المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب في بيان شروط وأحكام القضاء وما يتعلق به] - منح الجليل شرح مختصر خليل - جـ ٨

[محمد بن أحمد عليش]

الفصل: ‌[باب في بيان شروط وأحكام القضاء وما يتعلق به]

(بَابٌ) أَهْلُ الْقَضَاءِ:

ــ

[منح الجليل]

قِيلَ وَلَا يُلْتَفَتُ هُنَا إلَى قَوْلِ الْعَبْدِ إنْ أَنْكَرَ أَنَّ هَذَا مَوْلَاهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ بِبَلَدٍ آخَرَ. اهـ. وَلَمْ يُلْتَفَتْ لِقَوْلِ الْعَبْدِ هُنَا لِوَصْفِهِ رَبَّهُ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ تَصْدِيقِهِ حَيْثُ لَمْ يَصِفْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَاب فِي بَيَان شُرُوط وَأَحْكَام الْقَضَاء وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ]

(بَابٌ) فِي بَيَانِ شُرُوطِ وَأَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (أَهْلُ) أَيْ مُسْتَحِقُّ (الْقَضَاءِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِعْجَامِ الضَّادِ مَمْدُودًا. ابْنُ رَاشِدٍ وَابْنُ فَرْحُونٍ الْقَضَاءُ الْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْقَضَاءُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا نُفُوذَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَخْرُجُ التَّحْكِيمُ وَوِلَايَةُ الشُّرْطَةِ وَالْإِمَامَةِ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَاضِحٌ قُصُورُهُ.

الْحَطّ يُطْلَقُ الْقَضَاءُ فِي الِاصْطِلَاحِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ وَفِي الْقَضَاءِ وَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَهْلُ الْقَضَاءِ إلَخْ وَعَلَى الْإِخْبَارِ الْمَذْكُورِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ قَضَى الْقَاضِي بِكَذَا، وَقَوْلِهِمْ قَضَاءُ الْقَاضِي بِكَذَا حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ. لَكِنْ فِي تَعْرِيفِ ابْنِ رَاشِدٍ مُسَامَحَاتٌ الْأُولَى ذِكْرُ الْأَخْبَارِ، إذْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ مَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ الْمُقَابِلَ لِلْإِنْشَاءِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَمْرُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ.

الثَّانِيَةُ شُمُولُ حُكْمٍ حُكْمَيْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَتَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ وَحُكْمَ الْمُحْكَمِ وَحُكْمَ الْمُحْتَسِبِ وَالْوَالِي وَغَيْرِهِمَا مِنْ وُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا حَكَمُوا بِالشَّرْعِ، قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّ التَّحْكِيمَ يَخْرُجُ مِنْ تَعْرِيفِهِ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ خُرُوجِهِ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمُحَكِّمَ لَا يَحْكُمُ ابْتِدَاءً إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْمُحَكِّمِينَ وَلَا يَحْكُمُ ابْتِدَاءً فِي الْقِصَاصِ وَاللِّعَانِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِمَا بِذَلِكَ، قَالُوا فَإِنْ حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ جَوْرٍ نَفَذَ حُكْمُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّعْدِيلَ وَالتَّجْرِيحَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

1 -

ص: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: فِي الذَّخِيرَةِ عَقْدُ الْقَضَاءِ جَائِزٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مُطْلَقًا كَالْجَعَالَةِ وَالْقِرَاضِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي عَمَلِهِمَا وَالْمُغَارَسَةِ وَالتَّحْكِيمِ وَالْوَكَالَةِ، فَلِلْإِمَامِ عَزْلُهُ وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي.

الثَّانِي: ابْنُ سَهْلٍ تَلْخِيصُ خُطَطِ الْوِلَايَةِ الْقَضَاءُ وَالشُّرْطَةُ وَالْمَظَالِمُ وَالرَّدُّ وَالْمَدِينَةُ وَالسُّوقُ، فَمُتَعَلِّقُ حُكْمِ وَالِي الرَّدِّ مَا اسْتَرَابَهُ الْقُضَاةُ وَرَدُّوهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَصَاحِبُ السُّوقِ يُعْرَفُ بِصَاحِبِ الْحِسْبَةِ لِأَنَّ أَكْثَرَ نَظَرِهِ فِيهَا بِالْأَسْوَاقِ مِنْ غِشٍّ وَتَفَقُّدِ مِكْيَالٍ وَمِيزَانٍ.

الثَّالِثُ: عِلْمُ الْقَضَاءِ أَخَصُّ مِنْ الْعِلْمِ بِفِقْهِهِ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ فِقْهِهِ كُلِّيٌّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلِّيٌّ وَمُتَعَلِّقُ عِلْمِهِ كُلِّيٌّ مِنْ حَيْثُ صِدْقُ كُلِّيِّهِ عَلَى جُزْئِيَّاتٍ، وَكَذَا فِقْهُ الْفَقِيهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ فَقِيهًا هُوَ أَعَمُّ مِنْ فِقْهِ الْفَقِيهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُفْتِيًا، ثُمَّ قَالَ وَإِذَا تَأَمَّلْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ حَالَ الْفَقِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَقِيهٌ كَحَالِ عَالِمٍ بِكُبْرَى قِيَاسِ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، وَحَالُ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي كَحَالِ عَالِمٍ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِصُغْرَاهُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْعِلْمَ بِهِمَا أَشَقُّ وَأَخَصُّ مِنْ الْعِلْمِ بِالْكُبْرَى فَقَطْ، وَأَيْضًا فِقْهُ الْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى مَبْنِيَّانِ عَلَى النَّظَرِ فِي الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ بِإِدْرَاكِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَوْصَافِ الَّتِي فِيهَا، فَيُلْغَى طَرْدِيُّهَا وَيُعْمَلُ مُعْتَبَرُهَا.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عِلْمُ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ أَحَدَ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْفِقْهِ مُتَمَيِّزٌ بِأُمُورٍ لَا يُحْسِنُهَا كُلُّ فَقِيهٍ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ عَارِفًا بِفَصْلِ الْخِصَامِ، وَلَيْسَ لَهُ بَاعٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، كَمَا أَنَّ عِلْمَ الْفَرَائِضِ كَذَلِكَ، وَكَمَا أَنَّ عِلْمَ التَّصْرِيفِ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ زَمَانِنَا لَا يُحْسِنُونَهُ، وَقَدْ يُحْسِنُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَلَا غَرَابَةَ فِي امْتِيَازِ عِلْمِ الْقَضَاءِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَابَةُ فِي اسْتِعْمَالِ كُلِّيَّاتِ عِلْمِ الْفِقْهِ وَتَطْبِيقِهَا عَلَى جُزْئِيَّاتِهَا الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ عَسِيرٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فَتَجِدُ مَنْ يَحْفَظُ أُصُولًا كَثِيرَةً مِنْ الْفِقْهِ وَيَفْهَمُهَا وَيُعَلِّمُهَا غَيْرَهُ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ الْوَاقِعَةِ جُزْئِيَّةً مِنْ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ لَا يُحْسِنُ الْجَوَابَ، بَلْ لَا يَفْهَمُ مُرَادَ السَّائِلِ عَنْهَا إلَّا بَعْدَ عُسْرٍ، وَلِلشُّيُوخِ فِي هَذَا حِكَايَاتٌ نَبَّهَ ابْنُ سَهْلٍ عَلَى بَعْضِهَا.

ص: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الرَّابِعُ: أَقْوَالُ الشُّيُوخِ وَاضِحَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى جَلَالَةِ خُطَّةِ الْقَضَاءِ وَنُدُورِ السَّلَامَةِ فِيهِ، قَالَ بَعْضُ النَّاسِ الْقَضَاءُ مِنْ أَعْظَمِ الْخُطَطِ قَدْرًا وَأَجَلِّهَا خَطَرًا، لَا سِيَّمَا إذَا اجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الصَّلَاةُ ابْنُ عَرَفَةَ أَرَادَ إمَامَةَ الصَّلَاةِ وَمُقْتَضَاهُ حُسْنُ اجْتِمَاعِهِمَا وَالْمَعْرُوفُ بِبَلَدِنَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا مَنْعُ إمَامَةِ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِهَا وَإِلَّا تُنْكِحُهُ إمَامَةُ الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ بِهَا.

الْخَامِسُ: ابْنُ رُشْدٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَجْرِ، وَالْجَوْرُ فِيهِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ مِحْنَةٌ مَنْ دَخَلَ فِيهِ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ إذْ التَّخَلُّصُ فِيهِ عَسِيرٌ. عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَدِدْت أَنِّي أَنْجُو مِنْ هَذَا الْأَمْرِ كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ، فَالْهُرُوبُ مِنْهُ وَاجِبٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ. مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَا أَدْرَكْت قَاضِيًا اسْتَقْضَى بِالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ إلَّا رَأَيْت كَآبَةَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَتَهُ فِي وَجْهِهِ إلَّا قَاضِيَيْنِ سَمَّاهُمَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، هَذَا حِينَ كَانَ الْقَاضِي يُعَانُ عَلَى مَا وَلِيَهُ وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَحْكُمُ عَلَى مَنْ وَلَّاهُ وَلَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ إنْ شَهِدَ عِنْدَهُ، وَأَمَّا إذَا صَارَ الْقَاضِي لَا يُعَانُ بَلْ مَنْ وَلَّاهُ رُبَّمَا أَعَانَ عَلَيْهِ مَنْ مَقْصُودُهُ بُلُوغُ هَوَاهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْقَلِبُ مُحَرَّمًا نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ. وَأَكْثَرُ الْخُطَطِ الشَّرْعِيَّةِ فِي زَمَنِنَا أَسْمَاءٌ شَرِيفَةٌ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ خَسِيسَةٍ.

السَّادِسُ: حُكْمُ تَوْلِيَةِ الْقَاضِي الْوُجُوبُ. اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ إقَامَةُ حَكَمٍ لِلنَّاسِ وَاجِبَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْهَرْجِ وَالْمَظَالِمِ، فَعَلَى الْوَالِي عَلَى بَلَدٍ النَّظَرُ فِي أَحْكَامِهِمْ إنْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ أَوْ اشْتَغَلَ عَنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ لَهُمْ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْضِعِ وَالٍ كَانَ ذَلِكَ لِذَوِي الرَّأْيِ وَالثِّقَةِ.

السَّابِعُ: مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ قَاضٍ. هُمْ الَّذِينَ كَانُوا يَقْضُونَ بَيْنَ النَّاسِ. أَوَّلُ مَنْ اسْتَقْضَى مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اسْتَقْضَى شُرَيْحًا، وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ أَنَّ أَوَّلَ قَاضٍ اُسْتُقْضِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَوْفَلٍ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ. الْعِرَاقِيُّونَ أَوَّلُ مَنْ اسْتَقْضَى عُمَرُ وَجَّهَ

ص: 257

عَدْلٌ،

ــ

[منح الجليل]

شُرَيْحًا لِلْكُوفَةِ وَكَعْبَ بْنَ سِرَارٍ لِلْبَصْرَةِ، وَقِيلَ أَوَّلُ مِنْ اسْتَقْضَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا مَنَعَتْهُ الْحُرُوبُ اسْتَقْضَى شُرَيْحًا، وَقَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَسْتَقْضِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ يَعْنِي بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَسَائِرِ الْبِلَادِ بَعَثُوا إلَيْهَا قُضَاةً وَاسْتَقْضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا وَمُعَاذًا وَغَيْرَهُمَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.

الثَّامِنُ: صِفَاتُ الْقَاضِي الْمَطْلُوبَةُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: شُرُوطٌ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ وَشُرُوطٌ فِي دَوَامِهَا وَشُرُوطٌ فِي كَمَالِهَا، أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ عَدْلٌ إلَى قَوْلِهِ فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ، وَإِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى إلَى قَوْلِهِ وَوَجَبَ عَزْلُهُ وَإِلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ كَوَرَعٍ إلَخْ.

(عَدْلٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ بَالِغٌ عَاقِلٌ مُسْلِمٌ ذَكَرٌ حُرٌّ غَيْرُ فَاسِقٍ وَلَا مُرْتَكِبٍ مَا يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ. ابْنُ رُشْدٍ لِلْقَضَاءِ خِصَالٌ مُشْتَرَطَةٌ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا بَالِغًا ذَكَرًا عَاقِلًا وَاحِدًا، فَهَذِهِ السِّتُّ خِصَالٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ عَلَى مَذْهَبِنَا إلَّا مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ، فَإِنْ وَلِيَ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ لَمْ تَنْعَقِدْ وِلَايَتُهُ وَإِنْ انْخَرَمَ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ انْعِقَادِ الْوِلَايَةِ سَقَطَتْ الْوِلَايَةُ. الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ نَصَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حُرًّا وَأَمِيرُ الْجَيْشِ وَالْحَرْبِ فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّهَا مَنَاصِبُ دِينِيَّةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا تَنْفِيذُ أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ فَلَا يَصْلُحُ لَهَا الْعَبْدُ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ بِالرِّقِّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَمَسْلُوبُ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَالتَّنْفِيذِ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَلَا لِلْإِمَارَةِ، وَأَظُنُّ جُمْهُورَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ وِلَايَةِ الْعَتِيقِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِلْجُمْهُورِ، قَالَا وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ خَوْفَ اسْتِحْقَاقِهِ فَيُرَدُّ إلَى الرِّقِّ، وَتُرَدُّ أَحْكَامُهُ.

وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ وِلَايَةَ الْفَاسِقِ لَا تَصِحُّ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَافَقَ الْحَقَّ أَمْ لَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ صَرَّحَ بِهِ فِي تَوْضِيحِهِ، وَقَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَصْبَغُ فِسْقُهُ مُوجِبٌ لِعَزْلِهِ وَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْفَاسِقِ، وَيَمْضِي مِنْ أَحْكَامِهِ مَا وَافَقَ الْحَقَّ. وَفِي الْعُمْدَةِ هَلْ يَنْعَزِلُ بِفِسْقِهِ أَوْ يَجِبُ عَزْلُهُ قَوْلَانِ. الْقَرَافِيُّ إنْ لَمْ يُوجَدْ عَدْلٌ وُلِّيَ أَمْثَلُ

ص: 258

ذَكَرٌ، فَطِنٌ، مُجْتَهِدٌ، إنْ وُجِدَ وَإِلَّا: فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ

ــ

[منح الجليل]

الْمَوْجُودِينَ. مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا أَرَى خِصَالَ الْقُضَاةِ تَجْتَمِعُ الْيَوْمَ فِي أَحَدٍ، فَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْهَا خَصْلَتَانِ الْعِلْمُ وَالْوَرَعُ وَلِيَ.

(ذَكَرٌ) فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ امْرَأَةٍ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» (فَطِنٌ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ الْفَطَانَةِ، أَيْ النَّبَاهَةِ وَجَوْدَةِ الْعَقْلِ فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْمُغَفَّلِ الَّذِي يَنْخَدِعُ بِتَحْسِينِ الْكَلَامِ، وَلَا يَتَنَبَّهُ لِمَا يُفِيدُ الْإِقْرَارُ وَحِيَلِ الْخُصُومِ وَالشُّهُودِ. ابْنُ عَرَفَةَ عَدَّ ابْنَ الْحَاجِبِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ فَطَانَتَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الطُّرْطُوشِيِّ، فَلَا يَكْتَفِي بِالْعَقْلِ التَّكَيُّفِيِّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْفَطِنَةِ بَعِيدَ الْغَفْلَةِ وَعَدَّهَا ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ رُشْدٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ غَيْرِ الْوَاجِبَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّ مُطْلَقَ الْفَطِنَةِ الْمَانِعَ مِنْ كَثْرَةِ التَّغَفُّلِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَالْفَطِنَةُ الْمُوجِبَةُ لِلشُّهْرَةِ بِهَا غَيْرُ النَّادِرَةِ يَنْبَغِي كَوْنُهَا مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، فَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ أَنْسَبُ لِأَنَّ فَطِنٌ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ كَحَذِرٍ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْفَطَانَةِ مُسْتَحَبَّةٌ لَا لَازِمَةٌ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُرَادُ بِالْفَطِنِ مَنْ لَا يَسْتَزِلُّ فِي رَأْيِهِ وَلَا تَمْشِي عَلَيْهِ حِيَلُ الشُّهُودِ وَالْخُصُومِ. الْحَطّ الْأَحْسَنُ ذُو فِطْنَةٍ الْمِسْنَاوِيُّ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ الْفِطْنَةَ مِنْ الشُّرُوطِ إلَّا ابْنَ الْحَاجِبِ وَمُحَقِّقُو الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ.

(مُجْتَهِدٌ) أَيْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ (إنْ وُجِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ مُقَلِّدٍ مَعَ وُجُودِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ (فَأَمْثَلُ) أَيْ أَكْمَلُ (مُقَلِّدٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ مُقَلِّدٍ دُونَهُ مَعَ وُجُودِهِ.

الْبُنَانِيُّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ وِلَايَةَ الْأَمْثَلِ شَرْطُ صِحَّةٍ فَلَا تَنْعَقِدُ وِلَايَةُ مَنْ دُونَهُ مَعَ وُجُودِهِ، وَلَا أَظُنُّ هَذَا يَسْلَمُ، وَعِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ أَعْلَمُ الْمُقَلِّدِينَ مِمَّنْ لَهُ فِقْهٌ نَفِيسٌ إلَخْ. الْبَاجِيَّ لَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ كَوْنِ الْقَاضِي عَالِمًا مَعَ وُجُودِهِ وَاَلَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا. عِيَاضٌ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ شَرْطُهُ كَوْنُهُ عَالِمًا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا إنْ فُقِدَ الْمُجْتَهِدُ كَشَرْطِ كَوْنِهِ حُرًّا مُسْلِمًا. الْمَازِرِيُّ زَمَانُنَا عَارٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي إقْلِيمِ الْمَغْرِبِ فَضْلًا عَنْ قُضَاتِهِ. الْحَطّ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ عَالِمًا، وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْعِلْمَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ. وَقَالَ

ص: 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَعَدَّهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَالْقَرَافِيُّ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْجَاهِلِ وَيَجِبُ عَزْلُهُ وَأَحْكَامُهُ مَرْدُودَةٌ مَا لَمْ يُوَافِقْ الْحَقَّ مِنْهَا وَمَا وَافَقَهُ، وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهَا مَرْدُودَةٌ مَا لَمْ يُشَاوِرْ الْعُلَمَاءَ ثُمَّ إنَّهُ إذَا وُجِدَ مُجْتَهِدٌ وَجَبَتْ تَوْلِيَتُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى غَيْرُهُ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنْ تَوَلَّى الْمُقَلِّدُ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ جَائِرٌ، نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ إنْ وُجِدَ لَيْسَ شَرْطًا خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ الْعِلْمُ، وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ فَوَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ.

ابْنُ عَرَفَةَ جَعَلَ ابْنَ زَرْقُونٍ كَوْنَهُ عَالِمًا مِنْ الْقِسْمِ الْمُسْتَحَبِّ، وَكَذَا ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ عَالِمًا يُسَوَّغُ لَهُ الِاجْتِهَادُ. وَقَالَ عِيَاضٌ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيُّ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا إنْ فُقِدَ الْمُجْتَهِدُ كَشَرْطِ كَوْنِهِ مُسْلِمًا حُرًّا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَبُولُ الْمُقَلِّدِ الْوِلَايَةَ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ، وَمَعَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ جَائِزٌ، ثُمَّ قَالَ فَفِي صِحَّةِ تَوْلِيَةِ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ قَوْلَانِ لِابْنِ زَرْقُونٍ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ وَعِيَاضٍ مَعَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيِّ قَائِلًا هُوَ مَحْكِيُّ أَئِمَّتِنَا عَنْ الْمَذْهَبِ، وَمَعَ فَقْدِهِ جَائِزٌ، وَمَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ أَوْلَى اتِّفَاقًا فِيهِمَا. اهـ. فَانْظُرْ كَيْفَ عَزَا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ عَدَمَ صِحَّةِ وِلَايَةِ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ مَعَ نَقْلِهِ قَبْلَ هَذَا قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَبُولُ الْمُقَلِّدِ الْوِلَايَةَ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فَيَصِحُّ كَلَامُهُ، إلَّا أَنَّ الَّذِي يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ مِنْ قَوْلِهِ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ أَنَّهَا تَصِحُّ مَعَ التَّعَدِّي وَالْجَوْرِ، وَعَلَى مَا فَهِمَهُ ابْنُ عَرَفَةَ يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ عَنْ الْمُصَنِّفِ، إذْ لَعَلَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَاشٍ عَلَى مَا عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِعِيَاضٍ وَالْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ أَمْثَلُ مُقَلِّدٍ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ فَمُقَلِّدٌ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ أَعْلَمُ الْمُقَلِّدِينَ مِمَّنْ لَهُ فِقْهٌ نَفِيسٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ أَقْوَالِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَيَعْلَمُ مَا هُوَ يَجْرِي عَلَى أَصْلِ إمَامِهِ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ

ص: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

يَكُنْ بِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشُّيُوخِ اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ تَوْلِيَتِهِ الْقَضَاءَ. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ أَرَادَ مَعَ وُجُودِ ذِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ مَعَ فَقْدِهِ فَظَاهِرُ أَقْوَالِهِمْ صِحَّةُ تَوْلِيَتِهِ خَوْفَ تَعْطِيلِ الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ خِلَافٍ فِي ذَلِكَ.

(تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: الْبِسَاطِيُّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي إمْكَانَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنْ عَنَى أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَدْ يَدَّعِي أَنَّهُ مُمْكِنٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُجْتَهِدَ فِي الْأَدِلَّةِ فَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ الْمَازِرِيُّ وَصَلَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ كَلَامٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ مَبْدَؤُهُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّقْلِيدِ، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ أَيْضًا. الْحَطّ تَأَمَّلْ هَذَا مَعَ اخْتِلَافِ الْأُصُولِيِّينَ فِي إمْكَانِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا أَظُنُّهُ انْقَطَعَ بِالْمَشْرِقِ وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ نُسِبَ إلَى الِاجْتِهَادِ فِي حَيَاةِ أَشْيَاخِنَا، وَمَوَادُّ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِنَا أَيْسَرُ مِنْهَا فِي زَمَانِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَا الْهِدَايَةَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ الْعِلْمِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ صلى الله عليه وسلم زَادَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ دُوِّنَتْ، وَكَذَا تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ شَهْرًا. فَإِنْ قِيلَ يَحْتَاجُ الْمُجْتَهِدُ إلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِمَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ وَهُوَ مُتَعَذَّرٌ فِي زَمَنِنَا لِكَثْرَةِ الْمَذَاهِبِ وَتَشَعُّبِهَا. قِيلَ يَكْفِيهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا، إذْ الْمَقْصُودُ الِاحْتِرَازُ مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ وَهَذَا مُتَيَسِّرٌ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ يُسْرُ الِاجْتِهَادِ سَمِعْت ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ يَحْكِيهِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ، إذْ قِرَاءَةُ مِثْلِ الْجُزُولِيَّةِ وَالْمَعَالِمِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْكُبْرَى لِعَبْدِ الْحَقِّ وَنَحْوِهَا يَكْفِي فِي تَحْصِيلِ آلَةِ الِاجْتِهَادِ مَعَ الِاطِّلَاعِ عَلَى فَهْمِ مُشْكِلِ اللُّغَةِ بِمُخْتَصَرِ الْعَيْنِ، وَنَحْوِ صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ نَظَرِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَتَحْقِيقِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَبُلُوغِ دَرَجَةِ الْإِمَامَةِ أَوْ مُقَارَبَتِهَا فِي الْعُلُومِ الْمَذْكُورَةِ لَا تُشْتَرَطُ فِي الِاجْتِهَادِ إجْمَاعًا الْفَخْرُ فِي مَحْصُولِهِ وَالسَّرَّاجُ فِي تَحْصِيلِهِ وَالتَّاجُ فِي حَاصِلِهِ لَوْ بَقِيَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَاحِدٌ لَكَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً، فَاسْتِعَاذَتُهُمْ تَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِمْ، وَالْفَخْرُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ،

ص: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَلَكِنْ فِي الِاسْتِغْنَاءِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَنِنَا عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ، إذْ لَا مُجْتَهَدَ فِيهِ، وَقَوْلُ الْبِسَاطِيِّ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْلِيدِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ إنْ سَلِمَ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَفَادَهُ الْحَطّ.

(فَائِدَةٌ)

فِي آخِرِ خُطْبَةِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ إذَا جَمَعَ الطَّالِبُ الْمُقَدِّمَاتِ إلَى هَذَا الْكِتَابِ عَنَى بِهِ الْبَيَانَ وَالتَّحْصِيلَ حَصَلَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ، وَعَرَفَ الْعِلْمَ مِنْ طَرِيقِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ بَابِهِ وَسَبِيلِهِ وَأَحْكَمَ رَدَّ الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ، وَاسْتَغْنَى بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ الشُّيُوخِ فِي الْمُشْكِلَاتِ، وَحَصَلَ فِي دَرَجَةِ مَنْ يَجِبُ تَقْلِيدُهُ فِي النَّوَازِلِ الْمُعْضِلَاتِ، وَدَخَلَ فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْآيَاتِ وَوَعَدَهُمْ فِيهَا بِتَرْفِيعِ الدَّرَجَاتِ.

الثَّانِي: بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ شَرْطٌ وَهُوَ كَوْنُهُ وَاحِدًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَتَقَدَّمَ نَصُّهَا، وَنَقَلَهَا ابْنُ شَاسٍ وَالْقَرَافِيُّ، وَاسْتَوْفَى " غ " الْكَلَامَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ.

1 -

الثَّالِثُ: فِي الْمُقَدِّمَاتِ يَجِبُ أَنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ مَنْ طَلَبَهُ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُهُ مَخَافَةَ أَنْ يُوكَلَ إلَيْهِ فَلَا يَقُومُ بِهِ اهـ، أَرَادَ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ طَلَبُهُ، وَهَذَا فِي طَلَبِهِ بِغَيْرِ بَذْلِ مَالٍ فَكَيْفَ مَعَ بَذْلِ الْمَالِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا طَلَبَهُ فَوَلِيَ وَهُوَ جَامِعٌ لِشُرُوطِهِ فَلَا يَجِبُ عَزْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْقُرْطُبِيُّ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ» ، نَهْيٌ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم بَعْدَهُ «إنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

1 -

الرَّابِعُ: السُّيُورِيُّ إذَا تَحَرَّجَ النَّاسُ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَهْلُهُ فَجَمَاعَتُهُمْ يَكْفُونَ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْته وَفِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَيَقُومُونَ مَقَامَ الْقَاضِي مَعَ فَقْدِهِ فِي ضَرْبِ الْآجَالِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. الْحَطّ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْقَاضِي مَعَ فَقْدِهِ إلَّا فِي مَسَائِلَ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهَا.

ص: 262

وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ: قُرَشِيٌّ

ــ

[منح الجليل]

الْخَامِسُ: فِي النَّوَادِرِ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي جِهَةٍ إلَّا غَيْرُ الْعُدُولِ فَأَصْلَحَهُمْ وَأَقَلُّهُمْ فُجُورًا يُرَتِّبُ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ، وَيَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِي الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ لِئَلَّا تَضِيعَ الْمَصَالِحُ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يُخَالِفُ فِي هَذَا، إذْ التَّكْلِيفُ مَشْرُوطٌ بِالْإِمْكَانِ، وَإِذَا جَازَ نَصْبُ الْفَسَقَةِ شُهُودًا لِعُمُومِ الْفَسَادِ جَازَ التَّوَسُّعُ فِي الْحُكَّامِ لِمَنْعِ الْمَظَالِمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(وَزِيدَ) بِكَسْرِ الزَّايِ عَلَى الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ لِلْقَضَاءِ (لِ) جَوَازِ تَوْلِيَةِ (الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) الْخَلِيفَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي إمَامَةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَحِفْظِ الْإِسْلَامِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ وَجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَالذُّكُورَةُ وَالْفِطْنَةُ وَالْعِلْمُ، وَنَائِبُ فَاعِلِ زِيدَ (قُرَشِيٌّ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِعْجَامِ الشَّيْنِ وَشَدِّ الْيَاءِ، أَيْ كَوْنُهُ مَنْسُوبًا لِقُرَيْشٍ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» ، وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» . فِي الصِّحَاحِ قُرَيْشٌ قَبِيلَةٌ وَأَبُوهُمْ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرَكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ النَّضْرِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ دُونَ وَلَدِ كِنَانَةَ وَمَنْ فَوْقَهُ، رُبَّمَا قَالُوا قُرَيْشِيٌّ وَهُوَ الْقِيَاسُ. اهـ. وَبِعِبَارَةٍ قُرَيْشٌ لَقَبُ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَقِيلَ لَقَبُ النَّضْرِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْعِرَاقِيُّ:

أَمَّا قُرَيْشٌ فَالْأَصَحُّ فِهْرٌ

جِمَاعُهَا وَالْأَكْثَرُونَ النَّضْرُ

وَلَا يُنْدَبُ كَوْنُهُ عَبَّاسِيًّا خِلَافًا لِلشَّارِحِ وتت وعج وَمَنْ تَبِعَهُمْ، وَلَا عَلَوِيًّا بِالْإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ " رضي الله عنهم " عَلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، وَهُوَ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَعَلَى خِلَافَةِ عُمَرَ رضي الله عنه، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَيْضًا، وَعَلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ رضي الله عنه وَهُوَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَيْضًا، وَعَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَهُوَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الضَّحِيَّةِ وَهَلْ هُوَ الْعَبَّاسِيُّ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَدْبَ كَوْنِهِ عَبَّاسِيًّا وَإِنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ مِنْهُ الشَّارِحُ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَإِنَّمَا اخْتَصَرَ فِيهِ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهَلْ الْإِمَامُ

ص: 263

فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلِّدِهِ

ــ

[منح الجليل]

الْمُعْتَبَرُ سَبْقُهُ الْخَلِيفَةَ كَالْعَبَّاسِيِّ الْيَوْمَ اهـ، وَقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَفَادَهُ طفي. أَبُو مُحَمَّدٍ مَنْ وَلِيَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رِضًا أَوْ عَنْ غَلَبَةٍ وَاشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ فَلَا يُخْرَجُ عَلَيْهِ عَدْلٌ أَوْ جَارٍ، وَيُغْزَى مَعَهُ الْعَدُوُّ وَيُحَجُّ الْبَيْتُ وَتُدْفَعُ إلَيْهِ الصَّدَقَةُ وَتُجْزِئُ إذَا طَلَبَهَا وَتُصَلَّى الْجُمُعَةُ خَلْفَهُ.

(وَحَكَمَ) الْقَاضِي الْمُقَلِّدِ (بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُشَدَّدَةً. ابْنُ الْحَاجِبِ يَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ. وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَلْ يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِ إمَامِهِ أَمْ لَا الْأَصْلُ عَدَمُ اللُّزُومِ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَحْجُرُونَ عَلَى الْعَوَامّ اتِّبَاعَ عَالِمٍ وَاحِدٍ وَلَا يَأْمُرُونَ مَنْ سَأَلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَنْ لَا يَسْأَلَ غَيْرَهُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى فِي حَقِّ الْقَاضِي لُزُومُ طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّهُ إنْ قَلَّدَ إمَامًا لَا يَعْدِلُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي لِتُهْمَتِهِ بِالْمَيْلِ، وَلَمَّا جَاءَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْحُكْمِ فِي قَضِيَّةٍ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

ابْنُ فَرْحُونٍ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ الْمُقَلِّدَ إذَا وَجَدَ الْمَشْهُورَ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ، وَقَدْ بَلَغَ الْمَازِرِيُّ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يُفْتِ قَطُّ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ، وَعَاشَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً، فَإِنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الرِّوَايَتَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ التَّشَهِّي وَالْحُكْمُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَتَرْجِيحٍ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي آدَابِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتَى مَنْ يُكْتَفَى بِكَوْنِ فَتْوَاهُ أَوْ عِلْمِهِ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَيَعْمَلُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ، فَقَدْ جَهِلَ وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ، فَإِذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْزَعَ فِي التَّرْجِيحِ إلَى صِفَاتِهِمْ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ، فَيَعْمَلَ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ وَالْأَوْرَعِ وَالْأَعْلَمِ، فَإِنْ اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِصِفَةٍ قُدِّمَ مَنْ هُوَ أَحْرَى بِالْإِصَابَةِ فَالْأَعْلَمُ الْوَرِعُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَوْرَعِ وَالْعَالِمِ، وَإِذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بَيَانُ الْأَصَحِّ مِنْهُمَا اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلِيهِمَا أَوْ قَائِلِيهِمَا.

ابْنُ فَرْحُونٍ وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِي أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَمُقَلِّدَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ وَأَنْوَاعُ

ص: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

التَّرْجِيحِ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ إنَّ كِتَابَهُ النَّوَادِرَ اشْتَمَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَالِكِيِّينَ، قَالَ وَلَا يَنْبَغِي الِاخْتِيَارُ مِنْ الْخِلَافِ لِلْمُتَعَلِّمِ وَلَا لِلْمُقَصِّرِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحَلٌّ لِاخْتِيَارِ الْقَوْلِ فَلَهُ اخْتِيَارُ الْمُعْتَنِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِذَلِكَ مِثْلِ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ وَعِيسَى بْنِ دِينَارٍ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ وَابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ أَكْثَرُهُمْ تَكَلُّفًا لِلِاخْتِيَارَاتِ وَابْنُ حَبِيبٍ لَمْ يَبْلُغْ فِي اخْتِيَارَاتِهِ وَقُوَّةِ رِوَايَاتِهِ مَبْلَغَ مَنْ ذَكَرْنَا، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى عَنْ الْأَحْكَامِ لِلْقَرَافِيِّ مَا نَصُّهُ الْحَاكِمُ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِالْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِهِ وَأَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ مُقَلِّدًا فِي رُجْحَانِ الْقَوْلِ الْمَحْكُومِ بِهِ إمَامُهُ.

وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فَحَرَامٌ إجْمَاعًا. نَعَمْ اُخْتُلِفَ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَسَاوَتْ وَعَجَزَ عَنْ التَّرْجِيحِ فَهَلْ يَتَسَاقَطَانِ أَوْ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا؟ يُفْتِي بِهِ قَوْلَانِ، فَعَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ لِلْفُتْيَا فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا يَحْكُمُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَاجِحٍ عِنْدَهُ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْفِقْهِ وَالْقَوَاعِدِ وَلَيْسَ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى. وَأَمَّا الْفُتْيَا وَالْحُكْمُ بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَلَا مَعْرِفَةٍ بِأَدِلَّتِهِمَا إجْمَاعًا، فَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّرْجِيحِ. اهـ. كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ. الْحَطّ فَتَحَصَّلَ مِنْهُ إذَا تَسَاوَى الْقَوْلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَعَجَزَ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى أَوْجُهِ التَّرْجِيحِ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.

ابْنُ فَرْحُونٍ لَا يَجُوزُ التَّسَاهُلُ فِي الْفَتْوَى وَمَنْ عُرِفَ بِهِ لَا يَجُوزُ اسْتِفْتَاؤُهُ، وَالتَّسَاهُلُ يَكُونُ بِأَنْ لَا يُثْبِتَ وَيُسْرِعَ بِالْفَتْوَى أَوْ الْحُكْمِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أَنَّ الْإِسْرَاعَ بَرَاعَةٌ وَالْإِبْطَاءَ عَجْزٌ، وَلَا يُبْطِئُ وَلَا يُخْطِئُ أَجْمَلَ بِهِ أَنْ يُعَجِّلَ فَيَضِلَّ وَيُضِلَّ، وَقَدْ يَكُونُ تَسَاهُلُهُ بِأَنْ تَحْمِلَهُ الْأَغْرَاضُ الْفَاسِدَةُ عَلَى تَتَبُّعِ الْحِيَلِ الْمَحْذُورَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ بِالتَّمَسُّكِ بِالشُّبْهَةِ طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ عَلَى مَنْ يَرُومُ نَفْعَهُ أَوْ

ص: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ يَرُومُ ضَرَرَهُ. ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ هَانَ عَلَيْهِ دِينُهُ، وَأَمَّا إذَا صَحَّ قَصْدُ الْمُفْتِي وَاحْتَسَبَ فِي طَلَبِ حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا وَلَا تَجُرُّ إلَى مَفْسَدَةٍ لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ مِنْ وَرْطَةِ يَمِينٍ أَوْ نَحْوِهَا فَذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ. الْقَرَافِيُّ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا تَشْدِيدٌ وَالْآخَرُ تَخْفِيفٌ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ الْعَامَّةَ بِالتَّشْدِيدِ وَالْخَوَاصَّ وَوُلَاةَ الْأُمُورِ بِالتَّخْفِيفِ فَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ الْفُسُوقِ وَالْخِيَانَةِ فِي الدِّينِ وَالتَّلَاعُبِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَدَلِيلٌ عَلَى فَرَاغِ الْقَلْبِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِجْلَالِهِ وَتَقْوَاهُ وَعِمَارَتِهِ بِاللَّعِبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى الْخَلْقِ دُونَ الْخَالِقِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ الْغَافِلِينَ. وَالْحَاكِمُ كَالْمُفْتِي فِي هَذَا.

(فَرْعٌ)

إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي النَّازِلَةِ نَصٌّ فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنْ قَاسَ عَلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ، أَوْ قَالَ يَجِيءُ مِنْ كَذَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ. خَلِيلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ جَوَازُهُ عَلَى مَدَارِك إمَامِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ. قُلْت يُرَدُّ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ لِأَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُ الْمُجْتَهِدِ لِامْتِنَاعِ تَوْلِيَةِ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِهِ، فَإِذَا كَانَ حُكْمُ النَّازِلَةِ غَيْرَ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُقَلِّدِ الْمُوَلَّى الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ فِي نَازِلَةٍ أُخْرَى تَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ، وَبِأَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي قِيَاسِهِ عَلَى أَقْوَالِ مَالِكٍ رضي الله عنه وَمُتَأَخِّرِيهِمْ كَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَالتُّونُسِيِّ وَالْبَاجِيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَجَدَهُ بَعْدَ اخْتِيَارَاتِهِ وَتَخْرِيجَاتِهِ فِي تَحْصِيلِهِ أَقْوَالًا، وَقَدْ عَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ فَتْوَى ابْنِ عَبْدِ الرَّءُوف وَابْنِ السَّبَّاقِ وَابْنِ دَحُونٍ وَنَحْوِهِمْ أَقْوَالًا، وَنَقَلَ لِابْنِ الطَّلَّاعِ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ وَجَعَلَهُ مُقَابِلًا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَصَّارِ.

الْحَطّ وَكَأَنَّ خَلِيلًا وَابْنَ عَرَفَةَ لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي الذَّخِيرَةِ وَبَحَثَهُ مَعَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَنَصُّهُ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَوْلُهُ فَإِنْ قَاسَ عَلَى قَوْلِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ، قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُقَلِّدُ قِسْمَانِ مُحِيطٌ بِأُصُولِ مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ وَقَوَاعِدِهِ بِحَيْثُ تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلَى مَذْهَبِهِ كَنِسْبَةِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ إلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا، فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ التَّخْرِيجُ وَالْقِيَاسُ بِشَرَائِطِهِ،

ص: 266

وَنَفَذَ حُكْمُ: أَعْمَى، وَأَبْكَمَ، وَأَصَمَّ، وَوَجَبَ عَزْلُهُ

وَلَزِمَ الْمُتَعَيِّنَ أَوْ الْخَائِفَ فِتْنَةً: إنْ لَمْ يَتَوَلَّ، أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ: الْقَبُولُ، وَالطَّلَبُ، وَأُجْبِرَ وَإِنْ بِضَرْبٍ،

ــ

[منح الجليل]

كَمَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ وَغَيْرِ مُحِيطٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّخْرِيجُ لِأَنَّهُ كَالْعَامِّيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي فَيُتَّجَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ اهـ.

(وَنَفَذَ) بِفَتَحَاتٍ مُعْجَمِ الدَّالِ، أَيْ مَضَى (حُكْمُ) قَاضٍ (أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فِيهِمَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ وَلِيَ كَذَلِكَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَهَا (وَوَجَبَ) عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (عَزْلُهُ) أَيْ الْأَعْمَى أَوْ الْأَبْكَمِ أَوْ الْأَصَمِّ عَنْ الْقَضَاءِ. ابْنُ رُشْدٍ الْخِصَالُ الَّتِي لَيْسَتْ مُشْتَرَطَةً فِي صِحَّةِ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ إلَّا أَنَّ عَدَمَهَا يُوجِبُ فَسْخَ تَوْلِيَتِهِ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا، فَإِنْ وَلِيَ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ وَجَبَ عَزْلُهُ مَتَى عَثَرَ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ جَائِزًا وَفِي التَّوْضِيحِ الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ لَا تُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ، وَلَكِنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَّصِفًا بِهَا وَعَدَمُهَا مُوجِبٌ لِعَزْلِهِ، وَيَنْفُذُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ.

(وَلَزِمَ) الْقَضَاءُ الشَّخْصَ (الْمُتَعَيِّنَ) لَهُ لِانْفِرَادِهِ بِشُرُوطِهِ فَيَلْزَمُهُ طَلَبُهُ وَقَبُولُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَوَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ تَوْلِيَتُهُ وَإِعَانَتُهُ عَلَى الْحَقِّ (أَوْ) الشَّخْصَ (الْخَائِفَ فِتْنَةً) بِعَدَمِ تَوَلِّيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عِيَالِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِشُرُوطِهِ (أَوْ) الْخَائِفَ (ضَيَاعَ الْحَقِّ) عَلَى مُسْتَحِقِّهِ بِتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُهُ (الْقَبُولُ وَالطَّلَبُ) لِتَوْلِيَتِهِ (وَ) إنْ امْتَنَعَ الْمُتَعَيِّنُ مِنْ الْقَبُولِ (أُجْبِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْقَبُولِ بِغَيْرِ ضَرْبٍ، بَلْ (وَإِنْ بِضَرْبٍ) قِيلَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَيُجْبَرُ بِالسِّجْنِ الضَّرْبُ، قَالَ نَعَمْ أَبُو عُمَرَ إنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَضَاءِ مَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ يُجْبَرُ بِالسِّجْنِ وَالضَّرْبِ. ابْنُ عَرَفَةَ قَبُولُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ إنْ كَانَ بِالْبَلَدِ عَدَدٌ يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَأُجْبِرَ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ. الْمَازِرِيُّ يَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ السَّعْيُ فِي طَلَبِهِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَلِهِ ضَاعَتْ الْحُقُوقُ أَوْ تَوْلِيَةُ مَنْ لَا يَحِلُّ أَنْ يُوَلَّى، وَكَذَا إنْ وَلِيَ مَنْ لَا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ وَلَا سَبِيلَ لِعَزْلِهِ إلَّا بِطَلَبِهِ.

ص: 267

وَإِلَّا فَلَهُ الْهَرَبُ وَإِنْ عُيِّنَ

ــ

[منح الجليل]

(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَلَا ضَيَاعَ الْحَقِّ (فَلَهُ) أَيْ مَنْ فِيهِ شُرُوطُهُ (الْهَرَبُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالرَّاءِ مِنْ تَوْلِيَتِهِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ الْإِمَامُ، بَلْ (وَإِنْ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مِنْ الْإِمَامِ لِتَوَلِّيَةِ الْقَضَاءِ. ابْنُ رُشْدٍ الْهُرُوبُ عَنْ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَطَلَبُ السَّلَامَةِ مِنْهُ لَازِمٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَرَوْضُ الْكِفَايَةِ كُلُّهَا تَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ إلَّا الْقَضَاءَ لِشِدَّةِ خَطَرِهِ فِي الدِّينِ. ابْنُ مَرْزُوقٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وِلَايَتَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمِحَنِ حَيْثُ جَازَتْ لَهُ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ هُنَا، وَلَمْ تَجُزْ لَهُ فِي الْجِهَادِ الْمُؤَدِّي لِلْمَوْتِ. ابْنُ شَاسٍ لِلْإِمَامِ إجْبَارُهُ وَلَهُ هُوَ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ تَعَيُّنَهُ لَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ.

1 -

(تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: إذَا لَزِمَهُ طَلَبُ الْقَضَاءِ فَطَلَبَهُ فَمُنِعَ مِنْهُ إلَّا بِبَذْلِ مَالٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِمْ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ يُعَانُ عَلَى الْحَقِّ، وَبَذْلُ الْمَالِ فِي الْقَضَاءِ مِنْ أَوَّلِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يُعَنْ عَلَى إبْطَالِهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ قَالَهُ الْحَطّ.

الثَّانِي: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ» ، فَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَأَرَادَهُ وَحَرَصَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ، وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَامْتُحِنَ بِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ أَعَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا اسْتَعَانَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ تُؤْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ تُعَنْ عَلَيْهَا وَإِنْ تُؤْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ تُوَكَّلْ إلَيْهَا» .

1 -

الثَّالِثُ: فِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ الْقَضَاءُ مِحْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ لِأَنَّ التَّخَلُّصَ مِنْهُ عُسْرٌ، فَالْهَرَبُ مِنْهُ وَاجِبٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ وَطَلَبُهُ نُوكٌ، وَإِنْ كَانَ حِسْبَةً قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إذَا خَلَصَتْ النِّيَّةُ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ وَلِيَهُ مَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ عليه السلام «إنَّا لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ» . اهـ. فِي الصِّحَاحِ

ص: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

النُّوكُ بِالضَّمِّ الْحُمْقُ، قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ:

وَدَاءُ النُّوكِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ

وَالنَّوَاكَةُ الْحَمَاقَةُ.

الرَّابِعُ: ابْنُ فَرْحُونٍ وَأَمَّا تَحْصِيلُ الْقَضَاءِ بِالرِّشْوَةِ فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي كِتَابِهِ آدَابُ الْقَضَاءِ مَنْ قَبِلَ الْقَضَاءَ بِقُبَالَةٍ وَأَعْطَى عَلَيْهِ رِشْوَةً فَوِلَايَتُهُ بَاطِلَةٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِحَقٍّ وَإِنْ أَعْطَى رِشْوَةً عَلَى عَزْلِ قَاضٍ لِيُوَلَّى مَكَانَهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ أَعْطَاهَا عَلَى عَزْلِهِ دُونَ وِلَايَةٍ فَعُزِلَ الْأَوَّلُ بِرِشْوَةٍ ثُمَّ اسْتَقْضَى هُوَ مَكَانَهُ بِغَيْرِ رِشْوَةٍ نُظِرَ فِي الْمَعْزُولِ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَأَعْطَاهُ الرِّشْوَةَ عَلَى عَزْلٍ حَرَامٌ وَلَا يَنْعَزِلُ وَيَبْقَى عَلَى وِلَايَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ عَزَلَهُ تَابَ وَرَدَّ الرِّشْوَةَ قَبْلَ عَزْلِهِ، وَقَضَاءُ الْمُسْتَخْلِفِ أَيْضًا بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَيَصِحُّ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَعْزُولُ جَائِرًا فَلَا يَبْطُلُ قَضَاءُ الْمُسْتَخْلِفِ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ قُلْت هَذَا تَخْرِيجًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ.

1 -

الْخَامِسُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْوِلَايَةُ، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّحْرِيرِ لِانْعِقَادِ الْوِلَايَةِ شُرُوطُ الْعِلْمِ بِشَرَائِطِ الْوِلَايَةِ فِي الْمُوَلَّى، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهَا إلَّا بَعْدَ التَّقْلِيدِ اسْتَأْنَفَهُ. الثَّانِي ذِكْرُ الْمُوَلَّى لَهُ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ الْإِمَارَةِ فَإِنْ جُهِلَ فَسَدَتْ، الثَّالِثُ ذِكْرُ الْبَلَدِ الَّذِي عُقِدَتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ لِيَمْتَازَ عَنْ غَيْرِهِ.

1 -

السَّادِسُ: الْقُرْطُبِيُّ الْأَلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَةُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ هِيَ وَلَّيْتُك وَقَلَّدْتُك وَاسْتَخْلَفْتُك وَاسْتَتَبْتُك، وَالْكِنَايَةُ ثَمَانِيَةُ أَلْفَاظٍ وَهِيَ اعْتَمَدْت عَلَيْك وَعَوَّلْت عَلَيْك وَرَدَدْت إلَيْك وَجَعَلْت إلَيْك وَفَوَّضْت إلَيْك وَوَكَّلْت إلَيْك وَاسْتَنَدْت إلَيْك وَعَهِدْت إلَيْك، وَتَحْتَاجُ الْكِنَايَةُ إلَى أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يَنْفِي الِاحْتِمَالَ مِثْلُ اُحْكُمْ فِيمَا اعْتَمَدْت عَلَيْك فِيهِ وَشِبْهِ ذَلِكَ.

السَّابِعُ: ابْنُ عَرَفَةَ تَثْبُتُ تَوْلِيَةُ الْإِمَامِ قَاضِيهِ بِإِشْهَادِهِ بِهَا نَصًّا وَالْأَصَحُّ ثُبُوتُهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ الدَّالَّةِ بِتَوَاتُرِهَا وَالْقَرَائِنِ عَلَى عِلْمِ ذَلِكَ وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ ثُبُوتَهَا بِكِتَابٍ يُقْرَأُ عَلَى الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَنْظُرْ الشُّهُودُ فِي الْكِتَابِ الْمَقْرُوءِ لِجَوَازِ أَنْ يَقْرَأَ الْقَارِئُ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ، وَلَوْ قَرَأَهُ

ص: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الْإِمَامُ صَحَّتْ، قُلْت سَمَاعُ الْإِمَامِ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ مَعَ سَمَاعِهِ وَسُكُوتِهِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ ضَرُورَةً بِتَوْلِيَتِهِ إيَّاهُ، وَنَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمَذْهَبِ ثُبُوتَ وِلَايَتِهِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ. اهـ. قَوْلُهُ يَقْرَأُ عَلَى الْإِمَامِ كَذَا فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْت مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ بَحْثُهُ وَاَلَّذِي فِي تَبْصِرَةِ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

1 -

الثَّامِنُ: ابْنُ فَرْحُونٍ إذَا كَانَ الْمُوَلَّى غَائِبًا وَقْتَ تَوْلِيَتِهِ جَازَ قَبُولُهُ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ بُلُوغِ التَّوْلِيَةِ إلَيْهِ، وَعَلَامَةُ قَبُولِهِ شُرُوعُهُ فِي الْعَمَلِ وَبِهَذَا جَرَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى وَقْتِنَا هَذَا.

1 -

التَّاسِعُ: فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ يَجُوزُ انْعِقَادُ وِلَايَةِ الْقَاضِي بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ كَالْوَكَالَةِ وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِيهِ، قَالُوا فَإِنْ كَانَتْ التَّوْلِيَةُ بِاللَّفْظِ مُشَافَهَةً فَالْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ لَفْظًا كَالْإِيجَابِ، وَفِي الْمُرَاسَلَةِ يَجُوزُ التَّرَاخِي بِالْقَبُولِ، قَالُوا وَفِي الْقَبُول بِالشُّرُوعِ فِي النَّظَرِ خِلَافٌ، وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِي الْجَوَازَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ.

الْعَاشِرُ: فِي الذَّخِيرَةِ الشَّافِعِيَّةِ إذَا انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَلِّي النَّظَرُ حَتَّى تَشِيعَ وِلَايَتُهُ فِي عَمَلِهِ لِيُذْعِنُوا لَهُ وَهُوَ شَرْطٌ أَيْضًا فِي وُجُوبِ طَاعَتِهِ، وَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ تَقْتَضِي مَا قَالُوهُ، فَإِنَّ التَّمَكُّنَ وَالْعِلْمَ شَرْطَانِ فِي التَّكْلِيفِ فَالشُّيُوعُ يُوجِبُ لَهُ الْمُكْنَةَ وَلَهُمْ الْعِلْمَ.

الْحَادِيَ عَشَرَ: ابْنُ الْحَاجِبِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَأْيِهِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَصَحَّتْ التَّوْلِيَةُ. خَلِيلٌ كَالْمَالِكِيِّ يُوَلِّي شَافِعِيًّا أَوْ حَنَفِيًّا وَلَوْ شَرَطَ أَيْ الْإِمَامُ عَلَى الْقَاضِي الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ اجْتِهَادٍ لَهُ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْعَقْدُ غَيْرُ جَائِزٍ يَنْبَغِي فَسْخُهُ وَرَدُّهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا وَفَرَضَ الْمَازِرِيُّ فِيهِ الْمَسْأَلَةَ قَالَ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُقَلِّدًا وَكَانَ مُتَّبِعًا لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَاضْطُرَّ إلَى وِلَايَةِ قَاضٍ مُقَلِّدٍ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَنْ لَا يَتَعَدَّى فِي قَضَائِهِ مَذْهَبَ مَالِكٍ رضي الله عنه لِمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ

ص: 270

وَحَرُمَ لِجَاهِلٍ، وَطَالِبِ دُنْيَا

وَنُدِبَ لِيُشْهِرَ عِلْمَهُ:

ــ

[منح الجليل]

الْإِقْلِيمِ وَالْبَلَدِ هَذَا الَّذِي الْقَاضِي وَلَّى عَلَيْهِمْ، وَقَدْ وَلَّى سَحْنُونٌ رَجُلًا سَمِعَ بَعْضَ كَلَامِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى الْحُكْمَ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْبَاجِيَّ فِي سِجِلَّاتِ قُرْطُبَةَ لَا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَ الطُّرْطُوشِيُّ هَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ أَرَادَ أَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ فِي قَوْلٍ مُعَيَّنٍ.

(وَحَرُمَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْقَضَاءُ (لِ) شَخْصٍ (جَاهِلٍ) الْأَوْلَى لِفَاقِدِ أَهْلِيَّتِهِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً. الْمَازِرِيُّ يَحْرُمُ طَلَبُ الْقَضَاءِ عَلَى فَاقِدِ أَهْلِيَّتِهِ (وَ) حَرُمَ أَيْضًا عَلَى (طَالِبِ دُنْيَا) يَجْمَعُهَا بِهِ لِجَوْرِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ يَجِبُ أَنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ مَنْ أَرَادَهُ. ابْنُ فَرْحُونٍ يَحْرُمُ طَلَبُهُ عَلَى مَنْ قَصَدَ بِهِ الِانْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ.

(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ طَلَبُ وَقَبُولُ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ لِصَاحِبِ عِلْمٍ خَفِيٍّ (لِيُشْهِرَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (عِلْمَهُ) لِلنَّاسِ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ لِأَنَّ الْخَامِلَ لَا يُعْبَأُ بِهِ وَلَا يُلْقَى إلَيْهِ، سَمِعَ فِي الْمَازِرِيِّ " ق " عَنْ بَعْضِهِمْ يُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِمُجْتَهِدٍ خَفِيَ عِلْمُهُ وَأَرَادَ إظْهَارَهُ بِوِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ وَلِعَاجِزٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ إلَّا بِرِزْقِ الْقَضَاءِ. الْمَازِرِيُّ وَلَا يُقْتَصَرُ بِالِاسْتِحْبَابِ عَلَى هَذَيْنِ إذْ يُسْتَحَبُّ لِلْأَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ. ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَازِرِيُّ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ أَنْهَضُ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ آخَرَ يُوَلَّاهُ وَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ. وَلَكِنَّهُ دُونَ هَذَا. اهـ. وَإِنْ قَصَدَ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَعَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ الْمُبَاحِ وَعَكْسُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا إذَا كَانَ عَدْلًا مَشْهُورًا يَنْفَعُ النَّاسَ بِعِلْمِهِ وَخَافَ إنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ، فَيُكْرَهُ لَهُ طَلَبُهُ وَقَبُولُهُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.

ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ فِي كَوْنِهِ فِي حَقِّ الْمَشْهُورِ عِلْمُهُ الْغَنِيِّ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا نَظَرٌ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَدُلُّ عَلَى الْإِبْعَادِ مِنْهُ اهـ. ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ الْمَكْرُوهِ أَنْ يَطْلُبَ الْقَضَاءَ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى النَّاسِ، فَهَذَا سَعْيُهُ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ حَرَامٌ كَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ تَكُنْ تَوْلِيَتُهُ مَلْزُومَةً لِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ تَكْلِيفِهِ تَقْدِيمَ مَنْ

ص: 271

كَوَرِعٍ، غَنِيٍّ، حَلِيمٍ، نَزِهٍ،

ــ

[منح الجليل]

لَا يَحِلُّ تَقْدِيمُهُ لِلشَّهَادَةِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي كَتْبِهِ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ فَقَالَ (كَ) تَوْلِيَةِ (وَرِعٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ تَارِكِ الشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَالنَّزِهِ هُوَ الَّذِي لَا يَطْمَعُ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ. فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه فِي صِفَةِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ذَا نَزَاهَةٍ عَنْ الطَّمَعِ. وَفِي الذَّخِيرَةِ ابْنُ مُحْرِزٍ لَا يَأْتِي بِمَا نُصِبَ لَهُ حَتَّى يَكُونَ ذَا نَزَاهَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَرَحْمَةٍ وَصَلَابَةٍ لِيُفَارِقَ بِالنَّزَاهَةِ التَّشَوُّفَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَبِالنَّصِيحَةِ يُفَارِقُ حَالَ مَنْ يُرِيدُ الظُّلْمَ، وَلَا يُبَالِي بِوُقُوعِ الْغِشِّ وَالْغَلَطِ وَالْخَطَأِ، وَبِالرَّحْمَةِ حَالَ الْقَاسِي الَّذِي لَا يَرْحَمُ الصَّغِيرَ وَالْيَتِيمَ وَالْمَظْلُومَ بِالصَّلَابَةِ حَالُ مَنْ يَضْعُفُ عَنْ اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ (غَنِيٍّ) سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ إذَا كَانَ الرَّجُلُ فَقِيرًا وَهُوَ أَعْلَمُ فِي الْبَلَدِ وَأَرْضَاهُمْ اسْتَحَقَّ الْقَضَاءَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْلِسَ لَهُ حَتَّى يَغْنَى وَيُقْضَى دَيْنُهُ.

الْمَازِرِيُّ وَهَذِهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَعَاهُ فَقْرُهُ إلَى اسْتِمَالَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَالضَّرَاعَةِ لَهُمْ وَتَمْيِيزِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِالْإِكْبَارِ إذَا تَخَاصَمُوا مَعَ الْفُقَرَاءِ، فَإِذَا كَانَ غَنِيًّا بَعُدَ ذَلِكَ. اهـ. زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَوْنَهُ بَلَدِيًّا وَلَا يَخَافُ فِي اللَّهِ تَعَالَى لَوْمَةَ لَائِمٍ وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الْوُلَاةَ الْيَوْمَ يُرَجِّحُونَ غَيْرَ الْبَلَدِيِّ عَلَى الْبَلَدِيِّ، وَالثَّانِي لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ لَوْمَةِ لَائِمٍ رَاجِعٌ إلَى الْفِسْقِ.

(حَلِيمٍ) حَسَنِ الْخُلُقِ يَتَحَمَّلُ مَا يَقَعُ بِحَضْرَتِهِ مِنْ الْخُصُومِ مِنْ غَيْرِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَسْتَفِزُّهُ الْغَضَبُ وَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ مَا لَمْ تُنْتَهَكْ حُرْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى (نَزِهٍ)

ص: 272

نَسِيبٍ، مُسْتَشِيرٍ: بِلَا دَيْنٍ وَحَدٍّ، وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ

ــ

[منح الجليل]

بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ قَنُوعٍ بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَتَطَلَّعُ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَيَسْتَوِي عِنْدَهُ الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ. " غ " أَيْ كَامِلِ الْمُرُوءَةِ. ابْنُ مَرْزُوقٍ أَيْ مُتَرَفِّعٍ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الرَّذَائِلِ وَالطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ. الْجَوْهَرِيُّ النَّزَاهَةُ الْبُعْدُ عَنْ السُّوءِ (نَسِيبٍ) أَيْ مَعْرُوفِ النَّسَبِ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ إلَى الطَّعْنِ فِيهِ حَسَدًا عَلَى مَنْصِبِ الْقَضَاءِ.

ابْنُ عَرَفَةَ سَحْنُونٌ لَا بَأْسَ بِوِلَايَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَلَا يُحْكَمُ فِي حَدِّهِ. الْبَاجِيَّ الْأَظْهَرُ مَنْعُهُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَوْضِعُ رِفْعَةٍ فَلَا يَلِيهِ وَلَدُ الزِّنَا كَالْإِمَامَةِ. أَصْبَغُ لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَفْتَى مَنْ حُدَّ فِي الزِّنَا إذَا تَابَ وَرُضِيَتْ حَالَتُهُ وَكَانَ عَالِمًا، وَيَجُوزُ حُكْمُهُ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ فِيهِ لِأَنَّ الْمَسْخُوطَ يَجُوزُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِجَوْرٍ أَوْ خَطَأٍ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَعَزَاهُ الْبَاجِيَّ لِأَصْبَغَ وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ.

(مُسْتَشِيرٍ) لِلْعُلَمَاءِ وَلَا يَسْتَقِلُّ بِرَأْيِهِ أَيْ شَأْنِهِ ذَلِكَ خَوْفَ خَطَئِهِ (بِلَا دَيْنٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ ذُلٌّ بِالنَّهَارِ وَهَمٌّ بِاللَّيْلِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِشَرْطِ الْغِنَى عَنْ شَرْطِ عَدَمِ الدَّيْنِ، فَإِنَّ وُجُودَ الدَّيْنِ مَعَ الْغِنَى بِمَا يَزِيدُ عَلَيْهِ لَا أَثَرَ لَهُ خَلِيلٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ (وَ) بِلَا (حَدٍّ) فِي قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ قَضَى فِيمَا حُدَّ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَيُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَضَاءَ وَصْفٌ زَائِدٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ، وَإِذَا تَابَ الْقَاضِي مِمَّا حُدَّ فِيهِ فَلَهُ الْحُكْمُ فِيهِ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَوْ تَابَ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِاسْتِنَادِ حُكْمِ الْقَاضِي لِلْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ، فَضَعُفَتْ تُهْمَتُهُ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ.

وَعَطَفَ عَلَى دَيْنٍ فَقَالَ (وَ) بِلَا زَائِدٍ (فِي الدَّهَاءِ) بِفَتْحِ الدَّالِ مَمْدُودًا كَذَا ضَبَطَهُ. ابْنُ قُتَيْبَةَ كَالذَّكَاءِ وَالْعَطَاءِ، وَكَذَا فِي ضِيَاءِ الْعُلُومِ، أَيْ الْفَطَانَةِ لِئَلَّا يَحْمِلَهُ عَلَى حُكْمِهِ بِالْفِرَاسَةِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ الْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ وَلِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ أَحْوَالِ الْخُصُومِ مَا لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - زِيَادًا لِذَلِكَ. الطُّرْطُوشِيُّ لَيْسَ يَحْسُنُ الزِّيَادَةُ فِي عَقْلِهِ الْمُؤَدِّيَةُ إلَى الدَّهَاءِ وَالْمَكْرِ، فَإِنَّ هَذَا مَذْمُومٌ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - زِيَادَ بْنَ سُمَيَّةَ

ص: 273

وَبِطَانَةِ سُوءٍ

وَمَنْعُ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ، وَالْمُصَاحِبِينَ لَهُ

وَتَخْفِيفُ الْأَعْوَانِ

ــ

[منح الجليل]

وَقَالَ كَرِهْت أَنْ أَحْمِلَ عَلَى فَضْلِ عَقْلِك وَكَانَ مِنْ الدُّهَاةِ. الْبِسَاطِيُّ وَقَعَ لِي مَعَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ قَرَّرَ فَرْقًا بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ مِنْ الطَّلَاقِ بِشَيْءٍ لَا يَفْهَمُهُ الْخَوَاصُّ إلَّا بِجَهْدٍ، فَقُلْت لَهُ هَذَا لَا يَقَعُ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ الَّذِينَ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِمْ فَهْمُ هَذَا وَلَوْ قُرِّرَ لَهُ طُولُ عُمْرِهِ فَتُؤَاخِذُهُ بِمَا لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَصَوُّرِهِ فَسَكَتَ.

(وَ) بِلَا (بِطَانَةِ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ خُلَطَاءِ (سُوءٍ) مِثْلُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ. ابْنُ عَرَفَةَ الَّذِي فِي الْمَعُونَةِ أَخَصُّ مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ يَسْتَبْطِنُ أَهْلَ الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالنَّزَاهَةِ فَيَسْتَعِينُ بِهِمْ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ كَوْنِهِ سَلِيمًا مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ. وَأَمَّا نَفْسُ السَّلَامَةِ مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ فَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهَا مِنْ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ. الشَّيْخُ عَنْهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَ مِنْ قُضَاتِهِ مَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ الضَّعْفَ وَالْوَهَنَ وَبِطَانَةَ السُّوءِ وَإِنْ أَمِنَ عَلَيْهِ الْجَوْرَ.

(وَ) نُدِبَ لِلْقَاضِي (مَنْعُ) الْأَشْخَاصِ (الرَّاكِبِينَ) أَيْ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ (مَعَهُ) أَيْ الْقَاضِي (وَ) الْأَشْخَاصِ (الْمُصَاحِبِينَ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، إذْ بِكَثْرَتِهِمْ تَعْظُمُ نَفْسُهُ وَيَهَابُهُ ذُو الْحَاجَةِ وَالضَّعِيفُ وَالْفَقِيرُ فَلَا يَصِلُونَ إلَيْهِ، وَلِاعْتِقَادِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي الْحَقَّ مِنْهُمْ وَلِتَوَصُّلِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُبْطِلِينَ بِهِمَا إلَى تَنْفِيذِ أَغْرَاضِهِمْ الْفَاسِدَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُكْثِرَ الدِّخَالَ عَلَيْهِ وَلَا الرِّكَابَ مَعَهُ وَلَا الْمُسْتَخْلِينَ مَعَهُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ كَانَتْ مِنْهُ بِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ أَمَانَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَفَضْلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِمْ، وَيَمْنَعُ أَهْلَ الرُّكُوبِ مَعَهُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا رَفْعِ مَظْلَمَةٌ وَلَا خُصُومَةٍ.

(وَ) نُدِبَ (تَخْفِيفُ الْأَعْوَانِ) لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْوَانٌ وَلَا لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَفِي سَمَاعِ الْأَخَوَيْنِ يَتَقَدَّمُ إلَى أَعْوَانِهِ، وَلَوْ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ أَعْوَانٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَطُوفُ وَحْدَهُ. إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى الْأَعْوَانِ فَلْيُخَفِّفْ مَا اسْتَطَاعَ وَيُقَامُ مِنْ مَجْلِسِهِ مَنْ جَلَسَ فِيهِ مُدَّعِيًا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفِيَّةَ الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّهُ

ص: 274

وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ وَحُكْمِهِ وَشُهُودِهِ

وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ،

ــ

[منح الجليل]

مِنْ حِيَلِ مُشَاكِلِي النَّاسِ إلَّا مَنْ كَانَ مَأْمُونًا مَرَضِيًّا.

(وَ) نُدِبَ (اتِّخَاذُ مَنْ) أَيْ عَدْلٍ (يُخْبِرُهُ) أَيْ الْعَدْلُ الْقَاضِيَ (بِمَا) أَيْ الْقَوْلِ الَّذِي (يُقَالُ) مِنْ النَّاسِ (فِي سِيرَتِهِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ حَالَةِ الْقَاضِي (وَحُكْمِهِ) فَإِنْ كَانَ خَيْرًا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَدَامَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا تَابَ مِنْهُ إنْ وَقَعَ وَإِلَّا بَيَّنَ وَجْهَهُ وَأَبْعَدَ تُهْمَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُنْدَبُ أَنْ يَجْعَلَ رِجَالًا عُدُولًا يَثِقُ بِهِمْ يَنْقُلُونَ إلَيْهِ مَا يَنْقِمُ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ خُلُقٍ أَوْ حُكْمٍ أَوْ قَبُولِ شَاهِدٍ أَوْ رَدِّهِ وَيَفْحَصُ عَنْ ذَلِكَ وَيَرْجِعُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْهُ، فَإِنَّ لَهُ فِي الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ مَنْفَعَةً لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ.

(وَ) فِي (شُهُودِهِ) أَيْ الْقَاضِي الْمُرَتَّبِينَ لِسَمَاعِ الدَّعَاوَى وَتَسْجِيلِهَا لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيهِمْ فَيُبْقِي عُدُولَهُمْ وَأَخْيَارَهُمْ وَصُلَحَاءَهُمْ وَيَطْرُدُ خِلَافَهُمْ. أَشْهَبُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي اتِّخَاذُ رَجُلٍ صَالِحٍ مَأْمُونٍ مُتَنَبِّهٍ أَوْ رَجُلَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ فِي السِّرِّ فِي مَسَاكِنِهِمْ. وَأَعْمَالِهِمْ. سَحْنُونٌ يَتَّخِذُ لِذَلِكَ مَنْ هُوَ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ حُسْنِ نَظَرِهِ فِي دِينِهِ وَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ فَهُوَ أَحْسَنُ. اللَّخْمِيُّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْرَفَ مُكْشِفُ الْقَاضِي لِأَنَّ فِيهِ فَسَادًا. أَشْهَبُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُكْشِفِ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ، وَلْيَسْأَلْ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ إنْ قَدَرَ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ أَشْهَبَ خَوْفَ أَنْ يُزَكِّيَهُ أَهْلُ وُدِّهِ أَوْ يُجَرِّحُهُ عَدُوُّهُ. ابْنُ شَعْبَانَ يَتَفَقَّدُ مَنْ يَرْكَبُ خَلْفَهُ لِئَلَّا يُدَلِّسَ بِهِمْ عَلَى النَّاسِ أَوْ يُدَلِّسُوا وَلَا يَقْبَلُ الْأَسْرَارَ إلَّا مِنْ الْأَخْيَارِ، وَلَا يُطْرَقْ لَهُ إذَا رَكِبَ وَلَا يُسْرِعُ الْمَسِيرَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ بَهَاءِ الْوَجْه.

(وَ) نُدِبَ (تَأْدِيبُ مَنْ) أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي (أَسَاءَ) أَيْ تَعَدَّى (عَلَيْهِ) أَيْ الْقَاضِي بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ لَهُ ظَلَمْتنِي أَوْ جُرْت عَلَيَّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَيَسْتَنِدُ فِيهِ لِعِلْمِهِ فَيُؤَدِّبُهُ، وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. أَمَّا مَنْ أَسَاءَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ وَأَرَادَ تَأْدِيبَهُ فَلَا يُؤَدِّبُهُ بِنَفْسِهِ، وَلْيَرْفَعْهُ لِقَاضٍ آخَرَ، وَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ إنْ أَنْكَرَهَا سَمِعَ. ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَأَيْت مَنْ قَالَ لِلْقَاضِي ظَلَمْتنِي قَالَ إنَّهُ يَخْتَلِفْ وَلَمْ

ص: 275

إلَّا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي: فَلْيَرْفُقْ بِهِ وَعَلَى خَصْمِهِ

ــ

[منح الجليل]

نَجِدْ فِيهِ تَفْسِيرًا إلَّا أَنَّ وَجْهَ مَا قَالَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَذَاهُ وَالْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ عَاقَبَهُ وَمَا نَزَلَ ذَلِكَ حَتَّى خَاصَمَ أَهْلَ الشَّرَفِ فِي الْعُقُوبَةِ فِي الْإِلْدَادِ.

ابْنُ رُشْدٍ لِلْقَاضِي الْفَاضِلِ الْعَدْلِ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ وَالْعُقُوبَةُ عَلَى مَنْ تَنَاوَلَهُ بِالْقَوْلِ وَآذَاهُ بِأَنْ نَسَبَهُ لِلظُّلْمِ وَالْجَوْرِ مُوَاجَهَةً بِحَضْرَةِ أَهْلِ مَجْلِسِهِ، بِخِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ آذَاهُ وَهُوَ غَائِبٌ بِلَا مُوَاجِهَةٍ لِأَنَّ مُوَاجِهَتَهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِقْرَارِ لَهُ، وَلَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ انْتَهَكَ مَالَهُ، وَإِذَا كَانَ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ فِيمَا لَهُ الْحُكْمُ لِغَيْرِهِ كَانَ أَحْرَى أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِقْرَارِ فِي عِرْضِهِ كَمَا يَحْكُمُ بِهِ فِي عِرْضِ غَيْرِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَقِّ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الِاجْتِرَاءَ عَلَى الْحُكَّامِ بِمِثْلِ هَذَا تَوْهِينٌ لَهُمْ، فَالْمُعَاقَبَةُ فِيهِ أَوْلَى مِنْ التَّجَافِي وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِهِ وَمَا نَزَلَ ذَلِكَ حَتَّى خَاصَمَ أَهْلُ الشَّرَفِ فِي الْعُقُوبَةِ فِي الْإِلْدَادِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْعُقُوبَةُ فِي هَذَا أَوْلَى مِنْ الْعَفْوِ.

(إلَّا فِي مِثْلِ) قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَحَاكِمِينَ لِلْقَاضِي (اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي) أَوْ اُذْكُرْ وُقُوفَك بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْقَضَاءِ بَيْنَك وَبَيْنَ النَّاسِ مِمَّا فِيهِ إشَارَةٌ لِلْإِسَاءَةِ فَلَا يُؤَدِّبُهُ (وَلْيَرْفُقْ) الْقَاضِي وُجُوبًا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْفَاءِ (بِهِ) أَيْ مَنْ قَالَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي، وَيَقُلْ لَهُ رَزَقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ تَقْوَاهُ، وَذَكَّرَنَا الْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعَالَى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ.

ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ قِيلَ لِلْقَاضِي اتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ لِهَذَا وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِ وَلْيَتَثَبَّتْ، وَيُجِيبُهُ جَوَابًا لَيِّنًا بِقَوْلِهِ رَزَقَنِي اللَّهُ تَعَالَى تَقْوَاهُ وَمَا أَمَرْتنِي إلَّا بِخَيْرٍ، وَمِنْ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ آخُذَ مِنْك الْحَقَّ إذَا بَانَ عِنْدَك وَلَا يُظْهِرُ لَهُ غَضَبًا.

(وَ) يُؤَدَّبُ مَنْ أَسَاءَ (عَلَى خَصْمِهِ) فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ بِقَوْلِهِ لَهُ يَا ظَالِمُ أَوْ يَا فَاجِرُ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ إنْ شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ أَسْرَعَ إلَيْهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ لَهُ يَا ظَالِمُ أَوْ يَا فَاجِرُ فَعَلَيْهِ زَجْرُهُ وَضَرْبُهُ إلَّا ذَا مُرُوءَةٍ فِي فِلْتَةٍ فَلَا يَضْرِبْهُ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُنْصِفْ النَّاسَ فِي أَعْرَاضِهِمْ لَمْ يُنْصِفْهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ. قُلْت ظَاهِرُهُ انْحِصَارُ الْحَقِّ لِلْخَصْمِ، وَالْحَقُّ أَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا إهَانَةٌ لِمَجْلِسِ الشَّرْعِ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ

ص: 276

وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ، إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ

ــ

[منح الجليل]

أَلَدَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِصَاحِبِهِ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ وَنَهَاهُ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُعَاقِبَهُ. ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ إلْدَادَهُ إذَايَةٌ وَإِضْرَارٌ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي كَفُّهُ عَنْهُ وَعِقَابُهُ عَلَيْهِ بِمَا يَرَاهُ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ.

قُلْت فِي حِفْظِي عَنْ بَعْضِهِمْ إنْ قَالَ لِخَصْمِهِ ظَلَمْتنِي أَوْ غَصَبْتنِي وَنَحْوَهُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ لَهُ يَا ظَالِمُ وَنَحْوُهُ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ أُدِّبَ إنْ لَمْ يَنْزَجِرْ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ لِابْنِ سَحْنُونٍ عَنْهُ إنْ قَالَ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ أَوْ بِمَا يَسْأَلُك اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَوْ مَا أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَاكَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ، وَيُؤَدَّبُ الْمَعْرُوفُ بِالْإِذَايَةِ بِقَدْرِ جُرْمِهِ وَقَدْرِ الرَّجُلِ الْمُنْتَهِكِ مِنْهُ وَبِقَدْرِ الشَّاتِمِ فِي إيذَائِهِ لِلنَّاسِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةً تَجَافَى عَنْهُ وَلِابْنِ كِنَانَةَ إنْ قَالَ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ فَإِنْ عَنَى أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِبَاطِلٍ فَلَا يُعَاقَبُ، وَإِنْ قَصَدَ أَذَاهُ وَالشُّهْرَةَ بِهِ نَكَلَ بِقَدْرِ حَالِ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.

(وَ) إذَا وَلَّى الْإِمَامُ قَاضِيًا فِي بَلَدٍ مَخْصُوصٍ وَلَمْ يَأْذَن لَهُ فِي اسْتِخْلَافِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ (لَمْ يَسْتَخْلِفْ) الْقَاضِي قَاضِيًا آخَرَ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ (إلَّا لِوُسْعِ) بِضَمِّ الْوَاوِ، أَيْ اتِّسَاعِ (عَمَلِهِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ، أَيْ الْبِلَادِ الَّتِي وُلِّيَ لِلْقَضَاءِ فِيهَا فَيَسْتَخْلِفُ قَاضِيًا يَقْضِي نِيَابَةً عَنْهُ (فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ) عَنْ بَلَدِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ. " ق " الْمُتَيْطِيُّ إذَا كَانَ نَظَرُ الْقَاضِي وَاسِعًا وَأَقْطَارُ مِصْرِهِ مُتَنَائِيَةً فَلَا يَرْفَعُ الْخُصُومَ إلَى مِصْرِهِ إلَّا فِيمَا مَنْ قَرُبَ مِنْ الْأَمْيَالِ الْقَرِيبَةِ لِأَنَّ مَا بَعُدَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ وَيُقَدِّمُ فِي الْجِهَاتِ الْبَعِيدَةِ حُكَّامًا يَنْظُرُونَ لِلنَّاسِ فِي أَحْكَامِهِمْ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُبَارِزَ الْعَدُوَّ إلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلْيُبَارِزْ وَلْيُقَاتِلْ بِغَيْرِ إذْنِهِ.

ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلَا يَلْزَمُ اسْتِئْذَانُهُ فِي مُبَارَزَةٍ وَلَا قِتَالٍ، قَالَ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْعَدْلُ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الِاسْتِئْذَانِ لَهُ لَا فِي طَاعَتِهِ إذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ أَوْ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ

ص: 277

مَنْ عَلِمَ مَا اسْتَخْلَفَ فِيهِ، وَانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ، لَا هُوَ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ، وَلَوْ الْخَلِيفَةَ.

ــ

[منح الجليل]

وَاجِبٌ عَلَى الرَّجُلِ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا نَهَى الْإِمَامُ عَنْ الِاسْتِخْلَافِ فَيُتَّفَقُ عَلَى مَنْعِهِ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ فَيُتَّفَقُ عَلَى جَوَازِهِ. وَفِي النَّوَادِرِ إذَا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ فَلَا نُبَالِي، كَانَ الْقَاضِي حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا وَكَانَ الْإِمَامُ وَلَّى قَاضِيَيْنِ أَحَدُهُمَا فَوْقَ صَاحِبِهِ وَإِنْ تَجَرَّدَ الْعَقْدُ عَنْ الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ، فَقَالَ سَحْنُونٌ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ وَإِنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَهُ ذَلِكَ إذَا مَرِضَ أَوْ سَافَرَ.

خَلِيلٌ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَذْهَبُ، أَيْ لِكَوْنِهِ صَدَّرَ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ هُنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى مَنْعِهِ إذَا عَدِمَ الْمَرَضَ وَالسَّفَرَ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ هَذَا إذَا اسْتَخْلَفَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَمَّا إنْ كَانَ عَمَلُهُ وَاسِعًا فَأَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَ فِي الْجِهَاتِ الْبَعِيدَةِ فَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ. الْمَازِرِيُّ وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ إنْ اُسْتُخْلِفَ فَقَضَى الْمُسْتَخْلِفُ فَلَا يَنْفُذُ إلَّا أَنْ يُنْفِذَهُ الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ وَيَسْتَخْلِفَ فِي الْجِهَةِ الْبَعِيدَةِ. (مَنْ) أَيْ الَّذِي (عَلِمَ مَا اسْتَخْلَفَ فِيهِ) مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ إلَّا إذَا اسْتَخْلَفَ فِي جَمِيعِهَا. ابْنُ شَاسٍ يُشْتَرَطُ فِي خَلِيفَتِهِ صِفَاتُ الْقُضَاةِ إلَّا إذْ لَمْ يُفَوَّضْ لَهُ إلَّا سَمَاعُ الشَّهَادَةِ وَالنَّقْلُ فَلَا يُشْتَرَطُ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ الْقَدْرِ ابْنُ الْحَاجِبِ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِمَا يُسْتَخْلَفُ فِيهِ (وَانْعَزَلَ) الْمُسْتَخْلَفُ بِفَتْحِ اللَّامِ (بِمَوْتِهِ) أَيْ مُسْتَخْلِفِهِ بِكَسْرِهَا، لِأَنَّهُ كَوَكِيلِهِ. ابْنُ شَاسٍ لَوْ مَاتَ الْقَاضِي وَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَكَانَهُ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ سُدَّ مَكَانِي وَنَفِّذْ مَا كُنْت صُدِّرْت فِيهِ لِلْقَضَاءِ وَاقْضِ فَلَا قَضَاءَ لَهُ وَلَا سُلْطَانَ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ بَعْدَ مَوْتِهِ (لَا) يَنْعَزِلُ (هُوَ) أَيْ الْقَاضِي (بِمَوْتِ الْأَمِيرِ) الَّذِي قَدَّمَ الْقَاضِيَ إنْ كَانَ الْأَمِيرُ غَيْرَ الْخَلِيفَةِ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (الْخَلِيفَةَ) .

ص: 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الْمُتَيْطِيُّ إذَا مَاتَ الْإِمَامُ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ وَقَدْ قَدَّمَ قُضَاةً وَحُكَّامًا وَوَلَّى الْأَمْرَ غَيْرَهُ وَقَضَى الْحُكَّامُ الَّذِينَ قَدَّمَهُمْ الْمَيِّتُ أَوْ الْقُضَاةُ بِقَضَايَا بَيْنَ مَوْتِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَقِيَامِ الثَّانِي وَبَعْدَ قِيَامِهِ وَقَبْلَ تَنْفِيذِهِ إلَيْهِمْ الْوِلَايَةَ وَتَمْضِيَتِهِ لَهُمْ الْحُكُومَةَ فِيمَا قَضَوْا فِي الْفَتْرَةِ وَحَكَمُوا فِيهِ فَأَقْضِيَتُهُمْ نَافِذَةٌ وَأَحْكَامُهُمْ جَائِزَةٌ وَسِجِلَّاتُهُمْ مَاضِيَةٌ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ وُلَاةِ الْأَيْتَامِ يُقَدِّمُهُمْ الْقَاضِي عَلَى النَّظَرِ لِلْأَيْتَامِ، ثُمَّ يَمُوتُ الْقَاضِي أَوْ يُعْزَلُ فَتَقْدِيمُهُ لَهُمْ مَاضٍ وَفِعْلُهُمْ جَائِزٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُمْضِيَهُ الْقَاضِي الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ.

أَصْبَغُ لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي بِمَوْتِ مُوَلِّيهِ كَانَ الْإِمَامَ أَوْ أَمِيرَهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ إذَا مَاتَ الْمُسْتَخْلِفُ خَلِيلٌ بِكَسْرِ اللَّامِ، لَمْ يَنْعَزِلْ مُسْتَخْلَفُهُ خَلِيلٌ بِفَتْحِهَا، وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ فَيَتَنَاوَلُ الْإِمَامَ وَالْأَمِيرَ وَالْقَاضِيَ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا عَدَا الْقَاضِي وَنَائِبَهُ، فَإِنَّ نَائِبَ الْقَاضِي يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي نَصَّ عَلَيْهِ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ وَابْنُ حَبِيبٍ. ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ أَعْلَمْهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعِنْدِي أَنَّ مَا قَالُوهُ مِنْ انْعِزَالِ نَائِبِ الْقَاضِي بِمَوْتِ الْقَاضِي صَحِيحٌ إنْ كَانَ الْقَاضِي اسْتَنَابَهُ بِمُقْتَضَى الْوِلَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ اسْتَنَابَ رَجُلًا مُعَيَّنًا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ أَوْ الْخَلِيفَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَزِلَ ذَلِكَ النَّائِبُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَلَوْ أَذِنَ فِي النِّيَابَةِ إذْنًا مُطْلَقًا فَاخْتَارَ الْقَاضِي رَجُلًا، فَفِي انْعِزَالِهِ بِمَوْتِ الْقَاضِي نَظَرٌ. خَلِيلٌ اُنْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَ نَائِبِ الْقَاضِي فِي انْعِزَالِهِ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَبَيْنَ نَائِبِ الْأَمِيرِ فِي عَدَمِ انْعِزَالِهِ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ فَضْلٌ وَغَيْرُهُ اهـ.

ابْنُ مَرْزُوقٍ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى هَذَا النَّقْلِ، وَذَكَرَ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَنْ وَلَّاهُ الْقَاضِي لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَلَا بِعَزْلِهِ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ شَاسٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ تَرْجِيحُهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ أَصْبَغَ، وَنَصَّهُ الْمَازِرِيُّ، ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه إنْ وَلَّى الْقَاضِي رَجُلًا عَلَى أَمْرٍ مُعَيَّنٍ كَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ انْعَزَلَ عَنْ ذَلِكَ بِانْعِزَالِ الْقَاضِي، وَإِنْ وَلَّاهُ حُكُومَةً مُسْتَقِلَّةً فَفِي انْعِزَالِهِ

ص: 279

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ: أَنَّهُ قَضَى بِكَذَا.

وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ

ــ

[منح الجليل]

بِانْعِزَالِهِ، ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ مَنْ وَلَّاهُ قُلْت لَمْ يَعْزُ شَيْئًا مِنْهَا لِلْمَذْهَبِ، وَمَفْهُومُ مَا تَقَدَّمَ لِأَصْبَغَ انْعِزَالُ نَائِبِ الْقَاضِي فِي حُكْمٍ بِمَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ.

الْبُرْزُلِيُّ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ أَمِيرِ مَدِينَةٍ كَتَبَ إلَى الْأَمِيرِ الْأَعْلَى فِي تَقْدِيمِ قَاضٍ وَعَنَى رَجُلًا فَكَتَبَ إلَيْهِ بِتَوْلِيَتِهِ فَفَعَلَ وَكَتَبَ لَهُ صَكًّا بِتَقْدِيمِهِ عَلَى أَمْرِ الْأَمِيرِ الْأَعْلَى، فَحَكَمَ بِذَلِكَ ثُمَّ وَلَّى صَاحِبَ مُنَاكِحَ فَحَكَمَ بِطُولِ حَيَاةِ الْقَاضِي وَهُوَ بِعِلْمِ الْأَمِيرِ فَمَاتَ الْقَاضِي وَبَقِيَ صَاحِبُ الْمُنَاكِحِ عَلَى خُطَّتِهِ وَطَرِيقِهِ مِنْ شَهَادَةِ الْفُقَهَاءِ عِنْدَهُ وَالْإِعْلَامِ بِذَلِكَ فِيمَا يَرْجِعُ لِلنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ فَهَلْ تَمْضِي أَحْكَامُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْقَاضِي أَوْ تُفْسَخُ فَأَجَابَ لَا تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَهُوَ عَلَى خُطَّتِهِ حَتَّى يَعْزِلَهُ مَنْ يُوَلَّى بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ وَفِعْلُهُ جَائِزٌ صَحِيحٌ.

(وَ) إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ عُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ فَرَفَعَ أَحَدُهُمَا لِلْقَاضِي الْجَدِيدِ، وَأَنْكَرَ حُكْمَ الْمَعْزُولِ فَ (لَا تُقْبَلُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (شَهَادَتُهُ) أَيْ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ (بَعْدَهُ) أَيْ عَزْلِهِ (أَنَّهُ قَضَى) بَيْنَهُمَا (بِكَذَا) قَبْلَ عَزْلِهِ وَلَوْ شَهِدَ مَعَهُ آخَرُ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ قَالَ بَعْدَ الْعَزْلِ قَضَيْت بِكَذَا أَوْ أَشْهَدُ بِأَنَّهُ قَضَى فَلَا يُقْبَلُ. ابْنُ عَرَفَةَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ أَنَّهُ قَبْلَ الْعَزْلِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ شَهَادَةَ الْقَاضِي بِقَضَاءٍ قَضَى بِهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ أَوْ غَيْرُ مَعْزُولٍ لَا تُقْبَلُ. ابْنُ رُشْدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْنًى خَفِيَ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي قَبْلَ عَزْلِهِ قَضَيْت بِكَذَا لَا يُقْبَلُ إنْ كَانَ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ كَتَخَاصُمِ رَجُلَيْنِ عِنْدَ قَاضٍ فَيَحْتَجُّ أَحَدُهُمَا بِأَنَّ قَاضِي بَلَدِ كَذَا قَضَى لِي بِكَذَا، أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ كَذَا فَيَسْأَلُهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْتِيهِ بِكِتَابَةٍ مَنْ عِنْدَهُ أَنِّي حَكَمْت لِفُلَانٍ أَوْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي لِفُلَانٍ كَذَا، فَهَذِهِ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ وَلَوْ أَتَى الرَّجُلُ ابْتِدَاءً لِلْقَاضِي فَقَالَ لَهُ خَاطِبْ لِي قَاضِي بَلَدِ كَذَا بِمَا ثَبَتَ لِي عِنْدَك عَلَى فُلَانٍ أَوْ بِمَا حَكَمْت لِي بِهِ عَلَيْهِ فَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ قُبِلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ لَا شَاهِدٌ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَنْفُذُ فِيمَا يُسَجِّلُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَشْهَدُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا دَامَ فِي قَضَائِهِ.

(وَجَازَ تَعَدُّدُ) قَاضٍ (مُسْتَقِلٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ (عَامٍّ) أَيْ مُنْفَرِدٍ كُلُّ قَاضٍ

ص: 280

أَوْ خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ، أَوْ نَوْعٍ

ــ

[منح الجليل]

بِالْحُكْمِ فِي جَمِيعِ مَمْلَكَةِ الْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ (أَوْ) تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ (خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ) أَيِّ جِهَةٍ مِنْ مَمْلَكَةِ مَنْ وَلَّاهُ (أَوْ) تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ خَاصٍّ بِ (نَوْعٍ) مِنْ أَنْوَاعِ الْفِقْهِ كَالنِّكَاحِ أَوْ الْبَيْعِ وَمَفْهُومُ مُسْتَقِلٍّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ مُتَعَدِّدٍ مُشْتَرَكٍ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ اتِّحَادُ الْمُوَلَّى. ابْنُ عَرَفَةَ تَجُوزُ تَوْلِيَةُ قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ عَلَى أَنْ يَخُصَّ مِنْهُمَا بِنَاحِيَةٍ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ نَوْعٍ مِنْ الْمَحْكُومِ فِيهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ يَصِحُّ التَّخْصِيصُ فِيهَا وَالتَّحْجِيرُ. فَلَوْ اسْتَثْنَى فِي وِلَايَتِهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَى رَجُلٍ مُعَيَّنٍ صَحَّ ذَلِكَ. ابْنُ فَتْحُونٍ وَيَنْفَرِدُ الْقُضَاةُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ بِخُطَّةِ الْمُنَاكِحِ فَيُوَلَّاهَا عَلَى حِدَةٍ.

ابْنُ عَرَفَةَ كَمَا فِي بِلَادِ تُونُسَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالنِّكَاحِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، وَالْآخَرِ بِمَا سِوَى ذَلِكَ، قَالَ وَكَذَا عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ مَعَ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِنُفُوذِ حُكْمِهِ وَمَنَعَهُ بَعْضُ النَّاسِ بِمُقْتَضَى السِّيَاسَةِ خَوْفَ تَنَازُعِ الْخُصُومِ فِيمَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، وَمُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرْعِ جَوَازُهُ لِأَنَّ لِذِي الْحَقِّ اسْتِنَابَةَ مَنْ شَاءَ عَلَى حَقِّهِ وَلَوْ تَعَدَّدَ، وَالتَّنَازُعُ يَرْتَفِعُ شَغَبُهُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِ الطَّالِبِ، وَإِنْ تَطَالَبَا قُضِيَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا هُوَ فِيهِ طَالِبٌ بِمَنْ يُرِيدُهُ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي التَّبْدِئَةِ بُدِئَ الْأَوَّلُ، فَإِنْ اقْتَرَنَا فَفِي الْقُرْعَةِ وَتَرْجِيحِ مَنْ دُعِيَ إلَى الْأَقْرَبِ خِلَافٌ.

وَاسْتُدِلَّ عَلَى جَوَازِ التَّعَدُّدِ بِالْقِيَاسِ عَلَى جَوَازِ تَوْلِيَةِ الْوَاحِدِ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْإِمَامِ مَعَهُ، وَفُرِّقَ بِيُسْرِ رَفْعِ التَّنَازُعِ عِنْدَ اخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا بِعَزْلِ الْإِمَامِ قَاضِيَهُ وَتَعَذُّرِ عَزْلِ أَحَدِ الْقَاضِيَيْنِ الْآخَرَ. وَتَعَدُّدُهُمَا بِشَرْطِ وَقْفِ نُفُوذِ حُكْمِهِمَا عَلَى اتِّفَاقِهِمَا مَنَعَهُ ابْنُ شَعْبَانَ، وَقَالَ لَا يَكُونُ الْحَاكِمُ نِصْفَ حَاكِمٍ وَغَلَا فِيهِ الْبَاجِيَّ فَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى مَنْعِهِ، وَأَجَابَ عَنْ الِاعْتِرَاضِ بِتَعَدُّدِ حُكْمَيْ الصَّيْدِ وَالزَّوْجَيْنِ بِأَنَّهُمَا إنْ اخْتَلَفَا انْتَقَلَ لِغَيْرِهِمَا وَالْقَاضِيَانِ هُمَا بِوِلَايَةٍ لَا يَصِحُّ التَّنَقُّلُ فِيهَا بَعْدَ انْعِقَادِهَا، وَاخْتِلَافُهُمَا يُؤَدِّي لِتَضْيِيعِ الْأَحْكَامِ، وَالْغَالِبُ اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ كَانَا مُقَلَّدَيْنِ فَوِلَايَةُ الْمُقَلِّدِ مَمْنُوعَةٌ الْمَازِرِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَقُومُ عَلَى الْمَنْعِ إنْ اقْتَضَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً وَدَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ فِي نَازِلَةٍ رَأَى الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا تَرْتَفِعُ

ص: 281

وَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ،

ــ

[منح الجليل]

التُّهْمَةُ وَالرِّيبَةُ إلَّا بِقَضَاءِ رَجُلَيْنِ فِيهَا، فَإِنْ اخْتَلَفَ نَظَرُهُمَا فِيهَا اسْتَظْهَرَ بِغَيْرِهِمَا.

قُلْت مَنَعَ الْبَاجِيَّ وَابْنُ شَعْبَانَ إنَّمَا هُوَ فِي تَوْلِيَةِ قَاضِيَيْنِ وِلَايَةً مُطْلَقَةً لَا فِي مَسْأَلَةٍ جُزْئِيَّةٍ كَمَا فَرَضَهُ الْمَازِرِيُّ، قَالَ وَذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ أَنَّهُ وَلِيَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ ثَلَاثَةُ قُضَاةٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَلَمْ يُنْكِرْهَا مَنْ كَانَ بِذَلِكَ الْبَلَدِ مِنْ فُقَهَائِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَبْلَ هَذَا بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ، وَكَوْنُهُ وَاحِدًا عَدَّهُ عِيَاضٌ مِنْ الشُّرُوطِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّ مَانِعَ التَّعَدُّدِ دَائِمًا هُوَ خَوْفُ تَنَاقُضِهِمَا وَلَا يُتَصَوَّرُ إضَافَةُ الْحُكْمِ لَهُمَا إلَّا مَعَ اتِّفَاقِهِمَا، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ إمْضَاؤُهُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْمَنْعِ، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ مِنْ الشُّرُوطِ الثَّانِيَةِ إلَّا هَذَا. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ مَنْعَ تَعَدُّدِهِمَا إنَّمَا هُوَ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِاخْتِلَافِهِمَا لَا بِعَيْنِ اخْتِلَافِهِمَا، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمَظِنَّةِ لَا يَبْطُلُ بِانْتِقَاءِ مَظْنُونِهِمَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ كَمَسْأَلَةِ اسْتِثْنَاءِ جِلْدِ الشَّاةِ الْمَبِيعَةِ فِي السَّفَرِ إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ وَغَيْرُهَا مِنْ الْمَسَائِلِ.

وَاسْتَدَلَّ الْبَاجِيَّ عَلَى مَنْعِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَبِتَأْدِيَتِهِ إلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ وَغَالِبِ الْآرَاءِ، قَالَ وَلَا يُعْتَرَضُ هَذَا بِحُكْمَيْ الصَّيْدِ وَالزَّوْجَيْنِ لِأَنَّهُمَا إنْ اخْتَلَفَا تَيَسَّرَ الِانْتِقَالُ عَنْهُمَا لِغَيْرِهِمَا، وَهَذَا فِي الْقَضَاءِ مُتَعَذِّرٌ. الْمَازِرِيُّ لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِهِمَا فِي نَازِلَةٍ مُعَيَّنَةٍ إنْ دَعَتْ لِذَلِكَ ضَرُورَةٌ، فَإِنْ اخْتَلَفَا نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ وَيَسْتَظْهِرُ بِغَيْرِهِمَا، وَذَكَرَ الْبَاجِيَّ أَنَّهُ وَلَّوْا فِي بَعْضِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ ثَلَاثَةَ قُضَاةٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ فُقَهَاءُ ذَلِكَ الْبَلَدِ الْمَازِرِيُّ قَدْ يَظْهَرُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ فِي قِصَصٍ خَاصَّةٍ، وَأَمَّا فِي قِصَصٍ عَامَّةٍ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ. قُلْت إنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْقَضَاءِ الْعَامِّ، وَأَمَّا فِي نَازِلَةٍ مُعَيَّنَةٍ يُوقَفُ نُفُوذُ الْحُكْمِ فِيهَا عَلَى اتِّفَاقِهِمَا، فَمَا أَظُنُّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهَا، وَهَذِهِ نَوْعُ قَضِيَّةِ تَحْكِيمِ رَجُلَيْنِ، وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ فِي تَحْكِيمِهِمَا أَبَا مُوسَى وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - اهـ.

(وَ) إنْ تَعَدَّدَ الْقُضَاةُ الْمُسْتَقِلُّونَ وَتَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي الرَّفْعِ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّفْعَ إلَى قَاضٍ وَالْآخَرُ الرَّفْعَ إلَى غَيْرِهِ فَ (الْقَوْلُ لِلطَّالِبِ) ابْنُ عَرَفَةَ وَتَعَدُّدُهُمَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ كُلُّ وَاحِدٍ

ص: 282

ثُمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ؛ وَإِلَّا أُقْرِعَ كَالِادِّعَاءِ

وَتَحْكِيمُ غَيْرِ خَصْمٍ

ــ

[منح الجليل]

مُسْتَقِلٌّ بِالْقَضَاءِ فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ نَوْعٍ خَاصٍّ فَذَلِكَ جَائِزٌ. الْمَازِرِيُّ فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِغَيْرِ مَنْ ادَّعَى إلَيْهِ الْآخَرُ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ، فَإِنْ تَسَاوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مَسَافَةً لِمَنْ دُعِيَ إلَى الْحُكْمِ عِنْدَهُ (ثُمَّ) إنْ تَطَالَبَا فَالْقَوْلُ لِ (مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ) الْمَازِرِيُّ لَوْ فَرَضْنَا الْخَصْمَيْنِ جَمِيعًا طَالِبَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ صَاحِبَهُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ عِنْدَ مَنْ شَاءَ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْتَدِئُ بِالطَّلَبِ وَفِيمَنْ يَذْهَبَانِ إلَيْهِ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ حَيْثُ لَا سَابِقَ مِنْ رُسُلِ الْقَاضِيَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِسَبْقِ الطَّلَبِ عَلَى الْآخَرِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ تَطَالَبَا قُضِيَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا هُوَ فِيهِ طَالِبٌ بِمَنْ يُرِيدُهُ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي التَّبْدِئَةِ بُدِئَ الْأَوَّلُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ رَسُولُ أَحَدِهِمَا بِأَنْ اسْتَوَيَا فِي الْمَجِيءِ (أَقُرِعَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (بَيْنَهُمَا) ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنْ اقْتَرَنَا فَفِي الْقُرْعَةِ وَتَرْجِيحِ مَنْ دُعِيَ إلَى الْأَقْرَبِ خِلَافٌ، وَشَبَّهَ فِي تَقْدِيمِ الطَّالِبِ ثُمَّ الْقُرْعَةُ فَقَالَ (كَالِادِّعَاءِ) أَيْ ذَكَرَ الدَّعْوَى لِلْقَاضِي فَيُقَدَّمُ الطَّالِبُ بِالْكَلَامِ، فَإِنْ تَطَالَبَا فَالْقُرْعَةُ أَيُّهُمَا يَتَكَلَّمُ أَوَّلًا.

(وَ) جَازَ (تَحْكِيمُ) رَجُلٍ (غَيْرِ خَصْمٍ) أَيْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ وَلَا عَلَيْهَا. " ق " فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا أَمْضَاهُ الْقَاضِي وَلَا يَرُدُّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا عِنْدَ الْقَاضِي. ابْنُ حَارِثٍ عَنْ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ إنْ خَالَفَ رَأْيَهُ. الْمَازِرِيُّ تَحْكِيمُ الْخَصْمَيْنِ غَيْرَهُمَا جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيَا فَقِيهًا يَعْمَلَانِ بِفَتْوَاهُ فِي قَضِيَّتِهِمَا ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِهَا جَوَازُهُ ابْتِدَاءً، وَلَفْظُ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْوُقُوعِ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ حَكَمَ خَصْمُهُ فَثَالِثُهَا يَمْضِي مَا لَمْ يَكُنْ الْمُحَكِّمُ الْقَاضِيَ.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذِهِ الْأَقْوَالُ صَحِيحَةٌ حَكَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ أَوْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي أَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ مَاضٍ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَمْضِي لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الْخِلَافِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَجَزَمَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ بِالْجَوَازِ، فَقَالَ مَسْأَلَةٌ إذَا

ص: 283

وَجَاهِلٍ، وَكَافِرٍ، وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ: فِي مَالٍ، وَجُرْحٍ. لَا حَدٍّ، وَلِعَانٍ، وَقَتْلٍ، وَوَلَاءٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ،

ــ

[منح الجليل]

حَكَّمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ فَحَكَمَ لِنَفْسِهِ أَوْ عَلَيْهَا جَازَ، وَمَضَى مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا، وَلَيْسَ تَحْكِيمُ الشَّخْصِ خَصْمَهُ كَتَحْكِيمِ خَصْمِ الْقَاضِي. أَصْبَغُ لَا أُحِبُّ ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى وَلْيَذْكُرْ فِي تَسْجِيلِهِ رِضَاهُ بِالتَّحَاكُمِ إلَيْهِ. وَقِيلَ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ اهـ.

الْحَطّ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ هَذَا بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ فَرْحُونٍ جَازَ وَمَضَى هَلْ مَعْنَاهُ جَازَ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي جَوَازِ تَحْكِيمِ الْخَصْمِ خَصْمَهُ مُطْلَقًا وَكَرَاهَتِهِ إنْ كَانَ الْقَاضِيَ. ثَالِثُهَا لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إنْ كَانَ الْقَاضِيَ لِنَقْلِ الْمَازِرِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَالشَّيْخِ عَنْ أَصْبَغَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْأَخَوَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ فَرْحُونٍ تَرْجِيحُ جَوَازِهِ ابْتِدَاءً. الْبُنَانِيُّ وَعَلَى كُلٍّ فَعَلَى الْمُصَنِّفِ دَرَكٌ فِي التَّقْيِيدِ بِغَيْرِ خَصْمٍ لِأَنَّ تَحْكِيمَ الْخَصْمِ عَلَى جَوَازِهِ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ وُقُوعِهِ مُسَاوٍ لِتَحْكِيمِ غَيْرِهِ.

(وَغَيْرِ جَاهِلٍ) اللَّخْمِيُّ إنَّمَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ لِعَدْلٍ مُجْتَهِدٍ أَوْ عَامِّيٍّ يَحْكُمُ بِاسْتِرْشَادِ الْعُلَمَاءِ (وَ) غَيْرِ (كَافِرٍ) اللَّخْمِيُّ اتَّفَقَتْ أَقْوَالُ مَنْ يُذْكَرُ بَعْدُ عَلَى أَنْ لَا يَحْكُمَ جَاهِلٌ بِالْحُكْمِ لِأَنَّهُ تَخَاطُرٌ وَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مُوَسْوَسٍ اتِّفَاقًا. ابْنُ رُشْدٍ أَشَارَ وَاللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ إلَى أَنَّ الْجَاهِلَ يُتَّفَقُ عَلَى بُطْلَانِ حُكْمِهِ لِأَنَّ تَحْكِيمَهُ خَطَرٌ وَغَرَرٌ (وَ) لَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ شَخْصٍ (غَيْرِ مُمَيِّزٍ) لِجُنُونٍ أَوْ وَسْوَسَةٍ أَوْ إغْمَاءٍ. الْبُنَانِيُّ وَهَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ وَجَاهِلٍ. قُلْت وَكَذَا قَوْلُهُ كَافِرٍ وَيَجُوزُ التَّحْكِيمُ لِلْعَدْلِ الْعَالِمِ (فِي مَالٍ وَجُرْحٍ) ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَصِحُّ لِأَحَدِهِمَا تَرْكُ حَقِّهِ فِيهِ. اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا (لَا) يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي (حَدٍّ) لِقَذْفٍ أَوْ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ سُكْرٍ (وَ) لَا فِي (قَتْلٍ) لِقَاتِلٍ أَوْ تَارِكِ صَلَاةٍ (وَ) لَا فِي (لِعَانٍ) سَحْنُونٌ وَلَا يَنْبَغِي فِي لِعَانٍ وَلَا حَدٍّ إنَّمَا هُمَا لِقُضَاةِ الْأَمْصَارِ الْعِظَامِ. أَصْبَغُ وَلَا فِي قِصَاصٍ وَلَا حَدِّ قَذْفٍ وَلَا طَلَاقٍ وَلَا عِتْقٍ وَلَا نَسَبٍ وَلَا وَلَاءٍ لِأَنَّهَا لِلْإِمَامِ (وَ) لَا فِي (وَلَاءٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَمْدُودًا عَلَى عَتِيقٍ (وَ) لَا فِي (نَسَبٍ) لِأَبٍ (وَ) لَا فِي (طَلَاقٍ)(وَ) لَا فِي

ص: 284

وَعِتْقٍ

وَمَضَى، إنْ حَكَمَ صَوَابًا، وَأُدِّبَ، وَصَبِيٍّ، وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ، وَفَاسِقٍ. ثَالِثُهَا، إلَّا الصَّبِيَّ، وَرَابِعُهَا: إلَّا وَفَاسِقٍ؛

ــ

[منح الجليل]

عِتْقٍ) لِخَطَرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِ الْخَصْمَيْنِ بِهَا إمَّا لِلَّهِ تَعَالَى كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَإِمَّا لِآدَمِيٍّ كَحَقِّ الْوَلَدِ فِي اللِّعَانِ وَالنَّسَبِ وَالْعَصَبَةِ فِي الْوَلَاءِ.

(وَمَضَى) حُكْمُ الْمُحَكَّمِ فِي حَدٍّ أَوْ قَتْلٍ أَوْ لِعَانٍ أَوْ وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَلَا يَنْقُضُهُ الْإِمَامُ وَلَا الْقَاضِي (إنْ حَكَمَ) الْمُحَكَّمُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُكْمًا (صَوَابًا وَأُدِّبَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلَةً الْمُحَكَّمُ إنْ أَنْفَذَ حُكْمَهُ بِأَنْ قَتَلَ أَوْ ضَرَبَ الْحَدَّ. أَصْبَغُ إنْ حَكَّمَاهُ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُحَكَّمُ فِيهِ أَنْفَذَ السُّلْطَانُ حُكْمَهُ فِي الْقَوَدِ وَالْحَدِّ وَنَهَاهُ عَنْ الْعَوْدِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَقَامَ ذَلِكَ فَقَتَلَ وَاقْتَصَّ وَضَرَبَ الْحَدَّ زَجَرَهُ الْإِمَامُ وَأَدَّبَهُ وَأَمْضَى صَوَابَ حُكْمِهِ. الْحَطّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ سَوَاءٌ أَنْفَذَ الْحُكْمَ أَوْ لَمْ يُنْفِذْهُ بِنَفْسِهِ، وَحَكَمَ بِهِ وَرَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي لِيُنْفِذَهُ، وَاَلَّذِي فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالذَّخِيرَةِ وَابْنِ يُونُسَ وَابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ الْأَدَبَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا أَنْفَذَ مَا حَكَمَ بِهِ بِنَفْسِهِ، أَمَّا لَوْ حَكَمَ وَلَمْ يُنْفِذْ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُمْضِي حُكْمَهُ وَيَنْهَاهُ عَنْ الْعَوْدِ وَلَا يُؤَدِّبُهُ وَنَصُّ التَّوْضِيحِ أَصْبَغُ إذَا حَكَمَ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِيهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُمْضِي حُكْمَهُ وَيَنْهَاهُ عَنْ الْعَوْدَةِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيُقِيمُ الْحَدَّ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ أَوْ اقْتَصَّ أَوْ حُدَّ ثُمَّ رَفَعَ إلَى الْإِمَامِ أَدَّبَهُ السُّلْطَانُ وَزَجَرَهُ وَأَمْضَى مَا كَانَ صَوَابًا مِنْ حُكْمِهِ. اهـ. وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَحْنُونٍ.

(وَفِي) صِحَّةِ حُكْمِ (صَبِيٍّ) مُمَيَّزٍ مُحَكَّمٍ (وَعَبْدٍ وَفَاسِقٍ وَامْرَأَةٍ) لِأَصْبَغَ وَعَدَمُهَا لِمُطَرِّفٍ (ثَالِثُهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ صِحَّتُهُ مِنْهُمْ (إلَّا الصَّبِيَّ) فَلَا يَصِحُّ حُكْمُهُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ لِأَشْهَبَ (وَرَابِعُهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ صِحَّتُهُ مِنْهُمْ إلَّا الصَّبِيَّ (وَفَاسِقًا) فَلَا يَصِحُّ حُكْمُهُمَا لِعَبْدِ الْمَلِكِ " ق " أَشْهَبُ إنْ حَكَّمَا امْرَأَةً فَحُكْمُهَا مَاضٍ إذَا كَانَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ. ابْنُ حَبِيبٍ وَبِهِ أَخَذَ أَصْبَغُ وَكَذَلِكَ الْمَسْخُوطُ إذَا أَصَابَ وَالْمَحْدُودُ وَالصَّبِيُّ إذَا عَقَلَ وَعَلِمَ رَبُّ غُلَامٍ لَمْ يَبْلُغْ عَلِمَ بِالسُّنَّةِ وَالْقَضَاءِ. سَحْنُونٌ لَوْ حَكَّمَا مَسْخُوطًا أَوْ امْرَأَةً

ص: 285

وَضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ

وَعَزْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ، وَلَمْ يَنْبَغِ، إنْ شُهِرَ عَدْلًا بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ

ــ

[منح الجليل]

أَوْ عَبْدًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ وَفِي الْوَاضِحَةِ وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ أَشْهَبُ تَحْكِيمُ الصَّبِيِّ وَالْمَسْخُوطِ لَغْوٌ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ.

(وَ) جَازَ لِلْقَاضِي (ضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالدَّالِ مُثَقَّلَةً، أَيْ تَبَيَّنَ لَدَدُهُ بِتَأْخِيرِ مَا عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى دَفْعِهِ. ابْنُ نَاجِي يَأْمُرُ أَعْوَانَهُ بِهِ وَلَوْ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ جَازَ، سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ لَدَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِصَاحِبِهِ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُعَاقِبَهُ. ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ لَدَدَهُ إذَايَةٌ وَإِضْرَارٌ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ كَفُّهُ وَعِقَابُهُ عَلَيْهِ بِمَا يَرَاهُ فِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ يَضْرِبَ الْخَصْمَ إذَا تَبَيَّنَ لَدَدُهُ. أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَاهُ إذَا ثَبَتَ بَيِّنَةٌ، إذْ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ. ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَنْبَغِي لِلْقَاضِي مَعَ الْخُصُومِ، مِنْهَا أَنَّ الْغَرِيمَ دَعَا غَرِيمَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ أَدَّبَهُ وَجَرَّحَهُ إنْ كَانَ عَدْلًا، فَإِنْ تَغَيَّبَ شَدَّ الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي الطَّلَبِ وَأُجْرَةُ الرَّسُولِ عَلَى الطَّالِبِ، فَإِنْ تَغَيَّبَ الْمَطْلُوبُ وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لِابْنِ هِشَامٍ مَنْ اسْتَهَانَ بِدَعْوَةِ الْقَاضِي أَوْ الْحَاكِمِ وَلَمْ يُجِبْ يُضْرَبُ أَرْبَعِينَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ رَفَعَ الصَّوْتَ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ يُبْرِمُهُ وَيُضْجِرُهُ وَيُحَيِّرُهُ.

(وَ) لِلْخَلِيفَةِ أَوْ الْأَمِيرِ (عَزْلُهُ) أَيْ الْقَاضِي (لِمَصْلَحَةٍ) كَكَوْنِ غَيْرِهِ أَقْوَى أَوْ أَحْكَمَ أَوْ لِنَقْلِهِ لِبَلَدٍ آخَرَ مَثَلًا (وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يَنْبَغِي) عَزْلُهُ (إنْ شُهِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْقَاضِي حَالَ كَوْنِهِ (عَدْلًا) أَيْ إنْ اُشْتُهِرَتْ عَدَالَتُهُ (بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ) أَيْ بِشَكِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ الثُّبُوتِ وَلَوْ وَجَدَ بَدَلًا مِنْهُ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إفْسَادًا لِقَضَايَا النَّاسِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ. الْمُتَيْطِيُّ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ قُضَاتِهِ وَأُمُورَ حُكَّامِهِ وَوُلَاتِهِ، وَيَتَتَبَّعَ أَحْكَامَهُمْ وَيَتَفَقَّدَ قَضَايَاهُمْ، فَإِنَّهُمْ سَنَامُ أُمُورِهِ وَرَأْسُ سُلْطَانِهِ، وَيَسْأَلَ عَنْهُمْ أَهْلَ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى مَا يَجِبُ أَقَرَّهُمْ، وَإِنْ تَشَكَّى بِهِمْ عَزَلَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مَشْهُورِينَ بِالْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَعْدًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي قَوْمٌ عَزْلَ أَمِيرِهِمْ وَيَشْكُونَهُ إلَّا عَزَلْته عَنْهُمْ مَعَ عِلْمِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

ص: 286

وَلْيُبَرَّأْ عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ وَخَفِيفِ تَعْزِيرٍ بِمَسْجِدٍ لَا حَدٍّ

وَجَلَسَ بِهِ

ــ

[منح الجليل]

مُطَرِّفٌ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَعْزِلَ قَاضِيهِ بِالشَّكِيَّةِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُ بَدَلًا. ابْنُ عَرَفَةَ يَجِبُ تَفَقُّدُ الْإِمَامِ حَالَ قُضَاتِهِ فَيَعْزِلُ مَنْ فِي بَقَائِهِ مَفْسَدَةٌ وُجُوبًا فَوْرًا وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ مَفْسَدَةٌ اسْتِحْبَابًا وَمَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ عَزْلُهُ رَاجِحٌ.

(وَلْيُبْرِئْ) الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ مَنْ عَزَلَهُ (عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ) أَصْبَغُ لَا بَأْسَ إذَا عَزَلَهُ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِبَرَاءَتِهِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِشُرَحْبِيلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ لَهُ أَعَنْ سُخْطٍ عَزَلْتنِي؟ قَالَ لَا، وَلَكِنْ وَجَدْت مَنْ هُوَ مِثْلُك فِي الصَّلَاحِ وَأَقْوَى عَلَى عَمَلِنَا مِنْك فَلَمْ أَرَ يَحِلُّ لِي إلَّا ذَلِكَ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ عُزُلَتَك عَيْبٌ فَأَخْبِرْ النَّاسَ بِأَمْرِي فَفَعَلَ، فَإِنْ عَمَّ التَّشَكِّي بِالْقَاضِي عَزَلَهُ وَأَوْقَفَهُ لِلنَّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَأْتِي كُلُّ أَحَدٍ بِمَظْلِمَتِهِ وَشَكْوَاهُ. الْحَطّ مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ شُهِرَ عَدْلًا أَنَّ غَيْرَ الْمَشْهُورِ عَدَالَتُهُ يُعْزَلُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِيَّةِ، وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، وَنَصُّهُ وَعَزْلُهُ بِالشِّكَايَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ فِي وُجُوبِهِ بِهَا أَوْ الْكَتْبِ إلَى صَالِحِي بَلَدِهِ لِيَكْشِفُوا عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ وَإِلَّا عُزِلَ. ثَالِثُهَا إنْ وَجَدَ بَدَلَهُ وَإِلَّا فَالثَّانِي لِلشَّيْخِ عَنْ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ وَمُطَرِّفٍ.

(وَ) جَازَ (خَفِيفُ تَعْزِيرٍ) مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَخَمْسَةِ وَعَشْرَةِ الْأَسْوَاطِ (بِمَسْجِدٍ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ السَّلَامَةِ مِنْ خُرُوجِ نَجَسٍ (لَا) يَجُوزُ (حَدٌّ) وَتَعْزِيرٌ شَدِيدٌ بِهِ. فِيهَا لَا بَأْسَ بِيَسِيرِ الْأَسْوَاطِ أَدَبًا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْحُدُودُ وَشِبْهُهَا فَلَا. أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إهَانَةً لَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36] وَقَوْلُهُ وَشِبْهُهَا يَعْنِي التَّعْزِيرَاتِ الْكَثِيرَةَ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ فِي التَّوْضِيحِ مُحْتَمِلٌ لِلْمَنْعِ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ مَا يُنَجِّسُ الْمَسْجِدَ وَالْكَرَاهَةُ تَنْزِيهًا لَهُ.

(وَجَلَسَ) الْقَاضِي (بِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَهُوَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ لِأَنَّهُ يُرْضَى فَلَهُ بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَتَصِلُ إلَيْهِ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَالضَّعِيفُ، وَإِنْ احْتَجَبَ فَلَا يَصِلُ إلَيْهِ النَّاسُ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ يَجْلِسُ بِرِحَابِ الْمَسْجِدِ خَارِجَةً عَنْهُ. اللَّخْمِيُّ هَذَا أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ

ص: 287

بِغَيْرِ عِيدٍ، وَقُدُومِ حَاجٍّ، وَخُرُوجِهِ، وَمَطَرٍ وَنَحْوَهُ

وَاِتِّخَاذُ حَاجِبٍ وَبَوَّابٍ

ــ

[منح الجليل]

أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» . ابْنُ عَرَفَةَ فِي اسْتِحْبَابِ جُلُوسِهِ بِالْمَسْجِدِ أَوْ بِرِحَابِهِ خَارِجَةً عَنْهُ. ثَالِثُهَا لَا بَأْسَ بِهِ فِي مَنْزِلِهِ وَحَيْثُ أَحَبَّ لَهَا وَرِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ قَائِلًا كَانَ مَنْ مَضَى يَجْلِسُ إمَّا عِنْدَ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ أَوْ فِي رَحْبَتِهِ. مَرْوَانُ وَمَا كَانَتْ تُسَمَّى إلَّا رَحْبَةَ الْقَضَاءِ وَلِأَشْهَبَ. اللَّخْمِيُّ وَالثَّانِي أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» ، وَلَا يُعْتَرَضُ بِاللِّعَانِ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ يُرَادُ بِهَا التَّرْهِيبُ.

ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ الْعَدْلِ كَوْنُ مَنْزِلِ الْقَاضِي بِوَسَطِ مِصْرِهِ لِأَنَّهُ بِطَرَفِ الْمِصْرِ يَضُرُّ بِغَالِبِ النَّاسِ، وَهَذَا فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ، وَذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ خَفِيفٌ وَنُدِبَ اسْتِقْبَالُهُ الْقِبْلَةَ. وَفِي النَّوَادِرِ يُجْعَلُ لِلذِّمِّيِّينَ يَوْمًا أَوْ وَقْتًا يَجْلِسُ لَهُمْ فِيهِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَيَجْلِسُ (بِغَيْرِ) يَوْمِ (عِيدِ) فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى وَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ فِي يَوْمِ عِيدٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ وَمُصَافَاةٍ لَا يَوْمُ مُخَاصَمَةٍ (وَ) بِغَيْرِ يَوْمِ (قُدُومِ) رَكْبِ (حَاجٍّ) لِاشْتِغَالِ النَّاسِ فِيهِ بِتَهْنِئَةِ الْقَادِمِينَ (وَخُرُوجِهِ) أَيْ رَكْبِ الْحَاجِّ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ فِيهِ بِتَشْيِيعِ الْمُسَافِرِينَ. تت يَنْبَغِي لَهُ الْجُلُوسُ أَيَّامَ خُرُوجِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ وَسَفَرِ الْقَوَافِلِ لِلشَّامِ وَغَيْرِهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْأَكْرِيَاءِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَإِذَا غَفَلَ عَنْهُمْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ هَرَبُوا (وَ) بِغَيْرِ يَوْمِ (مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ كَسْرِ النِّيلِ بِمِصْرَ وَيَوْمِ الِاسْتِسْقَاءِ وَقُدُومِ السُّلْطَانِ مِنْ غَزْوٍ.

اللَّخْمِيُّ يَلْتَزِمُ وَقْتًا مِنْ النَّهَارِ لِيَعْلَمَهُ أَهْلُ الْخُصُومَاتِ لِأَنَّهُ إنْ اخْتَلَفَ وَقْتُ جُلُوسِهِ أَضَرَّ بِالنَّاسِ، وَلَا يَجْلِسُ أَيَّامَ الْأَعْيَادِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَا قَبْلَهَا كَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَعَرَفَةَ، يُرِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي حَجٍّ وَلَا يَوْمِ خُرُوجِ الْحَاجِّ مِنْ مِصْرٍ لِكَثْرَةِ مَنْ يَشْتَغِلُ يَوْمَئِذٍ بِمَنْ يُسَافِرُ، وَكَذَا فِي الطِّينِ وَالْوَحْلِ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ بِمَنْ نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ، وَلَا يَجْلِسُ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ وَقْتُ عِبَادَةٍ وَلَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّهُ وَقْتُ عَشَاءٍ.

(وَ) جَازَ (اتِّخَاذُ حَاجِبٍ) لِلْقَاضِي عَمَّنْ لَا حَاجَةَ لَهُ عِنْدَهُ، وَيُرَتِّبُ أَصْحَابَ

ص: 288

وَبَدَأَ بِمَحْبُوسٍ، ثُمَّ وَصِيٍّ، وَمَالِ طِفْلٍ، وَمُقَامٍ ثُمَّ ضَالٍّ

ــ

[منح الجليل]

الْخُصُومَاتِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُمْ مِنْ التَّزَاحُمِ عَلَيْهِ (وَ) اتِّخَاذُ (بَوَّابٍ) لِلْبَيْتِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكْمِ يَمْنَعُ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ دُخُولِهِ. أَصْبَغُ حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الْقَاضِي فِي رِزْقِهِ وَيَجْعَلَ قَوْمَهُ يَقُومُونَ بِأَمْرِهِ وَيَدْفَعُونَ النَّاسَ عَنْهُ، إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْأَعْوَانِ يَكُونُونَ حَوْلَهُ يَزْجُرُونَ مَنْ يَنْبَغِي زَجْرُهُ مِنْ الْمُتَخَاصِمِينَ، فَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ يُنْكِرُ عَلَى الْقُضَاةِ اتِّخَاذَ الْأَعْوَانِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ قَالَ لَا بُدَّ لِلسُّلْطَانِ مِنْ وَزَعَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَنْ يَصْرِفُهُ الْقَاضِي فِي أُمُورِ قَضَائِهِ مَأْمُونًا عَلَى مَا يَصْرِفُهُ فِيهِ ثِقَةً عَدْلًا كَالْحَاجِبِ وَالْعَوْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُنْهَى عَنْ اتِّخَاذِ مَنْ يَحْجُبُ النَّاسَ عَنْهُ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ، وَيُسَوَّغُ لَهُ اتِّخَاذُ مَنْ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِصَرْفِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَزَجْرِهِ وَكَفِّ أَذَى النَّاسِ عَنْهُ وَعَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلَا يَتَّخِذُ لِذَلِكَ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا قَدْ يَطَّلِعُ مِنْ أَمْرِ الْخُصُومِ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْخَصْمَانِ، وَقَدْ يُرْشَى عَلَى الْمَنْعِ وَالْأَذَى وَأَمِينًا عَلَى النِّسَاءِ إنْ احْتَجْنَ إلَى خِصَامٍ ثُمَّ قَالَ الصِّقِلِّيُّ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَا يَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَلَا بِالْأَسْحَارِ مَا عَلِمْنَا مَنْ فَعَلَهُ مِنْ الْقُضَاةِ إلَّا لِأَمْرٍ يَحْدُثُ بِتِلْكَ الْأَوْقَاتِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ فِيهَا وَيَنْهَى وَيَسْجُنَ وَيُرْسِلَ الْأَمِينَ وَالشُّرَطَ، أَمَّا الْحُكْمُ فَلَا.

(وَبَدَأَ) الْقَاضِي نَدْبًا أَوَّلَ وِلَايَتِهِ (بِ) النَّظَرِ فِي شَأْنِ شَخْصٍ (مَحْبُوسٍ) لِأَنَّهُ فِي عَذَابٍ، فَإِنْ رَآهُ مُسْتَحَقًّا لِلْإِخْرَاجِ أَخْرَجَهُ وَإِنْ رَآهُ مُسْتَحَقًّا لِلْإِبْقَاءِ أَبْقَاهُ. الْخَرَشِيُّ هَذَا بَعْدَ الْكَشْفِ عَنْ الشُّهُودِ الْمُوثَقِينَ، فَيَبْقَى مَنْ كَانَ عَدْلًا وَيَسْقُطُ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَدَارَ أَمْرِهِ كُلِّهِ عَلَيْهِمْ (ثُمَّ) يَنْظُرُ فِي أَمْرِ (وَصِيٍّ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ عَلَى أَيْتَامٍ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ (وَ) فِي (مَالِ طِفْلٍ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ صَغِيرٍ مُهْمَلٍ (وَ) فِي حَالِ (مُقَامٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ مِنْ قَاضٍ قِبَلَهُ عَلَى يَتِيمٍ مُهْمَلٍ (وَ) فِي حَالِ حَيَوَانٍ (ضَالٍّ) وَلَقِيطٍ وَآبِقٍ. ابْنُ شَاسٍ يَبْدَأُ بِمَحْبُوسٍ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْأَوْصِيَاءِ وَأَمْوَالِ الْأَطْفَالِ. الْمَازِرِيُّ يَبْدَأُ بِالْمَحْبُوسِ ثُمَّ وَصِيٍّ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْمُهْمَلِينَ ثُمَّ ضَالٍّ وَعِبَارَتُهُ. قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ الْقَاضِي بِالنَّظَرِ فِي الْمَحْبُوسِينَ لِيَعْلَمَ مَنْ يَجِبُ إخْرَاجُهُ وَمَنْ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْمَالِ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي

ص: 289

وَنَادَى بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وَسَفِيهٍ، وَرَفْعِ أَمْرَهُمَا إلَيْهِ، ثُمَّ فِي الْخُصُومِ وَرَتَّبَ كَاتِبًا عَدْلًا شَرْطًا:

ــ

[منح الجليل]

الْأَوْصِيَاءِ ثُمَّ فِي الْمُهْمَلِينَ لِكَوْنِ مَنْ تَكُونُ لَهُ مُطَالَبَةٌ عَلَيْهِمْ لَا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ اللَّقِيطِ وَالضَّوَالِّ ثُمَّ بَيْنَ الْخُصُومِ.

(وَنَادَى) أَيْ يَأْمُرُ الْقَاضِي بِالنِّدَاءِ عَلَى النَّاسِ (بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ) شَخْصٍ (يَتِيمٍ) مُهْمَلٍ لَا وَصِيَّ لَهُ وَلَا مُقَدِّمَ (وَ) مَنْعِ مُعَامَلَةِ شَخْصٍ (سَفِيهٍ) بَالِغٍ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ مُهْمَلٍ مِنْ وَصِيٍّ وَمُقَدَّمٍ (وَرَفْعِ أَمْرِهِمَا) أَيْ الْيَتِيمِ وَالسَّفِيهِ إلَيْهِ لِيَنْظُرَ فِي حَالِهِمَا. أَصْبَغُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا قَعَدَ أَنْ يَأْمُرَ بِالنِّدَاءِ فِي النَّاسِ أَنَّ كُلَّ يَتِيمٍ لَا وَصِيَّ لَهُ وَلَا وَكِيلَ، فَقَدْ حَجَرْت عَلَيْهِ، وَكُلَّ سَفِيهٍ مُسْتَوْجِبٍ لِلْوِلَايَةِ فَقَدْ مَنَعْت النَّاسَ مِنْ مُدَايَنَتِهِ وَمُتَاجَرَتِهِ وَمَنْ عَلِمَ مَكَانَ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فَلْيَرْفَعْهُ إلَيْنَا لِنُوَلِّيَ عَلَيْهِ فَمَنْ دَايَنَهُ بَعْدُ أَوْ بَاعَ أَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ (ثُمَّ) يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ (الْخُصُومِ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ خَصْمٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ النَّظَرَ فِيهِمْ مُؤَخَّرٌ عَمَّا تَقَدَّمَ وَلَوْ كَانَ فِيهَا مُسَافِرٌ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ أَحْمَدُ.

(وَرَتَّبَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْقَاضِي (كَاتِبًا عَدْلًا) يَكْتُبُ الْوَقَائِعَ وَالْأَحْكَامَ تَرْتِيبًا وَاجِبًا (شَرْطًا) قَالَهُ أَحْمَدُ وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْبِيرِهِ بِالْفِعْلِ. وَقَالَ الْحَطّ تَرْتِيبُ الْكَاتِبِ وَالْمُزَكِّي وَالْمُتَرْجِمِ أَوْلَوِيٌّ هَذَا ظَاهِرُ عِبَارَاتِهِمْ، فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ وَالْقَرَافِيَّ جَعَلَاهُ مِنْ آدَابِ الْقَضَاءِ، وَقَوْلُهُ عَدْلًا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي صِفَاتِهِ أَرْبَعَةً: الْعَدَالَةَ وَالْعَقْلَ وَالرَّأْيَ وَالْعِفَّةَ، وَقَوْلُهُ شَرْطًا كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا مَرَضِيًّا وَهِيَ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا. ابْنُ فَرْحُونٍ ابْنُ شَاسٍ لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْكَاتِبِ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَقِفُ عَلَى مَا يَكْتُبُ. اهـ. إلَّا أَنِّي لَمْ أَرَ فِي الْجَوَاهِرِ مَا عَزَاهُ ابْنُ فَرْحُونٍ لِابْنِ شَاسٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَعِينُ مَعَ الْقُدْرَةِ إلَّا بِالْعُدُولِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمْ جَازَ الِاسْتِعَانَةُ بِغَيْرِهِمْ، ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا لَا يَسْتَكْتِبُ الْقَاضِي أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَتَّخِذُ قَاسِمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا عَبْدًا وَلَا مُكَاتَبًا، وَلَا يَسْتَكْتِبُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا الْعُدُولَ الْمَرَضِيِّينَ، فَلَعَلَّ هَذَا مَعَ الِاخْتِيَارِ اهـ.

ص: 290

كَمُزَكٍّ، وَاخْتَارَهُمَا

ــ

[منح الجليل]

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا إذَا وُجِدَ وَإِلَّا الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ. خَلِيلٌ ظَاهِرُ مَا حَكَاهُ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ عَدَالَةَ الْكَاتِبِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، لَكِنْ قَالَ اللَّخْمِيُّ لَا يَبْعُدُ حَمْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَى الْوُجُوبِ الْمَازِرِيُّ إنْ كَانَ الْكَاتِبُ غَيْرَ ثِقَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اطِّلَاعِ الْقَاضِي عَلَى مَا يَكْتُبُهُ فَيُجْلِسُهُ قَرِيبًا مِنْهُ بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَا يَكْتُبُهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَكْتُبُ، وَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ أَشْيَاخِي وُجُوبَهُ، لِأَنَّهُ إذَا شَاهَدَ مَا يَكْتُبُ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَيَقَّنَهُ، وَإِذَا عَوَّلَ عَلَى الْكَاتِبِ الْعَدْلِ اقْتَصَرَ عَلَى أَمْرٍ مَظْنُونٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ، وَوَظِيفَةُ الْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ مَا يَقَعُ مِنْ الْخُصُومِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي. الْأَقْفَهْسِيُّ إذَا وَجَدَ الْقَاضِي عَقْدًا أَوْ وَثِيقَةً عَلَّقَ خَطَّهُ فَلْيَقْطَعْهُ وَيُؤَدِّبْ كَاتِبَهُ. زَرُّوقٌ الْقِمْطَرُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الزِّمَامُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ التَّذْكَارُ، وَيُسَمَّى زِمَامَ الْقَاضِي.

وَشَبَّهَ فِي التَّرْتِيبِ وَعَدَالَةِ الْمُرَتَّبِ شَرْطًا فَقَالَ (كَمُزَكٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَشَدِّ الْكَافِ، فَيُرَتِّبُهُ الْقَاضِي عَدْلًا ثِقَةً لِيُخْبِرَهُ بِأَحْوَالِ الشُّهُودِ سِرًّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَسُؤَالِهِ عَنْهُمْ عُدُولًا ثِقَاتٍ مَأْمُونِينَ، وَلَا يَكْتَفِي بِوَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ خِيفَةَ مُصَادَفَتِهِ حَبِيبًا أَوْ عَدُوًّا (وَاخْتَارَهُمَا) أَيْ الْقَاضِي الْكَاتِبَ وَالْمُزَكِّيَ. الْحَطّ أَيْ وَكَذَا يُرَتِّبُ مُزَكِّيًا عَدْلًا وَلَا كَلَامَ فِي اشْتِرَاطِ عَدَالَةِ الْمُزَكِّي.

الْبِسَاطِيُّ إنْ قُلْت إنَّ حَمْلَ كَلَامِهِ فِي الْكَاتِبِ وَالْمُزَكِّي عَلَى الْجِنْسِ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ الْعَدَدُ خَالَفَ الْأَكْثَرَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْكَاتِبِ، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي الْوَاحِدُ، وَإِنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى الْإِفْرَادِ خَالَفَ الْأَكْثَرَ فِي الْمُزَكِّي فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ الْعَدَدِ عِنْدَ هُمْ. قُلْت يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْجِنْسُ يَحْتَمِلُ الْإِفْرَادَ وَالتَّعَدُّدَ وَغَايَتُهُ الْإِجْمَالُ وَهُوَ قَرِيبٌ. الْحَطّ يُعَيِّنُ حَمْلَهُ عَلَى هَذَا عِبَارَةُ الْجَوَاهِرِ، إذْ فِيهَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِي الْمُزَكِّي وَالْمُتَرْجِمِ دُونَ الْكَاتِبِ. وَفِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاخْتَارَ الْكَاتِبُ وَالْمُزَكِّي ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْوَاحِدِ.

أَشْهَبُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ رَجُلًا صَالِحًا مَأْمُونًا مُنْتَبِهًا، أَوْ رَجُلَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ

ص: 291

وَالْمُتَرْجِمُ: مُخْبِرٌ:

ــ

[منح الجليل]

يَسْأَلَانِ لَهُ عَنْ النَّاسِ إلَى آخِرِ كَلَامِ أَشْهَبَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ كُلُّ مَا يَبْتَدِئُ الْقَاضِي السُّؤَالَ عَنْهُ وَالْكَشْفَ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ وَمَا لَمْ يَبْتَدِهِ هُوَ، وَإِنَّمَا يُبْتَدَأُ بِهِ فِي ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْجَوَاهِرِ ابْنُ رُشْدٍ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ فِي وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا أَعْذَارَ فِي تَعْدِيلِ السِّرِّ، وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ يَجْتَزِئُ فِيهِ بِوَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ الِاثْنَيْنِ، بِخِلَافِ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا شَاهِدَانِ، وَيَلْزَمُ الْأَعْذَارُ فِيهِ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، هَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ صَحَّ مِنْ الْبَيَانِ فَلَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ أَصْلًا، لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي مُزَكِّي السِّرِّ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

(وَ) الشَّخْصُ (الْمُتَرْجِمُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ الَّذِي يُبَدِّلُ لُغَةً أَعْجَمِيَّةً بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَعَكْسُهُ عِنْدَ الْقَاضِي إذَا كَانَ عَرَبِيًّا لَا يَعْرِفُ الْعَجَمِيَّةَ وَالْخُصُومُ عَجَمٌ لَا يَعْرِفُونَ الْعَرَبِيَّةَ وَعَكْسُهُ وَخَبَرُ الْمُتَرْجِمِ (مُخْبِرٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، فَيَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ. وَقِيلَ شَاهِدٌ فَلَا يَكْفِي وَاحِدٌ وَلَا يُتَرْجِمُ كَافِرٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا مَسْخُوطٌ. ابْنُ رُشْدٍ إذَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَى تَرْجَمَتِهِمْ وَإِلَّا فَتُقْبَلُ. ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ الْقَرِينَانِ إنْ احْتَكَمَ خُصُومٌ يَتَكَلَّمُونَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْقَاضِي عَرَبِيٌّ لَا يَفْقَهُ كَلَامَهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُمْ رَجُلٌ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مُسْلِمٌ وَاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَيُجْزِئُ الْوَاحِدُ وَلَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مَسْخُوطٍ.

وَلَا بَأْسَ بِتَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعَفَافِ وَالْحَقُّ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَامْرَأَتَانِ وَرَجُلٌ أَحَبُّ إلَيَّ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ شَهَادَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ هُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ مَا يَبْتَدِئُ الْقَاضِي فِيهِ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ كَقِيَاسِ الْجِرَاحَاتِ وَالنَّظَرِ لِلْعُيُوبِ وَالِاسْتِخْلَافِ وَالْقَسَمِ وَاسْتِنْكَاهِ مَنْ اسْتَنْكَرَ سُكْرَهُ، وَشِبْهُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ يَجُوزُ فِيهِ الْوَاحِدُ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يُحَلِّفُ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ رَسُولٌ وَاحِدٌ وَسَمِعَهُ أَصْبَغُ فِي الِاسْتِنْكَاهِ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَالِاخْتِيَارُ فِي ذَلِكَ اثْنَانِ عَدْلَانِ وَيُجْزِئُ فِيهَا الْوَاحِدُ الْعَدْلُ.

وَقَوْلُهُ لَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ كَافِرٍ إلَخْ مَعْنَاهُ مَعَ وُجُودِ عُدُولِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ اُضْطُرَّ لِتَرْجَمَةِ كَافِرٍ

ص: 292

كَالْمُحَلِّفِ، وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ، أَوْ شَاوَرَهُمْ

ــ

[منح الجليل]

أَوْ مَسْخُوطٍ لَقُبِلَ قَوْلُهُ وَحُكِمَ بِهِ كَمَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الطَّبِيبِ الْكَافِرِ، وَغَيْرِ الْعَدْلِ فِيمَا اُضْطُرَّ فِيهِ لِقَوْلِهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالطِّبِّ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ حَكَى فَضْلٌ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ الْوَاحِدِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْقَاضِي إذَا لَمْ يَفْقَهْ لِسَانَهُمْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى بِتَرْجَمَةِ الْوَاحِدِ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ لَمْ يَجُزْ وَيُرَدُّ هَذَا لَا يَصِحُّ أَنَّهُ أَرَادَهُ. قُلْت ظَاهِرُ السَّمَاعِ صِحَّةُ تَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ وَلَوْ وُجِدَ مُتَرْجِمٌ مِنْ الرِّجَالِ وَسَاقَ الشَّيْخُ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ بِعِبَارَةٍ لَا بَأْسَ بِتَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ إذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الرَّاجِحَ الِاكْتِفَاءُ بِتَرْجَمَةِ الْوَاحِدِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ نَقَلَ الْحَطّ عَنْ الْعُمْدَةِ مَا نَصُّهُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ، وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ يُشْتَرَطُ تَعَدُّدٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَاهِدٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. الْبُنَانِيُّ كَلَامُ ابْنِ شَاسٍ مَحَلُّهُ فِيمَنْ جَاءَ بِهِ الْخَصْمُ لِيُتَرْجِمَ عَنْهُ، فَهَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّعَدُّدِ وَلَيْسَ هَذَا مُرَادَ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مَنْ يَتَّخِذُهُ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ مُتَرْجِمًا، وَهَذَا يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَشَبَّهَ فِي الْكَوْنِ مُخْبِرًا فَقَالَ (كَ) الْعَدْلِ (الْمُحَلِّفِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُثَقَّلَةً، لِمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَقَامَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ كَامْرَأَةٍ مُخَدَّرَةٍ وَمَرِيضٍ وَمَحْبُوسٍ، فَيَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ (وَأَحْضَرَ) الْقَاضِي (الْعُلَمَاءَ) مَجْلِسَ الْقَضَاءِ فِي مُعْضِلَةٍ (أَوْ شَاوَرَهُمْ) أَيْ الْعُلَمَاءَ فِيهَا اللَّخْمِيُّ وَالْجَلَّابِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ لِيَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ لَا بِعِلْمِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فَأَخْذُهُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَحْسَنُ، وَاخْتُلِفَ فِي جُلُوسِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعَهُ فَقَالَ أَشْهَبُ وَمُحَمَّدٌ لَا أُحِبُّ أَنْ يَقْضِيَ إلَّا بِحَضْرَتِهِمْ وَمَشُورَتِهِمْ، وَمَنَعَهُ الْأَخَوَانِ. مُحَمَّدٌ لَا يَدَعُ مُشَاوَرَةَ أَهْلِ الْفِقْهِ الْمَازِرِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَشِيرَ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا وَإِنْ كَانَ حُضُورُهُمْ يُوجِبُ حَصْرَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي عَدَمِهِ وَإِنْ كَانَ بَلِيدًا بَلَادَةً لَا يُمْكِنُهُ مَعَهَا ضَبْطُ قَوْلِ الْخَصْمَيْنِ وَتَصَوُّرُ حَقِيقَةِ دَعْوَاهُمَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي حُضُورِهِمْ إيَّاهُ وَكَانَ عِنْدَنَا قَاضٍ اُشْتُهِرَتْ بِالْأَمْصَارِ نَزَاهَتُهُ فَرَفَعَ إلَى مُحَاضِرٍ بَيْنَ خَصْمَيْنِ طَالَ فِيهَا النِّزَاعُ وَالْإِثْبَاتُ وَالتَّجْرِيحُ، فَتَأَمَّلْت الْمُحَاضَرَاتِ فَوَجَدْتهَا تَتَضَمَّنُ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ مُتَّفِقَانِ فِي الْمَعْنَى مُخْتَلِفَانِ فِي الْعِبَارَةِ، وَلَمْ يَتَفَطَّنْ الْقَاضِي لِذَلِكَ حَتَّى نَبَّهَتْهُ لَهُ فَجَعَلَ مِنْهُ

ص: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَارْتَفَعَ الْخِصَامُ، فَمِثْلُ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَحْضُرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ كَاتِبٌ يُؤْمَنُ مَعَهُ مِثْلُ هَذَا.

ابْنُ عَرَفَةَ قَبُولُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ الْقَضَاءُ جُرْحَةٌ الْحَطّ عُطِفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، فَإِنَّ أَشْهَبَ وَمُحَمَّدًا قَالَا يُحْضِرُهُمْ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَهُمْ وَلَكِنْ يُشَاوِرُهُمْ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. خَلِيلٌ قَيَّدَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ مُطَرِّفٍ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا فَلَا يَسَعُهُ الْقَضَاءُ إلَّا بِمَحْضَرِهِمْ. الْمَازِرِيُّ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ فَكَّرَ الْقَاضِي فِي حَالِ حُضُورِهِمْ كَحَالِهِ فِي عَدَمِ حُضُورِهِمْ، وَلَوْ كَانَ حُضُورُهُمْ يُكْسِبُهُ ضَجَرًا حَتَّى لَا يُمْكِنَهُ التَّأَمُّلُ لِمَا هُوَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ الْبَلَادَةِ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهُ ضَبْطُ قَوْلِ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يُتَصَوَّرُ مَقَاصِدُهُمَا حَتَّى يُسْتَفْتَى عَنْهُ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ أَيْضًا، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي وُجُوبِ حُضُورِهِمْ اهـ.

ابْنُ مَرْزُوقٍ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ نَقْلٌ ثَالِثٌ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ غَيْرُهُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ، قِيلَ يُحْضِرُهُمْ كَفِعْلِ عُثْمَانَ رضي الله عنه، فَإِنَّهُ كَانَ إذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ أَحْضَرَ أَرْبَعَةً مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَاسْتَشَارَهُمْ، وَقِيلَ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ يَسْتَشِيرُهُمْ مِنْ غَيْرِ إحْضَارٍ، كَفِعْلِ عُمَرَ رضي الله عنه، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ الْمَوَّازِ، وَالثَّانِي قَوْلُ الْأَخَوَيْنِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ أَوْ فِي كَلَامِهِ لِتَنْوِيعِ الْخِلَافِ.

1 -

(تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ الْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْمُشَاوَرَةِ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا لِأَنَّ مَا تَذَاكَرَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ وَبَحَثُوا فِيهِ تَثِقُ بِهِ النَّفْسُ مَا لَا تَثِقُ بِوَاحِدٍ إذَا اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهُمْ مُقَلِّدِينَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْفَتْوَى فِيمَا لَيْسَ بِمَسْطُورٍ بِحَسَبِ مَا يَظُنُّ وَاحِدٌ مِنْهُ أَنَّهُ مُقْتَضَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ. ابْنُ عَطِيَّةَ مَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَعَزْلُهُ وَاجِبٌ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. اهـ. وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَقْوَالَ الْفُقَهَاءِ دَلَّتْ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْمُشَاوَرَةِ لَا سِيَّمَا فِي الْمُشْكِلَاتِ.

الثَّانِي: ابْنُ فَرْحُونٍ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ الْمُشَاوَرَةَ، سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِالْحُكْمِ أَمْ لَا، وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُشَاوِرَ فِيمَا يَحْكُمُ فِيهِ إذَا كَانَ جَاهِلًا لَا يُمَيِّزُ حَقًّا مِنْ بَاطِلٍ،

ص: 294

وَشُهُودًا

ــ

[منح الجليل]

لِأَنَّهُ إذَا أُشِيرَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَاهِلٌ لَا يَعْلَمُ أَيَحْكُمُ بِحَقٍّ أَمْ بِبَاطِلٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَلَا يَحْكُمُ بِقَوْلِ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ تَقْلِيدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ مِنْ حَيْثُ تَبَيَّنَ لِلَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ اهـ.

الثَّالِثُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ أَوْ شَاوَرَهُمْ هَلْ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ، ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي وُجُوبِ حُضُورِهِمْ، وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْقُرْطُبِيُّ وَمَا تَقَدَّمَ لِلْمَازِرِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَكَذَا ابْنُ فَرْحُونٍ، فَإِنَّهُ عَدَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَلْزَمُ الْقَاضِي فِي سِيرَتِهِ فِي الْأَحْكَامِ وَاللُّزُومِ أَنَّهَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْغَالِبِ فِي الْوُجُوبِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَثِقَ بِرَأْيِهِ وَيَتْرُكَ الْمُشَاوَرَةَ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ نَصًّا يَشْفِي الْغَلِيلَ.

(وَ) أَحْضَرَ (شُهُودًا) حَالَ الْقَضَاءِ لِيَشْهَدُوا عَلَى مَنْ أَقَرَّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ خَشْيَةَ إنْكَارِهِ إقْرَارَهُ. الْحَطّ فِي التَّوْضِيحِ إذَا كَانَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا سَمِعَ إقْرَارَ الْخَصْمِ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِإِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ لَزِمَ أَنَّ إحْضَارَ الشُّهُودِ وَاجِبٌ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي جُلُوسِهِ. وَفِيهَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَحَدَ الْمُقِرُّ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ شَهِدَ هُوَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَنْ فَوْقَهُ فَأَجَازَهُ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ قَضَى بِشَهَادَتِهِ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ. اهـ. وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ إقْرَارَ الْخَصْمِ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ شَاهِدَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.

وَفِي النَّوَادِرِ أَمَّا مَا أَقَرَّ بِهِ الْخُصُومُ عِنْدَهُ فِي خُصُومَتِهِمْ فَلْيَقْضِ بِهِ وَقَالَهُ سَحْنُونٌ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ هَذَا لَاحْتَاجَ أَنْ يُحْضِرَ مَعَهُ شَاهِدَيْنِ أَبَدًا يَشْهَدَانِ عَلَى النَّاسِ وَفِي التَّوْضِيحِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا سَمِعَ إقْرَارَ الْخَصْمِ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِإِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ يَرْفَعَانِ شَهَادَتَهُمَا إلَيْهِ، وَذَهَبَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ إلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ بِمَا سَمِعَ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ قُضَاةُ الْمَدِينَةِ وَلَمْ أَعْلَمْ مَالِكًا قَالَ غَيْرَهُ أَنَّهُ يَقْضِي

ص: 295

وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ،

ــ

[منح الجليل]

عَلَيْهِ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ وَأَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ، وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْخَصْمَيْنِ لَمَّا جَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِلْخُصُومَةِ رَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يُقِرَّانِ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَعَدَا وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ.

(وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يُفْتِ) بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ لَا يُخْبِرُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ سُئِلَ عَنْهُ (فِي خُصُومَةٍ) أَيْ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي شَأْنُهَا، أَنْ يُتَخَاصَمَ فِيهَا لِئَلَّا يُعْلَمَ مَذْهَبُهُ فَيُتَحَيَّلَ عَلَى مُوَافَقَتِهِ. ابْنُ شَاسٍ لَا يُجِيبُ الْحَاكِمُ مَنْ سَأَلَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخُصُومَاتِ وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُجِيبَ بِالْفُتْيَا فِي كُلِّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ بِمَا عِنْدَهُ فِيهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ كَانُوا يُفْتُونَ النَّاسَ فِي نَوَازِلِهِمْ. ابْنُ عَرَفَةَ عَزَا ابْنُ الْمُنَاصِفِ الْأُولَى لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَابْنُ الْحَارِثِ إلَى سَحْنُونٍ. وَفِي الْوَاضِحَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ لَا وَحْدَهُ وَلَا فِي جَمَاعَةٍ.

الْحَطّ قَوْلُهُ لَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ، اُنْظُرْ هَلْ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْمَنْعِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يُفْتِ الْحَاكِمُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ بِهِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا فِيمَا عَدَا مَسَائِلَ الْخِصَامِ، وَهَلْ لَهُ الْفُتْيَا فِي مَسَائِلِ الْخِصَامِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ إعَانَةِ الْخُصُومِ عَلَى الْفُجُورِ، وَالثَّانِي إجَازَةُ فَتْوَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِصَامِ. وَأَمَّا تَعْلِيمُ الْقَاضِي الْعِلْمَ وَتَعَلُّمُهُ لَهُ فَجَائِزٌ. اهـ. فَقُوَّةُ عِبَارَتِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَعَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ فِي سِيرَةِ الْحُكْمِ.

ابْنُ الْمُنْذِرِ تُكْرَهُ لِلْقَاضِي الْفُتْيَا فِي الْأَحْكَامِ وَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ أَنَا أَقْضِي وَلَا أُفْتِي. الْبُرْزُلِيُّ يُرِيدُ إذَا كَانَتْ الْفُتْيَا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ تُعْرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ جَاءَتْهُ مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْكُوَرِ أَوْ عَلَى يَدِ عُمَّالِهِ فَلْيُجِبْهُمْ عَنْهَا. ابْنُ الْمُنَاصِفِ الْأَوَّلُ النَّهْيُ فِيهِ عَنْ فَتْوَى الْقَاضِي فِي الْخُصُومَاتِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي فَتْوَاهُ لَا فِي خُصُومَةٍ بِعَيْنِهَا. اهـ. وَمَحَلُّ النَّهْيِ أَيْضًا حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَذْهَبٍ إلَّا مِنْ إفْتَائِهِ، وَذَلِكَ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مُتَسَاوِيَانِ مَثَلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَدْ

ص: 296

وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ:

كَسَلَفٍ،

ــ

[منح الجليل]

جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِفْتَاءِ الْوُكَلَاءِ لِأَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ فِي الْوَقَائِعِ بَيْنَ مُوَكِّلَيْهِمْ، فَإِذَا وَجَدَ الْوَكِيلُ مَذْهَبًا يُوَافِقُ كَوْنَ مُوَكِّلِهِ غَالِبًا حَمَلَهُ عَلَى الدَّعْوَى عِنْدَ الْقَاضِي الْمُوَافِقِ لَهَا. وَلَوْ كَانَ مُوَكِّلُهُ غَيْرَ مُحِقٍّ (وَلَمْ) الْأَوْلَى وَلَا (يَشْتَرِ) الْقَاضِي شَيْئًا (بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ) لِأَنَّهُ يَشْغَلُ بَالَهُ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ رُبَّمَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ حَيَاءً مِنْهُ وَمِنْ جُلَسَائِهِ. وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ، وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يَشْتَرِ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ. الصِّقِلِّيُّ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَا يَشْتَغِلُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ بِبَيْعٍ وَلَا بِابْتِيَاعٍ لِنَفْسِهِ. أَشْهَبُ وَلَا لِغَيْرِهِ إلَّا مَا خَفَّ شَأْنُهُ وَقَلَّ شُغْلُهُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ. سَحْنُونٌ وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ، قَالُوا وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَمَا بَاعَ أَوْ ابْتَاعَ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ لَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ إكْرَاهٌ أَوْ هَضِيمَةٌ فَلْيَرُدَّ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ. أَشْهَبُ إذَا اشْتَرَى الْإِمَامُ الْعَدْلُ أَوْ بَاعَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا ثُمَّ عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَإِنَّ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ فِي الْأَخْذِ مِنْهُ أَوْ التَّرْكِ، كَذَا وَجَدْته فِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ الْمُتَيْطِيِّ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي النَّوَادِرِ، بَلْ فِيهَا إنْ عُزِلَ السُّلْطَانُ أَوْ مَاتَ وَالْبَائِعُ أَوْ الْمُبْتَاعُ مُقِيمٌ بِالْبَلَدِ لَا يُخَاصِمُ وَلَا يَذْكُرُ مُخَاصَمَتَهُ فَلَا حُجَّةَ لَهُ وَالْبَيْعُ مَاضٍ.

الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تِجَارَةُ الْوُلَاةِ لَهُمْ مَفْسَدَةٌ وَلِلرَّعِيَّةِ مَهْلَكَةٌ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُقَالُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ تِجَارَةُ السُّلْطَانِ. ابْنُ شَاسٍ الْأَدَبُ السَّابِعُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ بِنَفْسِهِ وَلَا بِوَكِيلٍ مَعْرُوفٍ حَتَّى لَا يُسَامَحَ فِي الْبَيْعِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا فَرْقَ بَيْنَ شِرَائِهِ لِنَفْسِهِ وَبَيْنَ تَوْكِيلِهِ لِذَلِكَ، وَلَا يُوَكِّلُ إلَّا مَنْ يُؤْمَنُ عَلَى دِينِهِ لِئَلَّا يَسْتَرْخِصَ لَهُ بِسَبَبِ الْحُكْمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ أَقْوَالِ الْمَذْهَبِ وَرِوَايَاتِهِ جَوَازُ شِرَائِهِ وَبَيْعِهِ بِغَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ لَمْ أَعْرِفْهُ. وَذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه لَا عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.

وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَسَلَفٍ) أَيْ تَسَلُّفِ الْقَاضِي بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ مِنْ غَيْرِهِ (وَ) دَفْعِ

ص: 297

وَقِرَاضٍ، وَإِبْضَاعٍ، وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ، إلَّا النِّكَاحَ، وَقَبُولِ هَدِيَّةٍ وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا، إلَّا مِنْ قَرِيبٍ،

ــ

[منح الجليل]

مَالَ (قِرَاضٍ) أَيْ تِجَارَةٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ لِغَيْرِهِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ (وَإِبْضَاعٍ) أَيْ دَفْعِ مَالٍ لِمَنْ يَشْتَرِي لَهُ بِهِ بِضَاعَةً مِنْ بَلَدٍ آخَرَ يَأْتِيهِ بِهَا أَوْ يُرْسِلُهَا لَهُ مَعَ غَيْرِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ لِلشَّيْخِ عَنْ الْأَخَوَيْنِ وَلْيَسْتَنْزِهْ عَنْ طَلَبِ الْحَوَائِجِ وَالْعَوَارِيِّ مِنْ مَاعُونٍ وَدَابَّةٍ وَسَلَفٍ وَأَنْ يُقَارِضَ وَيُبْضِعَ مَعَ أَحَدٍ أَوْ يُبَايِعَهُ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْأَمْرُ الْخَفِيفُ مَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُخَاصَمُ عِنْدَهُ أَوْ مِمَّنْ يَجُرُّ إلَى مَنْ يُخَاصَمُ عِنْدَهُ وَقَالَهُ أَصْبَغُ. ابْنُ مَرْزُوقٍ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ تَسَلُّفُهُ مِنْ غَيْرِهِ لَا إعْطَاؤُهُ سَلَفًا لِغَيْرِهِ. الْبُنَانِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْعَدَوِيِّ ارْتَضَاهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ لِأَنَّ تَسْلِيفَهُ غَيْرَهُ مَعْرُوفٌ لَا يُنْهَى عَنْهُ.

(وَ) كَ (حُضُورِ) الْقَاضِي لِ (وَلِيمَةٍ) أَيْ طَعَامٍ يَجْتَمِعُ لَهُ النَّاسُ فَيُنْهَى عَنْهُ (إلَّا النِّكَاحَ) فَلَا يُنْهَى عَنْ حُضُورِ وَلِيمَتِهِ الْمُسْتَوْفِيَةِ شُرُوطَهَا الشَّرْعِيَّةَ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ الْعَامَّةَ كَانَتْ وَلِيمَةً أَوْ صَنِيعًا عَامًّا لِفَرَحٍ، فَأَمَّا لِغَيْرِ فَرَحٍ فَلَا وَكَأَنَّهُ دُعِيَ خَاصَّةً أَوْ وَسِيلَةً لَهُ يُجِيبُ لِلْعَامَّةِ لَا الْخَاصَّةِ، وَالتَّنَزُّهُ أَحْسَنُ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُجِيبَ أَحَدًا أَوْ هُوَ فِي الْخَاصَّةِ أَشَدُّ مِنْ دَعْوَةِ الْعُرْسِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ لِأَهْلِ الْفَضْلِ أَنْ يُجِيبُوا كُلَّ مَنْ دَعَاهُمْ. الْخَرَشِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ كَغَيْرِهِ بِشُرُوطِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ فِيهَا. الْعَدَوِيُّ الَّذِي عِنْدَ ابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ حُضُورُ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ زِيَادَةُ التَّنَزُّهِ عَمَّا بِأَيْدِي النَّاسِي لِتَقْوَى كَلِمَتُهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عج. الْمُتَيْطِيُّ لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي بِحُضُورِ الْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَتَسْلِيمِهِ عَلَى أَهْلِ الْمَجَالِسِ وَرَدِّهِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ إلَّا ذَلِكَ، وَلَا يُجِيبُ الصَّنِيعَ إلَّا فِي الْوَلِيمَةِ.

(وَمُنِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (قَبُولُ) الْقَاضِي لِ (هَدِيَّةٍ) لَهُ مِنْ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يُكَافِئْهُ عَلَيْهَا، بَلْ (وَلَوْ كَافَأَ) الْقَاضِي مَنْ أَهْدَى لَهُ (عَلَيْهَا) أَيْ الْهَدِيَّةَ بِمِثْلِهَا أَوْ أَعْظَمَ مِنْهَا لِرُكُونِ النُّفُوسِ لِمَنْ أَهْدَى إلَيْهَا، وَلِأَنَّ قَبُولَهَا يُطْفِئُ نُورَ الْحِكْمَةِ (إلَّا) هَدِيَّةً (مِنْ) شَخْصٍ

ص: 298

وَهَدِيَّةِ مَنْ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ

وَكَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مَشْيِهِ أَوْ مُتَّكِئًا،

ــ

[منح الجليل]

قَرِيبٍ) لِلْقَاضِي نَسَبًا كَوَالِدِهِ وَوَلَدِهِ أَوْ خَالِهِ وَعَمِّهِ، فَلَا يُنْهَى عَنْ قَبُولِهَا. الْعَدَوِيُّ ظَاهِرُ النَّقْلِ كَرَاهَةُ قَبُولِهَا مِنْ غَيْرِ قَرِيبِهِ لَا حُرْمَتُهُ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّهَا إنْ كَانَ لِرَجَاءِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ، أَمَّا الْهَدِيَّةُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُطْفِئُ قَبُولَهَا نُورُ الْحِكْمَةِ، وَقَدْ قَبِلَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ مُلَائِمَتِهِ مَا قَدَّمَهُ فِي حُضُورِ الْوَلِيمَةِ.

الْبُنَانِيُّ فِي ضَيْح ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً الْمَنْعُ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهَةِ قَبُولِ الْإِمَامِ الْأَكْبَرِ وَقَاضِيهِ وَجُبَاةِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الْهَدَايَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه وَأَهْلِ السُّنَّةِ، وَبِالْمَنْعِ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الْقَرْضِ. الْمُتَيْطِيُّ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ أَحَدٍ وَلَا مِمَّنْ كَانَتْ عَادَتُهُ بِهَا مَعَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ وَلَا مِنْ قَرِيبٍ وَلَا مِنْ صَدِيقٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمَا وَإِنْ كَافَأَ عَلَيْهَا بِأَضْعَافِهَا إلَّا مِثْلَ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَأَشْبَاهِهِمَا مِنْ خَاصَّةِ قَرَابَتِهِ الَّتِي يَجْمَعُ مِنْ حُرْمَةِ الْخَاصَّةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ حُرْمَةِ الْهَدِيَّةِ. رَبِيعَةُ رضي الله عنه إيَّاكَ وَالْهَدِيَّةَ فَإِنَّهَا ذَرِيعَةُ الرِّشْوَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً مِنْ خَصْمٍ وَلَوْ قَرِيبَهُ وَغَيْرُ الْخَصْمِ، قَالَ سَحْنُونٌ تَجُوزُ مِنْ ذِي رَحِمٍ كَأَبَوَيْهِ وَابْنِهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ وَابْنَةِ أَخِيهِ وَمَنْ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِهِ ظِنَّةٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.

(وَفِي) جَوَازِ قَبُولِ (هَدِيَّةٍ مِنْ) أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي (اعْتَادَ) إهْدَاءَ مِثْلِ (هَا) أَيْ الْهَدِيَّةِ لِلْقَاضِي (قَبْلَ الْوِلَايَةِ) لِلْقَضَاءِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَعَدَمُهُ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ قَالَا لَا يَنْبَغِي قَبُولُهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْكَرَاهَةِ قَوْلَانِ، فَإِنْ أَهْدَى بَعْدَ وِلَايَتِهِ مِمَّنْ اعْتَادَهَا قَبْلَهَا أَزْيَدَ قَدْرًا أَوْ أَحْسَنَ جِنْسًا أَوْ صِفَةً امْتَنَعَ قَبُولهَا اتِّفَاقًا.

(وَ) فِي (كَرَاهَةِ حُكْمِهِ) أَيْ الْقَاضِي (فِي) حَالِ (مَشْيِهِ) عَلَى قَدَمَيْهِ أَوْ رَاكِبًا وَهِيَ لِأَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَطَائِفَةٍ، وَعَدَمِهَا وَهُوَ لِأَشْهَبَ أَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَشْغَلَهُ السَّيْرُ وَزَحْمَةُ النَّاسِ وَالنَّظَرُ إلَيْهِمْ قَوْلَانِ. الصِّقِلِّيُّ اُخْتُلِفَ هَلْ يَقْضِي فِي الطَّرِيقِ؟ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِقَضَائِهِ وَهُوَ مَاشٍ إنْ لَمْ يَشْغَلْهُ السَّيْرُ وَزَحْمَةُ النَّاسِ وَالنَّظَرُ إلَيْهِمْ. وَقَالَ سَحْنُونٌ

ص: 299

وَإِلْزَامِ يَهُودِيٍّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ، وَتَحْدِيثِهِ بِمَجْلِسِهِ لِضَجَرٍ،

ــ

[منح الجليل]

لَا يَقْضِي وَهُوَ مَاشٍ وَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا مِنْ الْخُصُومِ وَلَا يَقِفُ مَعَهُ. اللَّخْمِيُّ لَا بَأْسَ بِحُكْمِهِ مَاشِيًا فِي مَسْأَلَةِ نَصٍّ وَمَا خَفَّ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا يَحْتَاجُ لِرَوِيَّةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ فَفِي جَوَازِهِ مَاشِيًا. ثَالِثُهَا فِي مَسْأَلَةِ نَصٍّ أَوْ خَفِيفِ اجْتِهَادٍ لِأَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَاللَّخْمِيِّ.

(وَ) فِي كَرَاهَةِ حُكْمِهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُتَّكِئًا) أَيْ رَاقِدًا عَلَى أَحَدِ جَنْبَيْهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ لِلَّخْمِيِّ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِالْحَاضِرِينَ وَلِلْعِلْمِ حُرْمَةٌ وَعَدَمُهَا وَهُوَ لِأَشْهَبَ وَسَحْنُونٌ قَوْلَانِ. الْمُتَيْطِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ مُتَرَبِّعًا أَوْ مُحْتَبِيًا، قِيلَ لِإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي هَلَّا أَلَّفْت كِتَابًا فِي آدَابِ الْقَاضِي، قَالَ إذَا قَضَى بِالْحَقِّ فَلْيَقْعُدْ فِي مَجْلِسِهِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ.

(وَ) فِي جَوَازِ (إلْزَامِ يَهُودِيٍّ) أَنْ يَأْتِيَ الْقَاضِيَ لِيُوقِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ (حُكْمًا بِسَبْتِهِ) أَيْ الْيَهُودِيِّ وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ لِلْقَرَوِيِّينَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ فِي تَمْكِينِ الْمُسْلِمِ مِنْ اسْتِحْلَافِهِ يَهُودِيًّا يَوْمَ السَّبْتِ قَوْلَا الْقَابِسِيِّ وَبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَخَصَّ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ بِالْيَهُودِيِّ لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ لَا يُعَظِّمُ يَوْمًا، وَعَمَّمَهُ ابْنُ عَاتٍ فِيهِمَا لِأَنَّ يَوْمَ الْأَحَدِ لَهُ وَالسَّبْتَ لِلْيَهُودِ.

(وَ) فِي جَوَازِ (تَحْدِيثِهِ) أَيْ الْقَاضِي الْحَاضِرِينَ بِكَلَامٍ مُبَاحٍ كَحِكَايَةٍ عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ (بِمَجْلِسِهِ) لِلْقَضَاءِ (لِضَجَرٍ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ، أَيْ تَعَبٍ وَمَلَلٍ وَسَآمَةٍ حَصَلَ لَهُ مِنْ كَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ لِيُرَوِّحَ قَلْبَهُ وَيَرْجِعَ إلَيْهِ فَهْمُهُ نَزَلَ بِهِ أَوْ هَمٌّ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَمَنَعَهُ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِمَهَابَتِهِ وَيُصَغِّرُهُ فِي عُيُونِ النَّاسِ لِمُطَرِّفٍ وَمَنْ مَعَهُ قَوْلَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إنْ دَخَلَهُ ضَجَرٌ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا بَأْسَ أَنْ يُحَدِّثَ جُلَسَاءَهُ إذَا مَلَّ يُرَوِّحُ قَلْبَهُ ثُمَّ يَعُودُ لِلْحُكْمِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقُومُ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ قِيَامِهِ وَصَرْفِ النَّاسِ. قُلْت هَذَا إنْ نَالَهُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَجْلِسِهِ، وَإِنْ مَضَى مَا لَهُ

ص: 300

وَدَوَامِ الرِّضَا فِي التَّحْكِيمِ لِلْحُكْمِ قَوْلَانِ

يَحْكُمُ مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنْ الْفِكْرِ،

ــ

[منح الجليل]

بَالٌ فَالثَّانِي أَصْوَبُ، وَعَزَا الصِّقِلِّيُّ الْأَوَّلَ لِأَشْهَبَ وَالثَّانِيَ لِلْأَخَوَيْنِ.

(وَ) فِي اشْتِرَاطِ (دَوَامِ الرِّضَا) بِحُكْمِ الْمُحَكَّمِ مِنْ الْخَصْمَيْنِ (فِي التَّحْكِيمِ لِلْحُكْمِ) مِنْ الْمُحَكَّمِ فَلِأَحَدِهِمَا الرُّجُوعُ عَنْ التَّحْكِيمِ قَبْلَ حُكْمِهِ، قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ دَوَامِهِ إلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا قَبْلَهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ (قَوْلَانِ) فِي كُلٍّ مِنْ الْفُرُوعِ السَّابِقَةِ حَذَفَهُ مِمَّا عَدَا الْأَخِيرَ لِدَلَالَةِ هَذَا عَلَيْهِ. الْبَاجِيَّ لَوْ حَكَّمَا رَجُلًا بَيْنَهُمَا فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عِنْدَهُ ثُمَّ بَدَا لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَرَى أَنْ يَقْضِيَ، وَيَجُوزُ حُكْمُهُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ وَالْأَقْوَالُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ اُنْظُرْهَا فِيهِ.

(وَلَا يَحْكُمُ) الْقَاضِي (مَعَ) حُصُولِ (مَا) أَيْ شَيْءٍ (يُدْهِشُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، أَيْ يُضْعِفُ (الْفِكْرَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ الْعَقْلَ عَنْ تَمَامِ إدْرَاكِهِ مِنْ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَحُزْنٍ وَغَلَبَةِ نَوْمٍ وَحَقْنٍ وَلَقْسٍ، أَيْ ضِيقِ نَفَسٍ أَوْ غَثَيَانِ نَفَسٍ وَأَكْلٍ فَوْقَ كِفَايَةٍ، وَقَدْ قِيلَ الْبِطْنَةُ تُذْهِبُ الْفَطِنَةَ، وَالنَّهْيُ تَحْرِيمٌ عِنْدَ الْبِسَاطِيِّ وَالْحَطّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، وَكَرَاهَةٌ عِنْدَ تت، وَأَمَّا مَا يَمْنَعُ الْعَقْلَ عَنْ أَصْلِ الْإِدْرَاكِ

ص: 301

وَمَضَى، وَعَزَّرَ شَاهِدَ زُورٍ فِي الْمَلَإِ بِنِدَاءٍ،

ــ

[منح الجليل]

فَمَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي لَا يُفْتِي مَعَ مَا يُدْهِشُ الْفِكْرَ نَصَّ عَلَيْهِ عِيَاضٌ، وَتَبِعَهُ الْآبِي وَمِنْهُ كَثْرَةُ الزِّحَامِ، وَكَانَ سَحْنُونٌ يَحْكُمُ فِي مَوْضِعٍ خَاصٍّ عَلَيْهِ بَوَّابٌ لَا يُدْخِلُ عَلَيْهِ إلَّا اثْنَيْنِ فَاثْنَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْمَجِيءِ إلَيْهِ، وَفِي هَذَا فَائِدَتَانِ السَّتْرُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ وَاسْتِجْمَاعُ الْفِكْرِ.

ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ لَا يَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ وَهُوَ عَلَى صِفَةٍ يُخَافُ فِيهَا أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالْقَضِيَّةِ صَوَابًا إنْ نَزَلَ بِهِ فِي قَضَائِهِ تَرَكَهُ كَالْغَضَبِ وَالضَّجَرِ وَالْهَمِّ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْحَقْنِ وَأَخْذِهِ مِنْ الطَّعَامِ فَوْقَ كِفَايَتِهِ. قُلْت أَرَادَ إنْ أُدْخِلَ عَلَيْهِ تَغَيُّرًا، وَأَصْلُ هَذَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «لَا يَحْكُمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانٌ» ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه ابْنُ عَرَفَةَ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِأَعَمَّ مِنْ الْغَضَبِ وَهُوَ الْأَمْرُ الشَّاغِلُ وَإِلْغَاءُ خُصُوصِ الْغَضَبِ، وَسَمَّوْا هَذَا الْإِلْغَاءَ وَالِاعْتِبَارَ بِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ.

(وَ) إنْ حَكَمَ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ (مَضَى) حُكْمُهُ. الْمُتَيْطِيُّ فِي كِتَابِ الْقَزْوِينِيِّ إنْ حَكَمَ وَهُوَ غَضْبَانُ جَازَ حُكْمُهُ خِلَافًا لِدَاوُدَ، وَفَرَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ الْغَضَبِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ (وَعَزَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ أَدَّبَ الْقَاضِي شَخْصًا (شَاهِدًا بِزُورٍ) أَيْ مَا لَمْ يَعْلَمْ عَمْدًا وَإِنْ صَادَفَ الْوَاقِعَ بِأَنْ شَهِدَ بِقَتْلِ زَيْدٍ عَمْرًا وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَقَدْ كَانَ قَتَلَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَأْخُوذٌ مِنْ زَوْرِ الصَّدْرِ أَيْ اعْوِجَاجِهِ لَا مِنْ تَزْوِيرِ الْكَلَامِ أَيْ تَحْسِينِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ زَوَّرْت فِي نَفْسِي كَلَامًا أَوْ مَقَالَةً وَيَجْتَهِدُ فِيمَا يُعَزِّرُ بِهِ شَاهِدَ الزُّورِ مِمَّا يَرَاهُ زَاجِرًا لَهُ عَنْ عَوْدِهِ لِمِثْلِ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَلِمِثْلِهِ عَنْ ارْتِكَابِهَا (بِ) حَضْرَةِ (مَلَأٍ) بِالْقَصْرِ وَالْهَمْزِ، أَيْ جَمْعٍ مِنْ النَّاسِ (بِنِدَاءٍ) بِكَسْرِ النُّونِ مَمْدُودًا، أَيْ صِيَاحٍ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ وَطَوَافٍ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْجَمَاعَاتِ.

فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه إذَا ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى شَاهِدِ الزُّورِ ضَرَبَهُ بِقَدْرِ رَأْيِهِ وَيُطَافُ يه فِي الْمَجَالِسِ. ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَادَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ. ابْنُ وَهْبٍ كَتَبَ عُمَرُ " رضي الله عنه " إلَى عُمَّالِهِ بِالشَّامِ إنْ أَخَذْتُمْ شَاهِدَ زُورٍ فَاجْلِدُوهُ أَرْبَعِينَ وَسَخِّمُوا وَجْهَهُ وَطُوفُوا بِهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ النَّاسُ

ص: 302

وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ، وَلَا يُسَخِّمُهُ

ثُمَّ فِي قَبُولِهِ: تَرَدُّدٌ،

ــ

[منح الجليل]

وَيُطَالُ حَبْسُهُ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي إتْيَانِ سَحْنُونٍ بِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه مَيْلٌ مِنْهُ إلَيْهَا.

(وَلَا يَحْلِقُ) أَيْ لَا يَأْمُرُ الْقَاضِي أَنْ يَحْلِقَ (رَأْسَهُ) أَيْ شَاهِدَ الزُّورِ (أَوْ لِحْيَتَهُ وَلَا يُسَخِّمُهُ) أَيْ لَا يَأْمُرُ بِدَهْنِ وَجْهِ شَاهِدِ الزُّورِ بِالسُّخَامِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِأَسْفَلِ الْقِدْرِ وَمُحِيطِهِ مِنْ كَثْرَةِ الدُّخَانِ، رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه لَا أَرَى الْحَلْقَ وَالتَّسْخِيمَ. ابْنُ مَرْزُوقٍ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُسَخِّمُ وَجْهَهُ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ عَادَتُهُمْ عَدَمُ الْحَلْقِ وَيَجْعَلُونَ الْحَلْقَ مِثْلَهُ.

(ثُمَّ) إذَا ظَهَرَتْ تَوْبَةُ شَاهِدِ الزُّورِ وَشَهِدَ شَهَادَةً أُخْرَى فَ (فِي قَبُولِ) شَهَادَةِ (هـ) وَعَدَمِهِ (تَرَدُّدٌ) ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إنْ تَابَ عِبَارَاتُ ابْنِ رُشْدٍ ظَاهِرُ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ عُرِفَتْ تَوْبَتُهُ وَإِقْبَالُهُ وَتَزَيُّدُهُ فِي الْخَيْرِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، خِلَافُ قَوْلِهَا لَا تَجُوزُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَ حَالُهُ، وَقِيلَ مَعْنَى السَّمَاعِ إنْ أَتَى تَائِبًا مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى مَا فِيهَا إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ إنْ أَتَى تَائِبًا ثُمَّ انْتَقَلَ حَالُهُ لِخَيْرٍ وَصَلَاحٍ قُبِلَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُرِفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فَلَا يُقْبَلُ. وَلِأَصْبَغَ لَا تُقْبَلُ أَبَدًا إنْ أَقَرَّ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، وَاخْتُلِفَ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَابَ وَانْتَقَلَ لِخَيْرٍ وَصَلَاحٍ فَقَالَ مُحَمَّدٌ آخِرُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُقْبَلُ، رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا وَأَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا تُقْبَلُ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ تُقْبَلُ إنْ تَابَ، وَأَظُنُّهُ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. الْمُتَيْطِيُّ لَمْ يَصْحَبْ سَمَاعُ أَبِي زَيْدٍ عَمَلٌ.

قُلْت فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ بِتَوْبَتِهِ بِتَزَيُّدِهِ صَلَاحًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَالِثُهَا إنْ أَتَى تَائِبًا لَا إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ إنَّا قُلْنَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَابَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ بِالصَّلَاحِ وَالتَّزَيُّدِ فِي الْخَيْرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. قُلْت فِي اخْتِصَارِ الْوَاضِحَةِ عَنْهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ أَبَدًا، وَإِنْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ وَازْدَادَ صَلَاحًا وَفَضْلًا لِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ يَوْمَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالزُّورِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا الْحَالِ وَلَمْ يُعْرَفْ بِالْفَضْلِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ إنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَالصَّلَاحُ الْبَيِّنُ وَالْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ.

ص: 303

وَإِنْ أُدِّبَ التَّائِبُ: فَأَهْلٌ

وَمَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ أَوْ مُفْتٍ، أَوْ شَاهِدٍ، لَا بِشَهِدْتَ بِبَاطِلٍ: كَلِخَصْمِهِ: كَذَبْتَ، وَلْيُسَوِّ

ــ

[منح الجليل]

(وَإِنْ أَدَّبَ) الْقَاضِي شَاهِدَ الزُّورِ (التَّائِبِ) عَنْ زُورِهِ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ (فَ) هُوَ (أَهْلٌ) أَيْ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّأْدِيبِ لَكِنَّ الْأَوْلَى الْعَفْوُ عَنْهُ لِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْ شَهَادَتِهِمْ بِالزُّورِ فَيُصِرُّونَ عَلَيْهَا إنْ وَقَعَتْ مِنْهُمْ وَكَمَنْ أَتَى تَائِبًا مِنْ حِرَابَتِهِ أَوْ رِدَّتِهِ أَوْ فِطْرِهِ عَمْدًا فِي رَمَضَانَ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ أَدَّبَهُ لَكَانَ أَهْلًا، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يُؤَدِّبُهُ الْمُتَيْطِيُّ وَبِهِ الْعَمَلُ الْمَازِرِيُّ هُوَ الْمَشْهُورُ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ أَدَّبَ مَنْ جَاءَ تَائِبًا عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ لَكَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يُعَاقَبُ لَوْ عُوقِبَ لَمْ يَرْجِعْ أَحَدٌ عَنْ شَهَادَتِهِ زُورًا خَوْفَ عُقُوبَتِهِ كَالْمُرْتَدِّ إنْ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ. وَلِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ مَنْ سَأَلَ عَنْ إصَابَتِهِ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ فَلَا يُعَاقَبُ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُعَاقِبْهُ

(وَ) عَزَّرَ الْقَاضِي (مَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ) ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ إنْ شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ أَسْرَعَ إلَيْهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، كَقَوْلِهِ يَا ظَالِمُ يَا فَاجِرُ فَعَلَيْهِ زَجْرُهُ وَضَرْبُهُ إلَّا ذَا مُرُوءَةٍ فِي فَلْتَةٍ مِنْهُ فَلَا يَضْرِبُهُ (أَوْ) أَسَاءَ عَلَى (مُفْتٍ أَوْ) عَلَى (شَاهِدٍ) أَفْتَى ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ وَلِيدٍ وَابْنُ غَالِبٍ بِأَدَبِ مَنْ قَالَ لِلشُّهُودِ وَأَهْلِ الْفُتْيَا تَشْهَدُونَ عَلَيَّ وَتُفْتُونَ لَا أَدْرِي مَنْ أُكَلِّمُ مِنْكُمْ. سَحْنُونٌ إنْ قَالَ الْخَصْمُ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ أَوْ بِمَا يَسْأَلُك اللَّهُ عَنْهُ أَوْ مَا أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ، وَيُؤَدَّبُ الْمَعْرُوفُ بِالْإِذَايَةِ بِقَدْرِ جُرْمِهِ وَقَدْرِ الرَّجُلِ الْمُنْتَهَكِ حُرْمَتُهُ وَقَدْرِ الشَّاتِمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةٌ تَجَافَى عَنْهُ (لَا) يُؤَدَّبُ بِقَوْلِهِ (شَهِدْت بِبَاطِلٍ) ابْنُ كِنَانَةَ إنْ قَالَ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ فَإِنْ عَنَى أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِبَاطِلٍ فَلَا يُؤَدَّبُ، وَإِنْ قَصَدَ أَذَاهُ وَالشُّهْرَةَ بِهِ نُكِّلَ بِقَدْرِ حَالِ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْبَاطِلُ أَعَمُّ مِنْ الزُّورِ.

وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ التَّأْدِيبِ فَقَالَ (كَ) مَنْ قَالَ (لِخَصْمِهِ كَذَبْت عَلَيَّ) بِشَدِّ الْيَاءِ فِيمَا ادَّعَيْت بِهِ عَلَيَّ أَوْ فِيمَا أَنْكَرْتنِي فِيهِ، إذْ هَذِهِ مُجَاوَبَةٌ لَا إيذَاءٌ (وَلْيُسَوِّ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْوَاوِ مَكْسُورَةً الْقَاضِي وُجُوبًا (بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) فِي الْقِيَامِ أَوْ الْجُلُوسِ

ص: 304

بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَإِنْ مُسْلِمًا، وَكَافِرًا.

وَقُدِّمَ الْمُسَافِرُ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، ثُمَّ السَّابِقُ، قَالَ:

ــ

[منح الجليل]

وَالْقُرْبِ أَوْ الْبُعْدِ وَالْكَلَامِ وَالِاسْتِمَاعِ لِكَلَامِهِمَا وَرَفْعِ صَوْتِهِمَا وَالنَّظَرِ إلَيْهِمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَا (مُسْلِمًا وَكَافِرًا) ابْنُ عَرَفَةَ رِوَايَةُ الْأُمَّهَاتِ وَاضِحَةٌ بِوُجُوبِ تَسْوِيَةِ الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِهِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِمَا وَالسَّمَاعِ مِنْهُمَا وَرَفْعِ صَوْتِهِ عَلَيْهِمَا. الْمَازِرِيُّ لَوْ كَانَ الْخَصْمَانِ مُسْلِمًا وَذِمِّيًّا فَفِي تَسْوِيَتِهِمَا فِي مَجْلِسِهِمَا كَمُسْلِمَيْنِ وَجَعْلِ الْمُسْلِمِ أَرْفَعَ قَوْلَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ عَلَى الْأَوَّلِ مَعْزُوًّا لِأَصْبَغَ. عُمَرُ لِأَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَسَوِّ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِك وَعَدْلِك وَوَجْهِك حَتَّى لَا يَطْمَعَ الشَّرِيفُ فِي حَيْفِك وَلَا يَيْأَسَ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِك.

(وَ) إنْ تَعَدَّدَتْ الْخُصُومَاتُ عِنْدَ الْقَاضِي (قَدَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْقَاضِي وُجُوبًا (الْمُسَافِرَ) بِالنَّظَرِ فِي خُصُومَتِهِ مَعَ مُسَافِرٍ أَوْ مَعَ مُقِيمٍ، لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ يُفَوِّتُهُ الرُّفْقَةَ فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ السَّفَرُ وَحْدَهُ (وَ) قَدَّمَ (مَا يَخْشَى فَوَاتَهُ) بِتَأْخِيرِهِ كَنِكَاحٍ اسْتَوْجَبَ فَسْخَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَخِيفَ إذَا أَخَّرَ النَّظَرَ فِيهِ أَنْ يَدْخُلَ الزَّوْجُ بِهَا وَطَعَامٍ إذَا أُخِّرَ فَسَدَ وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُسَافِرُ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ قَدَّمَ أَشَدَّهُمَا ضَرَرًا بِتَأْخِيرِهِ، وَهَذَا أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يَكْثُرْ الْمُسَافِرُونَ جِدًّا، فَإِنْ كَثُرُوا جِدًّا بِحَيْثُ يَحْصُلُ الضَّرَرُ لِلْمُقِيمِينَ بِتَأْخِيرِهِمْ عَنْ الْمُسَافِرِينَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ إنْ اسْتَوَى ضَرَرُهُمْ بِالتَّأْخِيرِ وَإِلَّا قَدَّمَ أَشَدَّهُمَا ضَرَرًا، نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْمَازِرِيِّ.

ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ يُقَدِّمُ الْقَاضِي فِي الْخُصُومَةِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ إلَّا الْمُسَافِرَ وَمَا يُخْشَى فَوْتُهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ الْأَوَّلِ كُتِبَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي بِطَاقٍ وَخُلِطَتْ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ أَوَّلًا بَدَأَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ سَحْنُونٍ الْغُرَبَاءُ وَأَهْلُ الْمِصْرِ سَوَاءٌ إلَّا أَنْ يُقَدِّمَ الْغُرَبَاءَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا يُدْخِلُ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ ضَرَرًا وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَزَادَ وَأَرَى أَنْ يَبْدَأَ بِالْغُرَبَاءِ كُلَّ يَوْمٍ مَا لَمْ يَكْثُرُوا فَلَا يَبْدَأُ بِهِمْ. ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ مِنْ شَأْنِ الْقُضَاةِ تَقْدِيمُ الْغُرَبَاءِ وَتَعْجِيلُ سُرَاهُمْ. سَحْنُونٌ لَا يُقَدِّمُ رَجُلًا لِفَضْلِهِ وَسُلْطَانِهِ.

(ثُمَّ) يُقَدِّمُ (السَّابِقَ) إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي إنْ كَانَ بِحَقٍّ وَاحِدٍ (قَالَ) الْمَازِرِيُّ مِنْ عِنْدِ

ص: 305

وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طُولٍ، ثُمَّ أَقْرَعَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ:

ــ

[منح الجليل]

نَفْسِهِ (وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طَوْلٍ) وَنَصُّهُ إذَا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَسْبَقِ، فَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه إنَّمَا يُقَدِّمُ الْأَسْبَقَ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ لَا فِي سَائِرِ مَطَالِبِهِ، وَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ إنْ سَبَقَ بِخَصْمَيْنِ قَدَّمَ فِيهِمَا مِمَّا لَا يَطُولُ وَلَا يَضُرُّ بِالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ بَعْدَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ لِأَصْحَابِنَا. وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْبَغَ إذَا قَضَى بَيْنَ خَصْمَيْنِ فِي أَمْرٍ اخْتَصَمَا فِيهِ ثُمَّ أَخَذَا فِي حُجَّةٍ أُخْرَى فِي خُصُومَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ غَيْرُهُمَا فَلَا يَسْمَعُ مِنْهُمَا حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّنْ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ لَا ضَرَرَ فِيهِ بِمَنْ حَضَرَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا.

(ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي الْمَجِيءِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ (أَقْرَعَ) بَيْنَهُمْ بِأَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي أَوْرَاقٍ وَيَخْلِطَهَا وَيُخْرِجَ مِنْهَا وَرَقَةً فَمَنْ وَجَدَ اسْمَهُ فِيهَا قَدَّمَهُ (وَيَنْبَغِي) لِلْقَاضِي (أَنْ يُفْرِدَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (يَوْمًا) مُعَيَّنًا مِنْ الْأُسْبُوعِ (أَوْ وَقْتًا) مُعَيَّنًا مِنْ الْيَوْمِ (لِ) قَضَاءٍ بَيْنَ (االنِّسَاءِ) سَتْرًا لَهُنَّ وَحِفْظًا مِنْ اخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ فِي مَجْلِسِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُنَّ خَاصَّةً أَوْ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الرِّجَالِ، وَهَذَا فِي نِسَاءٍ يَخْرُجْنَ وَلَا يُخْشَى مِنْ سَمَاعِ صَوْتِهِنَّ الْفِتْنَةُ بِهِنَّ، وَأَمَّا الْمُخَدَّرَاتُ وَاَللَّاتِي يُخْشَى مِنْ سَمَاعِ صَوْتِهِنَّ الْفِتْنَةُ بِهِنَّ فَيُوَكِّلْنَ مِنْ يُخَاصِمُ عَنْهُنَّ أَوْ يَبْعَثُ لَهُنَّ فِي مَنَازِلِهِنَّ ثِقَةً مَأْمُونًا. ابْنُ عَرَفَةَ سَحْنُونٌ يَعْزِلُ النِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ وَالرِّجَالَ عَلَى حِدَةٍ.

أَشْهَبُ أَرَى أَنْ يَبْدَأَ بِالنِّسَاءِ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ بِالرِّجَالِ فَذَلِكَ لَهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ صَحِيحٌ إمَّا لِكَثْرَةِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ أَوْ لِكَثْرَتِهِنَّ عَلَى الرِّجَالِ، وَلَا يُقَدِّمُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ مُخْتَلِطِينَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا مَعْلُومًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَعَلَ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُفْرِدَ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا، وَإِنْ احْتَاجَ لِكَشْفِ وَجْهِ امْرَأَةٍ لِيَعْرِفَ بِهَا أَوْ لِيَشْهَدَ شُهُودُهَا عَلَى عَيْنِهَا كَشَفَهُ بَيْنَ أَيْدِي الْعُدُولِ وَيَأْمُرُ بِتَنْحِيَةِ غَيْرِهِمْ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْمَجَالِسِ وَيَجْعَلُ لِلنَّصَارَى يَوْمًا أَوْ وَقْتًا مِنْ الْأَيَّامِ بِقَدْرِ قِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، وَيَجْلِسُ لَهُمْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ،

ص: 306

كَالْمُفْتِي، وَالْمُدَرِّسِ

ــ

[منح الجليل]

الْمَازِرِيُّ إنْ كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أَبْعَدَ عَنْهَا مَنْ لَا خِصَامَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مِنْ الرِّجَالِ. قُلْت وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعُدَ عَنْهَا خَصْمُهَا أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا حُجَّةَ خَصْمِهِ أَوْ أَقْصَى مَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ مِنْهُمَا وَيَذْكُرُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلَ صَاحِبِهِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِسُرْعَةِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً لَهَا جَمَالٌ وَيَخَافُ إنْ تَكَلَّمَتْ افْتَتَنَ بِهَا مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهَا أَمَرَهَا أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهَا فِي الْكَلَامِ، وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهَا فِي دَارِهَا مَنْ تُؤْمَنُ نَاحِيَتُهُ لِسِنِّهِ وَدِينِهِ وَوَرَعِهِ مِمَّنْ يُكَلِّفُهُ الْحُكُومَةُ فِي أَمْرِهَا فَعَلَ، وَقَدْ حَضَرَتْ الْغَامِدِيَّةُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَقَرَّتْ بِالزِّنَا فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ الْأُخْرَى اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَلَمْ يَأْمُرْ بِإِحْضَارِهَا. الشَّيْخُ عَنْ أَصْبَغَ إنْ كَانَ فِي أَعْوَانِ الْقَاضِي ثِقَةٌ قَدَّمَهُ لِلْخُصُومَةِ بَيْنَهُنَّ فِي مَنَازِلِهِنَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ نَفْسُهُ.

وَشَبَّهَ فِي تَقْدِيمِ الْمُسَافِرِ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ ثُمَّ السَّابِقِ ثُمَّ الْإِقْرَاعِ وَإِفْرَادِ النِّسَاءِ بِزَمَنٍ فَقَالَ (كَالْمُفْتِي) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (وَالْمُدَرِّسِ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ وَكَذَا الْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسُ عِنْدَ التَّزَاحُمِ. قُلْت لَمْ أَعْرِفْ هَذَا نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ إنَّمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي وَجِيزِهِ وَتَخْرِيجُهُمَا عَلَى حُكْمِ تَزَاحُمِ الْخُصُومِ وَاضِحٌ، وَكَذَا عَلَى سَمَاعِ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ فِي الصَّانِعِ الْخَيَّاطِ يَدْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ ثِيَابَهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا إنْ كَانَ الشَّيْءُ الْخَفِيفُ الرُّقْعَةَ وَنَحْوَهَا.

ابْنُ رُشْدٍ جَعَلَ الِاخْتِيَارَ تَقْدِيمَ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ دُونَ إيجَابٍ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عَمَلُهُ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، وَكَذَا قَالَ الْأَخَوَانِ لَا بَأْسَ أَنْ يُقَدِّمَ الصَّانِعُ مَنْ أَحَبَّ مَا لَمْ يَقْصِدْ مَطْلًا، وَكَذَا قَالَ فِي الرَّحَى وَلِسَحْنُونٍ لَا يُقَدِّمُ صَاحِبُ الرَّحَى أَحَدًا عَلَى مَنْ أَتَى قَبْلَهُ إنْ كَانَتْ سُنَّةُ الْبَلَدِ الطَّحْنَ عَلَى الدَّوْلَةِ، فَإِنْ تَحَاكَمُوا قَضَى بَيْنَهُمْ بِسُنَّتِهِمْ وَلَيْسَ قَوْلُ سَحْنُونٍ خِلَافًا لِقَوْلِ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ. قُلْت وَجَرَتْ عَادَةُ مُدَرِّسِي تُونُسَ فِي الْأَكْثَرِ بِتَقْدِيمِ قِرَاءَةِ التَّفْسِيرِ عَلَى الْحَدِيثِ، وَتَقْدِيمِ الْحَدِيثِ عَلَى الْفِقْهِ. الْبُرْزُلِيُّ وَعَلَى هَذَا يَأْتِي التَّقْدِيمُ فِي طَبْخِ الْخُبْزِ وَالْقِرَاءَةِ وَسَائِرِ الصَّنَائِعِ إنْ كَانَ عُرْفٌ عَمِلَ بِهِ وَالْأَقْدَمُ الْآكَدُ فَالْآكَدُ، وَيُقَدِّمُ فِي

ص: 307

وَأُمِرَ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ، وَإِلَّا فَالْجَالِبُ؛ وَإِلَّا أَقُرِعَ

ــ

[منح الجليل]

الْقِرَاءَةِ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ لِتَحْصِيلِ كَثْرَةِ الْمَنَافِعِ عَلَى قِلَّتِهَا، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الطَّالِبُ الَّذِي لَا قَابِلِيَّةَ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَفِي الْحَطّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْأَحَبَّ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا عُرْفٌ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ.

(وَأُمِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (مُدَّعٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا، أَيْ أَمَرَهُ الْقَاضِي وَنَعَتَهُ بِنَعْتٍ كَاشِفٍ حَقِيقَتَهُ فَقَالَ (تَجَرَّدَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ خَلَا (قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، وَصِلَةُ أُمِرَ (بِالْكَلَامِ) وَيَأْمُرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالسُّكُوتِ حَتَّى يَتِمَّ كَلَامُ الْمُدَّعِي. ابْنُ عَرَفَةَ الْمُدَّعِي مَنْ عَرِيَتْ دَعْوَاهُ عَنْ مُرَجِّحٍ غَيْرِ شَهَادَةٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ اقْتَرَنَتْ دَعْوَاهُ بِهِ، فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُدَّعِي مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ يَبْطُلُ عَكْسُهُ بِالْمُدَّعِي وَمَعَهُ بَيِّنَتُهُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ، وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ الْمُدَّعِي مَنْ قَالَ قَدْ كَانَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ، وَمَنْ عَرَفَهُمَا لَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ. ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، إنَّمَا يَصِحُّ إذَا تَجَرَّدَتْ دَعْوَى الْمُدَّعِي فِي قَوْلِهِ قَدْ كَانَ مِنْ سَبَبٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَى تَصْدِيقِ دَعْوَاهُ أَقْوَى مِنْ سَبَبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَائِلُ لَمْ يَكُنْ كَمَنْ حَازَ شَيْئًا عَنْ غَيْرِ مُدَّةِ الْحِيَازَةِ. فِي وَجْهٍ مُدَّعِي الشَّرِكَةِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ يَقُولُ قَدْ كَانَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ، وَكَذَا الْمُودِعُ يَدَّعِي فِي الْوَدِيعَةِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهُوَ يَقُولُ قَدْ كَانَ الْمُودِعُ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ.

(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِلْقَاضِي الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ مُدَّعٍ وَالْآخَرَ مُدَّعًى عَلَيْهِ (فَالْجَالِبُ) صَاحِبَهُ لِلْقَاضِي هُوَ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْكَلَامِ أَوَّلًا لِدَلَالَةِ جَلْبِهِ عَلَى أَنَّهُ الْمُدَّعِي (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْجَالِبُ وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمُدَّعِي (أَقْرَعَ) الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَلِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يُقَدِّمُ أَيَّهمَا شَاءَ. الشَّيْخُ لِأَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ جَلَسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ مَالَكُمَا أَوْ مَا خُصُومَتُكُمَا أَوْ يَسْكُتَ لِيَبْتَدِيَاهُ، فَإِنْ تَكَلَّمَ الْمُدَّعِي أَسْكَتَ الْآخَرَ حَتَّى يَسْمَعَ حُجَّةَ الْمُدَّعِي،

ص: 308

فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ، قَالَ: وَكَذَا شَيْءٌ، وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ: كَأَظُنُّ،

ــ

[منح الجليل]

ثُمَّ يُسْكِتُهُ وَيَسْتَنْطِقُ الْآخَرَ لِيَفْهَمَ حُجَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَا يَبْتَدِئُ أَحَدَهُمَا فَيَقُولُ مَا تَقُولُ أَوْ مَالَك إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ الْمُدَّعِي، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي، فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا وَسَكَتَ الْآخَرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ دَعْوَاهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ حَتَّى يُقِرَّ خَصْمُهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ هَذَا الْمُدَّعِي أَقَامَهُمَا عَنْهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَحَدُهُمَا فَيَكُونَ هُوَ الطَّالِبَ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ.

ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمُدَّعِي، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَلَبَ الْآخَرَ فَالْجَالِبُ الْمُدَّعِي، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ الْجَالِبَ بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْآخَرِ. اللَّخْمِيُّ إنْ صَرَفَهُمَا لِدَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الطَّالِبُ فَأَبَى أَحَدُهُمَا الِانْصِرَافَ بَدَأَ بِهِ، وَإِنْ بَقِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقًا بِالْآخَرِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ طَلَبٌ وَتَشَاحَّا فِي الِابْتِدَاءِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ الْحَاكِمُ بِالْخِيَارِ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالنَّظَرِ لِأَضْعَفِهِمَا.

وَإِذَا أَمَرَ الْمُدَّعِي بِالْكَلَامِ (فَيَدَّعِي) الْمُدَّعِي (ب) شَيْءٍ (مَعْلُومٍ) قَدْرُهُ وَجِنْسُهُ وَصِفَتُهُ لَا مَجْهُولٍ (مُحَقَّقٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحَتَيْنِ مُثَقَّلًا لَا مَظْنُونٍ وَلَا مَشْكُوكٍ وَلَا مَوْهُومٍ (قَالَ) الْمَازِرِيُّ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ (وَكَذَا) أَيْ الْمَعْلُومُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِهِ (شَيْءٌ) أَوْ حَقٌّ أَوْ مَالٌ تَرَتَّبَ لِي فِي ذِمَّتِهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، وَجَهِلْت قَدْرَهُ لِنِسْيَانِهِ بِطُولِ مُدَّتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا، بَلْ مَجْهُولًا كَشَيْءٍ أَوْ مَظْنُونًا (لَمْ تُسْمَعْ كَأَظُنُّ) أَنَّ لِي عِنْدَهُ كَذَا، أَوْ فِي ظَنِّي وَأَحْرَى أَشُكُّ. ابْنُ شَاسٍ الدَّعْوَى الْمَسْمُوعَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً صَحِيحَةً، فَلَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا نَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ قَالَ وَعِنْدِي لَوْ قَالَ الطَّالِبُ أَتَيَقَّنُ عِمَارَةَ ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ بِشَيْءٍ أَجْهَلُ مَبْلَغَهُ وَأُرِيدُ جَوَابَهُ يَذْكُرُهُ مُفَصَّلًا أَوْ إنْكَارُهُ جُمْلَةً لَزِمَهُ الْجَوَابُ. ابْنُ شَاسٍ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَيْك شَيْئًا فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ أَيْضًا.

ص: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

ابْنُ عَرَفَةَ فَاخْتَصَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ وَشَرَطَ الْمُدَّعَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُحَقَّقًا فَقَبِلَهُ شَارِحَاهُ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ خِلَافًا، وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ مَنْ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ ثُمَّ مَاتَ فَطَلَبَتْ صَدَاقَهَا حَلَفَ الْوَرَثَةُ مَا نَعْلَمُ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ صَدَاقٌ. ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ صَدَاقَهَا وَاسْتَوْجَبَتْهُ لَا عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ عَلِمُوا أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْهُ فَرَجَعَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ عَلَى غَيْرِ مَا نَكَلَ عَلَيْهِ الْوَرَثَةُ، وَلَهَا نَظَائِرُ. الْحَطّ ابْنُ فَرْحُونٍ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً، فَلَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ وَامْتَنَعَ مِنْ بَيَانِهِ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الطَّالِبَ لَوْ أَيْقَنَ بِعِمَارَةِ ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ بِشَيْءٍ وَجَهِلَ مَبْلَغَهُ وَأَرَادَ مِنْ خَصْمِهِ أَنْ يُجَاوِبَهُ عَنْ ذَلِكَ بِإِقْرَارٍ بِمَا ادَّعَى بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ وَذَكَرَ الْمَبْلَغَ وَالْجِنْسَ لَزِمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ. أَمَّا لَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ فَضْلَةِ حِسَابٍ لَا أَعْلَمُ قَدْرَهُ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمَا تَحَاسَبَا وَبَقِيَتْ لَهُ عِنْدَهُ بَقِيَّةٌ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِقَدْرِهَا فَدَعْوَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَسْمُوعَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى حَقًّا لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ الْأَرْضِ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا لَا يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ، فَهِيَ دَعْوَى مَسْمُوعَةٌ وَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ النَّاقِصَةِ اهـ.

فَقَوْلُهُ أَمَّا إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا يُسْمَعُ بِلَا خِلَافٍ، فَهُوَ مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ مَعْلُومٍ وَقَوْلُهُ بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ تَوْجِيهَ يَمِينَ التُّهْمَةِ بِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَمَسَائِلُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ، فَفِي آخِرِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارٍ بِيَدِ رَجُلٍ فَصَالَحَهُ مِنْهُ، فَإِنْ جَهِلَاهُ جَمِيعًا جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَرَفَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ مِنْهَا فَلْيُسَمِّهِ، فَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ بَطَلَ الصُّلْحُ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ اهـ.

وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ لِلْقَائِمِ فِي الدَّارِ الْمُقَوَّمِ فِيهَا بِحِصَّةٍ لَا يَعْرِفُونَ مَبْلَغَهَا، فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنْ يُقَالَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ سَمِّ مَا شِئْت وَاحْلِفْ عَلَيْهِ وَخُذْهُ، فَإِنْ أَبَى أُخْرِجَتْ الدَّارُ مِنْ الْمَطْلُوبِ

ص: 310

وَكَفَاهُ بِعْت، وَتَزَوَّجْت؛ وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِلَّا فَلْيَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْ السَّبَبِ

ــ

[منح الجليل]

وَوُقِفَتْ حَتَّى يُقِرَّ بِشَيْءٍ، قَالَ مُطَرِّفٌ وَقَدْ كُنَّا نَقُولُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إنَّهُ إذَا لَمْ تَعْرِفْ الشُّهُودُ الْحِصَّةَ فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ وَلَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ شَيْءٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ رضي الله عنه فَرَجَعْنَا إلَى قَوْلِهِ وَاسْتَمَرَّتْ الْأَحْكَامُ عَلَى ذَلِكَ.

(وَكَفَاهُ) أَيْ الْمُدَّعِي فِي بَيَانِ سَبَبِ الْمُدَّعَى بِهِ قَوْلُهُ (بِعْت) شَيْئًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدِينَارٍ مَثَلًا وَلَمْ أَقْبِضْهُ مِنْهُ (وَ) كَفَى قَوْلُ امْرَأَةٍ مُدَّعِيَةٍ عَلَى رَجُلٍ بِصَدَاقٍ وَأَنْكَرَهُ (تَزَوَّجْت) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَلَمْ أَقْبِضْهَا مِنْهُ، قَالُوا وَبِمَعْنَى أَوْ (وَحُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْبَيْعُ أَوْ التَّزَوُّجُ الَّذِي أَطْلَقَهُ الْمُدَّعِي (عَلَى) الْبَيْعِ أَوْ التَّزَوُّجِ (الصَّحِيحِ) بِاسْتِيفَاءِ أَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ فِي عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ. ابْنُ شَاسٍ إذَا ادَّعَى فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا تَزَوُّجًا صَحِيحًا سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُومَ بِوَلِيٍّ وَبِرِضَاهَا، بَلْ لَوْ أَطْلَقَ سُمِعَ أَيْضًا، وَكَذَا فِي الْبَيْعِ، بَلْ لَوْ قَالَ هِيَ زَوْجَتِي لَكَفَاهُ الْإِطْلَاقُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّعِي سَبَبَ مَا ادَّعَى بِهِ (فَلْيَسْأَلْهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (الْحَاكِمُ عَنْ السَّبَبِ) لِلْمُدَّعَى بِهِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ إيجَابِهِ شَيْئًا أَصْلًا كَبَيْعِ مُسْلِمٍ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ إيجَابِهِ أَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ كَرِبًا.

(تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: الْحَطّ لَيْسَ مِنْ تَمَامِ صِحَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يَذْكُرَ السَّبَبَ. يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا وَلِمُدَّعًى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا ذِكْرُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إذَا كَانَ مِثْلِيًّا وَهُوَ وَاضِحٌ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِيمَا يَنْبَغِي لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

طفي فِيهِ نَظَرٌ، إذْ صِحَّتُهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ أَشْهَبَ إنْ أَبَى الْمُدَّعِي أَنْ يَذْكُرَ السَّبَبَ وَلَمْ يَدَّعِ نِسْيَانَهُ فَلَا يُسْأَلُ الْمَطْلُوبُ عَنْ شَيْءٍ وَنَحْوِهِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ. الشَّارِحُ وَوَجْهُهُ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُدَّعِي قَدْ يَكُونُ فَاسِدًا فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ غَرَامَةٌ. اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ

ص: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

ظَاهِرُ قَوْلِ الْمَازِرِيِّ وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُ تَوَجُّهُ دَعْوَى الْمُدَّعِي بِإِيجَابِ جَوَابِهِ خَصْمَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لِي عِنْدَ هَذَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَا بِهِ تَقَرَّرَتْ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ سَلَفٍ أَوْ مُعَاوَضَةٍ أَوْ بَتِّ عَطِيَّةٍ أَوْ عِدَّةٍ. اهـ. وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي قَوْلِهِ وَلِمُدَّعًى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ الْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ لَهُ فَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى، فَإِنْ غَفَلَ الْحَاكِمُ عَنْهُ قَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَقَامَهُ، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ كَالْمُتَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّارِحِ، فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ ابْنِ حَارِثٍ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي مِنْ أَيْنَ وَجَبَ لَك مَا ادَّعَيْت بِهِ وَعَلَى هَذَا شَرْحُ عج وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْبُنَانِيُّ بَلْ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْحَطّ، إذْ لَوْ أَنَّ ذِكْرَهُ مِنْ تَمَامِ صِحَّةِ الدَّعْوَى مَا قُبِلَ نِسْيَانُهُ وَلَبَطَلَتْ الدَّعْوَى إذَا لَمْ يَذْكُرْهُ وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيهِمَا، وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي كَلَامِ الْمَجْمُوعَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا قَوِيَتْ التُّهْمَةُ بِامْتِنَاعِهِ عَنْ ذِكْرِهِ بَعْدَ السُّؤَالِ عَنْهُ لَمْ يُكَلَّفْ الْمَطْلُوبَ بِالْجَوَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الثَّانِي: ابْنُ فَرْحُونٍ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ الْمُدَّعَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَزِمَهُ، كَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِهِبَةٍ وَقُلْنَا إنَّهَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ فَيَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ، وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْمُخَالِفِ وَالشَّاذِّ عِنْدَنَا أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ، وَكَذَا الْعِدَّةُ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهَا وَالْوَصِيَّةُ.

الثَّالِثُ: ابْنُ فَرْحُونٍ فَصْلٌ فِي تَصْحِيحِ الدَّعْوَى وَالْمُدَّعَى بِهِ أَنْوَاعٌ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَهُوَ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَتَصْحِيحُ الدَّعْوَى أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَدَّعِي بِهِ، وَيَذْكُرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ أَوْ الْعَدَاءِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ الْإِجَارَةِ أَوْ الْمُسَاقَاةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُدَّعِي أَنْ يَسْأَلَ الْحَاكِمَ النَّظَرَ بَيْنَهُمَا بِمَا يُوجِبُ الشَّرْعَ. الْحَطّ قَوْلُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُهُ ضَاعَ أَوْ سُرِقَ مِنِّي وَلَا أَدْرِي بِمَاذَا وَصَلَ إلَى هَذَا الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ، وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ نُصُوصِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.

الرَّابِعُ: الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ زَادَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى مُعْتَبَرَةً يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ لَا تُكَذِّبُهَا الْعَادَةُ، وَتَكُونُ مِمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَلْزَمُهُ،

ص: 312

ثُمَّ مُدَّعًى عَلَيْهِ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ، أَوْ أَصْلٍ بِجَوَابِهِ،

ــ

[منح الجليل]

وَاحْتَرَزَ بِمُعْتَبَرَةٍ مِنْ دَعْوَى نَحْوِ الْقَمْحَةِ وَالشَّعِيرَةِ وَبِغَرَضٍ صَحِيحٍ مِنْ دَعْوَى أُجْرَةٍ عَلَى مُحَرَّمٍ وَبِقَوْلِهِ لَا تُكَذِّبُهَا الْعَادَةُ مِنْ دَعْوَى دَارٍ بِيَدِ حَائِزٍ يَتَصَرَّفُ فِيهَا عَشْرَ سِنِينَ وَالْمُدَّعِي حَاضِرٌ سَاكِتٌ، وَبِالْأَخِيرِ مِنْ دَعْوَى الْهِبَةِ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهَا بِالْقَوْلِ وَالْوَعْدُ كَذَلِكَ وَالْوَصِيَّةُ.

الْخَامِسُ: اقْتَضَى كَلَامُ تت أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا يَكْفِيهِ فِي بَيَانِ سَبَبِهِ بِعْت وَتَزَوَّجْت فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ فَرْضُهَا أَنَّ مَنْ ادَّعَى بَيْعَ شَيْءٍ أَوْ اشْتِرَاءَهُ كَفَاهُ بِعْت أَوْ اشْتَرَيْت، وَكَذَا مَنْ ادَّعَى تَزَوُّجَ امْرَأَةٍ فَيَكْفِيهِ تَزَوَّجْتهَا، فَفِي الْجَوَاهِرِ إذَا ادَّعَى فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا تَزَوُّجًا صَحِيحًا سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ بِوَلِيٍّ وَبِرِضَاهَا، بَلْ لَوْ أَطْلَقَ تُسْمَعُ أَيْضًا. وَكَذَا فِي الْبَيْعِ، بَلْ لَوْ قَالَ هِيَ زَوْجَتِي لَكَفَاهُ الْإِطْلَاقُ. اهـ. وَبِهِ شَرَحَ " ق " كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهَكَذَا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ الشَّارِحُ، لَكِنْ فِي الْمُتَيْطِيِّ عَنْ ابْنِ حَارِثٍ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي مِنْ أَيْنَ وَجَبَ لَك مَا ادَّعَيْت بِهِ، فَإِنْ قَالَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ تَعَدٍّ أَوْ شُبْهَةٍ فَلَا يُكَلَّفُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. اهـ. فَعَلَيْهِ يَأْتِي تَقْرِيرُ تت، وَيُلَائِمُ قَوْلَهُ وَإِلَّا فَلْيَسْأَلْهُ إلَخْ. تت وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ إلَخْ، وَقَالَ الشَّارِحُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَشْيَاخُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ الْمُدَّعِيَ عَنْ السَّبَبِ، وَإِلَّا يُحْمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ وَإِنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقُومُ مَقَامَهُ.

(ثُمَّ) أَمَرَ الْقَاضِي شَخْصًا (مُدَّعًى عَلَيْهِ) وَكَشَفَ حَقِيقَتَهُ بِنَعْتِهِ بِقَوْلِهِ (تَرَجَّحَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا. أَيْ تَقَوَّى (قَوْلُهُ بِ) مُوَافَقَةِ شَيْءٍ (مَعْهُودٍ) أَيْ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ. ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَعْهُودُ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ (أَوْ) تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمُوَافَقَةِ (أَصْلٍ) ابْنُ فَرْحُونٍ أَيْ حَالٍ مُسْتَصْحَبٍ. الْحَطّ الْمَعْهُودُ هُوَ شَهَادَةُ الْعُرْفِ وَنَحْوِهِ وَالْأَصْلُ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَصِلَةُ أَمَرَ (بِجَوَابِهِ) أَيْ الْمُدَّعِي. ابْنُ عَرَفَةَ إذَا ذَكَرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَمَرَ الْقَاضِي الْخَصْمَ بِجَوَابِهِ إذَا اسْتَحَقَّتْ الدَّعْوَى جَوَابًا، وَإِلَّا فَلَا، كَقَوْلِ الْمُدَّعِي هَذَا أَخْبَرَنِي الْبَارِحَةَ أَنَّهُ رَأَى هِلَالَ الشَّهْرِ أَوْ سَمِعَ مَنْ يُعَرِّفُ بِلُقَطَةٍ وَلَا

ص: 313

إنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ، أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ،

ــ

[منح الجليل]

يَتَوَقَّفُ أَمْرُهُ بِالْجَوَابِ عَلَى طَلَبِ الْمُدَّعِي ذَلِكَ لِوُضُوحِ دَلَالَةِ حَالِ التَّدَاعِي عَلَيْهِ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ مِنْ الدَّعْوَى كَأَنْ يَقُولَ لِلْقَاضِي لِي عِنْدَ هَذَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي طَلَبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَوَابٍ لِعَدَمِ تَصْرِيحِ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّ أَخَوَيْنِ بِالْبَصْرَةِ كَانَا يَتَوَكَّلَانِ عَلَى أَبْوَابِ الْقُضَاةِ، وَكَانَ لَهُمَا فِقْهٌ، فَلَمَّا وَلِيَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَهُوَ مِمَّنْ عَاصَرَ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه أَرَادَ الْأَخَوَانِ أَنْ يُعْلِمَاهُ مَكَانَهُمَا مِنْ الْعِلْمِ فَأَتَيَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا لِي عِنْدَ هَذَا كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ عِيسَى لِلْآخَرِ أَجِبْهُ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمَنْ أَذِنَ لَك أَنْ تَسْتَدْعِيَ جَوَابِي وَقَالَ الْمُدَّعِي لَمْ آذَنْ لَك فِي ذَلِكَ فَوَجَمَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فَقَالَا لَهُ إنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نُعَلِّمَك مَكَانَنَا مِنْ الْعِلْمِ وَعَرَّفَاهُ بِأَنْفُسِهِمَا وَهِيَ مُنَاقَشَةٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهَا لِأَنَّ الْحَالَ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَظَاهِرُهُ إيجَابُ جَوَابِهِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لِي عِنْدَهُ كَذَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ مِنْ سَلَفٍ أَوْ مُعَاوَضَةٍ أَوْ بَتِّ عَطِيَّةٍ مِنْ مَالٍ أَجْنَبِيٍّ.

وَذَكَرَ شَرْطَ أَمْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ فَقَالَ (إنْ خَالَطَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِدَيْنٍ) مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَلَوْ مَرَّةً (أَوْ) خَالَطَهُ بِ (تَكَرُّرِ بَيْعٍ) بِثَمَنٍ حَالٍّ. " ق " اللَّخْمِيُّ مَنْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ دَعْوَى فَأَنْكَرَهُ فَلَا يُحَلِّفُهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى إلَّا بِمَا يَنْضَافُ إلَيْهَا مِنْ خُلْطَةٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ دَلِيلٍ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُدَّعَى فِيهِ. الْبَاجِيَّ الدَّعَاوَى الَّتِي تُعْتَبَرُ فِيهَا الْخُلْطَةُ هِيَ الْمُدَايَنَةُ، فَمَنْ ادَّعَى ثَوْبًا بِيَدِ إنْسَانٍ أَنَّهُ لَهُ فَأَنْكَرَهُ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. ابْنُ زَرْقُونٍ لِأَنَّهَا فِي دَعْوَى مُعَيَّنٍ. وَقِيلَ لَا يَحْلِفُ فِي دَعْوَى الْمُعَيَّنِ إلَّا بِلَطْخٍ أَوْ شُبْهَةٍ. الْمَازِرِيُّ قَالَ الْمُتَقَدِّمُونَ كَابْنِ الْقَاسِمِ الْخُلْطَةُ أَنْ يُبَايِعَ إنْسَانٌ إنْسَانًا بِالدَّيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ بِالنَّقْدِ مِرَارًا. تت هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ وَهُوَ مَنْصُوصٌ.

ابْنُ الْقَاسِمِ وَتَعَقَّبَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَشْيَاخُ أَنَّ الْخُلْطَةَ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ لَا فِي الدَّعْوَى وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ. اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْخَلْطَ شَرْطٌ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ

ص: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

جَمَاعَةً. وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ لَا تُعْتَبَرُ الْخُلْطَةُ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ بِمِصْرَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ عِنْدَنَا. " غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ إنْ خَالَطَهُ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ، وَفِي بَعْضِهَا وَخَالَطَهُ بِالْعَطْفِ عَلَى تَرَجُّحٍ وَلَا يَخْفَاك مَا فِيهِمَا مَعًا مِنْ الْقَلَقِ، فَإِنَّ الْخَلْطَ شَرْطٌ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ لَا فِي الْأَمْرِ بِالْجَوَابِ، وَلَا فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى، وَتَكْلِيفِ الْبَيِّنَةِ كَمَا تُعْطِيهِ عِبَارَتَاهُ.

ابْنُ عَرَفَةَ قَطَعَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ رضي الله عنه وَكَافَّةِ أَصْحَابِهِ الْحُكْمُ بِالْخُلْطَةِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ حَارِثٍ وَنَقَلَ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ لَا تُعْتَبَرُ الْخُلْطَةُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَمَضَى عَمَلُ الْقُضَاةِ عِنْدَنَا عَلَيْهِ، وَنَقَلَ لِي شَيْخُنَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِ الْقُضَاةِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَحْكُمُ بِهَا إلَّا إنْ طَلَبَهَا مِنْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ حَيْثُ أَغْفَلَ تَمَامَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَنَصُّهُ وَفِي الْمَبْسُوطَةِ لِابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ لَا أَدْرِي مَا الْخُلْطَةُ وَلَا أَرَاهَا وَلَا أَقُولُ بِهَا وَأَرَى الْأَيْمَانَ وَاجِبَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» ، وَأَغْفَلَ أَيْضًا قَوْلَ الْمُتَيْطِيِّ آخِرَ الْحَمَالَةِ وَالرُّهُونِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ خُلْطَةٍ، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ إنَّ بَعْضَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَتَوَسَّطُ فِي مِثْلِ هَذَا إذَا ادَّعَى قَوْمٌ عَلَى أَشْكَالِهِمْ بِمَا يُوجِبُ الْيَمِينَ أَوْجَبَهَا دُونَ إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ، وَإِنْ ادَّعَى عَلَى الرَّجُلِ الْعَدْلِ مَنْ لَيْسَ مِنْ شَكْلِهِ فَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْخُلْطَةِ.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ هَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الْأَنْدَلُسِيُّونَ مَذْهَبَ الْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ خُلْطَةً، وَيُوجِبُونَ الْيَمِينَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْيَوْمَ. اهـ. وَقَبِلَهُ الْعَبْدُوسِيُّ الْبُنَانِيُّ صَوَابُ هَذَا التَّأْخِيرُ عَنْ قَوْلِهِ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ إلَخْ، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَهُ مِنْ مَخْرَجِ مُبَيَّضَتِهِ وَالْعَمَلُ جَرَى بِثُبُوتِ الْيَمِينِ وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ خُلْطَةٌ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا.

ص: 315

وَإِنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ، لَا بَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ

إلَّا الصَّانِعَ، وَالْمُتَّهَمَ،

ــ

[منح الجليل]

(وَ) تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، بَلْ وَ (إنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ) وَاحِدَةٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا بِالْخُلْطَةِ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهَا وَتَثْبُتُ الْخُلْطَةُ ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ تُوجِبُ الْيَمِينَ أَنَّهُ خَالَطَهُ. وَفِي الْمُفِيدِ لَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَلَا تَثْبُتُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. الْبُنَانِيُّ لَيْسَ فِي الْمَذْهَبِ مَسْأَلَةٌ يُحْكَمُ فِيهَا بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ إلَّا هَذِهِ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ

(لَا) تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ (بِ) شَهَادَةِ (بَيِّنَةٍ) بِحَقٍّ مُدَّعًى بِهِ أَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (جُرِّحَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ شَهَادَتِهَا عَلَيْهِ وَالْإِعْذَارِ لَهُ فِيهَا بِعَدَاوَةٍ لَهُ أَوْ غَيْرِهَا، فَلَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بَيْنَهُمَا بِشَهَادَتِهَا الَّتِي سَقَطَتْ بِالتَّجْرِيحِ، فَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَقٍّ آخَرَ فَأَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بَيْنَهُمَا الْمُوجِبَةُ لِتَحْلِيفِهِ بِالشَّهَادَةِ الْأُولَى الَّتِي سَقَطَتْ بِالتَّجْرِيحِ.

" ق " رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ رضي الله عنه فِيمَنْ أَقَامَ شُهُودًا عُدُولًا عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ فَأَقَامَ الرَّجُلُ بَيِّنَةً أَنَّهُمْ مُعَادُونَ لَهُ فَسَقَطَتْ شَهَادَتُهُمْ فَهُمْ كَمَنْ لَمْ يَشْهَدُوا وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنْ لَا يَحْلِفَ، وَكَذَلِكَ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ. " غ " هُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالدَّيْنِ فَسَقَطَتْ بِوَجْهٍ مِمَّا تَسْقُطُ بِهِ الشَّهَادَةُ أَوْ جَرَّحَهَا الْمَطْلُوبُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِخُلْطَةٍ تُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ رضي الله عنه. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ ذَلِكَ خُلْطَةٌ تُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ تَرَافَعَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَقٍّ آخَرَ فَقَضَى بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِخُلْطَةٍ.

وَاسْتَثْنَى ثَمَانِ مَسَائِلَ تُسْمَعُ فِيهَا الدَّعْوَى وَتَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بِدُونِ ثُبُوتِ خُلْطَةٍ فَقَالَ (إلَّا) الشَّخْصَ (الصَّانِعَ) كَالْخَيَّاطِ وَالْحَيَّاكِ وَالصَّوَّاغِ فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَتَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي، لِأَنَّ تَنْصِيبَ نَفْسِهِ لِلنَّاسِ بِمَنْزِلَةِ ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ بَيْنَهُمَا. " غ " الْأَوَّلُ الصَّانِعُ وَانْدَرَجَ فِيهِ التَّاجِرُ (وَ) إلَّا لِشَخْصِ (الْمُتَّهَمِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ بِسَرِقَةٍ أَوْ تَعَدٍّ أَوْ ظُلْمٍ فَكَذَلِكَ " غ " الثَّانِي الْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ

ص: 316

وَالضَّيْفَ وَفِي مُعَيَّنٍ،

ــ

[منح الجليل]

وَالْعَدَاءِ وَالظُّلْمِ ابْنُ يُونُسَ أَصْبَغُ خَمْسَةٌ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ بِلَا خُلْطَةٍ الصَّانِعُ وَالْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ وَالرَّجُلُ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ إنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ دَيْنًا وَالرَّجُلُ يَمْرَضُ فِي الرُّفْقَةِ، فَيَدَّعِي أَنَّهُ دَفَعَ مَالَهُ لِرَجُلٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَدْلًا وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ نَزَلَ فِي مَدِينَةٍ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ مَالًا. ابْنُ عَرَفَةَ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ الْخَمْسَةَ غَيْرَ مَعْزُوَّةٍ كَأَنَّهَا الْمَذْهَبُ. الْبَاجِيَّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ الصُّنَّاعُ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ لِمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِمْ فِي صِنَاعَتِهِمْ دُونَ خُلْطَةٍ لِأَنَّهُمْ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلنَّاسِ وَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِي تُجَّارِ السُّوقِ.

(وَ) إلَّا الشَّخْصَ (الضَّيْفَ)" غ " وَالثَّالِثُ الْغَرِيبُ يَنْزِلُ بِمَدِينَةٍ فَيَدَّعِي عَلَى رَجُلٍ مِنْهَا أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ مَالًا، فَكَأَنَّهُ عَبَّرَ بِالضَّيْفِ عَنْ الْغَرِيبِ الطَّارِئِ عَلَى الْبَلَدِ، سَوَاءٌ ضَيَّفَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يُضَيِّفْهُ، وَهَذَا يُسَاعِدُ ظَاهِرَ نَصِّ الْمُتَيْطِيِّ، وَيَتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ هَذَا، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا عَلَى الْغَرِيبِ إذَا أَوْدَعَ وَدِيعَةً عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَأَنْكَرَهُ فِيهَا فَتَتَوَجَّهُ لَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ. اهـ. وَنَقَلَ الْحَطّ عَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ مِنْ هَذِهِ النَّظَائِرِ الرَّجُلُ يُضَيِّفُ الرَّجُلَ فَيَدَّعِي عَلَيْهِ. اهـ. لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ ابْنَ فَرْحُونٍ أَخَذَهُ مِنْ يَدِ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) إلَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فِي) شَيْءٍ (مُعَيَّنٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلًا. " غ " وَالرَّابِعُ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ. عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ إنَّمَا تُرَاعَى الْخُلْطَةُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَهْلَكَةِ وَفِيمَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الْمُعَيَّنَةُ فَالْيَمِينُ وَاجِبَةٌ فِيهَا مِنْ غَيْرِ خُلْطَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا لَا تَجِبُ الْيَمِينُ إلَّا بِالْخُلْطَةِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا مِثْلَ أَنْ يَعْرِضَ رَجُلٌ سِلْعَةً فِي السُّوقِ لِلْبَيْعِ، فَيَأْتِي رَجُلٌ فَيَقُولُ قَدْ بِعْتهَا مِنِّي، فَمِثْلُ هَذَا تَجِبُ فِيهِ الْيَمِينُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ خُلْطَةٌ وَهَذَا الْقَوْلُ أَبْيَنُ عِنْدِي وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ، قَالَ لِأَنَّهُ عَرَضَهَا لِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ فَصَارَ تُهْمَةً تُوجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ لِلْأَثَرِ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ.

ص: 317

وَالْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا، وَالْمُسَافِرَ عَلَى رُفْقَتِهِ، وَدَعْوَى مَرِيضٍ أَوْ بَائِعٍ عَلَى حَاضِرِ الْمُزَايَدَةِ، فَإِنْ أَقَرَّ، فَلَهُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ،

ــ

[منح الجليل]

(وَ) إلَّا مَنْ ادَّعَى (الْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا) وَهُوَ مِمَّنْ يُودَعُ عِنْدَهُ مِثْلُهَا، وَقَيَّدَ اللَّخْمِيُّ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ: كَوْنُ الْمُدَّعِي يَمْلِكُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ، وَكَوْنُ الْمُودِعَ مِمَّنْ يُودَعُ مِثْلُ ذَلِكَ وَحُصُولُ أَمْرٍ يُوجِبُ الْإِيدَاعَ، وَمِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ هَذِهِ الْقُيُودَ. " غ " الْخَامِسُ دَعْوَى الْوَدِيعَةِ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَأَنْ يُودَعَ عِنْدَهُ مِثْلُ هَذَا الْمَالِ. قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ وَقَيَّدَهُ أَصْبَغُ وَغَيْرُهُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُودِعُ غَرِيبًا، وَقَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ أَنْ يَكُونَ الْمُودِعُ يَمْلِكُ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَالِ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يُودَعُ عِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُوجِبُ الْإِيدَاعَ. الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ ابْنُ عَاشِرٍ أَنَّ هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا يَحْلِفُ فِيهَا إلَّا الْمُتَّهَمُ وَأَهْلُ الْوَدِيعَةِ لَيْسُوا بِمُتَّهَمِينَ. قُلْت لَا وُرُودَ لِهَذَا لِتَفْسِيرِهِمْ أَهْلَهَا بِمَا يَعُمُّ الْمُتَّهَمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) إلَّا الشَّخْصَ (الْمُسَافِرَ) الْمُدَّعِيَ (عَلَى رُفْقَتِهِ) أَنَّهُ دَفَعَ لَهُمْ أَوْ لِبَعْضِهِمْ مَالًا وَدِيعَةً. " غ " السَّادِسُ، الْمُسَافِرُ يَدَّعِي أَنَّهُ دَفَعَ مَالًا لِبَعْضِ أَهْلِ رُفْقَتِهِ (وَ) إلَّا (دَعْوَى) شَخْصٍ (مَرِيضٍ) أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ أَصْبَغُ. " غ " السَّابِعُ الرَّجُلُ يُوصِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا.

(أَوْ) دَعْوَى شَخْصٍ (بَائِعٍ) أَيْ مُعْرِضٍ سِلْعَةً لِبَيْعِهَا (عَلَى) شَخْصٍ (حَاضِرِ الْمُزَايَدَةِ) فِي ثَمَنِهَا مِنْ الَّذِينَ يُرِيدُونَ شِرَاءَهَا أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ " غ " الثَّامِنُ عَبَّرَ عَنْهُ الْمُتَيْطِيُّ بِقَوْلِهِ الرَّجُلُ يَحْضُرُ الْمُزَايَدَةَ فَيَقُولُ الْبَائِعُ بِعْتُك بِكَذَا وَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ بَلْ بِكَذَا وَكَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ، وَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ مُدَّعًى عَلَيْهِ كَالصَّانِعِ وَالْمُتَّهَمِ وَبَعْضُهُمْ مُدَّعٍ كَالضَّيْفِ وَالْمَرِيضِ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ جَمِيعَهَا فِي الْحَمَالَةِ وَالرُّهُونِ إلَّا السِّلْعَةَ الْمُعَيَّنَةَ، فَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي النَّظَائِرِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُسَ وَإِلَّا الْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا، فَلَمْ يَذْكُرْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْأَعَمِّ، وَذَكَرَهَا اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَإِذَا أَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ (فَإِنْ أَقَرَّ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ادَّعَى بِهِ الْمُدَّعِي (فَلَهُ)

ص: 318

وَلِلْحَاكِمِ: تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ

وَإِنْ أَنْكَرَ قَالَ: أَلَك بَيِّنَةٌ، فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ، فَلَا بَيِّنَةَ؛ إلَّا بِعُذْرٍ: كَنِسْيَانٍ؛

ــ

[منح الجليل]

أَيْ الْمُدَّعِي (الْإِشْهَادُ) لِلْعُدُولِ الْحَاضِرِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ خَوْفَ رُجُوعِهِ عَنْهُ وَإِنْكَارِهِ (وَلِلْحَاكِمِ تَنْبِيهُهُ) أَيْ الْمُدَّعَى (عَلَيْهِ) أَيْ الْإِشْهَادِ إنْ غَفَلَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْخِصَامِ وَقَطْعِ النِّزَاعِ وَتَحْصِينِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ مِنْ تَلْقِينِ الْخَصْمِ حُجَّةً. " ق " ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَأْمُرُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ حِينَ يَفْرُغُ الْمُدَّعِي مِنْ كَلَامِهِ ثُمَّ يَسْأَلُهُ أَيُقِرُّ أَمْ يُنْكِرُ، فَإِنْ أَقَرَّ قَالَ لِلطَّالِبِ اشْهَدْ عَلَى إقْرَارِهِ إنْ شِئْت لِئَلَّا يَرْجِعَ عَنْهُ. أَشْهَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَشُدَّ عَضُدَ أَحَدِهِمَا إنْ رَأَى ضَعْفَهُ عَنْ صَاحِبِهِ وَخَوْفَهُ مِنْهُ لِيَبْسُطَ أَمَلَهُ وَرَجَاءَهُ فِي الْعَدْلِ، وَيُلَقِّنَهُ حُجَّةً عَمِيَ عَنْهَا إنَّمَا يَمْنَعُ تَلْقِينَ أَحَدِهِمَا الْفُجُورَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشُدَّ عَضُدَ أَحَدِهِمَا وَلَا يُلَقِّنَهُ حُجَّةً، وَكَانَ سَحْنُونٌ إذَا سَمِعَ الدَّعَاوَى وَالْإِنْكَارَ أَمَرَ كَاتِبَهُ فَكَتَبَهُمَا ثُمَّ عَرَضَ مَا كَتَبَهُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ وَافَقَا عَلَيْهِ أَقَرَّهُ وَلِأَصْبَغَ إذَا أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمَا فِيهِ لِلْآخَرِ نَفْعٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنَبِّهَهُ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ هَذَا لَك فِيهِ نَفْعٌ هَاتِ قِرْطَاسَك أَكْتُبُ لَك فِيهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ.

(وَإِنْ أَنْكَرَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَالَ) الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي (أَلَك بَيِّنَةٌ) فَإِنْ قَالَ نَعَمْ أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا، فَإِنْ حَضَرَتْ سَمِعَ شَهَادَتَهَا فَإِنْ وَجَدَهَا مُوَافِقَةً لِدَعْوَى الْمُدَّعِي أَعْذَرَ فِيهَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ قَبِلَ شَهَادَتَهَا حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَى حُجَّةً أَمْهَلَهُ لِإِثْبَاتِهَا، فَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهَا حَكَمَ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ نَفَاهَا) أَيْ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ بِأَنْ قَالَ لَا بَيِّنَةَ لِي (وَاسْتَحْلَفَهُ) أَيْ طَلَبَ الْمُدَّعِي حَلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحَلَّفَهُ الْقَاضِي وَأَرَادَ الْمُدَّعِي بَعْدَ حَلِفِهِ إقَامَةَ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِدَعْوَاهُ (فَلَا بَيِّنَةَ لَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي مَقْبُولَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْأَشْهَرِ. وَعَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تُقْبَلُ. وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُحَلِّفُ الْمَطْلُوبَ إلَّا بِطَلَبِ الْمُدَّعِي. وَاسْتَثْنَى مِنْ نَفْيِ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ حَلِفِ الْمَطْلُوبِ فَقَالَ (إلَّا لِعُذْرٍ) مِنْ الطَّالِبِ فِي عَدَمِ إقَامَتِهَا

ص: 319

أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا،

ــ

[منح الجليل]

أَوَّلًا (كَنِسْيَانٍ) مِنْهُ لَهَا وَعَدَمُ تَقَدُّمِ عِلْمِهِ بِهَا ثُمَّ تَذَّكَّرهَا أَوْ عَلِمَ بِهَا فَتُقْبَلُ إنْ أَقَامَهَا وَشَهِدَتْ بِطِبْقِ دَعْوَاهُ.

" ق " فِيهَا إنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا قَضَى لَهُ بِهَا. وَفِي الْوَاضِحَةِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، وَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِبَيِّنَتِهِ تَارِكًا لَهَا وَهِيَ حَاضِرَةٌ أَوْ غَائِبَةٌ فَلَا حَقَّ لَهُ، وَإِنْ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ. وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى بِهَا لِيَهُودِيٍّ، وَقَالَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ. طفي قَوْلُهُ إلَّا لِعُذْرٍ إلَخْ، فَلَهُ الْقِيَامُ بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ. ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ وَجَدَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَقَالَ الْأَخَوَانِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ وَلَا يَقْضِي إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.

(أَوْ وَجَدَ) الْمُدَّعِي شَاهِدًا (ثَانِيًا) كَانَ نَاسِيهِ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ كَمَا فِي الْبَيِّنَةِ وَكَانَتْ الدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَرُفِعَتْ عِنْدَ مَالِكِيٍّ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَهُ وَيُضَمِّنَهُ لِلْأَوَّلِ، وَيَعْمَلَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ لِانْفِرَادِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ اسْتِحْلَافُ الْحَاكِمِ مُبْطِلًا شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِإِبْطَالِهَا، وَإِنَّمَا أَعْرَضَ عَنْهَا وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِمَا كَمَا فِي " د " قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ تَقْرِيرُ " ز " هُنَا صَوَابٌ، وَأَصْلُهُ لِلشَّارِحِ وَبِهِ قَرَّرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ وطلي وَغَيْرُهُمَا وَنَصُّ طفى لَا يَخْفَى نُبُوُّ تَقْرِيرِ تت عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ فَرْضَهُ فِيمَنْ حُجَّتُهُ وَاسْتَحْلَفَ خَصْمَهُ فَحَلَفَ لَهُ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ، أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا يَعْنِي بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَهُوَ إشَارَةٌ لِقَوْلِهَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا تُقْبَلُ مِنْ الطَّالِبِ حُجَّةٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا لَهُ وَجْهٌ مِثْلِ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، أَوْ يَكُونَ أَتَى بِشَاهِدٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ ثُمَّ وَجَدَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ بِهِ فَلْيَقْضِ بِهَذَا الْآخَرِ.

عِيَاضٌ قِيلَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ الْقَاضِي الْأَوَّلُ وَغَيْرُهُ. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هَذَا لِلْقَاضِي نَفْسِهِ، وَلَا يَسْمَعُ مِنْهُ غَيْرُهُ وَلِسَحْنُونٍ خِلَافُ هَذَا كُلِّهِ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ فَوَجْهُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ اسْتَدَلَّ مِنْهُ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ تَعْجِيزُ الْمُدَّعِي

ص: 320

أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ

ــ

[منح الجليل]

وَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي عِيَاضًا لَا دَلِيلَ فِيهِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ فَحَكَمَ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْيَمِينِ عَلَى إنْكَارِهِ الدَّعْوَى. وَفِي قَوْلِهِ هَذَا إنْ تَرَكَ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ لَا يَضُرُّهُ إذَا أَصَابَ شَاهِدًا آخَرَ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي هَذَا كَمَا اُخْتُلِفَ إذَا أَبَى مِنْ الْحَلِفِ مَعَ شَاهِدِهِ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَامَ لَهُ شَاهِدٌ آخَرُ لِأَنَّ هَذَا قَدْ تَرَكَهُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ يَتْرُكْهُ اهـ كَلَامُ عِيَاضٍ وَهَكَذَا قَرَّرَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَمَا أَدْرِي مَا الْحَامِلُ لتت عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَأَيْضًا تَقْرِيرُهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ أَتَى بِآخَرَ فَلَا ضَمَّ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ (أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ) فَقَدْ أَغْفُلهُ الشَّارِحُ، وَظَاهِرُ تَقْرِيرِهِ أَنَّهُ مَعَ قَوْلِهِ أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا صُورَةً وَاحِدَةً، لَكِنَّ عَطْفَهُ بِأَوْ يُنَافِي ذَلِكَ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ أَشَارَ بِهَا لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ. ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ لَا يَحْكُمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ثُمَّ وَلِيَ أَحَدٌ مِمَّنْ يَرَى الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ حُكْمُ الثَّانِي فَسْخًا لِحُكْمِ الْأَوَّلِ، يُرِيدُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ بَابِ التَّرْكِ. اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فَقَدْ ظَهَرَ لَك مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَكَأَنَّ " غ " لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَلَامَ ابْنِ الْمَوَّازِ هَذَا فَقَالَ لَمْ أَفْهَمْ آخِرَ هَذَا التَّرْكِيبِ عَلَى مَا أُحِبُّ، فَلَعَلَّ الْكَاتِبَ غَيَّرَ فِيهِ شَيْئًا يَعْنِي قَوْلَهُ أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَلَامِ ابْنِ مُحْرِزٍ عَلَيْهَا وَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّهُ لَا تَغْيِيرَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَحُكْمُ قِيَاسِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ فِيمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ حُكْمُ مَنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الضَّمِّ، فَيَشْمَلُهُ قَوْلُهُ أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا. وَأَمَّا تَقْرِيرُ تت قَوْلَهُ أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ، فَفِيهِ تَخْلِيطٌ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ مُحَصِّلٌ لِأَنَّ كَلَامَ مُحَمَّدٍ الَّذِي قُرِّرَ بِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي ضَمِّ الشَّاهِدِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَيْضًا كَيْفَ يَلْتَئِمُ مَا حَكَاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلَ، فَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ. وَأَمَّا تَقْرِيرُ عج وَمَنْ مَعَهُ قَوْلُهُ أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ بِمَا إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْقَاضِي لِلْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ

ص: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَالْيَمِينِ فَلَهُ الْحُكْمُ فَيَنْبُو عَنْهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، إذْ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ أَوْ لَا إلَّا أَنْ يُقْرَأَ الْأَوَّلُ بِالنَّصْبِ، أَيْ لَمْ يَرَهُ الزَّمَنَ الْأَوَّلَ، وَفِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ مَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ أَغْنَانَا عَنْهُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ مُطَابِقًا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

الْبُنَانِيُّ فَرْعُ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يُطَابِقُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَلِمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَاشِرٍ قَالَ مَا نَصُّهُ رَأَيْت فِي شَرْحِ ابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّ فَرْعَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِحَلِفِ الْمَطْلُوبِ، وَإِنَّمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي تَرْكِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا. اهـ. يَعْنِي وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ ذَكَرَهُ بَعْدُ وَاسْتَحْلَفَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَهُمَا، فَانْظُرْ مَا يَشْهَدُ لَهُ لِاقْتِضَائِهِ فَسْخَ الْحُكْمِ وَبِهِ يَبْطُلُ تَوَرُّكُ طفي عَلَى " غ ".

قُلْت قَوْلُ مُحَمَّدٍ لَيْسَ حُكْمُ الثَّانِي فَسْخًا لِحُكْمِ الْأَوَّلِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ إتْيَانَهُ بِالشَّاهِدِ بَعْدَ حُكْمِ الْأَوَّلِ، وَالْأَوَّلُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَكَلَامُهُ مُطَابِقٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلَ " ق " عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مَا يُطَابِقُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَنَصُّهُ قَوْلُهُ أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَجْهُ الْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ إذَا أَدْلَى الْخَصْمَانِ بِحُجَّتَيْهِمَا فَفَهِمَ الْقَاضِي عَنْهُمَا وَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا أَنْ يَقُولَ لَهُمَا أَبْقَيْت لَكُمَا حُجَّةً، فَإِنْ قَالَا لَا حُكْمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَقْبَلُ مِنْهُمَا حُجَّةً بَعْدَ إنْفَاذِ حُكْمِهِ. وَلَوْ قَالَ بَقِيَتْ لِي حُجَّةٌ أَمْهَلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ حَكَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَتَيَا بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدَانِ نَقْضَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَأْتِيَا بِأَمْرٍ يَرَى فِيهِ أَنَّ لِذَلِكَ وَجْهًا. ابْنُ الْقَاسِمِ مِثْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَقْضِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَقَالَ الْخَصْمُ لَا أَعْلَمُ شَاهِدًا آخَرَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ثُمَّ وَجَدَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلْيَقْضِ بِهَذَا الْآخَرِ، وَمِثْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ اهـ.

وَنَقَلَهُ " غ " أَيْضًا وَأَعْقَبَهُ بِقَوْلِ ابْنِ مُحْرِزٍ ضَمُّ ابْنُ الْقَاسِمِ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الَّذِي قَامَ بِهِ الْآنَ إلَى شَهَادَةِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُخْتَلَفُ فِيهِ كَمَا اُخْتُلِفَ فِيمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ حَلِفِ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ فَيَكُونُ مُسْقِطًا لَهُ بِنُكُولِهِ وَرَدِّ

ص: 322

وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا؛ قَالَ: وَكَذَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ؛

ــ

[منح الجليل]

الْيَمِينِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ كَمَنْ قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ فَحَلَفَ عَلَى تَكْذِيبِهِ، ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ آخَرُ بِهِ فَإِنَّهُ يَضُمُّ لِلشَّاهِدِ الْأَوَّلِ، وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ الْحَقِّ فِيهِ لَوْ كَانَ مُمَكَّنًا مِنْ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَجْزُهُ عَنْ شَاهِدٍ آخَرَ مَانِعًا لَهُ مِنْ الْقِيَامِ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ آخَرَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ عَلِمَ بِهِ وَتَرَكَهُ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ قَامَ بِهِ غَيْرُهُ. وَأَمَّا الَّذِي أَقَامَ شَاهِدًا لِحَقٍّ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدٍ فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ وَرَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ فَإِنَّمَا قِيلَ لَا تُلَفَّقُ شَهَادَةُ هَذَا إلَى شَهَادَةِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ مَعَهُ فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ وَتَرَكَ لِلْقِيَامِ بِشَهَادَتِهِ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ لَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ شَهَادَةِ هَذَا الشَّاهِدِ الْآخَرِ أَمْ لَا. اهـ. مُرَادُنَا مِنْهُ وَبِهِ يَتَّضِحُ لَك الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَمَا ذَكَرَهُ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ أَتَى بِآخَرَ فَلَا ضَمَّ، وَفِي حَلِفِهِ مَعَهُ وَتَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ قَوْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) إنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاسْتَحْلَفَهُ الْمُدَّعِي فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ادَّعَيْت عَلَيَّ بِهَذَا وَحَلَّفْتنِي فِيهِ سَابِقًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي فَ (لَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (يَمِينُهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (لَمْ يُحَلِّفْهُ) أَيْ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ مُنَوَّنًا، أَيْ فِي الْمَاضِي فِي هَذِهِ الدَّعْوَى. الْمَازِرِيُّ وَبِهِ الْقَضَاءُ وَالْفُتْيَا عِنْدَنَا وَلِلْمُدَّعِي رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ حَلَّفَهُ أَوَّلًا عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى، ثُمَّ لَا يَحْلِفُ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى. (قَالَ) الْمَازِرِيُّ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ (وَكَذَا) أَيْ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَّكَ حَلَّفْتنِي أَوَّلًا فِي إيجَابِهِ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي قَوْلُهُ عَلِمْت (أَنَّهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ) أَيْ الْمُدَّعِي الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَيَّ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي عِلْمَهُ بِفِسْقِهِمْ فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَحْلِيفُهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فِسْقَهُمْ. " ق " وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُدَّعِي إذَا طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ قَدْ كُنْت اسْتَحْلَفْتنِي فَاحْلِفْ لِي عَلَى أَنَّك لَمْ تُحَلِّفْنِي فَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ أَوْجَبَ أَنْ يَحْلِفَ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ عُدُولٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَفْسِيقَهُمْ وَلَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ إذَا قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّك عَالِمٌ بِفِسْقِ

ص: 323

وَأَعْذَرَ إلَيْهِ: بِأَبْقَيْت لَك حُجَّةٌ؟ وَنُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ، إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ،

ــ

[منح الجليل]

شُهُودِك، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهُ احْلِفْ لِي عَلَى أَنَّك لَمْ تَسْتَحْلِفْنِي عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى فِيمَا مَضَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينًا ثَانِيَةً حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ فِيمَا مَضَى، وَبِهَذَا مَضَى الْقَضَاءُ وَالْفُتْيَا عِنْدَنَا أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُدَّعِي يَمِينٌ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا اسْتَحْلَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَحْلَفَهُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى ثُمَّ لَا يُحَلِّفُهُ مَرَّةً أُخْرَى. تت ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ خِلَافًا، وَاخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَنْبَغِي صِيغَةُ الْفِعْلِ هُنَا.

(وَأَعْذَرَ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ سَأَلَ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ عَنْ عُذْرِهِ وَحُجَّتِهِ فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى شَهَادَتِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ الْإِعْذَارُ سُؤَالُ الْحَاكِمِ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ مُوجِبُ الْحُكْمِ هَلْ لَهُ مَا يُسْقِطُهُ أَعْذَارًا مُصَوِّرًا (بِ) قَوْلِهِ لَهُ (أَبَقِيَتْ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ (لَك حُجَّةٌ) بِضَمِّ الْحَاءِ، أَيْ عُذْرٌ فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْك. الْمُتَيْطِيُّ لَا يُنْفِذُ الْقَاضِي حُكْمَهُ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَعْذُرَ إلَيْهِ بِرَجُلَيْنِ وَإِنْ أَعْذَرَ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَهُ عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أُنَيْسٍ، إذْ قَالَ لَهُ اُغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا.

الْحَطّ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الْإِعْذَارِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَقِيلَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ، وَقِيلَ بَعْدَ الْحُكْمِ ذَكَرَهُ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ. وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ زَرْبٍ وَلَا تَتِمُّ قَضِيَّةُ الْقَاضِي إلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ. اهـ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَفِي التُّحْفَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ.

(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ) أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ (فِيهِ) أَيْ الْإِعْذَارِ لِغَائِبٍ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ كَمُخَدَّرَةٍ وَمَرِيضٍ. تت عَبَّرَ الْمُتَيْطِيُّ وَصَاحِبُ الْمُعِينِ عَنْ ذَلِكَ بِيَنْبَغِي، قَالَا وَإِنْ أَعْذَرَ إلَيْهِ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَهُ، وَاسْتَثْنَى مِمَّنْ يُعْذَرُ فِيهِ خَمْسَةً لَا إعْذَارَ فِيهِمْ فَقَالَ (إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا) حَصَلَ (فِي الْمَجْلِسِ) لِلْقَضَاءِ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ

ص: 324

وَمُوَجِّهَهُ، وَمُزَكَّى السِّرِّ، وَالْمُبَرِّزَ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ

ــ

[منح الجليل]

لِمُشَارَكَةِ الْقَاضِي لَهُ فِي الْعِلْمِ، فَلَوْ أَعْذَرَ فِيهِ لَا عُذْرَ فِي نَفْسِهِ وَبِهِ مَضَى أَهْلُ الْعَمَلِ. ابْنُ سَهْلٍ مَا حَصَلَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي مِنْ الْإِقْرَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا إعْذَارَ فِي الشَّاهِدِ بِهِ، وَقَدْ أَسْقَطَ مَالِكٌ رضي الله عنه الْإِعْذَارَ فِيمَنْ عَدَلَ عِنْدَ الْقَاضِي فَكَيْفَ بِهِ فِيمَنْ عَدَلَ عِنْدَهُ، وَشَهِدَ عِنْدَهُ بِمَا سَمِعَهُ فِي مَجْلِسِهِ.

(وَ) إلَّا (مُوَجَّهَهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالْجِيمِ مُثَقَّلًا، أَيْ الشَّاهِدَ الَّذِي وَجَّهَهُ وَأَرْسَلَهُ الْقَاضِي لِسَمَاعِ دَعْوًى أَوْ جَوَابِ مُخَدَّرَةٍ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ حِيَازَةِ عَقَارٍ. الْمُتَيْطِيُّ أَبُو إبْرَاهِيمَ لَا إعْذَارَ فِيمَنْ أَعْذَرَ بِهِ إلَى مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ امْرَأَةٍ لَا تَخْرُجُ أَوْ مَرِيضٍ، كَذَلِكَ ابْنُ سَهْلٍ سَأَلْت ابْنَ عَتَّابٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا إعْذَارَ فِيمَنْ وَجَّهَ لِلْإِعْذَارِ (وَ) إلَّا (مُزَكَّى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَالْكَافِ مُثَقَّلَةً، أَيْ الشَّاهِدَ الَّذِي زَكَّاهُ عِنْدَ الْقَاضِي الْعُدُولُ فِي (السِّرِّ) فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ. وَتَقْرِيرُ الْبِسَاطِيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ الْعَدْلَ الَّذِي اتَّخَذَهُ الْقَاضِي لِلتَّزْكِيَةِ فِي لِلسِّرِّ.

ابْنُ رُشْدٍ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ فِي أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِ. فِي الْخَرَشِيِّ وعب أَنَّ كَسْرَ الْكَافِ أَوْلَى مِنْ فَتْحِهَا لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْكَسْرِ عَدَمُ الْإِعْذَارِ فِي مُزَكَّاهُ، بِخِلَافِ الْفَتْحِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْإِعْذَارِ فِي الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ. الْمِسْنَاوِيُّ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ الْعَكْسُ فَالْفَتْحُ أَوْلَى لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ هِيَ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَعَدَالَةَ مُزَكَّاهُ بِالْفَتْحِ هِيَ بِعِلْمِ الْمُزَكِّي لَا بِعِلْمِ الْقَاضِي، فَعَدَالَةُ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ أَقْوَى، فَإِذَا لَمْ يُعْذَرْ فِي الْأَضْعَفِ فَلَا يُعْذَرُ فِي الْأَقْوَى بِالْأَوْلَى.

(وَ) إلَّا الشَّاهِدَ (الْمُبَرِّزَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ الزَّائِدَ عَلَى أَقْرَانِهِ فِي الْعَدَالَةِ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ (بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَقَرَابَةٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، وَمَفْهُومُهُ الْإِعْذَارُ فِي الْمُبَرِّزِ بِالْعَدَاوَةِ وَالْعَرَابَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. اللَّخْمِيُّ يُسْمَعُ الْجُرْحُ فِي الْمُتَوَسِّطِ فِي الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا. وَفِي الْمُبَرِّزِ تَجْرِيحُ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَشَبَهِهِمَا (وَ) إلَّا الشَّاهِدَ عَلَى (مَنْ) أَيْ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ (يُخْشَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ (مِنْهُ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ضَرَرٌ لِلشَّاهِدِ عَلَيْهِ فَلَا يُعْذَرُ لَهُ فِيهِ

ص: 325

وَأَنْظَرَهُ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ،

ــ

[منح الجليل]

وَلَا يَذْكُرُ لَهُ اسْمَهُ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ بَشِيرٍ لَمَّا سَأَلَهُ الْوَزِيرُ عَمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ مِثْلُك لَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ. اللَّخْمِيُّ يُسْتَحَبُّ كَوْنُ التَّجْرِيحِ سِرًّا إلَّا إنْ كَانَ الشَّاهِدُ أَوْ الْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يُتَّقَى شَرُّهُ. طفي لَمَّا تَكَلَّمَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا إعْذَارَ فِيهَا قَالَ وَتُزَادُ سَادِسَةٌ، نُقِلَتْ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ الْقَاضِي وَذَكَرَ حِكَايَتَهُ، ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَانَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَبِالشَّهَادَةِ فَلَعَلَّ عِنْدَهُ حُجَّةٌ وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ. اهـ. فَقَدْ اعْتَرَفَ كَمَا تَرَى أَنَّ قَضِيَّةَ ابْنِ بَشِيرٍ الْقَاضِي خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِهَا جَمْعًا لِلنَّظَائِرِ فَقَطْ، فَالدَّرَكُ عَلَيْهِ حَيْثُ اعْتَمَدَ فِي مُخْتَصَرِهِ الَّذِي جَعَلَهُ مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى خِلَافَ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَابْنُ بَشِيرٍ الْقَاضِي أَدْرَكَ مَالِكًا فَلَيْسَ هُوَ ابْنَ بَشِيرٍ تِلْمِيذَ الْمَازِرِيِّ. الْبُنَانِيُّ وَلَفْظُ ابْنِ يُونُسَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُ مَا لِابْنِ بَشِيرٍ، وَنَصُّهُ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " وَلَا يَشْهَدُ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي سِرًّا وَإِنْ خَافُوا مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ، إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهُ الْقَاضِي بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَيَعْذُرَ إلَيْهِ فِيهِ. قَالَ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي بَعَثَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُمْ سِرًّا يُعْذَرُ فِيمَنْ عَدَّلَهُمْ.

(وَ) إذَا قَالَ الْقَاضِي لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ فَقَالَ نَعَمْ (أَنْظَرَهُ) أَيْ أَمْهَلَ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ (لَهَا) أَيْ لِإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ الَّتِي ادَّعَاهَا وَضَرَبَ لَهُ أَجَلًا (بِاجْتِهَادِهِ) مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ لَدَدُهُ. تت ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّلَوُّمَ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَاَلَّذِي فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ ثَمَانِيَةً ثُمَّ ثَلَاثَةً تَلَوُّمًا، هَذَا فِي الْأَمْوَالِ، وَفِي غَيْرِهَا ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ سِتَّةٌ ثُمَّ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ ثَلَاثَةٌ. اهـ. وَفِي وَثَائِقِ أَبِي الْقَاسِمِ فِي الْأُصُولِ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَفِي الدُّيُونِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَفِي الْبَيِّنَاتِ وَحَلِّ الْعُقُودِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَفِي غَيْرِ الْأُصُولِ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ سِتَّةٌ ثُمَّ سِتَّةٌ ثُمَّ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ ثَلَاثَةٌ فَهِيَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَلِلْقَاضِي جَمْعُهَا وَتَفْرِيقُهَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ. طفي عِبَارَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي وَثَائِقِهِ وَفِي إثْبَاتِ الدُّيُونِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا، وَفِي الْإِعْذَارِ فِي الْبَيِّنَاتِ وَحَلِّ الْعُقُودِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَلِلْقَاضِي جَمْعُهَا وَبِتَفْرِيقِهَا جَرَى الْعَمَلُ اهـ.

ص: 326

ثُمَّ حَكَمَ: كَنَفَيْهَا، وَلْيُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ، وَيُعَجِّزُهُ

ــ

[منح الجليل]

ثُمَّ حَكَمَ) أَيْ يَحْكُمُ الْقَاضِي بَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ وَلَمْ يُثْبِتْ الْحُجَّةَ الَّتِي ادَّعَاهَا بِمَا شَهِدَتْ بِهِ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَشَبَّهَ فِي الْحُكْمِ فَقَالَ (كَنَفَيْهَا) أَيْ لِلْحُجَّةِ بِأَنْ قَالَ فِي جَوَابِ قَوْلِ الْقَاضِي لَهُ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ لَا حُجَّةَ لِي فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِلَا إنْظَارٍ. ابْنُ رُشْدٍ ضَرْبُ الْأَجَلِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ بَيِّنَتِهِ مَصْرُوفٌ لِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُ.

(وَ) إنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً وَأَعْذَرَ فِيهَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَأَتَى بِبَيِّنَةٍ تُجَرِّحُهَا وَسُئِلَ الْقَاضِي عَمَّنْ جَرَّحَهَا فَ (لْيُجِبْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، الْقَاضِي مَنْ سَأَلَهُ عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ، وَصِلَةُ يُجِبْ (عَنْ الْمُجَرِّحِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مُثَقَّلَةً. اللَّخْمِيُّ يُسْتَحَبُّ كَوْنُ التَّجْرِيحِ سِرًّا لِأَنَّ فِي إعْلَانِهِ أَذًى لِلشَّاهِدِ، وَمِنْ حَقِّ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يَعْلَمَا بِالْمُجَرِّحِ، إذْ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَرَابَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ التَّجْرِيحَ، وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يُتَّقَى شَرُّهُ (وَيُعَجِّزُهُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُثَقَّلَةً، أَيْ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إذَا مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يُثْبِتْ حُجَّتَهُ. طفي أَيْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ فَلَيْسَ التَّعْجِيزُ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ تَلَفُّظُهُ بِمَادَّةِ التَّعْجِيزِ، وَإِنَّمَا يَكْتُبُ التَّعْجِيزَ لِمَنْ يَسْأَلُ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ، لَا لِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ الْحُجَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَفِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ انْتَظَرَهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَدَدُهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ يَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ هُوَ التَّعْجِيزُ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ عِيَاضٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ فَحَكَمَ عَلَيْهِ عَلَى تَعْجِيزِ الطَّالِبِ، وَجَوَابُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ عَزَا ابْنُ رُشْدٍ لِلْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ تُقْبَلُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ الَّتِي أَتَى بِهَا بَعْدَ التَّعْجِيزِ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ قَائِلًا هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، وَهُوَ الَّذِي عَنَى الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فِي فَصْلِ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ، وَظَاهِرُهَا الْقَبُولُ إلَخْ.

وَالْمُدَوَّنَةُ لَمْ تُصَرِّحْ بِعُنْوَانِ التَّعْجِيزِ كَمَا عَلِمْت نَصَّهَا آنِفًا مِنْ قَوْلِهَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ حُجَّةٌ إلَخْ، فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ مُجَرَّدَ الْحُكْمِ هُوَ التَّعْجِيزُ، وَقَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ

ص: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الْجَزِيرِيِّ فِي وَثَائِقِهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ إنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ قَضَى عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَتَهُ مِنْ غَيْرِ صُدُورِ تَعْجِيزٍ، ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَتَهُ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّعْجِيزَ غَيْرُ الْقَضَاءِ، وَأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ الْحُجَّةِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ التَّعْجِيزِ لَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا عَلِمْت، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ قَضَى عَلَيْهِ قَبْلَ إثْبَاتِ عَجْزِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ صُدُورِ تَعْجِيزٍ إذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَقَوْلُهُ إلَّا فِي دَمٍ إلَخْ، لَا يَأْتِي عَلَى مَا دَرَجَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ إلَخْ مِنْ قَبُولِ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ إنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنْ نِسْيَانٍ وَعَدَمِ عِلْمٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، وَأَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُمَا فِي كُلِّ شَيْءٍ لَا خُصُوصِيَّةَ لِهَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ.

ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالتَّعْجِيزِ هَلْ تُقْبَلُ مِنْهُ أَمْ لَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: لَا تُقْبَلُ مِنْهُ كَانَ الطَّالِبَ أَوْ الْمَطْلُوبَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَعْجِيزِ الطَّالِبِ، وَإِذَا قَالَهُ فِي الطَّالِبِ فَأَحْرَى أَنْ يَقُولَهُ فِي الْمَطْلُوبِ.

الثَّانِي: قَبُولُهَا مِنْهُ كَانَ الطَّالِبَ أَوْ الْمَطْلُوبَ إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ.

الثَّالِثُ: تُقْبَلُ مِنْ الطَّالِبِ وَلَا تُقْبَلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ فِي الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبُ بِخِلَافِهِ، إذْ الْمَشْهُورُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ وَقَضَى عَلَيْهِ مَضَى الْحُكْمُ وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ، أَمَّا إذَا عَجَّزَهُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَالْإِعْذَارِ وَهُوَ يَدَّعِي حُجَّةً فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ. وَسَمَاعُ أَصْبَغَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ هُوَ قَوْلُهُ سَمِعَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ ادَّعَى عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ أَنْكَرَتْهُ بِبَيِّنَةٍ بَعِيدَةٍ فَلَا يَنْتَظِرُ إلَّا فِي بَيِّنَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ، وَيَرَى الْإِمَامُ لِمَا ادَّعَاهُ وَجْهًا، فَإِنْ عَجَّزَهُ ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ فَقَدْ مَضَى الْحُكْمُ عَلَيْهِ نُكِحَتْ الْمَرْأَةُ أَمْ لَا ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ بَيِّنَتُهُ بَعْدَ التَّعْجِيزِ خِلَافُ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ

ص: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الصَّدَقَاتِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ. اهـ. وَسَمَاعُ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ.

سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ وَرَثَةٍ قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَادَّعَى صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ أَبِيهِمْ فَسُئِلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحَوْزِ فَأَتَى بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَأَوْقَفَ الْقَاضِي لَهُ صَدَقَتَهُ زَمَنًا حَتَّى يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ الْقَاضِي بِقَسْمِهَا عَلَى الْوَرَثَةِ وَكَانَتْ رَقِيقًا وَمَنَازِلَ وَأَرْضًا فَقُسِمَتْ وَاُتُّخِذَتْ أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ وَأُعْتِقَ مَا أُعْتِقَ وَغُرِسَتْ الْأَرْضُ شَجَرًا، ثُمَّ ظَفِرَ مُدَّعِي الصَّدَقَةِ بِشَاهِدٍ آخَرَ كَانَ صَبِيًّا فَبَلَغَ أَوْ غَائِبًا فَقَدِمَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَمَّا مَا اُتُّخِذَتْ مِنْهَا أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ وَمَا أُعْتِقَ مِنْهُمْ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِمْ وَيَتْبَعُ الْوَرَثَةَ بِالثَّمَنِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُحْمَلْ وَلَمْ يُعْتَقْ فَيَأْخُذُهُ وَأَطَالَ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ.

ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِالشَّاهِدِ الَّذِي أَتَى بِهِ مَعَ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ عَجَّزَهُ وَقَضَى بِقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ فَقَسَمَ وَفَوَّتَ خِلَافُ مَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَمِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إذَا قَضَى الْقَاضِي لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ وَسَجَّلَ لَهُ وَأَشْهَدَ لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِتَجْرِيحِ بَعْضِ مَنْ حَكَمَ بِهِ قُبِلَ مِنْهُ إنْ رَأَى لَهُ وَجْهًا، كَقَوْلِهِ جَهِلْت سُوءَ حَالِهِمْ حَتَّى ذُكِرَ لِي وَظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُلِدٍّ وَمَنْ وَلِيَ بَعْدَ الْقَاضِي مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ.

ابْنُ رُشْدٍ تَمْكِينُهُ مِنْ التَّجْرِيحِ بَعْدَ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ كَقَوْلِهَا، فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذِهِ الْأَسْمِعَةِ وَغَيْرِهَا مَا قُلْنَاهُ إنَّ التَّلَفُّظَ بِالتَّعْجِيزِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ، وَأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ لِلْقِيَامِ بَعْدَهُ لِلطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ إنْ كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ وَهُوَ مَا دَرَجَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ إلَّا لِعُذْرٍ. وَفِي تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ بِقَوْلِهِ وَظَاهِرُهَا الْقَبُولُ فَلَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، إذْ الْقَبُولُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ، وَلِذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَيْهِ وَعَجَزَ عَنْ تَزْكِيَةِ بَيِّنَتِهِ وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي

ص: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَعْجِيزَهُ لِئَلَّا يَقُومَ عَلَيْهِ بِهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ مُطَرِّفٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَاخْتُلِفَ إذَا أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْ يُزَكِّيهَا أَوْ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، فَأَصْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ رضي الله عنه أَنَّهَا تُقْبَلُ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ اهـ.

وَإِنَّمَا أَطَلْنَا بِذِكْرِ النُّقُولِ الْمُتَدَاخِلَةِ إيضَاحًا لِلْحَقِّ، إذْ لَمْ أَرَ مَنْ شَفَى الْغَلِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ شُرَّاحِهِ مَعَ وُقُوعِ الِاضْطِرَابِ فِي كَلَامِهِ مِنْ جَرْيِهِ مَرَّةً عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَمَرَّةً عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي فَصْلِ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. عب يُعَجِّزُهُ أَيْ يَحْكُمُ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَتِهِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَيَكْتُبُ ذَلِكَ فِي سِجِلٍّ بِأَنْ يَقُولَ ادَّعَى فُلَانٌ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَلَمْ يَأْتِ بِهَا وَقَدْ عَجَّزْته كَمَا يَأْتِي خَوْفًا مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّعْجِيزِ، وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ دَفْعًا لِلنِّزَاعِ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ قَالَ بِالْقَبُولِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّعْجِيزِ الْحُكْمَ بَعْدَ تَبَيُّنِ اللَّدَدِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ بَقَائِهِ عَلَى حُجَّتِهِ، فَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ ثُمَّ إذَا عَجَّزَهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلَهُ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ ادَّعَى نِسْيَانَهَا وَحَلَفَ عَلَيْهِ إنْ عَجَّزَهُ مَعَ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا مَعَ ادِّعَائِهِ حُجَّةً فَلَا يُقِيمُهَا وَلَوْ مَعَ ادِّعَاءِ نِسْيَانِهَا وَحَلِفِهِ عَلَيْهِ.

الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ " ز " مِنْ أَنَّ التَّعْجِيزَ هُوَ الْحُكْمُ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَتِهِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا وَأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ لِأَنَّهُ لَوْ أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّعْجِيزِ مُجَرَّدُ الْحُكْمِ لَمْ يَفْتَرِقْ الدَّمُ وَمَا مَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ قَالَهُ اللَّقَانِيُّ، ثُمَّ قَالَ الْبُنَانِيُّ الظَّاهِرُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ وَيُعَجِّزُهُ عَلَى صُورَةِ الِاتِّفَاقِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَهِيَ إذَا عَجَّزَهُ مُدَّعِيًا أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَعَلَيْهَا يَتَنَزَّلُ الِاسْتِثْنَاءُ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَبِهَذَا يَسْلَمُ مِنْ الِاضْطِرَابِ الَّذِي ادَّعَاهُ طفي، وَيَسْقُطُ بِهِ أَيْضًا قَوْلُ اللَّقَانِيِّ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ إلَخْ، هَذَا مُوَافِقٌ لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ، وَمُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا فِي التَّوْضِيحِ. اهـ. نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ، وَقَالَ بَعْدَهُ التَّقْرِيرُ حَسَنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 330

إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ،

ــ

[منح الجليل]

وَاسْتَثْنَى مِمَّا يُعَجِّزُ فِيهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ خَمْسَ مَسَائِلَ لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّعْجِيزُ فِيهَا، وَضَابِطُهَا كُلُّ حَقٍّ لَيْسَ لِمُدَّعِيهِ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتَةِ فَقَالَ (إلَّا فِي) شَأْنِ (دَمٍ) أَيْ قَتْلٍ إثْبَاتًا كَادِّعَاءِ شَخْصٍ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا عُدْوَانًا وَأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً فَأَنْظَرَهُ الْقَاضِي لِإِحْضَارِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي تَعْجِيزُهُ، فَمَتَى أَقَامَ بَيِّنَتَهُ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِهَا أَوْ نَفْيًا كَادِّعَاءِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً تُجَرِّحُ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَيْهِ بِهِ فَأَنْظَرَهُ الْقَاضِي لِإِتْيَانِهِ بِهَا وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَلَا يُعَجِّزُهُ الْقَاضِي، فَمَتَى أَتَى بِالْبَيِّنَةِ الْمُجَرِّحَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِهَا لِعِظَمِ الْقَتْلِ أَفَادَهُ عب، وَكَتَبَ عَلَى حَاشِيَتِهِ مَعْزُوًّا لَهُ مَا نَصُّهُ قَالَ عب هَذَا الضَّابِطُ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الدَّمِ، وَأَمَّا الدَّمُ فَلِلْوَلِيِّ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَتْلِ الْغِيلَةِ، إذْ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى اهـ.

طفي هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتُ إنَّمَا هِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي تَعْجِيزِ الطَّالِبِ، وَفِيهِ تَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ. أَمَّا الْمَطْلُوبُ فَيُعَجَّزُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ إثْبَاتًا إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ صُورَةَ الْإِثْبَاتِ لَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إذَا ثَبَتَ فَلِمُدَّعِيهِ إسْقَاطُهُ، وَاَلَّذِي صَوَّرَ بِهِ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ إذَا أَرَادَ تَجْرِيحَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ فَعَجَزَ فَحَكَمَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِهِ، ثُمَّ وَجَدَ مَنْ يُجَرِّحُ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَيْهِ بِهِ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ وَلَا يُعْمَلُ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهِ لِخَطَرِ الدَّمِ، وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا قَالَهُ طفي، فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ أَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةَ التَّجْرِيحِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ.

(وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (حُبُسٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ تَحْبِيسِ شَيْءٍ، وَذَكَرَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِهِ وَأَمْهَلَهُ الْقَاضِي لِإِتْيَانِهِ بِهَا فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَلَا يُعَجِّزُهُ، فَمَتَى أَتَى بِهَا عَمِلَ بِهَا. الْبُنَانِيُّ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْحَبْسُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَعْجِيزِ الطَّالِبِ لِحَقِّ الْغَائِبِ لَا مَا كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ فِي الْحَبْسِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا اُنْظُرْ ابْنَ مَرْزُوقٍ (وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (عِتْقٍ) بِبَيِّنَةٍ فَأَنْظَرَ الْمُدَّعِيَ لَهَا فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَلَا يُعَجَّزُ، فَمَتَى أَتَى بِهَا فَتُسْمَعُ وَيُعْمَلُ بِهَا (وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (نَسَبٍ) لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِبَيِّنَةٍ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا بَعْدَ التَّلَوُّمِ فَلَا

ص: 331

وَطَلَاقٍ وَكَتَبَهُ

وَإِنْ لَمْ يُجِبْ: حُبِسَ، وَأُدِّبَ، ثُمَّ حَكَمَ بِلَا يَمِينٍ.

ــ

[منح الجليل]

يُعَجَّزُ فَمَتَى أَقَامَهَا حُكِمَ بِهَا (وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (طَلَاقٍ) بِبَيِّنَةٍ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا فَلَا يُعَجَّزُ، فَمَتَى أَتَى بِهَا قُضِيَ بِهَا.

ابْنُ سَهْلٍ وَالْمُتَيْطِيُّ وَيُشْبِهُ الْحَبْسُ الطَّرِيقَ الْعَامَّ نَفْعُهَا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يُعَجَّزُ مُدَّعِيهَا. وَنَصُّ ابْنُ سَهْلٍ وَمِمَّا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ وَالنَّسَبَ وَالْإِعْتَاقَ الْحَبْسُ وَطَرِيقُ الْعَامَّةِ وَشَبَهُهَا مِنْ مَنَافِعِهِمْ لَيْسَ عَجْزُ طَالِبِهِ وَالْقَائِمِ عَنْهُمْ فِيهِ يُوجِبُ مَنْعَهُ أَوْ مَنْعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّظَرِ لَهُ إنْ أَتَى بِوَجْهٍ. الْجَزِيرِيُّ إنْ انْصَرَمَتْ الْآجَالُ وَعَجَزَ الطَّالِبُ عَجَّزَهُ الْقَاضِي، وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَيَصِحُّ التَّعْجِيزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُدَّعَى فِيهِ إلَّا فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الدِّمَاءِ وَالْأَحْبَاسِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ، وَفِيهِ خِلَافٌ، فَإِنْ قَامَتْ لِلْمُعَجِّزِ بَيِّنَةٌ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا حَلَفَ وَقُضِيَ لَهُ بِهَا. وَقِيلَ لَا يُقْضَى لَهُ بِهَا وَبِهِ الْعَمَلُ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قُضِيَ عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَعْجِيزِهِ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَتَهُ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ بِهَا.

(وَكَتَبَهُ) أَيْ الْقَاضِي التَّعْجِيزَ الْمَفْهُومُ مَنْ يُعَجِّزُهُ فِي الْمُفِيدِ حَقٌّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ التَّعْجِيزَ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يَنْظُرُ هُوَ وَلَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ إنْ جَاءَ بَيِّنَةٌ تُثْبِتُ مَا عَجَزَ عَنْهُ إلَّا فِي الْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَبْسِ وَالدَّمِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.

(وَإِنْ لَمْ يُجِبْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ وَلَا إنْكَارٍ بِأَنْ سَكَتَ أَوْ قَالَ لَا أُجِيبُ وَلَا أُخَاصِمُ (حُبِسَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يُجِيبَ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ رَوَاهُ أَشْهَبُ. ابْنُ رُشْدٍ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمُدَّعِي (وَ) إنْ تَمَادَى عَلَى عَدَمِ الْجَوَابِ (أُدِّبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا بِالضَّرْبِ حَتَّى يُجِيبَ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ، وَبِهِ أَفْتَى فُقَهَاءُ قُرْطُبَةَ (ثُمَّ) إنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْجَوَابِ (حَكَمَ) الْقَاضِي عَلَيْهِ (بِلَا يَمِينٍ) مِنْ الْمُدَّعِي قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ لِعَدَمِ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْجَوَابِ إقْرَارًا بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي. اللَّخْمِيُّ

ص: 332

وَلِمُدَّعًى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ، وَقُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَطْلُوبٌ الْمُعَامَلَةَ، فَالْبَيِّنَةُ، ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ: لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ

ــ

[منح الجليل]

اُخْتُلِفَ إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ دَعْوًى فَلَمْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ دَارٌ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ فَسُئِلَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ. مُحَمَّدٌ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَيُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ حَكَمْت عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ.

(وَ) إنْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَهَا وَلَمْ يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ فَ (لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ) الَّذِي تَرَتَّبَتْ بِهِ الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ فِي ذِمَّتِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا كَبَيْعِ مُسْلِمٍ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ حُرًّا، أَوْ يُوجِبُ أَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ كَرِبًا. أَشْهَبُ إنْ سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ طَالِبَهُ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَدَّعِي عَلَيْهِ هَذَا الْمَالَ، فَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُخَالَطَةٌ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بِشَيْءٍ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يُسَمِّ الْمُدَّعِي السَّبَبَ الَّذِي كَانَ لَهُ بِهِ الْحَقُّ، وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَزَادَ إنْ أَبَى الطَّالِبُ أَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ، فَإِنْ قَالَ لِأَنِّي لَمْ أَذْكُرْ وَجْهَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَلَا يُقْضَى عَلَى دَعْوَاهُ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيَّ بِلَفْظِ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ دَعْوَاهُ، وَإِنْ ادَّعَى نِسْيَانَهُ قُبِلَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَأُلْزِمَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذَا نَظَرٌ.

(وَإِنْ أَنْكَرَ) شَخْصٌ (مَطْلُوبٌ) أَيْ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِمَالٍ (الْمُعَامَلَةَ) مَعَ الطَّالِبِ الْمُدَّعِي بِأَنْ قَالَ لَمْ تَقَعْ بَيْنِي وَبَيْنَك مُعَامَلَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اشْتِغَالُ ذَمَّنِي بِشَيْءٍ لَك (فَالْبَيِّنَةُ) عَلَى الْمُدَّعِي (ثُمَّ) إنْ أَقَامَهَا وَشَهِدَتْ لَهُ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ قَضَيْتُك مَا شَهِدْت بِهِ عَلَيَّ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ فَ (لَا تُقْبَلُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (بَيِّنَتُهُ) أَيْ الْمَطْلُوبِ الشَّاهِدَةُ لَهُ (بِالْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ أَكْذَبَهَا بِإِنْكَارِهِ الْمُعَامَلَةَ.

(بِخِلَافِ) قَوْلِ الْمَطْلُوبِ (لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ) بِشَدِّ الْيَاءِ، فَأَقَامَ الطَّالِبُ بَيِّنَتَهُ بِالْحَقِّ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ قَضَيْتُكَهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ، إذْ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ مَا

ص: 333

وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا، وَلَا تُرَدُّ: كَنِكَاحٍ

ــ

[منح الجليل]

يُكَذِّبُ بَيِّنَةَ الْقَضَاءِ. عب وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْفَرْقُ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الثَّانِي. الْبُنَانِيُّ يَعْنِي غَيْرَ الْعَامِّيِّ، وَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَقَدْ نَقَلَ الْحَطّ عَنْ الرُّعَيْنِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّهِ فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِالْقَضَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. الْعَدَوِيُّ هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا بَدِيهِيَّةٌ لَا تَخْفَى عَلَى الْعَامِّيِّ فَلَا وَجْهَ لِقَبُولِ بَيِّنَتِهِ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ إنْكَارِ الْمُعَامَلَةِ.

(وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ) كَالْإِعْتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْكِتَابَةِ (فَلَا يَمِينَ) عَلَى مُنْكِرِهَا (بِمُجَرَّدِهَا) أَيْ الدَّعْوَى عَنْ الْبَيِّنَةِ، وَمَفْهُومُ بِمُجَرَّدِهَا أَنَّهَا إنْ لَمْ تَتَجَرَّدْ وَشَهِدَ بِهَا شَاهِدٌ فَالْيَمِينُ عَلَى مُنْكِرِهَا لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ (وَلَا تُرَدُّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَشَدِّ الدَّالِ مُثَقَّلَةً، هَذِهِ الْيَمِينُ الْمُتَوَجِّهَةُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي إذْ لَا فَائِدَةَ فِي رَدِّهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنْ حَلَفَهَا لَا يَثْبُتُ الْمُدَّعَى بِهِ لِتَوَقُّفِ ثُبُوتِهِ عَلَى عَدْلَيْنِ، وَمَثَّلَ لِمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَقَالَ (كَنِكَاحٍ) وَرَجْعَةٍ وَطَلَاقٍ وَإِعْتَاقٍ وَكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ. " غ " هَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ قُلْت قَوْلُهُ لَا تُرَدُّ زِيَادَةٌ مُسْتَغْنًى عَنْهَا لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَتَوَجَّهْ لَا تُرَدُّ لِأَنَّ رَدَّهَا فَرْعُ تَوَجُّهِهَا. قُلْت الرَّدُّ الَّذِي يُسْتَغْنَى عَنْ نَفْيِهِ بِنَفْيِ التَّوَجُّهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّدُّ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعِي فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَعْنِي كَمَا قَالَ بَعْدُ وَحَلَفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ. وَأَجَابَ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَنْ قَوْلِهِ لَا تُرَدُّ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنْهُ إلَّا أَنَّهَا لَا تَتَوَجَّهُ عِنْدَ التَّجَرُّدِ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا إذَا تَوَجَّهَتْ لِرَدِّ شَاهِدٍ فَنَكَلَ عَنْهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي. وَمَفْهُومُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ أَنَّ مَا تَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَيَمِينٍ فَالْيَمِينُ بِمُجَرَّدِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ. شب يُسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَةِ دَعْوَى الْقَاتِلِ عَفْوَ الْوَلِيِّ عَنْهُ، فَيَحْلِفُ بِمُجَرَّدِهَا وَالْعَفْوُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَقَوْلُهُ وَلَهُ تَحْلِيفُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ وَحَلَفَ الطَّالِبُ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ عِلْمَهُ بِعَدَمِهِ، وَالْمُتَّهَمُ

ص: 334

وَأَمَرَ بِالصُّلْحِ: ذَوِي الْفَضْلِ وَالرَّحِمِ: كَأَنْ خَشِيَ تَفَاقُمَ الْأَمْرِ

وَلَا يَحْكُمُ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ؛

ــ

[منح الجليل]

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَصْبٌ أَوْ سَرِقَةٌ وَدَعْوَى الْقَذْفِ إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِتَنَازُعِهِمَا وَتَشَاجُرِهِمَا.

(وَأَمَرَ) الْقَاضِي (بِالصُّلْحِ ذَوِي) أَيْ أَصْحَابَ (الْفَضْلِ) الْمُتَخَاصِمِينَ عِنْدَهُ لِلطَّالِبِينَ قَضَاءَهُ بَيْنَهُمْ (وَ) ذَوِي (الرَّحِمِ) أَيْ لِلْقَرَابَةِ إذَا تَشَاجَرُوا وَتَرَافَعُوا إلَيْهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَلَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالصُّلْحِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِتَأْلِيفِ النُّفُوسِ وَيُذْهِبُ غِلَّ الصُّدُورِ، وَفَصْلُ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ يُؤَكِّدُ عَدَاوَتَهُمْ وَغِلَّ صُدُورِهِمْ. وَشَبَّهَ فِي الْأَمْرِ بِالصُّلْحِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (خَشِيَ) الْقَاضِي (تَفَاقُمَ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْفَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ، أَيْ تَعَاظُمَ (الْأَمْرِ) أَيْ التَّنَازُعَ وَالتَّخَاصُمَ بِسَبَبِ الْحُكْمِ فَلَا يَحْكُمُ وَيَأْمُرُهُمْ بِالصُّلْحِ.

اللَّخْمِيُّ لَا يَدْعُو الْقَاضِي إلَى الصُّلْحِ إذَا تَبَيَّنَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَرَى لَهُ وَجْهًا، وَأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الْحُكْمُ تَفَاقَمَ مَا بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَعَظُمَ وَخُشِيَتْ الْفِتْنَةُ، وَيُنْدَبُ أَهْلُ الْفَضْلِ إلَى تَرْكِ الْخُصُومَاتِ. ابْنُ سَحْنُونٍ كَانَ أَبِي رُبَّمَا رَدَّ الْخَصْمَيْنِ إلَى مَنْ عَرَفَهُ بِالصَّلَاحِ وَالْأَمَانَةِ، فَيَقُولُ لَهُمَا اذْهَبَا إلَى فُلَانٍ يُصْلِحْ بَيْنَكُمَا، فَإِنْ اصْطَلَحْتُمَا وَإِلَّا رَجَعْتُمَا. وَتَرَافَعَ إلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَبَى أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا وَقَالَ لَهُمَا اُسْتُرَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَلَا تُطْلِعَانِي مِنْ أَمْرِكُمَا عَلَى مَا قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكُمَا. وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَدِّدُوا الْحُكْمَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَام حَتَّى يَصْطَلِحَا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ.

اللَّخْمِيُّ وَهَذَا بَيْنَ الْأَقَارِبِ حَسَنٌ، وَإِنْ تَبَيَّنَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا سَحْنُونٌ إذَا كَانَتْ شُبْهَةٌ وَأَشْكَلَ الْأَمْرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَهُمَا بِالصُّلْحِ. مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لَوْ اصْطَلَحَا كَانَ أَحْمَدُ وَكَانَ ابْنُ بَقِيٍّ يُطَوِّلُ فِي الْحُكْمِ الْمُلْبِسِ رَجَاءَ أَنْ يَصْطَلِحَ أَهْلُهُ وَيَقُولُ إذَا طَوَّلَ عَلَى صَاحِبِ الْبَاطِلِ تَرَكَ طَلَبَهُ وَرَضِيَ بِالْيَسِيرِ.

(وَلَا يَحْكُمُ) الْحَاكِمُ (لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ) ابْنُهُ وَأَبِيهِ وَيَتِيمُهُ وَزَوْجَتُهُ (عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيُّ مِنْ الْخِلَافِ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي صِحَّةِ حُكْمِهِ لِمَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ.

ص: 335

وَنُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ، وَجَاهِلٍ لَمْ يُشَاوِرْ،

ــ

[منح الجليل]

وَقَالَ مُحَمَّدٌ كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ وَنَحْوُهُ لِمُطَرِّفٍ. اللَّخْمِيُّ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ لِأَنَّ الظِّنَّةَ تَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ، وَانْظُرْ هَلْ يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ. أَشْهَبُ لَا يَقْضِي لِنَفْسِهِ. ابْنُ رُشْدٍ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ اسْتَهْلَكَ مَالَهُ وَيُعَاقِبُهُ لِقَطْعِ أَبِي بَكْرٍ يَدَ الْأَقْطَعِ الَّذِي سَرَقَ عِقْدَ زَوْجَتِهِ أَسْمَاءَ لَمَّا اعْتَرَفَ بِسَرِقَتِهِ

(وَنُبِذَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ طُرِحَ وَأُلْغِيَ (حُكْمُ) قَاضٍ (جَائِرٍ) أَيْ خَارِجٍ فِي حُكْمِهِ عَنْ الْحَقِّ عَامِدًا. ابْنُ رُشْدٍ الْقَاضِي الْجَائِرُ تُرَدُّ أَحْكَامُهُ دُونَ تَصَفُّحٍ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَقِيمَةً فِي ظَاهِرِهَا إلَّا أَنْ تَثْبُتَ صِحَّةُ بَاطِنِهَا. ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ فِسْقٌ يُرَدُّ وَإِنْ صَادَفَهُ الْحَقُّ فَالْمَشْهُورُ فَسْخُهُ. الْبُرْزُلِيُّ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ.

(وَ) نُبِذَ أَيْضًا حُكْمُ عَدْلٍ (جَاهِلٍ لَمْ يُشَاوِرْ) أَهْلَ الْعِلْمِ، ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ صَوَابًا لِكَوْنِهِ بِالْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ وَالْقَضَاءُ بِهِمَا بَاطِلٌ. ابْنُ رُشْدٍ الْقَاضِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ فَمَا هُوَ صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ فِيهِ خِلَافٌ أُنْفِذَ، وَمَا هُوَ خَطَأٌ لَا خِلَافَ فِيهِ رُدَّ. الْمُتَيْطِيُّ الْقَاضِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ الَّذِي عُرِفَ أَنَّهُ لَا يُشَاوِرُ فَلِلْقَاضِي الْوَالِي بَعْدَهُ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْكَامَهُ، فَمَا أَلْفَى مِنْهَا مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ أَنْفَذَهُ، وَمَا أَلْفَى مِنْهَا مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي بَلَدِهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَافَقَ قَوْلَ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ لَا يُعْمَلُ بِهِ فَإِنَّهُ يُنْفِذُهُ وَلَا يَفْسَخُهُ وَمَا لَمْ يُصَادِفْ فِيهِ قَوْلَ قَائِلٍ نَقَضَهُ وَلَا يُنْفِذُهُ.

ابْنُ مُحْرِزٍ إنْ حَكَمَ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْأَدِلَّةِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّخْمِينِ فِسْقٌ وَظُلْمٌ وَخِلَافُ الْحَقِّ وَيُفْسَخُ هَذَا الْحُكْمُ هُوَ وَغَيْرُهُ إذَا ثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِ أَنَّهُ عَلَى هَذَا حَكَمَ. اللَّخْمِيُّ الْغَرَرُ فِي الْحُكْمِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ. ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي أَحْكَامِ الْقُضَاةِ الَّذِينَ لَا تُرْضَى أَحْوَالُهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِالْجَوْرِ فِي أَحْكَامِهِمْ وَفِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْبِدَعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ هِيَ كَأَحْكَامِ الْجَائِرِ لَا يَمْضِي مِنْهَا إلَّا مَا عُلِمَ صِحَّةُ بَاطِنِهِ. وَقَالَ أَصْبَغُ كَأَحْكَامِ الْعَدْلِ الْجَاهِلِ يَمْضِي مِنْهَا مَا كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ أَفَادَهُ " ق ". الْحَطّ قَوْلُهُ وَنُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ إلَخْ، هَذَا كَمَا قَالَ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ، الْأَوَّلُ الْجَائِرُ فَتُنْبَذُ أَحْكَامُهُ

ص: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

كُلُّهَا، أَيْ تُطْرَحُ وَتُرَدُّ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ حَقٌّ، وَالثَّانِي الْجَاهِلُ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُشَاوِرْ الْعُلَمَاءَ نُبِذَ حُكْمُهُ مُطْلَقًا أَيْضًا لِأَنَّ أَحْكَامَهُ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا بِالتَّخْمِينِ وَإِنْ كَانَ يُشَاوِرُ الْعُلَمَاءَ تُعُقِّبَتْ أَحْكَامُهُ وَأُمْضِيَ مِنْهَا مَا لَيْسَ جَوْرًا وَنُبِذَ الْجَوْرُ، وَالثَّالِثُ الْعَدْلُ الْعَالِمُ فَلَا تُتَعَقَّبُ أَحْكَامُهُ وَلَا يُنْظَرُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَرْفَعَ أَحَدٌ قَضِيَّةً وَيَذْكُرَ أَنَّهُ حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ الصَّوَابِ، فَيُنْظَرُ فِيهَا وَتُنْقَضُ إنْ خَالَفَتْ نَصًّا قَاطِعًا أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ اهـ.

طفي لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِالنَّقْضِ فِي الْجَاهِلِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِأَنَّ الْجَاهِلَ غَيْرُ الْمُشَاوِرِ، غَايَتُهُ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوهُ بِالْجَائِرِ وَالْجَائِرُ لَا يُنْقَضُ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا عُلِمَ صِحَّةُ بَاطِنِهِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ. وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي الْجَاهِلِ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الصَّوَابَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْحَطّ فِي الْجَائِرِ ظَاهِرُهُ النَّقْضُ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ حَقٌّ أَيْ عُلِمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ حَقٌّ وَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ جَائِرًا فِي أَحْكَامِهِ فَلَا تَجُوزُ أَقْضِيَتُهُ كُلُّهَا، وَعَلَى مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ أَنْ يَرُدَّهَا صَوَابًا كَانَتْ أَوْ خَطَأً لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُظْهِرَ الْعَدْلَ وَالصَّوَابَ وَبَاطِنُ أَمْرِهِ الْجَوْرُ إلَّا مَا عُلِمَ أَنَّ بَاطِنَ أَمْرِهِ كَانَ صَحِيحًا. زَادَ الْبُنَانِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَاهِلِ الْعَدْلُ الْمُقَلِّدُ كَمَا فَسَّرَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَيُفِيدُهُ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْجَاهِلِ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ فَفِي التَّوْضِيحِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَمَّا أَحْكَامُ الْجَاهِلِ فَيَتَعَقَّبُهَا وَيُمْضِي مِنْهَا مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا مَا نَصُّهُ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ رِوَايَةً شَاذَّةً أَنَّ الْجَاهِلَ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الصَّوَابَ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَا إذَا كَانَ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُشَاوِرُهُمْ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَكَمَ بِالْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ. اهـ. فَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، وَقَدْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ ابْنُ سَعِيدٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى هَذَا الْمُخْتَصَرِ، فَقَالَ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْجَاهِلَ غَيْرُ الْمُشَاوِرِ أَحْكَامُهُ مَنْقُوضَةٌ مُطْلَقًا، وَالْمُشَاوِرُ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ فَيُرَدُّ الْجَوْرُ وَيُمْضَى غَيْرُهُ، وَظَاهِرُ

ص: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ التَّصَفُّحَ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمُشَاوِرِ، وَلِذَا قَالَ فِي ضَيْح حَكَى الْمَازِرِيُّ رِوَايَةً شَاذَّةً أَنَّ الْجَاهِلَ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا. لِأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهَا صَوَابًا إنَّمَا هُوَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَتِمُّ فِي الْمُشَاوِرِ. اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.

ابْنُ رُشْدٍ الْقُضَاةُ أَرْبَعَةٌ،

الْأَوَّلُ عَدْلٌ عَالِمٌ فَأَحْكَامُهُ عَلَى الْجَوَازِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهَا الْخَطَأُ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ.

الثَّانِي: عَدْلٌ جَاهِلٌ يَحْكُمُ بِرَأْيِهِ وَلَا يُشَاوِرُ الْعُلَمَاءَ فَتُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ وَلَا يُرَدُّ مِنْهَا إلَّا الْخَطَأُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ.

الثَّالِثُ: مَعْرُوفٌ بِالْجَوْرِ فَأَحْكَامُهُ تُنْقَضُ كُلُّهَا، وَحَكَى فَضْلٌ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا تُتَصَفَّحُ كَأَحْكَامِ الْجَاهِلِ وَهُوَ شُذُوذٌ.

الرَّابِعُ: فَاسِقٌ لَمْ يَعْلَمْ بِالْجَوْرِ فِي أَحْكَامِهِ أَوْ مُبْتَدِعٌ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَهَذَا حُكْمٌ لَهُ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَحْكُمُ الْجَائِرُ وَحَكَمَ لَهُ أَصْبَغُ بِحُكْمِ الْجَاهِلِ. اهـ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي خِلَافِ مَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ إذَا كَانَ عَدْلًا جَاهِلًا كُشِفَتْ أَقْضِيَتُهُ فَأُنْفِذَ صَوَابُهَا وَرُدَّ خَطَؤُهَا الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ إذَا كَانَ عَدْلًا جَاهِلًا كُشِفَتْ أَقْضِيَتُهُ فَأُنْفِذَ صَوَابُهَا وَرُدَّ خَطَؤُهَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْأَخَوَانِ يُرِيدُ أَنَّهَا تُتَعَقَّبُ مِنْ وَجْهِ الْفِقْهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ إلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ الْعُلَمَاءِ فَلَا تُتَعَقَّبُ، وَرَأَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إنْ كَانَ حَكَمَ بِرَأْيِهِ أَنْ يُرَدَّ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَخْمِينٌ وَحَدْسٌ وَالْقَضَاءُ بِذَلِكَ بَاطِلٌ اهـ.

الْمُتَيْطِيُّ أَحْكَامُ الْقُضَاةِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: عَدْلٍ عَالِمٍ، وَعَدْلٍ مُقَلِّدٍ، ثُمَّ قَالَ الْوَجْهُ الثَّانِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ الَّذِي عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشَاوِرُ الْعُلَمَاءَ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْكَامَهُ، فَمَا أَلْفَى مِنْهَا مُوَافِقًا لِلْحَقِّ أَوْ مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي بَلَدِهِ إلَّا أَنَّهُ وَافَقَ قَوْلَ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يُنْفِذُهُ، وَمَا لَمْ يُصَادِفْ قَوْلَ قَائِلٍ وَكَانَ خَطَأً نَقَضَهُ. اهـ. وَقَبِلَهُ ابْنُ هَارُونَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْقَاضِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ فَمَا هُوَ صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ فِيهِ خِلَافٌ يَنْفُذُ، وَمَا هُوَ خَطَأٌ لَا خِلَافَ فِيهِ يُرَدُّ وَنَحْوُهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ، فَهَذِهِ النُّقُولُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَاهِلِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 338

وَإِلَّا تُعُقِّبَ، وَمَضَى غَيْرُ الْجَوْرِ

وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَنُقِضَ، وَبَيَّنَ السَّبَبَ مُطْلَقًا مَا خَالَفَ قَاطِعًا، أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ:

ــ

[منح الجليل]

(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ (تُعُقِّبَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ حُكْمُهُ (وَمَضَى غَيْرُ الْجَوْرِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَنُقِضَ الْجَوْرُ مِنْهُ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُتَعَقَّبُ حُكْمُهُ الْمُرَتَّبُ عَلَى إشَارَةِ الْعُلَمَاءِ. قِيلَ الْقَضَاءُ صِنَاعَةٌ دَقِيقَةٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ كَيْفِيَّةُ إيقَاعِهِ، فَقَدْ يَعْرِفُ الْحُكْمَ وَلَا يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ إيقَاعِهِ فَيُوقِعُهُ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ أَحْكَامَ الْجَاهِلِ الْعَدْلِ الْمُشَاوِرِ لَا تُتَعَقَّبُ.

(وَلَا يُتَعَقَّبُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِهَا (حُكْمُ) الْقَاضِي (الْعَدْلِ الْعَالِمِ) فَلَا يَنْظُرُ فِيهِ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِلتَّسَلْسُلِ وَكَثْرَةِ الْخِصَامِ ابْنُ رُشْدٍ الْقَاضِي الْعَدْلُ الْعَالِمُ لَا تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ وَلَا يُنْظَرُ فِيهَا إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيرِ لَهَا إنْ اُحْتِيجَ لِلنَّظَرِ فِيهَا لِعَارِضِ خُصُومَةٍ. أَوْ اخْتِلَافٍ فِي حَدٍّ لَا عَلَى الْكَشْفِ وَالتَّعَقُّبِ لَهَا إنْ سَأَلَ ذَلِكَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، فَتَنْفُذُ كُلُّهَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عِنْدَ النَّظَرِ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ أَنَّهُ خَطَأٌ ظَاهِرٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ فَيُنْقَضُ ذَلِكَ (وَنَقَضَ) الْعَدْلُ الْعَالِمُ وُجُوبًا (وَبَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ أَظْهَرَ الْعَدْلُ الْعَالِمُ وُجُوبًا (السَّبَبَ) الْمُوجِبَ لِنَقْضِهِ حُكْمَ الْعَدْلِ الْعَالِمِ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ الْمَنْقُوضُ حُكْمَ النَّاقِضِ أَوْ حُكْمَ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا فِي الثَّانِي، عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْأَوَّلِ. مُطَرِّفٌ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِفَسْخِ قَضِيَّةِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُفَسِّرْ فَسْخَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَسْخٍ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ إشْهَادُهُ عَلَى الْفَسْخِ يَكْفِيهِ. أَصْبَغُ الْفَسْخُ الَّذِي لَا يَكُونُ شَيْئًا حَتَّى يُلَخَّصَ مَا خَالَفَ (جَلِيَّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَشَدِّ الْيَاءِ، أَيْ ظَاهِرَ (قِيَاسٍ) أَيْ إلْحَاقَ أَمْرٍ بِأَمْرٍ فِي حُكْمِهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّتِهِ وَجَلِيُّهُ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، زَادَ فِي الذَّخِيرَةِ أَوْ خَالَفَ قَاعِدَةً قَطْعِيَّةً مَعَ سَلَامَةِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ.

ص: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ مَا خَالَفَ قَاطِعًا ابْنَ الْحَاجِبِ التَّابِعَ لِابْنِ شَاسٍ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ النَّصُّ غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ يُفِيدُ الْقَطْعَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يُنْقَضُ حُكْمُ الْقَاضِي إذَا خَالَفَهُ وَنَقَلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَأَقَرَّهُ. ابْنُ عَرَفَةَ تَعْلِيقُ ابْنِ الْحَاجِبِ النَّقْضَ عَلَى مَا خَالَفَ الْقَاطِعَ لَا أَعْرِفُهُ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامًا عَنْ الْمَازِرِيِّ وَقَالَ عَقِبَهُ فَلَمْ يَقْصُرْ الْمَازِرِيُّ النَّقْضَ عَلَى الْقَطْعِ، فَقَصْرُ ابْنِ الْحَاجِبِ النَّقْضَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ لِنَصِّ رِوَايَةٍ تَابِعًا. ابْنُ شَاسٍ مُتَعَقَّبٌ أَفَادَهُ طفي. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ مَا خَالَفَ قَاطِعًا. ابْنُ عَرَفَةَ وَالْخَطَأُ الْمُوجِبُ لِرَدِّ حُكْمِ الْعَدْلِ الْعَالِمِ فَسَّرَهُ اللَّخْمِيُّ بِمَا خَالَفَ نَصَّ آيَةٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ. قُلْت أَوْ مَا ثَبَتَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَزَادَ الْمَازِرِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَوْ قِيَاسًا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِي صِحَّتِهِ. وَفِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يُنْقَضُ مِنْهَا إلَّا مَا خَالَفَ الْقَطْعَ نَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ مَا خَالَفَ الظَّنَّ الْجَلِيَّ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، بَلْ قَالُوا إنَّهُ إذَا خَالَفَ نَصَّ السُّنَّةِ غَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَيَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ هُنَا مَا أَوْرَدَهُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ.

الثَّانِي: فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَسْتَقِرُّ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَيُنْقَضُ، وَذَلِكَ إذَا وَقَعَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقَوَاعِدِ أَوْ النَّصِّ الْجَلِيِّ أَوْ الْقِيَاسِ. وَمِثَالُ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ، فَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْأُمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ وَمُقَاسَمَةُ الْأَخِ، أَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، وَمِثَالُ مُخَالِفِ الْقَوَاعِدِ الْمَسْأَلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِتَقْرِيرِ النِّكَاحِ فِيمَنْ قَالَ إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ فَالصَّحِيحُ لُزُومُ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَهُ، فَإِذَا مَاتَتْ أَوْ مَاتَ فَحَكَمَ حَاكِمٌ بِإِرْثِ حَيِّهِمَا نَقَضْنَا حُكْمَهُ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ صِحَّةُ اجْتِمَاعِ الشَّرْطِ مَعَ الْمَشْرُوطِ لِأَنَّ حِكْمَتَهُ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ

ص: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الشَّرْطُ لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُ مَعَ مَشْرُوطِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّرْعِ شَرْطًا، فَلِذَلِكَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ التَّمْثِيلُ بِهَا. وَمِثَالُ مُخَالِفِ النَّصِّ الْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَرَدَ بِاخْتِصَاصِهَا بِالشَّرِيكِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَمِثَالُ مُخَالِفِ الْقِيَاسِ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْكَافِرِ فَيُنْقَضُ قِيَاسًا عَلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْمُسْلِمِ الْفَاسِقِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ أَشَدُّ مِنْهُ فُسُوقًا وَأَبْعَدُ مِنْ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ.

1 -

الثَّالِثُ: فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مَا عُلِمَ فِيهِ نَفْيُ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَطْعًا كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ كَالتَّقْوِيمِ عَلَى مُعْتَقِ بَعْضِهِ فَيُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ فِيهِمَا مِمَّا لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّارِعُ فِيهَا وَالْقِيَاسُ الْخَفِيُّ مَا يُظَنُّ نَفْيُ الْفَارِقِ فِيهِ بَيْنَهُمَا كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي الْحُرْمَةِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ لِخُصُوصِيَّتِهَا لَا لِإِسْكَارِهَا، وَلِذَا اُخْتُلِفَ فِي قَلِيلِهِ. وَفِي التَّنْقِيحِ لِلْقَرَافِيِّ اُخْتُلِفَ فِي الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فَقِيلَ الْجَلِيُّ قِيَاسُ الْمَعْنَى، وَالْخَفِيُّ قِيَاسُ الشَّبَهِ. وَقِيلَ الْجَلِيُّ مَا تُفْهَمُ عِلَّتُهُ كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانٌ» . وَفِي شَرْحِهِ قِيَاسُ الْمَعْنَى كَقِيَاسِ الْأُرْزِ عَلَى اللَّبَنِ فِي حُرْمَةِ الرِّبَا بِجَامِعِ الطَّعْمِ وَالنَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ السُّكْرِ. وَقِيَاسُ الشَّبَهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا فِي ذَاتِهِ وَيَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلْمُنَاسِبِ كَقَوْلِنَا فِي الْخَلِّ إنَّهُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ لِأَنَّهُ مَائِعٌ وَلَا تُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزِيلَ النَّجَاسَةَ كَالدُّهْنِ، فَقَوْلُنَا لَا تُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ لَيْسَ مُنَاسِبًا، لَكِنَّهُ يُشْعِرُ بِالْقِلَّةِ، فَإِنَّ عَدَمَ بِنَاءِ الْقَنْطَرَةِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى قِلَّتِهِ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ أَنَّ الْقَنْطَرَةَ لَا تُبْنَى إلَّا عَلَى الْمَائِعِ الْكَثِيرِ فَمَا لَا تُبْنَى عَلَيْهِ الْقَنْطَرَةُ مِنْ الْمَائِعِ فَهُوَ غَيْرُ كَثِيرٍ، وَالطَّهَارَةُ عَلَى مُقْتَضَى اللُّطْفِ بِالْمُكَلَّفِ لَا تُشْرَعُ إلَّا بِمَا هُوَ كَثِيرٌ مُتَيَسِّرٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَكُلِّ مَكَان، فَالْقِلَّةُ حِينَئِذٍ تُنَاسِبُ الْمَنْعَ، فَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ الَّذِي اسْتَلْزَمَهُ ذَلِكَ الْوَصْفُ الطَّرْدِيُّ، وَقِيلَ الْجَلِيُّ مَا كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ فِي الْفَرْعِ أَوْلَى مِنْ ثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ كَقِيَاسِ الْعَمْيَاءِ عَلَى الْعَوْرَاءِ فِي امْتِنَاعِ التَّضْحِيَةِ وَالضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ فِي الْحُرْمَةِ.

الرَّابِعُ: لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ الْمُخَالِفُ لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ إذَا وَافَقَ مُعَارِضًا رَاجِحًا كَالْقَضَاءِ

ص: 341

كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ،

ــ

[منح الجليل]

بِصِحَّةِ الْقِرَاضِ وَالْقَرْضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْقَوَاعِدِ وَلِلنُّصُوصِ الْعَامَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ، وَلَكِنْ وَرَدَ فِي التَّرْخِيصِ فِيهَا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَالنُّصُوصِ الْعَامَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ وَخَصَّصَتْهَا.

وَشَبَّهَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي النَّقْضِ فَقَالَ (كَ) حُكْمٍ بِ (اسْتِسْعَاءِ) أَيْ سَعْيِ رَقِيقٍ (مُعْتَقٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ بَعْضُهُ مِنْ أَحَدِ الْمُشْتَرِكِينَ فِيهِ وَلَا مَالَ لَهُ يُقَوَّمُ فِيهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، وَامْتَنَعَ شَرِيكُهُ مِنْ إعْتَاقِ نَصِيبِهِ فَحُكِمَ عَلَى الرَّقِيقِ بِالسَّعْيِ فِي اكْتِسَابِ مَالٍ يَشْتَرِي بِهِ بَعْضَهُ الرَّقِيقَ مِنْ مَالِكِهِ لِتَتْمِيمِ حُرِّيَّتِهِ فَيُنْقَصُ هَذَا الْحُكْمُ لِضَعْفِ دَلِيلِهِ. طفي جَعَلَهُ تت مُشَبَّهًا بِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مِثَالًا لِمَا قَبْلَهُ إذْ لَيْسَ مُخَالِفًا قَاطِعًا وَلَا جَلِيَّ قِيَاسٍ وَلَا سُنَّةً لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالِفِ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ مُسْتَنِدًا سُنَّةً أَصْلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هُنَا، لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُ كُلِّهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ» ، وَرُوِيَ فِيهِ «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» فَأَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَالْجُمْهُورُ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى وَأَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه بِالثَّانِيَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهَا لِأَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ قَتَادَةَ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ الِاسْتِسْعَاءَ وَهُمَا أَثْبَتُ وَوَافَقَهُمَا هَمَّامٌ فَفَصَلَ الِاسْتِسْعَاءَ مِنْ الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ مِنْ رَأْيِ قَتَادَةَ.

عِيَاضٌ الْأَصِيلِيُّ وَابْنُ الْقَصَّارِ الَّذِينَ أَسْقَطُوا السِّعَايَةَ أَوْلَى مِنْ الَّذِينَ ذَكَرُوهَا، وَإِذًا لَيْسَتْ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ. ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مُسْقِطُهَا أَثْبَتُ مِنْ الَّذِينَ ذَكَرُوهَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ فَمَرَّةً ذَكَرَهَا وَمَرَّةً أَسْقَطَهَا، فَدَلَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْحَدِيثِ، أَفَادَهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اهـ. الْبُنَانِيُّ جَعَلَ " ز " الْكَافَ لِلتَّمْثِيلِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالْحَقُّ كَمَا قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ أَنَّهَا لِلتَّشْبِيهِ وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ تت وَجَدُّ عج وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ، ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ هُوَ مَذْهَبُ

ص: 342

وَشُفْعَةِ جَارٍ، وَحُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ، أَوْ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ، أَوْ مِيرَاثِ

ــ

[منح الجليل]

ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَحْدَهُ وَاعْتَرَفَ بِهَذَا فِي ضحيه وَلَمْ يَزَلْ الشُّيُوخُ يَسْتَبْعِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَ خِلَافَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَلِذَا لَمْ يُعَرِّجْ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ لَا يَذْكُرَهُ هُنَا لِمَا عَلِمْت، وَلِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَرَفْعُ الْخِلَافِ، بَلْ يُنَافِيهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِ مَا قَضَى بِهِ رَجَعَ فِيهِ، وَلَا يَنْقُضُ مَا حَكَمَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.

(وَ) كَحُكْمٍ ب (شُفْعَةِ جَارٍ) فَيُنْقَضُ لِضَعْفِ دَلِيلِهِ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي يُنْقَضُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ بِهِ الْحُكْمُ بِاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَبِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَتَوْرِيثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ طفي وَأَمَّا شُفْعَةُ الْجَارِ فَقَالَ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مُحْتَجِّينَ بِحَدِيثِ «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» ، وَالصَّقَبُ رُوِيَ بِالصَّادِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَيْنِ الْقَرِيبُ.

وَبِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُد «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ» إلَّا أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي جَاءَتْ فِي أَنْ لَا شُفْعَةَ إلَّا لِشَرِيكٍ أَسَانِيدُهَا جَيِّدَةٌ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اضْطِرَابٌ، بِخِلَافِ حَدِيثِ «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» ، فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَيْسَا مُخَالِفَيْنِ لِلسُّنَّةِ، إذْ لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ حُجَّةٌ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُمَا مِنْ شَهَادَةِ الْكَافِرِ لِمِثْلِهِ وَمِيرَاثِ ذَوِي الرَّحِمِ وَمَوْلًى أَسْفَلَ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، إذْ قَالَ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَهُ حُجَجٌ لَا نُطِيلُ بِهَا، وَكَذَا الْحُكْمُ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه.

(وَ) كَ (حُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ) لِلْحَاكِمِ فَيُنْقَضُ لِإِتْهَامِهِ فِيهِ بِالْجَوْرِ. ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى شَخْصٍ فَأَقَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْقَاضِيَ عَدُوٌّ لَهُ فَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ (أَوْ) حُكْمٍ بِ (شَهَادَةِ) شَخْصٍ (كَافِرٍ) عَلَى مِثْلِهِ. طفي مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا شَهِدَ الْكَافِرُ عَلَى مِثْلِهِ وَالْقَائِلُ بِقَبُولِهَا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَأَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَى مُسْلِمٍ فَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهَا.

(وَ) كَحُكْمٍ بِ (مِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ) كَخَالَةٍ وَعَمَّةٍ (أَوْ) مِيرَاثِ (مَوْلًى) بِفَتْحِ الْمِيمِ

ص: 343

ذِي رَحِمٍ، أَوْ مَوْلًى أَسْفَلَ، أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ

ــ

[منح الجليل]

وَاللَّامِ (أَسْفَلَ) أَيْ عَتِيقٍ مِنْ مُعْتِقِهِ بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ (أَوْ) حُكْمٍ (بِ) سَبَبِ (عِلْمٍ) مِنْ الْقَاضِي بِشَيْءٍ (سَبَقَ) عِلْمُهُ بِهِ (مَجْلِسَهُ) أَيْ الْقَاضِي، سَوَاءٌ عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَهَا، وَاحْتَرَزَ عَنْ حُكْمِهِ بِمَا عَلِمَهُ فِي مَجْلِسِهِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ. اللَّخْمِيُّ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ وَلَا بَعْدَ أَنْ وَلِيَهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ، أَوْ كَانَ فِيهِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَاكَمَا إلَيْهِ أَوْ يَجْلِسَا لِلْحُكُومَةِ، مِثْلَ أَنْ يَسْمَعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا يُقِرُّ لِلْآخَرِ فَلَمَّا تَقَدَّمَ لِلْحُكُومَةِ أَنْكَرَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ شَاهِدٌ.

وَقَدْ اُخْتُلِفَ إنْ أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ جَلَسَا لِلْخُصُومَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ يَحْكُمُ بِهِ وَرَأَيَا أَنَّهُمَا لَمَّا جَلَسَا لِلْمُحَاكَمَةِ فَقَدْ رَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَقُولَانِهِ، وَكَذَا إذَا أَقَرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ حَتَّى حَكَمَ ثُمَّ أَنْكَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَالَ مَا أَقْرَرْت بِشَيْءٍ فَلَا يَنْظُرُ إلَى إنْكَارِهِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ. طفي وَالْقَائِلُ بِالنَّقْضِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَفِيمَا مَاثَلَهَا ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ عِنْدَهُ الْخِلَافُ النَّقْضَ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا. ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ فِي نَقْضِ حُكْمِ مَنْ قَبْلَهُ إنْ كَانَ خَطَأً لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَلَا يَرُدُّهُ. وَقِيلَ يَرُدُّهُ إنْ كَانَ شَاذًّا. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَرُدُّهُ وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ قَوِيًّا مَشْهُورًا إنْ كَانَ خِلَافَ سُنَّةٍ قَائِمَةٍ.

ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي يُنْقَضُ فِيهِ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ الْحُكْمُ بِاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ وَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَتَوْرِيثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ وَشِبْهِهَا، وَلَمَّا ذَكَرَهَا الْمَازِرِيُّ قَالَ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَمْ يَرَ النَّقْضَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِأَنَّ نَقْلَهَا غَيْرُ قَطْعِيٍّ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بَعِيدٌ لِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ. ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَا قَالَ هَذَا غَيْرُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَدْ اعْتَرَفَ فِي تَوْضِيحِهِ بِأَنَّ هَذَا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَحْدَهُ، وَنَصُّ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَرُدُّ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِمَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِيهِ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ وَشُفْعَةِ الْجَارِ وَشَهَادَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ لِمِثْلِهِ وَمِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ، وَكَذَا مَا تَوَاطَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَوْ شَاعَ الْعَمَلُ بِهِ

ص: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ رَأْيِ الْعُلَمَاءِ أَوْ اسْتِحْسَانِهِمْ فَلَا يَنْقُضُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ رَأْيِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُنْقَضُ الْخِلَافُ كَائِنًا مَا كَانَ، وَاَلَّذِي حَكَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُلَائِمُ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا دَرَج عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَمَا زَالَ الشُّيُوخُ يَسْتَبْعِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَ خِلَافَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَلِذَا لَمْ يُعَرِّجْ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ لَا يَذْكُرَهُ لِمَا عَلِمْت، وَلِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَرَفْعُ الْخِلَافِ بَلْ يُنَافِيهِ.

قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِ مَا قَضَى بِهِ رَجَعَ فِيهِ وَلَا يَنْقُضُ مَا حَكَمَ فِيهِ غَيْرُهُ مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافٌ. اهـ. وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مُشْكِلٌ فِي نَحْوِ شُفْعَةِ الْجَارِ وَاسْتِسْعَاءِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ لِتَعَلُّقِ الْمُخَالِفِ فِيهِ بِسُنَّةٍ قَائِمَةٍ كَمَا عَلِمْت، وَهَبْ أَنَّهَا عِنْدَهُ مَرْجُوحَةٌ فَهِيَ رَاجِحَةٌ عِنْدَ الْمُخَالِفِ، وَكَذَا كُلُّ مَا تَعَلَّقَ فِيهِ الْمُخَالِفُ بِسُنَّةٍ وَغَيْرُهُ بِمِثْلِهَا فَقَدْ ظَهَرَ لَك مَا قُلْنَاهُ سَابِقًا أَنَّ الصَّوَابَ جَعْلُ قَوْلِهِ كَاسْتِسْعَاءِ عِتْقٍ إلَخْ تَشْبِيهًا، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ صَنِيعِهِ فِي تَوْضِيحِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ عَنْ الْقَرَافِيِّ نَقْضَ الْحُكْمِ إذَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيُرَدُّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فَلَمْ يَجْعَلْهُ مِثَالًا بَلْ تَشْبِيهًا.

الْبُنَانِيُّ أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِعَدَمِ النَّقْضِ انْفَرَدَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ وَأَنَّ النَّقْضَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِمُخَالَفَةِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَالَ مَا نَصُّهُ أَشَارَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الذَّاهِبِينَ إلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ خَالَفُوا فِي حُكْمِ مَا تَوَاطَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ ذَلِكَ كَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الْقَائِمَةِ لَا سِيَّمَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَمْ يَرَ النَّقْضَ فِي

ص: 345

أَوْ جَعْلِ بَتَّةٍ وَاحِدَةً،

ــ

[منح الجليل]

شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، لِكَوْنِ أَدِلَّتِهَا لَيْسَتْ بِقَطْعِيَّةٍ. ثُمَّ قَالَ وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بَعِيدٌ عَنْ تَجْدِيدِ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ كَيْفَ وَالِاسْتِسْعَاءُ قَدْ وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَذَلِكَ الشُّفْعَةُ لِلْجَارِ مَعَ وُرُودِ أَحَادِيثَ تَقْتَضِيهَا. اهـ. فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْجِيحُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَا خَالَفَ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُنْقَضُ بِمَنْزِلَةِ مَا خَالَفَ قَاطِعًا، وَأَنَّ النَّقْضَ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي مُخَالَفَةِ الْقَاطِعِ، وَلَعَلَّ اسْتِبْعَادَ الْمَازِرِيِّ لَهُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ فَلَمْ يَرْتَضِهِ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ لَمَّا نَقَلَ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِالنَّقْضِ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِعَيْنِهَا، وَقَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِعَدَمِهِ فِيهَا قَالَ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُعْجِبُنِي مَا انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ انْفَرَدَ بِعَدَمِ النَّقْضِ عَنْ أَصْحَابِهِ.

وَقَالَ ابْنُ دَبُّوسٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْإِعْلَامِ بِمَا يَنْزِلُ عِنْدَ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ، وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ، وَرَوَى أَكْثَرَهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَنَّهُ رَأْيُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ. قُلْت لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَمَنْ حَكَمَ بِحُكْمِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَمِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ إلَخْ فَقَالَ هَذَا كُلُّهُ عِنْدِي مِمَّا إذَا حَكَمَ فِيهِ حَاكِمٌ بِإِمْضَائِهِ أَمْضَيْته وَلَا أَرُدُّهُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَمْ يُعْجِبْنِي انْفِرَادُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِهَذَا الْقَوْلِ دُونَ أَصْحَابِهِ وَلَمْ نَأْخُذْ بِهِ. وَقَوْلُنَا فِيهِ كَقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ. اهـ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا مَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِنَقْلِ الْأَئِمَّةِ، وَاسْتِبْعَادُ الْمَازِرِيُّ لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَا يُضْعِفُهُ، وَأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِعَدَمِ النَّقْضِ هُوَ الضَّعِيفُ لِانْفِرَادِهِ بِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَقُلْ بِالنَّقْضِ غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَرْدُودٌ بِمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَرِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(أَوْ) حَكَمَ ب (جَعْلِ بَتَّةٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ طَلَاقِ بَتِّ الْعِصْمَةِ وَقَطْعِهَا وَهُوَ الثَّلَاثُ طَلْقَةً (وَاحِدَةً) ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَرَفَعَ لِمَنْ يَرَاهَا وَاحِدَةً فَجَعَلَهَا

ص: 346

أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا فَأَخْطَأَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ صَبِيَّيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ: كَأَحَدِهِمَا،

ــ

[منح الجليل]

وَاحِدَةً وَزَوْجُهَا الْبَاتُّ قَبْلَ زَوْجٍ فَلِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الَّذِي يُقَرُّ الْحُكْمُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَنْتَقِضُ ذَلِكَ كَائِنًا مَا كَانَ مَا لَمْ يَكُنْ خَطَأً مَحْضًا (أَوْ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِي (قَصَدَ كَذَا) مِنْ الْأَقْوَالِ لِيَحْكُمَ بِهِ (فَأَخْطَأَ) وَحَكَمَ بِغَيْرِهِ وَثَبَتَ ذَلِكَ (بِبَيِّنَةٍ) شَهِدَتْ عِنْدَ الْقَاضِي. الثَّانِي أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ قَصَدَ الْحُكْمَ بِكَذَا فَأَخْطَأَ وَحَكَمَ بِغَيْرِهِ فَيَنْقُضُهُ الثَّانِي. ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي الْعَدْلِ فِيمَا حَكَمَ بِهِ رَأْيًا فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْوًا نُقِضَ حُكْمُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَنَصُّهُ إنْ قَصَدَ إلَى الْحُكْمِ بِمَذْهَبٍ فَصَادَفَ غَيْرَهُ سَهْوًا فَهَذَا فَسْخُهُ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ لِجَرَيَانِهِ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَوَجْهُ غَلَطِهِ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا عَلِمَتْ قَصْدَهُ إلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِهِ فَوَقَعَ فِيهِ فَيَنْقُضُهُ مَنْ بَعْدَهُ كَمَا يَنْقُضُهُ هُوَ.

(أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِي (قَضَى) بِأَمْرٍ (بِ) شَهَادَةِ (عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ) مُعْتَقِدًا عَدَالَتَهُمَا فَيُنْقَضُ قَضَاؤُهُ فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ اتِّفَاقًا، وَفِي الرَّابِعَةِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه "، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْآخَرُ لَا يُنْقَضُ وَبِهِ أَخَذَ أَشْهَبُ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نُقِضَ الْحُكْمُ، بِخِلَافِ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ. اللَّخْمِيُّ إنْ ثَبَتَ تَقَدُّمُ جُرْحَةِ الْبَيِّنَةِ فَقَالَ مَالِكٌ رضي الله عنه فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ يُنْقَضُ الْحُكْمُ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ يَمْضِي، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي إنْ ثَبَتَ أَنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ عَدَاوَةً أَوْ تُهْمَةً.

وَشَبَّهَ فِي النَّقْضِ فَقَالَ (كَ) ظُهُورِ (أَحَدِهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ فَاسِقًا فَيُنْقَضُ. فِيهَا إنْ عَلِمَ بَعْدَ الْجَلْدِ أَوْ الرَّجْمِ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدٌ حُدَّ الشُّهُودُ أَجْمَعُونَ. اللَّخْمِيُّ إنْ ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ نُقِضَ الْحُكْمُ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَلَوْ قِيلَ بِمُضِيِّهِ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ

ص: 347

إلَّا بِمَالٍ فَلَا يُرَدُّ، إنْ حَلَفَ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْهُ، إنْ حَلَفَ

وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ خَمْسِينَ مَعَ عَاصِبِهِ،

ــ

[منح الجليل]

إمْضَائِهِ إنْ ثَبَتَ جُرْحَتُهُ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ مَرْدُودَةٌ اتِّفَاقًا، وَالْعَبْدُ أَجَازَ شَهَادَتَهُ عَلِيٌّ وَأَنَسٌ وَشُرَيْحٌ وَغَيْرُهُمْ وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَصْرَانِيٌّ رُدَّ الْحُكْمُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا مُوَلًّى عَلَيْهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يُنْقَضُ. وَالنَّقْضُ فِي هَذَا أَبْعَدُ مِنْهُ فِي الْعَبْدِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنَّ شَهَادَةَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ تَجُوزُ ابْتِدَاءً وَهُوَ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ عَدْلٌ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِجَهْلِهِ بِتَدْبِيرِ مَالِهِ.

ابْنُ عَرَفَةَ الرِّوَايَةُ وَاضِحَةٌ بِأَنَّ كَوْنَهُمَا صَبِيَّيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا كَكَوْنِهِمَا أَوْ أَحَدَهُمَا كَافِرًا (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ مَنْ ظَهَرَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا (بِمَالٍ فَ) لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَ (لَا يُرَدُّ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمَالُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ (إنْ حَلَفَ) الْمَحْكُومُ لَهُ بِهِ لِتَمَامِ النِّصَابِ بِالْيَمِينِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمَحْكُومُ لَهُ بِهِ (أَخَذَهُ) أَيْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْمَالَ (مِنْهُ) أَيْ الْمَحْكُومِ لَهُ (إنْ حَلَفَ) الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْبَاقِي، فَإِنْ نَكَلَ فَلَا يَأْخُذُهُ لِثُبُوتِهِ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ فِيهَا إنْ حَكَمَ بِمَالٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ حَلَفَ الطَّالِبُ مَعَ الْبَاقِي، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ الْمَالَ، وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَطْعِ يَدِ رَجُلٍ عَمْدًا فَاقْتُصَّ مِنْهُ ثُمَّ تَبَيَّنَّ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَلَا يَكُونُ عَلَى مُتَوَلِّي الْقَطْعِ شَيْءٌ وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ اللَّخْمِيِّ، أَرَادَ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحُرُّ أَنَّ الَّذِي مَعَهُ عَبْدٌ. وَاسْتَشْكَلَ قَوْلُهَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقُلْ يَحْلِفُ الْمُقْتَصُّ لَهُ مَعَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي كَمَا قَالَ فِي الْمَالِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيهَا إنَّ جِرَاحَ الْعَمْدِ ثَبَتَتْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَالْمَالِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَالَ يُمْكِنُ رَدُّهُ فَكَانَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ مُنْتَفَعٌ بِيَمِينِهِ فَصَحَّ حَلِفُهُ وَالْقَطْعُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ فَلَا نَفْعَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ بِحَلِفِهِ.

(وَ) إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلِ آخَرَ عَمْدًا فَاقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا (حَلَفَ) وَلِيُّ الدَّمِ (خَمْسِينَ) يَمِينًا (مَعَ) جِنْسِ (عَاصِبِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ، إذْ لَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ مِنْ رَجُلَيْنِ وَمَضَى الْحُكْمُ.

ص: 348

وَإِنْ نَكَلَ: رُدَّتْ، وَغَرِمَ شُهُودٌ عَلِمُوا، وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ

وَفِي الْقَطْعِ: حَلَفَ الْمَقْطُوعُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ.

ــ

[منح الجليل]

فَإِنْ نَكَلَ) الْوَلِيُّ (رُدَّتْ) بِضَمِّ الرَّاءِ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْبَاقِي (وَغَرِمَ) الدِّيَةَ (شُهُودٌ عَلِمُوا) أَنَّ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ عَبْدًا وَنَحْوَهُ، سَوَاءٌ عَلِمُوا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا (فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ) الَّذِي حَكَمَ بِالْقِصَاصِ غَرِمَ الدِّيَةَ لِخَطَئِهِ فِي اجْتِهَادِهِ فِي حَالِ الشُّهُودِ، فَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ. " ق " اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ إنْ بَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُوَلًّى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْمَقْضِيُّ لَهُ بِالْقَتْلِ مَعَ رَجُلٍ مِنْ عَصَبَتِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا تَمَّ الْحُكْمُ لَهُ وَنَفَذَ، وَإِنْ نَكَلَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِالْقَتْلِ عَنْ الْقَسَامَةِ انْتَقَضَ الْحُكْمُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا غُرْمَ عَلَى الشَّاهِدِ أَيْ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إنْ جَهِلَ رَدَّ شَهَادَةِ الْعَبْدِ أَوْ الذِّمِّيِّ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ.

(وَ) إنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ وَاقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ نَحْوَهُ، فَإِنْ حَلَفَ الْمَشْهُودُ لَهُ مَعَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي مَضَى الْحُكْمُ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ مَعَهُ (فِي) صُورَةِ الْحُكْمِ بِ (الْقَطْعِ) لِيَدٍ مَثَلًا (حَلَفَ) الشَّخْصُ (الْمَقْطُوعُ) يَدُهُ (أَنَّهَا) أَيْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَطَعَ يَدَ الْمُدَّعِي عَمْدًا (بَاطِلَةٌ) وَاسْتَحَقَّ دِيَةَ يَدِهِ مِنْ الشَّاهِدِ الْبَاقِي الْعَالِمِ بِأَنَّ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ عَبْدٌ أَوْ ذِمِّيٌّ وَمِنْ عَاقِلَةِ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ.

" ق " ابْنُ عَرَفَةَ الْأَقْوَالُ فِي هَذَا سِتَّةٌ. ابْنُ سَحْنُونٍ إنْ بَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُوَلًّى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْقَطْعِ مَعَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي تَمَّ الْحُكْمُ لَهُ وَنَفَذَ، وَإِنْ نَكَلَ فِي الْقَطْعِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ شَاهِدَهُ عَبْدٌ لِظُهُورِ حُرِّيَّتِهِ وَحَلَفَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْيَدِ أَنَّ مَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشَّاهِدُ بِهِ بَاطِلٌ انْتَقَضَ الْحُكْمُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا غُرْمَ عَلَى الشَّاهِدِ إنْ جَهِلَ رَدَّ شَهَادَةِ الْعَبْدِ أَوْ الذِّمِّيِّ وَذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ، وَبَحَثَ فِي حَلِفِ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوَّلًا بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى الشَّاهِدِ أَوْ عَاقِلَةِ الْإِمَامِ أَوْ عَلَى الْإِمَامِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْمَشْهُودُ لَهُ هُنَا أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.

ص: 349

وَنَقَضَهُ هُوَ فَقَطْ، إنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ

ــ

[منح الجليل]

الْحَطّ يَعْنِي فَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي قَطْعٍ بِأَنْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا قَطَعَ يَدَ هَذَا عَمْدًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ فَاسِقٌ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ الْمَحْكُومُ لَهُ بِالْقِصَاصِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ عَلَى رَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَاسْتَحَقَّ دِيَةَ يَدِهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَحُكْمُهَا حُكْمُ الدِّيَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، يَعْنِي مَسْأَلَةَ الْقِصَاصِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْغُرْمَ عَلَى الشُّهُودِ إنْ عَلِمُوا وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ. وَفِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَطْعِ يَدِ رَجُلٍ عَمْدًا فَاقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى مُتَوَلِّي الْقَطْعِ شَيْءٌ، قَالَ وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْأُمَّهَاتِ. قُلْت فَهَلْ لِلْمُقْتَصِّ عَلَى الَّذِي اقْتَصَّ لَهُ شَيْءٌ قَالَ لَمْ أَسْمَعْ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ وَلَا أَرَى لَهُ شَيْئًا. قُلْت فَهَلْ عَلَى الَّذِي اقْتَصَّ شَيْءٌ قَالَ لَا، وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ. اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْحُرُّ أَنَّ الَّذِي مَعَهُ عَبْدٌ اهـ.

(وَنَقَضَهُ) أَيْ الْحُكْمَ (هُوَ) أَيْ الْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ (إنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ) أَيْ الْحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ (أَصْوَبُ) مِنْهُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ رَاشِدٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ وَصَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وَعِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا وَالْقَوْلَانِ تُؤُوِّلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا. فِيهَا أَكَانَ مَالِكٌ رضي الله عنه يَرَى لِلْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ تَبَيَّنَ لَهُ فِيهَا أَنَّ غَيْرَ مَا قَضَى بِهِ أَصْوَبُ مِمَّا قَضَى بِهِ أَنْ يَرُدَّ قَضِيَّتِهِ وَيَقْضِي بِمَا رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَا قَضَى بِهِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ إنَّمَا قَالَ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مَا قَضَى بِهِ رَجَعَ فِيهِ وَلَا يَرْجِعُ فِيمَا قَضَتْ بِهِ الْقُضَاةُ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ. ابْنُ مُحْرِزٍ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ وَغَيْرُهُمَا لَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُهُ وَهُوَ أَحْسَنُ.

وَفِي الْعَارِضَةِ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا الْأَصْوَبُ مِنْهَا. وَأَمَّا رَدُّ غَيْرِهِ لِحُكْمِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا أَوْ بِخِلَافٍ شَاذٍّ. اهـ. الْحَطّ هَذَا مَا دَامَ عَلَى وِلَايَتِهِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ، فَإِنْ عُزِلَ ثُمَّ وُلِّيَ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ، فَفِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ لِلْقَاضِي الرُّجُوعُ عَنْ حُكْمِهِ فِيمَا فِيهِ الِاخْتِلَافُ مَا دَامَ عَلَى خُطَّتِهِ، وَلَيْسَ لِمَنْ وَلِيَ

ص: 350

أَوْ خَرَجَ عَنْ رَأْيِهِ، أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ

ــ

[منح الجليل]

بَعْدَهُ نَقْضُ ذَلِكَ الْحُكْمِ إذَا وَافَقَ قَوْلَ قَائِلٍ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ هُوَ نَقْضَهُ إنْ عَادَ إلَى الْحُكْمِ بَعْدَ الْعَزْلِ اهـ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ لِلْقَاضِي الرُّجُوعُ عَمَّا حَكَمَ بِهِ وَقَضَى فِيهِ مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِيمَا تَبَيَّنَ لَهُ فِيهِ الْوَهْمُ مَا دَامَ عَلَى قَضَائِهِ، فَإِنْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ فَسْخُهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ جَوْرٌ، أَوْ يَكُونُ قَدْ قَضَى بِخَطَأٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَا حَكَمَ فِيهِ مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافٌ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا ضَعِيفًا فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ سِوَاهُ فَسْخُهُ.

ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي ثُمَّ صُرِفَ إلَى خُطَّةٍ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ مَا حَكَمَ بِهِ إلَّا مَا يَكُونُ لَهُ نَقْضُهُ مِنْ قَضَاءِ غَيْرِهِ وَعَزْلِهِ وَتَوْلِيَتِهِ كَعَزْلِهِ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ عَمَّا حَكَمَ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ إذَا حَكَمَ بِذَلِكَ وَهُوَ يَرَاهُ بِاجْتِهَادِهِ. وَأَمَّا إنْ قَضَى بِذَلِكَ وَهِلًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا فَلَا يَنْبَغِي لِلْخِلَافِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى مَا رَأَى، إذْ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ.

(أَوْ خَرَجَ) الْقَاضِي فِي قَضَائِهِ (عَنْ رَأْيِهِ) الَّذِي أَدَّاهُ اجْتِهَادًا إلَيْهِ وَقَضَى بِغَيْرِهِ سَهْوًا فَلَهُ هُوَ نَقْضُهُ وَلَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ. ابْنُ رُشْدٍ لَوْ قَضَى بِغَيْرِ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ ذَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الرُّجُوعِ عَنْهُ إلَى مَا رَأَى (أَوْ) خَرَجَ الْقَاضِي فِي قَضَائِهِ (عَنْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلًا ذَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَهُ نَقْضُهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. ابْنُ مُحْرِزٍ إنْ قَصَدَ إلَى الْحُكْمِ بِمَذْهَبٍ فَصَادَفَ غَيْرَهُ سَهْوًا فَهَذَا يَفْسَخُهُ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ لِجَرَيَانِهِ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَوَجْهُ غَلْطَةِ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا عَلِمَتْ قَصْدَهُ إلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِهِ، فَوَقَعَ فِيهِ فَيَنْقُضُهُ مَنْ بَعْدَهُ كَمَا يَنْقُضُهُ هُوَ.

الْبُنَانِيُّ مَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ. وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَا يَحْكُمُ إلَّا بِالْمَشْهُورِ وَإِنْ حَكَمَ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ لِأَنَّهُ مَعْزُولٌ عَنْ الْحُكْمِ بِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ لَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَحْكَامِ قُضَاةِ الْعَصْرِ إلَّا مَا لَا يُخَالِفُ الْمَشْهُورَ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَتَبِعَهُ الْبُرْزُلِيُّ فَقَالَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنْ لَا يَحْكُمَ الْقَاضِي بِغَيْرِ مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ رضي الله عنه -

ص: 351

وَرَفَعَ الْخِلَافَ،

ــ

[منح الجليل]

وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ السُّيُورِيِّ فَفَسَخَهُ وَفَسَخَ الْغُبْرِينِيُّ حُكْمَ حَاكِمٍ بِقَوْلٍ شَاذٍّ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَلَا مَعْرِفَةِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالشَّاذِّ وَهُوَ مَعْزُولٌ عَنْهُ وَيُفْسَخُ حُكْمُهُ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ مِنْ الْقُضَاةِ مَنْ ثَبَتَ لَهُ وَجْهُهُ وَثَبَتَ عِنْدَهُ تَرْجِيحُهُ وَلَيْسَ هَذَا فِي قُضَاةِ زَمَانِنَا، بَلْ لَا يَعْرِفُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ النَّصَّ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُونَ بِالتَّخْمِينِ نَقَلَهُ طفي فِي أَجْوِبَتِهِ عَنْ الدُّرَرِ الْمَكْنُونَةِ وَنَحْوِهِ فِي الْمِعْيَارِ عَنْ الْعُقْبَانِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَرَفَعَ) حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي نَازِلَةٍ فِيهَا أَقْوَالٌ لِلْأَئِمَّةِ بِقَوْلٍ مِنْهَا فَيَرْفَعُ (الْخِلَافَ) أَيْ الْعَمَلَ وَالْفَتْوَى فِي عَيْنِ تِلْكَ النَّازِلَةِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ مَا حَكَمَ بِهِ فِيهَا. " غ " الْقَرَافِيُّ الْخِلَافُ يَتَقَرَّرُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَيَبْطُلُ الْخِلَافُ فِيهَا وَيَتَعَيَّنُ قَوْلٌ وَاحِدٌ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَهُوَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ: ابْنُ الشَّاطِّ هَذَا يُوهِمُ أَنَّ الْخِلَافَ يَبْطُلُ مُطْلَقًا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْحُكْمُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْخِلَافُ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ اسْتَفْتَى الْمُخَالِفَ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا فَلَا يُسَوَّغُ لَهُ الْفَتْوَى فِيهَا بِعَيْنِهَا لِأَنَّهُ قَدْ نَفَذَ الْحُكْمُ فِيهَا بِقَوْلِ قَائِلٍ، وَمَضَى الْعَمَلُ بِهِ فِيهَا وَإِنْ اسْتَفْتَى فِي مِثْلِهَا قَبْلَ الْحُكْمِ فِيهِ أَفْتَى بِمَذْهَبِهِ عَلَى أَصْلِهِ، ثُمَّ قَالَ الْقَرَافِيُّ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيَرْجِعُ الْمُخَالِفُ عَنْ مَذْهَبِهِ لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ، وَتَتَغَيَّرُ فُتْيَاهُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، فَمَنْ لَا يَرَى وَقْفَ الْمُشَاعِ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ وَقْفِهِ، ثُمَّ رُفِعَتْ الْوَاقِعَةُ لِمَنْ كَانَ يُفْتِي بِبُطْلَانِهِ نَفَّذَهُ وَأَمْضَاهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُفْتِيَ بِبُطْلَانِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهَا إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَتَزَوَّجَهَا وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ، فَاَلَّذِي كَانَ يَرَى لُزُومَ الطَّلَاقِ لَهُ يُنْفِذُ هَذَا النِّكَاحَ وَلَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُفْتِيَ بِالطَّلَاقِ، هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. ابْنُ الشَّاطِّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يُنْفِذُهُ وَلَا يُمْضِيهِ وَلَكِنَّهُ لَا يَرُدُّهُ وَلَا يَنْقُضُهُ، وَكَانَ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ يَحْكِي عَنْ شَيْخِهِ الْعَكْرَمِيِّ عَنْ الرَّجْرَاجِيِّ عَلَيْك بِقَوَاعِدِ الْقَرَافِيِّ وَلَا تَقْبَلْ مِنْهَا إلَّا مَا قَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.

ص: 352

لَا أَحَلَّ حَرَامًا

ــ

[منح الجليل]

لَا أَحَلَّ) حُكْمُ الْحَاكِمِ (حَرَامًا)" غ " فِيهِ تَنْبِيهَانِ، الْأَوَّلُ عَبْدُ السَّلَامِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِيمَا حَكَى عَنْهُمْ أَبُو عُمَرَ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي الْفُرُوجِ اهـ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. أَمَّا فِي نُسْخَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الِاسْتِذْكَارِ وَأَمَّا فِي شَرْحِهِ هُوَ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مِنْ الِاسْتِذْكَارِ عَتِيقَةٍ مَقْرُوءَةٍ مُقَابَلَةٍ بِأَصْلِ مُؤَلِّفِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِمْ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ بِلَفْظِ أَصْحَابِهِمَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ الْعَائِدِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَلَا يَصِحُّ غَيْرُهُ، إذْ لَا خِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ كَمَا قَطَعَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا.

الثَّانِي: سُئِلَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِمَنْ أَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَحَكَمَ لَهُ بِهِ، وَبِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ لِمَالِكِيٍّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ، أَمَّا الْمِثَالُ الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمَالِكِيِّ الْأَخْذُ بِهَذِهِ الشُّفْعَةِ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ الْقَاضِي، فَيَعُودُ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى مَا قَبْلَهُ، هَكَذَا قَالُوا، وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ الظَّاهِرُ فِيهِ مُخَالِفٌ لِلْبَاطِنِ، وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِكَذِبِ الشُّهُودِ لَمَا حَكَمَ بِهِمْ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْقَاضِي وَالْخَصْمَانِ عَلِمُوا مِنْ حَالِ الْبَاطِنِ مَا عَلِمُوا مِنْ حَالِ الظَّاهِرِ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَحَكَمَ الْقَاضِي بِرَفْعِ الْخِلَافِ فَيَتَنَزَّلُ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْخِلَافِ مَنْزِلَةَ الْإِجْمَاعِ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يَتَنَاوَلُ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ، وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ السُّيُورِيِّ، وَعَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ غَصَبَ الْغَاصِبُ شَيْئًا فَنَقَلَهُ مِنْ مَكَانِهِ، وَكَانَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَفُوتُ بِنَقْلِهِ أَمْ لَا فَقَضَى الْقَاضِي لِرَبِّهِ بِأَخْذِهِ، وَكَانَ مَذْهَبُ رَبِّهِ أَنَّهُ يَفُوتُ وَتَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِرَبِّهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ.

ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ كَذَا قَالُوا مَعَ عَزْوِهِ مَا ظَهَرَ لَهُ لِلسُّيُورِيِّ أَنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ إنَّمَا الْقَضَاءُ إظْهَارٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ لَا اخْتِرَاعٌ لَهُ فَلَا يَحِلُّ لِلْمَالِكِيِّ شُفْعَةُ الْجِوَارِ إنْ قَضَى لَهُ بِهَا حَنَفِيٌّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ.

الْمَازِرِيُّ فِي ائْتِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِالْمَالِكِيِّ وَعَكْسُهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَاعْتَذَرَ عَنْ قَوْلِ أَشْهَبَ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ الْقُبْلَةِ يُعِيدُ، وَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ

ص: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

حَظُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلِيطَيْنِ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، وَفِي مَجْمُوعِهِمَا مَا فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَعَدَّى السَّاعِي فَأَخَذَ مِنْ غَنَمِ أَحَدِهِمَا شَاةً فَلْيَتَرَادَّا فِيهَا عَلَى عَدَدِ غَنَمِهِمَا، فَتَحْلِيلُهُ لِمَنْ أُخِذَتْ الشَّاةُ مِنْ غَنَمِهِ الرُّجُوعَ عَلَى خَلِيطِهِ بِمَنَابِهِ مِنْهَا نَصٌّ فِي صِحَّةِ عَمَلِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِلَازِمِ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ الْمُخَالِفُ لِمَذْهَبِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَأَحْرَى إذَا كَانَ نَفْسَ مَا حَكَمَ بِهِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَلَا أَعْلَمُ لِابْنِ شَاسٍ فِيهِ مُسْتَنَدًا إلَّا اتِّبَاعَ وَجِيزِ الْغَزَالِيِّ وَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ.

وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فَقَالَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ إلَخْ. نَقَلَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ. فَقَالَ إنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِاجْتِهَادٍ بِقَوْلٍ شَاذٍّ فَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى فَسْخِ حُكْمِهِ كَالْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّ اسْتِشْكَالَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِمَا هُنَا كَاسْتِبْعَادِ الْمَازِرِيِّ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِنَقْضِ الْحُكْمِ بِشُفْعَةِ الْجَارِ وَنَظَائِرِهَا الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُخْتَصَرِ قَبْلَ هَذَا، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ لَا يَنْبَنِي عَلَى إمْضَاءِ حُكْمِ الْقَاضِي وَنَقْضِهِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهَا عَلَى حِدَتِهَا وَلَمْ يُشِرْ لِتَلَازُمِهِمَا.

الْحَطّ فِي النَّوَادِرِ لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَلْبَتَّةَ وَتَخَاصَمَا إلَى مَنْ يَرَاهَا وَاحِدَةً وَحَكَمَ لَهُمَا بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ وَمَذْهَبُهُمَا أَنَّهَا ثَلَاثٌ فَلَا يَحِلُّ لَهُمَا النِّكَاحُ قَبْلَ زَوْجٍ حُكْمُهُ بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُحِلُّ لَهُمَا مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِمَا فِي مَذْهَبِهِمَا، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ اسْقِنِي مَاءً مُرِيدًا عِتْقَهُ بِهَذَا وَالسَّيِّدُ يَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عِتْقُهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَالْعَبْدُ يَرَاهُ عِتْقًا فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَذْهَبَ حَيْثُ شَاءَ إنْ حَكَمَ لَهُ بِالْعِتْقِ حَاكِمٌ، وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي وَهِيَ تَذْهَبُ أَنَّهُ ثَلَاثٌ، وَالزَّوْجُ إلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَتَخَاصَمَا إلَى مَنْ يَرَاهَا وَاحِدَةً فَحَكَمَ بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ فَحُكْمُهُ لَا يُبِيحُ لِلْمَرْأَةِ تَمْكِينَ الزَّوْجِ مِنْهَا وَلْتَمْنَعْهُ جَهْدَهَا لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْحَرَامُ.

طفي يُحْتَمَلُ تَعَلُّقَ قَوْلِهِ لَا أَحَلَّ حَرَامًا بِقَوْلِهِ وَرَفَعَ الْخِلَافَ كَمَا قَرَّرَ بِهِ تت، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْجَوَاهِرِ أَنَّ الْقَضَاءَ وَإِنْ لَمْ يُنْقَضْ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْبَاطِنِ، بَلْ هُوَ عَلَى الْمُكَلَّفِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ إظْهَارٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ لَا اخْتِرَاعٌ لَهُ فَلَا يَحِلُّ

ص: 354

وَنَقْلُ مِلْكٍ، وَفَسْخُ عَقْدٍ،

ــ

[منح الجليل]

لِلْمَالِكَيَّ شُفْعَةُ الْجِوَارِ اهـ. وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا فِي الْبَاطِنِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْقَاضِي وَلَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مَا حَكَمَ كَمَنْ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهِمْ لِاعْتِقَادِ عَدَالَتِهِمْ، فَهَذَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ بَاطِنِهِ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ النَّوْعَيْنِ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي عَامٌّ عِنْدَنَا فِي الْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ، ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ بِأَنَّهُ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ أَيْضًا وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ.

الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لَا أَحَلَّ حَرَامًا هَذَا مُخَصَّصٌ بِمَا إذَا كَانَ بَاطِنُهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ وَهُوَ قِسْمَانِ أَمْوَالٌ وَفُرُوجٌ وَبِمَا إذَا حَكَمَ بِأَمْرٍ يَعْتَقِدُ حِلِّيَّتَهُ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَا يَرَى حِلِّيَّتَهُ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا أَوْ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ مُقَلِّدِهِ، فَالْحَرَامُ الَّذِي لَا يُحِلُّهُ حُكْمُ الْقَاضِي هُوَ هَذَانِ الْقِسْمَانِ عَلَى نِزَاعٍ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، فَإِنَّ ابْنَ شَاسٍ وَابْنَ الْحَاجِبِ قَالَا لَا يُحِلُّهُ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُمَا تَبِعَا فِيهِ وَجِيزَ الْغَزَالِيِّ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ، وَمَحَلُّ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ فِي هَذَا الثَّانِي أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي بِقَوْلٍ شَاذٍّ كَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، وَحَمْلَهُ فِي ضَيْح عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالشَّاذِّ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ عَلِمْت بِذَلِكَ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ: مَا بَاطِنُهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ، وَهَذَا مَحَلُّ قَوْلِهِ لَا أَحَلَّ حَرَامًا، وَمَا حَكَمَ فِيهِ الْمُخَالِفُ بِقَوْلٍ غَيْرِ شَاذٍّ، وَهَذَا مَحَلُّ قَوْلِهِ وَرَفَعَ الْخِلَافَ، وَمَا حُكِمَ فِيهِ بِالشَّاذِّ، وَهَذَا عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ حُكْمُهُ كَالْأَوَّلِ فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ لَا أَحَلَّ حَرَامًا، وَعِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ حُكْمُهُ كَالثَّانِي فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ وَرَفَعَ الْخِلَافَ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ، نَعَمْ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ لَا أَعْرِفُ لِابْنِ شَاسٍ مُسْتَنَدًا إلَّا مَا فِي الْوَجِيزِ قُصُورٌ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ مِثْلُهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ الْحَطّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمَتْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ بَيَّنَ مَا يُعَدُّ حُكْمًا رَافِعًا الْخِلَافَ فَقَالَ (وَنَقْلُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْقَافِ (مِلْكٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ قَوْلُ الْقَاضِي نَقَلْت مِلْكَ الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ حُكْمٌ مِنْهُ رَافِعٌ الْخِلَافَ (وَفَسْخُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (عَقْدٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ لِنِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مُتَنَازَعٍ فِيهِ، أَيْ قَوْلُهُ فَسَخْت هَذَا الْعَقْدَ حُكْمٌ كَذَلِكَ

ص: 355

وَتَقَرُّرُ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ: حُكْمٌ لَا أُجِيزُهُ،

ــ

[منح الجليل]

(وَتَقَرُّرُ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْقَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ مُثَقَّلًا، أَيْ تَقْرِيرُ (نِكَاحِ) امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا (بِغَيْرِ وَلِيٍّ) أَيْ قَوْلِهِ قَرَّرْتُهُ (حُكْمٌ) رَافِعٌ لِلْخِلَافِ. خَبَرُ " نَقْلُ " وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ. عَبَّ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِتَقْرِيرِهِ مَا يَشْمَلُ سُكُوتَ الْحَنَفِيِّ عَنْهُ حِينَ رُفِعَ لَهُ وَعَدَمَ حُكْمِهِ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ. اهـ. وَنَحْوُهُ لِلْخَرَشِيِّ، وَيَشْهَدُ لَهُ النَّقْلُ الْآتِي.

ابْنُ شَاسٍ مَا قَضَى بِهِ الْحَاكِمُ مِنْ نَقْلِ الْأَمْلَاكِ وَفَسْخِ الْعُقُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ حُكْمًا، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ تَأْثِيرُ الْقَاضِي فِي الْحَادِثَةِ أَكْثَرَ مِنْ إقْرَارِهَا لَمَا رُفِعَتْ إلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ نِكَاحُ امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ وَجَاءَ غَيْرُهُ، فَهَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْحُكْمِ وَإِمْضَاؤُهُ وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِإِجَارَتِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ.

اللَّخْمِيُّ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحْسَنُ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنْ تَرَكَ الْقَاضِي الْحُكْمَ بِمَسْأَلَةٍ فَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ بِفِقْهِهِ أَنْ يَمْضِيَ حُكْمُهُ بِالتَّرْكِ فَإِنَّهُ حُكْمٌ صَحِيحٌ كَتَرْكِهِ فَسْخَ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَنِكَاحَ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الْمِلْكِ. ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ وَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى خِلَافِهِ.

(لَا) يُعَدُّ حُكْمًا قَوْلُ الْقَاضِي فِي شَأْنِ عَقْدٍ رُفِعَ إلَيْهِ (لَا أُجِيزُهُ) ابْنُ شَاسٍ لَوْ رُفِعَ هَذَا النِّكَاحُ إلَى قَاضٍ فَقَالَ أَنَا لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِفَسْخِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلَكِنَّهُ فَتْوَى وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ اسْتَقَالَ النَّظَرَ فِيهِ فَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى جَعْلِهِ فَتْوَى أَنَّ لِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ نَقْضُهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ الْأَوَّلُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي نَقْضُهُ، لِأَنَّ قَوْلَ الْأَوَّلِ لَا أُجِيزُهُ وَلَا أَفْسَخُهُ حُكْمٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالْكَرَاهَةُ أَحَدُ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْخَمْسَةِ الَّتِي يَجِبُ رَعْيُ كُلِّ حُكْمٍ مِنْهَا وَلَازِمِهِ وَحُكْمِ الْمَكْرُوهِ. وَعَدَمُ نَقْضِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي حُكْمِ الْحَاكِمِ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقُهُ تَرْكًا (أَوْ أَفْتَى) الْقَاضِي فِي أَمْرٍ رُفِعَ إلَيْهِ فَلَيْسَتْ فَتْوَاهُ حُكْمًا اتِّفَاقًا. ابْنُ الْحَاجِبِ فَتْوَاهُ فِي وَاقِعَةٍ وَاضِحٌ أَنَّهُ لَيْسَ

ص: 356

أَوْ أَفْتَى

وَلَمْ يَتَعَدَّ لِمُمَاثِلٍ، بَلْ إنْ تَجَدَّدَ، فَالِاجْتِهَادُ كَفَسْخٍ بِرَضْعِ كَبِيرٍ، وَتَأْبِيدِ مَنْكُوحَةِ عِدَّةٍ، وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ

ــ

[منح الجليل]

بِحُكْمٍ ابْنِ عَرَفَةَ جَزْمُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى وَجْهٍ مِنْ مُجَرَّدِ إعْلَامِهِ بِهِ فَتْوَى لَا حُكْمٌ، وَجَزْمُهُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِهِ حُكْمٌ.

(وَ) إنْ حَكَمَ الْقَاضِي فِي نَازِلَةٍ بِحُكْمٍ وَنَزَلَتْ نَازِلَةٌ مِثْلُهَا (لَمْ يَتَعَدَّ) حُكْمُهُ (لِ) أَمْرٍ (مُمَاثِلٍ) لِلْأَمْرِ الَّذِي حَكَمَ فِيهِ أَوَّلًا لِأَنَّ الْحُكْمَ جُزْئِيٌّ (بَلْ إنْ تَجَدَّدَ) الْمُمَاثِلُ بَعْدَ الْحُكْمِ فِي الْأَوَّلِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا (فَالِاجْتِهَادُ) مَشْرُوعٌ فِيهِ مِنْ الْقَاضِي الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَثَّلَ لِهَذَا فَقَالَ (كَفَسْخٍ) لِنِكَاحٍ (بِ) سَبَبِ (رَضْعِ) شَخْصٍ (كَبِيرٍ) أَيْ زَادَ عُمْرُهُ عَلَى حَوْلَيْنِ وَشَهْرَيْنِ ثُمَّ عَقَدَ الزَّوْجُ عَلَى الزَّوْجَةِ فَلَا يَتَعَدَّى فَسْخَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لِهَذَا الْعَقْدِ الثَّانِي، وَكَذَا إذَا تَجَدَّدَ مِثْلُهَا فَيَجْتَهِدُ الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُ فِي الثَّانِي بِالْفَسْخِ أَوْ التَّقْرِيرِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ يَحْكُمُ بِتَأْيِيدِ التَّحْرِيمِ بَيْنَهُمَا.

(وَ) كَفَسْخِ نِكَاحٍ فِي عِدَّةٍ لِ (تَأْبِيدِ) حُرْمَةِ امْرَأَةٍ (مَنْكُوحَةِ) رَجُلٍ فِي (عِدَّةٍ) لَهَا مِنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا عَقْدًا آخَرَ وَتَزَوَّجَتْ امْرَأَةٌ أُخْرَى فِي عِدَّتِهَا فَلَا يَتَعَدَّى الْفَسْخُ إلَى الْعَقْدِ الثَّانِي وَيَجْتَهِدُ فِيهِ الْقَاضِي الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُ بِالْفَسْخِ، أَوْ التَّقْرِيرِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ يَحْكُمُ بِتَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ (وَهِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ الَّتِي فُسِخَ نِكَاحُهَا بِرَضْعِ الْكَبِيرِ أَوْ بِوُقُوعِهِ فِي عِدَّتِهَا كَغَيْرِهَا) مِنْ النِّسَاءِ (فِي) الزَّمَنِ (الْمُسْتَقْبَلِ) مِمَّنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ. " غ " هَذَانِ الْمِثَالَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ شَاسٍ، فَقَالَ إنْ كَانَ حُكْمُ الْأَوَّلِ بِاجْتِهَادٍ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ وَلَيْسَ نَقْلَ مِلْكٍ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إلَى الْآخَرِ، وَلَا فَصْلَ حُكُومَةٍ بَيْنَهُمَا وَلَا إثْبَاتَ عَقْدٍ بَيْنَهُمَا وَلَا فَسْخَهُ، كَمَا إذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ رَضَاعُ كَبِيرٍ فَحَكَمَ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ، وَفَسَخَ النِّكَاحَ مِنْ أَجْلِهِ فَالْقَدْرُ الَّذِي ثَبَتَ بِحُكْمِهِ هُوَ فَسْخُ النِّكَاحِ.

وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِحُكْمِهِ، بَلْ يَبْقَى مُعَرَّضًا لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ،

ص: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَكَذَا لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ حَالُ امْرَأَةٍ نُكِحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَنِكَاحُهَا وَحَرَمُهَا عَلَى زَوْجِهَا لَكَانَ الْقَدْرُ الَّذِي ثَبَتَ بِحُكْمِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ فَحَسْبُ.

وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمُعَرَّضٌ لِلِاجْتِهَادِ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ حُكْمُهُ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ تَحْرِيمِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ إجَارَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمًا فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ مِنْ الْعُقُودِ أَوْ الْبَيَّاعَاتِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاهَدَهُ وَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُعَرَّضٌ لِمَا يَأْتِي مِنْ الْحُكَّامِ وَالْفُقَهَاءِ. ابْنُ الْحَاجِبِ الْحُكْمُ لِعَارِضٍ اجْتِهَادِيٍّ لَا يَقْتَضِي الْفَسْخَ إذَا تَحَدَّدَ السَّبَبُ ثَانِيًا، بَلْ يَكُونُ مُعَرَّضًا لِلِاجْتِهَادِ كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ وَنِكَاحِ امْرَأَةٍ فِي عِدَّتِهَا وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ. ابْنُ عَرَفَةَ قَبِلُوهُ وَهُوَ صَوَابٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُعْتَدَّةِ. وَأَمَّا فِي رَضَاعِ الْكَبِيرِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَوْ فِيهِ نَظَرٌ، وَبَيَانُهُ أَنَّ عِلَّةَ مَنْعِ حُكْمِ الثَّانِي بِخِلَافِ حُكْمِ الْأَوَّلِ هُوَ كَوْنُ حُكْمِ الثَّانِي رَافِعًا لِمُتَعَلِّقِ حُكْمِ الْأَوَّلِ بِالذَّاتِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ دَارَ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، إمَّا وُجُودًا فَفِي مِثَالِ حُكْمِ الْحَاكِمِ الثَّانِي بِكَوْنِ الْمُبْتَاعِ الْأَوَّلِ فِيمَا بَاعَهُ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ أَحَقَّ بِالْمَبِيعِ وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ الثَّانِي بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ قَابِضَهُ أَحَقُّ. وَأَمَّا عَدَمًا فَفِي جَوَازِ حُكْمِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ " رضي الله عنهما " بِخِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُمَا فِي قِسْمِ الْفَيْءِ، وَتَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ اعْتِبَارُ الدَّوَرَانِ، إذَا

ص: 358

وَلَا يَدْعُو لِصُلْحٍ، إنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ

وَلَا يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ،

ــ

[منح الجليل]

ثَبَتَ هَذَا وَنَظَرْنَا وَجَدْنَا حُكْمَ الثَّانِي فِي مَسْأَلَةِ النَّاكِحِ فِي الْعِدَّةِ غَيْرَ رَافِعٍ لِنَفْسِ مُتَعَلِّقِ حُكْمِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ حُكْمِهِ بِالذَّاتِ الْفَسْخُ وَالتَّحْرِيمُ تَابِعٌ لَهُ، فَلَمْ تُوجَدْ عِلَّةُ مَنْعِ حُكْمِ الثَّانِي فِيهَا وَوَجَدْنَا حُكْمَ الثَّانِي فِي مَسْأَلَةِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ رَافِعًا لِنَفْسِ مُتَعَلِّقِ حُكْمِ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ بِالذَّاتِ، وَهُوَ تَحْرِيمُ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، وَفَسْخُ نِكَاحِهِ تَابِعٌ لِهَذَا الْمُتَعَلِّقِ بِالذَّاتِ، لَا أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ حُكْمِهِ بِالذَّاتِ، فَيَجِبُ مَنْعُ حُكْمِ الثَّانِي عَمَلًا بِالْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِمَنْعِهِ.

الْحَطّ بَحْثُ ابْنُ عَرَفَةَ مَعَ ابْنِ شَاسٍ وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ الْمِثَالَيْنِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي فِي رَضَاعِ الْكَبِيرِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ مُسْتَلْزِمٌ لِحُكْمِهِ بِتَحْرِيمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، إذْ لَا مُوجِبَ لِلْفَسْخِ سِوَاهُ، فَحُكْمُ الثَّانِي بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الثَّانِي رَافِعٌ لِحُكْمِ الْأَوَّلِ بِتَحْرِيمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، فَلَا يَصِحُّ حُكْمُهُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ حُكْمِهِ بِفَسْخِ نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِتَأْبِيدِ حُرْمَتِهَا، لِأَنَّ الْفَسْخَ لِكَوْنِ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ فَاسِدًا، وَتَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ أَمْرٌ وَرَاءَ ذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَسْتَلْزِمُهُ النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ أَمْ لَا. وَأَمَّا الْفَسْخُ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ نَعَمْ فِي عِبَارَةِ ابْنِ شَاسٍ أَنَّ الْقَاضِيَ فَسَخَ نِكَاحَ الْمُعْتَدَّةِ وَحَرَّمَهَا، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَحَرَّمَهَا أَنَّهُ حَكَمَ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ لِلْفَسْخِ فَمَا قَالُوهُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ بِتَأْبِيدِ حُرْمَتِهَا فَكَيْفَ يَصِحُّ حُكْمُ الْقَاضِي الثَّانِي بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الثَّانِي، وَلَعَلَّهُمْ فَهِمُوا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ. وَأَمَّا عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الثَّانِي.

(وَلَا يَدْعُو) الْقَاضِي الْخَصْمَيْنِ (لِصُلْحٍ إنْ) كَانَ (ظَهَرَ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي بِنَظَرِهِ فِي خُصُومَتِهِمَا (وَجْهُهُ) أَيْ الْحَقِّ لِأَحَدِهِمَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ خَصْمِهِ لِأَنَّ الصُّلْحَ يَشْتَمِلُ غَالِبًا عَلَى إسْقَاطِ بَعْضِ الْحَقِّ، فَفِي الدُّعَاءِ لَهُ هَضْمٌ لِبَعْضِ الْحَقِّ مَا لَمْ يَخْشَ تَفَاقُمَ الْأَمْرِ أَوْ يَكُونَا مِنْ ذَوِي الْفَضْلِ أَوْ الرَّحِمِ كَمَا تَقَدَّمَ. اللَّخْمِيُّ لَا يَدْعُو إلَى الصُّلْحِ إذَا تَبَيَّنَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَرَى لِذَلِكَ وَجْهًا، وَأَنَّهُ مَتَى حَكَمَ تَفَاقَمَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَخُشِيَتْ الْفِتْنَةُ.

(وَلَا يَسْتَنِدُ) الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ (لِعِلْمِهِ) أَيْ الْقَاضِي السَّابِقِ عَلَى مَجْلِسِ قَضَائِهِ.

ص: 359

إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ: كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ، أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ بِالْعَدَالَةِ

ــ

[منح الجليل]

اللَّخْمِيُّ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ وَلَا بَعْدَ أَنْ وَلِيَهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ، أَوْ كَانَ فِيهِ وَقَبْلَ تَحَاكُمِهِمَا إلَيْهِ (إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ) لِلشُّهُودِ فَيَسْتَنِدُ فِيهِمَا لِعِلْمِهِ اتِّفَاقًا حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ. أَبُو عُمَرَ أَجْمَعُوا أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ وَيُجَرِّحَ بِعِلْمِهِ، وَأَنَّهُ إنْ عَلِمَ مَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا بِهِ أَنَّهُ يَنْفُذُ عِلْمُهُ وَيَرُدُّ شَهَادَتَهُمْ بِعِلْمِهِ. سَحْنُونٌ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ وَأَنَا أَعْلَمُ خِلَافَ مَا شَهِدَا بِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ أَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَا أَنَّ أَرُدَّهَا، وَلَكِنْ أَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ الَّذِي فَوْقِي وَأَشْهَدُ بِمَا عَلِمْت وَغَيْرِي بِمَا عَلِمَ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ لَيْسَا بِعَدْلَيْنِ عَلَى مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ فَلَا أَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا.

وَشَبَّهَ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَادِ الْمَفْهُومِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ (كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " مِنْ النَّاسِ مِنْ لَا يَسْأَلُ عَنْهُ وَلَا تُطْلَبُ فِيهِ تَزْكِيَةٌ لِعَدَالَتِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ وَلَا تُطْلَبَ فِيهِ تَزْكِيَةٌ لِاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ لِشُهْرَتِهِ بِغَيْرِ الْعَدَالَةِ إنَّمَا يُكْشَفُ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ، وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ فَقَالَ أَمَّا الِاسْمُ فَاسْمُ عَدْلٍ، وَلَكِنْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّك ابْنُ أَبِي حَازِمٍ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ مَشَايِخَنَا. ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَ لِي بَعْضُ شُيُوخِي أَنَّ الْبَرْقِيَّ فَقِيهَ الْمَهْدِيَّةِ شَهِدَ فِي سَيْرِهِ إلَى الْحَجِّ عِنْدَ قَاضِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة، فَلَمَّا قَرَأَ اسْمَهُ قَالَ أَنْتَ الْبَرْقِيُّ فَقِيهُ الْمَهْدِيَّةِ فَقِيلَ لَهُ نَعَمْ فَكَلَّفَ الْمَشْهُودَ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ هُوَ وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِ دُونَ طَلَبِ تَعْدِيلِهِ.

(أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ) الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (بِالْعَدَالَةِ) الشَّاهِدِ عَلَيْهِ فَيَكْتَفِي بِهِ الْقَاضِي عَنْ طَلَبِ تَعْدِيلِهِ عَنْ غَيْرِهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِالْعَدَالَةِ حَكَمَ عَلَيْهِ خَاصَّةً. ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَعْرِفْ هَذَا الْفَرْعَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَفِي جَرْيِهِ عَلَى أَصْلِهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مُتَنَاقِضٌ فَيَجِبُ طَرْحُهُ، فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي كَافِيهِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي الشُّهُودَ وَاعْتَرَفَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِعَدَالَتِهِمْ قَضَى بِهِمْ إذَا لَمْ يُكَذِّبْهُمْ وَلَا يَقْضِي بِهِمْ عَلَى غَيْرِهِ. قُلْت

ص: 360

وَإِنْ أَنْكَرَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ بَعْدَهُ: لَمْ يُفِدْهُ

ــ

[منح الجليل]

قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُكَذِّبْهُمْ صَيَّرَ الْمَسْأَلَةَ إلَى بَابِ الْإِقْرَارِ وَقَالَ أَصْبَغُ إذَا رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي فَلَا يَحْكُمُ بِهَا.

(وَإِنْ) أَقَرَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا عَلَيْهِ لِلْآخَرِ وَحَكَمَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَ (أَنْكَرَ) شَخْصٌ (مَحْكُومٌ عَلَيْهِ) بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَأَنْكَرَ (إقْرَارَهُ) عِنْدَ الْقَاضِي بِمَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَكَانَ إنْكَارُهُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْحُكْمِ (لَمْ يُفِدْهُ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ الْإِنْكَارُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فَيَمْضِي الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَيُسْتَوْفَى مِنْهُ مُقْتَضَاهُ. وَمَفْهُومُ بَعْدَهُ أَنَّهُ إنْ أَنْكَرَ إقْرَارَهُ قَبْلَهُ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَعَبَّرَ عَنْهُ الْمَازِرِيُّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ وَلَا يَعْلَمُ هَذَا إلَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ.

الْحَطّ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِهِ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِإِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ، وَمُقَابِلُهُ لَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِلَا شَهَادَةٍ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ بِأَنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ وَحَكَمَ بِلَا إشْهَادٍ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ إقْرَارَهُ بَعْدَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ عَلَى شَخْصٍ مُسْتَنِدًا لِإِقْرَارِهِ فِي مَجْلِسِهِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ عَلَى إقْرَارِهِ ثُمَّ أَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ، فَإِنَّ حُكْمَهُ بِذَلِكَ لَا يَنْتَقِضُ، فَإِذَا قَالَ الْحَاكِمُ حَكَمْت عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ عِنْدِي، وَقَالَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَمْ أُقِرَّ عِنْدَهُ فَلَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ، هَكَذَا فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي ضَيْح وَغَيْرِهِ. وَفِي النَّوَادِرِ فَإِنْ جَهِلَ وَأَنْفَذَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ بِمَا أَقَرَّ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ غَيْرُهُ فَلْيَنْقُضْ هُوَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْزِلْ، فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْقُضَاةِ فَلَا أُحِبُّ لَهُ نَقْضَهُ فِي الْإِقْرَارِ خَاصَّةً فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ. وَأَمَّا مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقْضِيَ أَوْ رَآهُ وَهُوَ قَاضٍ أَوْ سَمِعَهُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ فَلَا يَنْفُذُ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنْ نَفَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَا يُنْفِذُهُ أَحَدٌ غَيْرَهُ مِنْ الْحُكَّامِ وَلْيَنْقُضْهُ.

طفي قَوْلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ

ص: 361

وَإِنْ شَهِدَا بِحُكْمٍ نَسِيَهُ أَوْ أَنْكَرَهُ: أَمْضَاهُ

ــ

[منح الجليل]

فِي مَجْلِسِهِ إذَا أَنْكَرَ قَبْلَ الْحُكْمِ، أَمَّا إذَا اسْتَمَرَّ عَلَى إقْرَارِهِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ بَعْدَ حُكْمِهِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إذَا أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ جَلَسَ لِلْخُصُومَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ يَحْكُمُ وَرَأَيَا أَنَّهُمَا إذَا جَلَسَا لِلْمُحَاكَمَةِ فَقَدْ رَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَقُولَانِهِ، وَلِذَلِكَ قَصَدَ وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ حَتَّى حَكَمَ ثُمَّ أَنْكَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ. وَقَالَ مَا أَقْرَرْت بِشَيْءٍ فَلَا يُنْظَرُ لِإِنْكَارِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ. ابْنُ رُشْدٍ مَا أَقَرَّ بِهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ ثُمَّ جَحَدَهُ فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ مَوْجُودٌ فِي الْمَذْهَبِ. مُحَمَّدٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ الَّذِي عَلَيْهِ قُضَاتُنَا بِالْمَدِينَةِ وَعُلَمَاؤُنَا وَلَمْ أَعْلَمْ مَالِكًا قَالَ غَيْرَهُ أَنَّهُ يَقْضِي بِمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ.

وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ إذَا جَحَدَهُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ الْخِلَافَ، وَفِيهَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ ثُمَّ جَحَدَ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ، فَمَفْهُومُهَا لَوْ لَمْ يَجْحَدْ يَقْضِي عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْحَطّ بِقَوْلِ التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْخَصْمَ إذَا أَقَرَّ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ بِإِقْرَارِهِ وَمُقَابِلُهُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِيهِ لِحَمْلِهِ عَلَى إنْكَارِهِ بَعْدَ إقْرَارِهِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا عَلِمْت، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عَزْوُهُ مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ وَأَصْبَغُ، وَقَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ خِلَافَهُمْ إذَا أَنْكَرَ إقْرَارَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ اهـ، وَأَقَرَّهُ الْبُنَانِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَإِنْ شَهِدَا) أَيْ الْعَدْلَانِ عَلَى الْقَاضِي (بِحُكْمٍ) صَدَرَ مِنْهُ وَقَدْ (نَسِيَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْحُكْمَ أَمْضَاهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه. ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ الْأَصَحُّ (أَوْ) شَهِدَا عَلَيْهِ بِحُكْمٍ (أَنْكَرَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْحُكْمَ (أَمْضَاهُ) أَيْ الْقَاضِي الْحُكْمَ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي التَّلْقِينِ إنْ نَسِيَ الْحَاكِمُ حُكْمًا حَكَمَ بِهِ، فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ بِهِ أَنْفَذَ شَهَادَتَهُمَا. الْمَازِرِيُّ هَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " خِلَافًا

ص: 362

وَأَنْهَى لِغَيْرِهِ بِمُشَافَهَةٍ، إنْ كَانَ كُلٌّ بِوِلَايَتِهِ،

ــ

[منح الجليل]

لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه. اللَّخْمِيُّ لَوْ أَنْكَرَ الْحَاكِمُ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ، وَقَالَ مَا حَكَمْت بِهَذَا فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِحُكْمِهِ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ حَكَاهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ.

(وَ) إنْ تَرَافَعَ خَصْمَانِ لِقَاضٍ ثُمَّ انْتَقَلَا لِقَاضٍ آخَرَ قَبْلَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بَيْنَهُمَا (أَنْهَى) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، أَيْ أَوْصَلَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ (لِ) قَاضٍ (غَيْرِهِ) مَا حَصَلَ نِدّه (بِمُشَافَهَةٍ) أَيْ بِلَا وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا (إنْ كَانَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (بِوِلَايَتِهِ) أَيْ الْمَحَلِّ الْمُوَلَّى لِلْقَضَاءِ فِيهِ. ابْنُ شَاسٍ الرُّكْنُ الثَّالِثُ يَعْنِي فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِي إنْهَاءِ الْحَاكِمِ إلَى الْقَاضِي الْآخَرِ، وَذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ وَالْكِتَابِ وَالْمُشَافَهَةِ. أَمَّا الْمُشَافَهَةُ فَلَوْ شَافَهَ الْقَاضِي قَاضِيًا آخَرَ فَلَا يَكْفِي لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَا يَنْفَعُ سَمَاعُهُ أَوْ إسْمَاعُهُ إذَا كَانَا قَاضِيَيْنِ لِبَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَنَادَيَا مِنْ طَرَفَيْ وِلَايَتِهِمَا فَذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الشَّهَادَةِ فَيُعْتَمَدُ.

" غ " كَذَا لِابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ التَّابِعِ لِوَجِيزِ الْغَزَالِيِّ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَعْرِفْ مَنْ جَزَمَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْمَازِرِيُّ لَا شَكَّ أَنَّ ذِكْرَ الْقَاضِي ثُبُوتَ شَهَادَةٍ عِنْدَهُ عَلَى غَائِبٍ لَيْسَ بِقَضِيَّةٍ مَحْضَةٍ وَلَا نَقْلٍ مَحْضٍ، بَلْ هُوَ مَشُوبٌ بِالْأَمْرَيْنِ فَيُنْظَرُ أَوْلَاهُمَا بِهِ وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنَّ قَاضِيَيْنِ لَوْ قَضَيَا بِمَدِينَةٍ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُنْفِذُ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَأَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ شَهَادَةُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لِرَجُلَيْنِ بِالْبَلَدِ وَقَضَى بِثُبُوتِهِمَا، فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ كَنَقْلِ شَهَادَةٍ فَلَا يَكْتَفِي هَذَا الْقَاضِي الْمُخَاطَبُ بِأَنَّهُمْ شَهِدُوا عِنْدَ الْآخَرِ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُمْ حُضُورٌ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ كَقَضِيَّةِ الْقَاضِي فَالْقَاضِي الثَّانِي يُنْفِذُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا قَدْ يُقَالُ فِيهِ أَيْضًا إذَا جَعَلْنَا قَوْلَ الْقَاضِي وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ كَالنَّقْلِ يُكْتَفَى بِهِ لِحُرْمَةِ الْقَاضِي، فَلِذَا يَصِحُّ نَقْلُهُ وَإِنْ كَانَ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ حَاضِرًا فَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَهُ إلْزَامًا وَانْفِصَالًا فَانْظُرْهُ اهـ وَنَصُّهُ فَإِنْ قُلْت مُقْتَضَى قَوْلِ الْمَازِرِيِّ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ كَقَضِيَّةٍ فَالْقَاضِي الثَّانِي يُنْفِذُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُ صِحَّةُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ شَاسٍ عَنْ الْمَذْهَبِ. قُلْت لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ عَلَى

ص: 363

وَبِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا.

ــ

[منح الجليل]

تَقْدِيرِ تَوْلِيَةِ قَاضِيَيْنِ بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَلْزُومِيَّةَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ لَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَلْزُومِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْطِ وَحْدَةِ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ شَرْطُ وَحْدَتِهِ فَتَذَكَّرْهُ.

(أَوْ) أَنْهَى لِغَيْرِهِ (بِشَاهِدَيْنِ) عَلَى حُكْمِهِ (مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا. فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ لِقَاضٍ فِي الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُهُ. ابْنُ رُشْدٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، يَجُوزُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي فِي الزِّنَا شَاهِدَانِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ. وَأَمَّا الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فَلَا يَثْبُتُ بِهِمَا كِتَابُ قَاضٍ اتِّفَاقًا، فَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ أَصْلُهُ بِأَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا، أَوْ بِاثْنَيْنِ كَالنِّكَاحِ، أَوْ بِوَاحِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَالرَّضَاعِ، أَوْ بِوَاحِدٍ وَيَمِينٍ، أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ، أَوْ بِوَاحِدٍ وَلَفِيفٍ، أَوْ بِوَاحِدٍ فَقَطْ، أَوْ بِامْرَأَةٍ فَقَطْ قَالَهُ تت.

طفي قَوْلُهُ أَوْ بِوَاحِدٍ وَلَفِيفٍ هَكَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنْ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ، وَلَعَلَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ، إذْ لَيْسَ مَحَلٌّ يُشْتَرَطُ فِيهِ الشَّاهِدُ مَعَ اللَّفِيفِ. الْحَطّ قَوْلُهُ مُطْلَقًا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَأْتِي لَهُ فِي الشَّهَادَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِذَلِكَ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْمَالِ عَلَى الْمَشْهُورِ اهـ وَتَبِعَهُ عج، وَأَطَالَ بِمَا يَمُجُّهُ السَّمْعُ وَيَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ خَرَجَا بِهَا عَنْ أَقْوَالِ الْمَالِكِيَّةِ لِمُعَارَضَتِهِمَا بَيْنَ مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَجُعِلَ أَحَدُهُمَا تَقْيِيدًا لِلْآخَرِ وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ كَمَا بَيْنَ الضَّبِّ وَالنُّونِ.

ابْنُ رُشْدٍ لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ اتِّفَاقًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَقَرَّهُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْإِنْهَاءِ: وَثُبُوتُ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ يَأْتِي فِي فَصْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَدَلَّ عَلَى تَخَالُفِهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي مُجَرَّدُ إشْهَادِ الْقَاضِي أَنَّهُ حُكْمُهُ أَوْ كِتَابُهُ فَيَشْهَدَانِ عَلَى إخْبَارِهِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى حُكْمِهِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ يَحْضُرُ حُكْمَهُ وَيَشْهَدُهُ، فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ

ص: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الْقَاضِي وَهُوَ عَلَى قَضَائِهِ حَكَمْت لِفُلَانٍ بِكَذَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ إنْ كَانَ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ مِثْلَ قَوْلِ أَحَدِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ عِنْدَ قَاضٍ حَكَمَ لِي قَاضٍ بِكَذَا، أَوْ ثَبَتَ لِي عِنْدَهُ كَذَا، فَيَسْأَلُهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْتِيهِ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَنِّي حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا. أَوْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدِي كَذَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ شَاهِدٌ، وَلَوْ أَتَى الرَّجُلُ ابْتِدَاءً لِلْقَاضِي فَقَالَ لَهُ خَاطِبْ لِي كَذَا بِمَا ثَبَتَ لِي عِنْدَك عَلَى فُلَانٍ أَوْ بِمَا حَكَمْت لِي عَلَيْهِ لَجَازَ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ لَا شَاهِدٌ. اهـ. فَإِذَا كَانَ قَوْلُ الْقَاضِي عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ لَا يَجُوزُ، فَكَيْفَ تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّاقِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْبُنَانِيُّ رَأَيْت لِابْنِ يُونُسَ مَا نَصُّهُ اُخْتُلِفَ فِي شَاهِدٍ وَيَمِينٍ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي فِي الْأَمْوَالِ فَلَمْ يُجِزْهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَأَجَازَهُ فِي غَيْرِهِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ يَجُوزُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ. اهـ. وَبِهِ اعْتَرَضَ ابْنُ نَاجِي الِاتِّفَاقَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. الْبَاجِيَّ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ إلَى قَاضٍ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَثْبُتُ لَهُ الْقَضَاءُ اهـ.

وَلَمَّا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَمَّا الشَّاهِدُ بِالْقَضَاءِ بِالْمَالِ فَالْمَشْهُورُ لَا تَمْضِي إلَخْ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا كَلَامٌ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيَّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي قَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَيْسَ بِمَا يَئُولُ إلَى مَالٍ، وَدَعْوَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمَالٍ هِيَ مِنْ دَعْوًى بِمَالٍ حَقِيقَةً، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهَا. اهـ. لَكِنْ نَازَعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَوْلِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهَا بِشُهْرَةِ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهَا فِي كَلَامِ الْأَشْيَاخِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْخِلَافِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ عَزْوَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كَلَامِ الْبَاجِيَّ فِي كِتَابِ الْقَاضِي هُوَ بِعَيْنِهِ الْمَذْكُورُ عِنْدَ " ق " فِي حُكْمِ الْقَاضِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ بِأَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي الْحَطّ وعج صَوَابٌ، وَأَنَّ اعْتِرَاضَ طفي عَلَيْهِمَا قُصُورٌ وَتَهْوِيلٌ بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 365

وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ خَالَفَا كِتَابَهُ. وَنُدِبَ خَتْمُهُ، وَلَمْ يُفِدْ وَحْدَهُ،

ــ

[منح الجليل]

(وَاعْتَمَدَ) الْقَاضِي الْمَنْهِيُّ إلَيْهِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ إنْ لَمْ يُخَالِفَا بِشَهَادَتِهِمَا كِتَابَهُ، بَلْ (وَإِنْ خَالَفَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ بِهَا (كِتَابَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْمَنْهِيِّ وَطَابَقَا الدَّعْوَى (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (خَتْمُهُ) أَيْ الْكِتَابِ. الْبَاجِيَّ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى شُهُودٍ كِتَابًا مَطْوِيًّا، وَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ أَوْ كَتَبَ الْحَاكِمُ كِتَابًا إلَى حَاكِمٍ وَخَتَمَهُ وَأَشْهَدَ الشُّهُودَ بِهِ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ، وَقَالَ أَيْضًا لَا يَشْهَدُوا بِهِ إلَّا أَنْ يَقْرَؤُهُ عِنْدَ مَحْمَلِ الشَّهَادَةِ. ابْنُ شَاسٍ سَحْنُونٌ لَوْ أَشْهَدَ عَلَى كِتَابِهِ وَخَاتَمِهِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ جَازَ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ مَخْتُومٍ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَلَوْ شَهِدَا بِخِلَافِ مَا فِي الْكِتَابِ جَازَ إذَا طَابَقَ الدَّعْوَى، ثُمَّ لِلشَّاهِدِ عَلَى الْحُكْمِ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي فِي كِتَابِهِ إلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْقُضَاةِ (وَلَمْ يُفِدْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ كِتَابَةً (وَحْدَهُ) أَيْ مُجَرَّدًا مِنْ الْإِشْهَادِ وَلَوْ مَخْتُومًا ابْنُ شَاسٍ الْكِتَابُ الْمُجَرَّدُ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْقَاضِي لَا أَثَرَ لَهُ.

" غ " ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا كَانَتْ النُّصُوصُ وَالرِّوَايَاتُ وَاضِحَةً بِلَغْوِ ثُبُوتِ كِتَابِ الْقَاضِي بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِنَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي انْتَهَى إلَيْنَا أَمْرُهَا عَلَى قَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْحُقُوقِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّ الْقَاضِي دُونَ إشْهَادِهِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا خَاتَمٌ مَعْرُوفٌ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ فِيمَا أَظُنُّ صَرْفَهُمْ عَنْهُ مَعَ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه، إنَّ كِتَابَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّهِ، بَلْ قَالُوا فِي الْقَاضِي يَجِدُ فِي دِيوَانِهِ حُكْمًا بِخَطِّهِ وَهُوَ لَا يَذْكُرُ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ إنْفَاذُهُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ عَدْلَانِ، وَكَذَا إنْ وَجَدَهُ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ وَثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهِ، وَلَا يَتَخَرَّجُ الْقَوْلُ بِعَمَلِهِ بِمَا تَيَقَّنَهُ مِنْ خَطِّهِ دُونَ ذِكْرِ حُكْمِهِ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ فِي الشَّاهِدِ يَتَيَقَّنُ خَطَّهُ بِالشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ وَلَا يَذْكُرُ مَوْطِنَهَا لِعُذْرِ الشَّاهِدِ، إذْ مَا عَلِمَهُ هُوَ مَقْدُورُ كَسْبِهِ، وَالْقَاضِي كَانَ قَادِرًا عَلَى إشْهَادِهِ عَلَى حُكْمِهِ ثُمَّ

ص: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَجْهُ عَمَلِ النَّاسِ بِأَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ بِأَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي الْبَاعِثُ بِهِ حُصُولُهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ مُنْضَمًّا لِلْمَشْهُورِ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْغَيْرِ حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَذْهَبِ يُوجِبُ كَوْنَ هَذَا الظَّنِّ كَالظَّنِّ النَّاشِئِ عَنْ ثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُهُ لِضَرُورَةِ دَفْعِ مَشَقَّةِ مَجِيءِ الْبَيِّنَةِ مَعَ الْكِتَابِ مَعَ انْتِشَارِ الْخُطَّةِ وَبُعْدِ الْمَسَافَةِ.

ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنْ قِيلَ تَنْدَفِعُ الْمَشَقَّةُ بِإِشْهَادِ الْقَاضِي عَلَى كِتَابِهِ بِبَيِّنَةٍ تُوُقِّعَ خَطُّهَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي وَيُشْهِدُ عَلَى خَطِّهَا فِي بَلَدِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ. قُلْت ثُبُوتُهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي أَقْوَى مِنْ ثُبُوتِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ مَعَ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَاضِي وَمَا تَوَقَّفَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ أَقْوَى مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ، لِتَطَرُّقِ احْتِمَالٍ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ لِاحْتِمَالِ فِسْقِ الْبَيِّنَةِ أَوْ رِقِّهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَالَ وَإِذَا ثَبَتَ وَجْهُ الْعَمَلِ بِذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَ خَطُّ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ عَارِفَةٍ بِالْخُطُوطِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ وَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ إلَيْهِ فَجَائِزٌ عِنْدِي قَبُولُهُ بِمَعْرِفَةِ خَطِّهِ، وَقَبُولُ سَحْنُونٍ كُتُبَ أُمَنَائِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءِ الْقَاضِي يَعْلَمُهُ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ لِأَنَّ وُرُودَ الْكِتَابِ مِنْ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ عِنْدَهُ بِذَلِكَ، فَقَبُولُهُ الْكِتَابَ بِمَا عُرِفَ مِنْ عَدَالَتِهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ عَلَى خَطِّهِ.

(تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: هَذَا كُلُّهُ إنْ وَصَلَ كِتَابُ الْقَاضِي قَبْلَ مَوْتِهِ وَعَزْلِهِ وَإِلَّا فَلَا يُعْمَلُ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنَاصِفِ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ رَحَّالٍ الَّذِي أَدْرَكْنَا عَلَيْهِ أَشْيَاخَنَا أَنَّ الْإِنْهَاءَ يَصِحُّ مُطْلَقًا مَاتَ الْكَاتِبُ قَبْلَ الْوُصُولِ أَوْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ وَتَوَلَّى غَيْرُهُ.

الثَّانِي: قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ شَأْنُ قُضَاةِ وَقْتِنَا رَسْمُ الْخِطَابِ أَسْفَلَ وَثِيقَةِ ذِكْرِ الْحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَهْرِ الصَّحِيفَةِ أَوْ أَحَدِ عَرْضَيْهَا إنْ ضَاقَ أَسْفَلُهَا، وَرُبَّمَا كَانَ فِي وَثِيقَةٍ مُلْصَقَةٍ بِالْوَثِيقَةِ إنْ تَعَذَّرَ وَضْعُهُ بِهَا.

ص: 367

وَأَدَّيَا، وَإِنْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَأَفَادَ إنْ أَشْهَدَهُمَا أَنَّ مَا فِيهِ حُكْمُهُ أَوْ خَطُّهُ.

ــ

[منح الجليل]

الثَّالِثُ: ابْنُ عَرَفَةَ إنْ لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي تَحْتَ الْعَقْدِ خِطَابًا يُصَرِّحُ فِيهِ بِالْإِعْلَامِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحَقِّ عِنْدَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى كِتَابَةِ: صَحَّ الرَّسْمُ عِنْدِي أَوْ ثَبَتَ أَوْ اسْتَقَلَّ، فَذَلِكَ لَغْوٌ غَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُهُ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُنَاصِفِ إنْ ثَبَتَ وَاكْتَفَى وَصَحَّ وَاسْتَقَلَّ كَالْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ. وَذَكَرَ " غ " عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ قَالَ اسْتَقَلَّ يَخْتَصُّ بِالْعُدُولِ وَاكْتَفَى بِإِثْبَاتِ الْأَمْلَاكِ وَثَبَتَ بِمَا عَدَاهَا. وَعَنْ الْعُقْبَانِيِّ اسْتَقَلَّ بِالْمُبْرِزِينَ وَثَبَتَ لِمَنْ يُقَارِبُهُمْ وَاكْتَفَى لِمَنْ دُونَ ذَلِكَ.

الرَّابِعُ: " غ " مِمَّا تَسَاهَلَ فِيهِ أَهْلُ فَاسَ وَعَمِلَهَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَصْلٌ شَهَادَةُ عُدُولِهِمْ مِنْ تَسْجِيلِ قَاضِيهِمْ، فَإِذَا أَوْقَعَ الْقَاضِي خَطَّهُ كَتَبَ الشَّاهِدُ شَهِدَ عَلَى إشْهَادِ مَنْ ذُكِرَ بِمَا فِيهِ عَنْهُ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى خَطِّهِ وَكَيْفَ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّهِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ بَيْنَ مَقْعَدِهِ وَدُكَّانِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ إلَّا قَدْرُ غَلْوَةٍ أَوْ أَقَلُّ.

(وَ) إنْ أَشْهَدَهُمَا الْقَاضِي عَلَى كِتَابِهِ (أَدَّيَا) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ الشَّاهِدَانِ مَا أَشْهَدَهُمَا بِهِ عِنْدَ مَنْ أُرْسِلَا إلَيْهِ، بَلْ (وَإِنْ عِنْدَ غَيْرِهِ) لِعَزْلِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ فِيهَا مَعَ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ مَاتَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ كِتَابٌ مِنْ قَاضٍ آخَرَ، فَعَلَى مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ إنْفَاذُ الْكِتَابِ. ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا إذَا ثَبَتَ الْكَتْبُ عِنْدَهُ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ كِتَابُهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.

(وَأَفَادَ) كِتَابُ الْقَاضِي الَّذِي أَرْسَلَهُ لِقَاضٍ آخَرَ فَيَعْمَلُ بِمَا فِيهِ وَيُنْفِذُهُ (إنْ أَشْهَدَهُمَا) أَيْ الْقَاضِي الْمُرْسِلُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى (أَنَّهُ) أَيْ الْكِتَابَ (حُكْمُهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَوْ) أَشْهَدَهُمَا أَنَّهُ (خَطُّهُ) أَيْ الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يُقِرَّاهُ عَلَيْهِمَا حَالَ إشْهَادِهِمَا وَلَمْ يَقْرَأْهُ. ابْنُ شَاسٍ لَوْ قَالَ الْقَاضِي أُشْهِدُكُمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ خَطِّيُّ كَفَى ذَلِكَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُمَا مَا فِيهِ حُكْمِي.

وَشَبَّهَ فِي صِحَّةِ الْإِشْهَادِ عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ مَنْسُوبٌ لِلْمُشْهَدِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الشَّاهِدَيْنِ بِمَا

ص: 368

كَالْإِقْرَارِ وَمَيَّزَ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ اسْمٍ وَحِرْفَةٍ وَغَيْرِهِمَا يُنَفِّذُهُ الثَّانِي، وَبَنَى كَأَنْ نُقِلَ لِخُطَّةٍ أُخْرَى

ــ

[منح الجليل]

فِيهِ فَقَالَ (كَ) الْإِشْهَادِ عَلَى (الْإِقْرَارِ) مِنْ كَاتِبِ وَثِيقَةٍ أَوْ مُمْلِيهَا بِمَا فِيهَا. ابْنُ شَاسٍ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ أُشْهِدُك عَلَى مَا فِي الْقُبَالَةِ وَأَنَا عَالِمٌ بِهِ كَفَى، فَإِذَا حَفِظَ الشَّاهِدُ الْقُبَالَةَ وَمَا فِيهَا وَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ جَازَ أَيْضًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ قَالَ أُشْهِدُكُمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ خَطِّي أَوْ حُكْمِي فَرِوَايَتَانِ، وَمِثْلُهُ إقْرَارُهُ بِمِثْلِهِ. ضَيْح ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْهُمَا إعْمَالُ مَا فِي الْكِتَابِ لِأَنَّهُمَا أَدَّيَا عَنْهُ مَا أَشْهَدَهُمَا بِهِ وَلَا مُعَارِضَ لَهُمَا، وَوَجَّهَ الْمَازِرِيِّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى بِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ فَالشَّهَادَةُ بِمَضْمُونِهِ شَهَادَةٌ بِمَا لَمْ يَعْلَمُوا وَضَعَّفَهُ بِأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ قَدْ أَقَرَّ بِهِ لِمَنْ أَمَرَهُ بِالشَّاهِدَةِ وَالْعِلْمُ تَارَةً يَقَعُ جُمْلَةً وَتَارَةً يَقَعُ تَفْصِيلًا.

(وَمَيَّزَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْقَاضِي (فِيهِ) أَيْ الْكِتَابِ الَّذِي أَرَادَ إرْسَالَهُ لِقَاضٍ آخَرَ (مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ) الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَبَيَّنَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ فَقَالَ (مِنْ اسْمٍ) لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَأَبِيهِ وَجَدِّهِ (وَحِرْفَةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ صَنْعَةٍ (وَغَيْرِهِمَا) كَصِفَاتٍ وَبَلَدٍ وَمَسْكَنٍ وَلَقَبٍ وَكُنْيَةٍ ابْنِ شَاسٍ وَلْيَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ اسْمَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَحِلْيَتَهُ وَمَسْكَنَهُ وَصِنَاعَتَهُ أَوْ تِجَارَتَهُ أَوْ شُهْرَةً إنْ كَانَتْ لَهُ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ بِذَلِكَ (فَيُنَفِّذُهُ) أَيْ مَا فِي كِتَابِ الْأَوَّلِ الْقَاضِي (الثَّانِي) الْمُرْسَلُ إلَيْهِ الْكِتَابُ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ الْحُجَجِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْأَوَّلُ جَمِيعَ الْحُجَجِ بِأَنْ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ (وَ) أَنْهَى لِلثَّانِي (بَنَى) الثَّانِي عَلَى مَا حَصَلَ عِنْدَ الْأَوَّلِ، وَتَمَّمَ الْحُكْمَ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ اقْتَصَرَ الْأَوَّلُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمَنْهِيِّ إلَيْهِ الْإِتْمَامُ. ابْنُ عَرَفَةَ هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.

وَشَبَّهَ فِي الْبِنَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ نُقِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْقَاضِي وَهُوَ يَنْظُرُ فِي قَضِيَّةٍ قَبْلَ تَمَامِهَا مِنْ خُطَّةٍ، أَيْ نَوْعٍ مِنْ الْحُكْمِ كَحُكْمِ السُّوقِ (لِخُطَّةٍ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ مَرْتَبَةٍ (أُخْرَى) مِنْ مَرَاتِبِ الْحُكْمِ كَالْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ ابْنُ سَهْلٍ سَأَلْت

ص: 369

وَإِنْ حَدًّا، إنْ كَانَ أَهْلًا أَوْ قَاضِيَ مِصْرٍ، وَإِلَّا فَلَا: كَأَنْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ،

ــ

[منح الجليل]

ابْنُ عَتَّابٍ عَنْ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ إلَى خُطَّةِ الْقَضَاءِ فَهَلْ يَسْتَأْنِفُ مَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ أَوْ يُكْمِلُهَا وَيَصِلُ نَظَرُهُ فِيهَا؟ فَقَالَ بَلْ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْمَحْكُومَةِ وَبِذَلِكَ أَفْتَيْت. ابْنُ ذَكْوَانَ حِينَ ارْتَفَعَ مِنْ أَحْكَامِ الشُّرْطَةِ وَالسُّوقِ إلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ، وَيُنَفِّذُ الثَّانِي مَا حَكَمَ بِهِ الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَدًّا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (حَدًّا) أَوْ قِصَاصًا أَوْ عَفْوًا. الْبُنَانِيُّ لَوْ قَالَ وَلَوْ زِنًا لَكَانَ أَبْيَنَ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضِي الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ (إنْ كَانَ) الْأَوَّلُ (أَهْلًا) لِلْقَضَاءِ بِأَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُهُ (أَوْ) لَمْ يُعْرَفْ بِهَا وَكَانَ (قَاضِي مِصْرٍ) بِالتَّنْوِينِ، أَيْ بَلَدٍ كَبِيرٍ كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، فَإِنَّ الشَّأْنَ لَا يُوَلَّى لِقَضَائِهَا إلَّا مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقَضَاءِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا وَلَا قَاضِي مِصْرٍ (فَلَا) يُنَفِّذُ الثَّانِي حُكْمَهُ.

ابْنُ شَاسٍ إذَا وَرَدَ كِتَابُ قَاضٍ عَلَى قَاضٍ، فَإِنْ عَرَفَهُ بِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ قَبِلَهُ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَإِنْ عَرَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ فَلَا يَقْبَلُهُ. قَالَ أَصْبَغُ وَإِنْ جَاءَهُ بِكِتَابِ قَاضٍ لَمْ يَعْرِفْهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا سَخَطَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ الْجَامِعَةِ مِثْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْقَيْرَوَانِ وَالْأَنْدَلُسِ فَلْيُنَفِّذْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَلِيَحْمِلْ مِثْلُ هَؤُلَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَأَمَّا قُضَاةُ الْكُوَرِ الصِّغَارِ فَلَا يُنَفِّذُهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ الْعُدُولَ وَعَنْ حَالِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ قَبُولِ خِطَابِ الْقَاضِي صِحَّةَ وِلَايَتِهِ مِمَّنْ تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ بِوَجْهٍ احْتِرَازٌ مِنْ مُخَاطَبَةِ قُضَاةِ أَهْلِ الدَّجْنِ كَقَاضِي مُسْلِمِي بَلَنْسِيَةَ وَطَرْطُوشَةَ وَقَوْصَرَةَ عِنْدَنَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلُوا قَبُولَ الْعَدْلِ الْوِلَايَةَ مِنْ الْمُتَغَلِّبِ جُرْحَةً لِخَوْفِ تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ.

وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ التَّنْفِيذِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (شَارَكَهُ) أَيْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَبَقِيَّةِ صِفَاتِهِ (غَيْرُهُ) أَيْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فَلَا يُنَفِّذُ الْقَاضِي الثَّانِي حُكْمَ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ الْمُشَارِكُ حَيًّا، بَلْ

ص: 370

وَإِنْ مَيِّتًا، وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ: فَفِي إعْدَائِهِ أَوْ لَا حَتَّى يُثْبِتَ أَحَدِّيَّتَهُ: قَوْلَانِ

وَالْقَرِيبُ: كَالْحَاضِرِ،

ــ

[منح الجليل]

وَإِنْ) كَانَ (مَيِّتًا) حَتَّى يُشْهِدَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَيْنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ رَجُلٌ يُلَائِمُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تُعَرِّفُ أَنَّهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَلَائِمَيْنِ قَدْ مَاتَ فَلَا يُنَفِّذُ عَلَى الْحَيِّ مِنْهُمَا مَا فِي الْكِتَابِ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَنُ الْمَيِّتِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ لِبُعْدِهِ فَيُنَفِّذُ فِي الْحَيِّ.

(فَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ) الْقَاضِي فِي الْكِتَابِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ (فَفِي أَعْدَائِهِ) أَيْ تَسْلِيطِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ الطَّالِبُ عَلَى صَاحِبِ الِاسْمِ الْمَكْتُوبِ فِي الْكِتَابِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ صَاحِبُ الِاسْمِ أَنَّ بِالْبَلَدِ مَنْ شَارَكَهُ فِيهِ (أَوْ لَا) يُعَدِّيهِ عَلَيْهِ (حَتَّى يُثْبِتَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الطَّالِبُ (أَحَدِّيَّتَهُ) أَيْ كَوْنَ صَاحِبِ الِاسْمِ وَاحِدًا بِالْبَلَدِ لَا مُشَارِكَ لَهُ فِي اسْمِهِ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا. الْمُصَنِّفُ وَالشَّهَادَةُ فِي هَذَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.

ابْنُ رُشْدٍ إنْ وُجِدَ بِالْبَلَدِ رَجُلٌ وَاحِدٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ كَشَفَ الْقَاضِي عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ بِالْبَلَدِ غَيْرُهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ أَعْدَاهُ عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَكَ الْقَاضِي مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ الْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَا يُؤْخَذُ بِالْحَقِّ حَتَّى يُثْبِتَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْبَلَدِ مَنْ هُوَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ سِوَاهُ وَهُوَ دَلِيلُ سَمَاعِ زُونَانَ. ابْنُ وَهْبٍ وَقِيلَ يُؤْخَذُ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ هُوَ أَنَّ الْبَلَدَ مَنْ هُوَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ سَوَاءٌ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَرِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَدَنِيَّةِ.

وَلَمَّا أَفَادَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ وَكَانَتْ الْغَيْبَةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قَرِيبَةٍ وَبَعِيدَةٍ وَمُتَوَسِّطَةٍ ذَكَرَهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فَقَالَ (وَ) الْغَائِبُ (الْقَرِيبُ) الْغَيْبَةِ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ (كَالْحَاضِرِ) فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةِ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ تُسْمَعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ حَضَرَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ ثُمَّ يُعْلَمُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَدْفَعٌ وَإِلَّا قَضَى

ص: 371

وَالْبَعِيدُ: كَإِفْرِيقِيَّةَ، يُقْضَى عَلَيْهِ بِيَمِينِ الْقَضَاءِ،

ــ

[منح الجليل]

عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ الْإِرْسَالِ إلَيْهِ وَإِعْلَامِهِ بِمَنْ قَامَ عَلَيْهِ دَعْوَاهُ وَمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ وَتَسْمِيَةِ الشُّهُودِ وَالْمَقْبُولِ مِنْهُمْ وَتَسْمِيَةِ الْمُعَدِّلِينَ وَلَمْ يَرَهَا سَحْنُونٌ إلَّا بِحَضْرَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً. ابْنُ عَرَفَةَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا مَالِكًا رضي الله عنه يَقُولُ أَمَّا الدَّيْنُ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ فِيهِ، وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ حُجَجٌ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ فِيهِ. سَحْنُونٌ وَالدَّيْنُ تَكُونُ فِيهِ الْحُجَجُ. ابْنُ رُشْدٍ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَتَبَ وَأَعْذَرَ إلَيْهِ فِي كُلِّ حَقٍّ إمَّا أَنْ يُوَكِّلَ أَوْ يَقْدُمَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ وَيَبِيعُ عَلَيْهِ فِيهِ مَالَهُ مِنْ أَصْلٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْأُصُولِ وَكُلِّ الْأَشْيَاءِ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِهِ وَلَمْ تُرْجَ لَهُ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ.

(وَ) الْغَائِبُ (الْبَعِيدُ جِدًّا كَإِفْرِيقِيَّةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ وَتَشْدِيدِهَا، أَيْ مَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ بِالْمَغْرِبِ الْأَوْسَطِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ بَلَدِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه وَثَلَاثَةٍ مِنْ مِصْرَ بَلَدِ ابْنِ الْقَاسِمِ " رحمه الله "(يُقْضَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ جِدًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ رَبْعٍ وَأَصْلٍ وَعَرْضٍ وَحَيَوَانٍ وَدَيْنٍ. وَفُهِمَ قَوْلُهُ يُقْضَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَنْهُ وَكِيلًا يَنُوبُ عَنْهُ فِي حُجَّتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا لَا يُقِيمُهُ عَنْ طِفْلٍ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُمَا لِبَقَاءِ حُجَّتِهِمَا وَإِقَامَةُ الْوَكِيلِ تَقْطَعُهَا وَيُقْضَى عَلَيْهِ (بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) مِنْ الطَّالِبِ أَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ وَلَا اسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَا اعْتَاضَ وَلَا أَحَالَ وَلَا احْتَالَ وَلَا وُكِّلَ عَلَى الِاقْتِضَاءِ مِنْهُ كُلِّهِ وَلَا بَعْضِهِ وَتُسَمَّى يَمِينَ الِاسْتِبْرَاءِ أَيْضًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ شَرْطًا، وَقِيلَ اسْتِظْهَارٌ وَتَتَوَجَّهُ عَلَى كُلِّ مُدَّعٍ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ أَوْ يَتِيمٍ أَوْ حُبُسٍ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَعَلَى مُسْتَحِقِّ الْحَيَوَانِ وَلَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا.

ابْنُ رُشْدٍ وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَانْقَطَعَتْ كَالْعَدْوَةِ مِنْ الْأَنْدَلُسِ وَمَكَّةَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ حُكِمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَعُرُوضٍ وَدَيْنٍ وَالرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَرُجِيَتْ حُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَكَوْنِهَا مَسْلُوكَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حُكِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرُبَتْ

ص: 372

وَسَمَّى الشُّهُودَ، وَإِلَّا نُقِضَ، وَالْعَشَرَةُ أَوْ الْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ

وَحَكَمَ بِمَا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ: كَدَيْنٍ

ــ

[منح الجليل]

غَيْبَتُهُ. ابْنُ شَاسٍ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ نَافِذٌ، وَيُحَلِّفُ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَدَمِ الْإِبْرَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَالِاعْتِيَاضِ وَالْإِحَالَةِ وَالِاحْتِيَالِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فِي جَمِيعِ الْحَقِّ.

(وَسَمَّى) الْقَاضِي (الشُّهُودَ) أَيْ كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي سِجِلِّهِ، وَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ أَخْبَرَهُ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْذَرَ لَهُ فِيهِمْ، فَإِنْ سَلَّمَ شَهَادَتَهُمْ مَضَى الْحُكْمُ، وَإِنْ ادَّعَى مُسْقِطًا لِشَهَادَتِهِمْ كَلَّفَهُ بِإِثْبَاتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الشُّهُودَ الَّذِينَ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَى الْغَائِبِ (نُقِضَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ حُكْمُهُ. ابْنُ رُشْدٍ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ لَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ فِيهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الطَّعْنِ فِيهِمْ، وَهَذَا مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ رضي الله عنه فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ فِيهِ الْبَيِّنَةَ فُسِخَتْ الْقَضِيَّةُ قَالَهُ أَصْبَغُ وَهُوَ صَحِيحٌ، عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ تُرْجَى لَهُ وَالْحُكْمَ عَلَى الْحَاضِرِ لَا يَفْتَقِرُ فِيهِ إلَى تَسْمِيَةِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ، إذْ قَدْ أَعْذَرَ فِيهَا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَصْبَغُ وَتَسْمِيَتُهُمْ أَحْسَنُ وَبِهَا مَضَى الْعَمَلُ.

(وَ) الْأَيَّامُ (الْعَشَرَةُ) مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ (أَوْ الْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ) فِي الطَّرِيقِ (يُقْضَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْغَائِبِ (مَعَهَا) أَيْ الْعَشَرَةِ مَعَ الْأَمْنِ وَالْيَوْمَيْنِ مَعَ الْخَوْفِ (فِي) كُلِّ شَيْءٍ (غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ) وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ إنْ كَانَ غَائِبًا عَلَى عَشْرَةٍ مَعَ الْأَمْنِ، أَوْ يَوْمَيْنِ مَعَ الْخَوْفِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَفِيهَا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَمِعْت مَنْ يَذْكُرُ عَنْ مَالِكٍ رضي الله عنه لَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي الدُّورِ وَهُوَ رَأْيِي إلَّا فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ كَالْأَنْدَلُسِ وَطَنْجَةَ وَمَا بَعُدَ فَلْيُقْضَ عَلَيْهِ وَمَا عَلِمْت فِي هَذَا خِلَافًا اهـ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا التَّحْدِيدُ لِلْقُرْبِ وَالْبُعْدِ إنَّمَا هُوَ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَسُلُوكِهِ وَإِلَّا حُكِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قُرِّرَتْ غَيْبَتُهُ تت وعب وَالْخَرَشِيُّ ضَمِيرُ مَعَهَا لِيَمِينِ الْقَضَاءِ وَيَلْزَمُهُ خُلُوُّ جُمْلَةِ الْخَبَرِ مِنْ رَابِطِهَا بِالْمُبْتَدَأِ.

(وَحَكَمَ) الْقَاضِي (بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ أَوْ الشَّيْءِ الَّذِي (يَتَمَيَّزُ) عَنْ غَيْرِهِ حَالَ كَوْنِهِ

ص: 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

غَائِبًا) عَنْ بَلَدِ الْقَضَاءِ وَصِلَةُ يَتَمَيَّزُ (بِالصِّفَةِ) كَرَقِيقٍ وَحَيَوَانٍ وَكِتَابٍ وَثَوْبٍ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا لَا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ كَالْحَرِيرِ وَالْحَدِيدِ لَا يُحْكَمُ بِهِ غَائِبًا بِالصِّفَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ بِقِيمَتِهِ وَيْحُكُمْ بِهَا الْمُدَّعِيَةُ. الْخَرَشِيُّ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ بَلَدِ الْحُكْمِ وَهُوَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ فِي غَيْبَتِهِ كَالْعَقَارِ وَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ حُضُورُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، بَلْ تُمَيِّزُهُ الْبَيِّنَةُ بِالصِّفَةِ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ كَدَيْنٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ كَالْحَدِيدِ وَالْحَرِيرِ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ بِقِيمَتِهِ وَيْحُكُمْ بِهَا لِمُدَّعِيهِ فَالْغَائِبُ عَنْ الْبَلَدِ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ وَصْفُهُ قَامَ وَصْفُهُ مَقَامَ حُضُورِهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَصْفُهُ قَامَتْ قِيمَتُهُ مَقَامَ وَصْفِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُقَوَّمِ وَالْمِثْلِيِّ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ فِي الْمِثْلِيِّ لِجَهْلِ صِفَتِهِ وَإِمَامًا فِي الْبَلَدِ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ أَمْ لَا وَنَحْوُهُ لعب الْعَدَوِيِّ قَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَالْمُنَاسِبُ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى عَيْنِهِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ (كَدَيْنٍ) .

تت اخْتَلَفَ الشَّارِحَانِ فِي تَقْرِيرِهِ، فَقَالَ الشَّارِحُ إنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ فِي غَيْبَتِهِ كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يُطْلَبُ حُضُورُهُ، بَلْ تُمَيَّزُ الْبَيِّنَةُ بِالصِّفَةِ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدَّيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ لَيْسَ الْمُرَادُ إفَادَةَ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ كَمَا يُحْكَمُ بِالدَّيْنِ الْمُتَمَيِّزِ بِالصِّفَةِ بِمَعْنَى لَا فَرْقَ.

طفي فَهِمَ تت أَنَّ تَقْرِيرَ الشَّارِحِ مُخَالِفٌ لِتَقْرِيرِ الْبِسَاطِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ، فَمَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ فَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدَّيْنِ، أَيْ فِي تَمْيِيزِهِ بِالصِّفَةِ إذْ الدَّيْنُ يَتَعَيَّنُ تَمْيِيزُهُ بِالصِّفَةِ وَلَا يُمْكِنُ فِيهِ غَيْرُهُ لِكَوْنِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُعَيَّنَاتِ كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ هَلْ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى عَيْنِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ أَوْ يَكْفِي الْوَصْفُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ لَا يُطْلَبُ حُضُورُهُ، بَلْ تُمَيِّزُهُ الْبَيِّنَةُ بِالصِّفَةِ وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدَّيْنِ. وَقَالَ فِي شَامِلِهِ وَيَحْكُمُ فِي غَائِبٍ يَتَمَيَّزُ بِصِفَةٍ دَيْنًا أَوْ غَيْرَهُ كَفَرَسٍ وَعَبْدٍ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مَا قُلْنَاهُ وَهُوَ مُرَادُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ

ص: 374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

بِذِكْرِ الدَّيْنِ هُنَا. وَفِي الْجَوَاهِرِ الْمَحْكُومُ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يَخْفَى فِي الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ الْعَقَارُ الَّذِي يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ بِتَحْدِيدِهِ أَمَّا الْعَبْدُ وَالْفَرَسُ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِعَلَامَةٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ يَحْكُمُ فِيهِ بِذَلِكَ إنْ كَانَ غَائِبًا. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَا يَحْكُمُ فِيهِ بِذَلِكَ اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ.

قَالَ ابْنُ هَارُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا هَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى الصِّفَةِ فِي الْقَضَاءِ بِهِ أَمْ لَا، فَمِنْ ذَلِكَ الدَّيْنُ وَالْأَمْرُ فِيهِ وَاضِحٌ، إذْ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا، وَمِنْهَا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَالْفَرَسُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ يَحْكُمُ فِيهِ بِالصِّفَةِ إنْ كَانَ غَائِبًا خِلَافًا لِابْنِ كِنَانَةَ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ كَالدَّيْنِ وَفَهِمَ تت مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ يَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدَّيْنِ أَيْ فِي لُزُومِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الدَّيْنَ يُحْكَمُ فِيهِ بِالصِّفَةِ، وَهَذَا فَهْمٌ رَكِيكٌ، إذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ حِينَئِذٍ كَالدَّيْنِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَصِيرُ لَازِمًا لَهُ بَعْدَ وَصْفِهِ فِي ذِمَّتِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ الْمُعَيَّنَاتُ لَا تُقَوَّمُ بِالذِّمَّةِ وَلَا تَكُونُ فِي ضَمَانِهِ، إذْ بِالْحُكْمِ يَنْتَقِلُ الضَّمَانُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ فِي كَبِيرِهِ عَلَى فَهْمِهِ بِقَوْلِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَحْكُمُ بِالدَّيْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ، قَوْلُهُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ رَاجِعٌ إلَى غَيْرِ الدَّيْنِ وَحْدَهُ لَا إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ، فَذَكَرَ كَلَامَ الشَّارِحِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي صَغِيرِهِ، فَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُوصَفُ فَأَدَّاهُ ذَلِكَ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ تَقْرِيرَيْ الشَّارِحَيْنِ، وَقَدْ حَرَّفَ فِي نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَنَصُّ كَلَامِهِ لَا شَكَّ أَنَّ قَيْدَ الْغَيْبَةِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِمَّا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا رَاجِعٌ إلَى غَيْرِ الدَّيْنِ وَحْدَهُ لَا إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ، وَمُرَادُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ قَيْدَ الْغَيْبَةِ فِي غَيْرِ الدَّيْنِ. أَمَّا هُوَ فَهُوَ غَائِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ، فَاشْتِرَاطُ قَيْدِ الْغَيْبَةِ فِيهِ ضَائِعٌ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ هَارُونَ فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالصِّفَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ جَائِزًا، فَلِمَ أَجَازَ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْهُ الذَّهَابَ بِهَا إلَى بَلَدِ الْبَائِعِ لِتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهَا، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ أَنْ

ص: 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

يَقْضِيَ لَهُ عَلَى بَائِعِهِ بِرَدِّ الثَّمَنِ إذَا شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي بَاعَهَا لَهُ مُوَافِقَةٌ لِلصِّفَةِ الَّتِي فِي كِتَابِ الْقَاضِي قُلْت يُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الذَّهَابُ بِهَا لِبَلَدِ الْبَائِعِ لِأَنَّ قَاضِيَهُ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِالصِّفَةِ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ يُرَدُّ جَوَابُهُ بِأَنَّ ظَاهِرَ أَقْوَالِ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَمُتَأَخِّرِيهِمْ وُجُوبُ إجَابَةِ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ يَدِهِ إلَى إسْعَافِهِ بِخُرُوجِهِ بِالْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ إلَى بَلَدِ بَائِعِهِ بِشُرُوطٍ مُقَرَّرَةٍ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الِاسْتِحْقَاقِ لَيْسَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ مِمَّنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِالصِّفَةِ، لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا الْكَتْبَ وَالْحُكْمَ بِخُرُوجِهِ بَيْنَ قُضَاةِ الْأَنْدَلُسِ وَكُوَرِهَا حَسَبَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ وَابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُمَا، وَالْمَعْلُومُ مِنْ حَالِ قُضَاتِهِمْ الْحُكْمُ بِالصِّفَةِ.

وَالْجَوَابُ عَنْ تَوَهُّمِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ وُجُوبَ إسْعَافِهِ بِالْخُرُوجِ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ مُوجَبِ رُجُوعِهِ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ بَيِّنَةِ الِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّهَا لَا تَضْمَنُ كَوْنَ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ يَدِهِ اشْتَرَى الْمُسْتَحَقَّ، وَلَمْ تُعَيِّنْ مَنْ بَائِعُهُ لَهُ فَوَجَبَ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْهُ ابْتَاعَهُ مِنْ فُلَانٍ الَّذِي طَلَبَهُ بِثَمَنِهِ وَالْبَيِّنَةُ بِابْتِيَاعِهِ مِنْهُ مَعَ حُضُورِ الْمُسْتَحِقِّ مُتَيَسِّرَةٌ غَيْرُ مُتَعَسِّرَةٍ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا عَايَنَ الْمَبِيعَ عَرَفَهُ وَأَمْكَنَ أَنْ يَشْهَدَ بِأَنَّهُ الَّذِي ابْتَاعَهُ الْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ مِمَّنْ طَلَبَ ثَمَنَهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا وَافْتَقَرَ إلَى الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهُ ابْتَاعَهُ مِنْ الَّذِي طَلَبَهُ بِثَمَنِهِ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ لِجَوَازِ ذُهُولِ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ عَلَى شِرَائِهِ مِمَّنْ طَلَبَهُ بِثَمَنِهِ عَنْ صِفَتِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ لِغَيْبَتِهِ عَنْهُ، وَعَدَمِ ضَبْطِ صِفَتِهِ حِينَ الشِّرَاءِ وَهُوَ لَوْ حَضَرَ عَلِمَ أَنَّهُ الْمُشْتَرِي وَالْمُصَنِّفُ يَجِدُ عِلْمَ هَذَا مِنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِخُرُوجِهِ بِهِ لِبَلَدِ بَائِعِهِ أَدَّى إلَى ضَرَرِهِ بِذَهَابِ ثَمَنِهِ وَجَوَابُهُ مَعَ بُعْدِهِ قَاصِرٌ عَلَى السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ.

وَأَمَّا الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهَا وَمَنْ ادَّعَى عَبْدًا بِيَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا يَشْهَدُ عَلَى الْقَطْعِ، أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ مِثْلُ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ قَاطِعَةٌ بِبَلَدٍ آخَرَ فَسَأَلَ وَضْعَ قِيمَتِهِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَيِّنَتِهِ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ عِنْدَ قَاضِي ذَلِكَ

ص: 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الْبَلَدِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ لَهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ سَأَلَ ذُو الْعَدْلِ إلَخْ، فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ مِنْ طَلَبِ الْحُجَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْوَصْفِ وَالْحُكْمِ بِهَا جَائِزَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ابْنُ عَرَفَةَ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا وَلَيْسَ مُعَيَّنًا بِنَفْسِهِ، بَلْ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ الدَّيْنُ فَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِشْهَادِ بِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ بِتَخْصِيصِ الْمَدِينِ بِمَا يُعَيِّنُهُ تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ تُكْتَبُ لِلْقَاضِي بِمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ مِنْ صِفَةِ الْآبِقِ كَمَا يُكْتَبُ فِي الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَصِفَتِهِ، فَتَقُومُ الشَّهَادَةُ فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ مَقَامَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَيْنِ، هَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إلَّا ابْنَ كِنَانَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجُزْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الصِّفَةِ وَأَجَازَهَا ابْنُ دِينَارٍ فِي الدَّيْنِ لَا الْآبِقِ.

قُلْت فَظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ لَمْ يُجِزْهَا فِي الدَّيْنِ. الْمَازِرِيُّ يَقْضِي بِالْبَيِّنَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِصِفَةِ الْمَحْكُومِ بِهِ إنْ كَانَ رُبْعًا لِأَنَّ مِنْ صِفَتِهِ تَجْلِيَتُهُ بِمَحَلِّهِ وَمَكَانِهِ وَهُوَ لَا يَنْتَقِلُ. وَفِي الْحُكْمِ بِهَا فِي غَيْرِهِ مِنْ حَيَوَانٍ وَشِبْهِهِ قَوْلَانِ عَلَى الْأَوَّلِ يُنَفِّذُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِبَلَدٍ الْبَيِّنَةُ الْحُكْمَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِهَا، وَعَلَى الثَّانِي يَحْكُمُ لَهُ بِأَخْذِ الْمُدَّعَى فِيهِ بِوَضْعِهِ قِيمَتَهُ لِيَذْهَبَ بِهِ لِمَحَلِّ الْبَيِّنَةِ لِتَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، فَيَحْكُمَ لَهُ بِهِ وَيَسْتَرْجِعَ قِيمَتَهُ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مِمَّا لَا يَتَمَيَّزُ أَصْلًا ذِكْرُ الْبَيِّنَةِ قِيمَتَهُ تَقُولُ غَصَبَهُ حَرِيرًا قِيمَتُهُ كَذَا أَوْ طَعَامًا قِيمَتُهُ كَذَا. قُلْت هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ لَا تَصِحُّ الْبَيِّنَةَ بِهِ بَعْدَ غَيْبَتِهِ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَتِهِ بَعْدَ حُضُورِهِ، فَتُمْتَنَعُ الشَّهَادَةُ بِهِ غَائِبًا عَلَى الصِّفَةِ، وَتَمَامُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَسَائِلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا مُعَيَّنًا بِنَفْسِهِ كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ، فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَا يُسْتَحَقُّ لَا مِنْ يَدِ مُدَّعٍ مِلْكَهُ وَلَا مُدَّعِيًا حُرِّيَّةَ نَفْسِهِ سُمِعَتْ فِي غَيْبَتِهِ بِكَمَالِ صِفَتِهِ الْمُوجِبَةِ تَعَيُّنَهُ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهِ اتِّفَاقًا إنْ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا آبِقًا وَإِنْ كَانَهُ فَفِي سَمَاعِهَا وَمَنْعِهِ قَوْلُهَا مَعَ جُلِّ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَابْنِ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ مَعَ ابْنِ كِنَانَةَ وَإِنْ كَانَتْ بِمَا يُسْتَحَقُّ مِنْ يَدِ مُدَّعٍ مِلْكَهُ أَوْ مُدَّعِيًا حُرِّيَّةَ نَفْسِهِ، فَفِي سَمَاعِهَا بِهِ وَمَنْعِهِ قَوْلَانِ، لِاخْتِصَارِ الْوَاضِحَةِ

ص: 377

وَجَلَبَ الْخَصْمَ، بِخَاتَمٍ، أَوْ رَسُولٍ،

ــ

[منح الجليل]

لِفَضْلٍ، عَنْ سَحْنُونٍ قَائِلًا لَا أَعْلَمُ خِلَافَهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا غَيْرَ ابْنِ كِنَانَةَ وَفَضْلٍ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ مَعَهُ.

وَلِلشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَوْ ادَّعَى عَبْدًا بِيَدِ رَجُلٍ وَالْعَبْدُ غَائِبٌ فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فِيهِ، أَوْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ مَتَاعًا بِعَيْنِهِ أَقَامَ فِيهِ بَيِّنَةً قُبِلَتْ إذَا وَصَفُوا ذَلِكَ وَعَرَّفُوهُ وَحَلُّوهُ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ. قَالَ وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى غَائِبٍ بِأَنَّهُ سَرَقَ فَقَدِمَ وَغَابَ الشُّهُودُ أَوْ حَضَرُوا حُكِمَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا إذَا اسْتَأْصَلَ تَمَامَ الشَّهَادَةِ.

(وَجَلَبَ) الْقَاضِي (الْخَصْمَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِخَاتَمٍ) أَيْ الْآلَةِ الَّتِي يَطْبَعُ بِهَا كِتَابَهُ سَوَاءٌ كَانَ يَضَعُهُ فِي يَدِهِ أَمْ لَا، أَيْ بِوَرَقَةٍ مَطْبُوعَةٍ بِهِ. ابْنُ يُونُسَ أَمَرَ سَحْنُونٌ النَّاسَ فَكَتَبُوا أَسْمَاءَهُمْ فِي بِطَاقٍ ثُمَّ خُلِطَتْ ثُمَّ دَعَا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَمَنْ دَعَاهُ وَخَصْمُهُ حَاضِرٌ مَعَهُ أَدْخَلَهُمَا وَأَجْلَسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الِاعْتِدَالِ فِي مَجْلِسِهِمَا، وَإِنْ اسْتَعْدَى الَّذِي خَرَجَ اسْمُهُ عَلَى رَجُلٍ بِحَاضِرَةِ مَدِينَةِ الْعَدْوَى أَوْ يَقْصُرُ. ابْنُ الْأَغْلَبِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ أَعْدَاهُ عَلَى خَصْمِهِ بِطَابَعٍ يُعْطِيهِ إيَّاهُ، فَإِذَا أَتَى بِصَاحِبِهِ أُمِرَ بِأَخْذِ الطَّابَعِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا يُعْطَى كِتَابُ عَدَوِيّ بِجَلْبِ خَصْمٍ إلَّا مِنْ الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ.

(أَوْ رَسُولٍ) مِنْ الْقَاضِي لِلْخَصْمِ الْمَطْلُوبِ حُضُورُهُ. ابْنُ فَتُّوحٍ إنْ سَأَلَ الطَّالِبُ الْقَاضِيَ يَرْفَعُ مَطْلُوبَهُ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي أَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إنْ كَانَ قَرِيبًا أَنْ يَأْمُرَ غُلَامَهُ الَّذِي لَهُ الْإِجَارَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِالسَّيْرِ مَعَهُ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَرِيبُ مِنْ الْمَدِينَةِ كَمَنْ يَأْتِي ثُمَّ يَرْجِعُ يَبِيتُ بِمَنْزِلِهِ. ابْنُ شَاسٍ إنْ غَابَ الْخَصْمُ وَلَمْ يَكُنْ مَوْضِعُهُ يَزِيدُ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى أَحْضَرَهُ الْقَاضِي. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا اسْتَعْدَى الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ مَعَهُ أَعْطَاهُ عَدْوَاهُ بِخَاتَمٍ يَخْتِمُهُ لَهُ أَوْ رَسُولٍ يُرْسِلُهُ إلَيْهِ حَتَّى يَجْلِبَهُ إلَيْهِ وَأُجْرَةُ الرَّسُولِ عَلَى الطَّالِبِ إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْحُضُورِ أَوْ الْجَوَابِ أَوْ إعْطَاءِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ، فَتَكُونَ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِ لِظُلْمِهِ لَا يُقَالُ الظُّلْمُ لَا يُبِيحُ مَالَ الظَّالِمِ لِأَنَّا نَقُولُ الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُبِيحُ مَالَ الظَّالِمِ هُوَ الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُؤَدِّي لِضَيَاعِ مَالِ الْمَظْلُومِ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الْمُؤَدِّي

ص: 378

إنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى، لَا أَكْثَرَ: كَسِتِّينَ مِيلًا، إلَّا بِشَاهِدٍ

وَلَا يُزَوِّجُ امْرَأَةً لَيْسَتْ بِوِلَايَتِهِ.

ــ

[منح الجليل]

لِذَلِكَ فَيُوجِبُ إغْرَامَهُ كَمَنْعِ آلَةِ التَّذْكِيَةِ حَتَّى مَاتَ الْحَيَوَانُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ، أَفَادَهُ تت عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ.

وَيُجْلَبُ الْخَصْمُ بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ (إنْ كَانَ) الْخَصْمُ (عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ كَذَلِكَ مَقْصُورًا فِي الصِّحَاحِ الْعَدْوَى طَلَبُك إلَى وَالٍ لِيُعَدِّيَك عَلَى مَنْ ظَلَمَك كَيْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ يُقَالُ اسْتَعْدَيْت عَلَى فُلَانٍ الْأَمِيرَ فَأَعْدَانِي، أَيْ اسْتَعَنْت بِهِ فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ، وَالِاسْمُ مِنْهُ الْعَدْوَى وَهِيَ الْمَعُونَةُ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ. الْحَطّ كَلَامُ الْقَرَافِيِّ يُفِيدُ أَنَّ مَسَافَةَ الْعَدْوَى هِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَنَحْوُهُ فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ. وَقَالَ الْبَاجِيَّ مِثْلُ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ. وَقِيلَ أَنْ يَأْتِيَ ثُمَّ يَرْجِعَ فَيَبِيتَ فِي مَنْزِلِهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ يُجْلَبُ الْخَصْمُ مَعَ مُدَّعِيهِ بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَلَا يَجْلِبُهُ مَا لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدٌ. ابْنُ سَلْمُونٍ إنْ كَانَ الْخَصْمُ فِي مِصْرِ الْحَاكِمِ أَوْ عَلَى أَمْيَالٍ يَسِيرَةٍ كَتَبَ بِرَفْعِهِ أَصْبَغُ، وَإِلَّا فَلْيَكْتُبْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ اجْمَعُوا بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لِلتَّنَاصُفِ، فَإِنْ أَبَيَا فَانْظُرُوا، فَإِنْ رَأَيْتُمْ لِلْمُدَّعِي وَجْهَ مَطْلَبٍ وَلَا يُرِيدُ بِالْمَطْلُوبِ تَعْنِيَتَهُ فَارْفَعُوهُ إلَيْنَا وَإِلَّا فَلَا (لَا) يُجْلَبُ إنْ كَانَ عَلَى (أَكْثَرَ) مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى زِيَادَةً كَثِيرَةً (كَسِتِّينَ مِيلًا) فَلَا يَجِبُ مِنْهَا (إلَّا بِشَاهِدٍ) يُقِيمُهُ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْقَاضِي بِحَقِّهِ فَيَكْتُبُ إلَيْهِ إمَّا أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ أَوْ يَحْضُرَ أَوْ يُوَكِّلَ.

الْمُتَيْطِيُّ إذَا لَمْ يَتَّفِقْ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ الْبَعِيدَةِ تَقْدِيمُ حَاكِمٍ لِكَوْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَأْذَنْ لِلْقَاضِي فِي ذَلِكَ أَوْ لِعَدَمِ مَنْ يُوَلِّيهِ فَلَا يَرْفَعُ مَنْ فِيهِ إلَى الْمِصْرِ إلَّا بِشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ كَشَاهِدِ عَدْلٍ أَوْ أَثَرِ ضَرْبٍ أَوْ جُرْحٍ ظَهَرَ عِنْدَهُ، وَلَعَلَّهُ يُشَخِّصُ الرَّجُلَ الْبَعِيدَ وَلَا شَيْءَ لَهُ عِنْدَهُ.

(وَلَا يُزَوِّجُ) الْقَاضِي (امْرَأَةً) غَائِبَةً (لَيْسَتْ بِوِلَايَتِهِ) تت اخْتَلَفَ الشَّارِحَانِ فِي تَقْرِيرِهِ، فَقَرَّرَهُ الشَّارِحُ بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا بِمَحِلِّهَا فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَخَرَجَتْ مِنْهَا أَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ زَوَّجَهَا كَانَتْ مِنْ

ص: 379

وَهَلْ يُدَّعَى حَيْثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِهِ عُمِلَ؟ أَوْ الْمُدَّعَى وَأُقِيمَ مِنْهَا

ــ

[منح الجليل]

أَهْلِ وِلَايَتِهِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ صَارَ مَعْزُولًا عَنْ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ خَارِجًا عَنْ وِلَايَتِهِ. وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ لَا يُزَوِّجُ امْرَأَةً لَيْسَتْ بِوِلَايَتِهِ يَعْنِي إذَا حَضَرَ بِوِلَايَتِهِ امْرَأَةٌ مَحَلُّهَا فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ فَلَا يُزَوِّجُهَا قَالُوا لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَشْخَاصُ كَمَا تُعْتَبَرُ الْبِقَاعُ. طفي تَقْرِيرُ الشَّارِحِ هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ نَصُّ الْجَوَاهِرِ.

(وَ) إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَلَدٍ لَهُ قَاضٍ وَالْمُدَّعِي بِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ لَهُ قَاضٍ آخَرُ فَ (هَلْ يُدَّعَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَالْعَيْنِ مُثَقَّلًا، أَيْ تُقَامُ الدَّعْوَى وَيَتَحَاكَمُ (حَيْثُ) يَكُونُ الشَّخْصُ (الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِهِ) أَيْ الِادِّعَاءِ بِمَحَلِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ قَضَى مُطَرِّفٌ بِهِ جَرَى الْحُكْمُ بِالْمَدِينَةِ وَحَكَمَ بِهِ ابْنُ بَشِيرٍ بِالْأَنْدَلُسِ (أَوْ) يُدْعَى حَيْثُ يَكُونُ (الْمُدَّعِي) فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (وَأُقِيمَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ فَهِمَهُ فَضْلٌ (مِنْهَا) أَيْ الْمُدَوَّنَةِ.

(تَنْبِيهَانِ)

الْأَوَّلُ تت وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَقَارًا أَوْ شَيْئًا مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، اهـ. طفي لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي كَبِيرِهِ وَقَوْلُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَالْخُصُومَةُ فِي مُعَيَّنٍ دَارًا وَغَيْرَهَا فِي كَوْنِهَا فِي بَلَدِ الْمُدَّعِي فِيهِ أَوْ بَلَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ بَلَدِ الْمُدَّعِي فِيهِ، ثَالِثُهَا هَذَا أَوْ حَيْثُ اجْتِمَاعُهُمَا وَلَوْ بِغَيْرِ بَلَدِ الْمُدَّعِي فِيهِ لِاخْتِصَارِ الْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَعَ فَضْلٍ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ كِنَانَةَ وَمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ قَائِلًا كُلُّ مَنْ تَعَلَّقَ بِخَصْمٍ فِي حَقٍّ فَلَهُ مُخَاصَمَتُهُ حَيْثُ تَعَلَّقَ بِهِ إنْ كَانَ بِهِ أَمِيرًا وَقَاضٍ، وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ بِغَيْرِ مَوْضِعِ إجْمَاعِهِمَا. ابْنُ حَبِيبٍ أَقُولُ بِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ مِنْ دَيْنٍ وَحَقٍّ لَا فِي الْعَقَارِ. اهـ. وَنَقَلَ " ق " عَنْ ابْنِ دِينَارٍ أَنَّ الدَّعْوَى بِحَقٍّ فِي الذِّمَّةِ الْخِصَامُ فِيهَا حَيْثُ تَعَلَّقَ بِهِ الطَّالِبُ. قُلْت الدُّيُونُ فِي هَذِهِ مُخَالِفَةٌ لِلْعَقَارِ قَالَ نَعَمْ، وَفِي التُّحْفَةِ وَحَيْثُ يُلْقِيهِ بِمَا فِي الذِّمَّةِ يَطْلُبُهُ وَمُقَابَلَتُهُمْ الْعَقَارَ بِالدُّيُونِ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْعَقَارِ، بَلْ الْمُعَيَّنُ غَيْرُهُ كَهُوَ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَإِنْ كَانَ فَرْضُ كَلَامِهِمْ فِي الْعَقَارِ.

ص: 380

وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ بِلَا وَكَالَةٍ؟ تَرَدُّدٌ.

ــ

[منح الجليل]

الثَّانِي: تت الظَّاهِرُ أَنَّ الْعَمَلَ مُرَجِّحٌ لِلْقَوْلِ وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ كَانَ الْعُرْفُ عَامًّا فِي كُلِّ بَلَدٍ، وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَ الْعُرْفُ بِأَنْ جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي بَلَدٍ وَجَرَى فِي آخَرَ بِغَيْرِهِ فَغَيْرُ وَاضِحٍ فَرُبَّ شَيْءٍ شَهِدَ الْعُرْفُ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فِي بَلَدٍ وَشَهِدَ فِي آخَرَ أَنَّهُ لِلنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ، وَرُبَّمَا اخْتَلَفَ الْعُرْفُ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ. طفي كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَمَلَ بِشَيْءٍ هُوَ جَرَيَانُ الْعُرْفِ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مُرَادُهُمْ بِقَوْلِهِمْ وَبِهِ الْعَمَلُ وَعُمِلَ بِهِ أَنَّ الْقَوْلَ حَكَمَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ وَجَرَيَانُ الْعُرْفِ بِالشَّيْءِ هُوَ عَمَلُ الْعَامَّةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ إنْشَاءِ حُكْمٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، كَقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْعُرْفُ عِنْدَنَا فِي ذَوَاتِ الْأَقْدَارِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ الدَّارَ، فَلَوْ اخْتَلَفَا فِيهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ الْمَرْأَةِ.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهَذَا الْبَابُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ تَابِعٌ لِلْعُرْفِ، فَرُبَّ مَتَاعٍ شَهِدَ الْعُرْفَ فِي بَلَدٍ أَوْ زَمَانٍ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ، وَيَشْهَدُ فِي بَلَدٍ آخَرَ أَوْ زَمَنٍ آخَرَ أَنَّهُ لِلنِّسَاءِ، وَيَشْهَدُ فِي الزَّمَانِ الْوَاحِدِ وَالْمَكَانِ الْوَاحِدِ أَنَّهُ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْمٍ وَمِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ قَوْلِهِ، وَبِهِ الْعَمَلُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَبِهِ عُمِلَ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ مُطَرِّفٍ وَبِهِ جَرَى الْحُكْمُ فِي الْمَدِينَةِ، وَبِهِ حَكَمَ ابْنُ بَشِيرٍ بِالْأَنْدَلُسِ وَلَيْسَ هَذَا تَابِعًا لِلْعُرْفِ فِي شَيْءٍ.

(وَفِي تَمْكِينِ) شَخْصٍ مِنْ (الدَّعْوَى لِ) شَخْصٍ (غَائِبٍ) عَنْ الْبَلَدِ احْتِسَابًا (بِلَا وَكَالَةٍ) مِنْ الْغَائِبِ لَهُ فِي شَيْءٍ تَعَدَّى عَلَيْهِ أَوْ غَصْبٍ أَوْ ضَرَرٍ أَحْدَثَهُ جَارُهُ فِي دَارِهِ أَوْ أَرْضِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَحْنُونٌ، وَعَدَمُ تَمْكِينِهِ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ، ثَالِثُهَا لَا يُمَكَّنُ مِنْهَا إلَّا الْأَبُ وَالِابْنُ وَمَنْ لَهُ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ، رَابِعُهَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا مِنْ الْخُصُومَةِ، خَامِسُهَا يُمَكَّنُ الْقَرِيبُ وَالْأَجْنَبِيُّ مِنْ الْخُصُومَةِ فِي الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ دُونَ تَوْكِيلٍ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا الْأَبُ وَالِابْنُ حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ (تَرَدُّدٌ) الْحَطّ أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ إلَى الْخِلَافِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّوْضِيحِ، وَذَكَرَهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ.

ص: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: الْحَطّ هَذَا الْخِلَافُ فِي الدَّعْوَى مِمَّنْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَأَمَّا مَنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ كَمَنْ سَبَقَتْ لَهُ يَدٌ عَلَى الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ مَنْ لَهُ فِيهِ تَعَلُّقٌ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْهُ، فَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِذَلِكَ أَمْ لَا، لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ كَلَامًا شَافِيًا، وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ نُصُوصُ الْمَذْهَبِ الْآتِي ذِكْرُهَا أَنْ تُلَخَّصَ قَاعِدَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَتُجْعَلَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَهِيَ أَنَّ هَذَا الْمُدَّعِيَ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ ضَمَانُ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ وَصَارَ مُطَالَبًا بِهِ فَلَهُ الْمُخَاصَمَةُ فِيهِ وَالدَّعْوَى وَإِثْبَاتُ مِلْكِ الْغَائِبِ وَتَسَلُّمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ضَمَانِهِ فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمُدَّعَى فِيهِ شَيْئًا لَهُ فِي ذِمَّةِ مَالِكِهِ الْغَائِبِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَازَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ وَيُثْبِتَ مِلْكَ الْغَائِبِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الدَّعْوَى، فَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْغَاصِبُ إذَا غَصَبَهُ غَاصِبٌ آخَرُ وَالْمُسْتَعِيرُ إذَا كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَالْمُرْتَهِنُ كَذَلِكَ وَالْحَمْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ، سُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْعُمَّالِ أَكْرَهَ رَجُلًا أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ رَجُلٍ يُخْرِجَ مِنْهُ مَتَاعَهُ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَأَخْرَجَ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ عُزِلَ ذَلِكَ الْعَامِلُ الْغَاصِبُ ثُمَّ أَتَى الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْمَتَاعُ فَطَلَبَ مَا غُصِبَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِمَالِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا إنْ شَاءَ الْآمِرَ، وَإِنْ شَاءَ الْمَأْمُورَ فَقَالَ نَعَمْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِمَالِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. قِيلَ لَهُ فَإِنْ أَخَذَ مَالَهُ مِنْ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى الدُّخُولِ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْعَامِلِ الَّذِي أَكْرَهَهُ عَلَى الدُّخُولِ، فَقَالَ نَعَمْ، قِيلَ لَهُ فَإِنْ عُزِلَ الْأَمِيرُ الْغَاصِبُ وَغَابَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْمَتَاعُ فَقَامَ الْمُكْرَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ عَلَى الْأَمِيرِ الْغَاصِبِ لِلْمَتَاعِ لِيُغَرِّمَهُ إيَّاهُ وَقَالَ أَنَا الْمَأْخُوذُ بِهِ إذَا جَاءَ صَاحِبُهُ فَهَلْ يُعَدَّى عَلَيْهِ فَقَالَ نَعَمْ.

مُحَمَّدٌ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْمَخْلُوقِ كَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ لَا يَصِحُّ بِإِجْمَاعٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ مِنْ الْأَقْوَالِ بِاتِّفَاقٍ، وَمِنْ الْأَفْعَالِ عَلَى اخْتِلَافٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ يُقْضَى لِلْمُكْرَهِ عَلَى الدُّخُولِ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ عَلَى الْعَامِلِ بِالْمَالِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ، فَفِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِتَغْرِيمِهِ إيَّاهُ

ص: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ وَيُوقَفُ لِصَاحِبِهِ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ إثْرَهُ كَالْمُصَنِّفِ فِي ضَيْح، قُلْت الْأَظْهَرُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي الْوَقْفِ لَضَمِنَهُ لِأَنَّهُ عَلَى حُكْمِ الْغَصْبِ بَاقٍ اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ كَالْغَصْبِ وَالْقَتْلِ لَا يَصِحُّ بِإِجْمَاعٍ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِ الْخِلَافُ حَسْبَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالُوا فِي الْحَمِيلِ لَهُ أَخْذُ الْحَقِّ بَعْدَ مَحَلِّهِ وَالطَّالِبُ غَائِبٌ إذَا قَالَ أَخَافُ أَنْ يُفْلِسَ الْمَضْمُونُ وَهُوَ مِمَّا يُخْشَى عَدَمُهُ قَبْلَ قُدُومِ الطَّالِبِ أَوْ كَانَ كَثِيرَ الْمَطْلِ وَاللَّدَدِ، فَإِنْ كَانَ الْحَمِيلُ أَمِينًا أَقَرَّ الْمَالَ عِنْدَهُ وَإِلَّا أَوْدَعَ لِبَرَاءَةِ الْحَمِيلِ وَالْغَرِيمِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِ. وَمِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي الْمُرْتَهِنُ يُثْبِتُ مِلْكَ الرَّاهِنِ لِيَبِيعَهُ وَيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ وَزَوْجَةُ الْغَائِبِ وَغُرَمَاؤُهُ يُثْبِتُونَ مَالَهُ لِيُبَاعَ لَهُمْ وَيَسْتَوْفُونَ مِنْ ثَمَنِهِ. ابْنُ رُشْدٍ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ لِلْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الرَّهْنِ حَتَّى يَثْبُتَ الدَّيْنُ عِنْدَهُ وَالرَّهْنُ وَمِلْكُ الرَّاهِنِ لَهُ. وَيَحْلِفُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ مَا وَهَبَهُ دَيْنَهُ وَلَا قَبَضَهُ وَلَا أَحَالَ بِهِ وَأَنَّهُ لَبَاقٍ عَلَيْهِ إلَى حِينِ قِيَامِهِ اهـ. وَفِي التَّوْضِيحِ إنْ كَانَ لِلزَّوْجِ وَدَائِعُ وَدُيُونٌ فَرَضَ لِلزَّوْجَةِ نَفَقَتَهَا فِيهَا، وَلَهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ جَحَدَ مِنْ غُرَمَائِهِ أَنَّ لِزَوْجِهَا عَلَيْهِمْ دَيْنًا، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَبِيعُ الْحَاكِمُ الدَّارَ حَتَّى يُكَلِّفَ الزَّوْجَةَ إثْبَاتَ مَلَكِيَّةِ الزَّوْجِ لَهَا وَأَنَّ الدَّارَ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ.

الثَّانِي: تت ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ التَّرَدُّدَ فِي الْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ. طفي مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُمْ عَدُّوا هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُشِيرُ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرَدُّدِ لِكَثْرَةِ الْخِلَافِ.

الثَّالِثُ: تت مَا قَرَّرْنَا بِهِ نَحْوَهُ فِي الشَّارِحِ الْأَوْسَطِ. وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ الْغَائِبَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ هَذِهِ الدَّعْوَى وَكِيلٌ وَيَكْفِي وُجُودُ الْمَالِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا فَائِدَةَ لِاشْتِرَاطِ حُضُورِ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْغَائِبَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَفَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَوُجُودُ الْوَكِيلِ كَعَدَمِهِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ مَعْنَى مَا لِلشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ. طفي مَا ذَكَرَهُ الْبِسَاطِيُّ عَنْ الشَّارِحِ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ تت، إذْ كَلَامُ الشَّارِحِ فِي كَبِيرِهِ لَيْسَ كَمَا قَالَ، وَلَا يَصِحُّ فِي نَفْسِهِ، إذْ لَيْسَ الْخِلَافُ هَلْ لَا بُدَّ مِنْ وَكِيلٍ أَوْ يَكْفِي

ص: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وُجُودُ الْمَالِ، وَنَصَّ الشَّارِحِ فِي كَبِيرِهِ قَوْلُهُ وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ بِلَا وَكَالَةٍ تَرَدُّدٌ الْمَنْعُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَقَالَ إنْ كَانَ لِلْغَائِبِ بِبَلَدِ الْحُكْمِ مَالٌ أَوْ حَمِيلٌ أَوْ وَكِيلٌ سُمِعَتْ الدَّعْوَى وَإِلَّا نُقِلَتْ الشَّهَادَةُ اهـ. وَهَكَذَا النَّقْلُ فِي ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ شَرَطَ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وُجُودَ أَحَدِ مَا ذُكِرَ وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلْقَاضِي الْحُكْمُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ عَلَى حَمْلِ الشَّارِحِ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ الْبَعِيدِ كَإِفْرِيقِيَّةَ إلَخْ، وَإِنْ قُلْنَا أَعَادَهُ لِيُنَبِّهَ عَلَى الْخِلَافِ فَيَحْتَاجُ لِجَعْلِ اللَّامِ بِمَعْنَى عَلَى، وَمَعَ ذَلِكَ تَنْبُو عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ عَنْ ذَلِكَ، إذْ لَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَةِ عَلَى غَائِبٍ بِلَا وَكِيلٍ أَوْ حَمِيلٍ أَوْ مَالٍ تَرَدُّدٌ وَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا مَحَلَّ التَّرَدُّدِ، وَلِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَالْبَعِيدُ كَإِفْرِيقِيَّةَ هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ مَا يُخَالِفُهُ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْخِلَافِ مَعَ ضَعْفِهِ، إذْ لَمْ تَجْرِ لِلْمُصَنِّفِ عَادَةً بِذَلِكَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَتَقْرِيرُ الشَّارِحِ فِي كَبِيرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَفِي الْوَسَطِ وَالصَّغِيرِ كَمَا قَرَّرَ تت، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ تَعْمِيمَ ابْنِ مَرْزُوقٍ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُدَّعَى لَهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَالْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْهُمْ مَا ذُكِرَ مَعَ تَقَدُّمِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَعَ كَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مَشْهُورَةً بِالْخِلَافِ فِي دَوَاوِينِ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَنْ قَامَ مُحْتَسِبًا لِغَائِبٍ. ابْنُ عَرَفَةَ فَفِي قَصْرِ الْقِيَامِ عَنْهُ دُونَ تَوْكِيلٍ مِنْهُ عَلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَعُمُومُهُ فِيهِمَا وَفِي الْأَجَانِبِ ثَالِثُهَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا الْخُصُومَةِ. وَرَابِعُهَا لَا يُمَكَّنُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَخَامِسُهَا يُمَكَّنُ مِنْهُمَا الْأَبُ وَالِابْنُ فَقَطْ، وَيُمَكَّنُ غَيْرُهُمَا وَالْأَجْنَبِيُّ فِي الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ لِفَوْتِهَا وَتَغَيُّرِهَا لَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ دَيْنٍ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقِيَامِ عَنْهُ فِي كَوْنِهِ فِي قَرِيبِ الْغَيْبَةِ وَبِعِيدِهَا وَقَصْرِهِ عَلَى قُرْبِهَا قَوْلَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 384