المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌بسم الله الرحمن الرحيم ‌ ‌الباب الخامس ‌ ‌(تتمة) رجع إلى نظم لسان الدين رحمه - نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس - جـ ٧

[المقري التلمساني]

الفصل: ‌ ‌بسم الله الرحمن الرحيم ‌ ‌الباب الخامس ‌ ‌(تتمة) رجع إلى نظم لسان الدين رحمه

‌بسم الله الرحمن الرحيم

‌الباب الخامس

(تتمة)

رجع إلى نظم لسان الدين رحمه الله تعالى، فنقول:

وأمّا موشّحاته وأزجاله فكثيرة، وقد انتهت إليه رياسة هذا الفن، كما صرح بذلك قاضي القضاة ابن خلدون في مقدمة تاريخه الكبير، ولنذكر بعض كلامه، إذ لا يخلو من فائدة زائدة، قال رحمه الله تعالى ما ملخصه (1) : وأما أهل الأندلس فلمّ كثر الشعر في قطرهم، وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنميق فيه الغاية، استحدث المتأخّرون منهم فنّاً منه سمّوه بالموشح، ينظمونه أسماطاً أسماطاً وأغصاناً أغصاناً، يكثرون منها ومن أعاريضها المختلفة، ويسمون المتعدد منها بيتاً واحداً، ويلتزمون عدد قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتالياً فيما بعد إلى آخر القطعة، وأكثر ما ينتهي عندهم إلى سبعة أبيات، ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب، وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد، وتجاوزوا (2) في ذلك إلى الغاية، واستظرفه الناس وحمده (3) الخاصّة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه، وكان المخترع

(1) انظر مقدمة ابن خلدون: 1327 وأصل هذا النص نفسه ورد في " المقتطف من أزاهر الطرف " لابن سعيد، وراجع أزهار الرياض 2:208.

(2)

المقدمة: وتجاروا.

(3)

المقدمة والأزهار: جملة.

ص: 5

لها بجزيرة الأندلس مقدّم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، وأخذ عنه ذلك ابن عبد ربّه صاحب العقد، ولم يذكر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشّحاتهما، فكان أول من برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المريّة، وقد ذكر الأعلم البطليوسي أنّه سمع أبا بكر ابن زهر يقول: كل الوشّاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله:

بدر تمّ شمس ضحى

غصن نقا مسك شم

ما أتمّ ما أوضحا

ما أورقا ما أنمّ

لا جرم من لما

قد عشقا قد حرم وزعموا أنّه لم يسبق عبادة وشاح من معاصريه الذين كانوا في زمان ملوك الطوائف، وجاء مصلّياً خلفه منهم ابن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة، قالوا: وقد أحسن في ابتدائه في الموشحة التي طارت له حيث يقول:

العود قد ترنم بأبدع تلحين

وشقّت المذانب رياض البساتين وفي انتهائه حيث يقول:

تخطر ولم تسلم عساك المأمون

مروّع الكتائب يحيى بن ذي النون ثمّ جاءت الحلبة التي كانت في مدة الملثّمين فظهرت لهم البدائع، وفرسان حلبتهم (1) : الأعمى التطيلي، ثمّ يحيى بن بقي، وللتطيلي من الموشحات المذهبة قوله (2) :

(1) المقتطف: فرنسا رهان حلبتهم.

(2)

ديوان الأعمى: 272.

ص: 6

كيف السّبيل إلى صبري

وفي المعال أشجان

والركب وسط الفلا بالخرّد

النواعم قد بانوا وذكر غير واحد من المشايخ أن أهل (1) هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الوشّاحين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية، وكان كل واحد منهم قد صنع موشحة وتأنّق فيها، فتقدم الأعمى التطيلي للإنشاد، فلمّا افتتح موشحته المشهورة بقوله:

ضاحك عن جمان

سافر عن بدر

ضاق عنه الزمان

وحواه صدري خرّق ابن بقي موشحته وتبعه الباقون (2) .

وذكر الأعلم البطليوسي (3) أنّه سمع ابن زهر يقول: ما حسدت قط وشاحاً على قول إلاّ ابن بقي حين وقع له (4) :

أما ترى أحمد

في مجده العالي لا يلحق

أطلعه المغرب

فأرنا مثله يا مشرق وكان في عصرهما من الوشّاحين المطبوعين أبو بكر الأبيض، وكان في عصرهم أيضاً الحكيم أبو بكر ابن باجة صاحب التلاحين المعروفة.

ومن الحكايات المشهورة أنّه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت (5) صاحب سرقسطة فألقى عليه بعض موشّحته:

(1) المقتطف: وسمعت غير واحد من الأشياخ

الخ.

(2)

راجع هذه القصة في المجلد 3: 404.

(3)

المقتطف: وسمعت الأعلم البطليوسي يقول

الخ.

(4)

انظر هذه الموشحة في ديوان التطيلي: 270 - 272 وهي دار الطراز: 63 منسوبة لابن بقي.

(5)

المقتطف: أنه لما ألقى على بعض قينات ابن تيلفويت

الخ.

ص: 7

جرّر الذيل أيّما جرّ

[وصل السكر منك بالسكر](1) فطر الممدوح لذلك، وختمها بقوله:

عقد الله راية النصر

لأمير العلا أبي بكر فلمّا طرق ذلك التلحين سمع ابن تيفلويت صاح: واطرباه! وشقّ ثيابه، وقال: ما أحسن ما بدأت وما ختمت، وحلف الأيمان المغلظة أن لا يمشي ابن باجة لداره إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهباً في نعله ومشى عليه.

ثم قال ابن خلدون بعد كلام: واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبي الفضل بن شرف إلى أن قال: وابن هردوس (2) الذي له:

يا لَيلَةَ الوَصلِ وَالسُعودِ

بِاللَهِ عودي وابن مؤهل (3) الذي له:

ما العيد في حلة وطاق

وشم طيب

وإنما العيد في التلاقي

مع الحبيب وأبو إسحاق الزويلي (4) .

(1) زيادة من المقطتف.

(2)

ترجم له في المغرب (2: 210) وسماه أحمد بن هردوس بتقديم الواو على الدال؛ وكنيته أبو الحكم؛ وفي التحفة (54) أنه إبراهيم بن علي بن هردوس؛ وقال إنه من أهل حصن مرشانة من عمل المرية وتوفي بمراكش سنة 572؛ وسماه في التكملة أيضاً إبراهيم (ص: 154) وأورد له صاحب المغرب موشحة (2: 215) هي التي أورد هنا مطلعها؛ وأغلب الظن أن الصواب في نسبه " هردوس " بتقديم الدال وهي لفظة بربرية ترمز إلى الفحولة. والأرجح أن اسمه " أحمد " لقوله يخاطب أحمد بن عبد الملك بن سعيد " يا سميي "(انظر النفح 4: 201) .

(3)

ذكره في المغرب 2: 390 باسم " ابن موهد " وأورد له موشحة وقال إنه شاطبي سكن مرسية ومدح ابن مردنيش.

(4)

في المقدمة والأزهار: الدويني، وما أثبتناه هو ما ورد في المقتطف.

ص: 8

قال أبو سعيد: سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: إنه دخل على ابن زهر وقد أسن وعليه زي البادية إذ كان يسكن بحصن سبتة فلم يعرفه فجلس حيث انتهى به المجلس (1)، وجرّت المحاضرة أن أنشد لنفسه موشحة وقع فيها:

كحل الدجى يجري

من مقلة الفجر على الصباح

ومعصم النهر

في حلل خضر من البطاح فتحرك ابن زهر، وقال: أنت تقول هذا قال: اختبر، قال: ومن تكون فأخبره، فقال: ارتفع، فوالله ما عرفتك.

قال ابن سعيد: وسابق الحلبة التي أدركت هو أبو بكر ابن زهر، وقد شرّقت موشّحاته وغرّبت، قال: وسمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: قيل لابن زهر: لو قيل لك: ما أبدع ما وقع لك في التوشيح فقال: كنت أقول:

ما للمولّه

من سكره لا يفيق يا له سكران

[من غير خمر

ما للكثيب المشوق يندب الأوطان]

هل تستعاد

أيامنا بالخليج وليالينا

إذ يستفاد

من النسيم الأريج مسك دارينا

وإذ يكاد

حسن المكان البهيج أن يحيينا

نهر أظلّه

دوح عليه أنيق مؤنق فينان

والماء يجري

وعائم وغريق من جنى الريحان واشتهر بعده ابن حيون؛ إلى أن قال: وبعد هؤلاء ابن حزمون بمرسية، ذكر ابن ارائس أن يحيى الخزرجي دخل عليه في مجلسه، فأنشده موشّحة لنفسه، فقال له ابن حزمون: ما الموشّح بموشح حتى يكون عارياً من التكليف، فقال: على مثل ماذا فقال:

(1) المقتطف: فجلس حيث وجد.

ص: 9

على مثل قولي:

يا هاجري

هل إلى الوصال منك سبيل

أو هل يرى

عن هواك سال قلب العليل وأبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة، قال ابن سعيد: كان والدي يعجب بقوله:

إن سيل الصباح في الشرق

عاد بحراً في أجمع الأفق

فتداعت نوادب الورق

أتراها خافت من الغرق فبكت سحرةً على الورق

واشتهر بإشبيلية لذلك العهد أبو الحسن ابن الفضل، قال ابن سعيد عن والده: سمعت سهل بن مالك يقول له: يا ابن الفضل، لك على الوشّاحين الفضل، بقولك:

واحسرتي لزمان مضى

عشيّة بان الهوى وانقضى

وأفردت بالرغم لا بالرضى

وبت على جمرات الغضا

أعانق بالفكر تلك الطلول

وألثم بالوهم تلك الرسوم قال: وسمعت أبا بكر ابن الصابوني ينشد الأستاذ أبا الحسن الدبّاج موشّحاته غير ما مرّة فما سمعته يقول " لله درّك " إلا في قوله:

قسماً بالهوى لذي حجر

ما لليل المشوق من فجر خمد الصبح ليس يطرد

ما لليلي فيما أظن غد

صحّ يا ليل أنك الأبد

أو تفضّت قوادم النسر

فنجوم السماء لا تسري

ص: 10

ومن موشّحات ابن الصابوني قوله:

ما حال صبٍّ ذي ضنىً واكتئاب

أمرضه يا ويلتاه الطبيب

عامله محبوبه باجتناب

ثم اقتدى فيه الكرى بالحبيب

جفا جفوني النوم لكنّني

لم أبكه إلاّ لفقد الخيال

وذو الوصال اليوم قد غرّني

منه كما شاء وشاء الوصال

فلست باللائم من صدّني

بصورة الحق ولا بالمحال واشتهر بير العدوة ابن خلف الجزائري صاحب الموشّحة المشهورة:

يد الإصباح قد قدحت

زناد الأنوار من مجامر الزهر وابن خزر البجائي، وله من موشحة:

ثغر الزمان موافق

حيّاك منه بابتسام ومن محاسن الموشّحات موشحة ابن سهل شاعر إشبيلية وسبتة من بعدها (1) :

هل درى ظبي الحمى أن قد حمى

قلب صبٍّ حلّه عن مكنس

فهو في حر وخفق مثلما

لعبت ريح الصبا بالقبس وقد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب شاعر الأندلس والمغرب لعصره فقال:

جادك الغيث إذا الغيث همى

يا زمان الوصل بالأندلس

لم يكن وصلك إلا حلما

في الكرى أو خلسة المختلس

(1) انظر ديوان ابن سهل: 283 وهي الموشحة التي شرحها الأفراني في كتاب سماه " المسلك السهل في شرح توشيح ابن سهل ". يقول الأفراني: وقد وقفت على أزيد من اثنتي عشرة موشحة مما عورض به توشيح ابن سهل.

ص: 11

إذ يقود الدهر أشتات المنى

ينقل الخطو على ما يرسم

زمراً بين فرادى وثنا

مثلما يدعو الوفود المواسم

والحيا قد جلّل الروض سنا

فثغور الزهر منه تبسم

وروى النعمان عن ماء السما

كيف يروي مالك عن أنس

فكساه الحسن ثوباً معلما

يزدهي منه بأبهى ملبس

في ليال كتمت سرّ الهوى

بالدجى لولا شموس الغرر

مال نجم الكأس فيها وهوى

مستقيم السير سعد الأثر

وطر ما فيه من عيب سوى

أنّه مّر كلمح البصر

حين لّذ الأنس شيئا أو كما

هجم الصبح هجوم الحرس

غارت الشهب بنا أو ربما

أثرت فينا عيون النرجس

أي شيءٍ لامرىء قد خلصا

فيكون الروض قد مكّن فيه

تنهب الأزهار منه الفرصا

أمنت من مكره ما تتقيه

فإذا الماء تناجى والحصى

وخلا كّل خليل بأخيه

تبصر الورد غيوراً برما

يكتسي من غيظه ما يكتسي

وترى الآس لبيباً فهما

يسرق السّمع بأذني فرس

يا أهيل الحيّ من وادي الغضا

وبقلبي سكن أنتم به

ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا

لا أبالي شرقه من غربه

فأعيدوا عهد أنس قد مضى

تعتقوا عانيكم من كربه

واتقوا الله وأحيوا مغرما

يتلاشى نفساً في نفس

حبس القلب عليكم كرما

أفترضون عفاء الحبس

ص: 12

وبقلبي منكم مقترب

بأحاديث المنى وهو بعيد

قمر أطلع منه المغرب

شقوة المغرى به وهو سعيد

قد تساوى محسن أو مذنب

في هواه بين وعد ووعيد

ساحر المقلة معسول اللمى

جال في النفس مجال النفس

سدّد السهم وسمىّ ورمى

ففؤادي نهبة المفترس

إن يكن جار وخاب الأمل

وفؤاد الصبّ بالشوق يذوب

فهو للنفس حبيب أول

ليس في الحبّ لمحبوب ذنوب

أمره معتمل ممتثل

في ضلوع قد براها وقلوب

حكّم اللّحظ بها فاحتكما

لم يراقب في ضعاف الأنفس

منصف المظلوم ممّن ظلما

ومجازي البّر منها والمسي

ما لقلبي كلمّا هبت صبا

عاده عيد من الشوق جديد

كان في اللوح له مكتتبا

قوله: " إن عذابي لشديد "

جلب الهمّ له والوصبا

فهو للأشجان في جهد جهيد

لاعج في أضلعي قد أضرما

فهي نار في هشيم اليبس

لم يدع في مهجتي إلا ذما

كبقاء الصبح بعد الغلس

سلّمي يا نفس في حكم القضا

واعمري الوقت برجعى ومتاب

دعك من ذكرى زمان قد مضى

بين عتبى قد تقضّت وعتاب

واصرفي القول إلى المولى الرضى

ملهم التوفيق في أمّ الكتاب

الكريم المنتهى والمنتمى

أسد السرج وبدر المجلس

ينزل النصر عليه مثلما

ينزل الوحي بروح القدس

ص: 13

إلى هذا الحد انتهى ابن خلدون من موشحة لسان الدين، ولا أدري لِمَ لَمْ يكملها، وتمامها قوله:

مصطفى الله سمىّ المصطفى

الغني بالله عن كلّ أحد

من إذا ما عقد العهد وفى

وإذا مافتح الخطب عقد

من بني قيس بن سعدٍ وكفى

حيث بيت النصر مرفوع العمد

حيث بيت النصر محمي الحمى

وجنى الفضل زكي المغرس

والهوى ظل ظليل خيّما

والندى هبّ إلى المغترس

هاكها يا سبط أنصار العلا

والذي إن عثر الدهر أقال

غادة ألبسها الحسن ملا

تبهر العين جلاء وصقال

عارضت لفظا ومعنى وحلى

قول من أنطقه الحبّ فقال:

" هل درى ظبي الحمى أن قد حمى

قلب صبّ حلّه عن مكنس "

" فهو في خفقٍ وحرٍ مثلما

لعبت ريح الصّبا بالقبس " ثمّ قال ابن خلدون: وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات، ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة ابن سناء الملك المصري التي اشتهرت شرقاً وغرباً، وأولها:

[يا] حبيبي ارفع حجاب النور

عن العذار

تنظر المسك على كافور

في جلّنار

كللي ياسحب تيجان الربى

بالحلي

واجعلي سوارها منعطف

الجداول ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق

ص: 14

كلامه وتصريع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا في طريقتهم بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيه إعراباً (1) ، واستحدثوا فناً سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناجيهم إلى هذا العهد فجاءوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغة مجال، بحسب لغتهم المستعجمة، وأوّل من أبدع في هذه الطريقه الزجلية أبو بكر ابن قزمان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس (2) ، لكن لم تظهر حلاها، ولا انسبكت معانيها، واشتهرت رشاقتها، إلا في زمانه، وكان لعهد الملثّمين، وهو إمام الزجالين على الإطلاق، قال ابن سعيد: رأيت أزجاله مرويّة ببغداد أكثر ممّا رأيتها بحواضر المغرب، قال: وسمعت أبا الحسن ابن جحدر الإشبيلي (3) إمام الزجالين في عصرنا يقول: ما وقع لأحد من أئمّة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة، وقد خرج إلى منتزه مع بعض أصحابه، فجلسوا تحت عريش، وأمامهم تمثال أسد من رخام يصب الماء على صفائح من الحجر، فقال:

وعريش قد قام على دكان

بحال رواق

وأسد قد ابتلع ثعبان

من غلظ ساق

وفتح فمو بحال إنسان

به الفواق

وانطلق من ثم على الصّفاح

والقي الصياح

(1) يؤخذ من هذا أن ابن خلدون يرى أسبقية الموشح على الزجل، وهو أمر يخالف طبيعة الأشياء، لأن الزجل في أصله أغنية شعبية، وإنما يعني ابن خلدون أن الزجل أحرز " مكانة أدبية " بعد شيوع الموشح.

(2)

ظهر من الزجالين ابن نمارة وابن راشد قبل ابن قزمان ولكنه خالف طريقة القدامى - كما يسميهم - واختار العودة بالزجل إلى سهول الأغنية الشعبية ورقتها.

(3)

هو علي بن جحدر (المغرب 1: 263 واختصار القدح: 172) قال ابن سعيد: أكثر اشتهاره بانطباع في الزجل، وجالسته كثيراً بإشبيلية، وطال عمره حتى جاوز التسعين ومات سنة 638.

ص: 15

وكان ابن قزمان مع أنه قرطبي الدار كثيراً مايتردد إلى إشبيلية، وينتاب نهرها.

إلى أن قال ابن خلدون: وجاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغليس (1) ، وقعت له العجائب في هذه الطريقة، فمن قوله في زجله المشهور:

ورذاذ دق ينزل

وشعاع الشمس يضرب

فترى الواحد يفضض

وترى الآخر يذهّب

والنبات يشرب ويسكر

والغصون ترقص وتطرب

وتريد تجي إلينا

ثمّ تستحي وترجع ومن محاسن أزجاله قوله:

لاح الضّيا والنجوم سكارى

ثم قال: وظهر بعد هؤلاء في إشبيلية ابن جحدر الذى فضل على الزجالين في فتح ميورقة بالزجل المشهورالذي أوّله:

من يعاند التوحيد بالسيف يمحق

أنا برى ممّن يعاند الحق قال ابن سعيد: لقيته ولقيت تلميذه البعبع (2) صاحب الزجل المشهور الذي أوله:

ليتني إن ريت حبيبي

أقتل أدنو بالرسيلا

لشن أخذ عنق الغزيّل

وسرق فم الحجيلا

(1) اسمه أحمد بن الحاج، وكان في دولة بني عبد المؤمن، وهو شيخ الزجالين بعد ابن قزمان (المغرب 2: 214) وقد أورد له ابن سعيد (2: 220) زجلين وله في العاطل الحالي أزجال (18 - 25) وأخرى منقولة عن سفينة ابن مباركشاه (العاطل 204 - 214) وانظر النفح 3: 385.

(2)

ق: اليعيع.

ص: 16

ثم جاء من بعدهم أبو الحسن سهل بن مالك إمام الآداب، ثم من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب إمام النظم والنثر في الملة الإسلامية غير مدافع، فمن محاسنه في هذه الطريقة:

امزج الأكواس واملالي نجدّد

ما خلق المال إلاّ أن يبدد ومن قوله على طريقتة الصوفية وينحو منحى الششتري منهم:

بين طلوع وبين نزول

اختلطت الغزول

ومضى من لَمْ يكن

وبقي من لم يزول ومن محاسنه أيضاً قوله في ذلك المعنى:

البعد عنك يا ابني أعظم مصايبي

وحين حصل لي قربك سيّبت أقاربي انتهى المقصود جلبه من كلام ابن خلدون، وقد أطال رحمه الله تعالى في هذا المقصد، ولم أرد إيراد جميع كلامه لطوله وعدم تعلّق الغرض به، وفيما ذكرته منه كفاية لتعلّقه بأمر لسان الدين رحمه الله تعالى، وشهادته له أنّه شاعر الإسلام غير مدافع، وأنّه انتهت إليه رياسة الصناعة الزجلية والتوشيحية.

[ترجمة ابن باجة من القلائد]

وأبو بكر بن باجّة الذي أشار إليه ابن خلدون: هو أبو بكر ابن الصائغ التجيبي السّرقسطي، الذي قال في حقّه لسان الدين في الإحاطة: إنّه آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس، وكان بينه وبين الفتح بن خاقان صاحب القلائد معاداة فلذلك هجاه في القلائد، وجعله آخر ترجمة فيها إذ قال ما نصّه (1) : الأديب أبو بكر ابن الصائغ، هو رمد عين (2) الدين، وكمد نفوس

(1) القلائد: 300 - 306.

(2)

القلائد: جفن.

ص: 17

المهتدين، اشتهر سخفاً وجنوناً، وهجر مفروضاً ومسنوناً، فما يتشرّع، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع، ناهيك من رجل ما تطهّر من جنابة، ولا أظهر مخيلة إنابة، ولا استنجى من حدث، ولا أشجى فؤاده بتوارٍ في جدث، ولا أقر بباريه ومصوّره، ولا قرّ عن تباريه في ميدان تهوّره، الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم، ونبذه وراء ظهره ثاني عطفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن تكون له إلى الله تعالى فيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، واجترم على الله اللطيف الخبير، واجترأ عند سماع النهي والإيعاد، واستهزأ بقوله تعالى {إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} (القصص: 85) فهو يعتقد أن الزمان دور، وأن الإنسان نبات أو نور، حمامه تمامه، واختطافه قطافه، قد محي الإيمان من قلبه فما له فيه رسم، ونسي الرحمن لسانه فما يمرّ له عليه اسم، وانتمت نفسه إلى الضلال وانتسبت، ونفت {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} (غافر: 17) ، فقصر عمره على طرب ولهو، واستشعر كلّ كبر وزهو، وأقام سوق المويسقى، وهام بحادي القطار وسقا، فهو يعكف على سماع التلاحين، ويقف عليه كل حين، ويعلن بذلك الاعتقاد، ولا يؤمن بشيء قادنا إلى الله تعالى في أسلس مقاد، مع منشإ وخيم، ولؤم أصل وخيم (1) ، وصورة شوّهها الله تعالى وقبحها، وطلعة إذا أبصرها الكلب نبحها، وقذارة يؤذي البلاد نفسها، ووضارة يحكي الحداد دنسها، وفند لا يعمر إلا كنفه، ولدد لا يقوّم إلا الصّعاد جنفه، وله نظم أجاد فيه بعض إجادة، وشارف الإحسان أو كاده،

(1) الخيم: الطبيعة والأصل.

ص: 18

فمن ذلك ما قاله في عبد حبشي كان يهواه، فاشتمل عليه أسرٌ سعّر حشاه (1) ، ونقله إلى حيث لم يعلم مثواه، فقال:

يا شائقي حيث لا أسطيع أدركه

ولا أقول غداً أغدو فألقاه

أمّا النهار فليلي ضمّ شملته

على الصّباح فأولاه كأخراه

أغرّ نفسي بآمالٍ مزورّة

منها لقاؤك والأيّام تأباه وله فيه لمّا بلغه موته، وتحقّق عنده فوته:

ألا يا رزق والأقدار تجري

بما شاءت نشا أو لا نشاء

هل أنت مطارحي شجوي فتدري

وأدري كيف يحتمل القضاء

يقولون الأمور تكون دوراً

وهذا فقده فمتى اللّقاء وله في الأمير أبي بكر ابن إبراهيم قدس الله تعالى تربته، وآنس غربته، مدائح انتظمت بلبّات الأوان، ونظمت على كل شتيت من الإحسان، فمن ذلك قوله:

توضّح في الدجى طرف ضرير

سناً بلوى الصريمة يستطير

فيا بأبي ولم أبذل يسيراً

وإن لم يكفهم ذاك الكثير

بريق لا تقل هو ثغر سلمى

فتأثم، إنّه حوب وزور

فكيف وما أطلّ الليلُ منه

ولا عبقت بساحته الخمور

تراءى بالسدير فزاد قلبي

من البرحاء ما شاء السدير

فلولا أنّ يوم الحشر يقضي

عليّ بحكم مولى لا يجور

دعوت على المشقّر أن يجازي

بما تجزى به الدار الغرور

(1) القلائد: جواه.

ص: 19

ومنها:

لقد وسع الزمان عليه عدوى

وضرّ بشبله الليث الهصور

وقلّبنا الزمان فلا بطون

تضمنت الوفاء ولا ظهور

سوى ذكرٍ أطارحه فلولا ال

أمير لقد عفا لولا الأمير

همام جوده يصف السّواري

وسطوته يعيّرها الهجير

وقلنا نحن كيف وراحتاه

بحور يلتظي فيها سعير

فهل فيما سمعت به خصام

يكون الخصم فيه هو العذير وكان الأمير أبو بكر يعتقد له هذه الماتّة ويراها، ويجود أبداً ثراها، فلمّا ولي الثغر والشرق لم يغفله من رعي، ولم يكله (1) إلى شفاعة وسعي، وحمله على ما كان يعتقده فيه من المقت، واستعمله على ما كان يقتضيه خلق الوقت، من إقامة الوعد (2) ، وتسويغه كل نعيم رغد، وتغليب حجّة داحضة، وإنهاض عثرة غير ناهضة، فتقلد وزارته ودولته تزهى منه بأندى من الوسميّ المبتكر، وأهدى من النجم في الليل المعتكر، وألويته تميس زهواً ميس الفتاة، ورعيته تبتهج بملكه ابتهاج حيي بابن الموماة (3) ، ومذاهبه يبسطها الفضل وينشرها، وكتائبه لا يكاد العدو يعسرها، فجاش إليه وانبرى، وراش في تنكيلهم وبرى، وأقطعهم ما شاء من مقابحته، وأسمعهم ما يصم بين ختمه ومفاتحته، فوغرت

(1) القلائد: لم يغفلها

ولم يكلها؛ والضمير عائد على " الماتة ".

(2)

القلائد: من إقامة كل وغد. ق: من إقامة وعد.

(3)

كذا؛ وفي القلائد: ابتهاج جابر بعهد البوباة، وفي النصين خطأ في اسم العلم، أما البوباة والموماة فيدلان على شيء واحد هو الأرض المتسعة؛ وأرى أن الإشارة إلىمن اسمه " جرير " وهو المشهور باسم " المتلمس " إذ يقول في ذكر البوباة:

لن تسلكي سبل البوباة منجدة

ما عاش عمرو وما عمرت قابوس والبوباة هنا ثنية في طريق نجد.

ص: 20

صدورهم السليمة، واعتلت صحة ضمائرهم بنفوسهم الأليمة، ولم يزل يأخذ في الإضرار بهم ولا يدع، ويعلن به ويصدع، حتى تفرق ذلك الجمع، وألقاه بين بصر السباب والسمع، وأفرد الدولة من ولاتها، وجرّدها من حماتها، فاستعجل العدو بذلك واستشرى، وزأر منه على سرقسطة ليث شرى، ولما رأى الشر قد ثار قتامه، وبدا من ليله إعتامه، ارتحل واحتمل، وقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وأقام ببلنسية يشفي نفسه، ويستوفي أنسه، ونجوم سعدها كل يوم غائرة، والعدو يتربص بها أسوأ دائرة، ويروم منازلتها ثم يدع الاقتحام، ويريد التقدم إليها فيؤثر الإحجام، تهيباً لذلك الملك السريّ، والليث الجريّ، وفي خلال هذه المحاولة، وأثناء تلك المطاولة، عاجل الأمير أبا بكر حمامُه، واستسرّ فيها تمامه (1) ، وأجنّة الثرى، وحاز منه بدر دجنّة وليث شرى، فعطلت الدنيا من علاء وجود، وأطلّت عليها بفقده حوادث أجدبت تهائمها والنجود، وفيه يقول يرثيه بما يسيل الفؤاد نجيعاً، ويبيت به الأسى لسامعه ضجيعاً:

أيّها الملك قد لعمري نعى المج

د نواعيك يوم قمن فنحنا

كم تقارعت والخطوب إلى أن

غادرتك الخطوب في الترب رهنا

غير أنّي إذا ذكرتك والده

ر إخال اليقين في ذاك ظنّا

وسألنا متى اللّقاء فقيل ال

حشر قلنا: صبراً إليه وحزنا وكثيراً ما يغير هذا الرجل على معاني الشعراء، وينبذ الاحتشام من ذلك بالعراء، ويأخذها من أربابها أخذ غاصب، ويعوضهم منها كل هم ناصب، فهذا ممّا أطال به كمد أبي العلاء وغمه، فإنّه أخذه من قوله يرثي أمه (2) :

(1) يريد أنه كان بدراً كاملاً فاصابه السرار.

(2)

شروح السقط: 1460، 1468.

ص: 21

فيا ركب المنون ألا رسولٌ

يبلّغ روحها أرج السلام

سألت متى اللّقاء فقيل حتى

يقوم الهامدون من الرّجام ولما فاتت سرقسطة من يد الإسلام، وباتت نفوس المسلمين فرقاً منهم في يد الاستسلام، ارتاب بقبح أفعاله، وبرىء من احتذائه بتلك الآراء وانتعاله، وأخافه ذنبه، ونبا عن مضجع الأمن جنبه، فكرّ إلى الغرب ليتوارى في نواحيه، ولا يتراءى لعين لائمه ولاحيه، فلمّا وصل شاطبة حضرة الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين وجد باب نفاذه وهو مبهم، وعاقه عنه مدلول (1) عليه ملهم، فاعتقله اعتقالاً شفى الدين من آلامه، وشهد له بعقيدة إسلامه، وفي ذلك يقول، وهو معقول، ويصرح بمذهبه الفاسد، وغرضه المستاسد:

خفض عليك فما الزمان وريبه

شيء يدوم ولا الحياة تدوم

واذهب بنفس لم تضع لتحلها

حيث احتللت بها وأنت عليم

يا صاحبي لفظاً ومعنى خلته

من قبل حتى بيّن التقسيم

دع عنك من معنى الإخاء ثقيله

وانبذ بذاك العبء وهو ذميم

واسمح وطارحني الحديث فإنّه

ليل كأحداث الزمان بهيم

خذني على أثر الزمان فقد مضى

بؤس على أبنائه ونعيم

فعسى أرى ذاك النعيم وربّه

مرح ورب البؤس وهو سقيم

هيهات ساوت بينهم أجداثهم

وتشابه المحسود والمحروم ولمّا خلص من تلك الحبالة ونجا، وأنار من سلامته ما كان دجا، احتال في إخفاء ماله، واستيفاء آماله، فأظهر الوفاء للأمير أبي بكر بالرثاء له والتأبين، وتداهيه في ذلك واضح مستبين، فإنّه وصل بهذه النزعة من الحماية إلى حرم،

(1) القلائد: شيحان مدلول.

ص: 22

وحصل في ذمة ذلك الكرم، واشتمل بالرّعي، وأمن من كلّ سعي، فاقتنى قياناً، ولقنهن أعاريض من القريض وركّب عليها ألحاناً أشجى من النّوح، ولطف بها إلى إشادة الإعلان باللوعة والبوح، فسلك بها أبدع مسلك، وأطلعها نيرات ما لها غير القلوب من فلك، فمن ذلك قوله:

إنّ غراباً جرى ببينهم

جاوبه بالثنيّة الصّرد

طاروا فها أنت بعدهم جسد

قد فارق الروح ذلك الجسد

واكتتموا صبحةً بينهم

فبئس والله ما الذي اعتمدوا وكقوله:

سلام وإلمام ووسميّ مزنة

على الجدث النائي الذي لا أزوره

أحقاً أبو كبر تقضّى فلا يُرى

ترد جماهير الوفود ستوره

لئن أنست تلك القبور بلحده

لقد أوحشت أنصاره وقصوره ومن قلّة عقله ونزارته، أنّه في مدة وزارته، سفر بين الأمير أبي بكر رحمه الله تعالى وبين عماد الدولة بن هود رحمه الله تعالى بعد سعايات عليه أسلفها، وذخائر كانت له على يديه أتلفها، فوافاه أوغر ما كان عليه صدراً، وأصغر ما كان لديه قدراً، فآل به ذلك الانتقال، إلى الاعتقال، فأقام فيه شهوراً يغازله اعلحمام بمقلة شوهاء، وتنازله الأوهام بفطرته الورهاء، وفي ذلك يقول:

لعلّك يا يزيرد علمت حالي

فتعلم أيّ خطب قد لقيت

وإنّي إن بقيت بمثل ما بي

فمن عجب الليالي أن بقيت

يقول الشامتون شقاء بختٍ

لعمر الشامتين لقد شقيت

أعندهم الأمان من اللّيالي

وسالمهم بها الزمان المقيت

وما يدرون أنّهم سيسقوا

على كره بكأس قد سقيتُ

ص: 23

وعزم عماد الدولة يوماً على قتله، وألزم المرقبين به التحيّل على ختله، فنمي إليه الأمر الوعر، وارتمى به في لجج اليأس الذعر، فقال:

أقول لنفسي حين قابلها الردى

فراغت فراراً منه يسرى إلى يمنى

قري تحمدي بعض الذي تكرهينه

فقد طالما اعتدت الفرار إلى الأهنا ثم قضى له قدر قضى بإنظاره، وما أمضى من إباحته ما كان رهين انتظاره، ويمهل الفاجر حكمةً من الله تعالى وعلماً و {إنّما نملي لهم ليزدادوا إثماً} (آل عمران: 178) ؛ انتهى نص القلائد.

[ثناء الفتح على ابن باجة]

وأين هذا من تحليته له في بعض كتبه بقوله فيه ما صورته: نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تتوّجت بعصره الأعصار، وتأرّجت من طيب ذكره الأمصار، وقام أوان المعارف واعتدل، ومال للأفهام فنناً وتهدّل، وعطّل بالبرهان التقليد، وحقّق بعد عدمه الاختراع والتوليد، إذا قدح زند فهمه أورى بشرر للجهل محرق، وإن طما بحر خاطره فهو لكل شيء مغرق، مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها، والتحقيق، الذي هو للإيمان شقيق، والجد، الذي يخلق العمر وهو مستجد، وله أدب يودّ عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى المشتري أن يعرفه، ونظم تعشقه اللبّات والنحور، وتدّعيه مع نفاسة جوهرها البحور، وقد أثبت منه ما تهوى الأعين النّجل أن يكون إثمدها، ويزيل من النفوس حزنها وكمدها، فمن ذلك قوله يتغزل:

أسكّان نعمان الأراك تيقّنوا

بأنّكم في ربع قلبي سكّان

ص: 24

ودوموا على حفظ الوداد فطالما

بلينا بأقوام إذا استحفظوا خانوا

سلوا الليل عنّي إذ تناءت دياركم

هل اكتحلت لي فيه بالنوم أجفان

وهل جرّدت أسياف برق سمائكم

فكانت لها إلا جفوني أجفان وله:

أتأذن لي آتي العقيق اليمانيا

أسائله ما للمعالي وما ليا

وهل داركم بالحزن قفراء إنّني

تركت الهوى يقتاد فضل زماميا

فيا مكرع الوادي أما فيك شربة

لقد سال فيك الماء أزرق صافيا

ويا شجرات الجزع هل فيك وقفة

وقد فاء فيك الظلّ أخضر ضافيا وأورد له في " المطمح " أنّه استأذن على المستعين بالله، فوجده محجوباً، فقال:

من مبلغ خير إمام نشا

ذا عزة وسامياً قدرا

قول امرىء لو قاله للصفا

أنبت فيه ورقاً خضرا

عبدك بالباب له خجلة

لو أنّها بالنرجس احمرّا وحكى غير واحد أنّه مات له سكن كان يهواه، فبات مع بعض أصحابه عند ضريحه ومثواه، وكان قد عرف وقت كسوف البدر بصناعة التعديل، فزوّر في نفسه بيتين في خطاب القمر أتقنهما ولحنهما، حتى إذا كان قبيل وقت الكسوف بقليل تغنى فيهما بذلك الصوت المشجي، واللحن يسوق الشوق ويزجي، وهما:

شقيقك غيّب في لحده

وتشرق يا بدر من بعده

فهلاّ كسفت فكان الكسوف

حداداً لبست على فقده فكسف القمر في الحال، وعدّت هذه من نوادره التي جيد الأخبار بفرائدها حال، سامحه الله تعالى.

ص: 25

[ابن الحداد الوادي آشي]

ثم رأيت في " الإحاطة "(1) نسبة ذلك لغيره ونصه: محمد بن أحمد بن الحداد، الوادي آشي، يكنى أبا عبد الله.

حاله - شاعر مفلق، وأديب شهير، مشار إليه في التعاليم، منقطع القرين منها في الموسيقى، مضطلع بفك المعمّى، سكن المرية، واشتهر بمدح رؤسائها من بني صمادح، وقال ابن بسّام: كان أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة، وبحر خبر وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة، وضح في طريق المعارف وضوح الصبح المتهلّل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل (2) ، إلى جلالة مقطع، وأصالة منزع، ترى العلم ينم على أشعاره، ويبين في منازعه وآثاره.

تأليفه - ديوان شعره كبير معروف، وله في العروض تصنيف مشهور مزج فيه بين الألحان المويسيقية والآراء الخليلية.

بعض أخباره - حدّث بعض المؤرخين ممّا يدل على ظرفه أنّه فقد سكناً عزيزاً عليه، وأحوجت الحاجة إلى تكلف سلوة، فلمّا حضر الندماء، وكان قد رصد الخسوف القمري، فلمّا حقق أنّه ابتدأ أخذ العود وغنى " شقيقك غيّب - إلى آخره " وجعل يرددها ويخاطب البدر، فلم يتم ذلك إلا واعترضه الخسوف، وعظم من الحاضرين التعجب.

ثم قال لسان الدين في ترجمة شعره: وقال (3) :

أقبلن في الحبرات يقصرن الخطا

ويرين في حلل الوراشين القطا (4)

سرب الجوى لا الجوّ عوّد حسنه

أن يرتعي حبّ القلوب ويلقطا

(1) الإحاطة 2: 250.

(2)

ينسب إلى الشاعر ابن مقبل لأنه أجاد وصفه (ديوانه: 28 - 29) .

(3)

لم ترد هذه القصيدة في الإحاطة؛ وهي في الذخيرة 2/1: 219.

(4)

الوراشين: جمع ورشان وهو من الطيور المغردة.

ص: 26

مالت معاطفهنّ من سكر الصبّا

ميلاً يخيف قدودها أن تسقطا

وبمسقط العلمين أوضح معلم

لمهفهف سكن الحشا والمسقطا

ما أخجل البدر المنير إذا مشى

يختال والغصن (1) النضير إذا خطا ومنها في المدح:

يا وافدي شرق البلاد وغربها

أكرمتما خيل الوفادة فاربطا

ورأيتما ملك البرية فاهنآ (2)

ووردتما أرض المريّة فاخططا

يدمي (3) نحور الدارعين إذا ارتأى

ويذل عزّ العالمين إذا سطا انتهى المقصود منه، وأورد له في الإحاطة قصيدة ثانية أولها:

حديثك ما أحلى، فزيدي وحدثي

وهي طويلة.

وكتب عليها ابن المؤلف ما صورته: سمعتها من لفظ شيخي أبي جعفر ابن خاتمة بالمرية في سنة خمس وستين وسبعمائة، قاله علي بن الخطيب؛ انتهى.

رجع إلى أخبار ابن الصائغ، ومن نظمه قوله:

ضربوا القباب على أقاحي روضةٍ

خطر النسيم بها ففاح عبيرا

وتركت قلبي سار بين حمولهم

دامي الكلوم يسوق تلك العيرا

هلاّ سألت أميرهم هل عندهم

عانٍ يفكّ ولو سألت غيورا

لا والذي جعل الغصون معاطفاً

لهم وصاغ الأقحوان ثغورا

ما مرّ بي ريح الصبّا من بعدهم

إلا شهقت له فعاد سعيرا

(1) الذخيرة: والخوط، ق: والخود.

(2)

الذخيرة: قاطباً.

(3)

الذخيرة: يرمي.

ص: 27

وتوفّي ابن الصائغ في شهر رمضان سنة 523، وقيل: سنة خمس وعشرين، مسموماً في باذنجان بمدينة فاس، وهو تُجيبي بضم التاء وفتحها، وباجّة: بالباء الموحدة، وبعد الألف جيم مشددة، ثم هاء ساكنة، وهي القصة بلغة الفرنج، وسرقسطة بفتح السين والراء وضم القاف وسكون السين الثانية وبعدها طاء مهملة مدينة كبيرة بالأندلس، استولى عليها العدو سنة 512.

وقال الأمير ركن الدين بيبرس في تأليفه " زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة "(1) إن ابن الصائغ كان عالماً فاضلاً، له تصانيف في الرياضات والمنطق، وإنّه وزر لأبي بكر الصحراوي صاحب سرقسطة، ووزر أيضاً ليحيى بن يوسف ابن تاشفين عشرين سنة بالمغرب، وإن سيرته كانت حسنة، فصلحت به الأحوال، ونجحت على يديه الآمال، فحسده الأطباء والكتّاب وغيرهم، وكادوه، فقتلوه مسموماً؛ انتهى.

وأنشد له بعضهم:

هم رحلوا يوم الخميس عشيّةً

فودّعتهم لمّا استقلّوا وودعوا

ولما تولّوا ولّت النفس معهم

فقلت: ارجعي قالت: إلى أين أرجع

إلى جسد ما فيه لحمٌ ولا دمٌ

وما هو إلا أعظمٌ تتقعقع

وعينين قد أعماهما كثرة البكا

وأذن عصت عذّالها ليس تسمع وقد ذكر بعضهم في تعزيز بيتي الحريري: أنّه لابن الصائغ الأندلسي، وليس هو بهذا فيما أعلم:

انقدّ مهوى أزره فانثنى

مه يا عذولي في الذي انقدّ مه

مندمة قتل المعنّى فلا

ترسل سهام اللحظ تأمن دمَه

(1) هو تاريخ كبير مرتب على حسب السنين انتهى فيه إلى سنة 724؛ وتوفي ركن الدين بيبرس المنصوري الدواداري سنة 725.

ص: 28

[ترجمة الفتح عن الإحاطة]

رجع إلى ابن باجّة - وقد ذكر لسان الدين في الإحاطة سبب العداوة بينه وبين الفتح في ترجمة الفتح ولنذكرها بنصّه فنقول (1) : قال رحمه الله تعالى: الفتح بن محمد بن عبيد الله، الكاتب، من قرية تعرف بقلعة الواد (2) من قرى يحصب، يكنى أبا نصر، ويعرف بابن خاقان.

حاله - كان آية من آيات البلاغة لا يشق غباره، ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقها، لعوباً بأطراف الكلام، معجزاً في باب الحلي والصفات، إلا أنّه كان محارفاً مقدوراً عليه، لا يمل من المعاقرة والقصف، حتى هان قدره، وابتذلت نفسه وساء ذكره، ولم يدع بلداً من بلاد الأندلس إلا ودخله مسترفداً أميره واغلاً في عليته، قال الأستاذ في الصلة: وكان معاصراً للكاتب أبي عبد الله ابن أبي الخصال، إلاّ أن بطالته أخلدت به عن مرتبته. وقال ابن عبد الملك (3) : قصد يوماً إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض مخمراً، فتنسم بعض حاضري المجلس رائحة الخمر، فأعلم القاضي بذلك، فاستثبت (4) وحدّه حدّاً تامّاً، وبعث إليه بعد أن أقام عليه الحد بثمانية دنانير وعمامة، فقال الفتح حينئذ لبعض من أصحابه: عزمت على إسقاط القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم ب " قلائد العقيان "، قال: فقلت: لا تفعل، وهي نصيحة، فقال: وكيف ذلك فقلت له: قصتك معه من الجائز أن تُنسى، وأنت تريد أن تتركها مؤرخة، إذ كل من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت

(1) الإحاطة، الورقة:353.

(2)

الإحاطة: بصخرة الولد، وبهامش إحدى نسخ الذيل والتكملة: من قرية شرقي قلعة يحصب تعرف بشجرة الولد. ق: بقرية الواد.

(3)

قلت انظر الذيل والتكملة 5: 530.

(4)

الذيل: فاستثبت في استنكاهه؛ وفي الإحاطة: فاستتابه.

ص: 29

فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت، فيسأل عن ذلك، فيقال له، فيتوارث العلم عن الأكابر الأصاغر، قال: فتبين ذلك، وعلم صحته وأقر اسمه.

وحدثني بعض الشيوخ أن سبب حقده على ابن باجة أبي بكر آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس ما كان من إزرائه به وتكذيبه إيّاه في مجلس إقرائه، إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس ووصف حلياً، وكان يبدو من أنفه فضله خضراء اللون - زعموا - فقال له: فمن تلك الجواهر إذن الزمردة التي على شاربك فثلبه في كتابه بما هو معروف، وعلى ذلك فأبو نصر نسيج وحده، غفر الله تعالى له.

مشيخته - روي عن أبوي بكر: ابن سليمان بن القصيرة وابن عيسى ابن اللبانة، وأبي جعفر ابن سعدون الكاتب، وأبي الحسن ابن سراج، وأبي خالد ابن بشتغير، وأبي الطيب ابن زرقون، وأبي عبد الله ابن خلصة الكاتب، وأبي عبد الرحمن ابن طاهر، وأبي عامر ابن سرور، وأبي محمد ابن عبدون، وأبي الوليد ابن حجاج، وابن دريد الكاتب.

تواليفه - ومصنفاته شهيرة: منها قلائد العقيان ومطمح الأنفس والمطمح أيضاً، وترسيله مدوّن، وشعره وسط، وكتابته فائقة.

شعره - من شعره قوله، وثبت في قلائده، يخاطب أبا يحيى ابن الحاج (1) :

أكعبة علياء وهضبة سؤدد

وروضة مجد بالمفاخر تمطر

هنيئاً لملك زار أفقك نوره

وفي صفحتيه من مضائك أسطر

وإنّي لخفّاق الجناحين كلّما

سرى لك ذكر أو نسيم معطّر

وقد كان واش هاجنا لتهاجرٍ

فبتُّ وأحشائي جوىً تتفطّر

(1) انظر أيضاً القلائد: 180 والمطرب: 189.

ص: 30

فهل لك في ودٍّ ذوى لك ظاهراً

وباطنه يندى صفاء ويقطر

ولست بعلقٍ بيع بخساً وإنّني

لأرفع أعلاق الزمان وأخطر فروجع عنه بما ثبت أيضاً في قلائده ممّا أوّله:

ثنيت أبا نصر عناني، وربما

ثنت عزمة السهم المصمم أسطر نثره - ونثره شهير، ونثبت له من غير المتعارف من السلطانيات ظهيراً كتبه عن بعض الأمراء لصاحب الشُّرَط، ولا خفاء بإدلاله وبراعته: كتاب تأكيد اعتناء، وتقليد ذي منة وغناء، أمر بإنفاذه فلان، أيّده الله تعالى، لفلان ابنفلان، صانه الله تعالى، ليتقدم لولاية المدينة الفلانية وجهاتها، ويضرح (1) ما تكاثف من العدوان في جنباتها، تنويهاً أحظاه بعلائه، وكساه رائق ملائه، لما علمه من سنائه، وتوسّمه من غنائه، ورجاه من حسن منابه، وتحققه من طهارة ساحته وجنابه، وتيقن - أيده الله تعالى - أنّه مستحق لما ولاه، مستقل (2) بما تولاه، لا يعتريه الكسل (3) ، ولا تثنيه عن المضاء الصوارم والأسل، ولم يكل الأمر منه إلى وكل، ولا ناطه بمناط عجز ولا فشل، وأمره أن يراقب الله تعالى في أوامره ونواهيه، وليعلم أنّه زاجره عن الجور وناهيه، وسائله عمّا حكم به وقضاه، وأنفذه وأمضاه {يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذ لله} (الإنفطار: 19) فليتقدم إلى ذلك بحزم لا يخمد توقّده، وعزم لا ينفد تفقّده، ونفس مع الخير ذاهبة، وعلى متن البر والتقوى راكبة، ويقدّم للاحتراس من عرف اجتهاده، وعلم أرقه في البحث وسهاده، وحمدت أعماله، وأمن تفريطه وإهماله، ويضم إليهم من يحذو حذوهم، ويقفو شأوهم،

(1) يضرح: يزيل ويغسل؛ وفي ق: ويصوح.

(2)

مستقل: حامل للعبء؛ وفي الإحاطة: مشتغل.

(3)

الإحاطة: الكلل.

ص: 31

ممّن لا يستراب بمناحيه، ولا يصاب خلل في ناحية من نواحيه، وأن يذكي العيون على الجناة، وينفي عنها لذيذ السّنات، ويفحص عن مكامنهم، حتى يغص بالريق (1) نفس آمنهم، فلا يستقر بهم موضع، ولا يفر منهم خب ولا موضع، فإذا ظفر منهم بمن ظفر بحث عن باطنه، وبث السؤال في مواضع تصرفه ومواطنه، فإن لاحت شبهة أبداها الكشف والاستبراء، وتعدّاها البغي والافتراء، نكّله بالعقوبة أشدّ نكال، وأوضح له منها ما كان ذا إشكال، بعد أن يبلغ إناه، ويقف في طرفه مداه، وحدّ له أن لا يكشف بشرة إلا في حد يتعين، وإن جاءه فاسق أن يتبين، وأن لا يطمع في صاحب مال موفور، وأن لا يسمع من مكشوف في مستور، وأن يسلك السّنن المحمود، وينزه عقوبته من الإفراط وعفوه من تعطيل الحدود، وإذا انتهت إليه قصّة مشكلة أخّرها إلى غده، فهو على العقاب أقدر منه على رده، فقد يتبين في وقت ما لا يتبين في وقت، والمعاجلة (2) بالعقوبة من المقت، وأن يتغمد هفوات، ذوي (3) الهيئات، وأن يستشعر الإشفاق، ويخلع التكبر فإنّه ملابس أهل النفاق، وليحسن لعباد الله تعالى اعتقاده، ولا يرفض زمام العدلل ولا مقاده، وأن يعاقب المجرم قدر زلته، ولا يعتز عند ذلّته، وليعلم أن الشيطان أغواه، وزيّن له مثواه، فليشفق من عثاره، وسوء آثاره، وليشكر الله تعالى على ما وهبه من العافية، وألبسه من ملابسها الضافية، ويذكره جلّ وعلا في جميع أحواله، ويفكر في الحشر وأهواله، يوتذكر وعداً ينجز فيه ووعيداً " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً " آل عمران: 30 والأمير أيده الله تعالى ولي له ما عدل وأقسط، وبرىء منه إن جاء وقسط، فمن قرأه فليقف عند حدّه ورسمه، وليعرف له حق

(1) الإحاطة: ينهض بالروع.

(2)

الإحاطة: والعجل.

(3)

الإحاطة: أولي.

ص: 32

قطع الشرّ وحسمه، ومن وافقه من شريف أو مشروف، وخالفه في نهي عن منكر أو أمر بمعروف، فقد تعرض من العقاب لما يذيقه وبال خبله، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وكتب في كذا.

وفاته - بمراكش ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام تسعة (1) وعشرين وخمسمائة، ألفي قتيلاً ببيت من بيوت فندق أحد فنادقها، وقد ذُبح وعُبث به، وما شُعر به إلا بعد ثلاث ليال من قتله؛ انتهى نص الإحاطة.

[ترجمة الفتح عن المغرب]

وقال في المغرب ما ملخصه (2) : فخر أدباء إشبيلية بل الأندلس: أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي الإشبيلي، صاحب القلائد والمطمح، ذكره الحجاري في المسهب، الدهر من رواة قلائده، وحملة فرائده، طلع من الأفق الإشبيلي شمساً طبّق الآفاق ضياؤها، وعمّ الشرق والغرب سناها وسناؤها، وكان في الأدب أرفع الأعلام، وحسنة الأيام، وله كتاب قلائد العقيان ومن وقف عليه لا يحتاج في التنبيه على قدره إلى زيادة بيان، وهو وأبو الحسن ابن بسّام الشنتمري مؤلف الذخيرة فارساً هذا الأوان، وكلاهما قسٌّ وسحبان، والتفضيل بينهما عسير، إلا أن ابن بسام أكثر تقييداً، وعلماً مفيداً، وإطناباً في الأخبار، وإمتاعاً للأسماع والأبصار، والفتح أقدر على البلاغة من غير تكلف، وكلامه أكثر تعلّقاً وتعشقاً بالأنفس، ولولا ما اتسم به ممّا عرف من أجله بابن خاقان، لكان أحد كتّاب الحضرة المرابطية بل مجليها المستولي على الرهان، وإنّما أخلّ به ما ذكرناه، مع كونه اشتهر بذم

(1) الإحاطة: سبعة.

(2)

ترجمته في المغرب 1: 254 وبين ما أورده المقري وما جاء في المغرب اختلاف كبير، هذا مع أن المقري يصرح بأنه يلخص.

ص: 33

أولي الأحساب، والتمرين بالطعن على الأدباء والكتّاب، وقد رماه الله تعالى بما رمى به إمام علماء الأندلس أبا بكر ابن باجّة، فوجد في فندق بحضرة مراكش قد ذبحه عبد أسود خلا معه بما اشتهر عنه، وتركه مقتولاً وفي دبره وتد، والله سبحانه يتغمده برحمته.

ومن شعره قوله من أبيات في المدح:

إلى أين ترقى قد علوت على البدر

وقد نلت غايات السيادة والقدر

وجدت إلى أن ليس يذكر حاتم

وأغنيت أهل الجدب عن سبل القطر

وكم رام أهل اللوم باللوم وقفة

وبحرك مد لا يؤول إلى جزر

ولو لم يكن فيك السماح جبلّةً

لأثّر ذاك اللوم فيك مع الدهر وذكره ابن الإمام في سمط الجمان وأنشد له:

لله ظبيٌ من جنابك زارني

يختال زهواً في ملاء مراح

ولي التماسك في هواه كأنّه

مروان خاف كتائب السفّاح

فخلعت صبري بالعرا ونبذته

وركبت وجدي في عنان جماح

أهدي لي الورد المضعف خده

فقطفته باللحظ دون جناح

وأردت صبراً عن هواه فلم أطق

وأريت جدّاً في خلال مزاح

وتركت قلبي للصبابة طائراً

تهفو به الأشواق دون جناح وذكره ابن دحية في المطرب ونعته بابن خاقان، قال: والشيخ أبو الحجاج البياسي ينكر هذا، وقيل: إنّما قيل له ابن خاقان لما تقدم ذكره في كلام الحجاري، وقال ابن دحية: إنّه قتل ذبحاً بمسكنه في فندق ببيت من حضرة مراكش صدر سنة تسع وعشرين وخمسمائة، أشار بقتله علي بن يوسف بن تاشفين.

ص: 34

وقال أبو الحسن ابن سعيد: رأيت فضلاء الأندلس ينتقدون على الفتح أول افتتاحه في خطبة قلائده " الحمد لله الذي راض لنا البيان حتى انقاد في أعنَّتنا، وشاد مثواه في أجنّتنا " لكون ما تضمنته الفقرة الأولى أصوب ممّا تضمنته الفقرة الثانية، والصواب ضد ذلك؛ انتهى.

وقال ابن الأبار في " معجم أصحاب الصدفي "(1) : إنّه لم يكن مرضياً، وحذفه أولى من إثباته؛ انتهى. ولذا لم يذكره في التكملة.

وقال ابن خاتمة: إنّه لم يُعرف من المعارف بغير الكتابة والشعر والآداب. وما حكاه في الإحاطة من تاريخ وفاته مخالف لما حكاه ابن الأبار أنّه ليلة عيد الفطر من سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، قال: وقرأت ذلك بخط من يوثق به.

وحكى ابن خلكان (2) قولاً آخر أنّه توفّي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، قيل: وهو خطأ، على أنّه حكى القول الآخر أيضاً.

ودفن بباب الدباغين، رحمه الله تعالى.

وقد قيل: إن قتله كان بإشارة أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين أخي إبراهيم الذي ألف برسمه قلائد العقيان.

وقد ذكر ابن خلكان أن المطمح ثلاث نسخ: صغرى، ووسطى، وكبرى، والذي قاله ابن الخطيب وابن خاتمة وغير واحد من المغاربة أنّه نسختان فقط: صغرى، وكبرى، ولعلّه الصواب، إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه.

ومن تأليف الفتح راية المحاسن وغاية المحاسن ومجموع في ترسيله، وتأليف صغير في ترجمة ابن السيّد البطليوسي نحو الثلاثة كراريس على منهاج القلائد (3) .

(1) انظر المعجم: 300 (رقم: 285) .

(2)

وفيات الأعيان 3: 194.

(3)

هذا التأليف نقله المقري في أزهار الرياض 3: 103 - 149؛ وذكر ابن عبد الملك له مؤلفاً اسمه " حديقة المآثر " ولم أجده مذكوراً عند غيره.

ص: 35

[رسائل للفتح]

1 -

ومن بديع إنشاء الفتح المذكور سامحه الله تعالى قوله: أطال الله تعالى بقاء الوزير الأجلّ، عتادي الأسرى، وزنادي الأورى، وأيامه أعياد، وللسعد في زمانه انقياد، أمّا أنا - أدام الله تعالى عزّه - فجوّي عاتم، وأعيادي مآتم، وصبحي عشاء، وما لي إلاّ من الخطوب انتشاء، أبيت بين فؤاد خافق وطرف مسهّد، نائي المحلّة من مزار العوّد، حين لا أرى الروض المنوّر، ولا أحس سهيلاً إذا لاح ثم تهوّر (1) ، وقد بعدت دار إليّ حبيبة، ودنت مني حوادث بأدناها تؤذي الشبيبة، وأي عيش لمن لزم المفاوز لا يريمها، حتى ألفه ريمها، قد رمته النوائب فما اتّقى، وارتقت له الجوائح في وعور المرتقى، يواصل النوى ولا يهجر سيراً، ولا يزجر في الإراحة طيراً، قد هام بالوطن، هيام ابن طالب بالحوض والعطن، وحنّ إلى تلك البقاع، حنينه إلى أثلاث القاع (2) ، ولا سبيل أن يشعب صدر بينه شاعب، أو تكلّمه أحجار للدار وملاعب، وليس له إلى أين يجنح، ولا يرى أمله يسنح، قد طوى البلاد وبسطها، وتطرّف الأرض وتوسطها، ولم يلف مقيلاً، ولا وجد مقيلاً، إلى الله أشكو ما أقاسي وأقاصي، وبيده الأقدام والنواصي، ولقاؤه موعد كلّ موعد، وكل معمر سيدركه يوماً حمام الموعد، وأنفذته وقد صدرت عن فلانة بعد أهوال لقيتها، وأنكال سقيتها، وسفر لقيت منه نصباً، وكدر أعقبني وصباً، وإلى متى يعتزلني السعد ولله الأمر من قبل ومن بعد؛ انتهى.

(1) ق: تنور، وصوابه " تغور ".

(2)

يشير إلى يحيى بن طالب الحنفي حين اغترب عن وطنه اليمامة إلى العراق وافتقر، وهو يقول في الحنين إلى أثلاث القاع:

أيا أثلاث القاع من بطن توضح

حنيني إلى أفيائكن طويل وقد شرح ياقوت قصته في معجم البلدان (قرقري) .

ص: 36

2 -

وكتب رحمه الله تعالى من رسالة: سيدي لا عدمت ارتفاقاً، ولا حرمت تكيفاً من السعد واتفاقاً، أنا الآن مشتغل البال، لا أفرّق بين الإعراض والإقبال، وعند تفرغي أوجّه لك ما حضر، ومثلك أرجأ الأمر وأنظر، وفي علم الله تعالى لو أمكنني لحملتك على كاهل، وأوردتك منه أعذب المناهل، وأبحت لك السعد ثغراً ترتشفه، وخلعته برداً عليك تلتحفه، لكن الزمان لا يجد، وصروفه لا تنجد، وعلى أي حال فلا بد أن تجد قراك، وتحمد سراك، إن شاء الله تعالى.

3 -

وكتب إلى أبي بكر بن علي (1) عند ولايته إشبيلية: أطال الله تعالى بقاء الأمير الأجلّ أبي بكر للأرض يتملكها، ويستدير بسعده فلكها؛ استبشر الملك وحق له الاستبشار، وأومأ إليه السعد في ذلك وأشار، بما اتّفق له من توليتك، وخفق عليه من ألويتك، فلقد حبي منك بمكلك أمضى من السهم المسدّد:

طويل نجاد السيف رحب المقلّد

يقدم حيث يتأخّر الذابل، ويكرم إذا بخل الوابل، ويحمي الحمى كربيعة ابن مكدّم، ويسقي الظبي نجيعاً كلون العندم، فهنيئاً للأندلس لقد استردت عهد خلفائها، واستمدّت تلك الإمامة بعد عفائها، حتى كأن لم تمر أعاصرها، ولم يمت حكمها ولا ناصرها، اللذان عمرا الرصافة والزّهرا، ونكحا عقائل الروم وما بذلا إلا المشرفية مهرا، والله تعالى أسأله انتصار أيامك، وبه أرجو انتشار أعلامك، حتى يكون عصرك أعجب من عصرهم، ونصرك أعزّ من

(1) أبو بكر بن علي بن يوسف بن تاشفين أكبر أبناء علي وكان يعرف ببكور (تصغير تحبب) ، نشأ في إشبيلية، وكان مؤدبه أبو مروان ابن زهر، وقد ولي أمر المدينة سنة 518 وعزل عنها سنة 522.

ص: 37

نصرهم، والسلام؛ انتهى.

4 -

وقال بعضهم: من أحسن ما رأيت له قوله: معاليك أشهر رسوماً، وأعطر نسيماً، من أن يغرب شهاب مسعاها، أو يجدب لرائد مرعاها، فإن نبهتك فإنّما نبهت عمراً (1) ، وإن استنرتك فإنّما أستنير قمراً، والأمير أيّده الله تعالى أجل من أعتصم في ملكه، وأنتظم في سلكه، فإنّه حسام بيد الملك، طلاقته فرنده، وشهامته حدّه، وقضيب، في دوحة الشرف رطيب، بشره زهره، وبره ثمره، وقد توسّمت نارك لعلّي أفوز منها بقبس، أو تكون كنار موسى بالواد المقدس، وعسى الأمل أن تعلو بكم قداحه، ويشف من أفقكم مصباحه، فجرّد - أيدك الله تعالى - صارم عزم لا تفلّ غروبه، واطلع كوكب سعد لا يخاف غروبه؛ انتهى.

ولنذكر بعض كلامه في المطمح لغرابته في هذه البلاد المشرقية بخلاف القلائد فإنّها موجودة بأيدي الناس فيه.

[نماذج من تراجم المطمح]

1 -

قال رحمه الله تعالى في ترجمة أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي (2) : إمام اللغة والإعراب، وكعبة الآداب، أوضح منها كل إبهام، وفضح دون الجهل بها محل الأوهام، وكان أحد ذوي الإعجاز، وأسعد أهل الاختصار والإيجاز، نجم والأندلس في إقبالها، والأنفس أول تهممها بالعلم واهتبالها، فنفقت له عندهم البضاعة، واتفقت على تفضيله الجماعة، وأشاد الحكم بذكره، فأورى بذلك زناد فكره، وله اختصار العين للخليل، وهو معدوم

(1) أخذه من قول بشار في مدح عمر بن العلاء:

إذا أيقظتك حروب العدا

فنبه لها عمراً ثم نم (2) المطمح: 53 - 55.

ص: 38

النظير والمثيل، ولحن العامة وطبقات النحويين وكتاب الواضح وسواها من كل تأليف مخجل لمن أتى بعده فاضح، وله شعر مصنوع ومطبوع، كأنّما يتفجر من خاطره ينبوع، وقد أثبت له منه ما يقترح، ولا يطرح، فمن ذلك قوله:

كيف بالدّين القديم

لك من أم تميم

ولقد كان شفاءً

من جوى القلب السقيم

يشرق الحسن عليها

في دجى الليل البهيم وكتب مراجعاً:

أغرقتني في بحور فكر

فكدت منها أموت لما (1)

كلّفتني غامضاً عويصاً

أرجم فيه الظنون رجما

ما زلت أسرو السجوف عنه

كأنّني كاشف لظلما

أقرب من ليله، وأنأى

مستبصراً تارة وأعمى

حتى بدا مشرق المحيّا

لمّا اعتلى طالعاً وتمّا

لله من منطق وجيز

قد جلّ قدراً وجلَّ فهما

أخلصت لله فيه قولاً

سلّمت لله فيه حكما

إذ قلت قول امرىء حكيمٍ

مراقب للإله علما

الله ربّي وليُّ نفسي

في كل بوسٍ وكلّ نعمى وكتب إلى أبي مسلم ابن فهد وكان كثير التكبر، عظيم التجبر، متغيراً (2) لسانه، مقفراً من المعالم جنانه:

(1) المطمح: غما.

(2)

المطمح: متعثراً.

ص: 39

أبا مسلم، إنّ الفتى بفؤاده

ومقوله لا بالمراكب واللّبس

وليس رواء المرء يغني قلامة

إذا كان مقصوراً على قصر النفس

وليس يفيد الحلم والعلم والحجى

أبا مسلم طول القعود على الكرسي واستدعاه الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين فعجل إليه وأسرع، فأمرع من آماله ما أمرع، فلمّا طالت نواه، واستطالت عليه لوعته وجواه، وحنّ إلى مستكنّه بإشبيلية ومثواه، استأذنه في اللحوق بها فلوّمه ولواه، فكتب إلى من كان يألفه ويهواه:

ويحك يا سلم لا تراعي

لا بد للبين من مساع

لا تحسبيني صبرت إلاّ

كصبر ميت على النزاع

ما خلق الله من عذابٍ

أشدّ من وقفة الوداع

ما بينها والحمام فرقٌ

إلا المناحات في النواعي

إن يفترق شملنا وشيكاً

من بعد ما كان في اجتماع

فكل شمل إلى افتراق

وكل شعب إلى انصداع

وكلّ قربٍ إلى بعادٍ

وكل وصل إلى انقطاع 2 - وقال - سامحه الله تعالى - بعد ترجمة السلطان بالمرية المعتصم بن صمادح ما نصّه: ابنه عز الدولة أبو مروان عبد الله (1) ، فتى الراح المعاقر لدنانها، المهتصر لأغصان الفتوة وأفنانها، المهجّر لفلاة الظّباء والآرام، المشهّر في باب الصّبابة والغرام، نشأ في حجر أبيه نديم قهوة، ومديم صبوة، وخديم شهوة، لا يريم كاساً، ولا يروم إلا اقتضاء وانتكاساً، ما شهد قتلاً ولا قتالاً، ولا تقلد صارماً إلا مختالاً، قد أمن منه جنانُ الجبان، وعدّت له غصون البان، ومازال مرتضعاً لأخلاف البطالة، مقتطعاً ما شاء من إطالة، متوغلاً

(1) لم ترد هذه الترجمة في المطمح المطبوع.

ص: 40

في شعاب الفتّاك، متغلغلاً في طريق الانتهاك، إلى أن وجهه أبوه إلى أمير المسلمين سفيراً عندما بدت له وجوه الفتنة تسفر، ومعاهد الهدنة تقفر، مع أكامل أصحبهم نقصانه، وذوي أديان جعلهم خلصانه، يسمعون بوادر بذاذته، وينظرون مناكر لذاذته، فآلت سفرته إلى الاعتقال، وقصرت نخوته ما بين قيد وعقال، فجاء كالمهر لا يعرف لجاماً، وصار حبيس قوم لا يألونه استعجاماً، وحين شالت نعامته، وسالت عليه ظلامته، كتب إلى أبيه:

أبعد السنا والمعالي خمول

وبعد ركوب المذاكي كبول

ومن بعد ما كنت حرّاً عزيزاً

أنا اليوم عبد أسير ذليل

حللت رسولاً بغرناطة

فحلّ بها فيّ خطبٌ جليل

وثقّفت إذ جئتها مرسلاً

وقبلي كان يعزّ الرسول

فقدت المرية أكرم بها

فما للوصول إليها سبيل فراجعه أبوه بقطعة منها:

عزيزٌ عليّ ونوحي دليل

على ما أقاسي ودمعي يسيل

وقطّعت البيض أغمادها

وشقّت بنودٌ وناحت طبول

لئن كنت يعقوب في حزنه

ويوسف أنت فصبرٌ جميل ولم يزل يتحيّل في تخلّصه، وأخذه من يد مقتنصه، فسرق وحراسه منه بمكان السلك من النحر، وطرق به على ثبج البحر، فوافى المريّة، وقد أخذ البحث عليه آفاق البرية، فهنىء المعتصم بخلاصه، وبقي مستقرّاً بعراصه، إلى أن أخلوها، ومضوا لطلبة ما نووها، فنجا أخوه إلى حيث ذكرنا من بلاد الناصر، ولجأ هو إلى أحد المرابطين لأذمّة كانت بينهما وأواصر، وأقام معه سمير لهوه، وأمير سهوه، إلى أن انقرض أمده، وطواه سروره لا كمده، فلم ير إلا

ص: 41

خالعاً لعذاره، طالعاً في ثنيّات اغتراره، غير مكترث باتّضاعه، ولا منحرف عن ارتشاف الغيّ وارتضاعه، وبدا منه في هذه الحال ندى كاثر به السحاب، وظاهر بسببه الصّحاب، وتخدّم الأوطار، وتقدم لذوي الرتب فيها والأخطار، [تقدماً] حسّن من ذكره، وأولع الألسن بشكره، فارتفع عنه الكدح، وشفع له في الذم ذلك المدح، وكان نظمه بديع الوصف، رفيع الرّصف، وقد أثبت له ما يشهد بإجادته وإحسانه، شهادة الروض بجود نيسانه.

أخبرني ابن القطان أنّه ساير الأمير يحيى بن أبي بكر إلى طليطلة في جيوش فاضت سيلاً، وخاضت المطايا قتامها ليلاً، وكان ملكاً لم يعقد على مثله لواء، ولم يحتوٍ على شبهه حواء (1) ، جمال محياً، وكمال عليا، وحسن شيم، وبعد همم، أغنى العفاة، وأحيا الرفات، وألغى الأجواد، وأنسى كعب ابن مامة وابن أبي دواد، فلمّا شارف طليطلة وكشفها، واشتفّ بلالتها وارتشفها، وضرب بكنفها مضاربه، وأجال بساحتها زنجه وأعاربه، سقط أحد ألويته عن يد حامله، وانكسر عند عامله، فطائفة تفاءلت، وطائفة تطيرت، وفرقة ابتهجت، وأخرى تغيرت، فقال:

لم ينكسر عود اللّواء لطيرةٍ

يُخشى عليك بها وأن تتأوّلا

لكن تحقّق أنّه يندقّ في

نحر العدا ولدى الوغى فتعجّلا وأخبرني أخوه رفيع الدولة أن ابن اللبانة كتب إليه والخلع قد نضا لبوسه، وقصر بوسه، وكدر صفاءه، وغدر وفاءه، وطوى ميدان جوده، وأذوى أفنان وجوده، قوله (2) :

يا ذا الذي هزّ أمداحي بحليته

وعزّه أن يهزّ المجد والكرما

(1) الحواء: مضرب الأعراب.

(2)

مر البيتان وجوابهما في النفح ج 3: 396.

ص: 42

واديك لا زرع فيه اليوم تبذله

فخذ عليه لأيام المنى سلما فدعته دواعي الندى، وأولعته بالجدا في ذلك المدى، فتحيل في برّ طبعه، وكتب معه:

المجد يخجل من نقديك في زمن

ثناه عن واجب البرّ الذي علما

فدونك النزر من مصف مودّته

حتى يوفّيك أيام المنى سلما 3 - ابنه الثاني: رفيع الدولة أبو يحيى ابن المعتصم:

من بيت (1) إماره، وإلى السعد طوافه (2) بها واعتماره، عمرت أنديته، ونشرت به رايات العزّ وألويته، إلى أن خوى كوكبهم، وهوى مرقبهم، فتفرقوا أيادي سبا، وفرقوا من وقع الأسنّة والظّبي، وفارقوا أرضاً كأرض غسّان، ووافقوا أياماً كيوم أهل اليمامة مع حسّان، بعدما خامرت النفوس مكارمهم مخامرة الرحيق، وأمّهم الناس من كل مكان سحيق، وانتجعوا انتجاع الأنواء، واستطعموا في المحل واللأواء، وصالوا بالدهر وسطوا، وبين النهي والأمر فيه خطوا، ورفيع الدولة هذا فجر ذاك الصباح، وضوء ذلك المصباح، وغصن تلك الدوّحة، ونسيم تلك النفخة، لم يمتهن والدهر قد بذله، ولا ترك الانتصار والأمر قد خذله، فالتحف بالصّون وارتدى، وراح على الانقباض واغتدى، فما تلقاه إلا سالكاً جددا، ولا تراه إلا لابساً سوددا، وله أدب كالروض المجود إذا أزهر، ونظم كزهرالتهائم والنجود بل كالصبح إذا أسفر واشتهر، أوقفه على النسيب، وصرفه إلى المحبوبة والحبيب، فمن ذلك قوله (3) :

(1) المطمح: ثنية.

(2)

المطمح: حجه.

(3)

انظر أيضاً بعض هذه المقطعات في الحلة 1: 83 - 84.

ص: 43

ما لي وللبدر لم يسمح بزورته

لعلّه ترك الإجمال أو هجرا

إن كان ذاك لذنب ما شعرت به

فأكرم الناس من يعفو إذا قدرا وله أيضاً:

يا عابد الرحمن كم ليلة

أرّقتني وجداً ولم تشعر

إذ كنت كالغصن ثنته الصّبا

وصحن ذاك الخدّ لم يشعر وله أيضاً:

وأهيف لا يلوي على عتب عاتب

ويقضي علينا بالظنون الكواذب

يحكم فينا أمره فنطيعه

ونحسب منه الحكم ضربة لازب وله أيضاً رحمه تعالى:

وعلقته حلو الشمائل ماجناً

خنث الكلام مرنّح الأعطاف

ما زلت أنصفه وأوجب حقه

لكنّه يأبى من الإنصاف وله أيضاً:

حبيبٌ متى ينأى عن العين شخصه

يكاد فؤادي أن يطير من البين

ويسكن ما بين الضلوع إذا بدا

كأنّ على قلبي تمائم من عين وله أيضاً:

أفدّي أبا عمرو وإن كان جانياً

عليّ ذنوباً لا تعدّد بالعتب (1)

فما كان ذاك الود إلا كبارقٍ

أضاء لعيني ثمّ أظلم للقلب (2)

(1) المطمح: بالبهت.

(2)

المطمح: في الوقت.

ص: 44

وله وقد بلغه موتي، وتحقق عنده فوتي (1) :

مثنى الوزارة قد أودى فما فعلت

تلك المحابر والأقلام والطرس

ما كنت أحسب يوماً قبل ميتته

أن البلاغة والآداب تختلس واستأذن ليلة على أحد الأمراء وأنا عنده في أسنى موضع، وأبهى مطلع، وجوانب حفده بين يديّ محتلة، وسحائب رفده عليّ منهلّة، وكان أجمل من مقل، وأكمل مَنْ مِنَ المهد إلى سرير الملك قد نقل، وكتب إليّ يهنيني بقدوم من سفر:

قدمت أبا نصر على حال وحشة

فجاءت بك الآمال واتصل الأنس

وقرت بك العينان واتصل المنى

وفازت على يأس ببغيتها النفس

فأهلاً وسهلاً بالوزارة كلها

ومن رأيه في كل مظلمة شمس 4 - وقال في المطمح في ترجمة الوزير أبي الوليد ابن حزم (2) : واحد دونه الجمع، وهو للجلالة بصر وسمع، روضة علاه رائقة السنا، ودوحة بهاه طيّبة الجنى، لم يتّزر بغير الصّون، ولم يشتهر بفسادٍ بعد الكون، مع نفس برئت من الكبر، وخلصت خلوص التبر، مع عفاف التحف به بروداً، وما ارتشف به ثغراً بروداً، فعفّت مواطنه، وما استرابت ظواهره ولا بواطنه، وأمّا شعره ففي قالب الإحسان أفرغ، وعلى وجه الاستحسان يلقى ويبلغ، وكتب إليه ابن زهر:

أأبا الوليد وأنت سيد مذحج

هلاّ فككت أسير قبضة وعده

وحياة من أمد الحياة بوصله

وذهابها حتماً بأيسر صدّه

(1) لم ترد في المطمح.

(2)

المطمح: 31 - 34.

ص: 45

لأقاتلنّك إن قطعت بمرهف

من جفنه وبصعدة من قدّه فراجعه أبو الوليد:

لبيّك يا أسد البرية كلّها

من صادق عبث المطال بوعده

يمضي بأمرك ساء أو سر القضا

ويفلّ حدّ النائبات بحده

إيه ووافقت الصبا في معرض

ذهب المشيب بهزله وبجده 5 - وقال في المطمح في ترجمة أبو بكر الغساني، ما صورته (1) :

صليب العود، مهيب الوعود، لو دعي له الأسد الورد لأجاب، ولو رمي بذكره الليل البهيم لانجاب، ولو قعدت بين يديه الأطواد لتحرك سكونها، ولو عصته الطيور ما آوتها وكونها، مع وقار تخاله يذبلا، وفخار يفضح بلبلا، وشيم لو كانت بالروض ما ذوى، أو تقاسمت في الخلق ما رمد أحد بعدما شوى، وسجايا تنجلي عنها الظلماء، كأن مزاجها عسل وماء؛ انتهى.

وهذا الغساني هو صاحب تفسير القرآن وقد عرّف به في الإحاطة فليراجع ثمة.

6 -

وقال أيضاً في المطمح ما صورته: أبو عامر ابن عقال (2) .

كان له ببني قاسم تعلق، وفي سماء دولتهم تألّق، فلمّا خوت نجومهم، وعفت رسومهم، انحط عن ذلك الخصوص، وسقط سقوط الطائر المقصوص، وتصرف بين وجود وعدم، وتحرف قاعداً حيناً وحيناً على قدم، وفي خلال حاله، وأثناء انتحاله، لم يدع حظّه (3) من الحبيب، ولا ثنى لحظه

(1) لم ترد هذه الترجمة في المطمح المطبوع.

(2)

المطمح: 86 - 87 وكتبه فيه " ابن عقال " وقد مر في غير موطن من هذا الكتاب " ابن عيال " ويتصحف كثيراً " ابن غتال "

الخ.

(3)

المطمح: حظاً.

ص: 46

عن الغزال الربيب، ولم يزل يطير ويقع، والدهر يخرق حاله ويرقع (1) ، إلى أن أرقاه الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين رحمه الله تعالى أعلى ربوة (2) ، وأراه (3) أبهى حظوة، فأدرك عنده رتبة أعلام التحبير والإنشا، وترك الدهر فلق الحشا، وتسنم منزلة لا يتسنمها إلاّ من تطهر من درنه، وجمح إحسانه في ميدان حرنه، والحظوظ أقسام لا تسام، والدنيا إنارة وإعتام (4) :

ولو لم يعل إلا ذو محلٍّ

تعالى الجيش وانحطّ القتام (5) وقد أثبت عنه بعض ما انتقيته، والذي أخذته مباين لما أبقيته، فمن ذلك قوله:

يا ويح أجسام الأنا

م لما تطيق من الأذى

خلقت لتقوى بالغذا

ء وسقمها ذاك الغذا

وتنال أيام السلا

مة بالحياة تلذذا

فإذا انقضى زمن الصِّبا

ورمى المشيب فأنفذا

وجد السقام إلى المفا

صل والجوانح منفذا

ويقول مهما يعطَ شي

ئاً ناولوني غير ذا وحذا في هذه القصيدة حذو الصابي في قوله (6) :

وجع المفاصل وهو أي

سر ما لقيت من الأذى

ردّ الذي استحسنته

والناس من حظّي كذا

والعمر مثل الكاس ير

سب في أواخرها القذى

(1) المطمح: يخفض

ويرفع.

(2)

المطمح: إلى أسمى ذروة.

(3)

المطمح: ورداه.

(4)

زاد في المطمح: وصفاه يتلوه قتام.

(5)

البيت للمتنبي (شرح الواحدي: 162) .

(6)

اليتيمة 2: 300.

ص: 47

وله يعتذر عن زيارة اعتمدها، ومواصلة اعتقدها، فعاقّته عنها حوادث لوته، وعدته عن ذلك وثنته:

بينما كنت راجياً للقائه

والتشفّي بالبشر من تلقائه

وترقبت من سماء نزاعي

قمر الأنس طالعاً من سمائه

إذ دهاني اعتراض خطبٍ ثناني

عن غمامٍ يشفي الغليل بمائه

فتدلّهت وانزويت حياء

منه والعذر واضح لسنائه وله فصل كتب به عن الأمير إبراهيم يصف إجازة أمير المسلمين البحر سنة خمس عشرة وخمسمائة: وفي الساعة الثانية من يوم الجمعة كان جوازه - أيده الله تعالى - من مرسى جزيرة طريف على بحر ساكن قد ذل بعد استصعابه، وسهل بعد أن رأى الشامخ من هضابه، وصار حيّه ميتاً، وهذره صمتاً، وجباله لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وضعف تعاطيه، وعقد السلم بين موجه وشاطيه، فعبر آمناً من لهواته، متملّكاً لصهواته، على جواد يقطع الجوّ سبحاً، ويكاد يسبق البرق لمحاً، لم يحمل لجاماً ولا سرجاً، ولا عهد غير اللجّة الخضراء مرجاً، عنانه في رجله، وهدب العين يحكي بعض شكله، فلله هو من جواد، له جسم وليس له فؤاد، يخرق الهواء ولا يرهبه، ويركض الماء ولا يشربه.

7 -

وقال في ترجمة الفقيه أبي مروان عبد الملك بن زيادة الله الطبني (1)، ما نصّه:

من ثنيّة شرف وحسب، ومن أهل حديث وأدب، إمام في اللغة متقدم، فارع لرتب الشعر متسنّم، له رواية بالأندلس ورحلة إلى المشرق، ثم عاد

(1) المطمح: 50.

ص: 48

وقد توّج بالمعارف المفرق، وأقام بقرطبة علماً من أعلامها، ومتسنماً لترفعها وإعظامها، تؤثره الدول، وتصطفيه أملاكها الأول، مازال فيها مقيماً، ولا برح عن طريق أمانيها مستقيماً، إلى أن اغتيل في إحدى اللّيالي بقضية يطول شرحها فأصبح مقتولاً في فراشه، مذهولاً كل أحد من انبساط الضرب إليه على انكماشه، وقد أثبت من محاسنه ما يعجب السامع، وتصغي إليه المسامع، فمن ذلك قوله:

وضاعف ما بالقلب يوم رحيلهم

على ما به منهم حنين الأباعر

وأصبر عن أحباب قلب ترحّلوا

ألا إنّ قلبي سائر غير صابر ولمّا رجع إلى قرطبة وجلس ليرى ما احتقبه من العلوم، اجتمع إليه في المجلس خلق عظيم، فلمّا رأى تلك الكثرة، وما له عندهم من الأثرة، قال:

إنّي إذا حضرتني ألف محبرة

يكتبن حدّثني طوراً وأخبرني

نادت بمفخري الأقلام معلنة

هذي المفاخر لا قعبان من لبن وكتب إلى ذي الوزارتين أبي الوليد ابن زيدون:

أبا الوليد وما شطّت بنا الدار

وقلّ منّا ومنك اليوم زوّار (1)

وبيننا كل ما تدريه من ذمم

وللصِّبا ورقٌ خضرٌ وأنوار

وكل عتبٍ وإعتابٍ جرى فله

بدائع حلوة عندي وآثار

فاذكر أخاك بخير كلّما لعبت

به اللّيالي فإنّ الدهر دوّار 8 - وقال في ترجمة صاحب العقد الفقيه العالم أبي عمر أحمد بن عبد ربه (2) :

(1) سقط هذا البيت من ق.

(2)

المطمح: 51 - 53 وبعض مقطعات ابن عبد ربه وردت في الأجزاء السابقة.

ص: 49

عالم ساد بالعلم ورأس، واقتبس به من الحظوة ما اقتبس، وشهر بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذكره، واستطار شرر الذكاء فكره، وكانت له عناية بالعلم وثقة، ورواية له متّسقة، وأمّا الأدب فهو - كان - حجّته، وبه غمرت الأفهام لجته، مع صيانة وورع، وديانة ورد ماءها فكرع، وله التأليف المشهور الذي سمّاه ب " العقد "، وحماه عن عثرات النقد، لأنّه أبرزه مثقّف القناة، مرهف الشّباة، تقصر عنه ثواقب الألباب، وتبصر السحر منه في كل باب، وله شعر انتهى منتهاه، وتجاوز سماك الإحسان وسماه.

أخبرني ابن حزم أنّه مرّ بقصر من قصور قرطبة لبعض الرؤساء فسمع منه غناء أذهب لبّه، وألهب قلبه، فبينما هو واقف تحت القصر إذ رشّ بماء من أعاليه، فاستدعى رقعة، وكتب إلى صاحب القصر بهذه القطعة:

يا من يضنّ بصوت الطائر الغرد

ما كنت أحسب هذا الضنّ في أحد

لو أنّ أسماع أهل الأرض قاطبة

أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد

فلا تضنّ على سمعي ومنّ به

صوتاً يجول مجال الروح في الجسد

أمّا النّبيذ فإنّي لست أشربه

ولا أجيئك إلاّ كسرتي بيدي وعزم فتى كان يتألّفه، وخامره كلفه، على الرحيل في غده، فأذهبت عزمته قوى جلده، فلمّا أصبح عاقته السماء بالأنواء، وساقته مكرهاً إلى الثّواء، فاستراح أبو عمر من كمده، وانفسح له من التواصل ضائق أمده، فكتب إلى المذكور، العازم على البكور:

هلاّ ابتكرت لبين أنت مبتكر

هيهات يأبى عليك الله والقدر

ما زلت أبكي حذار البين ملتهباً

حتى رثى لي فيك الريح والمطر

يا برده من حيا مزنٍ على كبدٍ

نيرانها بغليل الشوق تستعر

آليت أن لا أرى شمساً ولا قمراً

حتى أراك فأنت الشمس والقمر

ص: 50

ومن شعره الذي صرّح به تصريح الصب، وبرّح فيه وقائع اسم الحب، قوله:

الجسم في بلدٍ والروح في بلد

يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد

إن تبك عيناك لي يا من كلفت به

من رحمةٍ فهما سهماك في كبدي ومنه قوله:

ودّعتني بزفرة (1) واعتناق

ثمّ نادت متى يكون التلاقي

وبدت لي فأشرق الصبح منها

بين تلك الجيوب والأطواق

يا سقيم الجفون من غير سقم

بين عينيك مصرع العشاق

إنّ يوم الفراق أفظع يومٍ

ليتني متّ قبل يوم الفراق وله أيضاً:

يا ذا الذي خطّ الجمال بخده

خطّين هاجا لوعةً وبلابلا

ما صحّ عندي أنّ لحظك صارمٌ

حتى لبست بعارضيك حمائلا وأخبرني بعضهم أن الخطيب أبا الوليد ابن عيال (2) حج، فلمّا انصرف، تطلّع إلى لقاء المتنبي واستشرف، ورأى أن لقياه فائدة يكتسبها، وحلّة فخر لا يحتسبها، فصار إليه فوجده في مسجد عمرو بن العاص، ففاوضه قليلاً، ثمّ قال: أنشدني لمليح الأندلس، يعني ابن عبد ربّه، فأنشده:

يا لؤلؤاً يسبي العقول أنيقا

ورشاً بتقطيع القلوب رفيقا

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله

درّاً يعود من الحياء عقيقا

(1) المطمح: بزورة.

(2)

كذا هنا وفي بعض أصول المطمح: ابن عقال.

ص: 51

وإذا نظرتَ إلى محاسن وجهه

أبصرت وجهك في سناه غريقا

يا من تقطّع خصره من رقّةٍ

ما بال قلبك لا يكون رقيقا فلمّا أكمل إنشادها استعادها منه، وقال: يا ابن عبد ربّه، لقد تأتيك العراق حبواً.

وله أيضاً:

ومعذر نقش الجمال بخطّه

خدّاً له بدم القلوب مضرّجاً

لمّا تيقّن أنّ سيف جفونه

من نرجس جعل النّجاد بنفسجا وله أيضاً:

وساحبة فضل الذيول كأنّها

قضيبٌ من الريحان فوق كثيب

إذا ما بدت من ثغرها قال صاحبي

أطعني وخذ من وصلها بنصيب وله أيضاً:

هيّج الشوق دواعي سقمي

وكسا الجسم ثياب الألم

أيّها البين أقلني مرّة

فإذا عدت فقد حلّ دمي

يا خليّ الذّرع نم في غبطة

إنّ من فارقته لم ينم

ولقد هاج بجسمي سقماً

حب من لو شاء داوى سقمي وبلغ سنّ عوف بن محلم (1) ، واعترف بذلك اعتراف متألم، عندما وهت شدته، وبليت جدّته، وهو آخر شعر قال، ثم عثر في أذيال الردى وما استقال:

(1) هو القائل:

إن الثمانين وبلغتها

قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

ص: 52

كلاني لما بي عاذليّ كفاني

طويت زماني برهةً وطواني

بليت وأبليت اللّيالي مكرهاً

وصرفان للأيام معتوران

وما لي لا أبلى لسبعين حجّة

وعشرٍ أتت من بعدها سنتان

فلا تسألاني عن تباريح علّتي

ودونكما منّي الذي تريان

وإنّي بحول الله راجٍ لفضله

ولي من ضمان الله خير ضمان

ولست أبالي من تباريح علّتي

إذا كان عقلي باقياً ولساني وفي أيام إقلاعه عن صبوته، وارتجاعه عن تلك الغفلة وأوبته، وانشائه عن مجون المجون إلى صفاء توبته، محص أشعاره في الغزل بما ينافيها، ونصل من قوادمها وخوافيها، بأشعار في الزهد على أعاريضها وقوافيها، منها القطعة التي أوّلها:

هلاّ ابتكرت لبينٍ أنت مبتكر

محصها بقوله:

يا راقداً ليس يعفو حين يقتدر

ماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر

عاين بقلبك إنّ العين غافلة

عن الحقيقة واعلم أنّها سقر

سوداء تزفر من غيظ إذا سفرت

للظالمين فلا تبقي ولا تذر

لو لم يكن لك غير الموت موعظةً

لكان فيه عن اللّذات مزدجر

أنت المقول له ما قلت مبتدئاً:

هلاّ ابتكرت لبينٍ أنت مبتكر 9 - وقال في ترجمة أبي القاسم المنيشي، ما صورته (1) :

أبو القاسم المنيشي، أحد أبناء (2) حضرة إشبيلية المقلّين، الناهضين بأعباء

(1) المطمح: 88 والنص مختلف عما أورده المقري.

(2)

المطمح: أنساء.

ص: 53

الضرائر المستقلّين، لم يزل يعشو لكل ضوء، وينتجع مصاب كل نوء، فيوماً يخصب ويوماً يجدب، وآونة يفرح وأخرى ينتدب، إلى أن صدقت مخايله، فرمقت بخوته وتحايله، وأتى من العجب، بمنسدل الحجب، ومن الأشر، ما لم يأت من بشر، وما تصرف إلاّ في أنزل الأعمال، ولا تعرّف إلاّ بأخون العمال، لم يفرع ربوة ظهور، ولم يقرع باب رجل مشهور، وله أدب ولسن، ومذهب فيهما يستحسن، لكنّه نكب عن المقطع الجزل، وذهب مذهب الهزل، إلا في النادر فربما جدّ، ثم أخلق منه ما استجدّ، وعاد إلى ديدنه، عودة أبي عباد (1) إلى واواته ومدنه، وأخذ في ذلك الغرض، وليس شرط كتابي بذاءه، ولا أن يقف حذاءه، وقد أثبتّ له ما هو عندي نافق، ولغرض كتابي موافق، فمن ذلك قوله:

يا روضةً باتت الأنداء تخدمها

أتى النسيم وهذا أوّل السّحر

إن كان قدك غصناً فالثراء به

مثل الكمائم قد زرت على الزهر

اربأ بخديك عن ورد وعن زهر

واغن بقرطيك عن شمس وعن قمر

يا قاتل الله لحظي كم شقيت به

من حيث كان نعيم الناس بالنظر وله من رثاء في والدتي رحمة الله عليها:

يا ناصحي غير مفتات ولا شجن

على النصائح والنصاح مفتات

لا أستجيب ولو ناديت من كثب

قد وقذتني تعلاتٌ وعلاّت

إن كان رأيك في برّي وتكرمتي

بحيث قد ظهرت منه علامات

لا ترض لي غير شجوٍ لا أفارقه

فذاك أختاره والناس أشتات ومنها:

يا ذا الوزارة من مثنى وواحدة

لله ما اصطنعت منك الوزارات

(1) أبو عباد هو معبد المغني، ومدنه ألحان له تسمى حصون معبد.

ص: 54

لله منك أبا نصرٍ أخو جلدٍ

إذا ألمّت ملمّات مهمّات

أستودع الله نوراً ضمّه كفنٌ

كما تواري بدور التمّ هالات

قضت وليت شبابي كان موضعها

هيهات؛ لو قضيت تلك اللبّانات

مضت ولمّا يقم من دونها أحد

هلاّ وقد أعذرت فيها المروءات وله يصف زرزوراً:

أمنبر ذاك أم قضيب

يفرعه مصقع خطيب

يختال في بردتي شبابٍ

لم يتوضح بها مشيب

كأنّما ضمّخت عليه

أبراده مسكةٌ وطيب

أخرس لكنه فصيح

أبله لكنّه لبيب

جهم على أنّه وسيم

صعب على أنّه أريب 10 - أبو الحسن البرقي (1) :

بلنسي الدار، نفيسيّ المقدار، ما سمعت له بشرف، ولا علمت له بسلف، ولا اطلعت منه على غير سرف، ورد إشبيلية سنة تسع وتسعين وأربعمائة (2) ، واتصل بابن زهر، فناهيك من حظ في أكنافه جال، ومن لحظ فيما أراده أجال، ومن أمل استوفر، وحظ مسك أذفر، ومن وجه جاه له أسفر، سلك به ساحة الرغائب، وتملك بسببه إباحة الحاضر والغائب، وقال فما نبذت مقالته، وأقال فما قيّدت إقالته، وكان حلو المجالسة، مجلوّ المؤانسة، ذا نشب وافر، ومذهب في المساهمة سافر، إلاّ أنّه كان كلفاً بالفتيان، معنّىً بهم في كل الأحيان، ونيّف على السبعين وهو برداء الصبوة مرتد، وبعترتها معتد، مع أدب زهرته ترفُّ، وكأنّه بحر والألباب منه تغترف، وقد أثبتّ له بعض

(1) المطمح: 89.

(2)

المطمح: سنة خمس وسبعين وأربعمائة.

ص: 55

ما وجدت له في الغلمان، وأنشدت له في تلك الأزمان، فمن ذلك قوله رحمه الله تعالى:

إن ذكرت العقيق هاجك شوق

ربّ شوقٍ يهيجه الادّكار

يا خليليّ حدّثاني عن الرك

ب سحيراً أأنجدوا أم أغاروا

شغلونا عن الوداع وولوا

ما عليهم لو ودّعوا ثمّ ساروا

أنا أهواهم على كلّ حالٍ

عدلوا في هواهم أم جاروا وعلق بإشبيلية فتى يعرف بابن المكر، وبات من حبّه طريحاً بين أيدي الوساوس والفكر، لا يمشي إلاّ صبّاً، ولا يفشي إلا غراماً وحبّاً، ومازال يقاسي لوعته، مقاساة يناجي بها صرعته، ويكابد جواه، ويلازم هواه، حتى اكتسى خدّه بالعذار، وانمحت عنه بهجة آذار، فسلا من كلفه، وتصدى ذلك لمواصلته بصلفه، فقال:

الآن لمّا صوّحت وجناته

شوكاً وأضحت سلوة العشاق

واستوحشت منه المحاسن واكتست

أنوار وجهك واهن الأخلاق

أمسيت تبذل لي الوصال تصنّعاً

خلق اللئيم وشيمة المذَّاق

هلا وصلت إذ الشمائل قهوة

وإذ المحيّا روضة الأحداق

يا كم أطلت غرام قلب موجع

كم قد ألبّ إليك بالأشواق

ما كنت إلا البدر ليلة تمّه

حتى قضت لك ليلة بمحاق

لاح العذار فقلت وجد نازح

إنّ ابن داية (1) مؤذن بفراق وله فيه مناقضاً لذلك الغرض، معارضاً للوعة سلوه الذي كان عرض:

يلومون في ظبيٍ تزايد حسنه

بخطّين خطّا لوعتي وغراميا

(1) ابن دأية: الغراب.

ص: 56

وقد كنت أهوى خدّه وهو عاطل

فكيف وقد أضحى لعيني حاليا وله أيضاً في مثله:

أجيل الطرف في خدٍّ نضيرٍ

يردد ناظري نظري إليه

إذا رمدت بحمرته جفوني

شفاها منه إثمد عارضيه 11 - أبو الحسن علي بن جودي (1) :

برّز في الفهم، وأحرز منه أوفر سهم، وعانى العلوم بقريحة ذكيّة، وواخى بنفس في المعارف زكية، وله أدب واسع مداه، يانع كالروض بلّله نداهن، ونظمٌ أرقّ من دمع العاني، ولطيف المعاني، وأعبق من نفس الخمائل، في أكفّ الصّبا والشمائل، ونثر كالزهر المطلول، أو السلك المحلول، إلا أنّه سها فأسرف، وزها بما لا يعرف، وتصدى إلى الدين بالافتراء، ولم يراقب الله تعالى في ذلك الاجتراء، واشتهرت عنه في ذلك أقوال سدّد إلى الملّة نصالها، وأبدى بها ضلالها، فعظمت به المحنة، وكمنت له في كل نفس إحنة، ومازال يتدرّج فيها وينتقل، حتى عثر وما كاد يستقل، فمر لا يلوي على تلك النواحي، وفرّ لا ينثني إلى لوائم ولواحي، وما زال يركب الأهواء ويخوضها، ويذلل النفس بها ويروضها، حتى أسمحت ببعض الإسماح، وكفّت عن ذلك الجماح، واستقر عند أبي مالك فآواه، ومهّد له مثواه، وجعله في جملة من اختص من المبطلين، واستخلص من المعطلين، فكثيراً ما يصطفيهم، ولا يدري أيدّخرهم أم يقتنيهم، وقد أثبتُّ له ما يبهر سامعاً، ويظهر برقاً لامعاً، فمن ذلك قوله:

أحنّ إلى ريح الشمال فإنّها

تذكرنا نجداً وما ذكرنا نجدا

تمرُّ على ربعٍ أقام به الهوى

وبدَّل من أهليه جائمةً رُبدا

(1) المطمح: 90 وبين النصين اختلاف.

ص: 57

فيا ليت شعري هل تقضّى لبانة

فأرتشف اللّميا وأعتنق القدّا

خليليّ لا والله ما أحمل الهوى

وإن كنت في غير الهوى رجلاً جلدا وقوله أيضاً:

سل الركب عن نجد فإنّ تحيّةً

لساكن نجد قد تحمّلها الركب

وإلا فما بال المطيّ على الوجى

خفافاً وما للريح مرجعها رطب وقوله أيضاً:

إذا ارتحلت غربية فاعرضا لها

فبالغرب من نهوى له البلد الغربا

لقد ساءنا أنّا بعيد وأنّنا

بأرضين شتّى لا مزاراً ولا قربا

يفجّعنا إما بعاد مبرّحٌ

وإمّا أمورٌ باعثاتُ لنا كربا

ظعنّا على حكم اللّيالي وخطبها

فيا ليت لم ندر اللّيالي ولا الخطبا

وكنت أُرجّي الدهر بعد الذي مضى

دياراً وقرباً والأصادق والصحبا

أحقّاً يسيرُ الركب لم ترتحل بنا

إليك ولم تحد الحداة لنا ركبا وقوله أيضاً:

لقد هيّج النيران يا أمّ مالكٍ

بتدمير ذكرى ساعدتها المدامع

عشيّة لا أرجو لقاءك عندها

ولا أنا أن يدنو مع الليل طامع وقوله أيضاً:

حننت إلى البرق اليماني، وإنّما

نعالج شوقاً ما هنالك هانيا

فيا راكباً يطوي البلاد تحمّلن

تحيتنا إن كنت تلجأ لاقيا

ليالينا بالجزع جزع محجّر

سقى الله يا فيحاء تلك اللياليا

وما ضرّ صحبي وقفة بمحجّرٍ

أحيّي بها تلك الرسوم البواليا

ص: 58

وله أيضاً:

خليليّ من نجد فإنّ بنجدهم

مصيفاً لبيت العامريّ ومربعا

ألا رجّعا عنها الحديث فإنّني

لأغبط من ليلي الحديث المرجّعا

عزيز علينا يا ابنة القوم أنّنا

غريبان شتّى لا نطيق التجمّعا

فريق هوى منّا يمانٍ ومشئمٌ

يحاول يأساً أو يحاول مطمعا

كأنّا خلقنا للنوى وكأنّما

حرام على الأيام أن تتجمّعا ووجدت له في بعض نسخ " المطمح " قوله أيضاً (1) :

سقى دارك اللائي ببطن محصّبٍ

مثاكيل من وفد الغمام المرنّح

ألم تعلمي يا فتنة القلب أنّني

تطارحت من حبي لكم كلّ مطرح

إذا نعبت غربان دارٍ وجدتني

وشوقي مقيمٌ بين ناء ونزّح وله أيضاً:

ألا خبر وللبلوى ضروب

وفيك لكلّ مشتاق حبيب

حباك الله بالنعمى فنوناً

وجرّ لكم مع النعمى خطوب

متى تقضي بخسفتك الليالي

وتعصف فيكم ريح هبوب

فإنّكم تجرّون المنايا

وتعمر من مجانيكم قلوب وقد ذكر في " المطمح " له تخميساً جارياً على ألسنة الناس إلى الآن، وهو:

أيا ساكنين بأرض اللوى

وصالكم لسقامي دوا

وعافاكم الله من ذا الجوى

ملكتم فؤادي فصار الهوى عليّ رقيبٌ رقيبٌ رقيبْ

(1) وردت هذه القطعة في ق بعد القطعة التي أولها " إذا ارتحلت غربية

".

ص: 59

ولمّا تبدّت لهم حالتي

وما حرّك الهجر من زفرتي

بكوا رحمةً لي من ساعتي

فقلت متى الوصل يا سادتي فقالوا قريبٌ قريبٌ قريبْ

وهو وإن لم يكن في ذروة البلاغة فقد ذكرته لأنّه مطروق بالمغرب عند أهل التلاحين وغيرهم.

ولنذكر بعض نص خطبة المطمح، قال رحمه الله تعالى فيه: أمّا بعد حمد الله الذي أشعرنا إيماناً (1) وإلهاماً، وصير لنا أفهاماً، ويسّر لنا برود آداب، ونشرنا للانبعاث لإثباتها والانتداب، وصلّى الله على سيدنا محمد الذي بعثه رحمة، ونبّأه منة منه ونعمة، وسلّم تسليماً، فإنّه كان بالأندلس أعلام، فتنوا بسحر الكلام، ولقوا منه كل تحيّة وسلام، فشعشعوا البدائع وروّقوها، وقلدوها بمحاسنهم وطوقوها، ثم هووا في مهاوي المنايا، وانطووا بأيدي الرزايا، وبقيت مآثرهم الحسان، غير مثبتة في ديوان، ولا مجملة في تصنيف تجتلي فيه العيون، وتجتني منه زهر الفنون، إلى أن أراد الله تعالى إظهار إعجازها، واتصال صدورها بأعجازها، فحلللت من الوزير أبي العاصي حكم بن الوليد عند من رحّب وأهل، وأعلّ بمكارمه وأنهل، وندبني إلى أن أجمعها في كتاب، وأدركني من التنشط إلى إقبال ما ندب إليه، وكتابة ما حث عليه، فأجبت رغبته، وحليت بالإسعاف لبّته، وذهبت إلى إبدائها، وتخليد عليائها، وأمليت منها في بعض أيام، ثلاثة أقسام، القسم الأول: يشتمل على سرد غرر الوزراء، وتناسق درر الكتّاب والبلغاء. القسم الثاني: يشتمل على محاسن أعلام العلماء، وأعيان القضاة والحكماء. القسم الثالث: يشتمل على ذكر محاسن الأدباء، النوابغ النجباء؛ انتهى.

(1) إيماناً: سقطت من ق والمطمح.

ص: 60

وهذه خطبة " المطمح الصغير "، وأما الكبير والأوسط فضمنهما ذكر الملوك والسلاطين حسبما نقلنا بعضه فيما مر من هذا الكتاب، على أنّنا نقلنا بعضاً من الصغير أيضاً، فليعلم ذلك من يقف على هذا الكتاب، ومن له أدنى ممارسة، وليراجع من الترجمة الفرق بين كلامه في الصغير وغيره، وبالجملة فما رأيت ولا سمعت أحلى من عبارة الفتح رحمه الله تعالى في تحلية الناس، ووصف أيام الأنس، وليس الخبر كالعيان، وقد سردنا بعض كلامه في " القلائد " وفي " المطمح ".

[قطعة من الموشحات]

ولنرجع الآن إلى ما كنا بصدده من أمر التوشيح، فنقول: وتمام موشحة ابن سهل التي عارضها لسان الدين هو قوله:

هل درى ظبيُ الحمى أن قد حمى

قلب صبٍّ حلّه عن مكنس

فهو في حرّ وخفقٍ مثلما

لعبت ريح الصَّبا بالقبس

يا بدوراً أطلعت يوم النوى

غرراً تسلك بي نهج الغرر

ما لقلبي في الهوى ذنبٌ سوى

منكم الحسن ومن عيني النظر

أجتني اللذات مكلوم الجوى

والتذاذي من حبيبي بالفكر

كلّما أشكوه وجداً بسما

كالرُّبى بالعارض المنبجس

إذ يقيم القطر فيها مأتما

وهي من بهجتها في عرس

غالب لي غالب بالتؤده

بأبي أفديه من جاف رقيق

ما رأينا مثل ثغر نضّده

أقحواناً عصرت منه رحيق

أخذت عيناه منه العربده

وفؤادي سكره ما إن يفيق

ص: 61

فاحم الجمّة معول اللمى

أكحل اللحظ شهيُّ اللعس

وجهه يتلو الضحى مبتسما

وهو من إعراضه في عبس

أيها السائل عن ذلّي لديه

لي جزاء الذنب وهو المذنب

أخذت شمس الضحى من وجنتيه

مشرقاً للصبّ فيه مغرب

ذهبت أدمع أجفاني عليه

وله خدّ بلحظي مذهب

يطلع البدر عليه كلّما

لاحظته مقلتي في الخلس

ليت شعري أيّ شيء حرّما

ذلك الورد على المغترس

كلّما أشكو إليه حرقي

غادرتني مقلتاه دفنا

تركت ألحاظه من رمقي

أثر النمل على صمّ الصفا

وأنا أشكره فيما بقي

لست ألحاه على ما أتلفا

فهو عندي عادل إن ظلما

وعذولي نطقه كالخرس

ليس لي في الحبّ حكمٌ بعدما

حلّ من نفسي محلّ النّفس

منه للنّار بأحشائي اضطرام

يلتظي في كل حين ما يشا

وهي في خديه بردٌ وسلام

وهي ضرٌّ وحريقٌ في الحشا

أتّقي منه على حكم الغرام

أسد الغاب وأهواه رشا

قلت لمّا أن تبدّى معلما

وهو من ألحاظه في حرس

أيها الآخذ قلبي مغنما

اجعل الوصل مكان الخمس وقد عارض هذا الموضح أيضاً بعض متأخري المغاربة فقال:

يا عريب الحيّ من حيّ الحمى

أنتم عيدي وأنتم عرسي

لم يحل عنكم ودادي بعدما

حلتم لا وحياة الأنفس

ص: 62

من عذيري في الذي أحببته

مالك قلبي شديد البرحا

بدر تمّ أرسلت مقلته

سهم لحظٍ لفؤادي جرحا

إن تبدّى أو تثنّى خلته

غصن بانٍ فوقه شمس ضحى

تطلُعُ الشمس عشاء عندما

تنجلي منه بأبهى ملبس

وترى الليل أضا منهزما

وترى الصبح أضا في الغلس

يا حياة النفس صل بعد النوى

وألهاً مضنىً شديد الشغف

قد براه السقم حتى ذا الهوى

كاد أن يفضي به للتلف

آه من ذكر حبيب باللوى

وزمان بالمنى لم يسعف

كنت أرجو الطيف يأتي حلما

عائداً يا نفس من ذا فايأسي

هل يعود الطيف صبّاً مغرما

ساهراً أجفانه لم تنعس (2)

همت في أطلال ليلى وأنا

ليس في الأطلال لي من أرب

ما مرادي رامة والمنحنى

لا ولا ليلى وسعدى مطلبي

إنّما سؤلي وقصدي والمُنى

سيّد العجم وتاج العرب

أحمد المختار طه من سما

الشريف ابن الشريف الكيّس (2)

خاتم الرسل الكريم المنتمى

طاهر الأصل زكي النفس وقال في مباراة هذه الموشحات السابقة:

لا تلمني يا عذولي تأثما

ما ترى جسمي بسقمٍ قد كسي

مثلما شرح غرامي علما

حيث أشكو وحشة من مؤنس

(2) ق: وحظي بالنور لما أن كسي.

(2)

ق: وحظي بالنور لما أن كسي.

ص: 63

ظبيُ أنسٍ عن فؤادي نفرا

وفؤادي مكتوٍ من صدّه

وعذولي في هوى الحبّ فرى

بملام مذ نهى عن ودّه

أنت أعمى يا عذولي ما ترى

يانع الورد بدا من خدّه

وله ثغر إذا ما ابتسما

كبروق أومضت في الغلس

وثناياه كدرّ نظما

فضياها في الدّجى كالقبس

كم ترى سحراً بجفنيه بدا

لفؤاد في الهوى أضحى كليم

ليس سحر مقلتي هذا سدى

يا فؤادي إن شفي السحر السقيم

خيفةً أوجس قلبي، وغدا

راحلاً صبري، وها شوقي مقيم

يا إله العرش يا رب السما

يا عليماً بضمير الأنفس

قلبي الولهان يشكو ألما

من جفا ظبي أغنّ أكيس

أغيد يسبي البرايا بالمقل

أدعج الجفن بعينيه حور

لو رأته الشمس أضحت في خجل

وهو للبدر بوجه قد قمر

من معاني حسنه رقّ الغزل

في غزال قد غزاني بالنظر

آخذ بالروح مني كلّما

رمق الصبّ بطرف أنعس

يقنص الأسد بلحظ قد رمى

أسهماً تفتك من غير قسي

يا رعى الله زماناً سلفا

بلويلاتٍ تقضّت بانشراح

مثل دينار وها قد صرفا

في ألذّ العيش مع حب وراح

فاعذروا القلب الذي قد شغفا

بحبيب ما له عنه براح

بدر تمّ أهيف حلو اللمى

ريقه شهد شهيّ اللّعس

كسلاف عهدها قد قدما

تنجلي في كأسها كالعرس

ص: 64

قهوة بكر عجوز عتقت

زمناً في دنها من قبل نوح

هي لمّا في زجاج أشرقت

شمس راح غربت في كل روح

جددت بسطاً وكم قد مزّقت

قلب صبّ في غبوق وصبوح

حلف الخمّار عنها قسماً

أنها بالمكث كادت تنتسي

فاسقني صرفاً ولا تمزج بما

راحه كم أذهبت من عبس

في رياض قد شدا شحروره

عاطنيها بين أكناف الشجر

وانظم الشمل ودع منثوره

حول ورد وأقاح وزهر

وإذا الطلّ بدا شبّوره

كلّل الأوراق منه بالدرر

ما ترى الريحان عبداً خدما

حيث أضحى واقفاً في المجلس

جلس النسرين لكن ربّما

إستحت منه عيون النرجس

فتنزّه في رياضٍ خضر

وغصون غرّدت فيها هزار

وانتشق عرف زهورٍ عطر

ياسمين زينته الجلّنار

وشذا الزهر كمسك أذفر

واقبل العذر لابن البزددار

طامع في رحمة الله وما

خاب عبد طامع لم ييأس

يا إلهي جد علينا كرما

يا كريماً قبل أخذ الإنفس رجع إلى موشّحات ابن الخطيب:

قال لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى: وممّا قلته من الموشّحات التي انفرد باختراعها الأندلسيون وطمس الآن رسمها (1) :

(1) الموشحة في أزهار الرياض 1: 314 وهي في مدح السلطان يوسف أبي الحجاج.

ص: 65

ربّ ليلٍ ظفرت بالبدر

ونجوم السماء لم تدرِ حفظ الله ليلنا ورعى

أيّ شملٍ من الهوى جمعا

غفل الدهر والرقيب معا

ليت نهر النهار لم يجرِ

حكم الله لي على الفجرِ علِّل النفس يا أخا العرب

بحديث أحلى من الضّرَب

في هوى من وصاله أربي

كلّما مرّ ذكر من تدري

قلت يا برده على صدري صاح لا تهتمم بأمر غد

وأجز صرفها يداً بيد

بين نهرٍ وبلبلٍ غرد

وغصون تميل من سكر

أعلنت يا غمام بالشكر يا مرادي ومنتهى أملي

هاتها عسجدية الحلل

حلّت الشمس منزل الحمل

وبرود الربيع في نشر

والصّبا عنبرية النّشر غرة الصبح هذه وضحت

وقيان الغصون قد صدحت

وكأنّ الصّبا إذا نفحت

ص: 66

وهفا طيبها عن الحصر

مدحة في علا بني نصر هم ملوك الورى بلا ثنيا

مهّدوا الدين زيّنوا الدنيا

وحمى الله منهم العليا

بالإمام المرفّع الخطر

والغمام المبارك القطر إنّما يوسف إمام هدى

حاز في المعلوات كلّ مدى

قل لدهرٍ بملكه سعدا

افتخر جملةً على الدهر

كافتخار الربيع بالزهر يا عماد العلاء والمجدِ

أطلع العيد طالع السعدِ

ووفى الفتح فيه بالوعدِ

وتجلّت فيه على القصر

غرر من طلائع النصر فتهنّأ من حسنه البهج

بحياة النفوس والمهج

واستمعها ودع مقال شجي

قسماً بالهوى لذي حجر

ما لليل المشوق من فجر ومن بديع موشحات لسان الدين رحمه الله تعالى قوله (1) :

(1) الموشحة في أزهار الرياض 1: 315 - 316.

ص: 67

كم ليوم الفراق من غصّه

في فؤاد العميد

نرفع الأمر فيه والقصّهْ

للوليّ الحميد

رحل الرّكب يقطع البيدا

بسفين النّياق

كلّ وجناء تتلع الجيدا

وتبذّ الرفاق

حسبت ليلة اللّقا عيدا

فهي ذات اشتياق

صائمات لا تقبل الرّخصه

قبل فطر وعيد

فهي مذ أمّلته مختصه

بجهاد جهيد ومنه في آخره:

يا إمام العلاء والفخر

ذا السّنا المبهج

هاكها لا عدمت في الدهر

آملاً يرتجي

عارضت قول بائع التمر

بمقال شجي

غرّبوك الجمال يا حفصهْ

شطر ثاني

شطر أول

من مكان بعيد

من سجلماسة ومن قصهْ

وبلاد الجريد (1) وقد ألف - رحمه الله تعالى - في هذا الفن كتابه المسمى " بجيش التوشيح " وأتى فيه بالغرائب، وذيّل عليه صاحبنا وزير القلم بالمغرب العلم الشهير المنفرد في عصره بحيازة قصب السبق في البلاغة سيدي عبد العزيز بن محمد الفشتالي - رحمه الله تعالى - بكتاب سمّاه " مدد الجيش " (2) واستهلّه بقوله: حمداً لمن أمدّ جيش محمد بعترته. وأتى فيه بكثير من موشحات أهل عصرنا من المغاربة،

(1) هذه الخرجة قد تقرأ معربة وغير معربة.

(2)

انظر روضة الآس: 162.

ص: 68

وضمنه من كلام أمير المؤمنين مولانا المنصور أبي العباس أحمد الشريف الحسني - رحمة الله تعالى ورضوانه عليه - ما زاده زيناً، وأخبرني - رحمه الله تعالى - أنّه ذكر فيه لأهل العصر في أمير المؤمنين ولأمير المؤمنين المذكور أزيد من ثلاثمائة موشّح، ولا حرج في إيراد بعضها هنا، فمنها قول أحد الوافدين من أهل مكّة على عتبة السلطان مولانا المنصور (1)، وهو رجل يقال له أبو الفضل ابن محمد العقاد وقد عارض بها موشّحتي لسان الدين وابن سهل السابقتين (2) :

ليت شعري هل أروّي ذا الظما

من لمى ذاك الثّغير الألعس

وترى عيناي ربّات الحمى

باهيات بقدود ميّس

يدخلون السّقم من دار اللوى

كلم الهجر فؤادي وأسر

هدّ من ركن اصطباري والقوى

مبدلاً أجفان نومي بالسّهر

حين عزّ الوصل عن وادي طوى

هملت أعين دمعي كالمطر

فعساكم أن تجودوا كرما

بلقاكم في سواد الحندس

وتداووا قلب صبّ مغرما

من جراحات العيون النّعّس

كلّما جنّ ظلام الغسق

هزّني الشوق إليكم شغفا

واعتراني من جفاكم قلقي

مذ تذكرت جياداً (3) والصفا

وتناهت لوعتي من حرقي

ثمّ زاد الوجد في التلفا

(1) يعني السلطان أحمد المنصور الذهبي ابا العباس ابن محمد الشيخ المهدي السعدي، وهو من أعظم سلاطين السعيديين؛ انتصر على البرتغاليين في موقعة وادي المخازن سنة 986 وفتح السودان، واهتم ببناء المساجد والمستشفيات وشجع العلوم؛ توفي سنة 1012 (راجع مناهل الصفا للفشتالي، والجزء الخامس من الاستقصا والأعلام للشيخ العباس ابن إبراهيم) .

(2)

وردت الموشحة في روضة الآس: 14.

(3)

جياد: يعني جبل أجياد بمكة.

ص: 69

فانعموا لي ثم جودوا لي بما

يُطف (1) نيران الجوى ذي القبس

ساعة لي من رضاكم مغنما

وتداوي جثّتي مع نفسي

كنت قبل اليوم في زهوٍ وتيه

مع أحبابي بسلعٍ ألعب

ومعي ظبيٌ بإحدى وجنتيه

مشرق الشمس وأخرى مغرب

فرماني بسهامٍ من يديه

ضارب البين فقلبي متعب

لست أرجو للقاهم سلّما

غير مدحي للإمام الأرأس

أحمد المحمود حقّاً من سما

الشريف ابن الشريف (2) الكيّس ومنها قول بعض المراكشيين (3) :

واخجلتا للصّباح

والشمس إذ لاح جؤذر

ساق يدير الكؤوسا

تضيء خمراً وتزهر

تقادمت في الدنان

من عهد نوح تروّق

في لونها البهرماني (4)

تدار فينا وتعبق

قد أطلقت من عنان

من عن صبوح يرقّق

يسعى بها من ملاح

من كان باللحظ يسكر

بالحسن يصبي الجليسا

ويستخفّ الموقّر

(1) خرج عن الإعراب ضرورة.

(2)

الروضة: الكريم ابن الكريم.

(3)

انظر روضة الآس: 29

(4)

ق والروضة: البرهماني.

ص: 70

يثير كامن وجد

في قلب كلّ سقيم

يسطو علينا بقدّ

يزري بغصن قويم

أشقى بعشقي وودّي

في جنّةٍ ونعيم

من ذي الوجوه الصّباح

يا شادناً غنّ واذكر

وهات لحناً نفيسا

نرويه عنك ونأثر

في مدح من ساد طفلاً

هذي البرايا وفاقا

من حاز مجداً وفضلاً

بين الأنام وفاقا

في عدله قال قولا

يسري فيعدو العراقا

في أحمد ذي السماح

في الشرق والغرب يُنصر

أحيا الهدى والنفوسا

وذلّ ملّة قيصر

تراه سلماً وحربا

من رأيه في جنوده (1)

يختال لم يبغ عجبا

من عزّه في بروده

يهوى المعالي كسبا

ويقتنيها بجوده

فخار أهل البطاح

وعزّ من قد تمصّر

ثناه يملا الطروسا

عن صورة المجد عبّر

ملك بنى في البديع

منازلاً كالدراري

فيا له من صنيع

الروض والماء جاري

فقل بصوت رفيع

إذ بان فجر النّهار

(1) قافية هذا الغصن دون هاء في الروضة.

ص: 71

أهدى نسيم الصباح

مسكاً شمسماً وعنبر

وجىء بها خندريسا

من خدّ ساقيه تعصر ومن موشّحات السلطان المنصور المذكور (1) :

ريّان من ماء الصّبا

أهيف وممتلي البرد

كالغصن هزته الصّبا

فوق الرّبى الشهّب

قد قلت لمّا أن سبى

بحسنه يسبي

من عينه سلّ ظبى

وغمدها قلبي

أسرني ماضي الشّبا

أوطف مرنّح القدّ

يا فاضح الروض سنا

بل مخجل البدر

وقاطعي ظلماً عنا

ومن مقرّه صدري

إن لم تكن شمس دنا

فإنّها تجري

علّقته من الظّبا

أسجف يسطو على الأسد

قلت له وقد نهد

وجدّ في حربي

وغلب الظبي الأسد

ففاز بالغلب

الشمس برجها الأسد

فاسع إلى قلبي ولم يحضرني الآن تمامها.

ومنها قوله يعارض لسان الدين وابن الصابوني (2) :

(1) روضة الآس: 56.

(2)

روضة الآس: 57.

ص: 72

وليالي الشعور إذ تسري

ما لنهر النهار من فجر حبّذا الليل طال لي وحدي

لو تراني جعلته بردي

فاطميّاً في خلعة الجعدي

هي ليلى أخت بني بشر

فأين أنت يا أبا بدر كم سقطنا ألطف من طلّ

واجتمعنا وما درى ظلّي

واسترحنا من كاشح نذل

رب ليل ظفرت بالبدر

ونجوم السماء لم تدر (1) وبنفسي مهفهف ألمى

ومطيع وغرّني لمّا

سألته (2) وقانعي ممّا

في رباط قسمتني صدري

لحنين وناظري بدر وهلال في حسنه اكتملا

هو شمس وأضلعي الحملا

قام يشدو وينثني في ملا (3)

قسماً بالهوى لذي حجر

ما للليل المشوق من فجر (4)

(1) هذا القفل للسان الدين.

(2)

الروضة: يا عفافي، وسقطت اللفظة من ق.

(3)

الروضة: في علا.

(4)

هذا القفل لابن الصابوني.

ص: 73

[من مقطعات المنصور]

ثم عنّ لنا أن نورد هنا جملةً من مقطوعات مولانا السلطان المنصور ممّا تلقيناه عنه أيام كوننا في إيالته الشريفة؛ فمن ذلك قوله رادّاً على من قال في ابن أبي الحديد (1) :

لقد أتى بارداً ثقيلاً

ولم يرث ذاك من بعيد

فهو كما قد علمت شيء

أشهر ما كان في الحديد ما صورته:

لقد أتى صارماً صقيلاً

ولم يرث ذاك من بعيد

شديد بأس متى يعادي

وشدة البأس في الحديد ومن نظمه قوله (2) :

لله تمرٌ طيّبٌ

وافى على البشرى انطوى

يا حسنه مجتمعاً

يحلو لنا بلا نوى وقوله معميّاً في قمر على طريقة الاكتفاء:

معذبي أعجزني نيله

من لي بمن مسكنه في السما

لم أنس إذ قال ألا تكتفي

قلت بمن بالطرف قلبي رمى وقوله:

تبدّى وزند الشوق تقدحه النوى

فتوقد أنفاسي لظاه وتضرم

وهشّ لتوديعي فأعرضت مشفقا

على كبدٍ حرّى وقلبٍ يقسم

(1) قال المقري إنهما لمؤلف " طي الفلك الدائر على المثل السائر " ولكنه لا يتذكر اسمه (الروضة: 47) .

(2)

أكثر هذه المقطعات وردت في روضة الآس: 36 - 52 وفي مناهل الصفا 2: 207 - 214.

ص: 74

ولولا ثواه بالحشا لأهنتها

ولكنّها تُعزى إليه فتكرم

فاعجب لآساد الشرى كيف أحجمت (1)

على أنّه ظبي الكناس ويقدم وقال قدس الله تعالى روحه مورياً:

إنّ يوماً لناظري قد تبدّى

فتملّى من حسنه تكحيلا

قال جفني لصنوه لا تلاقي

إنّ بيني وبين لقياك ميلا وقد تبارى خدّام حضرة هذا السلطان في تخميس هذين البيتين، ومن أشهر ذلك قول الأستاذ الحافظ سيدي أحمد الزموري رحمه الله تعالى، وكان يصلي بالسلطان التراويح:

ورقيب يردّد اللحظ ردّا

ليس يرضى سوى ازديادي بعدا

ساءه الطرف مذ جنى الخدّ وردا

إنّ يوماً لناظري قد تبدّى فتملّى من حسنه تكحيلا

وتصدى من فحشه في استباق

يمنع اللّحظ من جنىً واعتناق

أيأس العين من لحاظ ائتلاق

قال جفني لصنوه لا تلاقي إنّ بيني وبين لقياك ميلا

ومن نظم السلطان المذكور، وهو من أوّليات شعره، قوله في وردة مقلوبة بين يدي محبوبه:

ووردة شفعت لي عند مرتهني

راقت وقد سجدت لفاتر الحدق

كأنّ خضرتها من فوق حمرتها

خال على خده من عنبر عبق وقال أيضاً من أوّلياته:

(1) الروضة: كيف تحجم.

ص: 75

شادن نمّ عليه عرفه (1)

ما خلاصي من سهام كامنه

أحلال فيه أنّي خائف

وغزالي بعد خوفي آمنه وقال في وصف رقيب ملازم:

رقيبي كأنّ الأرض مرآة شخصه

فأين تولّى الطرف مني (2) يراه

مقيم بوجه الوصل حتى كأنّما

وصالي هلالٌ والسواد صداه وقال:

أيا روضةً ضنّت عليّ بزهرها

ولم يتلقّ ناظراي سواك (3)

أبيحي لنفسي من شذاك بقاءها

إذا فت طرفي علّ الآنف يراك وقال أيضاً:

على جدول غطّت عليه بشعرها

لئلا يرى الشمس الرقيبة لي طرف

فبت أرى في جدول بدر وجهها

غريقاً ونقطات العبير به كلف وقال:

طرقت حماه والأسود خوادر

به فتولّى بالظُّبى وهو يبعد

فعلّمت آساد الشرى كيف تقدم

وعلّم غزلان النقا كيف تشرد وقال:

لما نأى المحبوب رقّ لي الدّجى

وأتى يعلّلني برعي كواكبه

أولى غراب البين ردك يا حشا

والبين مزنيّ الصباح كواك به

(1) الروضة: نفحه.

(2)

أقرأ بخطف الياء وجعلها حركة كالكسرة على النون.

(3)

الروضة: سناك.

ص: 76

وقال معميّاً باسم حظيته الشهيرة الحسن والإحسان نسيم:

يا هلالاً طلوعه بين جفني

وغزالاً كناسه بين جنبي

إنّ سهماً رميت غادر همّاً

لو تناهى ما شكّ آخر قلبي ورأيت بخطّه على هذا المحل ما صورته: قولي إنّ سهماً تنصيص، و " غادر همّاً " إسقاط، وهخو إشارة لإسقاط " همّاً " من هذا الاسم، وقولي " لو تناهى " انتقاد، والانتقاد: الإشارة إلى بعض أجزاء الكلمة ليؤخذ جزء الاسم المطلوب، كأن يذكر الوجه أو الصدر أو التاج أو الرأس، ويعني به الحرف الأول من الكلمة، والقلب والجوف والحشا والخصر، ويراد به الوسط، والآخر والمنتهى والختام، ويقصد به آخر الكلمة، فقولي لو تناهى معناه أنّه أخذ لفظة هم غير متناه، فبقيت الميم من همّاً، وقولي ما شك آخر قلبي انتقاد أيضاً، وأردت بآخر قلبي الياء، ويسمى أيضاً التسمية، وهو: أن تذكر الاسم وتريد المسمى، أو تذكر المسمى وتريد الاسم، وقد تم الاسم.

واعلم أنهم لم يشترطوا في استخراج الاسم (1) بطريق التعمية حصولها بحركاتها وسكناتها، بل اكتفوا بحصول الكلمة من غير ملاحظة لهيئاتها الخاصة فإذا وقع ذلك فمن المحسنات، ويسمى العمل " التذييلي (2) ". انتهى كلامه على البيتين في اسم نسيم.

وقال في اسم " غزال " وقد جمع تعميتين ولغزاً:

وأملد مطويّ الحشا زال ردفه

فلا خصر إلاّ إن تصورته وهما (3)

بنصف اسمه يرمي القلوب وعكس ما

بقي أبداً أذن المحبّ به أصمى

(1) الروصة: الكلمة.

(2)

ق: التذييل.

(3)

سقطت اللفظتان من ق، وأثبتناهما من الروضة.

ص: 77

وكتب عليه ما صورته: قولي " أملد " أردت به بعمل الترادف غصن، ومطوي الحشا انتقاد، و " زال ردفه " قضيت به غرضين، أزلت به النون بعمل الإسقاط الباقي بعد طيّ الصاد التي بوسطه، وأثبته - أعني زال - في موضعها: أي النون من غصن، والحال أن الصاد محذوفة، وذلك بعمل الانتقاد، وأوضحت ذلك بقولي فلا خصر وإن كنت لا أحتاج إليه، لئلا يكون في البيت شيء خارج عن التعمية؛ انتهى تفسيره، رحمه الله تعالى.

ويعني بقوله " بنصف اسمه يرمي القلوب " غز؛ لأنّه نصف غزال، ويعني بقوله " وعكس ما بقي إلى آخره " لفظة " لا " لأنهّا مقلوب ما بقي وهو " ال ".

وقال في اسم " سلاف " على منهاج ما تقدم:

وأحور وسنان الجفون كأنّما

سقى لحظه من ريق فيه بقرقف

نضا صارماً لا فلّ صارم لحظه

تزايد فيه منذ سل تلاه في وفسره بقوله: قولي " تلاه في " من طريق التسمية، و " في " من العمل التذييلي وهو أن يأتي بالكلمة بحركاتها وسكناتها، وهي من المحسنات كما سبق.

وقال في اسم " آمنة " من التعمية أيضاً:

من شقائي قنصته وهو خشفٌ

في رضاه عن الملوك ابتدلت (1)

أملد منه مذ تحلّل خصر

وتثنّى عن حبه ما عدلت وكتب عليه ما صورته: قولي " أملد " أردت الألف بعمل التشبيه، وخصر منه انتقاد، وأردت بالخصر وسط لفظة " منه " وتحلله: أن ينحل السكون الذي على النون، وقولي و " تثنى " أي الألف من التثنية، لا التثني، فتم الاسم

(1) الروضة: لم أقل ف أن قلت فات فهمت.

ص: 78

بحركاته وعدده؛ انتهى تفسيره.

وقال وقد لبس منصورية من النوع الذي يقال له قلب حجر، والمنصورية: نوع لبس معروف بالمغرب استخرجه السلطان المذكور وأضافه إلى اسمه:

وصفوا اشتياقي للحبيب وسرّهم

قول الحبيب أنا أنا فيه

قلبي له حجر، فقلت مغالطاً

للعاذل المؤذي أنا فيه قال: وفي هذين البيتين عدة من المحسنات غير التعمية: منها جناس التركيب المسمى بالملفق، وحدّه: بأن يكون كل من الركنين مركباً من كلمتين، وهذا هو الفرق بين الملفق وبين المركب، وقلّ من فرق بينهما، ومنها الانسجام، ومنها الاستخدام. وعهدي بالفقيه علي بن منصور الشيظمي تعرض إلى شرحهما بكراسة. والتعمية في هذين البيتين بالعمل (1) الحسابي وهو كثير، إلاّ أن هذا العمل أحسبني أبا عذرته إذ لم أره لغيري، ومادة التعمية فيه أنا أنافيه، قلبي له حجر فقولي أنا أنافيه معناه أن تضرب أنا في هـ، وقولي في هـ نص في الضرب، ويخرج من هذا مائتان وستون عدد حروف هيماني وحقّك، وقولي قلبي له حجر بعمل القلب يصير رجح فصار المجموع " هيماني وحقّك يرجح "، وفيه التورية، وهيماني وحقك الخارج من هذا الضرب فيه تهكم بالواشي، فهو من المحسنات أيضاً، أعني قوله وحقّك، ويصلح أن تسمى هذه التعمية بالافتنان، لأن الافتنان عندهم: أن يفتن الشاعر فيأتي بفنّين متضادين من فنون الشعر في بيت واحد، وهذا وقع التضاد فيه في كلمة واحدة، فظاهر " أنا أنافيه " يضاد " هيماني " وحقّك يرجح الذي يخرج بطريق الحساب، فافهمه، ويمكن استخراج تعمية أخرى من قولي للعاذل المؤذي " أنا فيه "؛ انتهى.

(1) الروضة: بالعد.

ص: 79

والاستخدام الذي أشار إليه هو في قوله أنا فيه أي في هذا الثوب المسمى بقلب حجر، كما دلت عليه الحكاية، وأمّا المعنى الثاني لقوله أنا فيه فظاهر.

وقال وقد قطف وردة من روض المسرة في زمن النرجس:

وافى بها البستان صنوك وردة

يقضي بها لمّا مطلت وعودا

أهدى البهار مخاجراً وأتى بها

في وقته كيما تكون خدودا

فبعثتها مرتادة بنسيمها

تثني من الروض النضير قدودا وقال:

لي حبيب يأتي بكلّ غريبٍ

هو عندي منكّر ومعرّف

لست أشكو لصيرفيٍّ ونحوي

أنّه بي نحا وفيّ تصرّف

فعله فيّ لازم متعدٍّ

ومزيد مجرّد ومضعّف وقال:

لا وطيف علّم السيف فقد

في قوامٍ كقنا الخط نهد

ووميض لاح لمّا بسمت

فأرتنا منه درّاً أو برد

ما هلال الأفق إلاّ حاسد

منه حسناً وعلاء وغيد

ولذا عاش قليلاً ناحلاً

كيف لا يفنى نحولاً من حسد وقد ضمّن قوله " ما هلال الأفق " أديب زمانه الشيخ إمام الدين الخليلي الوافد على حضرته من بيت المقدس فقال:

قسماً بالبيت والركن الذي

طاب حجّا واستلاماً للأبد

ما هلال الأفق إلا حاسد

منه حسناً وعلاء وغيد وقد اتفق لإمام الدين هذا أنّه اجتمع بالحضرة المنصورية، هو والعقاد المكي

ص: 80

السابق والشريف المدني، وهو رجل وافد من أهل المدينة انتمى إلى الشرف، فقال إمام الدين: يا أمير المؤمنين، إن المساجد الثلاثة التي تشدّ إليها الرحال شدّ أهلها إليك الرحال: هذا مكيّ، وهذا مدنيّ، وأنا مقدسيّ، ثم أنشد (1) :

إنّ أمير المؤمنين أحمد

بحر الندى وفضله لا يجحد

فطيبةٌ ومكةٌ أهلهما

والمسجد الأقصى بذاك شهدوا رجع إلى نظم المنصرو، وقال:

وكيف بقلب في هواه مقلّب

وأنّى له بين الضلوع مقام

فيا شادناً يرعى الحشا أنت بالحشا

أما لمحلٍّ أنت فيه ذمام وقال يخاطب رئيس كتّابه صاحبنا سيدي عبد العزيز الفشتالي السابق الذكر:

يا كاتباً ألفاظه

تغرس (2) روضاً ذا فنن إنّ جوابي للذي يشكو دناه اردد حزن

وقال مورياً بمصانعه الثلاثة: البديع، والمسرة، والمشتهى:

بستان حسنك أبدعت زهراته

ولكم نهيت القلب عنه فما انتهى

وقوام غصنك بالمسرة ينثني

يا حسنه رمانةً للمشتهى ولولا خوف الإطالة المملة لذكرت من محاسن مولانا أمير المؤمنين المنصور - رحمه الله تعالى - بعض ما أؤدي به حقّه، سقى الله تعالى عهاده، وقد بسطت الكلام على السلطان المذكور في كتابي روضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام مراكش وفاس وأطال الكلام على ترجمته صاحبنا

(1) الروضة: 14.

(2)

الروضة: إذا كتب يغرس.

ص: 81

الوزير الكبير الشهيد سيدي عبد العزيز بن محمد الفشتالي في كتابه المسمى بمناهل الصفا في فضائل الشّرفا وعهدي به أكمل منه ثماني مجلدات، وهو مقصور على دولة السلطان المذكور وذويه، وألف كاتب أسراره الرئيس أبو عبد الله محمد بن عيسى فيه كتاباً سمّاه الممدود والمقصور من سنا السلطان المنصور وهذه التسمية وحدها مطربة، رحم الله تعالى الجميع.

رجع إلى التوشيح:

كتب إليّ بعض أذكياء الأصحاب الأعيان موشّحاً يمدحني به في آخره عارض به موشّح لسان الدين السابق الذي أوله:

جادك الغيث إذا الغيث همى

يا زمان الوصل بالأندلس ونصّه:

عطّر الأرجاء لمّا نسما

شمألٌ للصبح عند الغلس

وأتت شمس الضحى تنسخ ما

يقرأ الليل لنا من عبس

طاف بالكأس من الزهر فتى

مولع بالصدّ عني مذ فتي

فتن الألباب لمّا التفتا

واحتسى منه ببعض الشفة

وأنا ما بين حتّى ومتى

صدّه تيه الهوى عن ألفتي

وكؤوس الراح بين النّدما

أرّجت بالعرف أفق المجلس

خمرة صفراء في البلور ما

أشبه الحان بروض النرجس

بادر اللّذة واجمع شملها

بمدام وغلام مطرب

ذي عيون ناعسات كم لها

من فنون السحر ما يلعب بي

وافر الأرداف عانى حملها

ناحل الخصر، وذا من عجب

ص: 82

كلّما أترع كأساً قال ما

أنت بالشاري حياة الأنفس

فابذل الجهد وكن مغتنما

لنفيس النفس طيب الأنفس

فرص الأيام كن منتهزاً

مبتداها قبل حذف الخبر

ورحاب الأنس لج منتجزاً

قبل أن تمضي كلمح البصر

واجن من زهر الهوى محترزاً

من جنايات هجوم الكبر

لا تخف لوماً ويمم حيثما

لاحت اللّذات كالمختلس

ما مضى أنس ووافى مثلما

كان ذا الدهر لنا بالحرس

للرياض اذهب ترى بلبلها

لاشتياق الورد مثل الثّكل

وخدود الورد قد كللها

دمع طلٍّ لاشتياق البلبل

وقدود البان قد قام لها

مانع الوصل بحدّ الأسل

والربى فاحت تحاكي خدما

وعليهن ثياب السندس

جيبها زرّر بالزهر كما

زرّ بالفضة ثوب الأطلس

وجلا الروض لنا أشجاره

مائساتٍ في قباء أخضر

وترى في جيدها نوّاره

يتلالا كعقود الجوهر

خلع الليل به أطماهره

فغدا كالصبح باهي المنظر

وبقاياه زهت فيه أما

في شفاه الغيد حسن اللّعس

كعذار في محيّا علّما

فبدا للغير لا الملتمس

حبّذا الصبوة أيام الصّبا

وعيون الشيب في سهو الوسن

فإذا أيقظها دهرٌ صبا

لصروف حد شفريها وسن

جرّد الشيب لنا بيض الشّبا

واقتفى شرخ شبابٍ وطعن

ص: 83

وغدا الإنسان شيخاً هرماً

واعتراه لاعجٌ من وجس

فات إذ مات فيقضي ندما

واغتنام الوقت شغل الكيّس

لا تدع عمرك يمضي هدرا

أنت إذ ذاك جبانٌ غافل

وارق بالجهد من السؤل الذرا

واجتهد والضرع ضخم حافل

إنّما الأيام أمثال الشّرى

والجريء الشهم ليثٌ باسل

ووحوش الإنس تسعى مغنما

بارداً للأسد المفترس

ترك الوهم وخاض الظّلما

وله العزم أضا كالقبس

ليس يحظى بالمنى إلاّ الذي

كابد الأهوال حتى ظفرا

كان للراحة كالمنتبذ

من وراء الظهر أنّى ظهرا

مثلما قد بات ذا طرف قذي

يقطع الليل جميعاً سهرا

في طلاب العلم حتى علما

أنّه يملا بروح القدس

أحمد الناصب فينا علما

للتقى فاز به من يأتسي

حلّ في مصر وإن كان العلا

قد عفت لما اعتراها في خلل

ورياض الفضل لمّا أن علا

نقع جهل جفّ منهن البلل

ازدرت أغصانها حتى خلا

قاعها من عذب ما يشفي العلل

نفرت إذ حلّ فيها كالسما

وهو بدر بكمال مكتس

حوله الطلاب كالشهب سما

قدرها من نوره المقتبس

أيّها الطالب للعلم اتئد

ليس إلا بابه ينفعكا

إن ترم نيل المرجّى فاجتهد

في اتّباع للذي يرفعكا

علم من يعمل إكسير فزد

منه واترك حاسداً يدفعكا

ص: 84

والزم الأعتاب وانزل بالحمى

خالع الربقة من قول المسي

باعتقاد فاز من قد لثما

نعله والكبر شأن المبلس (1)

مذ خبرت الناس طرّاً نظرا

لمناط الأمر في هذا الزمان

لم أجد إلا مقالاً صدرا

عن دعاوٍ أخلفت عند العيان

غير ما يمليه فانظر لترى

درر الألفاظ في سمط البيان

ببديع النّطق لمّا نظما

بهت المنطيق مثل الأخرس

وأتى يخضع جمع العلما

نحو ذا المقرد في الملتمس

إنّما المجد الرفيع الممتطي

أرؤس الآساد قسراً مثل ذا

يدع المرفوع كالمنهبط

ثم للنازل يعلي منفذا

ناظراً في أمره بالأحوط

خافض الطرف على حرّ القذى

كل من أمّ حماه قد حمى

بحسام العزم هشّ الملمس

فإذا جرّد منه انفصما

جلمد الصخر بذاك الميس

حبّذا المغرب قطراً بالسنا

فضله يبهر بدر الأفق

قطره الشامخ قد أهدى لنا

سيّداً قد فاق شمس المشرق

كلّ من فاتته أسباب المنى

بعلاه للثريا يرتقي

قل لمن يرجو سوى المذكور ما

ينبت الزهر بأرض البيس

لا، ولا النّاس سواء إنّما

رأي من سوّاهم في هوس

لذ بشهمٍ فاز من أمّله

بنوالٍ فاق سحّ الهامل

أثقل السؤدد إذ حمّله

وقر فضل مستبين شامل

وحماه الأمن، من أمّ له

بلغ القصد، فبشرى الآمل

(1) ق: الملبس.

ص: 85

بحره الوافر بالعلم طما

كامل الأمداد لم يحتبس

نال منه الناس حتى عمما

مشرقاً والغرب للأندلس موشّحات لسان الدين بن الخطيب

رجع إلى موشّحات لسان الدين ابن الخطيب، رحمه الله تعالى، فمن المنسوب إلى محاسنه قوله:

قد حرّك الجلجل بازي الصباح

والفجر لاح فيا غراب الليل حثّ الجناح

وهذا مطلع موشّح بديع له لم يحضرني الآن تمامه؛ لكوني تركته وجملة من كلام لسان الدين في كتبي بالمغرب جبرها الله تعالى عليّ، وهو معارض للموشّح الشهير الذي أوله:

بنفسج الليل تذكّى وفاح

بين البطاح كأنه يسقى بمسك وراح

وهذا المنحى هو الذي سلكه الجمال ابن نباتة (1) إذ قال مادحاً لجلال الدين الخطيب رحم الله تعالى الجميع:

ما سحّ محمرُّ دموعي وساح

على الملاح إلاّ وفي قلبي المعنى جراح

بي من بني الأتراك حلو الشّباب

مرّ السّطا

عشقته حين عدمت الصّواب

من الخطا

تشكو حشا الغزلان منه التهاب

إذا عطا

وربما تشكو الغصون اكتئاب

إذا خطا

(1) هو محمد بن محمد بن محمد ابن نباتة الفارقي وله ترجمة مسهبة في الوافي 1: 311 - 331 ولم ترد الموشحة هنالك أو في ديوانه.

ص: 86

ما ماس ذاك الغصن بين الوشاح

إلاّ وراح قول عذولي كلّه في الرياح

آهاً لصبٍّ دمعه حيث كان

دمع أريق

هذا أسير في وجوه الحسان

وذا طليق

أرّق جسمي بالضنّى يوم بان

بدر الفريق

فها أنا اليوم له يا فلان

عبد رقيق

يزيد أجفاني ندى وارتياح

نهي اللّواح مثل جلال الدين يوم السّماح

حبر له في الخلق ذكر جميل (1)

لا يفترى

ماح على غيظ الغمام البخيل

محل الثرى

ما رأت العين له من مثيل

ولا ترى

يوقد في أوطانه للنّزيل

نار القرى

شرارها في الكيس حمر صحاح

لها اقتداح لكنّها في القلب عذبٌ قراح

يا مالك العلم وفيض الندى

جزت المدى

فابقَ وكلّ العالمين الفدا

دع العدا

أنت الذي أصبح غيث الجدا

صبح الهدى

كم يقتفى منك وكم يقتدى

ويجتدى

علم جليّ ونوالٌ صراح

صفو مباح يروي به راوي الرّجا عن رباح

(1) ق: جليل.

ص: 87

ومغرمٍ لا يختشي من رقيب

ولا عذول

معلّق القلب بشجوٍ عجيب

ولا وصول

يسكر لكن بصفات الحبيب

لا بالشّمول

لمّا رنا الظبي وماس القضيب

أضحى يقول

كم ينتضي جفنك وعطفك صفاح

على رماح ما ذي محاسن ذي خزاين سلاح

ومن الموشّحات الصادرة من المشارقة المعارضة للمغاربة قول عثمان البلطي (1) يمدح القاضي الفاضل:

ويلاه من روّاغ

بجوره يقضي

ظبيٌ له إغذاذ

منه الجفا حظّي ولم أقف على تمامها، وقد بارى بها التوشيح المشهور للمغاربة، وهو:

عقارب الأصداغ

في السوسن الغضّ

تسبي تقى من لاذ

بالنسك والوعظ

من قبل أن يعدو

عليّ لم أحسب

أن تخضع الأسد

لجؤذر الربرب

ظبيٌ له خدّ

مفضّضٌ مذهب

وشادن يبدو

في صدغه عقرب

(1) في ق: الملطي والتصويب عن معجم الأدباء (12: 141) وقال نسبة إلى بلط التي تقارب الموصل وذكرها في معجم البلدان بالياء. وعثمان بن عيسى البلطي انتقل إلى دمشق وعلم في الزبداني ولما فتح صلاح الدين مصر انتقل إليها وفيها توفي سنة 599 بعد أن كان يدرس النحو ويقرئ القرآن؛ وقد أورد ياقوت موشحته ص: 147 كما أوردها ابن شاكر في الفوات 2: 67 في ترجمة البلطي.

ص: 88

رقّة زهر الباغ (1)

في جسمه الفضي

وقسوة الأفلاذ

في قلبه الفظّ

مهفهف بدع

أصبحت مغرّى به

قلبي له ربع

لو كنت في قلبه

أصابني صدع

مذ لجّ في عتبه

السّهد والدمع

حظّي من قربه

والعين لا ينساغ

لها جنى الغمض

والدمع ذو إغذاذ

ناهيك من حظّ ومن أحسن ما للمشارقة من التوشيح قول الشهاب العزازي يعارض أحمد ابن حسن الموصلي (2) :

يا ليلة الوصل وكأس العقار

دون استتار علّمتماني كيف خلع العذار

اغتنم اللّذّات قبل الذّهاب

[وجرّ أذيال الصّبا والشّباب](3)

واشرب فقد طابت كؤوس الشراب

على خدود تنبت الجلنار

ذات احمرار طرّزها الحسن بآس العذار

(1) الباغ: الحديقة.

(2)

انظر المنهل الصافي 1: 344 وتوشيع التوشيح: 109.

(3)

سقط هذا الشطر من ق.

ص: 89

الرّاح لا شكّ حياة النفوس

فحلّ منها عاطلات الكؤوس

واستجلها بين الندامى عروس

تجلى على خطّابها في إزار

من النّضار حبابها قام مقام النّثار

أما ترى وجه الهنا قد بدا

وطائر الأشجار قد غرّدا

والروض قد وشّاه قطر الندى

فكمّل اللهو بكأس تدار

على افترار مباسم النوّار غبّ القطار

اجن من الوصل ثمار المنى

وأوصل (1) الكأس بما أمكنا

مع طيّب الريقة حلو الجنى

بمقلة أفتك من ذي الفقار

ذات احورار منصورة الأجفان بالانكسار

زار وقد حلّ عقود الجفا

وافترّ عن ثغر الرضى والوفا

فقلت والوقت لنا قد صفا

يا ليلة أنعم فيها وزار

شمس النهار حيّيت من بين الليالي القصار

(1) المنهل: وواصل.

ص: 90

ويعجبني من موشحات العزازي المذكور قوله (1) :

ما على

من هام وجداً بذوات الحلي

مبتلى

بالحدق السّود وبيض الطّلى

باللّوى

مليّ حسنٍ لديوني لوى

كم نوى

فتلي وكم عذّبني بالنّوى

قد هوى

في حبّه قلبي بحكم الهوى

واصطلى

نار تجنّيه ونار القلى

كيف لا

يذوب من هام بريم الفلا

هل ترى

يجمعنا الدهر ولو في الكرى

أم ترى

عيني محيّا من لجسمي برى

بالسّرى

يا حاديي ركب بليلي سرى

علّلا

قلبي بتذكار اللّقا علّلا

وانزلا

دون الحمى، حيّ الحمى منزلا

بي رشا

دمعي بسرّي في هواه فشا

لو يشا

برّد مني جمرات الحشا

ما مشى

إلاّ انثنى في سكره وانتشى

عطّلا

من الحميّا يا مدير الطّلا

ما حلا

إذا أدار الناظر الأكحلا

(1) المنهل الصافي 1: 345.

ص: 91

هل يلام

من غلب الحب عليه فهام

مستهام

بفاتر اللّحظ رشيق القوام

ذي ابتسام

أحسن نظماً من حباب المدام

لو ملا

من ريقه كأساً لأحيا الملا

أو جلا

وجهاً رأيت القمر المجتلى

لو عفا

قلبك عمّن زلّ أو من هفا

أو صفا

ما كان كالجلمد أو كالصّفا

بالوفا

سل عن فتى عذّبته بالجفا

هل خلا

فؤاده من خطرات الولا

أو سلا

أو خان ذاك الموثق الأوّلا وقوله أيضاً يعارض الموصلي (1) :

ما سلّت الأعين الفواتر

من غمد أجفانها الصفاح

إلا أسالت دم المحاجر

من غير حرب ولا كفاح

تالله ما حرّك السواكن

غير الظّباء الجآذر

لمّا استجاشت بكلّ طاعن

من القدود النواضر

وفوّقت أسهم الكنائن

من كلّ جفنٍ وناظر

عربٌ إذا صحن يا لعامر

بين سرايا من الملاح

طلّت علينا من المحاجر

طلائع تحمل السّلاح

(1) المنهل الصافي 1: 347.

ص: 92

أحبب بما تطلع الجيوب

منها وما تبرز الكلل

من أقمر ما لها مغيب

وأغصنٍ زانها الميل

هيهات أن تعدل القلوب

عنها ولو جارت المقل

لمّا توشحن بالغدائر

سفرن عن أوجه صباح

فانهزم الليل وهو عاثر

بذيله (1) واختفى الصباح

وأهيف ناعم الشمائل

تهزّه نسمة الشّمال

فينثني كالقضيب مائل

كما انثنى شارب ومال

له عذار كالنّدّ سائل

لله كم من دم أسال

شقّت على نبته المراثر

من داخل الأنفس الصحاح

تكل في وصفه الخواطر

وتخرس الألسن الفصاح

ظبيٌ إلى الإنس لا يميل

الشمس والبدر من حلاه

الحسن قالوا ولم يقولوا

مبداه منه ومنتهاه

وطرفه الناعس الكحيل

هيهات من سيفه النّجاه

أذلّ بالسحر كلّ ساحر

فهو له خافض الجناح

يجول في باطن الضمائر

كما يجول القضا المتاح

أما ترى الصبح قد تطلّع

مذ غمضت أعين الغسق

والبدر نحو الغروب أسرع

كهارب ناله فرق

والبررق بين السحاب يلمع

كصارم حين يمتشق

وتحسب الأنجم الزواهر

أسنّة ألقت الرماح

فانهزم النّهر وهو سائر

فدرّعته يد الرياح

(1) المنهل: في ذيله.

ص: 93

وموشحة الموصلي التي عارضها العزازي هي قوله (1) :

رنا بأجفانه الفواتر

لمّا انثنى واحد الملاح

فسل من طرفه بواتر

وهزّ من عطفه رماح

ناظره جرّد المهنّد

وغمده منّي الحشا

وعامل القدّ فهو أملد

يطعن للقلب (2) إن مشى

والعارض القائم المزرد

لفتنة الناس قد نشا

والحاجب القوس، بالفواتر

لنبله في الحشا جراح

ومشرف الصدغ فهو جائر

سلطانه للدما أباح

فجفنه الفاتك الكناني

من ثعل (3) راش لي نبال

وهو الخافجي قد غزاني

ووجهه من بني هلال

عبسيّ لحظٍ له سباني

جسم زبيديّ بالدلال

والردف يدعى من آل عامر

وواضح الصّلت من صباح

وخصره من هشيم (4) ضامر

يدور من حوله وشاح

فوجهه جنّة وكوثر

رضابه العذب لي حلا

والنار في وجنتيه تسعر

حيالها خاله (5) اصطلى

عجبت من خاله المعنبر

إذ يعبد النار كيف لا

(1) المنهل الصافي 1: 350.

(2)

المنهل: في القلب.

(3)

المنهل: من مقل؛ وثعل: قبيلة مشهورة بالرماية.

(4)

المنهل: هتيم.

(5)

ق: والخال خيالها.

ص: 94

يحرق بالنار وهو كافر

وما سقى ريقه القراح

كامل حسنٍ معناه وافر

بسيط وصف كالمسك فاح

ما اخضرّ نبت العذار إلاّ

بآسه سيّج (1) الشقيق

وهو كنمل سعى وولّى

ولم يجد للجنى طريق

من ريقة البدر إذ تجلّى

في هالة العارض الأنيق

لمّا تبدّى بالوجه دائر

وحيّر العقل حين لاح

شقّ على خدّه المرائر

وقطّع الأنفس الصّحاح

وربّ يوم أتى وحيّا

كالشمس والنجم والقمر

بالكأس والراح والمحيّا

ثلاثة تفتن البشر

وقال قم يا نديم هيّا

اقض بنا لذة الوطر

فالخمر تجلى على المزاهر

من اغتباقٍ إلى اصطباح

وطافت الراح بالمجامر

من عنبر الزهر في البطاح وممّا يطربني من الموشحات قول بعضهم (2) :

ما بي شمول

إلاّ شجون مزاجها في الكاس دمع هتون

لله ما بذر

من الدموع

صبّ قد استعبر

من الولوع

أودى به جؤذر

يوم الطّلوع (3)

(1) المنهل: يبهج.

(2)

هذه الموشحة لابن بقي (دار الطراز: 67) .

(3)

دار الطراز: يوم البقيع.

ص: 95

فهو قتيل

لا بل طعينبين الرجا والياس له سنون (1)

جرحت للحين

كفّي بكفّي

وحيل ما بيني

وبين إلفي

لا شكّ بالبين

يكون حتفي

حال الرحيل

ولي ديونإن ردّها العباس فهو الأمين

أما ترى البدرا

بدر السّعود

قد اكتسى خضرا

من البرود

إذا انثنى نضرا

من القدود

أضحى يقول

مت يا حزينقد اكتسى بالآس الياسمين

قلت وقد شرّد

النوم عنّي

وأيأس العوّد

السّقم منّي

صدّ فلمّا صد

قرعت سنّي

جسمي نحيل

لا يستبينيطلبه الجلاّس حيث الأنين

تجاوز الحدّا

قلبي اشتياقا

وكلف السّهدا

من لا أطاقا

قلت وقد مدّا

ليلي رواقا

ليلي طويل

ولا معينيا قلب بعض الناس أما تلين

(1) دار الراز: منون.

ص: 96