المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الكلام على الأمر الثاني - التنبيهات المختصرة شرح الواجبات المتحتمات المعرفة

[إبراهيم الخريصي]

الفصل: ‌الكلام على الأمر الثاني

والآيات والأحاديث في وجوب موالاة المؤمنين كثيرة جدًا.

وهذا على سبيل العموم، أما على سبيل التفصيل وذكر الفرق بين موالاة كامل الإيمان من ناقص الإيمان ونحو ذلك؛ فهو مبسوط في موضعه.

وتكفير من تركه؛ أي: التوحيد، فمن لم ينفرد الله بالعبادة؛ فهو كافر، كائنًا من كان، ولو كان يقوم الليل ويصوم النهار، ومن لم يكفره أو شك في كفره بعد قيام الحجة؛ فهو كافر مثله؛ كما سيأتي الكلام عليه في نواقض الإسلام إن شاء الله تعالى.

ص: 29

‌الكلام على الأمر الثاني

الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله.

أي: الأمر الثاني الذي يبنى عليه الدين هو الإنذار؛ أي: والتحذير الشديد، والنهي الأكيد، والوعيد الشديد.

عن الشرك في عبادة الله تعالى؛ لأن الشرك أعظم ذنب عصي الله به.

والشرك: النصيب، ومنه الحديث المتفق عليه:"من أعتق شركًا له في عبد"؛ أي: نصيبًا، وشاركته: إذا صرت شريكه، وقد أشرك بالله فهو مشرك: إذا جعل له شريكًا والعياذ بالله.

وتعريف الشرك الشامل: هو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.

وله أقسام وأنواع يأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى.

وأول آية أرسل بها النبي صلي الله عليه وسلم، وأول أمر طرق سمعه بالإنذار عن الشرك:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر: 1-2] ؛ أي: عن الشرك بالله تعالى، فدَّل على أن النهي عن الشرك أعظم شيء نهي عنه، وأول ذنب

ص: 29

حذر منه؛ لأنه بدأ به، ولا يبدأ إلا بالأهم فلأهم.

والنذارة عن الشرك مقدم على الدعوة إلى التوحيد؛ لأنه مدلول كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ولأن هذه الآية تقتضي ذلك؛ فإنها بدأت بجانب الشرك؛ لكون العبادة لا تصح مع وجوده؛ لأنه ينافيها، فلو وجدت والمنافي موجود؛ لم تصح، ولم تنفع.

ثم ثنى بالتوحيد بقوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر:3] ؛ أي: عظمه بالتوحيد؛ لأنه أوجب الواجبات، وهو المقصود، ولا يرفع عمل إلا به.

وفي البداءة بالنهي عن الشرك والإنذار عنه آيات كثيرة وأحاديث شهيرة لا تخفى على من له أدنى علم وبصيرة، والله المستعان.

والتغليظ في ذلك؛ أي: في الشرك، والتشديد في النهي عنه وعن أسبابه وذرائعه الموصلة إليه؛ لأنه أظلم الظلم وأبطل الباطل، ومع ذلك؛ فهو هضم للربوبية، وتنقُّص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين جلَّ وعلا وتقدَّس.

والشرك أقبح المعاصي وأشنعها على الإطلاق؛ لأنه يقتضي تسوية المخلوق الناقص من كل وجه بالخالق العظيم الكامل من جميع الوجوه؛ فسبحان الله وتعالى عما يشركون.

ولذلك كانت جميع الذنوب تحت المشيئة؛ إلا الشرك:

كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48] .

وقال تعالى: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة: 72] .

ص: 30

وفي الصحيحين عن أبي مسعود رضي الله عنه؛ قال: قلت: يا رسول الله! أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: " أن تجعل لله ندًا وهو خلقك

" الحديث.

والآيات والأحاديث في التغليظ والتشديد في الشرك وأهله كثيرة جدًا.

والمعاداة فيه؛ أي: في الشرك وأهله.

كما قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] .

فيجب على المسلم أن يبغض أهل الشرك ويعاديهم ويصارمهم ويقاطعهم، سواء كانوا قريبين أم بعيدين؛ فإن القرب إنما هو في الحقيقة قرب الدين لا قرب النسب؛ فالمسلم، ولو كان بعيد الدار؛ فهو أخوك في الدين، والكافر، ولو كان أخاك في النسب؛ فهو عدوك في الدين، وحرام على كل مسلم ومسلمة موالاة الكفار، بل يجب اتخاذهم أعداءً وبغضاء.

وقد نفى الله الإيمان عمن يواد الكفار ويحبهم؛ كما قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ} [المجادلة: 22] .

فلا يجتمع الإيمان ومحبة أعداء الله، بل لا تجد المؤمنين إلا محادِّين من حادَّ الله ورسوله، معادين من عادى الله ورسوله.

وتكفير من فعله؛ أي: الشرك؛ كما تقدم، ومن لم يكفر المشركين أو شكَّ أو توقف في كفرهم؛ فهو كافر مثلهم؛ كما تقدم.

وجميع ما قرَّره الإمام رحمه الله تعالى في الأمر الثاني؛ فهو يقابل ما في

ص: 31

الأمر الأول؛ فالأمر بالتوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له يقابله النهي عن الشرك والإنذار عنه، والتحريض على التوحيد يقابله التغليظ في الشرك

وهكذا، فجزاه الله خيرًا، ونفعنا والمسلمين بعلمه.

وفي أوائل مجموعة التوحيد شرح نفيس جدًا لهذا الأصل، لا يستغني عنه طالب العلم، والله الموفق

ص: 32