنْ سَاعَتِهِ كَمَنْ مَرَّ فِي إثْرِ رَجُلٍ فَوَجَدَ شَيْئًا فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَك فَقَالَ لَا فَتَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي وَاجِدِ الْكِسَاءِ فِي إثْرِ رُفْقَةٍ فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَكُمْ فَقَالُوا لَا فَرَدَّهُ، قَالَ قَدْ أَحْسَنَ فِي رَدِّهِ فَلَا يَضْمَنُ.

أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ لِيُعَرِّفَهَا اُنْظُرْ هَلْ تَعْرِيفًا عَامًّا الَّذِي هُوَ السَّنَةُ، أَوْ تَعْرِيفًا خَاصًّا كَوَاجِدِ الْكِسَاءِ. عِيَاضٌ اخْتَلَفَ تَأْوِيلُ الشُّيُوخِ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقِيلَ إنَّ الثَّانِيَةَ بِخِلَافِ الْأُولَى، وَأَنَّهُ ضَمِنَهُ فِي الْأُولَى لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا، وَالثَّانِيَةُ لَمْ يَأْخُذْهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، وَحَكَى هَذَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَتَأَوَّلَ آخَرُونَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ، وَقَدْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ تَعْرِيفِهَا وَإِلَيْهِ نَحَا اللَّخْمِيُّ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ مَنْ أَخَذَ لُقَطَةً الْمَسْأَلَةَ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ، فَذَهَبَ

ص: 238

وَذُو الرِّقِّ كَذَلِكَ، وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ

ــ

[منح الجليل]

بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا ضَمِنَهُ فِي الْأُولَى إذَا لَمْ يَرُدَّهَا بِالْقُرْبِ لِقَوْلِهِ فَبَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا وَلَمْ يَضْمَنْهُ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ رَدَّهَا بِالْقُرْبِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ اللَّخْمِيِّ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا ضَمِنَهُ فِي الْأُولَى لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ تَعْرِيفِهَا فَلَزِمَهَا حِفْظُهَا فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَالثَّانِيَةُ لَمْ يَأْخُذْهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ الْعَامِّ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ رُشْدٍ.

الشَّيْخُ وَهَلْ تُوجِبُ النِّيَّةُ بِمُجَرَّدِهَا شَيْئًا أَمْ لَا؟ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» ، فَمَنْ نَوَى قُرْبَهُ فَلَا تَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَارِنَهَا قَوْلٌ كَالنَّذْرِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، ثُمَّ هَذَا الْعَمَلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَتَجَزَّأُ كَصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ فَهَذَا يَلْزَمُ إتْمَامُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَجَزَّأَ كَالْجِوَارِ وَقِرَاءَةِ أَحْزَابٍ، فَمَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَ، وَمَا لَمْ يَأْتِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ. وَالتَّعْرِيفُ مِمَّا يَتَجَزَّأُ فِيمَا يَأْتِي إلَّا مُجَرَّدَ النِّيَّةِ فَانْظُرْهُ. اهـ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ إمَّا أَنْ يَأْخُذَهَا بِنِيَّةِ تَعْرِيفِهَا، وَإِمَّا بِنِيَّةِ اغْتِيَالِهَا، وَإِمَّا بِنِيَّةِ سُؤَالٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ يَرُدَّهَا، فَفِي الثَّالِثِ يُفَرَّقُ بَيْنَ رَدِّهَا بِبُعْدٍ فَيَضْمَنُ وَبِقُرْبٍ فَلَا يَضْمَنُ، وَفِي الثَّانِي رَدُّهَا وَاجِبٌ فَلَا ضَمَانَ بِهِ مُطْلَقًا، وَفِي الْأَوَّلِ يَضْمَنُ إنْ رَدَّهَا بِبُعْدٍ، وَفِي الْقُرْبِ تَأْوِيلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَذُو) أَيْ صَاحِبُ (الرِّقِّ) أَيْ الشَّخْصِ الْمُتَّصِفِ بِالرِّقِّيَّةِ قِنًّا كَانَ أَوْ ذَا شَائِبَةٍ حُكْمُهُ فِي الْتِقَاطِ اللُّقَطَةِ وَتَعْرِيفِهَا سَنَةً وَفِعْلِهِ بِهَا مَا يَشَاءُ بَعْدَهَا (كَذَلِكَ) أَيْ الْحُرِّ (وَ) إنْ تَمَلَّكَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا (قَبْلَ) تَمَامِ (السَّنَةِ فَ) هِيَ (فِي رَقَبَتِهِ) فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ إسْقَاطُهَا عَنْهُ لِأَنَّ رَبَّهَا لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَيْهَا، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِدَائِهِ بِعِوَضِهَا وَإِسْلَامِهِ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ تَعْرِيفِهَا لِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ خِدْمَتِهِ.

وَمَفْهُومُ قَبْلَ السَّنَةِ أَنَّهَا بَعْدَهَا فِي ذِمَّتِهِ كَالْحُرِّ وَهُوَ كَذَالِك. اللَّخْمِيُّ إذَا الْتَقَطَ الرَّقِيقُ لُقَطَةً عَرَّفَهَا وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ فِيهَا، فَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ كَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَهَا فَلَا تَكُونُ إلَّا فِي ذِمَّتِهِ ابْنُ يُونُسَ وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ إسْقَاطُهَا عَنْهُ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَيْهَا وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ جَعَلَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فِي ذِمَّتِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» .

ص: 239

وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ وَلَوْ بِقَرْيَةٍ، وَشَاةٍ: بِفَيْفَاءَ: كَبَقَرٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ، وَإِلَّا تُرِكَتْ كَإِبِلٍ، وَإِنْ أَخَذَتْ: عُرِّفَتْ،

ــ

[منح الجليل]

وَلَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ (أَكْلُ مَا يَفْسُدُ) بِالتَّأْخِيرِ كَطَرِيِّ لَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ إنْ وُجِدَ بِغَيْرٍ قُرْبِهِ، بَلْ (وَإِنْ) وَجَدَهُ (بِقُرْبِهِ) وَلَا يَضْمَنُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ أَوْلَى وَأَكْلُهُ أَوْلَى مِنْ طَرْحِهِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " مَنْ الْتَقَطَ مَا لَا يَبْقَى مِنْ الطَّعَامِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كَثُرَ أَوْ قَلَّ. ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ أَكَلَهُ فَلَا يَضْمَنُهُ (وَ) لَهُ أَكْلُ (شَاةٍ) وَجَدَهَا (بِفَيْفَاءَ) بِفَتْحِ الْفَاءَيْنِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ مَمْدُودًا، أَيْ صَحْرَاءُ لَا عِمَارَةَ بِهَا وَلَا مَاءَ وَلَا عُشْبَ. ابْنُ رُشْدٍ مَا لَا يَبْقَى بِيَدِ مُلْتَقِطِهِ وَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ إنْ تَرَكَهُ كَالشَّاةِ فِي الْفَيْفَاءِ وَالطَّعَامِ الَّذِي لَا يَبْقَى فَإِنَّ هَذَا يَأْكُلُهُ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشَّاةِ «هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ» فَأَوْجَبَهَا لَهُ مِلْكًا.

وَاخْتُلِفَ إنْ وُجِدَ هَذَا الطَّعَامُ الَّذِي يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَلَا يَبْقَى فِي الْحَاضِرَةِ وَحَيْثُ النَّاسُ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ أَكْلَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ. وَفِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " مَنْ وَجَدَ ضَالَّةَ الْغَنَمِ بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ عَرَّفَ بِهَا فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إلَيْهِ، وَلَا يَأْكُلُهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْمَهَامِهِ أَكَلَهَا وَلَا يُعَرِّفُ بِهَا، وَلَا يَضْمَنُ لِرَبِّهَا شَيْئًا. الْحَطّ تَرَكَ الْمُصَنِّفُ شَرْطًا آخَرَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ كَوْنُهَا بِعُسْرِ حَمْلِهَا، وَأَقَرَّهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، الثَّانِي لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْسُرْ حَمْلُهَا لَلَزِمَهُ حَمْلُهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا.

وَشَبَّهَ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ فَقَالَ (كَبَقَرٍ) وُجِدَتْ (بِمَحَلِّ خَوْفٍ) عَلَيْهَا مِنْ سِبَاعٍ وَنَحْوَهَا وَجُوعٍ وَعَطَشٍ وَعُسْرِ سَوْقِهَا لَلْعُمْرَانِ فَيَجُوزُ لِوَاجِدِهَا أَكْلُهَا وَلَا يَضْمَنُهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْبَقَرُ بِمَحَلِّ خَوْفٍ (تُرِكَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مِنْ الْمُخْتَلِطَةِ. ابْنُ الْقَاسِمِ ضَالَّةُ الْبَقَرِ إنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا فِيهِ مِنْ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ فَهِيَ كَالْغَنَمِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ فَهِيَ كَالْإِبِلِ. وَشَبَّهَ فِي التَّرْكِ فَقَالَ (كَ) ضَالَّةِ (إبِلٍ) فَيَجِبُ تَرْكُهَا بِمَحَلِّ وُجُودِهَا وَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهَا (فَإِنْ أُخِذَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ اُلْتُقِطَتْ ضَالَّةُ الْإِبِلِ (عُرِّفَتْ)

ص: 240

ثُمَّ تُرِكَتْ بِمَحَلِّهَا.

وَكِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوَهَا فِي عَلَفِهَا: كِرَاءً مَضْمُونًا

ــ

[منح الجليل]

بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا ضَالَّةُ الْإِبِلِ سَنَةً (ثُمَّ) إنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحِقُّهَا (تُرِكَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ ضَالَّةُ الْإِبِلِ (بِمَحَلِّهَا) الَّذِي وُجِدَتْ بِهِ.

ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَجَدَ ضَالَّةَ الْإِبِلِ بِفَلَاةٍ تَرَكَهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً وَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا وَلَا بَيْعُهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَبَّهَا فَلْيُخَلِّهَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ الْحَطّ ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَسَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ، وَقِيلَ هُوَ خَاصٌّ بِزَمَانِ الْعَدْلِ وَصَلَاحِ النَّاسِ. وَأَمَّا فِي الزَّمَنِ الَّذِي فَسَدَ فِيهِ النَّاسُ فَالْحُكْمُ أَخْذُهَا وَتَعْرِيفُهَا فَإِنْ لَمْ تُعَرَّفْ بِيعَتْ وَوَقَفَ ثَمَنُهَا لِصَاحِبِهَا، فَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهِ كَمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا دَخَلَ النَّاسَ فِي زَمَنِهِ الْفَسَادُ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ صَمِيمُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَدَمُ الْتِقَاطِهَا مُطْلَقًا، وَأَقَرَّهُ الْمُوَضِّحُ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا فِيهِ مِنْ السِّبَاعِ أَمْ لَا.

وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ اُخْتُلِفَ إنْ كَانَتْ الْإِبِلُ بَعِيدَةً مِنْ الْعُمْرَانِ حَيْثُ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ فَقِيلَ إنَّهَا كَالْغَنَمِ لِوَاجِدِهَا أَكْلُهَا. وَقِيلَ تُؤْخَذُ فَتُعَرَّفُ. إذْ لَا مَشَقَّةَ فِي جَلْبِهَا اهـ. وَنَقَلَ الْخِلَافَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُوَضِّحُ أَيْضًا عَنْ غَيْرِ الْمُقَدِّمَاتِ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْعُمْرَانِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا تُلْتَقَطُ الْإِبِلُ فِي الصَّحْرَاءِ. الْمُوَضِّحُ نَحْوَهُ. فِي الْمُدَوَّنَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ لِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْغَالِبِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ مَفْهُومًا ثُمَّ هُوَ يَحْتَمِلُ الْمُوَافَقَةَ لِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الْتِقَاطُهَا حَيْثُ يُتَوَهَّمُ ضَيَاعُهَا فَامْتِنَاعُهُ حَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ أَوْلَى، وَالْمُخَالَفَةُ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تُلْتَقَطُ فِي الْعُمْرَانِ لِسُهُولَةِ وِجْدَانِ رَبِّهَا وَلِأَنَّهَا فِي الْعُمْرَانِ لَا تَجِدُ مَا تَأْكُلُ فَتَهْلِكُ جُوعًا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَوَّلُ أَسْعَدُ بِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِي أَقْرَبُ إلَى لَفْظِهِ.

(وَ) لَهُ (كِرَاءُ بَقَرٍ) مُلْتَقَطَةٍ (وَنَحْوَهَا) كَخَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ وَيُصْرَفُ كِرَاؤُهَا (فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَضْمُونًا) أَيْ مَأْمُونًا وَعَاقِبَتُهُ لَا يُخْشَى عَلَيْهَا الْهَلَاكُ مِنْهُ. وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي عَلَفِهَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ كِرَاؤُهَا لِغَيْرِهِ. اللَّخْمِيُّ ضَالَّةُ الْبَقَرِ وَالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الدَّوَابِّ يُمْنَعُ

ص: 241

رُكُوب دَابَّةٍ مُلْتَقَطَة مِنْ مَوْضِع الْتِقَاطهَا لِمَوْضِعِهِ أَيْ الْمُلْتَقَط وَرُكُوبُ دَابَّةٍ لِمَوْضِعِهِ وَإِلَّا ضَمِنَ، وَغَلَّاتُهَا دُونَ نَسْلِهَا

وَخُيِّرَ رَبُّهَا بَيْنَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ أَوْ إسْلَامِهَا

ــ

[منح الجليل]

أَخْذُهَا إذَا كَانَتْ بِمَوْضِعِ رَيٍّ وَمَاءٍ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا السِّبَاعُ وَلَا بَأْسٌ، فَإِنْ انْخَرَمَ أَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ أُخِذَتْ وَلَيْسَ لِهَذِهِ صَبْرٌ عَنْ الْمَاءِ كَالْإِبِلِ، فَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ حَوْلًا إذَا تَكَلَّفَ ذَلِكَ وَاجِدُهَا وَلَمْ يَلْحَقْ صَاحِبَهَا فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ مَضَرَّةٌ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَى بَيْعِهَا فِي أَمْنٍ وَحِفْظٍ أَوْ تُؤَاجَرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُ مِنْ النَّفَقَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ خِيفَ خُرُوجُهَا إلَى الرَّعْيِ اُسْتُؤْجِرَتْ فِي مَأْمُونٍ مِنْ الْأَعْمَالِ بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُهُ مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِنْ لَمْ تُوفِ الْإِجَارَةُ بِعَلَفِهَا أَوْ قَالَ وَاجِدُهَا لَا أَتَكَلَّفُ الصَّبْرَ عَلَيْهَا بِيعَتْ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَهَا.

(وَ) لَهُ (رُكُوبُ دَابَّةٍ) مُلْتَقَطَةٍ مِنْ مَوْضِعِ الْتِقَاطِهَا (لِمَوْضِعِهِ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْهَا لِمَوْضِعِهِ بِأَنْ رَكِبَهَا لِغَيْرِهِ (ضَمِنَ) قِيمَتَهَا إنْ هَلَكَتْ بِسَبَبِ رُكُوبِهَا وَأُجْرَتِهَا إنْ سَلِمَتْ. مُطَرِّفٌ لِوَاجِدِ ضَالَّةِ الدَّوَابِّ رُكُوبُهَا إلَى مَوْضِعِهِ لَا فِي حَوَائِجِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا (وَ) لَهُ (غَلَّاتُهَا) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ اللَّامِ. " غ " الْمُرَادُ بِالْغَلَّةِ هُنَا لَبَنُهَا وَزُبْدُهَا وَسَمْنُهَا دُونَ صُوفِهَا وَدُونَ كِرَائِهَا، بِدَلِيلِ تَقْدِيمِ الْكِرَاءِ، وَالصُّوفُ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّسْلِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي خِيَارِ النَّقِيصَةِ، بِخِلَافِ وَلَدٍ وَثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ وَصُوفٍ تَمَّ أَوْ لَا (دُونَ نَسْلِهَا) سَمِعَ الْقَرِينَانِ نِتَاجُ الضَّالَّةِ مِثْلُهَا وَلَبَنُهَا. عِيسَى لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ.

ابْنُ رُشْدٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ نِتَاجِهَا وَخَفَّفَ أَكْلَ لَبَنِهَا يُرِيدُ بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ كَالْوَصِيِّ فِي مَالِ يَتِيمَتِهِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا لَهُ قَدْرٌ يَشِحُّ بِهِ رَبُّهُ كَلُقَطَةٍ وَمَا لَا يَشِحُّ بِهِ لَهُ أَكْلُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ نَسْلُ الضَّالَّةِ الْمُعَرَّفَةِ وَصُوفُهَا مِثْلُهَا فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ. وَأَمَّا مَنَافِعُ اللُّقَطَةِ وَغَلَّاتُهَا وَلَبَنُهَا فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " لِلْمُلْتَقِطِ وَلَا يُتْبَعُ بِذَلِكَ، وَيُتْبَعُ بِهَا وَبِنَسْلِهَا خَاصَّةً. وَقِيلَ يُتْبَعُ بِالْجَمِيعِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ الْبَقَرَ وَغَيْرَهُ فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَأْمُونًا، وَلَهُ الرُّكُوبُ، وَلَهُ بَيْعُ مَا يُخَافُ ضَيَاعُهُ وَتَلَفُهُ

. (وَ) إنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى اللُّقَطَةِ نَفَقَةً (خُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً (رَبُّهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (بَيْنَ فَكِّهَا بِ) دَفْعِ عِوَضِ (النَّفَقَةِ) لِلْمُلْتَقِطِ (وَإِسْلَامِهَا)

ص: 242

وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ

بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكَيْنِ؛ أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ:

ــ

[منح الجليل]

لِمُلْتَقِطِهَا فِي النَّفَقَةِ الَّتِي أَنْفَقَهَا عَلَيْهَا. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَا أُنْفِقَ عَلَى الدَّوَابِّ أَوْ مَا اُلْتُقِطَ مِنْ رَقِيقٍ أَوْ إبِلٍ، كَأَنْ أَسْلَمَهَا رَبُّهَا أَوْ غَنَمٍ أَوْ مَتَاعٍ أُكْرِيَ عَلَى حَمْلِهِ مِنْ مَوْضِعٍ لِآخَرَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ أَوْ دُونَهُ فَلَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ حَتَّى يَدْفَعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ رَبُّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي رُهُونِهَا الْمُنْفِقُ عَلَى الضَّالَّةِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ نَفَقَتَهُ. الشَّيْخُ فِي كُتُبِ أَشْهَبَ وَغَيْرِهَا لِرَبِّ الدَّوَابِّ وَالْمَاشِيَةِ أَخْذُهَا وَإِسْلَامُهَا، فَإِنْ أَسْلَمَهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَخْذُهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَا فِي الْآبِقِ إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ بَاعَهَا) أَيْ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ (بَعْدَهَا) أَيْ السَّنَةِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا (فَمَا) أَيْ لَيْسَ (لِرَبِّهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (إلَّا الثَّمَنُ) الَّذِي بِيعَتْ بِهِ، سَوَاءٌ بِيعَتْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ بَيْعِهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا إنْ بِيعَتْ اللُّقَطَةُ بَعْدَ السَّنَةِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ، وَإِنْ بِيعَتْ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُ ثَمَنِهَا مِمَّنْ قَبَضَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الدَّوَابِّ إذَا بِيعَتْ. ابْنُ يُونُسَ جَعَلَ أَشْهَبُ بَيْعَ الثِّيَابِ بَعْدَ السَّنَةِ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ تَعَدِّيًا، وَجَعَلَهُ يَنْقُضُ الْبَيْعَ فِي الدَّوَابِّ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «فَشَأْنَكَ بِهَا» فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِهَذَا أَبْيَنُ.

(بِخِلَافِ) مَا (لَوْ وَجَدَهَا) أَيْ الْمُسْتَحِقِّ اللُّقَطَةَ (بِيَدِ الْمِسْكَيْنِ) الَّذِي تَصَدَّقَ الْمُلْتَقِطُ بِهَا عَلَيْهِ (أَوْ) وَجَدَهَا بِيَدِ شَخْصٍ (مُبْتَاعٍ) أَيْ مُشْتَرٍ (مِنْهُ) أَيْ الْمِسْكَيْنِ فَلَهُ أَخْذُهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. فِيهَا إذَا تَصَدَّقَ بِاللُّقَطَةِ بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِيَدِ الْمَسَاكِينِ فَلَهُ أَخْذُهَا وَإِنْ أَكَلُوهَا فَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُمْ لِأَنَّهُ قِيلَ فِي اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ شَأْنُهُ بِهَا بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ لَهُ يَأْكُلُ الْهِبَةَ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ هَذَا لِرَبِّهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ. ابْنُ يُونُسَ إنْ تَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ الْتِزَامِ قِيمَتِهَا لِرَبِّهَا فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا الْتَزَمَ أَوْ يَأْخُذَهَا مِنْ يَدِ الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا تَعَدِّيًا أَوْ عَنْ رَبِّهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا أَخْذُهَا، وَإِنْ فَاتَتْ فِي الْوَجْهَيْنِ لَزِمَ مُلْتَقِطَهَا قِيمَتُهَا.

ص: 243

فَلَهُ أَخْذُهَا؛ وَلِلْمُلْتَقِطِ: الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا، إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ،

وَإِنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا، فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتِهَا.

ــ

[منح الجليل]

ابْنُ الْقَاسِمِ وُجِدَتْ بِيَدِ مَنْ ابْتَاعَهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ فِيهِ أَخْذُهَا ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ. ابْنُ يُونُسَ جَعَلَ ابْنَ الْقَاسِمِ لِرَبِّهَا نَقْضُ بَيْعِ الْمَسَاكِينِ لَهَا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ نَقْضَ بَيْعِهَا الْمُلْتَقَطَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ بَاعَهَا خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِهَا وَأَوْقَفَ لَهُ ثَمَنَهَا فَلَمْ يُنْقَضْ بَيْعُهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فَشَأْنَك بِهَا» وَالْمَسَاكِينُ إنَّمَا بَاعُوهَا عَلَى أَنَّهَا مِلْكُهُمْ فَلِمُسْتَحِقِّهَا نَقْضُ بَيْعِهِمْ كَنَقْضِهِ بَيْعَ الْمُشْتَرِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ. ابْنُ يُونُسَ وَإِذَا أَخَذَهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ رَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمَسَاكِينِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِأَيْدِيهِمْ كَمَا كَانَ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكَلُوهَا فَالْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ الَّذِي سَلَّطَهُمْ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ أَكَلُوهَا.

(وَلِل) شَخْصِ الـ (مُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمِسْكِينِ بِاللُّقَطَةِ إنْ وَجَدَهَا عِنْدَهُ وَبِثَمَنِهَا إنْ وَجَدَهُ عِنْدَهُ إنْ أَخَذَ صَاحِبُهَا (مِنْهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ (قِيمَتُهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ) الْمُلْتَقِطُ (بِهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمِسْكَيْنِ بِشَيْءٍ. ابْنُ الْحَاجِبِ وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي عَيْنِهَا إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ إنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ، وَأَخَذَ قِيمَتَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِشَيْءٍ.

(وَإِنْ نَقَصَتْ) لُقَطَةٌ عِنْدَ مُلْتَقِطِهَا (بَعْدَ نِيَّةِ) مُلْتَقِطِهَا لِ (تَمَلُّكِهَا) بَعْدَ السَّنَةِ (فَلِرَبِّهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (أَخْذُهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ مِنْ مُلْتَقِطِهَا نَاقِصَةً بِلَا أَرْشٍ لِنَقْصِهَا (أَوْ) أَخَذَ (قِيمَتَهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ يَوْمَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا وَتَرَكَهَا لِمُلْتَقِطِهَا، وَمَفْهُومُ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا أَنَّهَا إنْ نَقَصَتْ بِسَمَاوِيٍّ قَبْلَهَا أَوْ فِي السَّنَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخَذُهَا نَاقِصَةً. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ نَقَصَتْ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِاسْتِعْمَالِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ إذَا وَجَدَهَا رَبُّهَا بِيَدِ مُلْتَقِطِهَا وَقَدْ نَقَصَهَا بِاسْتِعْمَالِهِ فَلَهُ أَخْذُهَا وَمَا نَقَصَهَا، وَإِنْ أَنْهَكَهَا فَفِي تَخْيِيرِهِ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا أَوْ أَخَذَهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي نَقْصِهَا أَوْ مَعَ قِيمَةِ نَقْصِهَا. ثَالِثُهَا لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا نَقَصَهَا. طفي وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كَمَا تَرَى لَيْسَتْ

ص: 244

وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً

ــ

[منح الجليل]

فِي فَرْضِ الْمُصَنِّفِ مِنْ نَقْصِهَا بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا بَعْدَ السَّنَةِ، بَلْ فِي نَقْصِهَا عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِهِ لَا بِقَيْدِ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا بَعْدَ السَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَوَجَبَ لَقْطُ) بِسُكُونِ الْقَافِ وَإِهْمَالِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ (طِفْلٍ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ صَبِيٍّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (نُبِذَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِعْجَامِ الذَّالِ، أَيْ طُرِحَ لِوُجُوبِ حِفْظِ النَّفْسِ وُجُوبًا (كِفَايَةً) مِمَّنْ قَامَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ لِحُصُولِ الْحِفْظِ بِهِ فَلَا يُلْقَطُ بَالِغٌ وَلَا طِفْلٌ غَيْرُ مَنْبُوذٍ، وَيُعْلَمُ كَوْنُهُ مَنْبُوذًا بِقَرِينَةِ الْحَالِ. ابْنُ شَاسٍ كُلُّ صَبِيٍّ ضَائِعٍ لَا كَافِلَ لَهُ فَالْتِقَاطُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. (تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: ابْنُ عَرَفَةَ اللَّقِيطُ صَغِيرٌ آدَمِيٌّ لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ وَلَا رِقُّهُ فَخَرَجَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ الْمَعْلُومَةِ وَمَنْ عُلِمَ رِقُّهُ لُقَطَةً الْمِسْنَاوِيُّ وَفِيهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ الرَّقِيقَ مِنْ حَدِّ اللُّقَطَةِ أَيْضًا، قَوْلُهُ إنَّهُ آبِقٌ لَا لُقَطَةٌ وَلَا لَقِيطٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ أَيْضًا لِأَنَّ الْآبِقَ عُرْفًا هُوَ الْفَارُّ مِنْ سَيِّدِهِ.

الثَّانِي: ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ تَابِعًا لِلْغَزَالِيِّ هُوَ طِفْلٌ ضَائِعٌ لَا كَافِلَ لَهُ قَبْلَهُ. ابْنُ هَارُونَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِطِفْلٍ كَذَلِكَ مَعْلُومٍ أَبَوَاهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَقِيطٍ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ وَهُوَ كَوْنُ إرْثِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي وَلَائِهَا. اللَّقِيطُ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ لِمَنْ الْتَقَطَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ يَشَاءُ وَالْمُسْلِمُونَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ مَا جَنَى وَيَرِثُونَهُ.

الثَّالِثُ: ابْنُ عَرَفَةَ أَطْلَقَ ابْنُ شَعْبَانَ عَلَيْهِ لَفْظَ مَنْبُوذٍ وَتَرْجَمَ عَلَى أَحْكَامِهِ فِي الْمُوَطَّإِ بِالْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ. وَفِي صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ الْمَنْبُوذُ اللَّقِيطُ. اللَّخْمِيُّ الْمَنْبُوذُ كَاللَّقِيطِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالدَّيْنِ، وَاخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَنْبُوذُ لِزَنْيَةٍ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ، وَيُحَدُّ قَاذِفُ اللَّقِيطِ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ، وَقِيلَ الْمَنْبُوذُ مَنْ نُبِذَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَشَأْنُ ذَلِكَ فِيمَا وَلَدُ لِزِنًا وَاللَّقِيطُ مَنْ طُرِحَ فِي الشِّدَّةِ وَالْجَدْبِ وَلِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِثْلُهُ قَالَ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا مَنْبُوذُ قَالَ مَا يُعْلَمُ مَنْبُوذٌ إلَّا وَلَدَ الزِّنَا وَعَلَى قَائِلِهِ الْحَدُّ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ اسْتَلْحَقَ لَقِيطًا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَيَسْمَعُ قَوْلَ النَّاسِ إنْ طُرِحَ عَاشَ، وَهَذَا إنَّمَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ.

ص: 245

وَحَضَانَتُهُ وَنَفَقَتُهُ إنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ الْفَيْءِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَ كَهِبَةٍ أَوْ يُوجَدَ مَعَهُ أَوْ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ، إنْ كَانَ مَعَهُ رُقْعَةٌ

ــ

[منح الجليل]

الرَّابِعُ: ابْنُ عَرَفَةَ عَبَّرَ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ حُكْمِ الْتِقَاطِهِ بِقَوْلِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ الْمَنْبُوذُ وَلَا يُتْرَكَ. وَفِي الْمَعُونَةِ مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَوْ تَرَكَهُ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَلْزَمُ الْكَافَّةَ إعَانَتُهُ. وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ تَابِعًا الْغَزَالِيَّ إلَى الْتِقَاطِهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَمْ أَعْرِفْهَا. وَالظَّاهِرُ إنْ كَانَ بَيْتُ مَالٍ تَعَيَّنَ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ حِفْظُهُ وَعَلَى مَنْ أَبْصَرَهُ رَفْعُ عِلْمِهِ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ الْغَالِبُ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَى الْقَادِرِينَ عَلَى حِفْظِهِ وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ إنْ خَافَ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ إنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ أَخْذُهُ هُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَمَاتَ تَخَرَّجَ عَلَى قَوْلِهَا أَوَّلُ حَرِيمِ الْبِئْرِ إنْ لَمْ يَقْوَ الْمُسَافِرُونَ عَلَى دَفْعِهِمْ حَتَّى مَاتُوا عَطَشًا فَدِيَتُهُمْ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا.

(وَ) وَجَبَتْ (حَضَانَتُهُ) أَيْ تَرْبِيَةُ اللَّقِيطِ وَحِفْظُهُ عَلَى مُلْتَقِطِهِ لِالْتِزَامِهِ ذَلِكَ بِأَخْذِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ حَضَانَةُ اللَّقِيطِ عَلَى مُلْتَقِطِهِ اتِّفَاقًا (وَ) وَجَبَتْ (نَفَقَتُهُ) أَيْ اللَّقِيطِ عَلَى مُلْتَقِطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الذَّكَرُ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ وَيَدْخُلَ بِالْأُنْثَى زَوْجُهَا (إنْ لَمْ يُعْطَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ اللَّقِيطُ (مِنْ الْفَيْءِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَهَمْزٌ، أَيْ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَكْفِيهِ (إلَّا أَنْ يَمْلِكَ) اللَّقِيطُ (كَهِبَةٍ) وَصَدَقَةٍ وَغَلَّةٍ حُبِسَ (أَوْ) إلَّا أَنْ (يُوجَدَ مَعَهُ) أَيْ اللَّقِيطِ (مَالٌ) مَرْبُوطٌ فِي لِفَافَتِهِ (أَوْ) يُوجَدَ شَيْءٌ (مَدْفُونٌ) تَحْتَهُ (إنْ كَانَتْ مَعَهُ) أَيْ اللَّقِيطِ (رُقْعَةٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مِنْ وَرَقٍ أَوْ جِلْدٍ مَكْتُوبٍ فِيهَا إنَّ الْمَدْفُونَ تَحْتَ اللَّقِيطِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ رُقْعَةٌ كَذَلِكَ فَلَيْسَ الْمَدْفُونُ لَهُ، بَلْ هُوَ رِكَازٌ إنْ كَانَ دَفْنَ جَاهِلِيٍّ وَإِلَّا فَهِيَ لُقَطَةٌ.

ابْنُ شَاسٍ نَفَقَةُ اللَّقِيطِ فِي مَالِهِ وَهُوَ مَا وُقِفَ عَلَى اللَّقِيطِ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ أَوْ مَا وُجِدَ تَحْتَ يَدِ اللَّقِيطِ عِنْدَ الْتِقَاطِهِ لِكَوْنِهِ مَلْفُوفًا عَلَيْهِ. وَفِي الزَّاهِيِّ إنْ وُجِدَ عَلَى فِرَاشٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَعَهُ مَالٌ مَشْدُودٌ فَهُوَ لَهُ. ابْنُ شَاسٍ وَأَمَّا الْمَالُ الْمَدْفُونُ فِي الْأَرْضِ تَحْتَهُ فَلَيْسَ هُوَ لَهُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ مَعَهُ رُقْعَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِأَنَّهُ لَهُ فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ. ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنْ

ص: 246

وَرُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ إنْ طَرَحَهُ عَمْدًا، وَالْقَوْلُ لَهُ إنْ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً

ــ

[منح الجليل]

لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَالَ الْبَاجِيَّ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَلَى مُلْتَقِطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغْنِيَ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَأْذَنَ الْإِمَامَ وَفِي عِتْقِهَا الثَّانِي اللَّقِيطُ حُرٌّ وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَفِي كِتَابِ الْجُعْلِ أَجْرُ رَضَاعِ اللَّقِيطِ. وَمَنْ لَا مَالَ لَهُ مِنْ الْيَتَامَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.

(وَ) وَجَبَ لِلْمُلْتَقِطِ (رُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ) أَيْ اللَّقِيطِ بِعِوَضِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ (إنْ طَرَحَهُ) أَيْ الْأَبُ اللَّقِيطَ (عَمْدًا) ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَأَتَى رَجُلٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ فَلْيَتْبَعْهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فِي حِينِ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ هَذَا إنْ تَعَمَّدَ الْأَبُ طَرْحَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ طَرَحَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ بِحَالٍ لِأَنَّ الْمُنْفِقَ مُحْتَسَبٌ. اللَّخْمِيُّ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَبْيَنُ لِأَنَّ الْمُنْفِقَ يَقُولُ لَوْ عَلِمْت أَنَّ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَمْ أُنْفِقْ عَلَيْهِ. وَفِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " فِي صَغِيرٍ ضَلَّ مِنْ وَالِدِهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَلَا يَتْبَعُ أَبَاهُ بِشَيْءٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ اللَّقِيطُ الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ الْأَبُ طَرْحَهُ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ (وَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ بِيَمِينِهِ (أَنَّهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ (لَمْ يُنْفِقْ) الْمُلْتَقِطُ عَلَيْهِ (حِسْبَةً) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ تَبَرُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى إذَا ادَّعَى الْأَبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ حِسْبَةً، وَهَذَا إذَا أُشْكِلَ الْأَمْرُ وَلَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.

ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ ثَبَتَ لَهُ أَبٌ بِبَيِّنَةٍ وَطَرَحَهُ عَمْدًا لَزِمَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ حِسْبَةً فَلَا رُجُوعَ لَهُ، فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْفِقِ. ابْنُ عَرَفَةَ فَهِمَ ابْنَ الْحَاجِبِ وَشَارِحَاهُ الْمَذْهَبَ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ حِسْبَةً فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ مَعَ تَعَمُّدِهِ. طَرْحَهُ، وَمُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ، وَأَنَّ لِمَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ احْتِسَابًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ لَهُ أَبًا مُوسِرًا تَعَمَّدَ طَرْحَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ وَتَقَدَّمَ نَصُّهَا وَيُرَشِّحُهُ اللَّخْمِيُّ بِقَوْلِهِ إنَّهُ يَقُولُ لَوْ عَلِمْت لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مَا أَنْفَقْت عَلَيْهِ،

ص: 247

وَهُوَ حُرٌّ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي قُرَى الْمُسْلِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتَانِ، إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ، وَإِنْ فِي قُرَى الشِّرْكِ فَمُشْرِكٌ

وَلَمْ يَلْحَقْ بِمُلْتَقِطِهِ وَلَا غَيْرِهِ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِوَجْهٍ

ــ

[منح الجليل]

وَهُوَ) أَيْ اللَّقِيطُ (حُرٌّ) لَا رِقَّ لِمُلْتَقِطِهِ (وَوَلَاؤُهُ) أَيْ مِيرَاثُ اللَّقِيطِ إذَا مَاتَ بِلَا وَارِثٍ (لِ) بَيْتِ مَالِ (الْمُسْلِمِينَ) لَا لِمُلْتَقِطِهِ. فِيهَا اللَّقِيطُ حُرٌّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " رضي الله عنه " وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَقْلُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ (وَحُكِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِإِسْلَامِهِ) أَيْ اللَّقِيطِ إنْ وُجِدَ (فِي قُرَى) بِضَمِّ الْقَافِ جَمْعُ قَرْيَةٍ (الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ، وَشَبَّهَ فِي الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ، حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (لَمْ يَكُنْ) يُوجَدُ (فِيهَا) أَيْ الْقَرْيَةِ الَّتِي وُجِدَ اللَّقِيطُ فِيهَا (إلَّا بَيْتَانِ) لِلْمُسْلِمِينَ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ و) إنْ وُجِدَ (فِي قُرَى الشِّرْكِ) أَيْ الْكُفْرِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بَيْتَانِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ (مُشْرِكٌ) أَيْ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ وَلَوْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.

وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِيهَا، قُلْت مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فِي مَدِينَةٍ إسْلَامٍ أَوْ فِي قَرْيَةٍ لِلشِّرْكِ فِي أَرْضِهِ أَوْ كَنِيسَةٍ أَوْ بِيعَةٍ وَعَلَيْهِ زِيُّ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ الْمُسْلِمِينَ وَكَيْفَ إنْ كَانَ الَّذِي الْتَقَطَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مَا حَالُهُ، فَقَالَ إنْ الْتَقَطَهُ نَصْرَانِيٌّ فِي قُرَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَ فِي قُرَى أَهْلِ الشِّرْكِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لِلنَّصَارَى وَلَا يُعْرَضُ لَهُ إلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ هُنَاكَ مُسْلِمٌ فَيَحْمِلَهُ عَلَى دِينِهِ.

(وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يَلْحَقْ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ نَسَبُ اللَّقِيطِ (بِمُلْتَقِطِهِ وَلَا) بِ (غَيْرِهِ إلَّا بِبَيِّنَةِ) شَاهِدَةٍ بِثُبُوتِ نَسَبِهِ بِمُلْتَقِطِهِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ بِوَجْهٍ) أَيْ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِ مُدَّعِيهِ كَشُهْرَتِهِ بِمَوْتِ أَوْلَادِهِ وَسَمَاعِهِ قَوْلَ بَعْضِ الْعَوَامّ إنْ طُرِحَ الْوَلَدُ يَوْمَ وِلَادَتِهِ عَاشَ، فَزَعَمَ أَنَّهُ طَرَحَهُ لِذَلِكَ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ

ص: 248

وَلَا يَرُدُّهُ بَعْدَ أَخْذِهِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ لِيَرْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ

وَقُدِّمَ الْأَسْبَقُ ثُمَّ الْأَوْلَى، وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ،

ــ

[منح الجليل]

فَلَا يُصَدَّقُ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِدَعْوَاهُ وَجْهٌ كَرَجُلٍ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ رَمَاهُ لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْلَ النَّاسِ إذَا طُرِحَ عَاشَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُلْتَقِطُ قَالَ أَرَاهُ شَاهِدًا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مَعَ الْيَمِينِ فِي النَّسَبِ.

(وَلَا يَرُدُّهُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ، أَيْ الْمُلْتَقِطُ اللَّقِيطَ (بَعْدَ أَخْذِهِ) لِتَعَيُّنِ حَضَانَتِهِ عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ اللَّقِيطَ (لِيَدْفَعَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ اللَّقِيطَ (لِلْحَاكِمِ) لَا لِقَصْدِ تَرْبِيَتِهِ (فَلَمْ يَقْبَلْهُ) أَيْ الْحَاكِمُ اللَّقِيطَ فَلِلْمُلْتَقِطِ رَدُّهُ لِمَوْضِعِ الْتِقَاطِهِ (وَ) الْحَالُ (الْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ) لِلنَّاسِ كَثِيرًا. الْبَاجِيَّ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مَطْرُوقًا وَأَيْقَنَ أَنَّ غَيْرَهُ يَأْخُذُهُ وَإِلَّا فَلَا يَرُدُّهُ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُهُ لِلتَّلَفِ. ابْنُ عَرَفَةَ أَشْهَبُ مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَلَيْسَ لَهُ تَرَكَهُ إنْ أَخَذَهُ لِيُرَبِّيَهُ وَإِنْ أَخَذَهُ لِيَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فَلَا ضِيقَ عَلَيْهِ فِي رَدِّهِ لِمَوْضِعِ أَخْذِهِ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ أَخَذَ لَقِيطًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ الْتِزَامَ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ قَبِلَ قَوْلَهُ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْهَلَاكِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ فِيهِ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ يُسَارِعُ النَّاسُ إلَى أَخْذِهِ.

(وَ) إنْ ازْدَحَمَ عَلَى اللَّقِيطِ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ وَكُلٌّ مِنْهُمْ صَالِحٌ لِحَضَانَتِهِ وَأَرَادَ كُلٌّ أَخْذَهُ (قُدِّمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الشَّخْصُ (الْأَسْبَقُ) أَيْ السَّابِقُ مِنْهُمْ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ أَسْبَقُ قُدِّمَ الشَّخْصُ (الْأَوْلَى) بِفَتْحِ الْهَمْزِ، أَيْ الْأَحَقُّ بِكَفَالَتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَسْبَقُ وَلَا أَوْلَى (فَالْقُرْعَةُ) تُضْرَبُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ بِتَقْدِيمِهِ قُدِّمَ. ابْنُ شَاسٍ لَوْ ازْدَحَمَ اثْنَانِ عَلَى اللَّقِيطِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَهْلٌ قُدِّمَ مَنْ سَبَقَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلصَّبِيِّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِيهِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا. وَفِيهَا مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَكَابَرَهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَنَزَعَهُ مَنَعَهُ فَرَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ إلَيْهِمَا فَأَيُّهُمَا كَانَ أَقْوَى عَلَى مُؤْنَتِهِ وَكِفَايَتِهِ

ص: 249

وَيَنْبَغِي الْإِشْهَادُ

وَلَيْسَ لِمُكَاتَبٍ وَنَحْوَهُ الْتِقَاطٌ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ

وَنُزِعَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِهِ

ــ

[منح الجليل]

وَكَانَ مَأْمُونًا دَفَعَهُ إلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ تَابِعًا لِلْغَزَالِيِّ إنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.

(وَيَنْبَغِي الْإِشْهَادُ) عَلَى الْتِقَاطِهِ خَوْفَ اسْتِرْقَاقِهِ أَوْ تَبَنِّيه. ابْنُ شَاسٍ مَنْ أَخَذَ لَقِيطًا فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ خَوْفَ الِاسْتِرْقَاقِ. ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَعْرِفْهُ نَصًّا إلَّا لِلْغَزَالِيِّ، وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْإِشْهَادِ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ خِلَافَ ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ نَدْبِهِ

(وَلَيْسَ لِ) رَقِيقٍ (مُكَاتَبٍ وَنَحْوِهِ) كَمُدَبَّرٍ وَمُبَعَّضٍ وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ وَأُمِّ وَلَدٍ وَوَلَدِهَا غَيْرِ سَيِّدِهَا وَأَوْلَى الْقِنُّ (الْتِقَاطٌ) لِلَّقِيطِ (بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ) فَإِنْ أَذِنَ فَهُوَ الْمُلْتَقِطُ.

ابْنُ عَرَفَةَ فِي وَجِيزِ الْغَزَالِيِّ لَوْ الْتَقَطَ الْعَبْدُ أَوْ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ اُنْتُزِعَ مِنْ أَيْدِيهِمَا، فَإِنَّ الْحَضَانَةَ تَبَرُّعٌ وَهُمَا مَمْنُوعَانِ مِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ فَهُوَ الْمُلْتَقِطُ وَنَقَلَهُ ابْنُ شَاسٍ كَأَنَّهُ نَصُّ الْمَذْهَبِ وَلَمْ أَعْرِفُهُ نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ لَكِنَّهُ مُقْتَضَى أَصْلِهِ، وَالْحَقُّ أَنْ لَا يُنْقَلَ عَلَى أَنَّهُ نَصٌّ فِيهِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ مُقْتَضَاهُ. الْحَطّ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِأَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِتَرْبِيَتِهِ وَنَفَقَتِهِ عَنْ سَيِّدِهِ وَنَصَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ فَيُتَوَهَّمُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَوَجْهُ مَنْعِهِ أَنَّ اللَّقِيطَ يَحْتَاجُ إلَى حَضَانَةٍ وَهِيَ تَبَرُّعٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَانْظُرْ الزَّوْجَةَ هَلْ يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا؟ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَنُزِعَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ لَقِيطٌ (مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ) بِالْتِقَاطِهِ فِي قَرْيَةِ مُسْلِمِينَ، وَصِلَةُ نُزِعَ (مِنْ) مُلْتَقِطٍ (غَيْرِهِ) أَيْ الْمُسْلِمِ وَهُوَ الْكَافِرُ خَوْفَ تَرْبِيَتِهِ عَلَى دِينِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا اللَّقِيطُ فِي قُرَى الْإِسْلَامِ مُسْلِمٌ وَلَوْ الْتَقَطَهُ كَافِرٌ. مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ إنْ الْتَقَطَهُ نَصْرَانِيٌّ نُزِعَ مِنْهُ لِئَلَّا يُنَصِّرَهُ أَوْ يَسْتَرِقَّهُ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إنْ الْتَقَطَتْ نَصْرَانِيَّةٌ صَبِيَّةً فَرَبَّتهَا حَتَّى بَلَغَتْ عَلَى دِينِهَا رُدَّتْ لِلْإِسْلَامِ وَهِيَ حُرَّةٌ. اللَّخْمِيُّ فِي عِتْقِهَا الثَّانِي إنْ الْتَقَطَ كَافِرٌ لَقِيطًا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ فَرَبَّاهُ عَلَى دِينِهِ فَلَا يُتْرَكْ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ عَلَيْهَا فَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُقَرُّ عَلَيْهَا.

ص: 250

وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ؛ فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَهُ لِلْإِمَامِ وَوُقِفَ سَنَةً، ثُمَّ بِيعَ وَلَا يُهْمَلُ، وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ

ــ

[منح الجليل]

وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (أَخْذُ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ رَقِيقٍ (آبِقٍ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ هَارِبٍ مِنْ مَالِكِهِ (لِمَنْ) أَيْ شَخْصٍ أَوْ الشَّخْصِ الَّذِي (يَعْرِفُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (رَبَّهُ) قَرِيبًا كَانَ أَوْ جَارًا أَوْ غَيْرَهُمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ (فَلَا) يُنْدَبُ لَهُ أَخْذُهُ (فَإِنْ أَخَذَهُ) وَهُوَ لَا يَعْرِفُ رَبَّهُ (رَفَعَهُ) أَيْ الْآخِذُ الْآبِقَ (لِلْإِمَامِ) أَيْ حَاكِمِ بَلَدِهِ إمَامًا كَانَ أَوْ نَائِبَهُ (وَ) إذَا رَفَعَهُ لَهُ (وُقِفَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْآبِقُ عِنْدَهُ (سَنَةً) وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَظْهَرْ رَبُّهُ (بِيعَ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْآبِقُ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ (وَلَا يُهْمَلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَمْرُهُ عَنْ الْبَيَانِ فَيَكْتُبُ اسْمَهُ وَصِفَاتِهِ وَبَلَدَهُ وَثَمَنَهُ الَّذِي بِيعَ بِهِ وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ ادَّعَاهُ قَابَلَ كَلَامَهُ بِالْمَكْتُوبِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَهُ دَفَعَ لَهُ بَقِيَّةَ ثَمَنِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَى لَا يُهْمَلُ لَا يُتْرَكُ بَعْدَ السَّنَةِ يَذْهَبُ حَيْثُ يَشَاءُ كَضَالَّةِ الْأَبِ.

(وَ) إذَا بَاعَهُ الْإِمَامُ (أَخَذَ) الْإِمَامُ (نَفَقَتَهُ) أَيْ الْآبِقِ الَّتِي أُنْفِقَتْ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ ثَمَنِهِ الَّذِي بِيعَ بِهِ وَجَعَلَ بَقِيَّةَ ثَمَنِهِ أَمَانَةً لِرَبِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَنْ وَجَدَ آبِقًا فَلَا يَأْخُذُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ فَهُوَ فِي سِعَةِ وَمَنْ أَخَذَ آبِقًا رَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَوَقَفَهُ سَنَةً وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلَّا بَاعَهُ وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ وَحَبَسَ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ لِرَبِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ. سَحْنُونٌ لَا أَرَى أَنْ يُوقِفَهُ سَنَةً وَلَكِنْ بِقَدْرِ مَا يَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ ثُمَّ يُبَاعُ وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ صِفَتَهُ عِنْدَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبُهُ. ابْنُ يُونُسَ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَبِيعُ الْإِبَاقَ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَا يَأْمُرُ بِاطِّلَاقِهِمْ يَعْمَلُونَ وَيَأْكُلُونَ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ لِأَنَّهُمْ يَأْبَقُونَ ثَانِيَةً.

ص: 251

وَمَضَى بَيْعُهُ: وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْته وَلَهُ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ، وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ؛ وَضَمِنَهُ إنْ أَرْسَلَهُ، إلَّا لِخَوْفٍ مِنْهُ: كَمَنْ اسْتَأْجَرَهُ فِيمَا يَعْطَبُ فِيهِ،

ــ

[منح الجليل]

وَ) إذَا بَاعَهُ الْإِمَامُ (مَضَى بَيْعُهُ) أَيْ الْآبِقِ (وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْته) أَيْ الْآبِقَ قَبْلَ بَيْعِهِ لِاتِّهَامِهِ بِالتَّحَيُّلِ عَلَى نَقْضِ بَيْعِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ لَهُ بِإِعْتَاقِهِ قَبْلَهُ فَيُنْقَضُ بَيْعُهُ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ جَاءَ رَبُّ الْآبِقِ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ السَّنَةِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا ثَمَنُهُ وَلَا يَرُدُّ بَيْعَهُ لِأَنَّ الْإِمَامَ بَاعَهُ وَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَلَوْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْته أَوْ دَبَّرْته بَعْدَ إبَاقِهِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.

(وَلَهُ) أَيْ رَبُّ الْآبِقِ (عِتْقُهُ) أَيْ الْآبِقِ نَاجِزًا مَجَّانًا وَعَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارِهِ وَإِلَى أَجَلٍ وَكِتَابَتُهُ وَتَدْبِيرُهُ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ وَالْإِيصَاءُ بِهِ (وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وَتُقَامُ عَلَيْهِ) أَيْ الْآبِقِ (الْحُدُودُ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِزِنًا وَسَرِقَةٍ وَشُرْبِ مُسْكِرٍ وَقَذْفٍ وَرِدَّةٍ وَتَرْكِ صَلَاةٍ وَنَحْوِهَا. فِيهَا يَجُوزُ لِسَيِّدِ الْآبِقِ عِتْقُهُ وَتَدْبِيرُهُ. وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ لِثَوَابٍ، وَإِنْ زَنَى الْآبِقُ أَوْ سَرَقَ أَوْ قَذَفَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.

(وَضَمِنَهُ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَيْ الْآبِقَ آخِذُهُ (إنْ أَرْسَلَهُ) أَيْ أَطْلَقَ الْآخِذُ الْآبِقَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا) إرْسَالَهُ (لِخَوْفٍ مِنْهُ) أَيْ الْآبِقِ أَنْ يَقْتُلَ آخِذَهُ أَوْ يَضُرَّهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَلَا يُوجِبُ إرْسَالُهُ ضَمَانَهُ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ أَخَذَ آبِقًا فَأَبَقَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ ضَمِنَهُ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَوْ خَلَّاهُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهُ لِعُذْرٍ بِأَنْ خَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يَضُرَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ لِشِدَّةِ النَّفَقَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَشَبَّهَ فِي الضَّمَانِ فَقَالَ (كَمَنْ) أَيْ شَخْصٍ أَوْ الشَّخْصِ الَّذِي (اسْتَأْجَرَهُ) أَيْ الْآبِقُ مِنْ نَفْسِهِ (فِيمَا) أَيْ عَمِلَ (يَعْطَبُ) الْآبِقُ (فِيهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ وَعَطِبَ فَيَضْمَنُهُ.

فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ اسْتَأْجَرَ آبِقًا فَعَطِبَ فِي عَمَلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ آبِقٌ ضَمِنَهُ لِرَبِّهِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ أَجَرَ عَبْدًا عَلَى تَبْلِيغِ كِتَابٍ إلَى بَلَدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَبْدٌ فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ، ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْآبِقَ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي عَمَلٍ

ص: 252

لَا إنْ أَبَقَ مِنْهُ وَإِنْ مُرْتَهِنًا وَحَلَفَ، وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ: بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَأَخَذَهُ، إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ إنْ صَدَّقَهُ وَلْيُرْفَعْ لِلْإِمَامِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ مُسْتَحِقَّهُ، إنْ لَمْ يَخَفْ ظُلْمَهُ

ــ

[منح الجليل]

يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَهَلَكَ فِيهِ. اهـ. فَإِنْ كَانَ لَا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَلِرَبِّهِ أُجْرَتُهُ إنْ كَانَ لَهُ بَالٌ لَا مَا لَا بَالَ لَهُ كَسَقْيِ دَابَّةٍ وَشِرَاءِ خُضْرَةٍ.

(لَا) يَضْمَنُ آخِذُ الْآبِقِ (إنْ أَبَقَ) الْآبِقُ (مِنْهُ) أَيْ آخِذِهِ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " مَنْ أَخَذَ آبِقًا فَأَبَقَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَبَالَغَ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ بِالْإِبَاقِ فَقَالَ لَا يَضْمَنُ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ عَبْدٌ لِغَيْرِهِ. فَأَبَقَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُرْتَهَنًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الرَّقِيقُ (مُرْتَهَنًا) بِفَتْحِ الْهَاءِ، أَيْ مَرْهُونًا فِي دَيْنٍ وَأَبَقَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِكَسْرِ الْهَاءِ (وَحَلَفَ) الْمُرْتَهِنُ بِالْكَسْرِ أَنَّهُ أَبَقَ مِنْهُ فَلَا يَضْمَنُ لِرَاهِنِهِ، فِيهَا إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ فَلَا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ وَيَصْدُقُ فِي إبَاقِهِ وَلَا يَحْلِفُ وَكَانَ عَلَى حَقِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّبَّاغِ وَيَحْلِفُ (وَاسْتَحَقَّهُ) أَيْ الْآبِقَ (سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ) شَهِدَ لَهُ بِهِ (وَيَمِينٍ) مِنْ سَيِّدِهِ أَنَّهُ لَهُ لِأَنَّهُ مَالٌ وَهُوَ يَكْفِي فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " مَنْ اعْتَرَفَ آبِقًا عِنْدَ السُّلْطَانِ وَأَثْبَتَ شَاهِدًا حَلَفَ مَعَهُ وَأَخَذَ الْعَبْدَ.

(وَ) إنْ ادَّعَى شَخْصٌ أَنَّ الْآبِقَ لَهُ (أَخَذَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي الْآبِقَ (إنْ لَمْ تَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ) أَيْ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَهُ (إنْ صَدَّقَهُ) أَيْ الْآبِقُ الْمُدَّعِيَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَهُ. ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ التَّلَوُّمِ. فِيهَا إنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْآبِقَ عَبْدُهُ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَإِنْ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ دُفِعَ إلَيْهِ أَرَادَ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَتَضْمِينِهِ إيَّاهُ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِي مَتَاعٍ وُجِدَ مَعَ لُصُوصٍ فَادَّعَاهُ قَوْمٌ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ إنَّ الْإِمَامَ يَتَلَوَّمُ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ سِوَاهُمْ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ الْآبِقُ. أَشْهَبُ لِأَنَّ هَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ (وَلْيُرْفَعْ) مَنْ أَخَذَ الْآبِقَ أَمْرُهُ (لِلْإِمَامِ) الْعَدْلِ (إذَا لَمْ يَعْرِفْ) آخِذُهُ (مُسْتَحِقَّهُ) أَيْ الْآبِقِ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (إنْ لَمْ يَخَفْ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ آخِذُهُ (ظُلْمَهُ) أَيْ الْإِمَامِ بِأَنْ كَانَ عَادِلًا، فَإِنْ خَافَ ظُلْمَهُ فَلَا

ص: 253

وَإِنْ أَتَى رَجُلٌ بِكِتَابِ قَاضٍ إنَّهُ قَدْ شَهِدَ عِنْدِي: أَنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا فُلَانٌ، هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ، وَوَصَفَهُ، فَلْيُدْفَعْ إلَيْهِ بِذَلِكَ.

ــ

[منح الجليل]

يَرْفَعُهُ إلَيْهِ فِيهَا، وَالْآبِقُ إذَا اعْتَرَفَهُ رَبُّهُ فِي يَدِك وَلَمْ تُعَرِّفْهُ فَأَرَى أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ إنْ لَمْ تَخَفْ ظُلْمَهُ.

(وَإِنْ أَتَى رَجُلٌ) قَاضِيًا أَوْ وَالِيًا (بِكِتَابِ قَاضٍ) آخَرَ مَضْمُونُهُ (أَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنَ (قَدْ شَهِدَ عِنْدِي) عَدْلَانِ (أَنَّ صَاحِبَ) أَيْ حَامِلَ (كِتَابِي هَذَا فُلَانٌ) كِنَايَةٌ عَنْ عَلَمِ شَخْصٍ كَزَيْدٍ عَطْفُ بَيَانٍ عَلَى صَاحِبٍ (هَرَبَ مِنْهُ) أَيْ فُلَانٍ صَاحِبِ الْكِتَابِ (عَبْدٌ) صِفَتُهُ كَذَا هَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرُ أَنَّ (وَوَصَفَهُ) أَيْ فُلَانُ الْعَبْدَ، وَعِنْدَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ عَبْدٌ مَحْبُوسٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ (فَلْيَدْفَعْ) الْقَاضِي الَّذِي أَتَاهُ الْكِتَابُ الْعَبْدَ الَّذِي عِنْدَهُ (إلَيْهِ) أَيْ صَاحِبِ الْكِتَابِ (بِذَلِكَ) الْكِتَابِ.

فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا أَتَى رَجُلٌ إلَى قَاضٍ بِكِتَابٍ مِنْ قَاضٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ عِنْدِي قَوْمٌ أَنَّ فُلَانًا صَاحِبَ كِتَابِي إلَيْك قَدْ هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ صِفَتُهُ كَذَا فَحْلًا، وَوَصَفَهُ فِي الْكِتَابِ، وَعِنْدَ هَذَا الْقَاضِي عَبْدٌ آبِقٌ مَحْبُوسٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلْيُقْبَلْ كِتَابُ الْقَاضِي وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي شَهِدَتْ فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ الْعَبْدُ. طفي ظَاهِرُهُ إعْمَالُ الْكِتَابِ بِمُجَرَّدِ إتْيَانِ الرَّجُلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَارَضَهُ عج بِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُفِدْ وَحْدَهُ، وَأَجَابَ بِإِمْكَانِ رَدِّ هَذَا لِذَاكَ وَبِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ لِقَوْلَيْنِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنَّمَا قُبِلَ هُنَا وَحْدَهُ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ فِيهِ، إذْ لَهُ أَخْذُهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَقَدْ أَشَارَ لِهَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ بِقَوْلِهِ قِيلَ أَفَتَرَى لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الصِّفَةِ وَيَكْتُبَ بِهَا إلَى قَاضٍ آخَرَ، قَالَ نَعَمْ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَتَاعِ الَّذِي يُسْرَقُ بِمَكَّةَ إذَا اعْتَرَفَهُ رَجُلٌ وَوَصَفَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ يَسْتَأْنِي الْإِمَامُ فِيهِ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَطْلُبُهُ وَإِلَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ، فَالْعَبْدُ الَّذِي أَقَامَ فِيهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَى عَيْنَ الْعَبْدِ وَوَصَفَهُ وَلَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ فَأَرَى أَنَّهُ مِثْلُ الْمَتَاعِ يَنْتَظِرُ بِهِ الْإِمَامُ وَيَتَلَوَّمُ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يَطْلُبُهُ وَإِلَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ وَضَمَّنَهُ إيَّاهُ،

ص: 254