المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

كقوله: (هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) . - تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث - جـ ٣

[ابن جرير الطبري]

الفصل: كقوله: (هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) .

كقوله: (هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) . [سورة المرسلات: 35-36]

* * *

القول في تأويل قوله عز وجل: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‌

(163) }

قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى معنى"الألوهية"، وأنها اعتباد الخلق. (1)

فمعنى قوله:"وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إلهَ إلا هو الرحمن الرحيم": والذي يستحق عَليكم أيها الناس الطاعةَ له، ويستوجب منكم العبادة، معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحد، فلا تعبدوا غيرَه، ولا تشركوا معه سواه، فإنّ من تُشركونه معه في عبادتكم إياه، هو خَلقٌ من خلق إلهكم مثلكم، وإلهكم إله واحد، لا مثلَ لهُ وَلا نَظير.

* * *

واختُلِف في معنى وَحدانيته تعالى ذكره،

فقال بعضهم: معنى وحدانية الله، معنى نَفي الأشباه والأمثال عنه، كما يقال:"فلان واحدُ الناس - وهو وَاحد قومه"، يعني بذلك أنه ليسَ له في الناس مثل، ولا له في قومه شبيه ولا نظيرٌ. فكذلك معنى قول:"اللهُ واحد"، يعني به: الله لا مثل له ولا نظير.

فزعموا أن الذي دلَّهم على صحة تأويلهم ذلك، أنّ قول القائل:"واحد" يفهم لمعان أربعة. أحدها: أن يكون"واحدًا" من جنس، كالإنسان"الواحد" من الإنس. والآخر: أن يكون غير متفرِّق، كالجزء الذي لا ينقسم. (2) والثالث:

(1) انظر ما سلف 1: 122-126.

(2)

في المطبوعة: "غير متصرف"، وهو تصحيف، والصواب ما أثبت.

ص: 265

أن يكون معنيًّا به: المِثلُ والاتفاق، كقول القائل:"هذان الشيئان واحد"، يراد بذلك: أنهما متشابهان، حتى صارَا لاشتباههما في المعاني كالشيء الواحد.

والرابع: أن يكون مرادًا به نفي النظير عنه والشبيه.

قالوا: فلما كانت المعاني الثلاثةُ من معاني"الواحد" منتفيةً عنه، صح المعنى الرابع الذي وَصَفناه.

* * *

وقال آخرون: معنى"وحدانيته" تعالى ذكره، معنى انفراده من الأشياء، وانفراد الأشياء منه. قالوا: وإنما كان منفردًا وحده، لأنه غير داخل في شيء ولا داخلٌ فيه شيء. قالوا: ولا صحة لقول القائل:"واحد"، من جميع الأشياء إلا ذلك. وأنكر قائلو هذه المقالة المعاني الأربعةَ التي قالها الآخرون.

* * *

وأما قوله:"لا إله إلا هو"، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيرُه، ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه، وأنّ كلّ ما سواه فهُم خَلقه، والواجبُ على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجْر الأوثان والأصنام. لأنّ جميع ذلك خلقُه، وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهة، ولا تَنبغي الألوهة إلا له، إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه، دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك؛ (1) وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه، وأن ما أشركوا معه من الأشراك لا يضر ولا ينفعُ في عاجل ولا في آجل، ولا في دنيا ولا في آخرة.

وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهلَ الشرك به على ضلالهم، ودعاءٌ منه لهم إلى الأوبة من كفرهم، والإنابة من شركهم.

(1) الأشراك جمع شريك، كما يقال: شريف وأشراف، ونصير وأنصار، ويجمع أيضًا على"شركاء".

ص: 266

ثم عرَّفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها، موضعَ استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبَّههم عليه من توحيده وحُججه الواضحة القاطعة عُذرَهم، فقال تعالى ذكره: أيها المشركون، إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر: من أنّ إلهكم إله واحد، دونَ ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان، فتدبروا حُججي وفكروا فيها، فإن من حُججي خَلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلكُ التي تجري في البحر بما يَنفعُ الناس، وما أنزلت من السماء من ماء فأحييت به الأرض بعد موتها، وما بثثتُ فيها من كل دابة، والسحاب الذي سَخرته بين السماء والأرض. فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به، إذا اجتمع جميعه فتظاهرَ أو انفرد بعضُه دون بعض، يقدر على أن يخلق نظيرَ شيء من خَلقي الذي سميتُ لكم، فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذ عذرٌ، وإلا فلا عُذر لكم في اتخاذ إله سواي، ولا إله لكم ولما تعبدون غَيري. فليتدبر أولو الألباب إيجازَ الله احتجاجَه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده، في هذه الآية وفي التي بعدها، بأوْجز كلام، وأبلغ حجة وألطف معنى يشرف بهم على مَعرفة فضْل حكمة الله وبَيانه.

* * *

ص: 267

القول في المعنى الذي من أجله أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}

* * *

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نَبيّه محمد صلى الله عليه وسلم.

* * *

ص: 267

فقال بعضهم: أنزلها عليه احتجاجًا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان. وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"وإلهكم إله واحد لا إله إلا هُو الرحمنُ الرحيم" فتلا ذلك عَلى أصحابه، وسمع به المشركون مِنْ عبدة الأوثان، قال المشركون: وما الحجة والبرهان على أنّ ذلك كذلك؟ ونحن نُنكر ذلك، ونحن نزعم أنّ لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله عند ذلك:"إن في خَلق السموات والأرض"، احتجاجًا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الذين قالوا مَا ذَكرنَا عَنهم.

* ذكر من قال ذلك:

2398-

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة:"وإلهكم إله واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم"، فقال كفار قريش بمكة: كيف يَسعُ الناسَ إله واحد؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"إنّ في خَلق السموَات والأرض واختلاف الليل والنهار"، إلى قوله:"لآياتٍ لقوم يَعقلون"، فبهذا تعلمُون أنه إله واحدٌ، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.

* * *

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم، من أجل أنّ أهلَ الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم [آية] ، (1) فأنزل الله هذه الآية، يعلمهم فيها أنّ لهم في خَلق السموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك، آيةً بينةً على وحدانية الله، وأنه لا شريك له في ملكه، لمن عَقل وتدبَّر ذلك بفهم صحيح.

* ذكر من قال ذلك:

2399-

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه،

(1) الزيادة بين القوسين لا يتم الكلام إلا بها، ويدل عليها ما سيأتي في الآثار بعد.

ص: 268

عن أبي الضحى قال: لما نزلت"وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم"، قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية! فأنزل الله تعالى ذكره:"إن في خلق السموات والأرض وَاختلاف الليل والنهار"، الآية.

2400-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال حدثني سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى قال: لما نزلت:"وإلهكم إله واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم"، قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية، فأنزل الله تعالى ذكره:"إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار"، الآية.

2401-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال، حدثني سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى قال: لما نزلت هذه الآية، جعل المشركون يعجبون ويقولون: تقول إلهكم إله واحدٌ، فلتأتنا بآية إن كنتَ من الصادقين! فأنزل الله:"إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار"، الآية.

2402-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أرِنا آية! فنزلت هذه الآية:"إنّ في خلق السموات والأرض".

2403-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد قال: سألت قريش اليهودَ فقالوا: حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات! فحدثوهم بالعصَا وبيده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الآيات، فأخبروهم أنه كان يُبرئ الأكمهَ والأبرصَ ويُحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: ادعُ الله أن يجعل لَنا الصفا ذَهبًا، فنزداد يقينًا، ونتقوَّى به على عدوّنا. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه، فأوحى إليه:

ص: 269

إنّي مُعطيهم، فأجعلُ لهم الصفا ذهبًا، ولكن إن كذَّبوا عذّبتهم عذابًا لم أعذبه أحدًا من العالمين.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذَرني وقَومي فأدعوهم يومًا بيوم. فأنزل الله عليه:"إنّ في خَلق السموات والأرض"، الآية: إن في ذَلك لآية لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبًا، فخلق الله السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، أعظمُ من أن أجعل لهم الصفا ذهبًا ليزدادوا يقينًا.

2404-

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار"، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم:(1) غيِّر لنا الصفا ذهبًا إن كنت صادقًا أنه منه! فقال الله: إنّ في هذه الآيات لآياتٍ لقوم يعقلون. وقال: قد سأل الآيات قومٌ قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين.

* * *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنّ الله تعالى ذكره نَبَّه عباده = على الدلالة على وَحدانيته وتفرده بالألوهية، دون كل ما سواه من الأشياء = بهذه الآية. وجائزٌ أن تكون نزلت فيما قاله عطاء، وجائزٌ أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى، ولا خبرَ عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذرَ، فيجوز أن يقضيَ أحدٌ لأحد الفريقين بصحة قولٍ على الآخر. وأيُّ القولين كان صحيحًا، فالمراد من الآية ما قلت.

* * *

(1) في المطبوعة: "فقال المشركون للنبي. . . "، والصواب طرح هذه الفاء.

ص: 270

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"إنّ في خَلق السموات والأرض"، إن في إنشاء السموات والأرض وابتداعهما.

* * *

ومعنى"خلق" الله الأشياء: ابتداعه وإيجاده إياها، بعد أن لم تكن موجودة.

وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل:"الأرض"، ولم تجمع كما جُمعت السموات، فأغنى ذلك عن إعادته (1)

* * *

فإن قال لنا قائل: وهل للسموات والأرض خلقٌ هو غيرُها فيقال:"إنّ في خلق السموات والأرض"؟

قيل: قد اختلف في ذلك. فقال بعض الناس: لها خَلقٌ هو غيرها. واعتلُّوا في ذلك بهذه الآية، وبالتي في سورة: الكهف: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ)[سورة الكهف: 51] وقالوا: لم يخلق الله شيئًا إلا والله له مريدٌ. قالوا: فالأشياء كانت بإرادة الله، والإرادة خلق لها.

* * *

(1) انظر ما سلف 1: 431-437.

ص: 271

وقال آخرون: خلق الشيء صفة له، لا هي هو، ولا غيرُه. قالوا: لو كان غيرُه لوجب أن يكون مثله موصوفًا. قالوا: ولو جاز أن يكون خَلقُه غيرَه، وأن يكون موصوفًا، لوجب أن تكون له صفة هي له خَلق. ولو وجب ذلك كذلك، لم يكن لذلك نهاية. قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفة للشيء. قالوا: فخلق السموات والأرض صفة لهما، على ما وصفنا. واعتلُّوا أيضًا -بأن للشيء خلقًا ليس هو به- من كتاب الله بنحو الذي اعتلّ به الأولون.

* * *

وقال آخرون: خَلق السموات والأرض، وخلق كل مخلوق، هو ذلك الشيء بعينه لا غيره.

فمعنى قوله:"إن في خلق السموات والأرض": إنّ في السموات والأرض. (1)

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"واختلاف الليل والنهار"، وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس.

* * *

وإنما"الاختلاف" في هذا الموضع"الافتعال" من"خُلوف" كل واحد منهما الآخر، (2) كما قال تعالى ذكره:(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)[سورة الفرقان: 62] .

بمعنى: أن كل واحد منهما يخلف مَكان صاحبه، إذا ذهب الليل جَاء النهارُ بعده، وإذا ذهب النهارُ جاء الليل خلفه. ومن ذلك قيل:"خلف فلانٌ فلانًا في أهله بسوء"، ومنه قول زهير:

بِهَا العِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً

وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَم (3)

* * *

(1) لم يتبع أبو جعفر في هذا الموضع ما درج عليه من ترجيح القول الذي يختاره. وهذا مما يدل على ما ذهبنا إليه، أنه كان يختصر كلامه أحيانًا، مخافة الإطالة. هذا إذا لم يكن في المخطوطات خرم أو اختصار من ناسخ أو كاتب.

(2)

"خلوف" مصدر"خلف"، ولم أجده في كتب اللغة، ولكنه عربي معرق في قياسه.

(3)

ديوانه: من معلقته العتيقة. والهاء في"بها" إلى"ديار أم أوفى" صاحبته. والعين جمع عيناء: وهي بقر الوحش، واسعة العيون جميلتها. والآرام جمع رئم: وهي الظباء الخوالص البياض، تسكن الرمل. "خلفة" إذا جاء منها فوج ذهب آخر يخلفه مكانه. يصف مجيئها وذهوبها في براح هذه الرملة. والأطلاء جمع طلا: وهو ولد البقرة والظبية الصغير. ويصف الصغار من أولاد البقر والظباء في هذه الرملة، وقد نهض هذا وذاك منها من موضع جثومه. يصف اختلاف الحركة في هذه الفقرة المهجورة التي فارقتها أم أوفى، وقد وقف بها من بعد عشرين حجة -، كما ذكر.

ص: 272

وأما"الليل". فإنه جَمْع"ليلة"، نظيرُ"التمر" الذي هو جمع"تمرة". وقد يجمع"ليالٍ"، فيزيدون في جَمعها ما لم يكن في واحدتها. وزيادتهم"الياء" في ذلك نظير زيادتهم إياها في"ربَاعية وثَمانية وكرَاهية".

* * *

وأما"النهار"، فإنّ العرب لا تكاد تجمعه، لأنه بمنزلة الضوء. وقد سمع في جَمعه"النُّهُر"، قال الشاعر:

لَوْلا الثّرِيدانِ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ

ثَرِيدُ لَيْلٍ وثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ (1)

ءولو قيل في جمع قليله"أنهِرَة" كان قياسًا.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: إنّ في الفلك التي تجري في البحر.

* * *

و"الفلك" هو السُّفن، واحدُه وجمعه بلفظ واحد، ويذكَّر ويؤنث، كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى:(وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)[سورة يس: 41] ، فذكَّره.

* * *

وقد قال في هذه الآية:"والفلك التي تجري في البحر"، وهي مُجْراة، لأنها

(1) تهذيب الألفاظ: 422، والمخصص 9: 51، واللسان (نهر)، والأزمنة والأمكنة 1: 77، 155 وغيرها. ورواية اللسان والمخصص"لمتنا بالضمر". والضمر (بضم الميم وسكونها) مثل العسر والعسر: الهزال ولحاق البطن من الجوع وغيره. والثريد: خبز يهشم ويبل بماء القدر ويغمس فيه حتى يلين.

ص: 273

إذا أجريت فهي"الجارية"، فأضيف إليها من الصفة ما هو لها. (1)

* * *

وأما قوله:"بما ينفع الناس"، فإن معناه: ينفعُ الناسَ في البحر.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وما أنزل اللهُ من السماء من مَاء"، وفيما أنزلهُ الله من السماء من ماء، وهو المطر الذي يُنزله الله من السماء.

وقوله:"فأحيا به الأرضَ بَعدَ موتها"، وإحياؤها: عمارَتُها، وإخراج نباتها. و"الهاء" التي في"به" عائدة على"الماء" و"الهاء والألف" في قوله:"بعد موتها" على الأرض.

و"موت الأرض"، خرابها، ودُثور عمارتها، وانقطاعُ نباتها، الذي هو للعباد أقواتٌ، وللأنام أرزاقٌ.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}

قال أبو جعفر: بعني تعالى ذكره بقوله:"وبث فيها منْ كلّ دَابة"، وإن فيما بثّ في الأرض من دابة.

* * *

(1) انظر ما سلف 1: 196.

ص: 274

ومعنى قوله:"وبَث فيها"، وفرَّقَ فيها، من قول القائل:"بث الأميرُ سراياه"، يعنى: فرَّق.

و"الهاء والألف" في قوله:"فيها"، عائدتان على"الأرض".

* * *

"والدابة""الفاعلة"، من قول القائل:"دبَّت الدابة تدبُّ دبيبًا فهي دابة"."والدابة"، اسم لكل ذي رُوح كان غير طائر بجناحيه، لدبيبه على الأرض.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وتصريف الرياح"، وفي تصريفه الرياح، فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول، كما تقول:(1)"يعجبني إكرام أخيك"، تريد: إكرامُك أخَاك.

* * *

"وتصريف" الله إياها، أنْ يُرسلها مَرَّة لَواقحَ، ومرة يجعلها عَقيما، ويبعثها عذابًا تُدمِّر كل شيء بأمر ربها، كما:-

2405-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وتصريف الرياح والسحاب المسخر" قال، قادرٌ والله ربُّنا على ذلك، إذا شَاء [جعلها رَحمةً لواقح للسحاب ونشرًا بين يدي رحمته، وإذا شاء] جَعلها عذابًا ريحًا عقيمًا لا تُلقح، إنما هي عَذابٌ على من أرسِلتْ عليه. (2)

* * *

(1) في المطبوعة: "كما قال: يعجبني. . يريد"، والصواب ما أثبت.

(2)

الزيادة بين القوسين من نص الدر المنثور 1: 164، من نص تفسير قتادة الذي أخرجه الطبري.

ص: 275

وزعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله:"وتصريف الرياح"، أنها تأتي مَرّة جنوبًا وشمالا وقبولا ودَبورًا. ثم قال: وذلك تصريفها. (1) وهذه الصفة التي وَصَفَ الرياح بها، صفة تصرُّفها لا صفة تصريفها، لأن"تصريفها" تصريفُ الله لها،"وتصرفها" اختلافُ هُبوبها.

وقد يجوز أن يكون معنى قوله:"وتصريف الرياح"، تصريفُ الله تعالى ذكره هبوب الريح باختلاف مَهابِّها.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) }

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"والسحاب المسخر"، وفي السحاب، جمع"سحابة". يدل على ذلك قوله تعالى ذكره:(وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ)[سورة الرعد: 12] فوحّد المسخر وذكره، كما قالوا:"هذه تَمرة وهذا تمر كثير". في جمعه،"وهذه نخلة وهذا نخل". (2)

وإنما قيل للسحاب"سحاب" إن شاء الله، لجر بعضه بعضًا وسَحبه إياه، من قول القائل:"مرّ فلان يَجر ذَيله"، يعني:"يسحبه".

* * *

فأما معنى قوله:"لآيات"، فإنه عَلامات ودلالاتٌ على أن خالق ذلك كلِّه ومنشئه، إله واحدٌ. (3)

* * *

(1) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 97.

(2)

في المطبوعة: "كما قال: هذه ثمرة. . . "، والصواب ما أثبته.

(3)

انظر معنى"آية" فيما سلف 1: 106، وفهارس اللغة. وقد ترك الطبري تفسيره"المسخر"، وكأن في الأصول اختصارًا من ناسخ أو كاتب، إن لم يكن من الطبري نفسه، كما أشرت إليه فيما مضى.

ص: 276

"لقوم يعقلون"، لمن عَقل مَوَاضع الحجج، وفهم عن الله أدلته على وحدانيته. فأعلم تعالى ذكره عبادَه، بأنّ الأدلة والحجج إنما وُضعت مُعتبَرًا لذوي العقول والتمييز، دون غيرهم من الخلق، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي، والمكلفين بالطاعة والعبادة، ولهم الثواب، وعليهم العقاب.

* * *

فإن قال قائل: وكيف احتج على أهل الكفر بقوله:"إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار" الآية، في توحيد الله؟ وقد علمت أنّ أصنافًا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السموات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقةً؟

قيل: إنّ إنكار من أنكر ذلك غيرُ دافع أن يكون جميعُ ما ذكرَ تعالى ذكره في هذه الآية، دليلا على خالقه وصانعه، وأنّ له مدبرًا لا يشبهه [شيء] ، وبارئًا لا مِثْل له. (1) وذلك وإن كان كذلك، فإن الله إنما حَاجَّ بذلك قومًا كانوا مُقرِّين بأنّ الله خالقهم، غير أنهم يُشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان. (2) فحاجَّهم تعالى ذكره فقال -إذ أنكروا قوله:"وإلهكم إلهٌ واحد"، وزعموا أن له شُركاء من الآلهة-:[إن إلهكم الذي خلق السموات وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما. وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر](3) وذلك هو معنى قوله:"والفلك التي تجري في البحر بما

(1) الزيادة بين القوسين لا بد منها هنا.

(2)

انظر ما سلف في 1: 371، والرد على من ظن أن العرب كانت غير مقرة بالوحدانية.

(3)

هذه الجملة قد سقط منها شيء كثير، فاختلت واضطربت، وكأن صوابها ما يأتي:[إنّ إلهكم الذي خلق لَكم السَّموَات والأرض، فخلق الأرض وقَدّر لكم فيها أرزاقكم وأقواتكم، وخلق السَّمَوات وأجرى فيها الشمس والقمر دائبين في سيرهما - وذلك هو معنى: (واختلاف الليل والنهار) -وخلق الرياح التي تسوق السفن التي تحملكم فتجريها في البحر لتبتغوا من فضله]-

ص: 277

ينفع الناس" - وأنزل إليكم الغيثَ من السماء، فأخصب به جنابكم بعد جُدوبه، وأمرعه بعد دُثوره، فَنَعَشكم به بعد قُنوطكم (1) -، وذلك هو معنى قوله:"وَمَا أنزل الله من السماء من مَاء فأحيا به الأرض بعد موتها" - وسخَّر لكم الأنعام فيها لكمْ مطاعمُ ومَآكل، ومنها جمالٌ ومراكبُ، ومنها أثاث وملابس - وذلك هو معنى قوله:"وبث فيها من كل دابة" - وأرْسل لكم الرياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم، وسيَّر لكم السحاب الذي بَودَقْه حَياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم - وذلك هو معنى قوله:"وتصريف الرياح والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض".

فأخبرهم أنّ إلههم هو الله الذي أنعمَ عليهم بهذه النعم، وتفرَّد لهم بها. ثم قال: هل من شُركائكم مَن يفعل مِنْ ذلكم من شيء، فتشركوه في عبادتكم إياي، وتجعلوه لي نِدًّا وعِدلا؟ فإن لم يكن من شُركائكم مَنْ يفعل مِنْ ذلكم مِن شيء، ففي الذي عَددت عليكم من نعمتي، وتفردت لكم بأياديّ، دلالاتٌ لكم إن كنتم تَعقلون مواقعَ الحق والباطل، والجور والإنصاف. وذلك أنّى لكم بالإحسان إليكم متفرِّد دون غيري، وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إياي أندادًا. فهذا هو معنى الآية.

* * *

والذين ذُكِّروا بهذه الآية واحتج عليهم بها، هم القوم الذين وصفتُ صفتهم، دون المعطِّلة والدُّهْرية، وإن كان في أصغر ما عدَّ الله في هذه الآية، من الحجج البالغة، المَقْنَعُ لجميع الأنام، تركنا البيان عنه، كراهة إطالة الكتاب بذكره.

(1) أمرع الأرض: صيرها خصبة بعد الجدب. والدثور: الدروس، يريد خرابها وانمحاء آثار عمارتها من النبات وغيره. وكان في المطبوعة:"فينعثكم"، والصواب ما أثبت. ونعشه الله ينعشه: رفعه وتداركه برحمته.

ص: 278

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أنّ من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا له =

وقد بينا فيما مضى أن"الندّ"، العدل، بما يدل على ذلك من الشواهد، فكرهنا إعادته. (1)

* * *

= وأن الذين اتخذوا هذه"الأنداد" من دُون الله، يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله. ثم أخبرَهم أن المؤمنين أشد حبًا لله، من متخذي هذه الأنداد لأندادهم.

* * *

واختلف أهل التأويل في"الأنداد" التي كان القوم اتخذوها. وما هي؟

* * *

فقال بعضهم: هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.

* ذكر من قال ذلك.

2406-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله:"ومن الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله"، من الكفار لأوثانهم.

2407-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى ذكره:"يحبونهم كحب الله"، مباهاةً ومُضاهاةً للحقّ بالأنداد،"والذين آمنوا أشد حبًا لله"، من الكفار لأوثانهم.

2408-

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

(1) انظر ما سلف 1: 368-370.

ص: 279

2409-

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"ومن الناس من يتخذُ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله" قال، هي الآلهة التي تُعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانهم كحب الله،"والذين آمنوا أشد حبًا لله"، أي من الكفار لأوثانهم.

2410-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ومنَ الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله" قال، هؤلاء المشركون. أندادُهم: آلهتهم التي عَبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله من حبهم هم آلهتُهم.

* * *

وقال آخرون: بل"الأنداد" في هذا الموضع، إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى ذكره.

* ذكر من قال ذلك:

2411-

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ومنَ الناس من يَتخذ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله" قال، الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوا الله. (1)

* * *

فإن قال قائل: وكيف قيل:"كحب الله"؟ وهل يحب الله الأنداد؟ وهل كان مُتخذو الأنداد يحبون الله، فيقال:"يُحيونهم كحب الله"؟

قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه، وإنما ذلك نظير قول القائل:(2)"بعت غُلامي كبيع غلامِك"، بمعنى: بعته كما بيع غلامك، وكبيْعك

(1) الأثر: 2411- في المطبوعة: "حدثني موسى قال حدثنا أسباط"، أسقط منه"قال حدثنا عمرو"، وهو إسناد دائر في التفسير، أقر به رقم:2404. ثم انظر ص: 288 س: 11 فسيأتي تأويله وبيانه عن قول السدي.

(2)

في المطبوعة: "وإنما نظير ذلك"، وأثبت أولى العبارتين بالسياق والمعنى.

ص: 280

غُلامَك،"واستوفيتُ حَقي منه استيفاء حَقك"، بمعنى: استيفائك حقك، فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطَب، اكتفاء بكنايته في"الغلام" و"الحق"، كما قال الشاعر:

فَلَسْتُ مُسَلِّمًا مَا دُمْتُ حَيَّا

عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيم الأمِيرِ (1)

يعنى بذلك: كما يُسلَّم على الأمير.

* * *

فمعنى الكلام إذًا: ومنَ الناس من يتخذ، أيها المؤمنون، من دون الله أندادًا يحبونهم كحبكُم الله. (2)

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) }

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأه عامة أهل المدينة والشأم:"ولوْ ترى الذين ظَلموا" بالتاء"إذ يَرون العذابَ" بالياء"أن القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب" بفتح"أنّ" و"أنّ" كلتيهما - بمعنى: ولو ترى يا محمد

(1) لم أعرف قائله. وسيأتي في هذا الجزء 3: 311، وهو من أبيات أربعة في البيان والتبيين 4: 51، ومعاني القرآن للفراء 1: 100، وأمالي الشريف 1:215. وبعد البيت: أَميرٌ يأكُلُ الفَالُوذَ سِرًّا

ويُطْعِمُ ضيفَهُ خُبْزَ الشَّعِير!

أتذكُرُ إذْ قَبَاؤك جلْدُ شاةٍ

وَإِذْ نَعْلَاكَ من جِلْدِ البَعِيرِ?

فسُبْحان الذي أعطاك مُلْكًا

وعَلَّمك الجلوسَ على السَّرِير!!

(2)

في المطبوعة: "كحب الله"، وليس هذا تفسيرًا على سياق كلامه وتفسيره، بل هو نص الآية، والصواب ما أثبت.

ص: 281

الذين كفروا وَظَلموا أنفسهم، حينَ يَرون عذابَ الله ويعاينونه"أنّ القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب".

ثم في نصَبْ"أنّ" و"أنّ" في هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تُفتح بالمحذوف من الكلام الذي هو مطلوب فيه، فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولو ترى يَا محمد الذين ظلموا إذ يرون عذاب الله، لأقروا -ومعنى ترى: تبصر- أن القوة لله جميعًا، وأنّ الله شديد العذاب. ويكون الجواب حينئذ -إذا فتحت"أن" على هذا الوجه- متروكًا، قد اكتفى بدلالة الكلام عليه، ويكون المعنى ما وصفت. فهذا أحد وجهي فتح"أن"، على قراءة من قرأ:"ولو ترى" ب"التاء".

والوجهُ الآخر في الفتح: أن يكون معناه: ولو ترى، يا محمد، إذ

ص: 282

يَرى الذين ظلموا عذابَ الله، لأن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب، لعلمت مبلغ عذاب الله. ثم تحذف"اللام"، فتفتح بذلك المعنى، لدلالة الكلام عليها.

* * *

وقرأ ذلك آخرون من سَلف القراء:"ولو تَرى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب إن القوة لله جميعًا وإن الله شديدُ العذاب". بمعنى: ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا حين يعاينون عذابَ الله، لعلمت الحال التي يصيرون إليها. ثم أخبر تعالى ذكره خبرًا مبتدأ عن قدرته وسلطانه، بعد تمام الخبر الأول فقال:"إن القوة لله جميعًا" في الدنيا والآخرة، دون من سواه من الأنداد والآلهة،"وإن الله شديد العذاب" لمن أشرك به، وادعى معه شُركاء، وجعل له ندًا.

* * *

وقد يحتمل وجهًا آخر في قراءة من كسر"إن" في"ترى" بالتاء. وهو أن يكون معناه: ولو ترَى، يا محمد الذين ظلموا إذ يرون العذابَ يقولون: إنّ القوة لله جميعًا وإنّ الله شديد العذاب. ثمّ تحذفُ"القول" وتَكتفي منه بالمقول.

* * *

وقرأ ذلك آخرون:"ولو يَرَى الذين ظلموا" بالياء"إذ يَرَون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شَديدُ العذاب" بفتح"الألف" من"أنّ""وأنّ"، بمعنى: ولو يرى الذين ظلموا عذابَ الله الذي أعد لهم في جهنم، لعلموا حين يَرونه فيعاينونه أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب، إذ يرون العذاب. فتكون"أن" الأولى منصوبة لتعلقها بجواب"لو" المحذوف، ويكون الجواب متروكًا، وتكون الثانية معطوفة على الأولى. وهذه قراءة عامة القرّاء الكوفيين والبصريين وأهل مكة.

* * *

وقد زعم بعض نحويي البصرة أنّ تأويل قراءة من قرأ:"ولو يَرَى الذين ظلموا إذ يرون العذابَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب" بالياء في"يرى" وفتح"الألفين" في"أن""وأن"-: ولو يعلمون، (1) لأنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عَلم، فإذا قال:"ولو ترى"، فإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم.

ولو كسر"إنّ" على الابتداء، إذا قال:"ولو يرى" جاز، لأن"لو يرى"، لو يعلم.

وقد تكون"لو" في معنى لا يَحتاج معها إلى شيء. (2) تقول للرجل:"أمَا وَالله لو يعلم، ولو تعلم"(3) كما قال الشاعر: (4)

إنْ يكُنْ طِبَّكِ الدّلالُ، فلَوْ فِي

سَالِفِ الدَّهْرِ والسِّنِينَ الخَوَالِي! (5)

(1) يريد أن"يرى" بمعنى: يعلم. وقاله أبو عبيدة في مجاز القرآن: 62.

(2)

في المطبوعة: "وقد تكون"لو يعلم" في معنى لا يحتاج. . . "، والصواب حذف"يعلم" فإنه أراد"لو" وحدها، وذلك ظاهر في استدلاله بعد.

(3)

في المطبوعة: "لو يعلم" في الموضعين، والصواب جعل إحداهما بالياء. والأخرى بالتاء.

(4)

هو عبيد بن الأبرص.

(5)

ديوانه: 37، من قصيدة جيدة يعاتب امرأته وقد عزمت على فراقه، وقبله: تلكَ عِرْسِي تَرُومُ قِدْمًا زِيَالِي

أَلِبَيْنٍ تُرِيد أَمْ لِدَلَالِ?

والزيال: المفارقة. وقوله: "طبك"، أي شهوتك وإرادتك وبغيتك. يقول لها: إن كنت الدلال على تبغين وترومين، فقد مضى حين ذلك، أيام كنا شبابًا في سالف دهرنا وليالينا الخوالي! إذ-: أنْت بَيْضَاءُ كالمهاة، وإِذْا

آتِيكِ نَشْوَانَ مُرْخِيًا أَذْيالِي

ص: 283

هذا ليس له جواب إلا في المعنى، وقال الشاعر (1)

وَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ، وَلا

تَذْهَبْ بِكَ التُّرَّهَاتُ فِي الأهْوَالِ (2)

فأضمر: فعيشي. (3)

قال: وقرأ بعضهم:"ولو تَرى"، وفتح"أن" على"ترى". وليس بذلك، (4) لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم، ولكن أراد أن يعلم ذلك الناسُ، كما قال تعالى ذكره:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)[سورة السجدة: 3] ، ليخبر الناس عن جهلهم، وكما قال:(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ)[سورة البقرة: 107] . (5)

* * *

قال أبو جعفر: وأنكر قوم أن تكون"أنّ" عاملا فيها قوله:"ولو يرى". وقالوا: إنّ الذين ظلموا قَد علموا حين يَرون العذاب أن القوة لله جميعًا، فلا وجه لمن تأوَّل ذلك: ولو يَرى الذين ظلموا أنّ القوة لله. وقالوا: إنما عمل في"أن" جواب"لو" الذي هو بمعنى"العلم"، لتقدم"العلم" الأول. (6)

* * *

(1) هو عبيد بن الأبرص أيضًا من قصيدته السالفة.

(2)

ديوانه: 37، وسيأتي في التفسير 7: 117، وهو في الموضعين مصحف. كان هنا"وبحظ ما تعيش". قال لها ذلك بعد أن ذكر أنها زعمت أنه كبر وقل ماله، وضن عنه إخوانه وأنصاره. ثم أمرها أن ترفض مقالة العاذلين، ويعظها أن تعيش معه بما يعيش به. والترهات جمع ترهة: وهي أباطيل الأمور. والأهوال جمع هول: وهو الأمر المخيف. ثم ذكر لها أمر أهلها إذا فارقته إليهم وما تلقاه من أهوال، فقال: مِنْهُمُ مُمْسِكٌ، ومِنْهم عَدِيمٌ،

وبَخِيلُ عَلَيْكِ فِي بُخّالِ

(3)

في المطبوعة: "فأضمر: عش"، والصواب ما أثبت، وستأتي على الصواب في الجزء السابع.

(4)

قوله: "ليس بذلك"، أي قول ضعيف ليس بذلك القوي.

(5)

انظر ما سلف 2: 484-488.

(6)

يعني بالعلم الأول"لو يرى" بمعنى"لو يعلم"، والآخر الجواب المحذوف:"لعلموا".

ص: 284

وقال بعض نحويي الكوفة: مَنْ نصب:"أن القوة لله وأن الله شديد العذاب" ممن قرأ:"ولو يَرَى" بالياء، فإنما نصبها بإعمال"الرؤية" فيها، وجعل"الرؤية" واقعةً عليها. وأما مَنْ نصبها ممن قرأ:"ولو ترى" بالتاء، فإنه نَصبَها على تأويل: لأنّ القوة لله جميعًا، ولأن الله شديد العذاب. قال: ومن كسرهما ممن قرأ بالتاء، فإنه يكسرهما على الخبر.

* * *

وقال آخرون منهم: فتح"أنّ" في قراءة من قرأ:"ولو يَرَى الذين ظلموا" بالياء، بإعمال"يرى"، وجوابُ الكلام حينئذ متروك، كما ترك جواب:(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ)[سورة الرعد: 31]، لأن معنى الجنة والنار مكررٌ معروف. (1) وقالوا: جائز كسر"إن"، في قراءة من قرأ ب"الياء"، وإيقاع"الرؤية" على"إذ" في المعنى، وأجازوا نصب"أن" على قراءة من قرأ ذلك ب"التاء"، لمعنى نية فعل آخر، وأن يكون تأويل الكلام:"ولو ترى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب"، [يرَون] أنّ القوة لله جميعا، (2) وزعموا أن كسر"إنّ" الوجهُ، إذا قرئت:"ولو تَرَى" ب"التاء" على الاستئناف، لأن قوله:"ولو ترى" قد وَقع على"الذين ظلموا". (3)

* * *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا في ذلك:"ولو تَرَى الذين ظلموا" -بالتاء من"ترى"-"إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب" بمعنى: لرأيتَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب. فيكون قوله:"لرأيت" الثانية، محذوفةً مستغنى بدلالة قوله:"ولو ترى الذين ظلموا"، عن ذكره، وإن

(1) انظر معاني القرآن للفراء 1: 97، وفيه"معاني الجنة. . . "، والصواب ما في الطبري وإحدى نسخ معاني القرآن.

(2)

الذي بين القوسين زيادة لا بد منها، وإلا اختل الكلام، واستدركتها من معاني القرآن للفراء 1:98.

(3)

هذا قول الفراء في معاني القراء 1: 97-98، مع بعض التصرف في اللفظ. وقوله:"وقع"، و"الوقوع" يعني به تعدي الفعل إليه. وانظر فهرس المصطلحات.

ص: 285

كان جوابًا ل"لو". (1)

ويكون الكلام، وإن كان مخرجه مَخرجَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم معنيًّا به غيره. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالمًا بأن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب. ويكون ذلك نظيرَ قوله:(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ)[سورة البقرة: 107] وقد بيناه في موضعه. (2)

وإنما اخترنا ذلك على قراءة"الياء"، لأن القوم إذا رَأوا العذاب، قَد أيقنوا أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب، فلا وجه أن يُقال: لو يرون أنّ القوة لله جميعًا - حينئذ. لأنه إنما يقال:"لو رأيت"، لمن لم يرَ، فأما من قد رآه، فلا معنى لأن يقال له:"لو رأيت".

* * *

ومعنى قوله:"إذ يَرون العذاب"، إذ يُعاينون العذاب، كما:-

2412-

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"ولو يرى الذين ظَلموا إذ يَرون العذابَ أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب"، يقول: لو عاينوا العذاب.

* * *

وإنما عنى تعالى ذكره بقوله:"ولو تَرَى الذين ظلموا"، ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أندادًا يحبونهم كحبكم إياي، حين يُعاينون عَذابي يومَ القيامة الذي أعددتُ لهم، لعلمتم أن القوة كلها لي دُون الأنداد والآلهة، وأنّ الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئًا، ولا تدفع عنهم عذابًا أحللتُ بهم، وأيقنتم أنِّي شديدٌ عذابي لمن كفر بي، وادَّعى مَعي إلهًا غيري.

* * *

(1) في المطبوعة: "وإن كان جوابًا. . . "، والصواب ما أثبت.

(2)

انظر ما سلف 2: 484-488.

ص: 286

القول في تأويل قوله تعالى {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"إذْ تبرَأ الذين اتُّبعوا منَ الذين اتبعوا ورَأوا العذاب"، إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعواهم. (1)

* * *

ثم اختلف أهل التأويل في الذين عَنى الله تعالى ذكره بقوله:"إذ تَبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا"، فقال بعضهم بما:-

2413-

حدثنا به بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إذ تبرأ الذين اتُّبعوا"، وهم الجبابرة والقادةُ والرؤوس في الشرك،"من الذين اتَّبعوا"، وهم الأتباع الضعفاء،"ورأوا العذاب".

2414-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"إذ تَبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا" قال، تبرأت القادةُ من الأتباع يوم القيامة.

2415-

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، ابن جريج: قلت لعطاء:"إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا" قال، تبرأ رؤساؤهم وقادَتهم وساداتهم من الذين اتبعوهم.

* * *

وقال آخرون بما:-

2416-

حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا

(1) في المطبوعة: "من الذين اتبعوا" مرة أخرى، والصواب"اتبعوهم" كما أثبت، وإلا لم يكن ذلك إلا تكرارًا بلا معنى.

ص: 287

أسباط، عن السدي:"إذ تبرأ الذين اتُّبعُوا من الذين اتُّبعوا"، أما"الذين اتُّبعوا"، فهم الشياطين تبرأوا من الإنس.

* * *

قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في ذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ أنّ المتَّبَعين على الشرك بالله يتبرأون من أتباعهم حين يعاينون عذاب الله. ولم يخصص بذلك منهم بعضًا دون بعض، بل عَمّ جميعهم. فداخلٌ في ذلك كل متبوع على الكفر بالله والضلال أنه يتبرأ من أتباعه الذين كانوا يتَّبعونه على الضلال في الدنيا، إذا عاينوا عَذابَ الله في الآخرة.

* * *

وأما دِلالة الآية فيمن عنى بقوله:"إذ تَبرأ الذين اتبعوا من الذين اتَّبعوا"، فإنها إنما تدل على أنّ الأنداد الذين اتخذهم مِن دون الله مَنْ وَصَف تعالى ذكره صفتَه بقوله:"ومنَ الناس مَن يَتخذُ من دُون الله أندادًا"، هم الذين يتبرأون من أتباعهم.

وإذ كانت الآيةُ على ذلك دَالّةً، صحّ التأويل الذي تأوله السدي في قوله:(1)"ومن الناس مَنْ يَتخذ من دون الله أندادًا"، أن"الأنداد" في هذا الموضع، إنما أريد بها الأندادُ من الرجال الذين يُطيعونهم فيما أمرُوهم به من أمر، ويَعصُون الله في طاعتهم إياهم، كما يُطيع اللهَ المؤمنون ويَعصون غيره = وفسد تأويل قول من قال:(2)"إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا"، إنهم الشياطين تَبرءوا من أوليائهم من الإنس. لأن هذه الآية إنما هي في سياق الخبر عن مُتخذي الأنداد.

* * *

(1) انظر الأثر رقم: 2411.

(2)

قوله: "وفسد" معطوف على قوله: "صح".

ص: 288

القول في تأويل قوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ (166) }

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله شديد العذاب، إذ تبرأ الذين اتبعوا، وإذ تَقطعت بهم الأسباب.

* * *

ثم اختلف أهل التأويل في معنى"الأسباب". فقال بعضهم بما:-

2417-

حدثني به يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض -وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير،- عن عبيد المكتب، عن مجاهد:"وتَقطعت بهمُ الأسباب" قال، الوصال الذي كان بينهم في الدنيا. (1)

2418-

حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد:"وتقطَّعت بهم الأسباب" قال، تواصلهم في الدنيا. (2)

2419 -

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن -وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد - جميعًا قالا حدثنا سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد بمثله.

(1) الخبر: 2417- فضيل بن عياض بن مسعود التميمي الزاهد الخراساني: ثقة، قال ابن سعد:"كان ثقة ثبتًا فاضلا عابدًا ورعًا كثير الحديث". مات في أول المحرم سنة 187 بمكة. مترجم في التهذيب، والكبير 4/1/123، والصغير: 209، وابن سعد 5: 366، وابن أبي حاتم 3/2/73.

وهذا الخبر يرويه أبو جعفر بإسنادين: من طريقي الفضيل بن عياض، ثم من طريقي جرير، وهو ابن عبد الحميد الضبي - كلاهما عن عبيد المكتب. ثم سيرويه عقب ذلك، بإسنادين آخرين: 2418، 2419، من رواية سفيان، وهو الثوري، عن عبيد المكتب.

و"عبيد المكتب"، بضم الميم وسكون الكاف وكسر التاء المثناة، من"الإكتاب"، أي تعليم الكتابة: هو عبيد بن مهران الكوفي، وهو ثقة، أخرج له مسلم في صحيحه. مترجم في التهذيب، وابن سعد 6: 237، وابن أبي حاتم 3/1/2.

(2)

الخبر: 2418- إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، شيخ الطبري: ثقة مأمون. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 1/1/211، وتاريخ بغداد 6:370.

ص: 289

2420-

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد:"وتقطعت بهم الأسباب" قال، المودّة.

2421-

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

2422-

حدثني القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: تواصلٌ كان بينهم بالمودة في الدنيا.

2423-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى قال، أخبرني قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس في قول الله تعالى ذكره:"وتقطّعت بهم الأسباب" قال، المودة.

2424-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وتقطعت بهم الأسباب"، أسبابُ الندامة يوم القيامة، وأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها، ويتحابُّون بها، فصارت عليهم عداوةً يوم القيامة، ثم يوم القيامة يكفر بعضُكم ببعض، ويلعن بعضُكم بعضًا، ويتبرأ بعضُكم من بعض. وقال الله تعالى ذكره:(الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ)[سورة الزخرف: 67] ، فصارت كل خُلَّة عداوة على أهلها إلا خُلة المتقين.

2425-

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وتقطعت بهم الأسباب" قال، هو الوصْل الذي كان بينهم في الدنيا.

2426-

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"وتقطعت بهم الأسباب"، يقول: الأسبابُ، الندامة.

* * *

وقال بعضهم: بل معنى"الأسباب"، المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا.

ص: 290

* ذكر من قال ذلك:

2427-

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وتقطعت بهم الأسباب"، يقول: تقطّعت بهم المنازلُ.

2428-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس:"وتقطعت بهم الأسباب" قال، الأسباب المنازل.

* * *

وقال آخرون:"الأسباب"، الأرحام.

* ذكر من قال ذلك:

2429-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، وقال ابن عباس:"وتقطعت بهم الأسباب" قال، الأرحام.

* * *

وقال آخرون:"الأسباب"، الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا.

* ذكر من قال ذلك:

2430-

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أمّا"وتقطعت بهم الأسباب"، فالأعمال.

2431-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وتقطعت بهم الأسباب" قال، أسباب أعمالهم، فأهل التقوى أعطوا أسبابَ أعمالهم وَثيقةً، فيأخذون بها فينجُون، والآخرون أعطوا أسبابَ أعمالهم الخبيثة، فتقطَّعُ بهم فيذهبون في النار.

* * *

ص: 291

قال أبو جعفر: (1)"والأسباب"، الشيء يُتعلَّقُ به. قال: و"السبب" الحبل."والأسباب" جمع"سَبب"، وهو كل ما تسبب به الرجل إلى طَلبِته وحاجته. فيقال للحبل"سبب"، لأنه يُتسبب بالتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق به. ويقال للطريق"سبب"، للتسبب بركوبه إلى ما لا يدرك إلا بقطعه. وللمصاهرة"سبب"، لأنها سَببٌ للحرمة. وللوسيلة"سَبب"، للوصول بها إلى الحاجة، وكذلك كل ما كان به إدراك الطلبة، فهو"سبب" لإدراكها.

فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب من القول في تأويل قوله:"وتقطعت بهم الأسباب" أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ أن الذين ظلموا أنفسهم -من أهل الكفر الذين ماتوا وهم كفار- يتبرأ = عند معاينتهم عذابَ الله = المتبوعُ من التابع، وتتقطع بهم الأسباب.

وقد أخبر تعالى ذكره في كتابه أن بَعضهم يلعنُ بعضًا، وأخبر عن الشيطان أنه يقول لأوليائه:(مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ)[سورة إبراهيم: 22] ، وأخبر تعالى ذكره أنّ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، وأن الكافرين لا ينصر يومئذ بعضهم بعضًا، فقال تعالى ذكره:(وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ)[سورة الصافات:24-25] وأنّ الرجل منهم لا ينفعه نسيبه ولا ذو رحمه، وإن كان نسيبه لله وليًّا، فقال تعالى ذكره في ذلك:(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ)[سورة التوبة: 114] وأخبر تعالى ذكره أنّ أعمالهم تَصيرُ عليهم حسرات.

وكل هذه المعاني أسباب يتسبب في الدنيا بها إلى مطالب، فقطع الله منافعها في الآخرة عن الكافرين به، لأنها كانت بخلاف طاعته ورضاه، فهي منقطعة

(1) من أول هذه الفقرة، كلام أبي جعفر، وأخشى أن يكون سقط شيء قبله. وهذا الابتداء على كل حال، جار على غير النهج الذي سار عليه كتابه من قبل ومن بعد.

ص: 292

بأهلها. فلا خِلالُ بعضهم بعضًا نَفعهم عند ورُودهم على ربهم، (1)

ولا عبادتُهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم؛ ولا دافعت عنهم أرحامٌ فنصرتهم من انتقام الله منهم، ولا أغنت عنهم أعمالهم، بل صارت عليهم حسرات. فكل أسباب الكفار منقطعة.

فلا مَعْنِىَّ أبلغُ -في تأويل قوله:"وتقطعت بهم الأسباب"- من صفة الله [ذلك] وذلك ما بيَّنا من [تقطّع] جَميع أسبابهم دون بَعضها، (2) على ما قلنا في ذلك. ومن ادعى أن المعنيَّ بذلك خاص من الأسباب، سُئل عن البيان على دعواه من أصلٍ لا منازع فيه، وعورض بقول مخالفه فيه. فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا}

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"وقَال الذين اتَّبعوا"، وقال أتباع الرجال -الذين كانوا اتخذوهم أندادًا من دون الله يطيعونهم في معصية الله، ويَعصُون ربَّهم في طاعتهم، إذ يرون عَذابَ الله في الآخرة-:"لو أن لنا كرة".

* * *

يعني"بالكرة"، الرجعةَ إلى الدنيا، من قول القائل:"كررَت على القوم أكُرَّ كرًّا"، و"الكرَّة" المرة الواحدة، وذلك إذا حمل عليهم راجعًا عليهم بعد الانصراف عنهم، كما قال الأخطل:

(1) في المطبوعة: "ينفعهم"، والصواب ما أثبت، فالأفعال قبله وبعده كلها ماضية. والخلال مصدر خاله (بشديد اللام) يخاله مخالة وخلالا: وهي الصداقة والمودة، يقول امرؤ القيس: صَرَفتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى

فَلَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ وَلَا قَالي

(2)

الزيادة التي بين الأقواس، لا بد منها حتى يستقم صدر الكلام وآخره، في الجملة التالية. ويعني بقوله"صفة الله": ما وصف الله سبحانه من تقطع أسباب الكافرين يوم القيامة، كالذي عدده آنفًا في الفقرة السالفة.

ص: 293

وَلَقَدْ عَطَفْنَ عَلَى فَزَارَةَ عَطْفَةً

كَرَّ الْمَنِيحِ، وَجُلْنَ ثَمَّ مَجَالا (1)

وكما:-

2432-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا"، أي: لنا رجعةً إلى الدنيا.

2433-

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"وقال الذين اتبعوا لو أنّ لنا كرة" قال، قالت الأتباع: لو أن لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا.

* * *

وقوله:"فنتبرأ منهم" منصوبٌ، لأنه جواب للتمني ب"الفاء". لأن القوم تمنوا رجعةً إلى الدنيا ليتبرأوا من الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله، كما تبرأ منهم رؤساؤهم الذين كانوا في الدنيا، المتبوعون فيها على الكفر بالله، إذْ عاينوا عَظيم النازل بهم من عذاب الله، (2) فقالوا: يا ليت لنا كرّة إلى الدنيا فنتبرأ منهم، و (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [سورة الأنعام: 27]

* * *

(1) ديوانه 48، ونقائض جرير والأخطل:79. وفي المطبوعة: "كر المشيح"، وهو خطأ وفي الديوان"على قدارة"، وهو خطأ. وفزارة بن ذبيان بن بغيض. والمنيح: قدح لاحظ له في الميسر، وأقداح الميسر سبعة دوات أنصباء، وأربعة لا نصيب لها مع السبعة، ولكنها تعاد معها في كل ضربة. وقوله:"عطفن" يعني الخيل، ذكرها في بيت قبله. وقد مضى من هذه القصيدة أبيات في 2: 38، 39، 492، 496.

(2)

في المطبوعة: "إذا عاينوا"، وهو خطأ.

ص: 294

القول في تأويل قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}

قال أبو جعفر: ومعنى قوله:"كذلك يُريهمُ الله أعمالهم"، يقول: كما أراهم العذابَ الذي ذكره في قوله:"ورأوا العذاب"، الذي كانوا يكذبون به في الدنيا، فكذلك يُريهم أيضًا أعمالهم الخبيثة التي استحقوا بها العقوبة من الله"حسرات عليهم" يعني: نَدامات.

* * *

"والحسرات" جَمع"حَسْرة". وكذلك كل اسم كان واحده على"فَعْلة" مفتوح الأول ساكن الثاني، فإن جمعه على"فَعَلات" مثل"شَهوة وتَمرة" تجمع"شَهوات وتَمرات" مثقَّلة الثواني من حروفها. فأما إذا كان نَعتًا فإنك تَدع ثانيَه ساكنًا مثل"ضخمة"، تجمعها"ضخْمات" و"عَبْلة" تجمعها"عَبْلات"، وربما سُكّن الثاني في الأسماء، كما قال الشاعر:(1)

عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُولاتِهَا

يُدِلْنَنَا اللَّمَّة مِنْ لَمَّاتِهَا

فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا (2)

فسكنّ الثاني من"الزفرات"، وهي اسم. وقيل: إن"الحسرة" أشد الندامة.

* * *

(1) لم أعرف قائله.

(2)

سيأتي في التفسير 24: 43 / 30: 34 (بولاق) بزيادة بيت. والعيني 4: 396 واللسان (لمم)(زفر)(علل) وغيرها. والدولة (بفتح فسكون) والدولة (بضم الدال) : العقبة في المال والحرب وغيرهما، وهو الانتقال من حال إلى حال، هذا مرة وهذا مرة. ودالت الأيام: دارت بأصحابها. ويروي: "تديلنا" وأداله: جعل له العقبة في الأمر الذي يطلبه أو يتمناه، بتغيره وانتقاله عنه إلى حال أخرى. واللمة: النازلة من نوازل الدهر، كالملمة. والبيت الرابع الذي زاده الطبري: وَتَنْقَعُ الغُلّة من غُلاّتِها

والغلة: شدة العطش وحرارته. ونقع الغلة: سكنها وأطفأها وأذهب ظمأها.

ص: 295

فإن قال لنا قائل: فكيف يَرَون أعمالهم حَسرات عليهم، وإنما يتندم المتندم عَلى تَرْك الخيرات وفوتها إياه؟ وقد علمت أنّ الكفار لم يكن لهم من الأعمال ما يتندّمون على تركهم الازديادَ منه، فيريهم الله قليلَه! (1) بل كانت أعمالهم كلها معاصيَ لله، ولا حسرةَ عليهم في ذلك، وإنما الحسرة فيما لم يَعملوا من طاعة الله؟

قيل: إن أهل التأويل في تأويل ذلك مختلفون، فنذكر في ذلك ما قالوا، ثم نخبر بالذي هو أولى بتأويله إن شاء الله.

فقال بعضهم: معنى ذلك: كذلك يريهم الله أعمالهم التي فرضها عليهم في الدنيا فضيَّعوها ولم يعملوا بها، حتى استوجب =ما كان الله أعدَّ لهم، لو كانوا عملوا بها في حياتهم، من المساكن والنِّعم= غيرُهمْ بطاعته ربَّه. (2) فصار ما فاتهم من الثواب -الذي كان الله أعدَّه لهم عنده لو كانوا أطاعوه في الدنيا، إذ عاينوه (3) عند دخول النار أو قبل ذلك- أسًى وندامةً وحسرةً عليهم.

* ذكر من قال ذلك:

2434-

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"كذلك يُريهم الله أعمالهم حَسرات عليهم"، زعم أنه يرفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها، لو أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تُقسَّم بين المؤمنين، فيرثونهم. فذلك حين يندمون.

2435-

حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل قال، حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله -في

(1) قوله: "فيريهم الله قليله"، يعني به: فيريهم الله أنه قليل، فيتمنون أن لو كانوا ازدادوا من فعله حتى يكثر.

(2)

سياق هذه الجملة: حتى استوجب غيرهم بطاعته ربه، ما كان الله أعد لهم. . . " فقدم وأخر وفصل، كعادته.

(3)

في المطبوعة: "إذا عاينوه"، والصواب ما أثبت.

ص: 296

قصة ذكرها- فقال: فليس نَفْسٌ إلا وهي تنظر إلى بَيتٍ في الجنة وبَيتٍ في النار، وهو يومُ الحسرة. قال: فيرى أهلُ النار الذين في الجنة، فيقال لهم: لو عَملتم! فتأخذهم الحسرة. قال: فيرى أهلُ الجنة البيتَ الذي في النار، فيقال: لولا أن منَّ الله عليكم! (1)

* * *

فإن قال قائل: وكيف يكون مضافًا إليهم من العمل ما لم يَعملوه على هذا التأويل؟

قيل: كما يُعرض على الرجل العملُ فيقال [له] قبل أن يعمله: (2) هذا عملك. يعني: هذا الذي يجب عليك أن تَعمله، كما يقال للرجل يَحضُر

(1) الحديث: 2435- سفيان: هو الثوري. سلمة بن كهيل الحضرمي. سبق توثيقه: 439، ونزيد هنا أن الثوري قال:"كان ركنًا من الأركان". وقال أحمد: "سلمة متقن الحديث". وقال أبو زرعة: "كوفي ثقة مأمون ذكي". مترجم في التهذيب، والكبير 2/2/75، وابن سعد 6: 221، وابن أبي حاتم 2/1/170-171، وتاريخ الإسلام 5: 81-82.

أبو الزعراء - بفتح الزاي والراء بينهما عين مهملة ساكنة؛ هو عبد الله بن هانئ أبو الزعراء الكبير، وهو خال سلمة بن كهيل. وهو ثقة من كبار التابعين. مترجم في التهذيب، وابن سعد 6: 119، وابن أبي حاتم 2/2/195.

وهذا الحديث قطعة من حديث طويل - كما قال الطبري هنا: "في قصة ذكرها" وستأتي قطعة أخرى منه في الطبري 15: 97 (بولاق) . وهو حديث موقوف من كلام ابن مسعود ولكنه -عندنا- وإن كان موقوفًا لفظًا، فإنه مرفوع حكمًا، لأنه في صفة آخر الزمان، وما يأتي من الفتن، ثم فناء الدنيا، ثم البعث والنشور والشفاعة، وما إلى ذلك، مما لا يعلم بالرأي.

وقد رواه -بطوله كاملا- الحاكم في المستدرك 4: 496-498، من طريق الحسين بن حفص الإصبهاني، عن سفيان، بهذا الإسناد. وقال:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10: 328-330، بطوله، وقال: رواه الطبراني وهو موقوف، مخالف للحديث الصحيح وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا أول شافع"! هكذا قال الهيثمي ولم يذكر شيئًا عن إسناده. وليس هذا موضع التعقب على تعليله.

وروى أبو داود الطيالسي: 389- قطعة أخرى منه، عن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه. و"يحيى بن سلمة". ضعيف جدًا. قال البخاري في الصغير، ص: 143"منكر الحديث" ولا يضر ضعف الإسناد عند الطيالسي، إذ جاء الحديث -كما ترى- بإسناد صحيح، من رواية سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل.

(2)

ما بين القوسين زيادة يستقيم بها الكلام.

ص: 297

غَداؤه قبل أن يَتغدى به: (1) هذا غَداؤك اليوم. يعني به: هذا ما تَتغدى به اليوم. فكذلك قوله:"كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم"، يعني: كذلك يُريهم الله أعمالهم التي كان لازمًا لهم العمل بها في الدنيا، حسرات عليهم.

* * *

وقال آخرون: كذلك يُريهم الله أعمالهم السيئة حسرات عليهم، لم عَملوها؟ وهلا عملوا بغيرها مما يُرضي الله تعالى ذكره؟

* ذكر من قال ذلك:

2436-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم"، فصَارت أعمالهم الخبيثة حَسرةً عليهم يوم القيامة.

2437-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أعمالهم حسرات عليهم" قال، أوليس أعمالهم الخبيثةُ التي أدخلهم الله بها النار؟ [فجعلها] حسرات عليهم. (2) قال: وجعل أعمالَ أهل الجنة لهم، وقرأ قول الله:(بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ)[سورة الحاقة: 24]

* * *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال: معنى قوله:"كذلك يُريهم الله أعمالهمْ حَسرات عليهم"، كذلك يُرِي الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم، لم عملوا بها؟ وهلا عملوا بغيرها؟ فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة، إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها، (3) لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندمًا عليهم.

(1) في المطبوعة: "كما يقال للرجل"، وزيادة الواو لازمة.

(2)

الزيادة بين القوسين مما يستقيم به معنى الكلام، ليطابق القول الذي قاله هؤلاء. ويوافق الشطر الثاني من هذا الخبر في ذكر أعمال أهل الجنة.

(3)

في المطبوعة: "إذا رأوا جزاءها"، والصواب ما أثبت.

ص: 298

فالذي هو أولى بتأويل الآية، ما دلّ عليه الظاهرُ دون ما احتمله الباطن الذي لا دلالة له على أنه المعنيُّ بها. (1) والذي قال السدي في ذلك، وإن كان مَذهبًا تحتمله الآية، فإنه مَنزع بعيد. ولا أثر -بأنّ ذلك كما ذكر- تقوم به حُجة فيسلم لها، (2) ولا دلالة في ظاهر الآية أنه المراد بها. فإذْ كان الأمر كذلك، لم يُحَلْ ظاهر التنزيل إلى باطن تأويل. (3)

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) }

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وما هؤلاء الذين وصَفتهم من الكفار =وإنْ نَدموا بعد معاينتهم مَا عاينوا من عذاب الله، فاشتدت ندامتهم على ما سلف منهم من أعمالهم الخبيثة، وتمنَّوا إلى الدنيا كرةً ليُنيبوا فيها، ويتبرأوا من مُضليهم وسادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله فيها = بخارجين من النار التي أصلاهُموها الله بكفرهم به في الدنيا، ولا ندمُهم فيها بمنجيهم من عذاب الله حينئذ، ولكنهم فيها مخلدون.

* * *

وفي هذه الآية الدلالةُ على تكذيب الله الزاعمين أن عَذابَ الله أهلَ النار من أهل الكفر مُنقضٍ، وأنه إلى نهاية، ثم هو بعدَ ذلك فانٍ. لأن الله تعالى ذكره أخبرَ عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم ختم الخبر عنهم بأنهم غيرُ خارجين من النار، بغير استثناء منه وَقتًا دون وقت. فذلك إلى غير حدّ ولا نهاية.

* * *

(1) انظر تفسير معنى: "الظاهر، والباطن" فيما سلف 2: 15، واطلبه في فهرس المصطلحات.

(2)

في المطبوعة: "تقوم له حجة"، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.

(3)

في المطبوعة: "فإذا كان الأمر. . . "، والصواب ما أثبت. وقوله:"لم يحل" من أحال الشيء يحيله: إذا حوله من مكان إلى مكان، أو من وجه إلى وجه.

ص: 299