المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب في بيان الهبة وأحكامها وما يتعلق بها] - منح الجليل شرح مختصر خليل - جـ ٨

[محمد بن أحمد عليش]

الفصل: ‌[باب في بيان الهبة وأحكامها وما يتعلق بها]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

الثَّانِي: طفي جَمَعَ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ إلَخْ الْمَسَائِلَ الثَّلَاثَ فِي الْحُكْمِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ وَلَا يُخْرَجُ سَاكِنٌ إذَا اسْتَغْنَى، وَلَا يَأْتِي تَفْرِيعُهُ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ حَبْسًا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَسَكَنَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ اسْتَغْنَى أَنَّهُ لَا يُخْرَجُ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ اسْتَحَقَّ مَسْكَنًا مِنْ حَبْسٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِفَقْرِهِ أُخْرِجَ مِنْهُ إنْ اسْتَغْنَى. اهـ. وَإِنْ جُعِلَ قَوْلُهُ وَلَا يَخْرُجُ سَاكِنٌ مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُفَرَّعٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أُطْلِقَ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ، وَصَنِيعُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَحْسَنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَسْأَلَةَ تَفْضِيلِ الْمُتَوَلِّي فِي الْحَبْسِ الْمُعَقَّبِ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْخِلَافَ فِي الْحَبْسِ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ هَلْ هُوَ كَالْمُعَقَّبِ، أَوْ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ سَوَاءٌ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُخْرِجْ سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ وَإِنْ غَنِيًّا، ثُمَّ قَالَ وَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ حَمْلُهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ. اهـ. أَيْ الْأَمْرُ فِيهِ ظَاهِرٌ، إذْ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ وَخِلَافُهُمْ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ اعْتِرَاضَ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ وَلَا يُخْرَجُ سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ بِشُمُولِهِ لِلْفُقَرَاءِ غَيْرُ وَارِدٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَصَّلَ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا يُخْرَجُ إلَخْ مُسْتَأْنَفٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْبُنَانِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ التَّفْرِيعُ عَلَى الثَّلَاثِ فَمَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ صَوَابٌ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ كَالْمَدْرَسَةِ وَكَالْحَبْسِ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ مَثَلًا إذَا فَضَّلَ الْمُتَوَلِّي أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ بِالسُّكْنَى فَلَا يُخْرَجُ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ اسْتَغْنَى مِثْلُ الْمُعَقَّبِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ يُخْرَجُ لِغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ إذَا زَالَ الْوَصْفُ الَّذِي قَصَدَهُ الْمُحَبِّسُ كَالْفَقْرِ فِي الْحَبْسِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَكَطَلَبِ الْعِلْمِ فِي التَّحْبِيسِ عَلَى الطَّلَبَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَاب فِي بَيَان الْهِبَة وَأَحْكَامهَا وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا]

(بَابٌ)

ص: 173

بَابٌ) الْهِبَةُ؛ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ، صَدَقَةٌ

ــ

[منح الجليل]

فِي بَيَانِ الْهِبَةِ وَأَحْكَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (الْهِبَةُ) أَيْ حَقِيقَتُهَا شَرْعًا (تَمْلِيكٌ) أَيْ لِذَاتِ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ وَنَحْوَهُ (بِلَا عِوَضٍ) فَصْلٌ مُخْرِجٌ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ، أَيْ لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ فَقَطْ أَوْ لَهُ وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ مَعًا بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ فَصْلٌ مُخْرِجٌ الصَّدَقَةَ (وَ) التَّمْلِيكُ لِذَاتٍ بِلَا عِوَضٍ (لِثَوَابِ) اللَّهِ تَعَالَى فِي الدَّارِ (الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ الْهِبَةُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَطِيَّةِ وَهِيَ تَمْلِيكُ مُتَمَوِّلٍ بِغَيْرِ عِوَضِ إنْشَاءٍ فَيَخْرُجُ الْإِنْكَاحُ وَالْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِ وَارِثِ إرْثِهِ، وَيَدْخُلُ الْعَارِيَّةُ وَالْحَبْسُ وَالْعُمْرَى وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْعَارِيَّةُ وَالْحَبْسُ تَقَدَّمَا ثُمَّ قَالَ وَالْهِبَةُ لَا لِلثَّوَابِ تَمْلِيكُ ذِي مَنْفَعَةٍ لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى بَدَلَ الْمُعْطَى. وَفِي كَوْنِ الْهِبَةِ مَعَ كَوْنِهَا كَذَلِكَ مَعَ إرَادَةِ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى صَدَقَةً أَوْ قَوْلَا الْأَكْثَرِ وَمُطَرِّفٍ حَسْبَمَا يَذْكُرُ فِي الِاعْتِصَارِ فَتَخْرُجُ الْعَارِيَّةُ وَالْبَيْعُ.

(تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: طفي قَوْلُهُ وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ الْحُكْمُ عَلَى الْهِبَةِ إذَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالتَّقْدِيرُ وَالْهِبَةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ لِوَجْهِ الْمُعْطَى وَالْهِبَةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ لَا مَا أُرِيدَ بِهِ الْآخِرَةُ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَلَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ وَالصَّدَقَةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الثَّانِي: نَصَّ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ مَنْدُوبَةٌ، وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ

ص: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَقَدْ قِيلَ لَا ثَوَابَ فِيهَا وَمَنْ لَازَمَ الْمَنْدُوبَ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُهْدِيَ إنْ قَصَدَ الرِّيَاءَ وَالْمَدْحَ فَلَا ثَوَابَ لَهُ، وَإِنْ قَصَدَ التَّوَدُّدَ لِلْمُعْطَى غَافِلًا عَنْ حَدِيثِ «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» فَكَذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَحْضَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُثَابُ قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ، أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.

الثَّالِثُ: الْهِبَةُ أَحَدُ مَصَادِرِ وَهَبَ يُقَالُ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا وَهْبًا وَوَهَبًا بِالتَّحْرِيكِ وَهِبَةً وَالِاسْمُ الْمَوْهِبُ وَالْمَوْهِبَةُ بِالْكَسْرِ فِيهِمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَلَا يُقَالُ وَهَبْته بَلْ وَهَبْت لَهُ، وَحَكَى السِّيرَافِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ انْطَلِقْ مَعِي أَهَبْك نَبْلًا.

الرَّابِعُ: سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ حَدِيثِ «دَاوُوا مَرَضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ» ، فَأَجَابَ بِأَنِّي لَسْت أَذْكُرُهُ فِي نَصٍّ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ الصَّحِيحَةِ وَلَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ الْحَثُّ عَلَى عِيَادَةِ الْمَرْضَى؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ فَيَحْصُلُ لَهُ السُّرُورُ وَالدُّعَاءُ لَهُ وَلَا شَكَّ فِي رَجَاءِ الْإِجَابَةِ لَهُ وَالشِّفَاءِ فَيَنْفَعُهُ فِي الدَّوَاءِ. الْبُرْزُلِيُّ حَمَلَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ عَنْهُ وَطَلَبَ لَهُ الدُّعَاءَ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ يُرْجَى لَهُ الشِّفَاءُ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْإِحْيَاءِ حَدِيثُ: الصَّدَقَةُ تَسُدُّ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ السُّوءِ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الْبِرِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «إنَّ اللَّهَ لَيَرُدُّ بِالصَّدَقَةِ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ مَيْتَةِ السُّوءِ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْخَامِسُ فِيهَا مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ لَهُ سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا فَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ مَا دَامَ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ، وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ بَعْدَ رُشْدِهِ فَلَا يَجُوزُ كَانَ الْوَاهِبُ وَالِدًا أَوْ أَجْنَبِيًّا. أَبُو عِمْرَانَ اُنْظُرْ مَا مَعْنَى سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا وَهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا شُرِطَ أَوْ لَا، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ لَا تُبَاعُ فِي نَفَقَةٍ احْتَاجَ لَهَا مِنْ وَلِيِّهِ، وَحَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا خَمْسَةَ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا إذَا أَبْطَلَ الْوَاهِبُ الشَّرْطَ. ثَانِيهَا أَنَّ الْوَاهِبَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إبْطَالِ شَرْطِهِ وَاسْتِرْدَادِ هِبَتِهِ. ثَالِثُهَا بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَصِحَّةُ الْهِبَةِ. رَابِعُهَا لُزُومُ الْهِبَةِ وَإِعْمَالُ الشَّرْطِ فَتَكُونُ بِيَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَالْحَبْسِ لَا يَبِيعُ وَلَا يَهَبُ حَتَّى يَمُوتَ فَتُورَثُ عَنْهُ. خَامِسُهَا تَكُونُ حَبْسًا، فَإِذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ رَجَعَ إلَى الْوَاهِبِ أَوْ

ص: 175

وَصَحَّتْ فِي كُلِّ مَمْلُوكٍ، يُنْقَلُ، مِمَّنْ لَهُ تَبَرُّعٌ بِهَا

وَإِنْ مَجْهُولًا

ــ

[منح الجليل]

وَرَثَتِهِ أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبَسِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه

(وَصَحَّتْ) الْهِبَةُ (فِي كُلِّ) شَيْءٍ (مَمْلُوكٍ) لِلْوَاهِبِ (يُنْقَلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْقَافِ، أَيْ يَقْبَلُ مِلْكُهُ النَّقْلَ شَرْعًا فَلَا تَصِحُّ فِي مُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ وَاسْتِمْتَاعٍ بِزَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ وَتُعُقِّبَ بِجَوَازِ هِبَةِ مَا لَا يَجُوزُ نَقْلُ مِلْكِهِ كَجِلْدِ ضَحِيَّةٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. ابْنُ شَاسٍ الرُّكْنُ الثَّانِي الْمَوْهُوبُ وَهُوَ كُلُّ مَمْلُوكٍ يَقْبَلُ النَّقْلَ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَالدَّارِ وَالثَّوْبِ وَمَنَافِعِهِمَا لَا مَا لَا يَقْبَلُهُ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، زَادَ ابْنُ هَارُونَ كَالشُّفْعَةِ وَرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُمَا مَالِيَّانِ، وَكَذَا الْحَبْسُ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ، وَقَدْ دَخَلَ فِي كُلِّ مَمْلُوكٍ وَتَدْخُلُ الْعَارِيَّةُ وَهُوَ خِلَافُ الْعُرْفِ، وَصِلَةُ صَحَّتْ (مِمَّنْ) أَيْ كُلِّ شَخْصٍ (لَهُ تَبَرُّعٌ بِهَا) أَيْ الذَّاتِ الْمَوْهُوبَةِ فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَفِيهٍ وَلَا رَقِيقٍ وَلَا مُفْلِسٍ وَلَا بِمِلْكِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا وَلَا زَوْجَةٍ أَوْ مَرِيضٍ بِمَا زَادَ عَلَى ثُلُثِ مَالِهِمَا. ابْنُ شَاسٍ الْوَاهِبُ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ. ابْنُ عَرَفَةَ لَيْسَ التَّبَرُّعُ بِأَعْرَفَ مِنْ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ يَعْرِفُهَا دُونَهُ وَالْأَوْلَى مَنْ لَا حَجَرَ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ فَيَخْرُجُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ.

(وَ) تَصِحُّ هِبَةُ الْمَمْلُوكِ إنْ كَانَ مَعْلُومًا، بَلْ وَ (إنْ) كَانَ (مَجْهُولًا) فِيهَا الْفَوْرُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ جَائِزٌ لَا فِي الْبَيْعِ، وَمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ مُورَثَهُ مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ سُدُسٌ أَوْ رُبُعٌ أَوْ وَهَبَهُ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ أَوْ جِدَارٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ ذَلِكَ فَذَلِكَ جَائِزٌ. اهـ. وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ. أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَعْرِفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هِبَةَ الْمَجْهُولِ جَائِزَةٌ. مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ تَجُوزُ هِبَةُ الْمَجْهُولِ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ كَثِيرٌ بَعْدَ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ وَهَبَ مُورَثَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ جَازَ وَالْغَرَرُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ يَجُوزُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ. اللَّخْمِيُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ وَالصَّدَقَةُ بِهِ مَاضِيَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَطِيَّةِ خَوْفَ النَّدَمِ. قُلْت هِبَةُ مَا جُهِلَ قَدْرُهُ فِي إرْثٍ نَاجِزٍ فِي لُزُومِهَا. ثَالِثُهَا إنْ عَرَفَ قَدْرَ الْمِيرَاثِ وَلَوْ جَهِلَ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَإِنْ جَهِلَ قَدْرَ الْمِيرَاثِ فَلَا تَلْزَمُهُ، وَلَوْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْهُ

ص: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

لَهَا مَعَ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَائِلًا وَلَوْ ظَهَرَتْ كَثْرَتُهَا، وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ تَصَدَّقَ بِمِيرَاثِهِ ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ خِلَافُ مَا ظَنَّهُ فَلَهُ رَدُّهُ، وَكَذَا فِي الْوَاضِحَةِ وَابْنِ فَتُّوحٍ عَنْ بَعْضِهِمْ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ تَفْرِيقٌ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا وَجْهَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشُكَّ فِيمَا بَيْنَ الْجُزْأَيْنِ كَكَوْنِ الزَّوْجِ لَا يَدْرِي هَلْ إرْثُهُ النِّصْفُ أَوْ الرُّبْعُ، فَيَكُونُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ جَهْلِ قَدْرِ الْمَالِ وَجْهٌ وَهُوَ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِيمَا بَيْنَ الْجُزْأَيْنِ رَضِيَ بِهِبَةِ أَكْثَرِهِمَا فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ وَهَبَ إرْثَهُ مِنْ أَبِيهِ فِي مَرَضِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَالصَّحِيحُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي مَرَضِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَعَلَى الثَّانِي قَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ ظَنَّ الْمَوْرُوثُ دَارًا مُعَيَّنَةً بَانَ أَنَّهَا دَارٌ أُخْرَى أَوْ طَرَأَ مَالٌ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ حَاضِرًا فَلَهُ رَدُّهُ كَدَارٍ وَالطَّارِئُ وَإِنْ ظَنَّ فِي الْحَاضِرِ قَدْرًا بَانَ أَنَّهُ أَكْثَرُ كَانَ شَرِيكًا بِالزَّائِدِ، وَفِي عَارِضَةِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي جَوَازِ هِبَةِ الْمَجْهُولِ رِوَايَتَانِ، وَفِيهَا فِيمَنْ وَهَبَ نَصِيبًا مِنْ دَارٍ لَمْ يُسَمِّهِ قِيلَ لَهُ أَقِرَّ بِمَا تَشَاءُ مِمَّا يَكُونُ نَصِيبًا. اللَّخْمِيُّ هَذَا عَلَى مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ وَعَلَى الْمَقْصِدِ إنْ أَقَرَّ بِمَا يُشْبِهُ هِبَةَ مِثْلِهِ لِمِثْلِ الْمَوْهُوبِ لَهُ قُبِلَ وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا يُشْبِهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فِي لُزُومِ حَلِفِهِ نَقَلَا ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ فَتُّوحٍ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ تَصَدَّقَ بِإِرْثِهِ مِنْ أَبِيهِ إنْ مَاتَ وَالْأَبُ بَاقٍ فَلَا يَلْزَمُهُ لِجَهْلِهِ قَدْرَهُ. ابْنُ رُشْدٍ عَدَمُ لُزُومِهِ لِجَهْلِهِ قَدْرَهُ لَا لِأَنَّهُ وَهَبَ مَا لَمْ يَمْلِكْ، بَلْ مَا يَمْلِكُ لِتَقْيِيدِهِ بِمَوْتِهِ خِلَافُ سَمَاعِهِ. أَصْبَغُ إنَّهُ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ ظَنَنْت قِلَّتَهُ وَلَوْ عَلِمْته هَذَا الْقَدْرَ مَا وَهَبْته، وَأَشْبَهَ قَوْلُهُ فَيَحْلِفُ وَلَا يَلْزَمُهُ. وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ سَمَاعَ أَصْبَغَ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ وَسَمَاعَ عِيسَى عَلَى أَنَّهُ قَبْلَهُ قَالَ وَهُوَ قَوْلُهَا إنَّ الْوَارِثَ لَا يَمْلِكُ الْإِرْثَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إنَّمَا يَمْلِكُ فِيهِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، قَالَ وَفِي الْمُوَطَّإِ مَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ مَا وَهَبَهُ فِي مَرَضِ مُورِثِهِ مِنْ إرْثِهِ مِنْهُ وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ هِبَةَ إرْثِهِ فِي مَرَضِ مُورِثِهِ لَازِمَةٌ، وَلَيْسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ وَلَا فِي هَذَا السَّمَاعِ نَصٌّ عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ حَمْلِهِ عَلَى أَنَّ هِبَتَهُ كَانَتْ فِي صِحَّةِ مُورِثِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، فَفِي لُزُومِ ذَلِكَ فِي

ص: 177

أَوْ كَلْبًا

وَدَيْنًا وَهُوَ إبْرَاءٌ، إنْ وُهِبَ لِمَنْ عَلَيْهِ،

ــ

[منح الجليل]

الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ثَالِثُهَا فِي الْمَرَضِ، وَفِي تَنْبِيهِ ابْنِ بَشِيرٍ حَكَى مُحَمَّدٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمَجْهُولِ قَوْلَانِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ الْخِلَافِ فِيمَنْ وَهَبَ مَجْهُولًا، وَقَالَ مَا ظَنَنْته هَذَا الْمِقْدَارَ هَلْ لَهُ رَدُّهُ أَمْ لَا. (فَرْعٌ)

فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِبَيْتٍ مِنْ دَارِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مَرْفَقًا فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ مَدْخَلٍ وَمَخْرَجٍ وَمَرْفَقٍ بِبَيْتٍ وَمِرْحَاضٍ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ افْتَحْ بَابًا حَيْثُ شِئْت، وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.

(فَرْعٌ)

فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا وَهَبَ لَهُ حَائِطَهُ الْمُثْمِرَ وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ الْأَصْلَ دُونَ الثَّمَرِ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً فَهِيَ لِلْوَاهِبِ. وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَمْلُوكِ إنْ جَازَ بَيْعُهُ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (كَلْبًا) مَأْذُونًا فِيهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَقَالَ الشَّارِحُ الظَّاهِرُ عَدَمُ جَوَازِ هِبَتِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ تَصِحُّ هِبَةُ الْآبِقِ وَالْكَلْبُ وَاضِحٌ لِتَقَرُّرِ مِلْكِهِ وَلَغْوِ الْغَرَرِ فِي الْهِبَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَوْهُوبُ شَيْئًا مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ

(أَوْ) كَانَ (دَيْنًا) فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فِيهَا وَلَوْ كَانَ دَيْنُهُ عَلَى غَيْرِك فَوَهَبَهُ لَك، فَإِنْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ وَجَمَعَ بَيْنَك وَبَيْنَ غَرِيمِهِ وَدَفَعَ إلَيْك ذِكْرَ الْحَقِّ إنْ كَانَ عِنْدَهُ فَهَذَا قَبْضٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَتَبَ عَلَيْهِ ذِكْرَ حَقٍّ وَأَشْهَدَ لَك وَأَحَالَك عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا، وَكَذَلِكَ إنْ أَحَالَك عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ وَأَشْهَدَ لَك وَقَبَضْت ذِكْرَ الْحَقِّ كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ هَكَذَا يُقْبَضُ.

(وَهُوَ) أَيْ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ أَوْ هِبَتُهُ وَذِكْرُهُ مُرَاعَاةً لِخَبَرِهِ (إبْرَاءٌ) أَيْ إسْقَاطٌ لِلدَّيْنِ عَنْ ذِمَّةِ مَدِينِهِ تَفْرِيغٌ لَهَا مِنْ (إنْ وُهِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الدَّيْنُ (لِمَنْ) أَيْ مَدِينٍ أَوْ الْمَدِينِ الَّذِي (هُوَ) أَيْ الدَّيْنُ ثَابِتٌ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَدِينِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِقَبُولِ الْمَدِينِ وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ " رحمه الله "، وَصَدَّرَ فِي اخْتِصَارِ الْمُتَيْطِيَّةِ بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى مَاتَ بَطَلَتْ الْهِبَةُ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَخِلَافُهُمَا إذَا سَكَتَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِقَبُولٍ وَلَا رَدٍّ. ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ

ص: 178

وَإِلَّا فَكَالرَّهْنِ

وَرَهْنًا لَمْ يُقْبَضْ وَأَيْسَرَ رَاهِنُهُ،

ــ

[منح الجليل]

وَالْمُتَيْطِيُّ لَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي عَقْدِ الْهِبَةِ قُبِلَتْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَفِي بُطْلَانِهَا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلَوْ رَدَّ الْهِبَةَ بَطَلَتْ عَلَى كُلَّ حَالٍ فَفِيهَا مَنْ وَهَبَك دَيْنًا لَهُ عَلَيْك فَقَوْلُك قَبِلْت قَبْضٌ، وَإِذَا قَبِلْت سَقَطَ الدَّيْنُ، وَإِنْ قُلْت لَا أَقْبَلُ بَقِيَ الدَّيْنُ بِحَالِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَهَبْ الدَّيْنَ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِأَنْ وَهَبَهُ لِغَيْرٍ (فَ) هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَدِينِهِ (كَالرَّهْنِ) لِلدَّيْنِ فِي تَوَقُّفِ قَبْضِهِ عَلَى إشْهَادِهِ بِذَلِكَ وَجَمْعِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينِ.

وَدُفِعَ ذِكْرُ الدَّيْنِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ كَانَ لَهُ ذِكْرٌ. عَبْدُ الْحَقِّ دَفْعُ ذِكْرِهِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ قَبْضِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ كَمَالٍ. وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَيَانِ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ وَتَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ وَقَبْضُهُ كَقَبْضِهِ فِي الرَّهْنِ. ابْنُ شَاسٍ تَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ كَمَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، وَقَبْضُهُ كَقَبْضِهِ فِي الرَّهْنِ مَعَ إعْلَامِ الْمِدْيَانِ بِالْهِبَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أَشْهَدَ لَهُ وَأَحَالَهُ عَلَى مَدِينِهِ لِحُضُورِهِ وَدَفَعَ لَهُ ذِكْرَ الْحَقِّ كَفَى اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَعَذَّرَ كَفَى الْإِشْهَادُ وَالْقَبُولُ، وَفِي لُزُومِ دَفْعِ ذِكْرِ الدَّيْنِ إنْ كَانَ قَوْلَانِ لَهَا وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَالْأَوَّلُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ. وَنَصَّ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ إنْ لَمْ يَدْفَعْ ذِكْرَ الدَّيْنِ لِلْمَوْهُوبِ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ كَدَارٍ مُغْلَقَةٍ لَمْ يُعْطِهِ مِفْتَاحَهَا. الْبُنَانِيُّ وَفِي التَّشْبِيهِ بِالرَّهْنِ إحَالَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ رَهْنِ الدَّيْنِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهَذِهِ الْإِحَالَةُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَّا أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ ذَكَرَ رَهْنَ الدَّيْنِ فَجَاءَتْ الْإِحَالَةُ فِي كَلَامِهِ حَسَنَةً.

وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَمْلُوكِ إنْ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا، بَلْ (وَ) إنْ كَانَ (رَهْنًا) فِي حَقٍّ (لَمْ يُقْبَضْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ وَلَا غَيْرُهُ مَنْ رَاهَنَهُ حَتَّى وَهَبَهُ لِغَيْرِ مُرْتَهِنِهِ فَالْمَوْهُوبُ لَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مُرْتَهِنِهِ (وَ) قَدْ (أَيْسَرَ رَاهِنُهُ) بِالدَّيْنِ الْمَرْهُونِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَمُرْتَهِنُهُ أَحَقُّ بِهِ. فِيهَا مَنْ رَهَنَ عَبْدَهُ ثُمَّ وَهَبَهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَيُقْضَى عَلَى الْوَاهِبِ بِافْتِكَاكِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ الْمَوْهُوبُ حَتَّى افْتَكَّهُ الْوَاهِبُ فَلَهُ أَخْذُهُ مَا لَمْ يَمُتْ الْوَاهِبُ فَتَبْطُلُ الْهِبَةُ، وَلَيْسَ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ مَاتَ

ص: 179

أَوْ رَضِيَ مُرْتَهِنُهُ، وَإِلَّا قُضِيَ بِفَكِّهِ، إنْ كَانَ مِمَّا يُعَجَّلُ وَإِلَّا بَقِيَ لِبَعْدِ الْأَجَلِ

بِصِيغَةٍ،

ــ

[منح الجليل]

الْوَاهِبُ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ حَقًّا فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ. أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ الْمَوْهُوبُ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إنْ كَانَ الْوَاهِبُ مَلِيًّا وَإِلَّا فَالْمُرْتَهِنُ لَهُ أَحَقُّ بِهِ إلَّا فِي هِبَةِ الثَّوَابِ فَتَنْفُذُ الْهِبَةُ بِكُلِّ حَالٍ، وَيُعَجَّلُ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّهُ مِنْ الثَّوَابِ كَالْبَيْعِ. وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ فَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ قَبْلَ حَوْزِ الْمُرْتَهِنِ وَالْوَاهِبُ مَلِيءٌ، ثُمَّ أَعْدَمَ فَلْيُتْبَعْ بِالدَّيْنِ وَتَمْضِي الْهِبَةُ، وَإِنْ وَهَبَهُ ثُمَّ قَامَا قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا جَازَتْ الْهِبَةُ، وَكَانَ الْمَوْهُوبُ أَحَقَّ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَحُكِمَ لِلْمُرْتَهِنِ بِتَعْجِيلِ حَقِّهِ، فَإِنْ أَعَسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ اتَّبَعَهُ بِحَقِّهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَهَبَ ثُمَّ وَهَبَ وَحَازَهُ الثَّانِي فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ الْأَوَّلِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْأَصْلِ الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الرَّهْنُ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ.

(أَوْ) لَمْ يُوسِرْ رَاهِنُهُ وَ (رَضِيَ مُرْتَهِنُهُ) أَيْ الرَّهْنَ الَّذِي وَهَبَهُ رَاهِنُهُ لِغَيْرِ مُرْتَهِنِهِ بِدَفْعِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ وَأَوْلَى قَبْلَهُ (وَإِلَّا) نَفْيٌ لِقَوْلِهِ لَمْ يُقْبَضْ، فَالْمَعْنَى وَإِنْ كَانَتْ هِبَةُ الرَّهْنِ بَعْدَ قَبْضِهِ مُرْتَهَنَهُ وَرَاهِنُهُ مُوسِرٌ وَلَمْ يَرْضَ مُرْتَهِنُهُ بِدَفْعِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (قُضِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَلَيْهِ) أَيْ الرَّاهِنِ (بِفَكِّهِ) أَيْ الرَّهْنِ مِنْ الْحَقِّ الْمَرْهُونِ فِيهِ وَدَفَعَهُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (إنْ كَانَ الدَّيْنُ) الْمَرْهُونُ فِيهِ (مِمَّا) أَيْ الدَّيْنِ الَّذِي (يُعَجَّلْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْجِيمِ مُثَقَّلَةً، أَيْ يُقْضَى عَلَى مُسْتَحِقِّهِ بِقَبُولِهِ قَبْلَ حُلُولِ أَجْلِهِ إنْ عَجَّلَهُ الْمَدِينُ بِأَنْ كَانَ عَيْنًا مُطْلَقًا أَوْ عَرْضًا مِنْ خُصُوصِ قَرْضٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مِمَّا يُعَجَّلُ بِأَنْ كَانَ عَرَضًا مِنْ بَيْعٍ (بَقِيَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُخَفَّفًا أَوْ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الرَّهْنُ الْمَوْهُوبُ بَعْدَ قَبْضِهِ مُرْتَهَنَهُ رَهْنًا بِيَدِ مُرْتَهِنِهِ أَوْ الْأَمِينِ (لِ) مَا (بَعْدِ) تَمَامِ (الْأَجَلِ) لِلدَّيْنِ فَيَقْضِي الرَّاهِنُ الْمُوسِرُ الدَّيْنَ الْمَرْهُونَ فِيهِ، وَيَدْفَعُ الرَّهْنَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ الْوَاهِبِ أَخْذُ الرَّهْنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَدَفْعُهُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْلَ تَمَامِ الْأَجَلِ وَالْإِتْيَانِ بِرَهْنٍ آخَرَ ثِقَةٍ عِوَضًا عَنْهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِعَيْنِهِ، وَصِلَةُ صَحَّتْ فِي كُلِّ مَمْلُوكٍ

(بِصِيغَةٍ) مِنْ مَادَّةِ الْهِبَةِ كَوَهَبْت وَأَنَا وَاهِبٌ، وَهَذَا مَوْهُوبٌ أَوْ هِبَةٌ وَأَنْتَ مَوْهُوبٌ لَك كَذَا (أَوْ)

ص: 180

أَوْ مُفْهِمِهَا، وَإِنْ بِفِعْلٍ: كَتَحْلِيَةِ وَلَدِهِ

ــ

[منح الجليل]

بِلَفْظٍ (مُفْهِمِهَا) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرَتَيْنِ أَيْ الْهِبَةَ مِنْ غَيْرِ مَادَّتِهَا كَأَعْطَيْتُ وَمَنَحْت وَبَذَلْت وَنَحَلْت. إنْ كَانَ مُفْهِمُهَا قَوْلًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ مُفْهِمُهَا مُصَوَّرًا (بِفِعْلٍ) إذْ الْمَقْصُودُ الرِّضَا، فَأَيُّ شَيْءٍ دَلَّ عَلَيْهِ اُعْتُبِرَ. ابْنُ شَاسٍ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ السَّبَبُ النَّاقِلُ لِلْمِلْكِ وَهُوَ صِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّمْلِيكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَيَتَّصِلُ بِالصِّيغَةِ حُكْمُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى. ابْنُ عَرَفَةَ الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَى التَّمْلِيكِ وَلَوْ فِعْلًا كَالْمُعَاطَاةِ. فِي الذَّخِيرَةِ ظَاهِرُ مَذْهَبِنَا الْجَوَازُ وَإِنْ تَأَخَّرَ الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ إرْسَالِهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ رَسُولٍ، وَقَدْ وَقَعَ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ التَّرَوِّي فِي الْقَبُولِ. اهـ. وَنُصُوصُ الْمَذْهَبِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ إذَا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ عَاتٍ عَنْ الْمُشَاوِرِ مَنْ سَكَتَ عَنْ قَبُولِ صَدَقَتِهِ زَمَانًا فَلَهُ قَبُولُهَا بَعْدَهُ، فَإِنْ طَلَبَ غَلَّتَهَا حَلَفَ مَا سَكَتَ تَارِكًا لَهَا وَأَخَذَهَا اهـ.

وَمَثَّلَ لِلْفِعْلِ فَقَالَ (كَتَحْلِيَةِ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ جَعْلِ حِلْيَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ كَخَلْخَالٍ وَأَسْوِرَةٍ وَقُرْطٍ لِ (وَلَدِهِ) فَيَخْتَصُّ الْوَلَدُ بِهَا عَنْ سَائِرِ وَرَثَةِ أَبِيهِ إنْ مَاتَ، سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ حَلَّى ابْنَهُ الصَّغِيرَ حُلِيًّا فَهُوَ لَهُ لَا مِيرَاثَ. ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مَا وُهِبَ لَهُ وَمَا حَلَّاهُ بِهِ مِنْ الْحُلِيِّ فَقَدْ وَهَبَهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَسَاهُ مِنْ ثَوْبٍ، إذْ هُوَ مِمَّا يُلْبَسُ كَمَا يُلْبَسُ الثَّوْبُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْهِبَةِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْأَبُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْإِمْتَاعِ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اخْتِصَاصُ الْوَلَدِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ وَشَرْحِ ابْنِ رُشْدٍ لَهَا، وَكَأَنَّ " غ " لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَا فِي الرِّوَايَةِ، فَقَالَ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ أَبِي عُمَرَ فِي الْكَافِي وَإِذَا حَلَّى الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ وَلَدَهُمَا الصَّغِيرَ حُلِيًّا وَأَشْهَدَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ أَوْ الْأُمُّ فَالْحُلِيُّ الَّذِي عَلَى الصَّبِيِّ لَهُ دُونَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ. اهـ. وَفِي إلْحَاقِهِ الْأُمَّ بِالْأَبِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحُوزُ لِابْنِهَا الصَّغِيرِ مَا وَهَبَتْهُ لَهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَأْتِي عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ

ص: 181

لَا بِابْنِ مَعَ قَوْلِهِ دَارُهُ

وَحِيزَ، وَإِنْ بِلَا إذْنٍ، وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ

وَبَطَلَتْ إنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ،

ــ

[منح الجليل]

أَنَّهَا تَحُوزُ لَهُ مُطْلَقًا، أَوْ مُرَادُهُ إذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا.

(لَا) تَنْعَقِدُ الْهِبَةُ فِي الْأَرْضِ بِقَوْلِ الْأَبِ لِابْنِهِ (ابْنِ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ الْبِنَاءِ فِيهَا دَارًا وَبَنَاهَا فِيهَا (مَعَ قَوْلِهِ) أَيْ الْأَبِ الَّذِي أَمَرَ ابْنَهُ بِالْبِنَاءِ هَذِهِ (دَارُهُ) أَيْ الِابْنِ الَّذِي بَنَاهَا، فَإِذَا مَاتَ الْأَبُ فَلَا يَخْتَصُّ الِابْنُ بِالْأَرْضِ وَيُشَارِكُهُ فِيهَا الْوَرَثَةُ، وَلِلِابْنِ قِيمَةُ بِنَائِهِ مَنْقُوضًا قَالَهُ ابْنُ مُزَيْنٍ وَنَصُّهُ مَنْ قَالَ لِابْنِهِ اعْمَلْ فِي هَذَا الْمَكَانِ كَرْمًا أَوْ جِنَانًا أَوْ ابْنِ فِيهِ دَارًا فَفَعَلَ الْوَلَدُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَصَارَ الْأَبُ يَقُولُ كَرْمُ ابْنِي وَجِنَانُ ابْنِي، فَإِنَّ الْقَاعَةَ لَا يَسْتَحِقُّهَا الِابْنُ بِذَلِكَ وَتُورَثُ عَنْ الْأَبِ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ إلَّا قِيمَةُ عَمَلِهِ مَنْقُوضًا، وَكَذَا قَوْلُ الرَّجُلِ فِي شَيْءٍ بِعُرْفٍ لَهُ هَذَا كَرْمُ وَلَدِي أَوْ دَابَّةُ وَلَدِي فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَلَدُ مِنْهُ شَيْئًا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا إلَّا بِإِشْهَادٍ بِصَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا، وَقَدْ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا كَثِيرًا فِي النَّاسِ فِي الْوَلَدِ وَالزَّوْجِ وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ التَّمْلِيكَ.

(وَحِيزَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَزَايٌ، أَيْ أَخَذَ الْمَوْهُوبُ مِنْ وَاهِبِهِ بِإِذْنِهِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ حَوْزُهُ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ وَاهِبِهِ لِخُرُوجِ الْمَوْهُوبِ مِنْ مِلْكِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مِلْكًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَمَالًا مِنْ أَمْوَالِهِ إذَا قَبِلَهُ (وَ) إنْ امْتَنَعَ الْوَاهِبُ مِنْ دَفْعِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (أُجْبِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْوَاهِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ تَسْلِيمِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِذَلِكَ. فِيهَا مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ثَوَابٍ فَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَاهِبِ جَازَ قَبْضُهُ، إذْ يُقْضَى بِذَلِكَ عَلَى الْوَاهِبِ إنْ مَنَعَهُ إيَّاهَا.

(وَبَطَلَتْ) الْهِبَةُ (إنْ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (تَأَخَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا حَوْزُهَا (لِ) حُصُولِ (دَيْنٍ مُحِيطٍ) بِمَالِ الْوَاهِبِ. الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ إذَا تَأَخَّرَ الْحَوْزُ حَتَّى أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالٍ الْوَاهِبِ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَادِثًا بَعْدَ الْهِبَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ. فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نِحْلَةٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ لِغَيْرِ ثَوَابٍ فِي الصِّحَّةِ يَمُوتُ مُعْطِيهَا أَوْ يُفْلِسُ أَوْ يَمْرَضُ قَبْلَ حَوْزِ ذَلِكَ فَهِيَ بَاطِلَةٌ

ص: 182

أَوْ وَهَبَ لِثَانٍ وَجَازَ أَوْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ أَوْ اسْتَوْلَدَ وَلَا قِيمَةَ أَوْ اسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً، أَوْ أَرْسَلَهَا ثُمَّ مَاتَ،

ــ

[منح الجليل]

إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ فَتُحَازُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُقْضَى لِلْمُعْطَى بِقَبْضِهَا إنْ مَنَعَهُ مُعْطِيهَا. ابْنُ يُونُسَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا أَدَانَ الْمُعْطِي مَا أَحَاطَ بِمَالِهِ وَبِالصَّدَقَةِ فَالدَّيْنُ أَوْلَى وَالْعَطِيَّةُ بَاطِلَةٌ وَالصَّدَقَةُ بِيَوْمِ قَبْضِهَا لَا بِيَوْمِ يَتَصَدَّقُ بِهَا خِلَافًا لِأَصْبَغَ.

(أَوْ) إنْ تَأَخَّرَ حَوْزُهَا حَتَّى (وَهَبَ) الْوَاهِبُ الشَّيْءَ الَّذِي وَهَبَهُ (لِ) شَخْصٍ (ثَانٍ) غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَوَّلِ (وَحَازَ) الْهِبَةَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الثَّانِي فَقَدْ بَطَلَتْ هِبَتُهَا لِلْأَوَّلِ عِنْدَ أَشْهَبَ وَمُحَمَّدٍ وَأَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَظَاهِرُهُ عَلِمَ الْأَوَّلُ بِالْهِبَةِ لَهُ وَفَرَّطَ فِي حَوْزِهَا أَوْ لَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْحَوْزُ أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ.

(أَوْ أَعْتَقَ) الْوَاهِبُ الرَّقِيقَ الْمَوْهُوبَ قَبْلَ حَوْزِهِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَمْ لَا كَانَ الْعِتْقُ نَاجِزًا أَوْ لِأَجَلٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَدْبِيرٍ (أَوْ اسْتَوْلَدَ) الْوَاهِبُ الْأَمَةَ قَبْلَ حَوْزِهَا الْمَوْهُوبَ لَهُ. فِيهَا وَمَنْ وَهَبَ عَبْدًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى رَجُلٍ أَوْ أَخَدَمَهُ إيَّاهُ حَيَاتَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمُعْطِي قَبْلَ حَوْزِ الْمُعْطَى جَازَ الْعِتْقُ وَبَطَلَ مَا سِوَاهُ عَلِمَ الْمُعْطَى بِالْهِبَةِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَمَتُهُ فَأَحْبَلَهَا قَبْلَ الْحِيَازَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ قِيلَ لَهُ فَهَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَةُ الْأَمَةِ، قَالَ لَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ، وَفِي رِوَايَةِ أَصْبَغَ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ لَمْ يُعْتِقْهُ وَوَهَبَهُ لِآخَرَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ وَإِنْ حَازَهُ الْآخَرُ مَا لَمْ يَمُتْ الْوَاهِبُ. أَشْهَبُ بَلْ الثَّانِي أَحَقُّ بِهِ إذَا حَازَهُ وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْوَاهِبُ وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ وَهَبَهُ لِآخَرَ وَالْأَوَّلُ عَالِمٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ إذَا حَازَهُ الْآخَرُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَهُوَ أَوْلَى مَا لَمْ يَمُتْ الْوَاهِبُ.

(وَلَا قِيمَةَ) الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى الْوَاهِبِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْعِتْقِ وَالِاسْتِيلَادِ (أَوْ اسْتَصْحَبَ) الْوَاهِبُ (هَدِيَّةً) لِشَخْصٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ كَمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَمَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ دَفْعِهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَتَبْطُلُ الْهَدِيَّةُ وَتَرْجِعُ لِوَرَثَتِهِ لِمَوْتِهِ قَبْلَ حَوْزِهَا عَنْهُ (أَوْ أَرْسَلَهَا) أَيْ الْمُهْدِي الْهَدِيَّةَ مَعَ رَسُولٍ لِلْمُهْدَى لَهُ (فَمَاتَ) الْمُهْدِي قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا الرَّسُولُ

ص: 183

أَوْ الْمُعَيَّنَةُ لَهُ، إنْ لَمْ يُشْهِدْ

ــ

[منح الجليل]

لِلْمُهْدَى لَهُ فَتَبْطُلُ لِذَلِكَ (أَوْ) مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ (الْمُعَيَّنَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً الْهَدِيَّةُ (لَهُ) قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهَا فَتَبْطُلُ، سَوَاءٌ اسْتَصْحَبَهَا الْمُهْدِي أَوْ أَرْسَلَهَا لَهُ مَعَ رَسُولٍ (إنْ لَمْ يُشْهِدْ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ الْمُهْدِي عَلَى أَنَّهُ أَهْدَى مَا اسْتَصْحَبَهُ أَوْ أَرْسَلَهَا إلَى الْمُهْدَى إلَيْهِ الْمُعَيَّنِ، وَتَرْجِعُ لِلْمُهْدِي إنْ كَانَ حَيًّا وَلِوَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا لِعَدَمِ الْحَوْزِ قَبْلَ الْمَوْتِ إنْ مَاتَ الْمُهْدِي وَعَدَمُ الْقَبُولِ قَبْلَهُ إنْ مَاتَ الْمُهْدَى لَهُ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُهْدِي وَلَا بِمَوْتِ الْمُهْدَى لَهُ، وَتُدْفَعُ لِلْمُهْدَى لَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " مَنْ بَعَثَ بِهَدِيَّةٍ أَوْ صِلَةٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطِي أَوْ الْمُعْطَى لَهُ قَبْلَ وُصُولِهَا، فَإِنْ كَانَ الْمُعْطِي أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ حِينَ بَعَثَ بِهَا فَهِيَ لِلْمُعْطَى لَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا حِينَ بَعَثَهَا فَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ فَهِيَ تَرْجِعُ إلَى الْبَاعِثِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا أَوَّلًا رَجَعَ ذَلِكَ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ. ابْنُ يُونُسَ وَهَذَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُتَصَدِّقِ لَا بِمَوْتِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابٍ آخَرَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِرَجُلٍ فَمَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ هِبَتَهُ فَوَرَثَتُهُ مَكَانَهُ يَقْبِضُونَ هِبَتَهُ وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ مَنْعُ ذَلِكَ. مُحَمَّدٌ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " وَلَوْ أَشْهَدَ الْبَاعِثُ أَنَّهَا هَدِيَّةً لِفُلَانٍ ثُمَّ طَلَبَ اسْتِرْجَاعَهَا مِنْ الرَّسُولِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَقَدْ يُقَالُ مَعْنَى مَا فِي الْكِتَابِ هُنَا أَنَّ الْبَاعِثَ قَالَ إنَّمَا تَصَدَّقْت بِهَا صِلَةً لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِ بِعِيَالِهِ إنْ وُجِدَ حَيًّا فَيَصْدُقُ، إذْ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ مَعْرُوفِهِ، إذْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى أَصْلِهِ، فَيَلْزَمُهُ بِظَاهِرِ فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ قَالَهُ عِيَاضٌ فِي تَنْبِيهَاتِهِ.

(تَنْبِيهٌ)

الْبُنَانِيُّ الصَّوَابُ أَوْ مَاتَ هُوَ أَوْ الْمُعَيَّنَةُ هِيَ لَهُ بِالْإِبْرَازِ فِيهِمَا لِعَطْفِ الظَّاهِرِ عَلَى الضَّمِيرِ فِي الْأَوَّلِ وَلِأَنَّ صِلَةَ أَلْ فِي الثَّانِي رَفَعَتْ ضَمِيرَهَا وَفِي الْأَلْفِيَّةِ:

وَإِنْ يَكُنْ مَا رَفَعْت صِلَةَ أَلْ

ضَمِيرُ غَيْرِهَا أَبْيَنُ وَانْفَصَلَ

ص: 184

كَأَنْ دَفَعْت لِمَنْ يَتَصَدَّقُ عَنْك بِمَالٍ وَلَمْ تُشْهِدْ

لَا إنْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ،

ــ

[منح الجليل]

وَشَبَّهَ فِي الْبُطْلَانِ بِمَوْتِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُعْطَى لَهُ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (دَفَعْت) بِفَتْحِ التَّاءِ (لِمَنْ) أَيْ شَخْصٍ مَالًا (يَتَصَدَّقُ) الْمَدْفُوعُ لَهُ (عَنْك بِ) ذَلِكَ الـ (مَالِ) عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا وَأَنْتَ صَحِيحٌ (وَلَمْ تُشْهِدْ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ مِتَّ أَيُّهَا الدَّافِعُ قَبْلَ قَبْضِ الْفُقَرَاءِ الْمَالَ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ وَرَجَعَتْ لِوَرَثَتِك، وَإِنْ مِتَّ بَعْدَ قَبْضِهِمْ جَمِيعهَا مَضَتْ وَتَمَّتْ، وَإِنْ مِتَّ بَعْدَ قَبْضِهِمْ بَعْضَهَا وَقَبْلَ قَبْضِ بَاقِيهَا فَمَا قَبَضُوهُ مَضَى وَمَا بَقِيَ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ بِهِ، وَرَجَعَ لِوَرَثَتِك، وَمَفْهُومُ وَلَمْ تُشْهِدْ أَنَّك إنْ أَشْهَدْت عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَبْطُلُ الصَّدَقَةُ بِمَوْتِك قَبْلَ قَبْضِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " فِيمَنْ دَفَعَ فِي صِحَّتِهِ مَالًا لِشَخْصٍ يُفَرِّقُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ إنْفَاذِهِ فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ حِينَ دَفَعَهُ لِمَنْ يُفَرِّقُهُ نَفَّذَ مَا فَاتَ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ حِينَ دَفْعِهِ نَفَّذَ مَا فَاتَ وَرَدَّ مَا بَقِيَ إلَى وَرَثَةِ الْمُعْطِي، وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِمَالٍ وَجَعَلَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَقْبِضْ الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ صَحَّتْ الصَّدَقَةُ إلَّا إنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ قَالَ لِلرَّجُلِ لَا تَدْفَعُهَا لَهُ إلَّا بِإِذْنِي، وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ فَهُوَ فِي ثُلُثِهِ أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَكُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ بَتَلَهَا مَرِيضٌ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ فَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ فَذَلِكَ نَافِذٌ مِنْ ثُلُثِهِ كَوَصَايَاهُ.

(أَوْ بَاعَ) شَخْصٌ (وَاهِبٌ) مَوْهُوبَهُ (قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ) لَهُ بِهِبَتِهِ لَهُ فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ رَدُّ بَيْعِهِ فِي حَيَاةِ الْوَاهِبِ وَأَخْذُ الْمَوْهُوبِ بِعَيْنِهِ وَلَهُ إمْضَاؤُهُ وَأَخْذُ ثَمَنِهِ. الشَّارِحُ فِي إطْلَاقِ الْبُطْلَانِ عَلَى رَدِّ الْبَيْعِ تَسَامُحٌ، إذْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ بُطْلَانُ الْهِبَةِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ. " غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا إنْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِأَدَاةِ النَّفْيِ وَالشَّرْطِ، وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ عَطْفٌ أَوْ جِنٌّ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى الْمُثْبِتَاتِ وَالْعَاقِلُ يَفْهَمُ.

ص: 185

وَإِلَّا فَالثَّمَنُ لِلْمُعْطِي " رُوِيَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا "

ــ

[منح الجليل]

وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ بَاعَ الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ بَعْدَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِهِبَتِهِ لَهُ (فَ) بَيْعُهُ مَاضٍ لَا يُرَدُّ وَ (الثَّمَنُ لِلْمُعْطِي رُوِيَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمُدَوَّنَةُ (بِفَتْحِ الطَّاءِ) اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ (وَ) رُوِيَتْ بِ (كَسْرِهَا) أَيْ الطَّاءِ اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ الْوَاهِبِ. الْحَطّ صَوَابُهُ كَمَا قَالَ " غ " لَا إنْ بَاعَ وَاهِبٌ حَتَّى يُوَافِقَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَحُكْمُ الصَّدَقَةِ كَالْهِبَةِ، فَإِنْ بَاعَ الْمُتَصَدِّقُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ عِلْمِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ الصَّدَقَةُ وَتَخَيَّرَ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ وَإِجَازَتُهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فُضُولِيٌّ كَمَا أَنَّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا بَاعَ الْوَاهِبَ مَا وَهَبَهُ لَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ، وَتَخَيَّرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي رَدِّهِ وَإِجَازَتِهِ وَأَمَّا إنْ بَاعَ الْوَاهِبُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ بَعْدَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فَالْبَيْعُ مَاضٍ وَالثَّمَنُ لِلْمُعْطِي، رُوِيَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الصَّدَقَةِ، وَفَرَضَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْهِبَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.

(تَنْبِيهٌ)

إذَا عَلِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَلَمْ يَفْرُطْ حَتَّى عَاجَلَهُ الْوَاهِبُ بِالْبَيْعِ فَلَهُ رَدُّهُ، نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ " ق " فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " رحمه الله " مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِدَارٍ فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُعْطَى لَهُ حَتَّى بِيعَتْ تَمَّ بَيْعُهَا وَكَانَ الثَّمَنُ لِلْمُعْطَى، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يَفْرُطْ حَتَّى عَافَصَهُ بِالْبَيْعِ فَلَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ فِي حَيَاةِ الْوَاهِبِ وَأَخْذُهَا، فَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُعْطَى فَلَا شَيْءَ لَهُ بِيعَتْ أَوْ لَمْ تُبَعْ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ. ابْنُ شَاسٍ فِي الْكِتَابِ إذَا عَلِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلَمْ يَقْبِضْ حَتَّى بَاعَهَا الْوَاهِبُ نَفَّذَ الْبَيْعَ وَالثَّمَنُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَفِي الرُّهُونِ اُخْتُلِفَ فِي بَيْعِ الْهِبَةِ قَبْلَ حَوْزِهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ نُقِضَ الْبَيْعُ وَإِنْ عَلِمَ مَضَى الْبَيْعُ وَعَوَّضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الثَّمَنَ، وَقَالَ أَشْهَبُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ كَبُطْلَانِ الرَّهْنِ إذَا بِيعَ قَبْلَ حَوْزِهِ وَالثَّمَنُ لِلْوَاهِبِ، فِي ضَيْح مُقْتَضَى الْقِيَاسِ خِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ، إذْ الْهِبَةُ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ فَالْقِيَاسُ تَخْيِيرُ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ إلَّا أَنَّهُمْ رَاعَوْا الْقَوْلَ بِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ.

ص: 186

أَوْ جُنَّ، أَوْ مَرِضَ، وَاتَّصَلَا بِمَوْتِهِ

أَوْ وَهَبَ لِمُودَعٍ، وَلَمْ يَقْبَلْ لِمَوْتِهِ؛

ــ

[منح الجليل]

أَوْ جُنَّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدِّ النُّونِ، أَيْ وَبَطَلَتْ الْهِبَةُ إنْ جُنَّ الْوَاهِبُ قَبْلَ حَوْزِهَا الْمَوْهُوبَ لَهُ (أَوْ مَرِضَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ الْوَاهِبُ قَبْلَ حَوْزِهَا الْمَوْهُوبَ لَهُ (وَاتَّصَلَا) أَيْ جُنُونُ الْوَاهِبِ وَمَرَضُهُ (بِمَوْتِهِ) أَيْ الْوَاهِبِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ صِحَّةً بَيِّنَةً أَوْ أَفَاقَ مِنْ جُنُونِهِ إفَاقَةً بَيِّنَةً فَلَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْضُهَا مِنْهُ بَعْدَ صِحَّتِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ وَإِنْ جُنَّ الْوَاهِبُ أَوْ مَرِضَ قَبْلَهُ وَقَفْت حَتَّى يَبْرَأَ فَلَا تَبْطُلُ أَوْ يَمُوتُ فَتَبْطُلُ. فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " رحمه الله " كُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نِحْلَةٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ لِغَيْرِ ثَوَابٍ فِي الصِّحَّةِ يَمُوتُ الْمُعْطَى أَوْ يُفْلِسُ أَوْ يَمْرَضُ قَبْلَ حَوْزِ ذَلِكَ فَهِيَ بَاطِلَةٌ إلَى أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ فَتُحَازُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُقْضَى لِلْمُعْطَى بِالْقَبْضِ إنْ مُنِعَهُ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ الْحَوْزِ كَوْنُهُ فِي صِحَّةِ الْمُعْطِي وَعَقْلِهِ. ابْنُ شَاسٍ وَتَبْطُلُ بِجُنُونِ الْوَاهِبِ أَوْ مَرَضِهِ إنْ اتَّصَلَا بِمَوْتِهِ، وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ تَصَدَّقَتْ بِعَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي صِحَّتِهَا فَذَهَبَ عَقْلُهَا قَبْلَ حَوْزِهِ فَحَوْزُهُ بَاطِلٌ كَمَوْتِهَا. ابْنُ رُشْدٍ هُوَ كَالْمَرَضِ وَرُجُوعُ عَقْلِهَا كَصِحَّتِهَا.

(أَوْ وَهَبَ) الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ الْوَدِيعَةَ (لِ) شَخْصٍ (مُودَعٍ) بِالْفَتْحِ (وَلَمْ يَقْبَلْ) الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ قَبِلْت (لِمَوْتِهِ) أَيْ الْوَاهِبِ بَطَلَتْ الْهِبَةُ، فَإِنْ قَبِلَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ تَمَّتْ لِصِحَّةِ حَوْزِهِ بَعْدَ قَبُولِهَا. فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " رحمه الله " إذَا وَهَبَك وَدِيعَةً لَهُ فِي يَدِك فَلَمْ تَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ. الْبُنَانِيُّ تَحْصِيلُ الْقَوْلِ أَنَّ مَنْ وَهَبَ شَيْئًا لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ أَوْ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ وَقَبِلَ فِي حَيَاةِ وَاهِبِهِ صَحَّتْ هِبَتُهُ اتِّفَاقًا. وَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَقُلْ قُبِلَتْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَصَحَّتْ عِنْدَ أَشْهَبَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ اتِّفَاقًا إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَقَلَهُ حُلُولُو وَالْقَلْشَانِيُّ فَإِنْ وَهَبَ شَيْئًا لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَجُزْ بَطَلَتْ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ بِمَوْتِ وَاهِبِهَا قَبْلَ حَوْزِهَا.

ص: 187

وَصَحَّ إنْ قَبَضَ لِيَتَرَوَّى

أَوْ جَدَّ فِيهِ، أَوْ تَزْكِيَةِ شَاهِدِهِ

ــ

[منح الجليل]

وَصَحَّ) قَبُولُ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْهِبَةَ بَعْدَ مَوْتِ وَاهِبِهَا (إنْ) كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَدْ (قَبَضَ) الْهِبَةَ (لِيَتَرَوَّى) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ يَتَفَكَّرُ وَيَتَأَمَّلُ فِي أَنَّ الْأَحْسَنَ قَبُولُهَا أَوْ رَدُّهَا فَمَاتَ وَاهِبُهَا وَقَبِلَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. الْبَاجِيَّ لَوْ وَهَبَ الْمُسْتَوْدِعُ مَا عِنْدَهُ فَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقِيَاسُ بُطْلَانُهَا، وَقَالَ أَشْهَبُ بَلْ هِيَ حِيَازَةٌ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُ. مُحَمَّدٌ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ بِيَدِ الْمُعْطِي فَتَأَخَّرَ الْقَبُولُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتُهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَهَبْته هِبَةً فَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت وَقَبَضَهَا لِيَنْظُرَ رَأْيَهُ فَمَاتَ الْمُعْطِي فَهِيَ مَاضِيَةٌ إنْ رَضِيَهَا وَلَهُ رَدُّهَا. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي هِبَةِ الْمُودَعِ وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ قَوْلَانِ وَكَذَا مَنْ وُهِبَ لَهُ فَقَبَضَ لِيَتَرَوَّى ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ فَظَاهِرُهُ دُخُولُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ التَّرَوِّي وَظَاهِرُ سِيَاقِهَا الْبَاجِيَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مُحْتَجًّا بِهَا عَلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ أَشْهَبَ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِحَّةِ قَبُولِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي مَسْأَلَةِ التَّرَوِّي اهـ.

(أَوْ) إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَدْ (جَدَّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ مُشَدَّدَةً، أَيْ اهْتَمَّ الْمَوْهُوبُ لَهُ (فِيهِ) أَيْ حَوْزِ الْهِبَةِ وَمَنَعَهُ الْوَاهِبُ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ بِمَوْتِهِ تَنْزِيلًا لِلْجِدِّ فِي الْحَوْزِ مَنْزِلَتَهُ (أَوْ) وَهَبَ شَيْئًا فَقَبِلَهُ وَطَلَبَهُ مِنْهُ فَأَنْكَرَهَا فَأَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ وَهَبَهُ وَطَلَبَ مِنْهُ تَزْكِيَتُهَا فَجَدَّ (فِي تَزْكِيَةِ) جِنْسِ (شَاهِدِهِ) وَمَاتَ وَاهِبُهُ قَبْلَهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ إذَا زَكَّاهَا بَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ تَبْطُلُ، إذْ غَايَةُ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّهَا كَإِقْرَارِ وَاهِبِهَا بِهَا، وَهُوَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا وَمَاتَ قَبْلَ قَبْضِهَا بَطَلَتْ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَزْكِيَةُ شَاهِدِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إيقَافُهَا إلَّا مَعَ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُنْتَقَى مَنْ تَصَدَّقَ بِعَبْدِهِ الْآبِقِ عَلَى رَجُلٍ فَطَلَبَهُ الْمُعْطِي وَاجْتَهَدَ فَلَمْ يَجِدْهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْطِي فَهُوَ نَافِذٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ الْمُعْطَى فَالْإِشْهَادُ فِيهِ وَطَلَبُ الْمُعْطَى لَهُ حَوْزَهُ حَوْزٌ كَالدَّيْنِ. فِيهَا مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ثَوَابٍ فَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَوْ خَاصَمَهُ فِيهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي صِحَّةِ الْوَاهِبِ وَرُفِعَتْ الْهِبَةُ إلَى السُّلْطَانِ يَنْظُرُ فِيهَا فَمَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَيُقْضَى لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِهَا إنْ عُدِّلَتْ بَيِّنَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَقُمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِيهَا حَتَّى

ص: 188

أَوْ أَعْتَقَ أَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ إذَا أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ

، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ بِهَا، إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ

ــ

[منح الجليل]

مَرِضَ الْوَاهِبُ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَصِحَّ. ابْنُ شَاسٍ إذَا كَانَ الْمُطَالَبُ جَادًّا فِي الطَّلَبِ غَيْرَ تَارِكٍ كَمَا إذَا وَقَعَتْ الْهِبَةُ بِشَاهِدٍ أَوْ بِشَاهِدَيْنِ حَتَّى يُزَكِّيَانِ فَمَاتَ الْوَاهِبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ هُوَ حَوْزُهُ وَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ.

(أَوْ) إنْ (أَعْتَقَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ الرَّقِيقَ الْمَوْهُوبَ (أَوْ بَاعَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (أَوْ وَهَبَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ مَا وُهِبَ لَهُ لِغَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ صَحَّ حَوْزُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ كَحَوْزِهِ اتِّفَاقًا فِي الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، وَفِي الْهِبَةِ (إذَا أَشْهَدَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى هِبَتِهِ مَا وَهَبَ لَهُ لِغَيْرِهِ (وَأَعْلَنَ) أَيْ أَظْهَرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْإِشْهَادَ عِنْدَ الْقَاضِي. ابْنُ شَاسٍ لَوْ بَاعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ بَيْعَهَا حِيَازَةٌ وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَقَالَ أَصْبَغُ لَيْسَ بَيْعُهَا حِيَازَةً وَلَا غَيْرَهُ إلَّا الْعِتْقَ وَحْدَهُ، وَلَوْ وَهَبَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَمُطَرِّفٍ أَنَّ الْهِبَةَ حَوْزٌ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَتْ الْهِبَةُ حَوْزًا لِاحْتِيَاجِهَا إلَى حِيَازَةٍ. طفي ظَاهِرُ كَلَامِ تت أَنَّ الْإِشْهَادَ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالنَّقْلِ أَنَّهُ فِي الْهِبَةِ فَقَطْ، وَقَالَ ابْنُ رَحَّالٍ فِي شَرْحِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمُخْتَصَرِهِ مِنْ الْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا الْبَاجِيَّ وَلَا الرَّجْرَاجِيُّ وَلَا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ وَقَفْت عَلَيْهِ، وَنَقَلَ كَلَامَهُمْ قَالَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَحْمَدَ إنَّ الْإِشْهَادَ شَرْطٌ فِي الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِ الْإِعْلَانِ فَإِنَّهُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ.

(أَوْ لَمْ يُعْلَمْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ اللَّامِ (بِهَا) أَيْ الْهِبَةِ (إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ الْمَوْهُوبِ لَهُ. " غ " أَيْ وَكَذَا تَصِحُّ الْهِبَةُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِمَ بِهَا وَرَثَتُهُ فَلَهُمْ الْقِيَامُ بِهَا عَلَى الْوَاهِبِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ جَوَّزَ فِي تَوْضِيحِهِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ عِلْمِهِ فَفِي بُطْلَانِهَا قَوْلَانِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا اعْتَرَضَهُ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَأَظُنُّهُ السَّفَاقِسِيَّ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ " يُعْلَمْ " بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ مَبْنِيًّا

ص: 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

لِلْمَجْهُولِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْوَاهِبِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالصِّحَّةِ لَمْ يُوجَدْ. تت أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أَيْ الْوَاهِبِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ كَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحَانِ، وَمِثْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ. طفي قَرَّرَاهُ بِمَا ذُكِرَ، وَاسْتَدَلَّ الشَّارِحُ بِقَوْلِ ابْنِ رَاشِدٍ نَزَلَتْ عِنْدَنَا بِتُونُسَ وَوَقَعَ فِيهَا اضْطِرَابٌ

وَوُجِدَ فِي الطِّرَازِ أَنَّهُ مَعْذُورٌ بِعَدَمِ عِلْمِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي شَامِلِهِ فَقَالَ وَصَحَّتْ إنْ قَبَضَهَا لِيَتَرَوَّى أَوْ مَاتَ وَاهِبُهَا قَبْلَ عِلْمِك أَوْ تَزْكِيَةِ شَاهِدِهَا عَلَى الْأَصَحِّ فَانْظُرْ اعْتِمَادَهُ هُنَا. وَفِي شَامِلِهِ مَا ذُكِرَ، وَقَوْلُ ابْنِ رَاشِدٍ الْقَفْصِيِّ وَقَعَ فِيهَا اضْطِرَابٌ مَعَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ إنْ مَاتَ الْمُعْطِي الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْطَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَقَدْ عَلِمَ وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ سُكُوتَهُ مَعَ كَوْنِ الْهِبَةِ بِيَدِهِ رِضًا بِهَا وَلَا قَبُولًا لَهَا. وَقَوْلُ أَشْهَبَ فِيهَا إنَّهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ رَأَى سُكُوتَهُ مَعَ كَوْنِ الْهِبَةِ بِيَدِهِ رِضًا بِهَا وَقَبُولًا لَهَا فَقَالَ إنَّ كَوْنَهَا فِي يَدِهِ أَحَوْزَ الْحَوْزِ، فَاخْتِلَافُهُمَا إذَا كَانَ الشَّيْءُ بِيَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَأَشَارَ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ لِقَوْلِهَا إنْ كَانَ لَهُ فِي يَدِك أَرْضٌ أَوْ دَارٌ أَوْ رَقِيقٌ بِكِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَذَلِكَ بِبَلَدٍ آخَرَ فَوَهَبَك ذَلِكَ فَقَوْلُك قَبِلْتُ حَوْزٌ، وَإِنْ لَمْ تَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ ذَلِكَ حَوْزٌ لِمَنْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِهِ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَإِنْ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَقَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ شُذُوذٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هِبَةَ الْأَمْوَالِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ وَأَنَّهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِنَفْسِ الْهِبَةِ حَتَّى لَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَدُّهَا إلَّا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ إنْ قَبِلَهَا وَهُوَ مُعَيَّنٌ، وَلَا اخْتِلَافَ أَحْفَظُ فِي هَذَا سِوَى قَوْلِ مَالِكٍ الشَّاذِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ عَلِمَ بِالْهِبَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ قَبُولُهَا حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ جَرَى ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ اخْتِلَافِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَبِقَوْلِ أَشْهَبَ أَخَذَ سَحْنُونٌ. فَتَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَهَبَ شَيْئًا هُوَ فِي يَدِهِ أَوْ دَيْنًا عَلَيْهِ،

ص: 190

وَحَوْزُ مُخْدَمٍ

ــ

[منح الجليل]

فَإِنْ عَلِمَ فِي حَيَاةِ الْوَاهِبِ وَقَبِلَ جَازَتْ لَهُ الْهِبَةُ اتِّفَاقًا. وَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَقْبَلْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ جَازَتْ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَبَطَلَتْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْهِبَةِ حَتَّى مَاتَ بَطَلَتْ بِاتِّفَاقٍ إلَّا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الشَّاذَّةِ. اهـ. فَبَعْدَ حِكَايَةِ ابْنِ رُشْدٍ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْبُطْلَانِ وَلَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى قَوْلِهِ شَاذَّةٌ بَعِيدَةٌ كَيْفَ يَصِحُّ تَقْرِيرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهَا، وَكَيْفَ يَقَعُ الِاضْطِرَابُ بِتُونُسَ فِيهَا وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ، وَلِذَا فَرَّ " غ " مِنْ هَذَا، وَجَعَلَ الضَّمِيرَ فِي مَوْتِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَبَنَى لَمْ يُعْلَمْ لِلْمَجْهُولِ لَكِنْ عَلَى تَقْرِيرِهِ تَكُونُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ رَكَاكَةٌ فِي تَقْيِيدِهِ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ فِي مَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ. ابْنُ رُشْدٍ إذَا مَاتَ الْمُعْطَى الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمُعْطِي الْمُتَصَدِّقِ فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، وَيَتَنَزَّلُونَ مَنْزِلَتَهُ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ إذَا عَلِمُوا قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْطِي الْمُتَصَدِّقِ. اهـ. فَأَطْلَقَ فِي تَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَتَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَبُولَ لَا تُشْتَرَطُ فَوْرِيَّتُهُ ثُمَّ تَارَةً تَقُومُ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِ الْوَاهِبِ الْمَوْهُوبَ لَهُ وَعِيَالَهُ، وَتَارَةً عَلَى قَصْدِ عَيْنِهِ فَقَطْ، وَتَارَةً لَا تُوجَدُ قَرِينَةٌ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَفِي الْأَوَّلِ تَقُومُ وَرَثَةُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ، وَفِي الثَّانِي لَا يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِيهِ

وَدَرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الثَّالِثِ عَلَى أَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ بِهَذَا قُرِّرَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْمِسْنَاوِيِّ وَأَحْمَدَ بَابَا وَنَصُّ التَّوْضِيحِ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْهِبَةِ، وَقَدْ كَانَ بَاعَهَا الْوَاهِبُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُجْعَلَ هَذِهِ مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مُفَرَّعَةٍ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا، وَيَكُونُ ضَمِيرُ مَاتَ عَائِدًا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ مُعَلَّلًا بِعَدَمِ الْقَبُولِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِهِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ الْغَالِبَ الْقَبُولُ كَمَا قَالُوا فِيمَنْ أَرْسَلَ هَدِيَّةً، وَقَوْلُهُ غَيْرُ مُفَرَّعَةٍ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا فِي بَيْعِ الْوَاهِبِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

(وَ) إنْ وَهَبَ مَالِكُ رَقِيقٍ خِدْمَتَهُ لِشَخْصٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ حَيَاتَهُ ثُمَّ وَهَبَ رَقَبَتَهُ لِآخَرَ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَهُوَ فِي حَوْزِ الْمُخْدَمِ صَحَّ (حَوْزُ) شَخْصٍ (مُخْدَمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ مَنْ وُهِبَتْ لَهُ خِدْمَةُ رَقِيقٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً

ص: 191

أَعَارَ مَالك شَيْئِهِ لِشَخْصِ ثُمَّ وَهَبَهُ لِآخَر ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِب وَهُوَ فِي حَوْز الْمُسْتَعِير وَمُسْتَعِيرٍ مُطْلَقًا

ــ

[منح الجليل]

أَوْ حَيَاتَهُ لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ رَقَبَتُهُ، فَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْإِخْدَامِ فَلَا حَقَّ لِوَرَثَتِهِ فِي ذَلِكَ الرَّقِيقِ.

(وَ) إنْ أَعَارَ مَالِكُ شَيْئِهِ لِشَخْصٍ ثُمَّ وَهَبَهُ لِآخَرَ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَهُوَ فِي حَوْزِ الْمُسْتَعِيرِ صَحَّ حَوْزُ شَخْصٍ (مُسْتَعِيرٍ) شَيْئًا لِمَنْ وُهِبَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ وَالشَّيْءُ فِي يَدِ مُسْتَعِيرِهِ فَهُوَ حَقٌّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لَا لِوَرَثَةِ وَاهِبِهِ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِعِلْمِ الْمُخْدِمِ وَالْمُسْتَعِيرِ بِالْهِبَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِخْدَامُ وَالْهِبَةُ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ تَأَخَّرَتْ الْهِبَةُ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ أَشْهَدَ الْوَاهِبُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا. فِيهَا مَنْ رَهَنَ عَبْدَهُ ثُمَّ وَهَبَهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَيُقْضَى عَلَى الْوَاهِبِ بِافْتِكَاكِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى افْتَكَّهُ الْوَاهِبُ فَلَهُ أَخْذُهُ مَا لَمْ يَمُتَّ الْوَاهِبُ فَتَبْطُلُ هِبَتُهُ فَلَيْسَ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ مَاتَ وَاهِبُهُ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ حَقًّا فِي عَيْنِ الْعَبْدِ، بِخِلَافِ مَنْ أَخْدَمَ عَبْدَهُ سِنِينَ رَجُلًا ثُمَّ وَهَبَهُ لِفُلَانٍ بَعْدَ الْخِدْمَةِ فَقَبْضُ الْمُخْدَمِ قَبْضٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ قَبْضِهِ الْمَوْهُوبَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُخْدَمَ لَمْ يَجِبْ لَهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ حَقٌّ.

ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ وَاجَرَ عَبْدَهُ أَوْ دَابَّتَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ وَهَبَهُ لِآخَرَ فَلَيْسَ حَوْزُ الْمُسْتَأْجِرِ حَوْزًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ أُجْرَةَ ذَلِكَ مَعَهُ، فَيَتِمَّ الْحَوْزُ. وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُخْدِمُ أَوْ الْمُعَارُ إلَى أَجَلٍ فَقَبْضُ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُخْدَمِ قَبْضُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ ذَلِكَ، إذْ لَيْسَ لِلْمُخْدَمِ وَالْمُعَارِ حَقٌّ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَلَا يَكُونُ قَبْضُ الْمُخْدَمِ وَالْمُعَارِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ حَتَّى يَعْلَمَ وَيَرْضَى أَنْ يَكُونَ حَائِزًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ كَمَا قَالَ إذَا رَهَنَ فَضْلَةَ الرَّهْنِ فَلَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ حَائِزًا حَتَّى يَعْلَمَ وَيَرْضَى بِذَلِكَ. " ق " اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ مُطْلَقًا. طفي هَذَا سَهْوٌ مِنْهُ إذْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْعِلْمَ وَلَا الرِّضَا وَنَصُّهَا وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُخْدِمُ أَوْ الْمُعَارُ إلَى أَجَلٍ فَقَبْضُ الْمُخْدَمِ وَالْمُسْتَعِيرِ لَهُ قَبْضٌ لِلْمَوْهُوبِ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ ذَلِكَ اهـ. وَلَمَّا قَالَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ حَوْزُ الْمُودَعِ صَحِيحٌ إنْ عَلِمَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا خِلَافٌ لِمَا فِي

ص: 192

وَمُودَعٍ إنْ عَلِمَ

، لَا غَاصِبٍ وَمُرْتَهِنٍ وَمُسْتَأْجِرٍ، إلَّا أَنْ يَهَبَ الْإِجَارَةَ

ــ

[منح الجليل]

الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا قَبْضَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُخْدَمِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ مَعْرِفَتَهُمَا، وَكَذَا فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِبَعْضِ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ فِي الْمُخْدَمِ كَمَا فِي فَضْلَةِ الرَّهْنِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ، وَلَعَلَّ التَّصْحِيفَ وَقَعَ مِنْ الْمَوَّاقِ فِي نَقْلِهِ أَوْ مِنْ النَّاسِخِ إذْ عَادَتُهُ نَقْلُ كَلَامِ الشُّيُوخِ مَمْزُوجًا بِلَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ اغْتَرَّ عج بِذَلِكَ فَاعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَمَنْ جَعَلَ رِبْقَةَ التَّقْلِيدِ فِي عِتْقِهِ يَصْدُرُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. الْبُنَانِيُّ وَكَذَا رَأَيْت أَبَا الْحَسَنِ نَقَلَ التَّقْيِيدَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ.

(وَ) إنْ أَوَدَعَ الْمَالِكُ شَيْأَهُ عِنْدَ شَخْصٍ ثُمَّ وَهَبَهُ لِآخَرَ ثُمَّ مَاتَ الْمَالِكُ وَهُوَ فِي حَوْزِ الْمُودَعِ صَحَّ حَوْزُ (مُودَعٍ) بِالْفَتْحِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْوَدِيعَةُ الَّتِي عِنْدَهُ (إنْ عَلِمَ) الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ بِالْهِبَةِ. شَرْطٌ فِي صِحَّةِ حَوْزِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ. التُّونُسِيُّ لَمْ يَشْتَرِطْ ابْنُ الْقَاسِمِ عِلْمَ الْمُخْدَمِ وَالْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا حَازَا لِمَنْفَعَتِهِمَا فَلَوْ قَالَا لَا نَحُوزُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِمَا إلَّا أَنْ يُبْطِلَا مَا لَهُمَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَلَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ لِتَقَدُّمِ قَبُولِهِمَا، فَصَارَ عِلْمُهُمَا غَيْرَ مُقَيَّدٍ وَالْمُودَعُ لَوْ يَشَاءُ يَقُولُ خُذْ مَا أَوْدَعَتْنِي لَا أَحُوزُ لِهَذَا. مُحَمَّدٌ لَوْ وَهَبَ الْوَدِيعَةَ رَبُّهَا لِغَيْرِ الْمُودَعِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا وَأَشْهَدَ كَانَتْ حِيَازَةً. ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ أَشْهَدَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى رَجُلٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَبْضِهَا حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ الَّذِي هِيَ عِنْدَهُ فَتِلْكَ حِيَازَةٌ تَامَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ صَارَ حَائِزًا لِلْمُعْطِي ثُمَّ لَيْسَ لِلْمُعْطِي أَخْذُهَا وَلَوْ دَفَعَهَا الْمُودِعُ إلَى الْمُعْطَى قَبْلَ عِلْمِهِ ضَمِنَهَا.

وَإِنْ وَهَبَ الْمَغْصُوبُ مِنْ الْمَغْصُوبِ لِغَيْرِ غَاصِبِهِ أَوْ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ لِغَيْرِ مُرْتَهِنِهِ أَوْ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهِ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ فِي حَوْزِ غَاصِبِهِ أَوْ مُرْتَهِنِهِ أَوْ مُسْتَأْجِرِهِ فَ (لَا) يَصِحُّ أَنْ يَحُوزَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ شَخْصٌ (غَاصِبٌ) لِلشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ (وَمُرْتَهِنٌ وَمُسْتَأْجِرٌ) لِلْمَوْهُوبِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَهَبَ) الْمَالِكُ (الْإِجَارَةَ) أَيْ

ص: 193

وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ. بِأَنْ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا، بِخِلَافِ سَنَةٍ

ــ

[منح الجليل]

الْمَالَ الَّذِي أَجَّرَ بِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الذَّاتُ فَيَصِحُّ حَوْزُ الْمُسْتَأْجِرِ لَهُ. فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ اغْتَصَبَهُ رَجُلٌ عَبْدًا فَوَهَبَهُ سَيِّدٌ لِرَجُلٍ آخَرَ وَالْعَبْدُ بِيَدِ غَاصِبِهِ جَازَتْ الْهِبَةُ إنْ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِ وَاهِبِهَا، وَلَيْسَ قَبْضُ الْغَاصِبِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ شَرْعًا فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ حِسًّا.

(ولَا) يَصِحُّ الْحَوْزُ (إنْ رَجَعَتْ) الذَّاتُ الْمَوْهُوبَةُ (إلَيْهِ) أَيْ وَاهِبِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ الْحَوْزِ (بِقُرْبٍ) أَيْ قَبْلَ تَمَامِ سَنَةٍ مِنْ حَوْزِهَا رُجُوعًا مُصَوَّرًا (بِأَنْ آجَرَهَا) أَيْ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةُ لِوَاهِبِهَا (أَوْ أَرْفَقَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ (بِهَا) أَيْ الْهِبَةِ (بِخِلَافِ) رُجُوعِهَا لِوَاهِبِهَا بَعْدَ تَمَامِ (سَنَةٍ) فَلَا يَبْطُلُ حَوْزُهَا. الْحَطّ إنَّ الذَّاتَ الْمَوْهُوبَةَ إذَا رَجَعَتْ إلَى وَاهِبِهَا بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَكَانَ رُجُوعُهَا إلَى وَاهِبِهَا عَنْ قُرْبٍ وَرُجُوعُهَا إلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ أَجَرَهَا مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَيْ اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ أَوْ بِأَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَرْفَقَ بِهَا الْوَاهِبُ يُرِيدُ أَوْ أَعْمَرَهُ إيَّاهُمَا فَذَلِكَ كُلُّهُ يُبْطِلُ الْهِبَةُ فِي التَّوْضِيحِ بِاتِّفَاقٍ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ أَنَّهُ تَحَيَّلَ لِإِسْقَاطِ الْحِيَازَةِ، وَهَكَذَا صَرَّحَ الْبَاجِيَّ وَغَيْرُهُ إلَّا بِالِاتِّفَاقِ، وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ سَنَةٍ يَعْنِي أَنَّ رُجُوعَ الْوَاهِبِ إلَى الذَّاتِ الْمَوْهُوبَةِ بَعْدَ حِيَازَتِهَا الْمَوْهُوبِ لَهُ سَنَةً لَا يُبْطِلُ هِبَتَهَا؛ لِأَنَّهُ طُولٌ وَقِيلَ الطُّولُ سَنَتَانِ، وَهَذَا الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَحَدُ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِلَا تَرْجِيحٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَقَرَّ بِهِمَا لَا يَضُرُّ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.

(تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ يَحُوزُ لِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا حَازَ عَلَيْهِ أَبُوهُ أَوْ غَيْرُهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَكْبَرَ وَيَحُوزَ لِنَفْسِهِ سَنَةً فَهِيَ بَاطِلَةٌ. مُحَمَّدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ أَنَّ الْكَبِيرَ يُتَصَوَّرُ مَنْعُهُ الْأَبَ مِنْ رُجُوعِهِ فِي

ص: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

هِبَتِهِ وَالصَّغِيرُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَكَانَ رُجُوعُهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ أَفَادَهُ الْحَطّ. الْبُنَانِيُّ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ وَأَنَّ طَرِيقَةَ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَحْجُورَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي الرُّجُوعِ بَعْدَ عَامٍ، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَوَّلَ الْمُتَيْطِيُّ، وَبِهَا أَفْتَى ابْنُ لُبٍّ وَبِهَا جَرَى الْعَمَلُ.

الثَّانِي: طفي عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ بِرُجُوعِهَا بَعْدَهُ بِقُرْبٍ، وَكَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَمُرَادُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا بَقِيَتْ بِيَدِ الْوَاهِبِ إلَى مَوْتِهِ مَثَلًا وَإِلَّا فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ اسْتِرْجَاعُهَا لِيَصِحَّ حَوْزُهُ، فَاَلَّذِي يَبْطُلُ بِهِ الْحَوْزُ فَقَطْ لَا هِيَ مِنْ أَصْلِهَا هَذَا الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، إذْ حُكْمُهَا فِي هَذَا كَالرَّهْنِ. ابْنُ رُشْدٍ إذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ بِالدَّارِ أَوْ حَبَسَهَا وَتَمَادَى عَلَى سُكْنَاهَا أَوْ عَادَ إلَيْهَا عَنْ قُرْبٍ بِاكْتِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ إرْفَاقٍ حَتَّى مَاتَ فِيهَا فَالصَّدَقَةُ أَوْ الْحَبْسُ فِيهَا بَاطِلٌ، وَأَمَّا إنْ رَجَعَ بَعْدَ انْقِطَاعِهَا عَنْهُ بِالْحِيَازَةِ لَهَا دُونَهُ انْقِطَاعًا بَيِّنًا السَّنَةَ فَمَا زَادَ فَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ حِيَازَتَهُ وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ تَبْطُلُ الْحِيَازَةُ بِرُجُوعِهِ إلَى يَدِ رَاهِنِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْمُرْتَهِنِ بِحِيَازَتِهِ انْقِطَاعًا بَيِّنًا؛ لِأَنَّ حَوْزَ الرَّهْنِ آكَدُ. اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الَّذِي يَبْطُلُ الْحِيَازَةُ، فَقَوْلُ ابْنِ عَاشِرٍ فِي حَاشِيَتِهِ تَعْبِيرُهُمْ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ لِرُجُوعِهَا عَنْ قُرْبٍ يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا مِنْ أَصْلِهَا لَا حَوْزَهَا فَقَطْ، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا لِلْحَوْزِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ غَيْرَ ظَاهِرٍ وَقَدْ اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيمَنْ وَهَبَ دَارًا ثُمَّ أَعْمَرَ فِيهَا وَاهِبُهَا بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ لَا تَكُونُ حِيَازَةً نَزَعَهَا مِنْ يَدِ وَاهِبِهَا وَأَكْرَاهَا مِنْ غَيْرِهِ لِإِتْمَامِ الْحَوْزِ فِي الْهِبَةِ، وَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ الْحَوْزُ لِلْهِبَةِ كَمُؤَاجَرَةِ الرَّهْنِ لِرَاهِنِهِ مَعَ صِحَّةِ حَوْزِهِ.

الثَّالِثُ: " ق " قَوْلُهُ بِخِلَافِ سَنَةٍ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَهُ غَلَّةٌ، وَعَلَى غَيْرِ صِغَارِ وَلَدِهِ. طفي فِيهِ نَظَرٌ، إذْ يَقْتَضِي أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي الْهِبَةِ بَيْنَ الرُّجُوعِ قَبْلَ الْعَامِ أَوْ بَعْدَهُ خَاصٌّ بِاَلَّذِي لَهُ غَلَّةٌ وَأَنَّ مَا لَا غَلَّةَ لَهُ يَصِحُّ مُطْلَقًا، وَهَذَا شَيْءٌ خَرَجَ بِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ، إذْ لَا قَائِلَ بِهِ فِيمَا عَلِمْت وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَبْسِ، وَذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ

ص: 195

أَوْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا أَوْ ضَيْفًا فَمَاتَ

وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مَتَاعًا

ــ

[منح الجليل]

وَصُورَتُهُ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ لِلِانْتِفَاعِ، وَإِنَّمَا حَبَسَهُ وَجَعَلَهُ تَحْتَ يَدِهِ يَصْرِفُهُ وَيُرْجِعُهُ.

الرَّابِعُ: " غ " قَوْلُهُ بِأَنْ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي الْفِعْلَيْنِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَيَجِبُ بِنَاءُ الثَّانِي لِلْفَاعِلِ. كَالْأَوَّلِ. طفي وَهُوَ صَوَابٌ فَقَوْلُ " ح " أَوْ أَرْفَقَ بِهَا مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ غَيْرُ صَوَابٍ سَرَى لَهُ ذَلِكَ مِنْ جَعْلِهِ الضَّمِيرَ الْمُسْتَكِنَّ فِي آجَرَهَا لِلْوَاهِبِ وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ لُغَةً؛ لِأَنَّ أَجَرَ لِلْمَالِكِ فَفِي الْقَامُوسِ أَجَرَ الْمَمْلُوكَ أَجْرًا أَكْرَاه كَآجَرَهُ إيجَارًا وَمُؤَاجَرَةً.

(أَوْ رَجَعَ) الْوَاهِبُ لِلدَّارِ الَّتِي وَهَبَهَا حَالَ كَوْنِهِ (مُخْتَفِيًا) عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بَعْدَ حِيَازَتِهَا عَنْهُ بِأَنْ وَجَدَهَا خَالِيَةً فَسَكَنَهَا وَمَاتَ بِهَا فَلَا يَبْلَ حَوْزَهَا، كَذَا فِي الشُّرَّاحِ. الْبُنَانِيُّ صَوَابُهُ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ هَكَذَا فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَسَيَأْتِي نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ (أَوْ) رَجَعَ إلَيْهَا حَالَ كَوْنِهِ (ضَيْفًا) عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ (فَمَاتَ) الْوَاهِبُ فِي الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ فَلَا تَبْطُلُ حِيَازَتُهَا، ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ رَجَعَ لَهَا عَنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. مُحَمَّدٌ إذَا حَازَ الْمُعْطَى الدَّارَ وَسَكَنَهَا ثُمَّ اسْتَضَافَهُ الْمُعْطِي فَأَضَافَهُ وَمَرِضَ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ أَوْ اخْتَفَى عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ الْعَطِيَّةَ، وَهَكَذَا فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا.

(وَ) صَحَّتْ (هِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِ) لِزَوْجِ (الْآخَرِ مَتَاعًا) أَوْ خَادِمًا وَإِنْ لَمْ تَرْتَفِعْ يَدُ الْوَاهِبِ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْعُتْبِيَّةِ. ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِخَادِمَةٍ وَهِيَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ فَكَانَتْ تَخْدُمُهَا بِحَالِ مَا كَانَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ. سَحْنُونٌ وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهَا إيَّاهَا فَهُوَ حَوْزٌ. أَشْهَبُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " إذَا أَشْهَدَ لَهَا بِهَذِهِ الْخَادِمُ فَتَكُونُ عِنْدَهُمَا كَمَا كَانَتْ فِي خِدْمَتِهَا أَوْ وَهَبَتْ هِيَ لَهُ خَادِمَهَا فَكَانَتْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ مَتَاعًا فِي الْبَيْتِ فَأَقَامَ ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ بِأَيْدِيهِمَا فَهِيَ ضَعِيفَةٌ. ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا تَوَاهَبَا جَائِزٌ وَهِيَ حِيَازَةٌ، وَكَذَلِكَ مَتَاعُ الْبَيْتِ وَبِهِ أَقُولُ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْكَنُ الَّذِي هُمَا بِهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهَا فَأَقَامَا فِيهِ حَتَّى مَاتَ

ص: 196

وَهِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا، لَا الْعَكْسُ،

وَلَا إنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ إلَّا لِمَحْجُورِهِ: إلَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَلَوْ خَتَمَ عَلَيْهِ،

ــ

[منح الجليل]

فَإِنَّهُ مِيرَاثٌ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ فِي صِحَّتِهِ قَضَى لَهَا أَنْ يَسْكُنَهَا غَيْرُهُ حَتَّى تَحُوزَ الْمَسْكَنَ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَمَّا لَوْ تَصَدَّقَتْ هِيَ عَلَيْهِ بِالْمَنْزِلِ وَهُمَا فِيهِ فَذَلِكَ حَوْزٌ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَ زَوْجَتَهُ فَسُكْنَاهُ بِهَا فِيهِ حَوْزٌ، وَمِنْ نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ سُئِلَ ابْنُ لُبَابَةَ عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى أُمِّهِ بِثُلُثِ دَارِهِ وَهِيَ مَعَهُ فِيهَا سَاكِنَةٌ حَتَّى مَاتَ الْوَلَدُ فَقَالَ سُكْنَاهَا مَعَهُ حَوْزٌ تَامٌّ وَهِيَ صَدَقَةٌ ثَابِتَةٌ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ هَذَا إنْ كَانَتْ سَكَنَتْ مِثْلَ نَصِيبِهَا وَإِلَّا فَلَيْسَ إلَّا قَدْرَ مَا سَكَنَتْ.

(وَ) صَحَّتْ (هِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا) ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ تَصَدَّقَتْ هِيَ عَلَيْهِ بِالْمَنْزِلِ وَهُمَا فِيهِ فَذَلِكَ حَوْزٌ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَ زَوْجَتَهُ فَسُكْنَاهُ بِهَا فِيهِ حَوْزٌ مَا لَمْ تَشْتَرِطْ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْهَا، فَإِنْ اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ فَلَا يَكْفِي فِي الْحَوْزِ إشْهَادُهَا عَلَى الْهِبَةِ لِزَوْجِهَا كَمَا فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ (لَا) يَصِحُّ (الْعَكْسُ) أَيْ هِبَتُهُ دَارَ سُكْنَاهُ لِزَوْجَتِهِ إنْ مَاتَ وَهُوَ سَاكِنٌ بِهَا فِيهَا لِبُطْلَانِ الْحَوْزِ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى تُنْسَبُ لِلزَّوْجِ وَهِيَ تَابِعَةٌ لَهُ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْهِبَةُ (إنْ بَقِيَتْ) الذَّاتُ الْمَوْهُوبَةُ (عِنْدَهُ) أَيْ الْوَاهِبِ لِفَلَسِهِ أَوْ مَوْتِهِ أَوْ جُنُونِهِ أَوْ مَرَضِهِ الْمُتَّصِلَيْنِ بِمَوْتِهِ وَأَعَادَ هَذَا لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ (إلَّا) الْوَاهِبَ (لِمَحْجُورِهِ) فَتَصِحُّ هِبَتُهُ لَهُ مَعَ بَقَائِهِ عِنْدَهُ إلَى مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحُوزُ لَهُ إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (إلَّا مَا) أَيْ مَوْهُوبًا (لَا يُعْرَفُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ بِعَيْنِهِ مِنْ مَعْدُودٍ أَوْ مَوْزُونٍ كَدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ مَكِيلٍ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ لِمَحْجُورِهِ مَعَ بَقَائِهِ عِنْدَهُ إنْ لَمْ يَخْتِمْ عَلَيْهِ، بَلْ (وَلَوْ) جُعِلَ فِي صُرَّةٍ وَ (خُتِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَلَيْهِ) أَيْ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ بِخَتْمِ الْوَاهِبِ وَالشُّهُودِ فَلَا يَكْفِي فِي حَوْزِهِ لَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه "، وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ. وَأَشَارَ بِ وَلَوْ لِقَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ يَصِحُّ حَوْزُهَا إذَا أَحْضَرَهَا لِلشُّهُودِ وَخَتَمَ عَلَيْهَا. فِيهَا مَنْ تَزَوَّجَ بِكْرًا وَوَهَبَ لَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَهِيَ سَفِيهَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ جُنُونًا

ص: 197

وَدَارَ سُكْنَاهُ، إلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا، وَيُكْرِيَ لَهُ الْأَكْثَرَ،

ــ

[منح الجليل]

مُطْبِقًا وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَكُونُ الزَّوْجُ حَائِزًا لَهَا إلَّا أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ وَيَجْعَلَهُ عَلَى يَدِ مَنْ يَحُوزُهُ لَهَا، وَلَا يَكُونُ مُتَصَدِّقٌ حَائِزًا لِصَدَقَتِهِ إلَّا أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ لِمَنْ فِي وِلَايَتِهِ، وَالزَّوْجُ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَلَا بَيْعُهُ مَالَهَا وَأَبُوهَا الْحَائِزُ لَهَا وَإِنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا مَا دَامَتْ سَفِيهَةً أَوْ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهَا أَمْرٌ. وَمِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّ الْأَبَ يَحُوزُ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ مِنْ الْعُرُوضِ الَّتِي تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا، بِخِلَافِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إلَّا إنْ كَانَ دَيْنًا.

ابْنُ عَرَفَةَ حَوْزُ الْأَبِ لِصِغَارِ وَلَدِهِ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ صَحِيحٌ. ابْنِ رُشْدٍ اتِّفَاقًا. الْبَاجِيَّ وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَيَّنُ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَإِنَّهَا إنْ بَقِيَتْ بِيَدِ الْأَبِ غَيْرَ مَخْتُومٍ عَلَيْهَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهَا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ مَاتَ الْأَبُ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَتْ الْعَطِيَّةُ وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " لَا يَجُوزُ. وَإِنْ طَبَعَ عَلَيْهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ وَيُخْرِجَهَا عَنْ مِلْكِهِ وَذَلِكَ إنَّهَا غَيْرُ مَعْرُوفَةِ الْعَيْنِ وَلَا مُتَعَيِّنَةٍ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُعْرَفَ بِعَيْنِهَا إذَا أُفْرِدَتْ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ إذَا وَهَبَهُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ دَنَانِيرِهِ. وَأَمَّا إذَا خَتَمَ عَلَيْهَا وَأَمْسَكَهَا عِنْدَهُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَبْطُلُ، زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِنْ خَتَمَ عَلَيْهَا الشُّهُودُ وَالْأَبُ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيُّونَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا حِيَازَةٌ مَعَ بَقَائِهَا بِيَدِ مُعْطِيهَا كَاَلَّتِي لَمْ يُخْتَمْ عَلَيْهَا. الْمُتَيْطِيُّ قَبْضُ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ جَائِزٌ، وَالْإِشْهَادُ بِالصَّدَقَةِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْحِيَازَةِ، وَيَضْمَنُ مَعْرِفَةَ الشُّهُودِ وَصِغَرَ الِابْنِ لِئَلَّا يَقُومَ عَلَيْهِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْأَبَ إنَّمَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَبِيرٌ وَلَمْ يَجُزْ وَيَقُولَ هُوَ كُنْت صَغِيرًا إنْ لَمْ يَعْلَمْ الشُّهُودُ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ إذَا نَزَلَ ذَلِكَ أَيُّهُمَا يُقْبَلُ.

(وَ) إلَّا (دَارَ سُكْنَاهُ) أَيْ الْوَاهِبِ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهَا لِمَحْجُورِهِ إذَا اسْتَمَرَّ سَاكِنًا بِهَا لِمَوْتِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَسْكُنَ) الْوَاهِبُ (أَقَلَّهَا) أَيْ الدَّارِ (وَيُكْرِيَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْوَاهِبُ (لَهُ) أَيْ مَحْجُورِهِ الْمَوْهُوبِ لَهُ (الْأَكْثَرَ) مِنْ الدَّارِ فَتَصِحَّ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِهَا. فِيهَا مَنْ حَبَسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ وَهَبَهَا لَهُمْ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ فَحَوْزُهُ حَوْزٌ صَحِيحٌ إلَّا

ص: 198

وَإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ: بَطَلَ فَقَطْ، وَالْأَكْثَرُ بَطَلَ الْجَمِيعُ.

ــ

[منح الجليل]

أَنْ يَسْكُنَهَا كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا إلَى مَوْتِهِ فَيَبْطُلَ جَمِيعُهَا، وَإِنْ سَكَنَ مِنْ الدَّارِ الْكَبِيرَةِ ذَاتِ الْمَسَاكِنِ أَقَلَّهَا وَأَكْرَى لَهُمْ بَاقِيَهَا نَفَذَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا سَكَنَ وَفِيمَا لَمْ يَسْكُنْ، وَلَوْ سَكَنَ الْجُلَّ وَأَكْرَى لَهُمْ الْأَقَلَّ بَطَلَ الْجَمِيعُ.

(وَإِنْ سَكَنَ) الْوَاهِبُ (النِّصْفَ) مِنْ الدَّارِ الَّتِي وَهَبَهَا الْمَحْجُورُ وَأَكْرَى لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ (بَطَلَ) النِّصْفُ الْمَسْكُونُ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ النِّصْفِ الْمُكْرَى، فَتَصِحُّ هِبَتُهُ. عَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ (وَ) إنْ سَكَنَ الْوَاهِبُ (الْأَكْثَرَ) مِنْ الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ لِمَحْجُورِهِ (بَطَلَ الْجَمِيعُ) الْمَسْكُونُ وَالْمُكْرَى لَهُ. فِي النُّكَتِ حَفِظْت عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا إذَا سَكَنَ أَبُو الْأَصَاغِرِ شَيْئًا فَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، إنْ سَكَنَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ بَطَلَ الْجَمِيعُ، وَإِنْ سَكَنَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ صَحَّ لَهُمْ مَا سَكَنَ وَمَا لَمْ يَسْكُنْ، وَإِنْ سَكَنَ الْقَلِيلَ وَأَبْقَى الْكَثِيرَ خَالِيًا فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُكْرِيَهُ لِلْأَصَاغِرِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ لِكِرَائِهِ مَنَعَ لَهُ فَكَأَنَّهُ أَبْقَاهُ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ كَأَشْغَالِهِ إيَّاهُ بِسُكْنَاهُ. عِيَاضٌ هَذَا صَحِيحٌ مِنْ النَّظَرِ ظَاهِرٌ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ. الْمُتَيْطِيُّ شَرْطُ صَدَقَةِ الْأَبِ عَلَى صِغَارِ بَنِيهِ بِدَارِ سُكْنَاهُ إخْلَاؤُهَا مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَثِقَلِهِ وَمُعَايَنَتُهَا. الْبَيِّنَةُ فَارِغَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَيُكْرِيهَا لَهُمْ.

(تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ. طفي قَوْلُهُ وَدَارَ سُكْنَاهُ عَطْفٌ عَلَى مَا لَا يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ وَلَا إنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ فَيَقْتَضِي أَنَّ دَارَ السُّكْنَى كَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهَا مِنْ يَدِهِ إلَى مَنْ يَحُوزُهَا، وَبِذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ يَعْنِي أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا وَهَبَ لِمَحْجُورِهِ دَارَ سُكْنَاهُ، فَإِنَّ حُكْمَهَا فِي اشْتِرَاطِ إخْرَاجِهَا عَنْ يَدِهِ حُكْمُ مَا إذَا وَهَبَ لَهُ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي شَامِلِهِ فَقَالَ وَلَوْ وَهَبَهُ دَارَ سُكْنَاهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ حَبَسَهَا عَلَيْهِ وَقَدِمَ مَنْ حَازَهَا جَازَ. اهـ. وَمَا قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَكُتُبُ الْمَالِكِيَّةُ مُصَرِّحَةٌ بِخِلَافِهِ، إذْ لَمْ أَرَ مَنْ اشْتَرَطَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ خُرُوجَهَا عَنْ يَدِهِ إلَى مَنْ يَحُوزُهَا كَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، نَعَمْ تُفَارِقُ غَيْرَهَا فِي كَوْنِهَا لَا بُدَّ مِنْ إخْلَائِهَا مِنْ شَوَاغِلِهِ وَمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِذَلِكَ،

ص: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

ثُمَّ تَبْقَى تَحْتَ يَدِهِ، فَفِي وَثَائِقِ ابْنِ شَرِيعَةَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ فِي دَارٍ يَسْكُنُهَا الْأَبُ فَلَا تَجُوزُ حَتَّى يُخْلِيَهَا الْأَبُ مِنْ أَهْلِهِ وَثِقَلِهِ، وَتَكُونَ فَارِغَةً وَيُكْرِيَهَا لِلِابْنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى هَذَا فَلَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ، وَنَحْوُهُ لِلْمُتَيْطِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهُ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ فِي وَثِيقَةِ هِبَةِ الْأَبِ دَارَ سُكْنَاهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَانْتَقَلَ الْمُتَصَدِّقُ الْمَذْكُورُ عَنْ جَمِيعِ الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ بِبَيِّنَةٍ وَأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ تَصْحِيحًا لِلصَّدَقَةِ وَإِكْمَالًا لَهَا، وَتَوَلَّى قَبْضَهَا مِنْ نَفْسِهِ لِابْنِهِ الْمَذْكُورِ وَاحْتَازَهَا لَهُ بِمَا يَحُوزُ بِهِ الْآبَاءُ، ثُمَّ قَالَ وَإِنْ تَصَدَّقَ الْأَبُ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِدَارٍ لَا يَسْكُنُهَا فَلَا تَذْكُرْ فِي الْعَقْدِ الِانْتِقَالَ وَلَا التَّخَلِّيَ وَلَا قَيْدَ مُعَايَنَةِ الشُّهُودِ لِلْقَبْضِ وَإِشْهَادُ الْأَبِ فِي ذَلِكَ كَافٍ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْلَاكِ وَالْحَيَوَانِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ سَلْمُونٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَفْتَرِقُ دَارُ السُّكْنَى مِنْ غَيْرِهَا فِي هِبَةِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ بِأَنَّ دَارَ السُّكْنَى لَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ التَّخَلِّيَ وَمِثْلُهَا الْمَلْبُوسُ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَيَكْفِي فِيهِ إشْهَادُ الْأَبِ بِالصَّدَقَةِ أَوْ الْهِبَةِ، وَإِنْ لَمْ تُعَايِنْ الْبَيِّنَةُ الْحِيَازَةَ. الْمُتَيْطِيُّ وَإِشْهَادُ الْأَبِ بِصَدَقَتِهِ يُغْنِي عَنْ الْحِيَازَةِ وَإِحْضَارُهُ لِشُهُودِهَا فِيمَا لَا يَسْكُنُهُ الْأَبُ وَلَا يَلْبَسُهُ، فَظَهَرَ لَك الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ هِبَةِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَهِبَةِ دَارِ السُّكْنَى.

الثَّانِي: هَذَا حُكْمُ هِبَةِ الْأَبِ لِلصَّغِيرِ، وَأَمَّا الْكَبِيرُ وَالْأَجْنَبِيُّ فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ حَوْزَهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا، وَلَا يَكْفِي الْإِقْرَارُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَبْسِ.

الثَّالِثُ: لَيْسَ التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ خَاصًّا بِدَارِ السُّكْنَى، بَلْ كَذَلِكَ غَيْرُهَا إذَا سَكَنَهَا بَعْدَ الْهِبَةِ إذْ لَمْ يَخُصُّوهُ بِهَا كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ.

الرَّابِعُ: مِثْلُ الدُّورِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ الثِّيَابُ يَلْبَسُهَا، وَكَذَا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إذَا أَخْرَجَ بَعْضَهُ وَأَبْقَى بَعْضَهُ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْبَيَانِ.

الْخَامِسُ: ذَكَرَ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي صَرْفِ الْغَلَّةِ قَوْلَيْنِ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَبَ صَرَفَ الْغَلَّةَ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ مِثْلَ مَا فِي الْوَقْفِ، وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ

ص: 200

وَجَازَتْ الْعُمْرَى كَأَعْمَرْتُك أَوْ وَارِثَك

ــ

[منح الجليل]

ابْنُ رَحَّالٍ فِي حَاشِيَةِ التُّحْفَةِ الَّذِي رَجَّحَهُ النَّاسُ هُوَ شَرْطُ صَرْفِ الْغَلَّةِ لِلْمَحْجُورِ فِي الْهِبَةِ وَالْحَبْسِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا، قَالَ وَانْظُرْ دَلِيلَهُ وَاضِحًا بَيِّنًا.

(وَجَازَتْ) أَيْ نُدِبَتْ (الْعُمْرَى) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَقْصُورًا مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُمْرِ بِمَعْنَى مُدَّةِ الْحَيَاةِ لِوُقُوعِهِ ظَرْفًا لِمَنْفَعَتِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ الْعُمْرَى تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ حَيَاةَ الْمُعْطِي بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَاءً فَيَخْرُجُ الْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِهَا وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا قَبْلَ حَوْزِهَا؛ لِأَنَّهَا قَبْلَهُ عُمْرَى وَحُكْمُهَا النَّدْبُ لِذَاتِهَا، وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهَا لَا كَرَاهَتُهَا وَتَحْرِيمُهَا. الصِّيغَةُ الْبَاجِيَّ مَا دَلَّ عَلَى هِبَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الذَّاتِ كَأَسْكَنْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ وَهَبْتُك سُكْنَاهَا عُمْرَك. وَفِيهَا مَنْ قَالَ قَدْ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَيَاتَك جَازَ ذَلِكَ، وَتَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا، أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ ثُمَّ قَالَ وَمَنْ قَالَ دَارِي هَذِهِ لَك صَدَقَةٌ سَكَنًا فَإِنَّمَا لَهُ السُّكْنَى دُونَ ذَاتِهَا، وَإِنْ قَالَ لَهُ قَدْ أَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك مِنْ بَعْدِك أَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَك وَلِعَقِبِك سُكْنَى، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ مِلْكًا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ، فَإِنْ مَاتَ فَإِلَى أُولِي الْبَأْسِ بِهِ يَوْمَ مَاتَ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَرَثَتُهُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَنْ قِيلَ لَهُ هِيَ لَك صَدَقَةُ سُكْنَى فَلَيْسَ لَهُ إلَّا سُكْنَاهَا دُونَ رَقَبَتِهَا مُحَمَّدٌ حَيَاتَهُ.

(كَأَعْمَرْتُك) دَارِي أَوْ عَبْدِي أَوْ دَابَّتِي، أَيْ وَهَبْتُك مَنْفَعَتَهَا مُدَّةَ حَيَاتِك (أَوْ) أَعْمَرْتُ (وَارِثَك) مَا ذُكِرَ " غ " كَأَعْمَرْتُك أَوْ وَارِثَك كَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِوَاوِ الْعَطْفِ بَعْدَ كَأَعْمَرْتُك فَقَطْ أَوْ أَعْمَرْتُك وَوَارِثَك فَهُمَا مِثَالَانِ.

(تَنْبِيهَانِ)

الْأَوَّلُ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " جَوَازَهَا فِي الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ، قَالَ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا وَهِيَ عِنْدِي عَلَى مَا أَعَارَهَا عَلَيْهِ وَالْحُلِيُّ عِنْدَهُ كَذَلِكَ، فِيهَا قِيلَ فَإِنْ أَعْمَرَ ثَوْبًا أَوْ حُلِيًّا، قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَأَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ اهـ.

ص: 201

وَرَجَعَتْ لِلْمُعْمِرِ أَوْ وَارِثِهِ:

ــ

[منح الجليل]

الثَّانِي: الْحَطّ إنْ قَالَ أَعْمَرْتُك وَلَمْ يَقُلْ حَيَاتَك وَلَا حَيَاتِي وَلَمْ يَضْرِبْ أَجَلًا فَهِيَ عُمْرَى وَكَذَلِكَ أَسْكَنْتُك اللَّخْمِيُّ قَدْ أَتَتْ هِبَاتٌ مُتَقَارِبَةُ اللَّفْظِ مُخْتَلِفَةُ الْأَحْكَامِ حُمِلَ بَعْضُهَا عَلَى هِبَةِ الرِّقَابِ وَبَعْضُهَا عَلَى هِبَةِ الْمَنَافِعِ، وَهُوَ يَقُولُ كَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ وَآخُذُ مِنْك هَذَا الْعَبْدَ وَحَمَلْتُك عَلَى هَذَا الْبَعِيرِ وَأَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَأَعْمَرْتُك، فَحُمِلَ قَوْلُهُ أَعْمَرْتُك وَأَسْكَنْتُك وَأَخْدَمْتُك عَلَى أَنَّهَا هِبَةُ مَنَافِعَ حَيَاةَ الْمَخْدُومِ وَالْمُسْكَنِ وَالْمُعْمَرِ، وَقَوْلُك كَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ وَحَمَلْتُك عَلَى هَذَا الْبَعِيرِ أَوْ الْفَرَسِ عَلَى هِبَةِ الرِّقَابِ، ثُمَّ قَالَ وَالْعُمْرَى ثَلَاثَةٌ: مُقَيَّدَةٌ بِأَجَلِ أَوْ حَيَاةِ الْمُعْمَرِ، وَمُطْلَقَةٌ وَمُعَقَّبَةٌ، فَإِنْ قُيِّدَتْ بِأَجَلٍ بِأَنْ قَالَ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً أَوْ عَشْرًا أَوْ حَيَاتِي فَهِيَ عَلَى مَا أَعْطَى، وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْ حُمِلَ عَلَى عُمْرِ الْمُعْطَى حَتَّى يَقُولَ عُمْرِي أَوْ حَيَاتِي، وَإِنْ عَقَّبَهَا فَقَالَ أَعْمَرْتُكَهَا أَنْتَ وَعَقِبَك فَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْقَرِضَ الْعَقِبُ، وَفِي قَوَانِينِ ابْنِ جُزَيٍّ الْعُمْرَى جَائِزَةٌ إجْمَاعًا، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ أَعْمَرْتُكَ دَارِي أَوْ ضَيْعَتِي أَوْ أَسْكَنْتُك أَوْ وَهَبْت لَك سُكْنَاهَا أَوْ اسْتِغْلَالَهَا فَهُوَ وَهَبَ لَهُ مَنْفَعَتَهَا فَيَنْتَفِعُ بِهَا حَيَاتَهُ، فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إلَى رَبِّهَا، وَإِنْ قَالَ لَك وَلِعَقِبِك فَإِذَا انْقَرَضَ عَقِبُهُ رَجَعَتْ إلَى رَبِّهَا أَوْ لِوَارِثِهِ.

(وَرَجَعَتْ) الْعُمْرَى بِمَعْنَى الذَّاتِ الَّتِي وُهِبَتْ مَنْفَعَتُهَا لِشَخْصٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً كَسَنَةٍ أَوْ عَشْرٍ وَمُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ الْمُطْلَقَةَ أَوْ الْمُعَقَّبَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ مَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ انْقِرَاضِ الْعَقِبِ (لِ) شَخْصِ (الْمُعْمِرِ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ أَيْ وَاهِبِ الْمَنْفَعَةِ مِلْكًا إنْ كَانَ حَيًّا (أَوْ) لِ (وَارِثِهِ) أَيْ الْمُعْمَرِ إنْ كَانَ مَاتَ مِلْكًا أَيْضًا. فِيهَا إنْ قَالَ لَهُ أَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك رَجَعَتْ إلَيْهِ مِلْكًا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ، فَإِنْ مَاتَ فَإِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِ يَوْمَ مَاتَ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِمْ. ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ قَدْ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةِ حَيَاتك جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " وَتَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ الَّذِي أَعْمَرَهَا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ. قُلْت فَإِنْ أَعْمَرَ ثَوْبًا قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ " رضي الله عنه " فِي الثِّيَابِ شَيْئًا، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَأَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ، وَالثِّيَابُ عِنْدِي عَلَى مَا أَعَارَهُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ.

ص: 202

كَحَبْسٍ عَلَيْكُمَا، وَهُوَ لِآخِرِكُمَا مِلْكًا

لَا الرُّقْبَى كَذَوِي دَارَيْنِ، قَالَا: إنْ مِتَّ قَبْلِي فَهُمَا لِي، وَإِلَّا فَلَكَ: كَهِبَةِ نَخْلٍ

ــ

[منح الجليل]

وَشَبَّهَ فِي الرُّجُوعِ مِلْكًا فَقَالَ (كَ) عَبْدِي أَوْ دَارِي أَوْ دَابَّتِي (حُبُسٍ عَلَيْكُمَا وَهُوَ) أَيْ الْحَبْسُ (لِآخِرِكُمَا) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ حَالَ كَوْنِ الْعُمْرَى الرَّاجِعَةِ لَمُعْمِرِهَا أَوْ وَارِثِهِ (مِلْكًا) لَهُ " غ " لَفْظُ مِلْكًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي رَجَعْت وَأَشَارَ بِالتَّشْبِيهِ لِقَوْلِهِ آخَرَ كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ

وَمَنْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدِي حُبُسٌ عَلَيْكُمَا وَهُوَ لِلْآخِرِ مِنْكُمَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ لِلْآخِرِ يَبِيعُهُ وَيَصْنَعُ بِهِ مَا يَشَاءُ فَيَسْتَحِقَّانِهِ مَعًا عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا مَلَكَهُ الْآخَرُ

(لَا) تَجُوزُ (الرُّقْبَى) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورًا. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي عَارِيَّتِهَا لَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ رضي الله عنه الرُّقْبَى فَفُسِّرَتْ لَهُ فَلَمْ يُجِزْهَا وَهِيَ تَحْبِيسُ رَجُلَيْنِ دَارًا بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا أَوَّلًا فَحَظُّهُ حَبْسٌ عَلَى الْآخَرِ، وَسَأَلْته عَنْ تَحْبِيسِهِمَا عَبْدًا بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا فَحَظُّهُ يَخْدُمُ آخِرَهُمَا مَوْتًا حَيَاتَهُ، ثُمَّ يَكُونُ الْعَبْدُ حُرًّا فَلَمْ يُجِزْهُ، وَأَلْزَمَهُمَا عِتْقَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمَا. وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا يَخْدُمُ وَرَثَتَهُ دُونَ صَاحِبِهِ، فَإِذَا مَاتَ آخِرُهُمَا كَانَ حَظُّ كُلٍّ مِنْهُمَا حُرًّا مِنْ ثُلُثِهِ، كَمَنْ قَالَ إنْ مِتُّ فَعَبْدِي يَخْدُمُ فُلَانًا حَيَاتَهُ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ. اللَّخْمِيُّ إنْ نَزَلَ فِي الدَّارِ فَعَلَى أَنَّ الْحَبْسَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَرْجِعُ مِلْكًا يَبْطُلُ تَحْبِيسُهَا، وَتَرْجِعُ مِلْكًا لَهُمَا، وَعَلَى رُجُوعِهِ حَبْسًا تَبْطُلُ السُّكْنَى فَقَطْ وَتَكُونُ لَهُمَا حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا فَتَرْجِعُ مَرَاجِعَ الْأَحْبَاسِ. الصِّقِلِّيُّ أَلْزَمَهُمَا الْعِتْقَ؛ لِأَنَّهُ كَعِتْقٍ لِأَجَلٍ لِوَقْفِهِ عَلَى مَوْتِ فُلَانٍ وَجَعْلِهِ مِنْ الثُّلُثِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ مَوْتِي فَجَمَعَ لَهُ الْحُكْمَيْنِ.

وَمَثَّلَ لِلرُّقْبَى فَقَالَ (كَذَوَيْ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ مُثَنَّى ذُو، أَيْ صَاحِبَيْ (دَارَيْنِ) مَثَلًا (قَالَا) أَيْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ (إنْ مِتَّ) بِفَتْحِ التَّاءِ قَبْلِي (فَهُمَا) أَيْ دَارِي وَدَارُك مِلْكٌ (لِي وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَمُتْ قَبْلِي بِأَنْ مِتُّ أَنَا قَبْلَك (فَ) هُمَا (لَك) وَتَعَاقَدَا عَلَى هَذَا، وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَهِبَةِ نَخْلٍ) لِشَخْصٍ (وَاسْتِثْنَاءِ ثَمَرَتِهَا) أَيْ

ص: 203

وَاسْتِثْنَاءِ ثَمَرَتِهَا سِنِينَ، وَالسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ

، أَوْ فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو سِنِينَ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ لَهُ، وَلَا يَبِيعُهُ لِبُعْدِ الْأَجَلِ

ــ

[منح الجليل]

النَّخْلِ (سِنِينَ) مُسْتَقْبَلَةً بَعْدَ الْهِبَةِ لِلْوَاهِبِ (وَ) قَدْ شَرَطَ الْوَاهِبُ أَنْ يَكُونَ (السَّقْيُ) النَّخْلِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ (عَلَى الْمَوْهُوبِ) فَلَا يَجُوزُ لِلْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُعَيَّنٌ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ، إذْ كَأَنَّهُ بَاعَهُ النَّخْلَ بِسَقْيِهِ فِي تِلْكَ السِّنِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْبِضُهُ إلَّا بَعْدَهَا، وَلَا يَدْرِي بَعْدَهَا، وَمَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ السَّقْيُ عَلَى الْوَاهِبِ لَجَازَ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ مَعْرُوفٌ.

(أَوْ) هِبَةُ (فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو) عَلَيْهِ (سِنِينَ وَ) شَرَطَ الْوَاهِبُ أَنَّهُ (يُنْفِقُ) الْمَوْهُوبُ لَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْفَرَسِ فِي تِلْكَ السِّنِينَ، ثُمَّ يَكُونُ الْفَرَسُ مِلْكًا لِلْمَدْفُوعِ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لِذَلِكَ (وَاشْتَرَطَ) الْوَاهِبُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنَّهُ (لَا يَبِيعُهُ) أَيْ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْفَرَسَ (لِ) مَا (بَعْدَ) تَمَامِ (الْأَجَلِ) أَيْ السِّنِينَ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِحَائِطٍ وَفِيهِ ثَمَرٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِالثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الصَّدَقَةِ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمُعْطِي، وَإِنْ كَانَتْ مَأْبُورَةً فَهِيَ لِلْمُعْطَى كَالْبَيْعِ، وَيَقْبَلُ قَوْلَهُ وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَرَبُّ الْحَائِطِ مُصَدَّقٌ مِنْ حِينِ تُؤَبَّرُ الثَّمَرَةُ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. قُلْت وَكَيْفَ حِيَازَةُ النَّخْلِ وَرَبُّهَا يَسْقِيهَا لِمَكَانِ ثَمَرَتِهِ فَقَالَ إنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَتْ حِيَازَةً. ابْنُ الْمَوَّازِ يَقْبِضُ الْمَوْهُوبُ لَهُ النَّخْلَ وَيَكُونُ سُقِيَهَا عَلَى وَاهِبِهَا فِي مَالِهِ لِمَكَانِ ثَمَرَتِهِ، وَيَتَوَلَّى الْمَوْهُوبُ لَهُ سَقْيَهَا لِمَكَانِ حِيَازَتِهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَثْنَى الْوَاهِبُ ثَمَرَتَهَا لِنَفْسِهِ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِنْ أَسْلَمَ النَّخْلَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ يَسْقِيهَا بِمَاءِ الْوَاهِبِ وَيُرْجِعُ إلَيْهِ ثَمَرَتَهَا كُلَّ سَنَةٍ فَذَلِكَ حَوْزٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ يَسْقِيهَا بِمَائِهِ وَالثَّمَرَةُ لِلْوَاهِبِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ اسْقِهَا فِي عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ هِيَ لَك، وَلَا يَدْرِي أَتَسَلَّمَ النَّخْلَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ أَمْ لَا، وَلَقَدْ قَالَ لِي مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ فَرَسَهُ يَغْزُو عَلَيْهِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ لَهُ الْفَرَسُ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ هُوَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ

ص: 204

وَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ: كَأُمٍّ فَقَطْ

ــ

[منح الجليل]

أَرَأَيْت إنْ مَاتَ الْفَرَسُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَتَذْهَبُ نَفَقَتُهُ بَاطِلًا، فَهَذَا غَرَرٌ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَسْأَلَتِك فِي النَّخْلِ. وَأَمَّا إنْ كَانَتْ النَّخْلُ بِيَدِ الْوَاهِبِ يَسْقِيهَا وَيَقُومُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدِهِ، فَهَذَا إنَّمَا وَهَبَ نَخْلَهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ سَلَّمْت النَّخْلَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَلَمْ يَمُتْ رَبُّهَا وَلَا لَحِقَهُ دَيْنٌ فَلَهُ أَخْذُهَا بَعْدَ الْأَجَلِ، وَإِنْ مَاتَ رَبُّهَا أَوْ لَحِقَهُ دَيْنٌ بَطَلَتْ الْهِبَةُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا.

(وَ) إنْ وَهَبَ أَبٌ لِوَلَدِهِ هِبَةً فَ (لِلْأَبِ) أَيْ مُبَاشَرَةً أَيْ لَا الْجَدِّ (اعْتِصَارُهَا) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَإِهْمَالِ الصَّادِ، أَيْ أَخْذُ الْهِبَةِ بِلَا عِوَضٍ (مِنْ وَلَدِهِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَازَهَا الْوَلَدُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ. ابْنُ عَرَفَةَ الِاعْتِصَارُ ارْتِجَاعُ الْمُعْطِي عَطِيَّتَهُ دُونَ عِوَضٍ لَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى، وَصِيغَتُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظًا، وَفِي لَغْوِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ الْتِزَامًا نَقْلَا ابْنِ عَاتٍ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الشُّورَى وَابْنِ وَرْدٍ، قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشُّورَى فِيمَنْ بَاعَهَا قَبْلَهُ بِاسْمِ نَفْسِهِ وَمَاتَ فَثَمَنُهَا لِابْنِهِ فِي مَالِهِ، وَلَا يَكُونُ الِاعْتِصَارُ إلَّا بِإِشْهَادٍ. اهـ. قَوْلُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظًا شَامِلٌ لِمَا كَانَ مِنْ مَادَّةِ الِاعْتِصَارِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. وَفِي لُبَابِ ابْنِ رَاشِدٍ صِيغَتُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَاعْتَصَرْتُ وَرَدَدْت، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَكُونُ اعْتِصَارُ الْأَبَوَيْنِ إلَّا بِإِشْهَادٍ. اهـ. فَتَخْصِيصُ صِيغَتِهِ بِمَادَّةِ الِاعْتِصَارِ غَيْرُ صَحِيحٍ قَالَهُ الْبُنَانِيُّ.

وَشَبَّهَ فِي الِاعْتِصَارِ فَقَالَ (كَأُمٍّ) مُبَاشِرَةِ الْوِلَادَةِ فَلَهَا اعْتِصَارُ مَا وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا (فَقَطْ) أَيْ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ جَدٍّ وَجَدَّةٍ وَنَحْوِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه وَلِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثُوا دُيُونًا، وَيُحْدِثُوا فِيهَا إحْدَاثًا. ابْنُ عَرَفَةَ الْمَذْهَبُ صِحَّةُ اعْتِصَارِ الْأَبِ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ صَغِيرًا كَانَ الِابْنُ أَوْ كَبِيرًا، وَمَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأُمَّ مِثْلُهُ. فِيهَا قَالَ رَبِيعَةُ رضي الله عنه لَا يَعْتَصِرُ الْوَلَدُ مِنْ الْوَالِدِ. قُلْت فَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبَوَيْنِ مِنْ جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ عَمَّةٍ أَوْ خَالٍ أَوْ خَالَةٍ أَوْ غَيْرِهِمْ اعْتِصَارُ هِبَتِهِمْ؟ قَالَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِصَارُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ

ص: 205

وَهَبَتْ ذَا أَبٍ، وَإِنْ مَجْنُونًا، وَلَوْ تَيَتَّمَ عَلَى الْمُخْتَارِ

ــ

[منح الجليل]

مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا لِلْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرُهُمَا وَإِنَّمَا تَعْتَصِرُ الْأُمُّ الَّتِي (وَهَبَتْ) وَلَدًا (ذَا) أَيْ صَاحِبَ (أَبٍ) فَإِنْ وَهَبَتْ يَتِيمًا فَلَيْسَ لَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ، وَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْ ذِي الْأَبِ إنْ كَانَ الْأَبُ عَاقِلًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْأَبُ (مَجْنُونًا) جُنُونًا مُطْبِقًا، إذْ هُوَ كَالْعَاقِلِ فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ وَلَدِهِ مِنْ مَالِهِ فَلَيْسَ وَلَدُهُ يَتِيمًا، وَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْ ذِي الْأَبِ حَالَ الْهِبَةِ إنْ اسْتَمَرَّ الْأَبُ حَيًّا، بَلْ (وَلَوْ تَيَتَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ صَارَ الْوَلَدُ يَتِيمًا بِمَوْتِ أَبِيهِ بَعْدَ هِبَتِهَا لَهُ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ (عَلَى الْمُخْتَارِ) لِلَّخْمِيِّ مِنْ الْخِلَافِ.

وَأَشَارَ بِ وَلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا تَعْتَصِرُ مِنْهُ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا وَهَبَتْ الْأُمُّ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصِّغَارِ وَلَا أَبَ لَهُمْ فَلَيْسَ لَهَا اعْتِصَارُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتِيمٌ وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ وَيُعَدُّ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ. ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَهَبَتْهُمْ وَالْأَبُ مَجْنُونٌ جُنُونًا مُطْبِقًا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي وُجُوبِ الِاعْتِصَارِ لَهَا. اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ لَهُ أَبٌ يَوْمَ الْعَطِيَّةِ وَلَمْ تَعْتَصِرْ حَتَّى مَاتَ أَبُوهُ، فَإِنَّ لَهَا اعْتِصَارَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا تَعْتَصِرُ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى وَقْتَ الْعَطِيَّةِ هَلْ كَانَتْ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً، وَاَلَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ حَسْبَمَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ إنْ وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فَبَلَغَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ فَلِأُمِّهِ اعْتِصَارُ مَا وَهَبَتْهُ، وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ بُلُوغِ الْوَلَدِ ثُمَّ بَلَغَ فَلَيْسَ لَهَا الِاعْتِصَارُ لِانْقِطَاعِهِ بِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ. عج اُنْظُرْ كَيْفَ قَدَّمَ اخْتِيَارَ اللَّخْمِيِّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَتَبِعَهُ تَلَامِذَتُهُ وَالْعَدَوِيُّ. الْبُنَانِيُّ كَلَامُهُ يُفِيدُ التَّعَقُّبَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ اخْتِيَارَ اللَّخْمِيِّ مِنْ عِنْدِهِ لَا مِنْ الْخِلَافِ، فَحَقُّهُ التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ اعْتَمَدَهُ وَتَرَكَ الْمَنْصُوصَ.

قُلْت كَوْنُ اخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ وضيح وَغَيْرِهِمَا، وَلَكِنْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَا لِلَّخْمِيِّ هُوَ ظَاهِرُهَا وَنَصُّهَا وَلِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فِي حَيَاةِ الْأَبِ أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَهَا فِي حَيَاةِ الْأَبِ مَا الْعَامِلُ فِيهِ نَحَلَتْ أَوْ وَهَبَتْ، فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ

ص: 206

إلَّا فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْآخِرَةُ: كَصَدَقَةٍ بِلَا شَرْطٍ

إنْ لَمْ تَفُتْ، لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ،

ــ

[منح الجليل]

فِيهِ تَعْتَصِرُ كَانَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ وَهَبَتْ فَمِثْلُ مَا رَجَّحَ اللَّخْمِيُّ فَيَتَخَرَّجُ الْقَوْلَانِ مِنْهَا. اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ ظَاهِرَهَا هُوَ التَّعَلُّقُ بِالْأَقْرَبِ وَهُوَ وَهَبَتْ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اقْتَصَرَ عَلَى مُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُهَا. وَاسْتَثْنَى مِمَّا يَعْتَصِرُهُ الْأَبُ فَقَالَ (إلَّا فِيمَا) أَيْ تَبَرُّعٍ مِنْ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ (أُرِيدَ) بِفَتْحِ الدَّالِ (بِهِ) أَيْ التَّبَرُّعِ (الْآخِرَةُ) أَيْ ثَوَابُهَا فَلَيْسَ لَهُمَا اعْتِصَارُهُ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ، فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ هِبَتُهُ لِابْنِهِ لِلصِّلَةِ لَا يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا، وَكَذَا هِبَتُهُ لِضَعْفِهِ وَخَوْفِ الْخَصَاصَةِ عَلَيْهِ وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ كُلُّ هِبَةٍ لِوَلَدِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِطَلَبِ الْأَجْرِ أَوْ لِصِلَةِ الرَّحِمِ فَلَا تَعْتَصِرُ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ مُطَرِّفٍ تَعْتَصِرُ. وَشَبَّهَ فِي مَنْعِ الِاعْتِصَارُ فَقَالَ (كَصَدَقَةٍ) مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ لِوَلَدِهِمَا (بِلَا شَرْطٍ) لِاعْتِصَارِهَا فَلَيْسَ لَهُمَا اعْتِصَارُهَا.

وَمَفْهُومُ بِلَا شَرْطٍ أَنَّهُ إنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الِاعْتِصَارِ إنْ شَاءَ فَلَهُ الِاعْتِصَارُ وَهُوَ كَذَلِكَ. الْبَاجِيَّ إذَا قَيَّدَ الْهِبَةَ أَوْ الْعَطِيَّةَ أَوْ النِّحْلَةَ قَالَ إنِّي سَلَّطْت عَلَيْهَا حُكْمَ الِاعْتِصَارِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي جَوَازِ الِاعْتِصَارِ. ابْنُ رُشْدٍ الِاعْتِصَارُ لَا يَكُونُ فِي الصَّدَقَاتِ إلَّا بِشَرْطٍ.

وَذَكَرَ مَوَانِعَ الِاعْتِصَارِ فَقَالَ (إنْ لَمْ تَفُتْ) الْهِبَةُ (بِحَوَالَةِ) أَيْ تُغَيَّرُ (سُوقٍ) أَيْ قِيمَةٍ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ عَلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ هِبَتِهَا، فَإِنْ فَاتَتْ بِهَا فَلَا تَعْتَصِرُ، هَذَا ظَاهِرُهُ، وَلَكِنْ قَالَ " ق " لَوْ قَالَ وَلَوْ فَاتَتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ لَا بِزَيْدٍ وَنَقْصٍ لَوَافَقَ نَصَّ الْبَاجِيَّ إذَا تَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي قِيمَتِهَا بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ اعْتِصَارَهَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْهِبَةَ عَلَى حَالِهَا وَزِيَادَةُ الْقِيمَةِ وَنُقْصَانُهَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهَا وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي صِفَتِهَا فَلَا يَمْنَعُ اعْتِصَارُهَا كَنَقْلِهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ.

" غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ إنْ لَمْ تَفُتْ لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ، بَلْ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ.

ص: 207

بَلْ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ، وَلَمْ يُنْكَحْ أَوْ يُدَايَنْ لَهَا

ــ

[منح الجليل]

الشَّارِحُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْهِبَةَ يَفُوتُ اعْتِصَارُهَا بِحَوَالَةِ السُّوقِ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيَّ عَنْ مُطَرِّفٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَأَصْبَغَ أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيتٍ. ابْنُ رَاشِدٍ لَا خِلَافَ فِيهِ. الْحَطّ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ قَوْلَانِ فِي فَوَاتِ الِاعْتِصَارِ بِحَوَالَةِ السُّوقِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اعْتَمَدَ الْقَوْلَ بِالْإِفَاتَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. طفي لَمْ أَجِدْ فِي الْمُعِينِ إلَّا أَنَّهَا لَا تَمْنَعُهُ. ابْنُ رُشْدٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. ابْنُ عَرَفَةَ تَغَيُّرُ السُّوقِ لَغْوٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ وَغَيْرُهُمَا الِاتِّفَاقُ وَصَرَّحَ بِهِ عِيَاضٌ. ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، فَالِاعْتِصَارُ جَائِزٌ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يَبْعُدُ يَخْرُجُ الْخِلَافُ فِيهِ حَقُّهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَصْلَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْخِلَافُ، وَذِكْرُهُ دُونَ تَعْيِينِهِ سَاقِطٌ. اهـ. فَهَذَا كُلُّهُ يُفِيدُ خِلَافَ مَا قَالَهُ " ح "، وَلَعَلَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ وَنَسَبَ تت فِي كَبِيرِهِ لِبَعْضِ شُرَّاحِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ رَجَّحَ الْإِفَاتَةَ بِهَا، وَأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا تَحْكِي الْخِلَافَ وَهُوَ فِي عُهْدَتِهِ. الْبُنَانِيُّ وَعَلَى تَسْلِيمِ وُجُودِ الْخِلَافِ فَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَلِذَا قَالَ " ز " لِعَدَمِ فَوَاتِهِ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(أَوْ) بِحُصُولِ (زَيْدٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ زِيَادَةٍ فِي ذَاتِ الْهِبَةِ كَكِبَرِ صَغِيرٍ وَسِمَنِ هَزِيلٍ (أَوْ) بِحُصُولِ (نَقْصٍ) فِيهَا كَانْهِدَامٍ وَنِسْيَانِ صَنْعَةٍ الْبَاجِيَّ إذَا تَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي عَيْنِهَا فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ زِيَادَتُهَا فِي عَيْنِهَا وَنَقْصُهَا لَا يَمْنَعُ اعْتِصَارَهَا، وَقَالَ أَصْبَغُ يَمْنَعُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ حَالِ ذِمَّةِ الْمُعْطَى يَقْطَعُ الِاعْتِصَارَ، فَأَنْ يَمْنَعَهُ تَغَيُّرُ الْهِبَةِ فِي نَفْسِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى.

(وَ) إنْ لَمْ (يُنْكَحْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْكَافِ أَيْ يُزَوَّجْ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِأَجْلِ الْهِبَةِ، فَإِنْ زَوَّجَ لِأَجْلِهَا وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ فَاتَ اعْتِصَارُهَا ذَكَرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ أُنْثَى لِرَغْبَةِ النَّاسِ فِي ذِي الْمَالِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ بِهِ (أَوْ) إنْ لَمْ (يُدَايَنْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ، أَيْ يُعَامَلْ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِدَيْنٍ بِبَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ (لَهَا) أَيْ لِأَجْلِ يُسْرِهِ بِالْهِبَةِ، فَإِنْ دُويِنَ لَهَا فَاتَ اعْتِصَارُهَا. طفي هَذَا مَذْهَبُ الْمُوَطَّإِ، وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَابْنَ الْقَاسِمِ كَمَا فِي الْبَيَانِ وَلَمْ يُنْسَبْ مُقَابِلُهُ إلَّا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الدَّيْنَ وَالنِّكَاحَ يَمْنَعَانِ مُطْلَقًا.

ص: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَلَمَّا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ سَمَاعَ عِيسَى قَالَ عَقِبَهُ ظَاهِرُ قَوْلِهَا لِلْأَبِ اعْتِصَارُ مَا وَهَبَهُ لِأَوْلَادِهِ الْكِبَارِ مَا لَمْ يَنْكِحُوا، وَفِي الْجَلَّابِ مِثْلُهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَنَصُّهَا بِاخْتِصَارِ أَبِي سَعِيدٍ إلَّا أَنْ يَنْكِحُوا أَوْ يَتَدَايَنُوا فَنَقَلَ الْمَوَّاقِ عَنْهَا التَّقْيِيدَ بِكَوْنِ النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ لِأَجْلِهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ اهـ.

فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " وَلِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ أَوْ نَحَلَ لِبَنِيهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصِّغَارِ أُمٌّ؛ لِأَنَّ الْيُتْمَ إنَّمَا هُوَ بِمَوْتِ الْأَبِ مَا لَمْ يَنْكِحُوا أَوْ يَسْتَحْدِثُوا دَيْنًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْكَحَ لِغِنَاهُ وَعَلَيْهِ دَايَنَهُ النَّاسُ، وَبِذَلِكَ يَرْغَبُ فِي الْبِنْتِ وَيَرْفَعُ فِي صَدَاقِهَا فَلِذَلِكَ مَنَعَ الِاعْتِصَارَ إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ كَثِيرَةً يُزَادُ فِي الصَّدَاقِ لِأَجْلِهَا، فَأَمَّا الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ فَلَا.

ص: 209

أَوْ يَطَأْ ثَيِّبًا أَوْ يَمْرَضْ، كَوَاهِبٍ

ــ

[منح الجليل]

وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَتَهُ نِحْلَةً فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ عَلَيْهَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ فَقَدْ انْقَطَعَ الِاعْتِصَارُ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَعُودُ بَنَى بِهَا أَوْ لَمْ يَبْنِ، وَكَذَا مَنْ نَكَحَ مِنْ الذُّكُورِ أَوْ الْإِنَاثِ أَوْ دَايَنَ ثُمَّ زَالَ الدَّيْنُ أَوْ زَالَتْ الْعِصْمَةُ فَلَا اعْتِصَارَ، فِيهَا قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ " رضي الله عنه " فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَهُ أَوْ ابْنَتَهُ ثُمَّ نَكَحَهَا عَلَى ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَإِنْ نَحَلَهُمَا بَعْدَ النِّكَاحِ فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَتَدَايَنَا أَوْ يَمُوتَا. (أَوْ) إنْ لَمْ (يَطَأْ) الِابْنُ الْبَالِغُ أَمَةً (ثَيِّبًا) وَهَبَهَا لَهُ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَاتَ اعْتِصَارُهَا عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَإِنْ كَانَ وَطْءُ الثَّيِّبِ فَوْتًا فَالْبِكْرُ أَوْلَى، وَيَصْدُقُ الِابْنُ فِي دَعْوَى الْوَطْءِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. يَحْيَى بْنُ عُمَرَ إنْ كَانَ اخْتَلَى بِهَا وَكَالْوَطْءِ التَّدْبِيرُ وَالْكِتَابَةُ وَالْعِتْقُ لِأَجَلٍ وَأَوْلَى الْمُنَجَّزُ. مُحَمَّدٌ إذَا وَهَبَهُ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ بَعْدَ تَزْوِيجِهِ فَلَهُ اعْتِصَارُهَا مَا لَمْ يَتَدَايَنْ الْوَلَدُ أَوْ تَنْمُو الْهِبَةُ أَوْ يَطَؤُهَا إنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَيَفُوتُ الِاعْتِصَارُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِكْرًا وَلَمْ تَحْمِلْ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.

(أَوْ) إنْ لَمْ (يَمْرَضْ) الْمَوْهُوبُ لَهُ مَرَضًا مَخُوفًا، فَإِنْ مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا فَاتَ اعْتِصَارُهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ وَرَثَتِهِ بِهَا، وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَ) مَرَضِ (وَاهِبٍ) مَرَضًا مَخُوفًا فَيَفُوتُ اعْتِصَارُهَا لِاتِّهَامِهِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْتَصِرُهَا لِوَرَثَتِهِ. يَحْيَى بْنُ عُمَرَ إنْ مَرِضَ الْأَبُ أَوْ الِابْنُ فَلَا اعْتِصَارَ فِي مَرَضِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ فَلَهُ اعْتِصَارُهَا، بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَامَلْ لَهَا فِي الْمَرَضِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ مِثْلُهُ فِي الْأَبِ، قَالَ وَلَا يُشْبِهُ الْمُعْتَصِرُ مِنْهُ الْمُعْتَصِرَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ أَصْبَغُ إذَا امْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ بِمَرَضِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِنِكَاحِ الْوَلَدِ أَوْ تَدَايُنِهِ ثُمَّ زَالَ الْمَرَضُ وَالدَّيْنُ وَالنِّكَاحُ فَلَا اعْتِصَارَ وَإِذَا زَالَ الِاعْتِصَارُ يَوْمًا فَلَا يَعُودُ، وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه "، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ وَإِذَا صَحَّ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى

ص: 210

إلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ، أَوْ يَزُولَ الْمَرَضُ عَلَى الْمُخْتَارِ

، وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ

ــ

[منح الجليل]

رَجَعَ الِاعْتِصَارُ كَمَا تَنْطَلِقُ يَدُهُ فِيمَا لَهُ فِيمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ. وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يَنْكِحْ أَوْ يُدَايِنْ لَهَا وَمَا بَعْدَهُ فَقَالَ (إلَّا أَنْ يَهَبَ) الْأَبُ أَوْ الْأُمُّ لِوَلَدِهِ وَهُوَ (عَلَى) حَالِ مِنْ (هَذِهِ الْأَحْوَالِ) الْمَانِعَةِ الِاعْتِصَارَ بِأَنْ وَهَبَهُ وَهُوَ مُتَزَوِّجٌ أَوْ مَدِينٌ أَوْ أَحَدُهُمَا مَرِيضٌ فَلَهُ الِاعْتِصَارُ مَعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَكُونُ وُجُودُهَا مَانِعًا مِنْهُ (أَوْ) إلَّا أَنْ (يَزُولَ الْمَرَضُ) الْحَاصِلُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْوَاهِبُ بَعْدَ الْهِبَةِ فَيَعُودُ الِاعْتِصَارُ (عَلَى الْمُخْتَارِ) لِلَّخْمِيِّ مِنْ الْخِلَافِ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَنَصُّهُ اخْتَلَفَ إذَا امْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ لِمَرَضِ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ ثُمَّ بَرِئَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَعْتَصِرُ وَهُوَ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَرَضُ مَوْتٍ، فَإِذَا صَحَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا وَأَنَّهُ مَرَضٌ لَا يَمُوتُ مِنْهُ، وَلَوْ اعْتَصَرَ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ ثُمَّ صَحَّ مِنْهُ كَانَ الِاعْتِصَارُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ نَقَلَهُ " ق ".

(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (تَمَلُّكُ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمِيمِ وَضَمِّ اللَّامِ مُثَقَّلَةً (صَدَقَةٍ) لِلْمُتَصَدَّقِ بِهَا (بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) كَشِرَاءٍ أَوْ قَبُولِ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَلَا يُكْرَهُ تَمَلُّكُهَا بِمِيرَاثٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ اخْتِيَارِيًّا وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ «عُمَرَ رضي الله عنه تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ جَوَادٍ عَلَى رَجُلٍ فَلَمْ يَقُمْ بِحَقِّهِ فَاسْتَشَارَ عُمَرُ رضي الله عنه النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي شِرَائِهِ مِنْهُ، وَقَالَ عُمَرُ إنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» .

ص: 211

وَلَا يَرْكَبُهَا أَوْ يَأْكُلُ مِنْ غَلَّتِهَا، وَهَلْ إلَّا أَنْ يَرْضَى الِابْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ؟

ــ

[منح الجليل]

فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " لَا يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، مُحَمَّدٌ لَا تَرْجِعُ بِاخْتِيَارٍ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ وَالْمَوَارِيثُ. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ التَّحْرِيمِ؟ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَيُكْرَهُ وَظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَجُوزُ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمَثَلَ ضُرِبَ لَنَا بِمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ. ابْنُ عَرَفَةَ التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ الْفَاعِلِ بِتَشْبِيهِهِ بِالْكَلْبِ الْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَالذَّمُّ عَلَى الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ. عِزُّ الدِّينِ لِبُعْدِ اللَّخْمِيِّ عَنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ، قَالَ مَا ذَكَرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَرُجُوعُهَا بِالْإِرْثِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ جَبْرٌ. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَجُوزُ الْحُرْمَةُ، وَهُوَ لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَسَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَبَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْمَشْهُورِ بِالْكَرَاهَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى غَيْرَ لَفْظِ لَا يَجُوزُ.

(وَلَا يَرْكَبُهَا) أَيْ الْمُتَصَدِّقُ الدَّابَّةَ الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا (أَوْ يَأْكُلُ) الْمُتَصَدِّقُ (غَلَّتَهَا) أَيْ الصَّدَقَةِ. فِيهَا مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا وَلَا يَرْكَبُهَا إنْ كَانَتْ دَابَّةً وَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا مِنْ ثَمَنِهَا، وَالْأُمُّ وَالْأَبُ إذَا احْتَاجَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا مِمَّا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى الْوَلَدِ. مُحَمَّدٌ وَلَا يَسْتَعِيرُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ أَعْطَاهُ لِرَجُلٍ فِي السَّبِيلِ وَإِنْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ فَلَا يَقْبَلُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِالْأَصْلِ، وَإِنَّمَا تَصَدَّقَ بِالْغَلَّةِ عُمْرَى أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلَهُ شِرَاؤُهَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " وَأَصْحَابُهُ إلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ مِنْ صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ، وَهَذَا فِي الْوَلَدِ الرَّشِيدِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَفْعَلُ وَقَالَهُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " ابْنُ رُشْدٍ شِرَاءُ غَلَّةِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، قِيلَ جَائِزٌ كَالْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا، وَكَرِهَهُ أَشْهَبُ وَهُوَ الصَّوَابُ. ابْنُ عَرَفَةَ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا عَوْدٌ فِي عَيْنِ الْعَطِيَّةِ لَا فِي غَلَّتِهَا.

(وَهَلْ) يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِغَلَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهَا فِي كُلِّ حَالٍ إلَّا (أَنْ يَرْضَى) ابْنُ الْمُتَصَدِّقِ (الْكَبِيرُ) أَيْ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ (بِشُرْبِ اللَّبَنِ) أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ بِذَاتِ

ص: 212

تَأْوِيلَانِ، وَيُنْفِقُ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْهَا

وَتَقْوِيمُ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ لِلضَّرُورَةِ،

ــ

[منح الجليل]

اللَّبَنِ أَوْ يَمْنَعُ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ الْكَبِيرُ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ فَهْمَانِ لِشَارِحِي الْمُدَوَّنَةِ. فِيهَا وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرَتِهَا، وَلَا يَرْكَبُهَا إنْ كَانَتْ دَابَّةً وَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَفِي الرِّسَالَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ. أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمَعُونَةِ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ يَسِيرًا أَوْ يَرْكَبَ الْفَرَسَ الَّذِي جَعَلَهُ فِي السَّبِيلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَقِلُّ خَطَرُهُ. وَقِيلَ مَعْنَى مَا فِي الرِّسَالَةِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا ثَمَنَ لَهُ. وَقِيلَ يُحْمَلُ مَا فِي الرِّسَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ قَوْلِهِ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ مِنْ صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ الْكَبِيرُ. اهـ. الْحَطّ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَهَلْ إلَّا أَنْ يَرْضَى الِابْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ تَأْوِيلَانِ، إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَخْصِيصُهُ بِاللَّبَنِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ غَيْرُ خَاصٍّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْبُنَانِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ التَّأْوِيلَيْنِ عَلَى الرِّسَالَةِ لَا عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرَ نَصَّ أَبِي الْحَسَنِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ قَالَ فَأَنْتَ تَرَى تَقْيِيدَ الْمُدَوَّنَةِ بِالْأَجْنَبِيِّ مُوَافِقًا لِظَاهِرِ كَلَامِ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي كَلَامِ الرِّسَالَةِ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ خِلَافًا لَهُمَا، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْوَلَدِ بِرِضَاهُ كَانَ وِفَاقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي مَفْهُومِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهَلْ يُعْتَبَرُ فَتَكُونَ وِفَاقًا لِلْمَوَّازِيَّةِ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ فَتَكُونَ خِلَافًا لَهَا لَصَحَّ التَّأْوِيلَانِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ حِينَئِذٍ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ.

(وَيُنْفَقُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ (عَلَى أَبٍ) وَأُمٍّ (افْتَقَرَ) أَيْ صَارَ فَقِيرًا فَيُنْفَقُ عَلَيْهِ (مِنْهَا) أَيْ صَدَقَتِهِ عَلَى وَلَدِهِ فِيهَا وَالْأُمُّ وَالْأَبُ إذَا احْتَاجَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا مِمَّا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى وَلَدِهِمَا. اهـ. وَمِثْلُهُمَا الزَّوْجَةُ وَلَوْ غَنِيَّةً لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَى زَوْجِهَا لِزَوْجِيَّتِهَا.

(وَ) يَجُوزُ لِلْأَبِ (تَقْوِيمُ جَارِيَةٍ) تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ (أَوْ عَبْدٍ) تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَتَمَلُّكُهُمَا (لِلضَّرُورَةِ) أَيْ احْتِيَاجِهِ لِوَطْءِ الْجَارِيَةِ وَاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ

ص: 213

وَيُسْتَقْصَى

وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ،

ــ

[منح الجليل]

وَيُسْتَقْصَى) أَيْ يَبْلُغُ الْأَبُ فِي قِيمَةِ الْجَارِيَةِ أَوْ الْعَبْدِ أَقْصَاهَا وَأَعْلَاهَا، فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِجَارِيَةٍ فَتَبِعَتْهَا نَفْسُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَوِّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَيُسْتَقْصَى لِلِابْنِ. مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ رُخِّصَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ مِنْ ابْنِهِ وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ أَجْنَبِيًّا مَا حَلَّ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَهُ مَالِكٌ. ابْنُ عَرَفَةَ مِثْلُ قَوْلِهَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمَوْهُوبُ عَبْدٌ. ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهَا فِي الْجَارِيَةِ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْعَبْدِ لِتَعَلُّقِ نَفْسِهِ بِهَا وَلَوْ تَبِعَتْهَا نَفْسُهُ وَالصَّدَقَةُ بِهَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ لَمَّا بَعُدَ شِرَاؤُهُ لَهَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْوَلَدِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِلشُّبْهَةِ فِي مَالِ ابْنِهِ، وَلِذَا أَجَازَ فِي رَسْمِ نَذْرِ سَنَةٍ أَنْ يَكْتَسِيَ بِصُوفِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى ابْنِهِ مِنْ الْغَنَمِ وَيَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا.

الْبُنَانِيُّ عَبَّرَ بِتَقْوِيمٍ تَبَعًا لَهَا، وَالْمُرَادُ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا تَقْوِيمُهُ بِالْعُدُولِ، وَلِذَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ أَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ؟ وَحَمَلَهُ عَلَى السَّدَادِ. وَفِي كِتَابِ الْجُعْلِ جَعَلَهُ كَالْوَصِيِّ يَتَعَقَّبُ الْإِمَامُ فِعْلَهُ. ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ لِنَفْسِهِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ السَّدَادِ، بِخِلَافِ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَأَجَازَ هُنَا أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى ابْنِهِ وَوَجَّهُوهُ بِالضَّرُورَةِ وَشُبْهَةِ الْمِلْكِ وَشُبْهَةِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ.

(وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ) أَيْ الْعِوَضِ الْمَالِيِّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي نَظِيرِ الْهِبَةِ مُقَارِنًا لِصِيغَةِ الْهِبَةِ، كَوَهَبْتُك أَوْ أَعْطَيْتُك أَوْ مَنَحْتُك أَوْ نَحَلْتُك هَذَا الشَّيْءَ عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي أَوْ تُعَوِّضَنِي أَوْ تَرُدَّ عَلَيَّ أَوْ تُكَافِئَنِي وَهُوَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ. ابْنُ يُونُسَ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ فِي أَكْثَرِ الْحَالَاتِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْعِوَضَ عِنْدَ الْهِبَةِ أَجَازَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَغَيْرِهِ، وَخَالَفَتْ الْبَيْعَ فِي هَذَا، كَخِلَافِ نِكَاحِ التَّعْوِيضِ لِنِكَاحِ التَّسْمِيَةِ وَكِلَاهُمَا نِكَاحٌ فِيهِ عِوَضٌ، وَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَاطِ الثَّوَابِ عِنْدَ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ. الْبَاجِيَّ هِبَةُ الثَّوَابِ لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهَا فَلَهُ ارْتِجَاعُهَا وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ لِلثَّوَابِ كَالْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ وَمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنْ ثَمَرَةٍ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا تَجُوزُ فِي نَحْوِ الْآبِقِ كَالْبَيْعِ. ابْنُ عَرَفَةَ هِبَةُ الثَّوَابِ عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ.

ص: 214

وَلَزِمَ بِتَعْيِينِهِ.

وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ، إنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ، وَإِنْ لِعُرْسٍ،

ــ

[منح الجليل]

وَلَزِمَ) الثَّوَابُ الْمَوْهُوبَ لَهُ، أَيْ دَفْعُهُ لِلْوَاهِبِ (بِ) سَبَبِ (تَعْيِينِهِ) أَيْ الثَّوَابِ حَالَ عَقْدِ الْهِبَةِ بِأَنْ قَالَ وَهَبْتُك هَذَا الثَّوْبَ عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةَ أَوْ هَذِهِ الدَّارَ فَرَضِيَ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهِ جُبِرَ عَلَيْهِ الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ إذَا عَيَّنَ الثَّوَابَ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ لِلْوَاهِبِ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْوَاهِبُ قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ. خَلِيلٌ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِتَعْيِينِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا ضَرُورِيٌّ كَبَتِّ عَقْدِ الْخِيَارِ، وَجَعَلَ الْبِسَاطِيُّ فَاعِلَ لَزِمَ ضَمِيرُ عَقْدِ الْهِبَةِ، أَيْ لَزِمَ الْعَقْدُ بِتَعْيِينِ الثَّوَابِ جِنْسًا أَوْ قَدْرًا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ الثَّوَابَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَلَا يَكْفِي فِي اللُّزُومِ وَهُوَ كَذَلِكَ الْبُنَانِيُّ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الثَّالِثُ أَيْ مِنْ أَوْجُهِ هِبَةِ الثَّوَابِ أَنْ يَهَبَ عَلَى ثَوَابٍ يَشْتَرِطُهُ وَيُسَمِّيهِ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يَحِلُّهُ مَا يَحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ

. (وَ) إنْ وَهَبَ شَخْصٌ لِآخَرَ هِبَةً وَادَّعَى الْوَاهِبُ أَنَّهَا لِلثَّوَابِ (صُدِّقَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا شَخْصٌ (وَاهِبٌ) شَيْئًا مُتَمَوَّلًا لِشَخْصٍ آخَرَ (فِي) قَصْدِ (هـ) أَيْ الثَّوَابِ (إنْ لَمْ يَشْهَدْ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْهَاءِ (عُرْفٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَرَى بَيْنَ النَّاسِ (بِضِدِّهِ) أَيْ عَدَمِ الثَّوَابِ عَلَى الْهَدِيَّةِ بِأَنْ جَرَى الْعُرْفُ بِهِ أَوْ لَمْ يَجْرِ بِشَيْءٍ، فَإِنْ جَرَى عُرْفٌ بِضِدِّهِ فَلَا يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِيهِ. فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا وَهَبْت لِقَرَابَتِك أَوْ ذِي رَحِمِك، وَعَلِمَ أَنَّك أَرَدْت بِهِ ثَوَابًا فَذَلِكَ لَك. فَإِنْ أَثَابُوك وَإِلَّا رَجَعَتْ. فِيهَا وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِثَوَابٍ كَصِلَتُك لِفَقِيرِهِمْ وَأَنْتَ غَنِيٌّ فَلَا ثَوَابَ لَك، وَلَا تُصَدَّقُ أَنَّك أَرَدْته وَلَا رَجْعَةَ فِي هِبَتِك، وَكَذَلِكَ هِبَةُ غَنِيٍّ لِأَجْنَبِيٍّ فَقِيرٍ أَوْ فَقِيرٍ لِفَقِيرٍ، ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ فَلَا يُصَدَّقُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي أَصْلِ الْهِبَةِ ثَوَابًا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ فِي هِبَتِهِ. وَيُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِيهِ إنْ كَانَ وَهَبَ لِغَيْرِ عُرْسٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ وَهَبَ (لِعُرْسٍ) الْبَاجِيَّ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ بِبَلَدِنَا مِنْ إهْدَاءِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ الْكِبَاشَ وَغَيْرَهَا

ص: 215

وَهَلْ يَحْلِفُ أَوْ إنْ أَشْكَلَ؟ تَأْوِيلَانِ

فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ إلَّا لِشَرْطٍ

ــ

[منح الجليل]

عِنْدَ النِّكَاحِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ إنَّ ذَلِكَ عَلَى الثَّوَابِ، وَبِذَلِكَ رَأَيْت الْقَضَاءَ فِي بَلَدِنَا، قَالَ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمُهْدِينَ وَالْمُهْدَى لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ الْعُرْفُ، قَالَ وَذَلِكَ كَمَا شَرَطَ فَيُقْضَى لِلْمُهْدِي بِقِيمَةِ الْكِبَاشِ حِينَ قَبَضَهَا الْمُهْدَى إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْوَزْنِ، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْوَزْنِ قَضَى بِوَزْنِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُهْدَى إلَيْهِ بَعَثَ إلَى الْمُهْدِي قَدْرًا مِنْ لَحْمٍ مَطْبُوخٍ أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُ فِي الْعُرْسِ حُوسِبَ بِهِ فِي قِيمَةِ هَدِيَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي بَلَدٍ لَا يُعْرَفُ فِيهِ هَذَا، فَلَا يُقْضَى فِيهِ بِثَوَابٍ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ قَالَ لَا أُعْطِيك إلَّا أَنْ يَتَجَدَّدَ عُرْسٌ، وَهُوَ شَأْنُ النَّاسِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ هَدَيْته مُعَجَّلًا.

(وَهَلْ يَحْلِفُ) الْوَاهِبُ عَلَى قَصْدِ الثَّوَابِ مُطْلَقًا شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ أَوَّلًا (أَوْ) إنَّمَا يَحْلِفُ (إنْ أَشْكَلَ) الْأَمْرُ وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ الْعُرْفُ وَلَا عَلَيْهِ؟ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) عِيَاضٌ قَوْلُهُ فِي هِبَةِ الْفَقِيرِ إنْ قَالَ إنَّمَا وَهَبْته لِلثَّوَابِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ يَمِينِهِ، وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْجَلَّابِ. وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ أَمَّا إذَا أَشْكَلَ فَإِحْلَافُهُ صَوَابٌ وَإِنْ لَمْ يُشْكِلْ وَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ فَلَا يَحْلِفُ. وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِبَتِهِ مُجَرَّدَ الثَّوَابِ دُونَ مُكَافَأَةٍ أَوْ قَصَدَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَ هِبَةِ النُّظَرَاءِ وَالْأَكْفَاءِ مِنْ أَهْلِ الْوُفُورِ وَالْغِنَى فَفِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ. وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي تَأْوِيلِهَا هَلْ بِيَمِينٍ أَوْ غَيْرِهَا. اهـ. وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ فَظَهَرَ أَنَّ التَّأْوِيلَيْنِ فِي الْوَاهِبِ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ فَهُمَا رَاجِعَانِ لِقَوْلِهِ وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ، وَبِهَذَا قَرَّرَهُ الْبِسَاطِيُّ، وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ فَإِنْ أَشْكَلَ صُدِّقَ الْوَاهِبُ وَهَلْ بِيَمِينٍ تَأْوِيلَانِ

وَيُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِيهِ (فِي) هِبَةِ (غَيْرِ الْمَسْكُوكِ) أَيْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ فِي هِبَةِ الْمَسْكُوكِ (إلَّا بِشَرْطٍ) لِلثَّوَابِ فِي هِبَةِ الْمَسْكُوكِ فَيَعْمَلُ عَلَيْهِ وَيُثَابُ عَنْهُ عَرْضٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ حَيَوَانٌ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا ثَوَابَ فِي هِبَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَإِنْ وَهَبَهَا فَقِيرٌ لِغَنِيٍّ وَمَا عَلِمْته مِنْ عَمَلِ النَّاسِ. ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الثَّوَابَ فَيُثَابُ

ص: 216

وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ

وَلِقَادِمٍ عِنْدَ قُدُومِهِ وَإِنْ فَقِيرًا لِغَنِيٍّ، وَلَا يَأْخُذُ هِبَتَهُ وَإِنْ قَائِمَةً

ــ

[منح الجليل]

عَرْضًا أَوْ طَعَامًا وَأَجَازَ الْإِمَامُ مَالِكٌ هِبَةَ الْحُلِيِّ الْمَصُوغِ لِلثَّوَابِ وَالْعِوَضُ عَلَيْهِ يُعَاضُ عُرُوضًا.

(وَ) لَا يُصَدَّقُ فِي قَصْدِ الثَّوَابِ فِي (هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ) ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ، وَبِهِ قَرَّرَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى الْحَذْفِ مِنْ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ. فِيهَا لَا يُقْضَى بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالثَّوَابِ فِي الْهِبَةِ وَلَا بَيْنَ وَالِدٍ وَوَلَدِهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ بَيْنَهُمْ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ لِامْرَأَةٍ جَارِيَةٌ فَارِهَةٌ فَطَلَبَهَا مِنْهَا زَوْجُهَا وَهُوَ مُوسِرٌ فَأَعْطَتْهُ إيَّاهَا مُرِيدَةً بِهَا اسْتِفْزَازَ صِلَتِهِ وَعَطِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ كَذَلِكَ يُحْسِنُ لِامْرَأَتِهِ وَالِابْنُ لِأَبِيهِ بِمَا يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِفْزَازَ مَا عِنْدَ أَبِيهِ. فَإِنْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ وَجْهُ مَا طَلَبَ فِي هِبَتِهِ، فَفِي ذَلِكَ الثَّوَابُ، فَإِنْ أَثَابَهُ وَإِلَّا رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي هِبَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُرَوِّجْهُ مَا ذَكَرْنَا فَلَا ثَوَابَ بَيْنَهُمَا.

(وَ) لَا يُصَدَّقُ فِي قَصْدِهِ مَنْ أَهْدَى (لِقَادِمٍ) مِنْ سَفَرٍ (عِنْدَ قُدُومِهِ) أَيْ الْقَادِمِ مِنْهُ إنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ أَوْ الْمُهْدِي فَقِيرًا وَالْمُهْدَى لَهُ غَنِيًّا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْمُهْدِي (فَقِيرًا) أَهْدَى (لِغَنِيٍّ) عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (وَلَا يَأْخُذُ الْفَقِيرُ) الْمُهْدِي لِلْغَنِيِّ عِنْدَ قُدُومِهِ (هَدِيَّتَهُ) أَيْ الْفَقِيرِ مِنْ الْغَنِيِّ الْمُهْدَى لَهُ إنْ كَانَتْ فَاتَتْ بِيَدِ الْغَنِيِّ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (قَائِمَةً) بِعَيْنِهَا بِيَدِ الْغَنِيِّ.

فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا قَدِمَ غَنِيٌّ مِنْ سَفَرٍ فَأَهْدَى لَهُ جَارُهُ الْفَقِيرُ الْفَوَاكِهَ وَالرُّطَبَ وَشَبَهَهُمَا، ثُمَّ قَامَ وَطَلَبَ الثَّوَابَ، وَقَالَ إنَّمَا أَهْدَيْت إلَيْهِ رَجَاءَ أَنْ يَكْسُوَنِي أَوْ يَصْنَعَ بِي خَيْرًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِغَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا لَهُ أَخْذُ هَدِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا. الْحَطّ أَطْلَقَ فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا بِمَا يُهْدَى مِنْ الطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهِمَا. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا لَا ثَوَابَ فِي هَدِيَّةِ فَقِيرٍ لِغَنِيٍّ الْفَاكِهَةَ وَالرُّطَبَ لِقُدُومِهِ مِنْ سَفَرٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَائِمًا. الصِّقِلِّيُّ عَنْ الشَّيْخِ

ص: 217

وَلَزِمَ وَاهِبَهَا لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ، إلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ؛

وَلَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ

ــ

[منح الجليل]

لِابْنِ اللَّبَّادِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ قَائِمًا، قَالَ وَأَمَّا الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ يُوهَبُ لِلْقَادِمِ فَفِيهِ الثَّوَابُ.

اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي الْهِبَةِ لِلْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ الْفَاكِهَةَ وَالطَّعَامَ وَشَبَهَهُمَا فَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا ثَوَابَ فِيهَا وَلِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مُخْتَصَرِ حَمْدِيسٍ لَهُ. فِيهَا الثَّوَابُ وَهُوَ أَبْيَنُ وَالشَّأْنُ رَجَاؤُهُ مِمَّا يَقْدُمُ بِهِ الْمُسَافِرُ. قُلْت مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدُمْ بِشَيْءٍ فَلَا ثَوَابَ عَلَيْهِ.

(وَلَزِمَ وَاهِبَهَا) أَيْ هِبَةِ الثَّوَابِ قَبُولُ الْقِيمَةِ إنْ دَفَعَهَا لَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَائِمَةً كَانَتْ أَوْ فَائِتَةً عَلَى الْمَشْهُورِ (لَا) تَلْزَمُ (الْمَوْهُوبَ) لَهُ وَفَاعِلُ لَزِمَ (الْقِيمَةُ) لِلشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ رَدُّهَا (إلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ) فِي عَيْنِ الْهِبَة فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا عَلَى الْمَشْهُورِ. الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ الْوَاهِبَ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْقِيمَةِ إذَا دَفَعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ إلَّا أَنْ تَفُوتَ الْهِبَةُ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ " ق " هِبَةُ الثَّوَابِ يَكُونُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مُخَيَّرًا فِيهَا مَا كَانَتْ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ بَيْنَ أَنْ يُشَبِّهَ مَا فِيهِ وَفَاءً بِقِيمَةِ الْهِبَةِ أَوْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَلَا تَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْفَوْتِ. ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي الْفَوْتِ الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ. الثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالزِّيَادَةِ أَوْ النُّقْصَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِحْدَى رِوَايَتَيْ عِيسَى عَنْهُ.

(وَلَهُ) أَيْ الْوَاهِبِ (مَنْعُهَا) أَيْ الْهِبَةِ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ (حَتَّى يَقْبِضَهُ) أَيْ الْوَاهِبِ الثَّوَابَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَّا هِبَةُ الثَّوَابِ فَلِوَاهِبِهَا مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَ عِوَضَهَا كَالْبَيْعِ.

(تَنْبِيهَاتٌ)

الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بِمَ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُ الْقِيمَةِ هَلْ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ أَوْ بِالْقَبْضِ، بَلْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْقِيمَةِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْهِبَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِقَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.

ص: 218

وَأُثِيبَ مَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ وَإِنْ مَعِيبًا

ــ

[منح الجليل]

الثَّانِي: ابْنُ عَرَفَةَ إذَا أَثَابَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ، وَامْتَنَعَ الْوَاهِبُ أَنْ لَا يَقْبَلَ إلَّا الْقِيمَةَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَيُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ مَا أَعْطَاهُ الْمَوْهُوبَ لَهُ.

الثَّالِثُ: فِي الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَنْ يَشْهَدُوا بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا أَنْ يُضَيِّفُوا أَحَدًا وَلَا أَنْ يُكَافِئُوا عَلَى الْهَدَايَا، وَكَذَا السُّلْطَانُ لَا يُكَافِئُ وَلَا يُكَافَأُ. " غ " عَنْ شَيْخِهِ الْقُورِيِّ:

لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ مِنْ ضِيَافَاتٍ

وَلَا شَهَادَاتٍ وَلَا مُكَافَآتٍ

ذِكْرُ ذَا أَيْضًا لِذِي الْمَدَارِكِ

عَنْ سَعْدٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ الْمَدَارِكِ

أَفَادَهَا الْحَطّ. الْبُنَانِيُّ " غ " فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ الْبَيْتَيْنِ لِنَفْسِهِ.

(وَأُثِيبَ) بِضَمٍّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ دُفِعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلْوَاهِبِ عِوَضًا عَنْ هِبَتِهِ (مَا) أَيْ شَيْئًا أَوْ الشَّيْءَ الَّذِي (يُقْضَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ يَجُوزُ دَفْعُهُ قَضَاءً (عَنْهُ) أَيْ الْمَوْهُوبِ (بِبَيْعٍ) أَيْ يُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي الْبَيْعِ. ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ وَهَبَك حِنْطَةً فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ تُعَاوِضَهُ مِنْهَا بَعْدَ حِنْطَةٍ، أَوْ تَمْرًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ مَكِيلِ الطَّعَامِ أَوْ مَوْزُونِهِ إلَّا أَنْ تُعَاوِضَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ طَعَامًا مِنْ طَعَامٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رحمه الله " إلَّا أَنْ تُعَاوِضَهُ مِثْلَ طَعَامِهِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ وَكَيْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ افْتَرَقَا إنْ كَانَ مَا يُقْضَى عَنْهُ سَلِيمًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (مَعِيبًا)" غ " بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ يَاءٌ نَاشِئَةٌ عَنْ الْكَسْرَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ مِنْ الْعَيْبِ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِهَا وَإِنْ وَجَدَ الْوَاهِبُ عَيْبًا بِالْعِوَضِ، فَإِنْ كَانَ عَيْبًا فَادِحًا لَا يُتَعَاوَضُ فِي مِثْلِهِ كَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ فَلَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ الْهِبَةِ إنْ لَمْ تَفُتْ إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَادِحًا نُظِرَ إلَى قِيمَةِ الْمَعِيبِ فَإِنْ كَانَتْ كَقِيمَةِ الْهِبَةِ فَأَكْثَرَ فَلَا يَجِبُ لَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ تَطَوُّعٌ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنْ كَانَ دُونَ قِيمَتِهَا فَأَتَمَّ لَهُ الْقِيمَةَ بَرِئَ وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ رَدُّ الْعِوَضِ إلَّا أَنْ يَأْبَى الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْ يُتِمَّ لَهُ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يُعَوِّضُهُ مِمَّا جَرَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَعْوَاضِ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ وَإِنْ كَانَ مَعِيبًا إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءً بِالْقِيمَةِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

ص: 219

إلَّا كَحَطَبٍ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ، وَلِلْمَأْذُونِ، وَلِلْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ: الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ

وَإِنْ قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا؛ أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ

ــ

[منح الجليل]

وَاسْتَثْنَى مِمَّا يَقْضِي عَنْهُ بِبَيْعٍ فَقَالَ (إلَّا) مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِثَابَتِهِ عَنْهُ (كَحَطَبٍ) وَتِبْنٍ وَحَلْفَاءَ وَحَشِيشٍ فَلَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ابْنِ شَاسٍ نَوْعُ الثَّوَابِ الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُهُ بِاتِّفَاقٍ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، وَرَوَى أَشْهَبُ انْحِصَارَهُ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى غَيْرِهِمَا، وَرَأَى سَحْنُونٌ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَمَوَّلُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَوَابًا. وَيَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ هِبَتِهِ، وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْعَيْنِ إلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ الْمُتَمَوِّلِ الْحَطَبَ وَالتِّبْنَ وَشِبْهِهِمَا مِمَّا لَا يُثَابُ عَادَةً بِمِثْلِهِ، تت وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَمْصَارِ غَالِبًا وَإِلَّا فَبَعْضُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَذَوِي الْعِيَالِ وَالدَّوَابِّ إذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ كَانَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.

(وَلِ) لِرَقِيقِ (الْمَأْذُونِ) لَهُ فِي التَّجْرِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ (وَلِلْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ) الْمَحْجُورِ لَهُ لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ (الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ) فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " رحمه الله " وَلِلْمَأْذُونِ أَنْ يَهَبَ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ أَنْ يُعَوِّضَ مَنْ وَهَبَهُ، وَلِلْأَبِ أَنْ يَهَبَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لِلثَّوَابِ وَيُعَوِّضَ عَنْهُ وَاهِبَهُ لِلثَّوَابِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ بَيْعٌ وَبَيْعُ الْأَبِ جَائِزٌ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ.

(وَإِنْ قَالَ) الرَّشِيدُ الْمَالِكُ أَمَرَ نَفْسَهُ (دَارِي) مَثَلًا (صَدَقَةٌ) وَصِلَةُ قَالَ (بِيَمِينٍ) كَأَنْ فَعَلْت كَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ فَدَارِي صَدَقَةٌ حَالَ كَوْنِهِ (مُطْلِقًا) بِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ قَوْلًا مُطْلَقًا بِفَتْحَتِهَا عَنْ التَّقَيُّدِ بِكَوْنِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ بِهَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ (أَوْ) قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ (بِغَيْرِهَا) أَيْ الْيَمِينِ، بِأَنْ قَالَ ابْتِدَاءُ دَارِي صَدَقَةٌ بِلَا تَعْلِيقَ عَلَى فِعْلٍ أَوْ عَدَمِهِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يُعَيِّنْ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الْقَائِلُ دَارِي صَدَقَةٌ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِأَنْ أَطْلَقَ أَوْ عَلَى نَحْوِ الْمَسَاكِينِ وَأَبَى تَنْفِيذَ الصَّدَقَةِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ (لَمْ يُقْضَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ فَلَا يُحْكَمُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْقَائِلِ دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ

ص: 220

بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ

وَفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ: قَوْلَانِ؛

وَقُضِيَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فِيهَا بِحُكْمِنَا.

ــ

[منح الجليل]

يُعَيِّنْ بِتَنْفِيذِ الصَّدَقَةِ بِهَا، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ التَّبَرُّرَ فِي صُورَتَيْ الْيَمِينِ وَلِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَنْ يُخَاصِمُهُ فِي الثَّالِثَة.

(بِخِلَافِ) قَوْلِهِ فِي غَيْرِ يَمِينٍ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ (الْمُعَيَّنِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْيَاءِ مُثَقَّلَةً وَأَبَى مِنْ تَنْفِيذِهَا فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ لِتَبَرُّرِهِ وَتَعْيِينِ مُسْتَحِقِّهَا، فِيهَا مَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَالَهُ فِي غَيْرِ يَمِينٍ وَبَتَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ. عِيَاضٌ عَلَى هَذَا اخْتَصَرَهَا أَكْثَرُ الْمُخْتَصِرِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهِ إلَّا إذَا كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ.

(وَفِي) الْقَضَاءِ بِتَنْفِيذِ صَدَقَةٍ (عَلَى مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ) وَعَدَمِهِ (قَوْلَانِ) سُئِلَ ابْنُ زَرْبٍ عَمَّنْ تَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ لِمَسْجِدٍ بِعَيْنِهِ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهَا وَإِنْفَاذِهَا؟ فَقَالَ يُجْبَرُ كَمُتَصَدِّقٍ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ. يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ لَيْسَ لِلْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِجَمَاعَةِ النَّاسِ فَهِيَ كَصَدَقَةٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا لَا أَدْرِي وَتَوَقَّفَ.

(وَقُضِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بَيْنَ) شَخْصٍ (مُسْلِمٍ وَ) شَخْصٍ (ذِمِّيٍّ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ مُثَقَّلَةً مَنْسُوبٌ لِلذِّمَّةِ، أَيْ الْعَهْدِ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ (فِيهَا) أَيْ هِبَةِ الثَّوَابِ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ (بِحُكْمِنَا) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ.

فِيهَا يُقْضَى بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْهِبَاتِ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَا ذِمِّيَّيْنِ فَامْتَنَعَ الْوَاهِبُ مِنْ دَفْعِ الْهِبَةِ فَلَا أُعْرِضُ لَهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ النِّظَامِ الَّذِي أَمْنَعُهُمْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يَكُونُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، فَإِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ. عِيَاضٌ بَعْضُ شُيُوخِنَا مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَتَرَافَعَا إلَيْنَا وَلَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا لَحَكَمْت بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ بَلْ مَعْنَاهُ وَإِنْ تَرَافَعَا إلَيْنَا فَلَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ هِبَاتِهِمْ لَيْسَتْ مِنْ التَّظَالُمِ وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ هُنَا لِقَوْلِهِ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ مَالِهِ. تت هَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ الَّتِي لَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِيهَا وَالنِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَالزِّنَا. وَفِيهَا كُلُّهَا خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فِي مَحَلِّهِ. طفي عَدَمُ الْحُكْمِ وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا عِنْدَ التَّرَافُعِ. عِيَاضٌ وَقَدْ.

ص: 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

اُخْتُلِفَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالزِّنَا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

1 -

(خَاتِمَةٌ فِي الْعِدَّةِ)

ابْنُ عَرَفَةَ الْعِدَّةُ إخْبَارٌ عَنْ إنْشَاءِ الْمُخْبِرِ مَعْرُوفًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَدْخُلُ الْوَعْدُ بِالْحَمَالَةِ وَغَيْرِهَا وَالْوَفَاءُ بِهَا مَطْلُوبٌ اتِّفَاقًا. ابْنُ رُشْدٍ فِي لُزُومِ الْقَضَاءِ بِهَا مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِسَبَبِهَا فِي السَّبَبِ أَوْ بِشَرْطِ دُخُولِهِ بِسَبَبِهَا فِيهِ، رَابِعُهَا لَا يُقْضَى بِهَا مُطْلَقًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَصْبَغَ مَعَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا السَّمَاعِ وَلِسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ وَصَوَّبَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ ثَانِيَهَا فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلُهُ لِمَدِينٍ أَنَا أَقْضِي عَنْك دَيْنَك لَا يَلْزَمُهُ، وَقَوْلُهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ أَقْضِيك الدَّيْنَ الَّذِي لَك يَلْزَمُهُ لِإِدْخَالِهِ إيَّاهُ فِي التَّوَثُّقِ، وَفِي نِكَاحِهَا الْأَوَّلِ مِمَّا هُوَ حَمْلٌ لَا حَمَالَةٌ، قَوْلُهُ بِعْ فُلَانًا فَرَسَك وَثَمَنُهُ عَلَيَّ، فَإِنْ هَلَكَ الْأَوَّلُ فَذَلِكَ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَكَذَا مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ مَالًا فَقَالَ لِرَجُلٍ قَبْلَ دَفْعِهِ لَهُ بِعْ فَرَسَك لِفُلَانٍ بِاَلَّذِي وَهَبْته لَهُ وَأَنَا ضَامِنٌ لَك حَتَّى أَدْفَعَ لَك فَقَبَضَ الْفَرَسَ فَالثَّمَنُ عَلَى الْوَاهِبِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ الثَّمَنَ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ وَلَا مَالَ لَهُ فَلَا رُجُوعَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِشَيْءٍ. عَبْدُ الْحَقِّ لَمْ يُبَيِّنْ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ عَدِيمًا قَبْلَ قَبْضِ الْمُبْتَاعِ الْفَرَسَ هَلْ لَهُ قَبْضُهُ دُونَ غُرْمِ ثَمَنِهِ أَمْ لَا، وَفِيهِ قَوْلَانِ لِغَيْرِ الشَّيْخِ، وَلَهُ ثُمَّ قَالَ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ مَنْ قَالَ لِبَيْعِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ بِعْ وَلَا نَقْصَ عَلَيْك قَوْلًا عَازِمًا بَيِّنًا لَزِمَهُ، وَيُصَدَّقُ الْمُبْتَاعُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ نَقْصٍ إنْ أَشْبَهَ. ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ، وَقَوْلُهُ ذَلِكَ قَبْلَ انْتِقَادِهِ كَقَوْلِهِ بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ اُنْقُدْنِي وَبِعْ وَلَا نَقْصَ عَلَيْك فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ. وَفِي سَمَاعِ عِيسَى؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ عُيُوبٌ وَخُصُومَاتٌ، فَإِنْ بَاعَ بِنَقْصٍ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ لَهُ إنْ كَانَ انْتَقَدَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَغْبِنْ فِي الْبَيْعِ غَبْنًا بَيِّنًا وَبَاعَ بِالْقُرْبِ، فَإِنْ أُخِّرَتْ حَتَّى حَالَتْ الْأَسْوَاقُ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ. يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فِي النَّقْصِ فِيمَا يُشْبِهُ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ.

ص: 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَفِي سَمَاعِ عِيسَى إنْ كَانَ عَبْدًا فَأَبْقَ أَوْ مَاتَ فَقَالَ أَصْبَغُ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَاَلَّذِي أَقُولُهُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ عَنْ الْمُشْتَرِي وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الثَّوْبِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ ذَهَبَ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَلَا يَحِلُّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا إنْ قَبِلَ الشَّرْطَ. ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ وَطِئَهَا لَزِمَتْهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ بِوَطْئِهِ تَرَكَ مَا جُعِلَ لَهُ. ابْنُ رُشْدٍ لَهُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ لَوْ بَاعَ مِنْهُ عَلَى أَنْ لَا نَقْصَ عَلَيْهِ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " لَيْسَ بَيْعًا، فَإِنْ بَاعَ فَلَهُ إجَارَتُهُ. ابْنُ رُشْدٍ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَفِي كَوْنِهِ إجَارَةً فَاسِدَةً أَوْ بَيْعًا فَاسِدًا قَوْلَانِ فِي هَذَا السَّمَاعِ مَعَ الْمُوَطَّإِ وَفِي غَيْرِهِمَا وَالْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ وَفِي السَّمَاعِ فَعَلَى الْأَوَّلِ الضَّمَانُ مِنْ الْبَائِعِ وَلَا فَوْتَ لِلْمَبِيعِ وَلَوْ بِعَيْبٍ مُفْسِدٍ، وَلِلْمُبْتَاعِ أَجْرُ مِثْلِهِ فَلَوْ فَوَّتَهَا بِعَطِيَّةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ حَمْلٍ، فَفِي مُضِيُّهُ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْإِعْطَاءِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْإِحْبَالِ لِرَعْيٍ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ أَوْ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُ فِي قَوْلَا مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا السَّمَاعِ، وَعَلَى الثَّانِي فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ كَبَيْعٍ فَاسِدٍ اتِّفَاقًا. وَسَمِعَ أَصْبَغُ أَشْهَبَ مَنْ أَجَابَ مَنْ ابْتَاعَ مِنْهُ كَرْمًا فَخَافَ الْوَضِيعَةَ بِقَوْلِهِ بِعْ وَأَنَا أُرْضِيك إنْ بَاعَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ فَأَكْثَرَ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَأَنَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْضِيَهُ، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ شَيْئًا سَمَّاهُ فَهُوَ مَا أَرَادَ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا أَرْضَاهُ بِمَا شَاءَ، وَحَلَفَ مَا أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْهُ يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَلَيْهِ أَنْ يُرْضِيَهُ بِمَا يُشْبِهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ وَالْوَضِيعَةَ. فِيهَا أَصْبَغُ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ. ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ أَشْهَبَ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ شَيْئًا سَمَّاهُ فَهُوَ مَا أَرَادَ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إرْضَاءَهُ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ إنْ قَالَ لَمْ يَرْضَ بِمَا يَقُولُ النَّاسُ أَنَّهُ إرْضَاءٌ فَلَا يُصَدَّقُ، وَلَوْ حَلَفَ لَيُرْضِيَنَّهُ فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِمَا يَقُولُهُ النَّاسُ وَبِمَا يُرْضِيهِ اهـ. قُلْت هَذَا عَلَى تَقْدِيمِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ عَلَى الْعُرْفِ فِي الْأَيْمَانِ وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

ص: 223