الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: «فبِئْسَ القَرينُ» مخصوصُه محذوفٌ أي: أنت.
قوله: {وَلَن يَنفَعَكُمُ} : في فاعلِه قولان، أحدهما: أنه ملفوظٌ به، وهو «أنَّكم» وما في حَيِّزِها. التقدير: ولن يَنْفَعَكم اشتراكُكم في العذاب بالتأسِّي، كما يَنْفَعُ الاشتراكُ في مصائب الدنيا فيتأسَّى المُصاب بمثلِه. ومنه قولُ الخنساء:
39
96 - ولولا كَثْرَةُ الباكِيْنَ حَوْلي
…
على إخوانِهم لقَتَلْتُ نَفْسي
وما يَبْكُون مثلَ أخي ولكنْ
…
أُعَزِّي النفسَ عنه بالتأسِّي
والثاني: أنّه مضمرٌ. فقدَّره بعضُهم ضميرَ التمنِّي المدلولَ عليه بقوله: {ياليت بَيْنِي} أي: لن يَنْفَعكم تَمَنِّيْكم البُعْدَ. وبعضُهم: لن ينفَعَكم اجتماعُكم. وبعضُهم: ظُلْمُكم وجَحْدُكم. وعبارةُ مَنْ عَبَّر بأنَّ الفاعلَ محذوفٌ مقصودُه الإِضمارُ المذكورُ لا الحذفُ؛ إذ الفاعلُ لا يُحْذَفُ إلَاّ في مواضعَ ليس هذا منها، وعلى هذا الوجهِ يكونُ قوله:«أنَّكم» تعليلاً أي: لأنَّكم، فحذفَ الخافضَ فجرى في مَحَلِّها الخلافُ: أهو نصبٌ أم جرٌّ؟ ويؤيِّد إضمارَ الفاعلِ، لا أنَّه هو «أنَّكم» ، قراءةُ «إنكم» بالكسرِ فإنَّه/ استئنافٌ مفيدٌ للتعليلِ.
قوله: «إذْ ظَلَمْتُمْ» قد استشكل المُعْرِبون هذه الآيةَ. ووجهُه: أنَّ قولَه «
اليومَ» ظرفٌ حالِيٌّ، و «إذ» ظرفٌ ماضٍ، و «يَنْفَعَكم» مستقبلٌ؛ لاقترانِه ب «لن» التي لنفي المستقبلِ. والظاهرُ أنه عاملٌ في الظرفَيْن، وكيف يعملُ الحدثُ المستقبلُ الذي لم يقَعْ بعدُ في ظرفٍ حاضرٍ أو ماضٍ؟ هذا ما لا يجوزُ. فأُجيب عن إعماله في الظرفِ الحاليِّ على سبيلِ قُرْبِه منه؛ لأنَّ الحالَ قريبٌ من الاستقبالِ فيجوز في ذلك. قال تعالى:{فَمَن يَسْتَمِعِ الآن} [الجن: 9] وقال الشاعر:
3997 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
سَأَسْعَى الآنَ إذ بَلَغَتْ أَناها
وهو إقناعيٌّ، وإلَاّ فالمستقبلُ يَسْتحيلُ وقوعُه في الحالِ عقلاً. وأمَّا قولُه:«إذ» ففيها للناسِ أوجهٌ كثيرةٌ. قال ابن جني: «راجَعْتُ أبا عليّ فيها مِراراً فآخرُ ما حَصَّلْت منه: أنَّ الدنيا والآخرةَ متصلتان، وهما سواءٌ في حُكْم اللَّهِ تعالى وعِلْمِه، ف» إذ «بدلٌ من» اليوم «حتى كأنَّه مستقبلٌ أو كأنَّ اليومَ ماضٍ. وإلى هذا نحا الزمخشريُّ قال:» وإذْ بدلٌ من اليوم «وحَمَلَه الزمخشريُّ على معنى: إذْ تبيَّن وصَحَّ ظُلْمُكم، ولم يَبْقَ لأحدٍ ولا لكم شبهةٌ في أنَّكم كنتم ظالمين. ونظيرُه:
3998 -
إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْني لئيمةٌ
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: تَبَيَّن أني وَلَدُ كريمةٍ» . وقال الشيخ: «ولا يجوزُ البدلُ ما دامت» إذ «على موضوعِها من المُضِيِّ، فإنْ جُعِلَتْ لمطلقِ الزمانِ جاز» . قلت: لم يُعْهَدْ في «إذ» أنها تكونُ لمطلقِ الزمان، بل هي موضوعةٌ لزمانٍ خاصٍ بالماضي كأَمْسِ. الثاني: أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: بعد إذ ظَلَمْتُمْ.
الثالث: أنها للتعليلِ. وحينئذٍ تكونُ حرفاً للتعليلِ كاللام. الرابعُ: أنَّ العاملَ في «إذ» هو ذلك الفاعلُ المقدَّرُ لا ضميرُه. والتقدير: ولن ينفعَكم ظلمُكم أو جَحْدُكم إذ ظَلَمْتم. الخامس: أنَّ العاملَ في «إذ» ما دَلَّ عليه المعنى. كأنه قال: ولكن لن ينفعَكم اجتماعُكم إذ ظَلَمْتُمْ. قاله الحوفي، ثم قال:«وفاعلُ» يَنْفَعَكم «الاشتراكُ» انتهى. فظاهرُ هذا متناقضٌ؛ لأنَّه جَعَلَ الفاعلَ أولاً اجتماعَكم، ثم جعلَه آخِراً الاشتراكَ. ومنع أَنْ تكونَ «إذ» بدلاً مِن اليوم لتغايُرِهما في الدلالة. وفي كتاب أبي البقاء «وقيل: إذْ بمعنى» أَنْ «أي: أَنْ ظَلَمْتُم» . ولم يُقَيِّدْها بكونِها أن بالفتح أو الكسر، ولكن قال الشيخ:«وقيل: إذ للتعليلِ حرفاً بمعنى» أَنْ «يعني بالفتح؛ وكأنَّه أراد ما ذكره أبو البقاءِ، إلَاّ أنَّ تَسْمِيَتَه» أنْ «للتعليل مجازٌ، فإنها على حَذْفِ حرفِ العلةِ أي: لأَنْ، فلمصاحبتِها لها، والاستغناءِ بها عنها سَمَّاها
باسمِها. ولا ينبغي أَنْ يُعْتَقَدَ أنَّها في كتابِ أبي البقاء بالكسرِ على الشرطية؛ لأنَّ معناه بعيدٌ.
وقُرِئ» إنكم «بالكسرِ على الاستئناف المفيدِ للعلةِ. وحينئذٍ يكونُ الفاعلُ مضمراً على أحدِ التقادير المذكورة.
قوله: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ} : قد تقدَّم الكلامُ عليه قريباً.
وقُرئ «نُرِيَنْكَ» : بالنونِ الخفيفة. والعامَّةُ على {أُوحِيَ} [الزخرف: 43] مبنيًّا للمفعولِ مفتوحَ الياء، وبعضُ قرَّاء الشام سَكَّنها تخفيفاً. والضحاك «أَوْحَى» مبنياً للفاعل وهو اللَّهُ تعالى.
قوله: {مَنْ أَرْسَلْنَا} : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنَّ «مَنْ» موصولة، وهي مفعولةٌ للسؤالِ. كأنه قيل: واسأل الذي أرْسَلْناه مِنْ قَبْلِك عَمَّا أُرْسِلوا به، فإنَّهم لم يُرْسَلوا إلَاّ بالتوحيد. الثاني: أنَّه على حَذْفِ حَرْفِ الجرِّ على أنه المسؤولُ عنه. والمسؤولُ الذي هو المفعولُ الأولُ محذوفٌ، تقديرُه: واسْأَلْنا عن مَنْ أَرْسَلْناه. الثالث: أنَّ «مَنْ» استفهاميةٌ مرفوعةٌ بالابتداء، و «أَرْسَلَ» خبرُه. والجملةُ مُعَلِّقَةٌ للسؤالِ، فتكونُ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافضِ، وهذا ليس بظاهرٍ، بل الظاهرُ أنَّ المُعَلِّقَ للسؤال إنما هو الجملةُ الاستفهاميةُ مِنْ قولِه «أَجَعَلْنا» .
قوله: {إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ} : قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: كيف جازَ أَنْ تُجاب» لَمَّا «ب» إذا «المفاجأة؟ قلت: لأنَّ فِعْلَ المفاجأةِ معها مقدَّرٌ، وهو عاملُ النصبِ في مَحَلِّها، كأنه قيل: فلمَّا جاءهم بآياتنا فاجَؤُوا وقتَ ضَحِكهم» . قال الشيخ: «ولا نعلَمُ نحوَ ما ذهب إلى ما ذَهَب إليه مِنْ أنَّ» إذا «الفجائيةَ تكونُ منصوبةً بفعلٍ مقدرٍ تقديره: فاجأ، بل المذاهبُ ثلاثةٌ: إمَّا حرفٌ فلا تحتاجُ إلى عاملٍ، أو ظرفُ مكانٍ، أو ظرفُ زمانِ. فإنْ ذُكِرَ بعد الاسمِ الواقع بعدها خبرٌ كانت منصوبةً على الظرفِ، والعاملُ فيها ذلك الخبرُ نحوَ:» خرجتُ فإذا زيدٌ قائمٌ «تقديره: خرجتُ ففي المكان الذي خَرَجْتُ فيه زيدٌ قائمٌ، أو ففي الوقتِ الذي خَرَجْتُ فيه زيدٌ قائمٌ، وإنْ لم يُذْكَرْ بعد الاسمِ خبرٌ، أو/ ذُكِرَ اسمٌ منصوبٌ على الحالِ: فإنْ كان الاسمُ جثةً وقُلنا: إنها ظرفُ مكانٍ كان الأمرُ واضحاً نحو: خرجْتُ فإذا الأسدُ أي: فبالحضرةِ الأسدُ، أو فإذا الأسدُ رابضاً. وإنْ قلنا: إنها ظرفُ زمانٍ كان على حذفِ مضافٍ لئلا يُخْبَرَ بالزمانِ عن الجثةِ نحو:» خَرَجْتُ فإذا الأسدُ «أي: ففي الزمانِ حضورُ الأسدِ، وإن كان الاسمُ حَدَثاً جازَ أن يكونَ مكاناً أو زماناً. ولا حاجةَ إلى تقديرِ مضافٍ نحو:» خرجْتُ فإذا القتالُ «إنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ فبالحضرة القتالُ، أو ففي الزمانِ القتالُ» . وفيه تلخيصٌ وزيادةٌ كبيرةٌ في الأمثلةِ رأيْتُ تَرْكَها مُخِلاًّ.
قوله: {إِلَاّ هِيَ أَكْبَرُ} : جملةٌ واقعةٌ صفةً لقولِه: «مِنْ آية» فيُحْكَمُ على موضِعها بالجَرِّ اعتباراً باللفظِ، وبالنصبِ اعتباراً بالمحلِّ،
وفي معنى قولِه: {أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} أوجهٌ، أحدها: - قاله ابنُ عطية - وهو أنهم يَسْتَعْظِمون الآيةَ التي تأتي، لجِدَّةِ أَمْرِها وحُدوثِه؛ لأنهم أَنِسُوا بتلك الآيةِ السابقةِ فيَعْظُم أَمْرُ الثانيةِ ويَكْبرُ، وهذا كما قال:
3999 -
على أنَّها تَعْفُو الكُلُوم، وإنما
…
نُوَكَّلُ بالأَدْنى وإنْ جَلَّ ما يَمْضي
الثاني: ما ذكرَه بعضُهم: مِنْ أنَّ المعنى: إلَاّ هي أكبرُ من أختها السابقةِ، فحذَفَ الصفةَ للعِلْمِ بها. الثالث: قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: هو كلامٌ متناقضٌ؛ لأنَّ معناه: ما مِنْ آيةٍ من التسعِ إلَاّ وهي أكبرُ مِنْ كلِّ واحدةٍ منها، فتكونُ كلُّ واحدةٍ منها فاضلةً ومفضولةً في حالةٍ واحدة. قلت: الغرضُ بهذا الكلامِ وَصْفُهُنَّ بالكبرِ لا يَكَدْنَ يتفاوَتْنَ فيه، وكذلك العادةُ في الأشياء التي تتقارَبُ في الفضلِ التقاربَ اليسيرَ، تختلفُ آراءُ الناس في تفضيلِها، فبعضُهم يفضِّل هذا، وبعضُهم يفضِّل هذا، وربما اختلفَتْ آراءُ الواحدِ فيها، كقول الحماسيِّ:
4000 -
مَنْ تَلْقَ منهم تَقُلْ لاقَيْتُ سَيِّدَهُمْ
…
مثلَ النجومِ التي يَهْدِي بها السَّاري
وقالت الأنمارية في الجُمْلة من أبنائها: ثَكِلْتُهُمْ إنْ كنتُ أعلمُ أيُّهم أفضلُ، هم كالحَلْقَةِ المُفْرَغَةِ لا يُدْرى أين طرفاها» انتهى كلامُه. وأولُه فظيعٌ جداً كأن العباراتِ ضاقَتْ عليه حتى قال ما قال، وإنْ كان جوابُه حَسَناً فسؤالُه فظيعٌ. وقد تقدَّم الخلافُ في {ياأيها الساحر} في النور.
وقرأ أبو حيوةَ «يَنْكِثُوْن» بكسرِ الكافِ. وهي لغةٌ.
قوله: {وهذه الأنهار} : يجوزُ في «وهذه» وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ مبتدأةً، والواوُ للحالِ. والأنهارُ صفةٌ لاسمِ الإِشارةِ، أو عطفُ بيانٍ. و «تجري» الخبرُ. والجملةُ حالٌ مِنْ ياء «لي» . والثاني: أنَّ «هذه» معطوفةٌ على «مُلْك مِصْرَ» ، و «تَجْري» على هذا حالٌ أي: أليس مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهارُ جاريةً أي: الشيئان.
قوله: «تُبْصِرونَ» العامَّةُ على الخطابِ لِمَنْ ناداه. وقرأ عيسى بكسر النون أي: تُبْصِروني. وفي قراءةِ العامَّةِ المفعولُ محذوفٌ أي: تُبْصِرون مُلْكي وعَظَمتي. وقرأ فهد بن الصقر «يُبْصِرون» بياء الغَيْبة: إمَّا على الالتفاتِ من الخطاب إلى الغَيْبة، وإمَّا رَدًّا على قوم موسى.
قوله: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} : في «أم» أقوالٌ، أحدها: أنها منقطعةٌ، فتتقدَّرُ ب بل التي لإِضرابِ الانتقال، وبالهمزة التي للإِنكار. والثاني: أنها بمعنى بل فقط، كقوله:
4001 -
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَق الضُّحى
…
وصورتِها أم أنتِ في العينِ أَمْلَحُ
أي: بل أنتِ. الثالث: أنها منقطعةٌ لفظاً، متصلةٌ معنىً. قال أبو البقاء:«أمْ هنا منقطعةٌ في اللفظ لوقوع الجملةِ بعدَها في اللفظ، وهي في المعنى متصلةٌ معادِلةٌ؛ إذ المعنى: أنا خيرٌ منه أم لا، وأيُّنا خيرٌ» وهذه عبارةٌ غريبةٌ: أن تكونَ منقطعةً لفظاً، متصلةً معنى، وذلك أنهما معنيان مختلفان؛ فإن الانقطاعَ يَقْتضي إضراباً: إمَّا إبطالاً، وإمّا انتقالاً. الرابع: أنها متصلةٌ، والمعادِلُ محذوفٌ تقديره: أم تُبْصِرون. وهذا لا يجوزُ إلَاّ إذا كانت «لا» بعد أم نحو: أتقومُ أم لا؟ أي: أم لا تقوم. وأزيدٌ عندك أم لا؟ أي: أم لا هو عندك. أمَّا حَذْفُه دون «لا» فلا يجوزُ، وقد جاء حَذْفُ «أم» مع المعادِلِ وهو قليلٌ جداً. قال الشاعر:
4002 -
دعاني إليها القلبُ إني لأَمْرِها
…
سميعٌ فلا أَدْري أَرُشْدٌ طِلابُها
أي: أم غَيٌّ. وكان الشيخ قد نقل عن سيبويه أنَّ هذه هي «أم»
المعادِلَةُ أي: أم تُبْصِرُون الأمرَ الذي هو حقيقٌ أَنْ يُبْصَرَ عنده، وهو أنَّه خيرٌ مِنْ موسى. قال:«وهذا القولُ بدأ به الزمخشريُّ فقال:» أم/ هذه متصلة لأنَّ المعنى: أفلا تُبْصِرون أم تُبْصرون، إلَاّ أنه وَضَعَ قولَه:«أنا خيرٌ» موضعَ «تُبْصِرون» ؛ لأنهم إذا قالوا: أنت خيرٌ، فهم عنده بُصَراءُ، وهذا من إنزالَ السببِ منزلةَ المسبب «. قال الشيخ:» وهذا متكلَّفٌ جداً؛ إذ المعادِلُ إنما يكونُ مقابلاً للسابقِ. فإن كان المعادِلُ جملةً فعليةً كان السابقُ جملةً فعليةً أو جملةً اسميةً يتقدَّر منها فعليةٌ، كقوله:{أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193] لأنَّ معناه: أم صَمَتُّم، وهنا لا تتقدَّرُ منها جملةٌ فعليةٌ؛ لأنَّ قولَه:{أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} ليس مقابلاً لقولِه: «أفلا تُبْصِرون» . وإن كان السابقُ اسماً كان المعادِلُ اسماً، أو جملةً فعليةً يتقدَّر منها اسمٌ نحو قولِه:
4003 -
أمُخْدَجُ اليدَيْنِ أم أَتَمَّتِ
…
ف «أتمَّت» معادِلٌ للاسم، فالتقديرُ: أم مُتِمًّا «قلت: وهذا الذي رَدَّه على الزمخشريِّ رَدٌّ على سيبويه؛ لأنه هو السابقُ به، وكذا قولُه أيضاً: إنه لا يُحْذَفُ المعادِلُ بعد» أم «إلَاّ وبعدها» لا «فيه نظرٌ؛ من حيث تجويزُ سيبويه حَذْفُ المعادِلِ دون» لا «فهو رَدٌّ على سيبويهِ أيضاً.
[قوله: {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ معطوفةً على الصلةِ، وأَنْ تكونَ مستأنفةً، وأن تكونَ حالاً] . والعامَّة على» يُبين «مِنْ أبان، والباقر» يَبين «بفتحِها مِنْ بان أي: ظهر.
قوله: {أَسْوِرَةٌ} : قرأ حفص «أَسْوِرَة» كأَحْمِرَة. والباقون «أساوِرَة» . فأسْوِرَة جمع سِوار كحِمار وأَحْمِرَة، وهو جمعُ قلةٍ، وأساوِرَة جمعُ إسْوار بمعنى سِوار. يقال: سِوارُ المرأة وإسْوارُها، والأصل: أساوير بالياء، فَعُوِّضَ من حرف المدِّ تاءُ التأنيثِ كزَنادقة. وقيل: بل هي جمعُ أَسْوِرة فهي جمعُ الجمعِ. وقرأ أُبَيٌّ والأعمش - ويُرْوى عن أبي عمرو - «أساوِر» دونَ تاءٍ. ورُوِي عن أُبَيّ أيضاً وعبد الله أساْوِير. وقرأ الضحاك «أَلْقَى» مبنياً للفاعلِ أي الله. و «وأساوِرة» نصباً على المفعولية. و «مِنْ ذَهَبٍ» صفةٌ ل أَساورة. ويجوزُ أَنْ تكون «مِنْ» الداخلةَ على التمييز.
قوله: {آسَفُونَا} : منقولٌ بهمزةِ التعديةِ مِنْ أسِفَ بمعنى غَضِبَ، والمعنى: أَغْضَبونا بمخالَفَتِهم أمرَنا. وفي التفسيرِ: أحزنوا أولياءَنا يعني السَّحَرةَ.
قوله: {سَلَفاً} : قرأ الأخَوان بضمتين، والباقون
بفتحتين. فأمَّا الأُولى فتحتمل ثلاثةَ أوجهٍ، أحدُها: أنها جمعُ سَليف كرَغيف ورُغُف. وسمع القاسمُ بنُ مَعَن من العرب: «مضى سَليفٌ من الناس» . والسَّليفُ من الناس كالفريقِ منهم. والثاني: أنها جمعُ سالِف كصابِر وصُبُر. والثالث: أنها جمعُ سَلَف كأَسَد وأُسُد. والثانية تحتمل وجهين، أحدهما: أَنْ يكونَ جمعاً لسالِف كحارس وحَرَس، وخادِم وخَدَم. وهذا في الحقيقة اسمُ جمعٍ لا جمعُ تكسيرٍ؛ إذ ليس في أبنيةِ التكسير صيغةُ فَعَل. والثاني: أنه مصدرٌ يُطْلق على الجماعة تقول: سَلَفَ الرجلُ يَسْلُفُ سَلَفاً أي: تقدَّم. وسلَفُ الرجلِ آباؤه المتقدِّمون، والجمع أَسْلافٌ وسُلاف. وقال طفيل:
4004 -
مَضَوْا سَلَفاً قَصْدُ السَّبيلِ عليهمُ
…
صُروفُ المنايا بالرجالِ تَقَلَّبُ
وقرأ عليٌّ كَرَّم اللَّهُ وجهَه ومجاهد «سُلَفاً» بضم السين وفتح اللام. وفيها وجهان، أشهرُهما: أنه جمعُ سُلْفَة كغُرْفَة وغُرَف، والسُّلْفَةُ الأمة. وقيل: الأصل «سُلُفاً» بضمتين، وإنما أَبْدل من الضمة فتحةً.
قوله: {مَثَلاً} : إمَّا مفعولٌ ثانٍ إنْ كانت بمعنى صَيَّر، وإلَاّ حالاً.
قوله: «يَصِدُّون» قرأ نافع وابن عامر والكسائي «يَصُدُّون» بضمِ الصادِ. والباقون بكسرِها. فقيل: هما بمعنىً واحدٍ، وهو الصحيحُ، واللفظُ يُقال: صَدَّ يَصِدُّ ويَصُدُّ كعَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، ويَعْرُشُ ويَعْرِشُ. وقيل: الضمُّ
مِن الصُّدود، وهو الإِعراضُ. وقد أنكر ابنُ عباسٍ الضمَّ، وقد رُوِي له عن علي رضي الله عنهما والله أعلم - قبل بلوغِه تواتُرُه.
قوله: {وقالوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ} : قرأ أهلُ الكوفة بتحقيق الهمزةِ الثانيةِ، والباقون بتسهيلِها بينَ بينَ، ولم يُدْخِلْ أحدٌ مِنْ القرَّاء الذين مِنْ قاعدتِهم الفصلُ بين الهمزتين بألفٍ، ألفاً، كراهةً لتوالي أربعةِ مُتشابهات، وأَبْدل الجميعُ الهمزةَ الثالثة ألفاً. ولا بُدَّ/ مِنْ زيادةِ بيان: وذلك أن «آلِهة» جمعُ إله كعِماد وأَعْمِدَة، فالأصلُ أَأْلِهَة بهمزتين: الأولى زائدةٌ، والثانيةُ فاء الكلمة وقعتِ الثانيةُ ساكنةً بعد مفتوحةٍ وَجَبَ قلْبُها ألفاً كأَمِن وبابِه، ثم دَخَلَتْ همزةُ الاستفهامُ على الكلمةِ، فالتقى همزتان في اللفظ: الأولى للاستفهامِ والثانيةُ همزةُ أَفْعِلة. والكوفيون لم يَعْتَدُّوا باجتماعِهما فأبْقَوْهما على حالِهما. وغيرُهم استثقَل فخفَّفَ الثانيةَ بالتسهيلِ بينَ بينَ، والثالثةُ بألفٍ محضةٍ لم تُغَيَّرْ البتةَ. وأكثرُ أهلِ العصرِ يُقرُّونَ هذا الحرفَ بهمزةٍ واحدة بعدها ألفٌ على لفظِ الخبرِ ولم يقرأْ به أحدٌ من السبعة فيما قَرَأْتُ به، إلَاّ أنَّه رُوِي أنَّ وَرْشاً قرأ كذلك في روايةِ أبي الأَزْهر، وهي تحتملُ الاستفهامَ كالعامَّةِ، وإنما حَذَفَ أداةَ الاستفهامِ لدلالة «أم» عليها وهو كثيرٌ، وتَحْتمل أنَّه قرأه خبراً مَحْضاً وحينئذٍ تكون «أم» منقطعةً فتُقَدَّرُ ب بل والهمزة.
وأمَّا الجماعةُ فهي عندهم متصلةٌ. فقوله: «أم هو» على قراءةِ العامة عطفٌ على «آلهتنا» وهو من عطفِ المفرداتِ. التقدير: أآلهتُنا أم هو خيرٌ أي: أيُّهما خيرٌ. وعلى قراءةِ ورشٍ يكونُ «هو» مبتدأً، وخبرُه محذوفٌ تقديرُه: بل أهو خيرٌ، وليست «أم» حينئذٍ عاطفةً.
قوله: «جَدَلاً» مفعولٌ مِنْ أجله أي: لأجلِ الجدلِ والمِراءِ لا لإِظهارِ الحقِّ. وقيل: هو مصدرٌ في موضعِ الحال أي: إلَاّ مُجادِلين.
وقرأ ابنُ مقسم «جِدالاً» والوجهان جاريان فيه. والظاهر أنَّ «هو» لعيسى كغيره من الضمائر. وقيل: هو للنبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: {لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَائِكَةً} : في «مِنْ» هذه أقوالٌ، أحدها: أنها بمعنى بَدَل أي: لَجَعَلْنا بَدَلكم. ومنه أيضاً {أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة} [التوبة: 38] أي بَدَلَها. وأنشد:
4005 -
أخَذُوا المَخاضَ من الفَصيل غُلُبَّةً
…
ظُلْماً ويُكْتَبُ للأمير إفالا
وقال آخر:
4006 -
جارِيَةٌ لم تَأْكُلِ المُرَقَّقَا
…
ولم تَذُقْ من البُقولِ الفُسْتقا
والثاني: - وهو المشهورُ - أنها تبعيضِيَّةٌ. وتأويلُ الآية عندهم: لَوَلَّدْنا منكم يا رجالُ ملائكةً في الأرض يَخْلُفونكم كما يَخْلُفكم أولادُكم، كما وَلَّدْنا
عيسى مِنْ أنثى دونَ ذكرٍ، ذكره الزمخشري. والثالث: أنها تبعيضيَّةٌ. قال أبو البقاء: «وقيل: المعنى: لَحَوَّلْنا بعضَكم ملائكةً» . وقال ابن عطية: «لَجَعَلْنا بَدَلاً مِنْكم» .
قوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ} : المشهورُ أنَّ الضمير لعيسى، يعني نزولَه آخر الزمان. وقيل الضميرُ للقرآن أي: فيه عِلْمُ الساعةِ وأهوالُها، أو هو علامةٌ على قُرْبها. وفيه {اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء: 1] {اقتربت الساعة} [القمر: 1] . وقيل: للنبي صلى الله عليه وسلم. ومنه «بُعِثْت أنا والساعةُ كهاتَيْن» .
والعامَّةُ على «عِلْم» مصدراً، جُعِل عِلْماً مبالغَةً لَمَّا كان به يَحْصُلُ العِلْمُ، أو لَمَّا كان شَرْطاً يُعْلَم به ذلك أُطْلِق عليه عِلْم. وابن عباس وأبو هُرَيْرَة وأبو مالكِ الغِفاري وزيد بن علي «لَعَلَمٌ» بفتح الفاءِ والعينِ أي: لَشَرْطُ وعَلامةٌ، وقرأ أبو نضرة وعكرمةُ كذلك، إلَاّ أنهما عَرَّفا باللام، فقرآ «للعَلَمُ» أي: لَلْعلامَةُ المعروفةُ.
قوله: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ} : مبتدأ، وخبرُه «عَدُوٌّ» . والتنوين في «يومئذٍ» عِوَضٌ عن جملة تقديرُه: يومَ إذْ تَأْتيهم الساعةُ. والعامل في «يَوْمئذ» لفظُ «عَدُوٌّ» أي: عداوتُهم في ذلك اليوم.
قوله: {ياعبادي} : قرا أبو بكرٍ عن عاصمٍ «يا عبادِيَ، لا خَوْفٌ» بفتح الياء. والأخوانَ وابن كثير وحفصٌ بحَذْفِها وصلاً ووقفاً. والباقون بإثباتها ساكنةً. وقرأ العامَّة «لا خوفٌ» بالرفع والتنوينِ: إمَّا مبتدأً، وإمَّا اسماً لها، وهو قليلٌ. وابن محيصن دونَ تنوينٍ على حَذْفِ مضافٍ وانتظارِه: لا خوفُ شيءٍ. والحسنُ وابن أبي إسحاق بالفتح على «لا» التبرئةِ، وهي عندهم أَبْلَغُ.
قوله: {الذين آمَنُواْ} : يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً ل «عبادي» أو بدلاً منه، أو عطف بيانٍ له، أو مقطوعاً منصوباً أو مرفوعاً.
قوله: {يُطَافُ} : قبلَه محذوفٌ أي: يَدْخُلونُ يُطاف. والصِّحافُ: جمعُ صَحْفَة كجَفْنَة وجِفان. قال الجوهري: «الصَّحْفَةُ كالقَصْعَةِ. وقال الكسائيُّ: أعظمُ القَصاعِ الجَفْنةُ، ثم القَصْعَةُ تُشْبِع العَشَرة، ثم الصَّحْفَةُ تُشْبِعُ الخمسةَ، ثم المِئْكَلَة تُشْبِعُ/ الرجلين والثلاثة» . والصَّحيفة: الكتابُ، والجمعُ: صُحُف وصَحَائف. وأمال الكسائيُّ في
روايةٍ «بِصحاف» . والأَكْواب جمعٌ. فقيل: هو كالإِبْريق إلَاّ أنه لا عُرْوَةَ له. وقيل: إلَاّ أنه لا خُرْطومَ له. وقيل: إلَاّ أنه لا عُرْوَةَ له ولا خُرْطومَ معاً. قال الجواليقي: «ليتمكَّنَ الشاربُ مِنْ أين شاءَ، فإنَّ العُرْوَةَ تمنعُ من ذلك» .
وقال عَدِيّ:
4007 -
مُتَّكِئاً تَصْفِقُ أبْوابُه
…
يَسْعَى عليه العبدُ بالكُوبِ
والتقدير: وأكواب مِنْ ذَهَب أو لم يُرِدْ تَقْييدَها.
قوله: {مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس} قرأ نافعٌ وابن عامرٍ وحفصٍ «تَشْتهيه» بإثباتِ العائدِ على الموصول كقوله: {الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان} [البقرة: 275] والباقون بحَذْفِه كقوله: {أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً} [الفرقان: 41] وهذه القراءةُ شبيهةٌ بقوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} [يس: 35] وتقدَّم ذلك في يس،
وهذه الهاءُ في هذه السورةِ رُسِمَتْ في مصاحفِ المدينة والشام، وحُذِفَتْ مِنْ غيرِها. وقد وقع لأبي عبد الله الفاسيِّ شارحِ القصيدِ وَهَمٌ فسَبَقَ قلمُه فكتب: «والهاءُ منه محذوفةٌ في مصاحفِ المدينةِ والشامِ ثابتةٌ في
غيرِهما» . أراد أن يكتبَ «ثابتةٌ في مصاحف المدينة والشام محذوفةٌ من غيرِهما» فعكَسَ. وفي مصحفِ عبد الله {تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين} بالهاء فيهما.
قوله: {مِّنْهَا تَأْكُلُونَ} : «مِنْ» تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ، وقُدِّم الجارُّ لأجلِ الفاصلةِ.
قوله: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} : جملةٌ حاليةٌ، وكذلك {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} : وقرأ عبد الله «وهُمْ فيها» أي: في النار لدلالةِ العذاب عليها.
قوله: {ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين} : العامَّةُ على الياء خبراً ل «كان» ، و «هم» إمَّا فَصْلٌ وإمَّا توكيدٌ. وقرأ عبد الله وأبو زيدٍ النحويان «الظالمون» على أنَّ «هو» مبتدأٌ. و «الظالمون» خبرُه. والجملةُ خبر كان، وهي لغةُ تميم. قال أبو زيد:«سَمِعْتُهم يَقْرؤون» تَجِدُوْه عند الله هو خيرٌ وأعظمُ أجراً «بالرفعِ. وقال قيس بن ذُرَيح:
4008 -
تَحِنُّ إلى ليلى وأنت تَرَكْتَها
…
وكنتَ عليها بالمَلا أنتَ أقدرُ
برفع» أقدرُ «و» أنت «فصلٌ أو توكيدٌ. قال سيبويه:» بَلَغَنا أنَّ رؤبةَ كان يقولُ: أظنُّ زيداً هو خيرٌ منك «يعني بالرفع.
قوله: {يامالك} : العامَّةُ مِنْ غير ترخيمٍ. وعلي بن أبي طالب وعبدُ الله وابنُ وثَّاب والأعمش «يا مالِ» مرخماً على لغة مَنْ ينتظر. وأبو السِّوار الغَنَويُّ «يا مالُ» مبنياً على الضم على لغةِ مَنْ لا يَنْوي.
قوله: {أَمْ أبرموا} : أم منقطعةٌ. والإِبرام: الإِتقانُ، وأصلُه في الفَتْلِ. يقال: أَبْرَمَ الحَبْلَ أي: أتقن فَتْلَه، وهو الفَتْلُ الثاني، والأولُ يُقال له: سَحِيل. قال زهير:
4009 -
لَعَمْرِي لَنِعْمَ السَّيِّدان وُجِدْتُما
…
على كل حالٍ مِنْ سَحِيلٍ ومُبرَمِ
قوله: {إِن كَانَ للرحمن} : قيل: هي شرطيةٌ على بابِها. واخْتُلِفَ في تأويلِه فقيل: إنْ صَحَّ ذلك فأنا أولُ مَنْ يَعْبُده لكنه لم يَصِحَّ البتةَ بالدليلِ القاطعِ، وذلك أنَّه عَلَّق العبادةَ بكيْنونة الولدِ، وهي مُحالٌ في نفسِها، فكان المُعَلَّقُ بها مُحالاً مثلَها، فهو في صورةِ إثباتِ الكينونةِ والعبادةِ، وفي معنى نَفْيهِما على أَبْلغِ الوجوهِ وأَقْواها، ذكره الزمخشريُّ. وقيل: إن كان له ولدٌ في زَعْمِكم. وقيل: العابدين بمعنى: الآنفين. مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّ أَنَفَةً فهو عَبِدٌ وعابِدٌ. ويؤيِّدُه قراءةُ السُّلَميِّ واليماني «العَبِدين» دون ألفٍ. وحكى الخليل قراءةً غريبةً وهي «العَبْدِيْن» بسكون الباءِ، وهي تخفيفُ قراءةِ
السُّلَمي فأصلها الكسرُ. قال ابنُ عرفة: «يقال: عَبِدَ بالكسر يَعْبَد بالفتح فهو عَبِد، وقلَّما يقال: عابِد، والقرآن لا يجيْءُ على القليلِ ولا الشاذِّ» . قلتُ: يعني فتخريج مَنْ قال: إنَّ العابدين بمعنى الآنفين لا يَصِحُّ، ثم قال كقول مجاهد. وقال الفرزدق:
4010 -
أولئك آبائي فجِئْني بمثْلِهم
…
وأَعْبَدُ أنْ أَهْجُوْ كُلَيْباً بدارِمِ
أي: آنَفُ. وقال آخر:
4011 -
متى ما يَشَأْ ذو الوُدِّ يَصْرِمْ خليلَه
…
ويُعْبَدْ عليه لا مَحالةَ ظالما
وقال أبو عبيدة: «معناه الجاحِدين» . يقال: عَبَدَني حَقِّي أي: جَحَدنيه. وقال أبو حاتم: «العَبِدُ بكسر الباءِ: الشديدُ الغَضَبِ» ، وهو معنى حسنٌ أي: إنْ كان له ولدٌ على زَعْمِكم فأنا أولُ مَنْ يَغْضَبُ لذلك.
وقيل: «إنْ» نافيةٌ أي: ما كان، ثم أَخْبَرَ بقولِه:{فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين}
وتكونُ الفاءُ سببيةً. ومنع مكي أَنْ تكونَ نافيةً قال: «لأنه يُوْهِمُ أنَّك إنما نَفَيْتَ عن الله الولدَ فيما مضى دونَ ما هو آتٍ، وهذا مُحالٌ» .
وقد رَدَّ الناسُ على مكيّ، وقالوا: كان قد تَدُلُّ على الدوامِ كقوله: {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 96] إلى ما لا يُحْصَى، والصحيحُ من مذاهبِ النحاةِ: أنها لا تدُلُّ على الانقطاعِ، والقائلُ بذلك يقولُ: ما لم يكنْ قرينة كالآياتِ المذكورةِ. وتقدَّمَ الخلافُ في قراءَتَيْ: وَلَد ووُلْد في مريم.
قوله: {يُلَاقُواْ} : العامَّةُ من المُلاقاةِ. وابنُ محيصن - وتُرْوى عن أبي عمروٍ - «يَلْقَوا» مِنْ لَقِيَ.
قوله: {وَهُوَ الذي فِي السمآء إله} : «في السماء» متعلِّقٌ ب «إله» لأنه بمعنى معبودٌ أي: معبودٌ في السماء ومعبودٌ في الأرض، وحينئذٍ فيقال: الصلة لا تكونُ إلَاّ جملةً أو ما في تقديرِها وهو الظرفُ وعديلُه، ولا شيءَ منها هنا. والجوابُ: أنَّ المبتدأَ حُذِفَ لدلالة المعنى عليه، وذلك المحذوفُ هو العائدُ تقديرُه: وهو الذي في السماءِ إلهٌ، وهو في الأرض إلهٌ، وإنما/ حُذِف لطولِ الصلةِ بالمعمولِ فإنَّ الجارَّ متعلِّقٌ ب إله. ومثلُه «ما أنا بالذي قائلٌ لك سوءاً» .
وقال الشيخ: «وحَسَّنه طولُه بالعطفِ عليه، كما حَسَّنَ في قولِهم: قائل [
لك] شيئاً طولُه بالمعمولِ» . قلت: حصولُه في الآيةِ وفيما حكاه سواءٌ؛ فإن الصلةَ طالَتْ بالمعمولِ في كلَيْهما، والعطفُ أمرٌ زائدٌ على ذلك فهو زيادةٌ في تحسين الحَذْفِ. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ الجارُّ خبراً مقدماً، و «إله» مبتدأٌ مؤخرٌ لئلا تَعْرَى الجملةُ مِنْ رابطٍ، إذ يصيرُ نظيرَ «جاء الذي في الدار زيد» . فإن جَعَلْتَ الجارَّ صلةً وفيه ضميرٌ عائدٌ على الموصولِ وجَعَلْتَ «إله» بدلاً منه. قال أبو البقاء:«جاز على ضَعْفٍ؛ لأن الغَرَض الكليَّ إثباتُ الإِلهيةِ لا كونُه في السماء والأرض، فكان يَفْسُدُ أيضاً من وجهٍ آخرَ وهو قولُه: {وَفِي الأرض إله} لأنه معطوفٌ على ما قبلَه، وإذا لم تُقَدِّرْ ما ذكرْنا صار منقطعاً عنه وكان المعنى: أنَّ في الأرض إلهاً» انتهى. وقال الشيخ: «ويجوزُ أَنْ تكونَ الصلةُ الجارَّ والمجرورَ، والمعنى: أنه فيهما بألوهِيَّتِه وربُوبِيَّتِه، إذ يَستحيل حَمْلُه على الاستقرار» .
وقرأ عمرُ وعلي وعبد الله في جماعة {وَهُوَ الذي فِي السمآء الله} ضُمِّن العَلَمُ أيضاً معنى المشتقِّ، فيتعلَّقُ به الجارُّ. ومثله «هو حاتمٌ في طَيِّئ» أي: الجوادُ فيهم. ومثلُه: فرعون العذاب.
قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} : الأخَوان وابن كثير بالياء مِنْ تحتُ، والباقون بالتاء مِنْ فوقُ، وهو في كلَيْهما مبني للمفعول. وقُرئ بالخطاب مبنياً للفاعل.
وقرأ العامَّةُ أيضاً «يَدْعُوْنَ» بياء الغَيْبة والضميرُ للموصل. والسلمي وابنُ وثابٍ بتاء الخطاب، والأسود بن يزيد بتشديد الدالِ، ونُقِل عنه القراءةُ مع ذلك بالتاء والياء.
قوله: {إِلَاّ مَن شَهِدَ بالحق} : فيه قولان، أحدهما: أنه متصلٌ والمعنى: إلَاّ مَنْ شهد بالحقِّ كعُزَيْرٍ والملائكةِ، فإنهم يملكون الشفاعةَ بتمليك اللَّهِ إياهم لها. وقيل: هو منقطعٌ بمعنى: أنَّ هؤلاءِ لا يَشْفَعُون إلَاّ فيمَنْ شَهِد بالحقِّ، أي: لكن مَنْ شَهِدَ بالحق يَشْفَعُ فيه هؤلاء، كذا قَدَّروه. وهذا التقديرُ يجوزُ فيه أَنْ يكونَ الاستثناءُ متصلاً على حَذْفِ المفعولِ، تقديرُه: ولا يملكون الذين يَدْعُون مِنْ دونه الشفاعةَ في أحدٍ إلَاّ فيمَنْ شَهِدَ.
وقرأ العامَّة «فأنَّى يُؤْفَكون» بالغَيْبة. ورُوي عن أبي عمروٍ بالخطاب.
قوله: {وَقِيلِهِ} : قرأ حمزةُ وعاصمٌ بالجرِّ. والباقون بالنصب. فأمَّا الجرُّ فعلى وجهَيْن، أحدهما: أنَّه عطفٌ على «الساعة» أي: عنده عِلْمُ قيلِه، أي: قولِ محمدٍ أو عيسى عليهما السلام. والقَوْلُ والقالُ والقِيْلُ بمعنى واحد جاءَتْ المصادرُ على هذه الأوزانِ. والثاني: أنَّ الواوَ
للقَسم. والجوابُ: إمَّا محذوفٌ تقديرُه: لتُنْصَرُنَّ أو لأَفْعَلَنَّ بهم ما أريد، وإمَّا مذكورٌ وهو قولُه:{إِنَّ هؤلاء قَوْمٌ لَاّ يُؤْمِنُونَ} ذكره الزمخشريُّ.
وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها ثمانيةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه منصوبٌ على محلِّ «الساعة» . كأنَّه قيل: إنه يَعْلَمُ الساعةَ ويعْلَمُ قِيْله كذا. الثاني: أنَّه معطوفٌ على «سِرَّهم ونجواهم» أي: لا نعلم سِرَّهم ونجواهم ولا نعلمُ قِيْلَه. الثالث: عطفٌ على مفعولِ «يكتُبون» المحذوفِ أي: يكتبون ذلك ويكتبون قيلَه كذا أيضاً. الرابع: أنَّه معطوفٌ على مفعولِ «يعلمون» المحذوفِ أي: يَعْلمون ذلك ويعلمون قيلَه. الخامس: أنه مصدرٌ أي: قالَ قيلَه. السادس: أَنْ ينتصِبَ بإضمارِ فعلٍ أي: اللَّهُ يعلمُ قيلَ رسولِه وهو محمدٌ صلى الله عليه وسلم. السابع: أَنْ ينتصِبَ على محلِّ «بالحق» أي: شَهِدَ بالحقِّ وبِقيْلِه. الثامن: أَنْ ينتصِبَ على حَذْفِ حرفِ القسمِ كقوله:
4012 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
فذاك أمانةَ اللَّهِ الثَّريدُ
وقرأ الأعرجُ وأبو قلابةَ ومجاهدٌ والحسنُ بالرفع، وفيه أوجه [أحدها:] الرفعُ عطفاً على «علمُ الساعةِ» بتقديرِ مضافٍ أي: وعنده عِلْمُ قِيْلِه، ثم حُذِفَ وأُقيم هذا مُقامَه. الثاني: أنَّه مرفوعٌ بالابتداءِ، والجملةُ مِنْ قولِه:«يا رب» إلى آخره هي الخبر. الثالث: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ تقديرِه: وقيلُه كيتَ وكيتَ مَسْموعٌ أو مُتَقَبَّلٌ. الرابع: أنه مبتدأ وأصلُه القسمُ كقولِهم: «ايمُنُ الله» و «لَعَمْرُ الله» فيكونُ خبرُه محذوفاً. والجوابُ كما تقدَّم، ذَكرَه الزمخشري أيضاً.
واختار القراءةَ بالنصب جماعةٌ. قال النحاس: «القراءةُ البَيِّنَةُ بالنصب من جهتَيْن، إحداهما: أنَّ التفرقةَ بين المنصوبِ وما عُطِفَ عليه مُغْتَفَرَةٌ بخلافِها بين المخفوضِ وما عُطِفَ عليه. والثانيةُ تفسيرُ أهلِ التأويل بمعنى النصب» . قلت: وكأنَّه يُريدُ ما قال أبو عبيدة قال: «إنما هي في التفسيرِ: أم يَحْسَبون أنَّا لا نَسْمع سِرَّهم ونجواهم ولا نسمعُ قِيْلَه يا رب. ولم يَرْتَضِ الزمخشريُّ من الأوجهِ المتقدمةِ شيئاً، وإنما اختار أَنْ تكونَ قَسَماً في القراءاتِ الثلاثِ، وتقدَّم تحقيقُها.
وقرأ أبو قلابة» يا رَبَّ «بفتح الباءِ على قَلْب الياء ألفاً ثم حَذََفَها مُجْتَزِئاً عنها بالفتحة كقولِه:
4013 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
بلَهْفَ ولا بِلَيْتَ. . . . . . . . . . . . . . . . .
والأخفشُ يَطَّرِدُها.
قوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} : قرأ نافعٌ وابنُ عامر «تَعْلمون» بالخطاب التفاتاً، والباقون بالغَيْبة نظراً لِما تقدَّم.
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ} : يجوزُ أن يكونَ جوابَ القسمِ، وأَنْ يكونَ اعتراضاً، والجوابُ قولُه:{إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} ، واختاره ابنُ عطية. وقيل:«إنَّا كُنَّا» مستأنفٌ، أو جوابٌ ثانٍ مِنْ غيرِ عاطِفٍ.
قوله: {فِيهَا يُفْرَقُ} : يجوزُ أَنْ تكونَ مُسْتَأْنَفَةً، وأَنْ تكونَ صفةً ل «ليلة» وما بينهما اعتراضٌ. قال الزمخشري:«فإنْ قلتَ: إنَّا كُنَّا مُنْذِرين، فيها يُفْرَقُ، ما موقعُ هاتين الجملتين؟ قلت: هما جملتان مستأنفتان مَلْفوفتان، فَسَّر بهما جوابَ القسمِ الذي هو» أَنْزَلْناه «كأنه قيل: أَنْزَلْناه؛ لأنَّ مِنْ شَأْنِنا الإِنذارَ والتحذيرَ، وكان إنزالُنا إياه في هذه الليلةِ خصوصاً؛ لأنَّ إنزالَ القرآنِ مِنَ الأمورِ الحكيمةِ، وهذه الليلةُ يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيم» . قلت: وهذا مِنْ محاسِنِ هذا الرجلِ.
وقرأ الحسن والأعرج والأعمش «يَفْرُقُ» بفتح الياء وضمِّ الراءِ، «كلَّ» بالنصب أي: يَفْرُقُ اللَّهُ كلَّ أَمْرٍ. وزيد بن علي «نَفْرِقُ» بنونِ العظمةِ، «كلَّ»
بالنصبِ، كذا نقله الزمخشريُّ، ونَقَلَ عنه الأهوازي «يَفْرِق» بفتح الياء وكسرِ الراء، «كلَّ» بالنصب، «حكيمٌ» بالرفع على أنه فاعل «يَفْرِق» ، وعن الحسن والأعمش أيضاً «يُفَرَّقُ» كالعامَّةِ، إلَاّ أنه بالتشديد.
قوله: {أَمْراً} : فيه اثنا عشر وجهاً، أحدُها: أَنْ ينتصِبَ حالاً مِنْ فاعل «أَنْزَلْناه» . الثاني: أنه حالٌ مِنْ مفعولِه أي: أنزلناه آمِرِيْن، أو مَأْموراً به. الثالث: أَنْ يكونَ مفعولاً له، وناصبُه: إمَّا «أَنْزَلْناه» وإمَّا «مُنْذرِين» وإمَّا «يُفْرَقُ» . الرابع: أنه مصدرٌ مِنْ معنى يُفْرَق أي: فَرْقاً. الخامس: أنه مصدرٌ ل «أَمَرْنا» محذوفاً. السادس: أَنْ يكونَ «يُفْرَقُ» بمعنى يَأْمُر. والفرقُ بين هذا وما تقدَّم: أنَّك رَدَدْتَ في هذا بالعاملِ إلى المصدرِ وفيما تقدَّم بالعكس. السابع: أنَّه حالٌ مِنْ «كُلُّ» . الثامن: أنه حالٌ مِنْ «أَمْرٍ» وجاز ذلك لأنه وُصِفَ. إلَاّ أنَّ فيه شيئين: مجيءَ الحالِ من المضاف إليه في غيرِ المواضع المذكورة. والثاني: أنها مؤكدةٌ. التاسع: أنه مصدرٌ ل «أَنْزَل» أي: إنَّا أَنْزَلْناه إنزالاً، قاله الأخفش. العاشر: أنَّه مصدرٌ، لكن بتأويل العاملِ فيه إلى معناه أي: أَمَرْنا به أَمْراً بسببِ الإِنزال، كما قالوا ذلك في وَجْهي فيها يُفْرَقُ فَرْقاً أو يَنْزِل إنزالاً. الحادي عشر: أنه منصوبٌ على الاختصاص، قاله الزمخشري، ولا يَعْني بذلك الاختصاصَ الاصطلاحيَّ فإنه لا يكون نكرةً. الثاني عشر: أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في «حكيم» . الثالث عشر: أَنْ ينتصِبَ
مفعولاً به ب «مُنْذِرين» كقولِه: {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} [الكهف: 2] ويكونُ المفعولُ الأول محذوفاً أي: مُنْذِرين الناسَ أمراً. والحاصلُ أنَّ انتصابَه يَرْجِعُ إلى أربعة أشياء: المفعولِ به، والمفعولِ له، والمصدريةِ، والحاليةِ، وإنما التكثيرُ بحَسبِ المحالِّ، وقد عَرَفْتَها بما قَدَّمْتُه لك.
وقرأ زيد بن علي «أَمْرٌ» بالرفع. قال الزمخشري: «وهي تُقَوِّي النصبَ على الاختصاصِ» .
قوله: «مِنْ عِنْدِنا» يجوز أَنْ يتعلَّق ب «يُفْرَقُ» أي: مِنْ جهتِنا، وهي لابتداءِ الغاية مجازاً. ويجوز أَنْ يكونَ صفةً ل أَمْراً.
قوله: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} جوابٌ ثالثٌ أو مستأنفٌ، أو بدلٌ من قوله:{إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} .
قوله: {رَحْمَةً} : فيها خمسةُ أوجهٍ [أحدها] : المفعولُ له. والعاملُ فيه: إمَّا «أَنْزَلْناه» وإمَّا «أَمْراً» وإمَّا «يُفْرَقُ» وإمَّا «مُنْذِرين» . الثاني: مصدرٌ بفعلٍ مقدرٍ أي: رَحِمْنا رَحْمَةً. الثالث: مفعولٌ ب مُرْسِلين. الرابع: حالٌ من ضمير «مُرْسِلين» أي: ذوي رحمة. الخامس: أنها بدلٌ مِنْ «أَمْراً» فيجيءُ فيها ما تقدَّم، وتكثرُ الأوجهُ فيها حينئذٍ.
و «مِنْ رَبِّك» يتعلَّقُ برَحْمة، أو بمحذوفٍ على أنها صفةٌ. وفي «مِنْ ربِّك» التفاتٌ من التكلُّم إلى الغَيْبة، ولو جَرَى على مِنْوالِ ما تقدَّمَ لقال: رحمةً منا.
قوله: {رَبِّ السماوات} : قرأ الكوفيون بخفض «رَبّ» ، والباقون برفعِه. فالجرُّ على البدلَ، أو البيانَ، أو النعتِ. والرفعُ على إضمارِ مبتدأ، أو على أنَّه مبتدأٌ، خبرُه {لَا إله إِلَاّ هُوَ} .
قوله: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ} : العامَّةُ على الرفع بدلاً أو بياناً أو نعتاً ل «ربُّ السماوات» فيمَنْ رَفَعه، أو على أنَّه مبتدأٌ، والخبرُ {لَا إله إِلَاّ هُوَ} أو خبرٌ بعد خبرٍ لقولِه:{إِنَّهُ هُوَ السميع} أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ عند الجميعِ أعني قُرَّاءَ الجرِّ والرفع، أو فاعلٌ لقولِه:«يُميت» . وفي «يُحْيي» ضميرٌ يَرْجِعُ إلى ما قبلَه أي: يُحْيي هو، أي: ربُّ السماوات ويميتُ هو، فأوقَعَ الظاهرَ مَوْقِعَ المضمرِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ «يُحيي ويُميت» من التنازع. ويجوزُ أَنْ يُنْسَبَ الرفعُ إلى الأول أو الثاني نحو: يَقُوم ويَقْعد زيد، وهذا عَنَى أبو البقاء بقولِه:«أو على شريطةِ التفسير» .
وقرأ ابنُ محيصن وابنُ أبي إسحاق وأبو حيوة والحسن بالجرِّ/ على البدلِ أو البيانِ أو النعتِ ل «رب السماوات» ، وهذا يُوْجِبُ أَنْ يكونوا يَقْرؤون «رَبِّ السماوات» بالجرِّ. والأنطاكي بالنصب على المدحِ.
قوله: {يَوْمَ تَأْتِي} : منصوبٌ ب «ارْتَقِبْ» على الظرفِ. والمفعولُ محذوفٌ أي: ارتقِبْ وَعْدَ الله في ذلك اليومِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ هو المفعولَ المرتقبَ.
قوله: {يَغْشَى الناس} : صفةٌ ثانيةٌ أي: بدُخان مُبين غاشٍ.
قوله: «هذا عَذابٌ» في محلِّ نصبٍ بالقول. وذلك القولُ حالٌ أي: قائلين ذلك، ويجوزُ أَنْ لا يكونَ معمولاً لقولٍ البتةَ، بل هو مجرَّدُ إخبارٍ.
قوله: {أنى لَهُمُ الذكرى} : يجوزُ أَنْ يكونَ «أنَّى» خبراً ل «ذِكْرى» و «لهم» تبيينٌ. ويجوزُ أَنْ يكونَ «أنَّى» منصوباً على الظرفِ بالاستقرار في «لهم» ، فإن «لهم» وَقَعَ خبراً ل «ذِكْرى» .
قوله: «وقد جاءَهم» حال مِنْ «لهم» . وقرأ زيد بن علي «مُعَلِّم» بكسر اللام.
قوله: {قَلِيلاً} : نعتٌ لزمانٍ أو مصدرٍ محذوف، أي: كَشْفاً قليلاً أو زماناً قليلاً.
قوله: {يَوْمَ نَبْطِشُ} قيل: هو بدلٌ مِنْ «يَومَ تأتي» . وقيل: منصوبٌ بإضمارِ اذْكُر. وقيل: ب مُنْتَقِمون. وقيل: بما دَلَّ عليه «مُنْتَقِمون» وهو يَنْتقم. ورُدَّ هذا: بأنَّ ما بعد «إنَّ» لا يَعْمل فيما قبلها، وبأنه لا يُفَسَّر إلَاّ ما يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ.
قوله: «نَبْطِش» العامَّةُ على فتح النونِ وكسرِ الطاء أي: نَبْطِش بهم. وقرأ الحسن وأبو جعفر بضم الطاء، وهي لغةٌ في مضارع بَطَشَ. والحسن وأبو رجاء وطلحة بضمِّ النونِ وكسرِ الطاءِ، وهو منقولٌ مِنْ بَطَشَ أي: تَبْطِشُ بهم الملائكةُ. والبَطْشَةُ على هذا يجوز أن تكونَ منصوبةً ب نُبْطِشُ على حَذْفِ الزائد نحو: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] وأَنْ يَنْتَصِبَ بفعلٍ مقدر أي: تَبْطِشُ الملائكةُ بهم فيَبْطِشُون البطشةَ.
قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا} : قُرِئ «فَتَّنَّا» بالتشديدِ على المبالغة أو التكثيرِ لكثرةِ متعلَّقِه. و «جاءهم رسولٌ» يحتمل الاستئنافَ والحالَ.
قوله: {أَنْ أدوا} : يجوزُ أَنْ تكونَ المفسِّرَةَ؛ لتقدُّمِ ما هو بمعنى القول، وأَنْ تكونَ المخفَّفَةَ، وأَنْ تكونَ الناصبةَ للمضارع، وهي تُوْصَلُ بالأمر. وفي جَعْلِها مخففةً إشكالٌ تَقَدَّم: وهو أنَّ الخبرَ في هذا البابِ لا يقع طلباً، وعلى جَعْلِها مصدريَّةً تكون على حَذْفِ الجرِّ أي: جاءهم بأَنْ أَدُّوا. و «عبادَ الله» يُحتمل أَنْ يكونَ مفعولاً به. وفي التفسير: أنَّه طلبَ منهم أَنْ يُؤَدُّوا إليه بني إسرائيل، ويَدُلُّ عليه {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيلَ} ، وأَنْ يكونَ منادى، والمفعولُ محذوفٌ أي: أَعْطوني الطاعةَ يا عبادَ الله.
قوله: {وَأَن لَاّ تَعْلُواْ} : عطفٌ على «أَنْ» الأولى. والعامَّةُ على كسرِ الهمزةِ مِنْ قولِه: «إنِّي آتِيْكم» على الاستئنافِ. وقُرِئ بالفتح على تقديرِ اللامِ أي: وأَنْ لا تَعْلُوا لأنِّي آتِيْكم.
قوله: {أَن تَرْجُمُونِ} : أي: مِنْ أَنْ تَرْجُمون.
وقوله: «إنِّي عُذْتُ» مستأنفٌ. وأدغم الذالَ في التاء أبو عمروٍ والأخَوان. وقد مَضَى توجيهُه في طه عند قوله: {فَنَبَذْتُهَا} [طه: 96] .
قوله: {أَنَّ هؤلاء} : العامَّةُ على الفتحِ بإضمارِ حرفِ الجرِّ أي: دعاه بأنَّ هؤلاء. وابنُ أبي إسحاق وعيسى والحسن بالكسرِ على إضمارِ القول عند البَصْرِيين، وعلى إجراءِ «دَعا» مُجْرى القول عند الكوفيين.
قوله: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي} : قد تقدَّم قراءتا الوصل والقطع. وقال الزمخشري: «وفيه وجهان: إضمارُ القولِ بعد الفاء: فقال أَسْرِ بعبادي، وجوابُ شرطٍ مقدرٍ، كأنَّه قال: إن كان الأمرُ - كما تقول - فَأَسْرِ بعبادي» . قال الشيخ: «وكثيراً ما يَدَّعي حَذْفَ الشرطِ ولا يجوزُ إلَاّ لدليلٍ واضحٍ كأَنْ يتقدَّمَه الأمرُ أو ما أشبهه» .
قوله: {رَهْواً} : يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً ثانياً على أنَّ «تَرَكَ» بمعنى صَيَّر، وأَنْ يكونَ حالاً على أنَّها ليسَتْ بمعناها. والرَّهْوُ قيل:
السكونُ، فالمعنى: اتْرُكْه ساكناً. يقال: رَهَا يَرْهُوا رَهْواً. ومنه جاءَتِ الخيلُ رَهْواً. قال النابغة:
4014 -
والخيلَ تَمْزَعُ رَهْواً في أَعِنَّتِها
…
كالطيرِ تَنْجُوْ مِنَ الشُّؤْبوب ذي البَرَدِ
ورَهَا يَرْهُو في سيرِه. أي: تَرَفَّقَ. قال القطامي:
4015 -
يَمْشِيْنَ رَهْواً فلا الأَعْجازُ خاذِلَةٌ
…
ولا الصدورُ على الأعجازِ تَتَّكِلُ
عن أبي عبيدةَ: رَهْواً: أي اتركْه مُنْفَتحاً فُرَجاً على ما تركْتَه.
وفي التفسير: أنَّه لَمَّا انْفَلَق البحرُ لموسى وطَلَعَ منه خاف أن يتبعَه فرعونُ فأراد أَنْ يَضْرِبَه ليعودَ حتى لا يَلحقوه. فأَمَرَ أَنْ يتركَه فُرَجاً. وأصلُه مِنْ قولِهم: / رَها الرجلُ يَرْهُو رَهْواً فتح ما بينَ رِجْلَيْه، والرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المكانُ المرتفعُ والمنخفضُ يَجْتمع فيه فهو من الأضداد. والرَّهْوَةُ المرأةُ الواسعةُ الهَنِ. والرَّهْوُ: طائر يقال هو الكُرْكِيّ. وقد تقدَّم الكلامُ في الشعراء على نظير {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ} .
قوله: {وَمَقَامٍ} : العامَّةُ على فتح الميم وهو اسم مكان القيام. وابن هرمز وقتادة وابن السَّمَيْفع ونافعٌ في روايةِ خارجةَ بضمِّها اسمُ مكانٍ مِنْ أقام.
والنَّعْمَةُ بالفتح: نَضارةُ العيشِ ولَذاذَتُه. والجمهور على جَرِّها. ونَصَبَها أبو رجاءٍ عَطْفاً على «كم» أي: تركوا كثيراً مِنْ كذا، وتركوا نَعْمة.
قوله: «فاكِهين» العامَّةُ على الألف أي: طَيِّبي الأنفسِ أو أصحابُ فاكهة ك لابنِ وتامرِ. وقيل: فاكهين لاهين. وقرأ الحسن وأبو رجاء «فَكِهين» أي: مُسْتَخِفِّين مُسْتهزئين. قال الجوهري: «يُقال: فَكِهَ الرجلُ بالكسرِ فهو فَكِهٌ إذا كان مَزَّاحاً والفَكِهُ أيضاً: الأشِرُ» .
قوله: {كَذَلِكَ} : يجوزُ أَنْ تكونَ الكافُ مرفوعةَ المحلِّ خبراً لمبتدأ مضمر أي: الأمرُ كذلك، وإليه نحا الزجَّاج. ويجوزُ أَنْ تكون منصوبةَ المحلِّ، فقَدَّرها الحوفيُّ: أَهْلكنا إهْلاكاً وانتقَمْنا انتقاماً كذلك. وقال الكلبيُّ: «كذلك أَفْعَلُ بمَنْ عَصاني» . وقيل: تقديرُه: يَفْعل فِعْلاً كذلك. وقال أبو البقاء: «تَرْكاً كذلك» فجعله نعتاً للتركِ المحذوفِ. وعلى هذه الأوجهِ كلِّها يُوْقَفُ على «كذلك» ويُبْتدأ «وأَوْرَثْناها» . وقال الزمخشري: «
الكافُ منصوبةٌ على معنى: مثلَ ذلك الإِخراجِ أَخْرَجْناهم منها وأَوْرَثْناها قوماً آخرين ليسوا منهم» ، فعلى هذا يكون «وأَوْرَثْناها» معطوفاً على تلك الجملةِ الناصبةِ للكاف، فلا يجوزُ الوقفُ على «كذلك» حينئذٍ.
قوله: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء} : يجوزُ أَنْ تكونَ استعارةً كقولِ الفرزدق:
4016 -
الشمسُ طالِعَةٌ ليسَتْ بكاسِفَةٍ
…
تَبْكي عليك نجومَ الليلِ والقمرا
وقال جرير:
4017 -
لَمَّا أتى خبرُ الزُّبَيْرِ تواضَعَتْ
…
سُوْرُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ
وقال النابغة:
4018 -
بكى حارِثُ الجَوْلانِ مِنْ فَقْدِ رَبِّهِ
…
وحَوْرَانُ منه خاشِعٌ مُتَضائِلُ
قوله: {مِن فِرْعَوْنَ} : فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه بدلٌ من العذاب: إمَّا على حَذْفِ مضافٍ أي: مِنْ عذابِ فرعونَ، وإمَّا على المبالغةِ جعلَه نفسَ العذابِ فأبدله منه. والثاني: أنه حالٌ من العذابِ تقديرُه: صادراً مِنْ فرعونَ.
وقرأ عبد الله {مِنَ عَذَابِ المهين} وهي مِنْ إضافةِ الموصوفِ لصفتِه؛ إذ الأصلُ: العذابُ المُهين، كالقراءةِ المشهورةِ.
وقرأ ابن عباس «مَنْ فرعونُ» بفتح ميم «مَنْ» ورفع «فرعونُ» على الابتداءِ والخبرِ، وهو استفهامُ تحقيرٍ كقولِك: مَنْ أنتَ وزيداً. ثم بَيَّنَ حالَه بالجملة بعدُ في قوله: {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين} .
قوله: {على عِلْمٍ عَلَى العالمين} : «على» الأولى متعلِّقةٌ بمحذوفٍ لأنَّها حالٌ من الفاعل في «اخْتَرْناهم» . والثانية متعلقةٌ ب «اخْتَرْناهم» . وفي عبارة الشيخ: أنَّه لَمَّا اختلفَ مدلولُها جاز تعلُّقُهما ب «اخْتَرْنا» . وأنشد الشيخُ نظيرَ ذلك:
4019 -
ويَوْماً على ظَهْر الكَثِيْبِ تَعَذَّرَتْ
…
عليَّ وآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ
ثم قال: «ف» على عِلْم «حالٌ: إمَّا من الفاعلِ أو من المفعول. و» على ظَهْر «حالٌ من الفاعل في» تَعَذَّرَتْ «. والعاملُ في الحال هو العاملُ في صاحبها» . وفيه نظرٌ؛ لأنَّ قولَه أولاً: «ولذلك تَعَلَّقا بفعلٍ واحدٍ لَمَّا اختلف المدلولُ» ينافي جَعْلَ الأولى حالاً؛ لأنَّها لم تتعلَّقْ به. وقولُه: «والعاملُ في الحالِ هو العاملُ في صاحبِها» لا يَنْفَعُ في ذلك.
قوله: {والذين مِن قَبْلِهِمْ} : يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أَنْ يكونَ معطوفاً على «قومُ تُبَّع» . الثاني: أَنْ يكونَ مبتدأً، وخبرُه ما بعده مِنْ «أَهْلَكْناهم» ، وأمَّا على الأول ف «أَهْلَكْناهم» : إمَّا مستأنفٌ، وإمَّا حالٌ من الضمير الذي اسْتَكَنَّ في الصلة. الثالث: أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره «أَهْلَكْناهم» . ولا مَحَلَّ ل أَهْلكنا «حينئذٍ.
قوله: {لَاعِبِينَ} : حال. وقرأ عمرو بن عبيد «وما بينَهُنَّ» لأنَّ السماواتِ والأرضَ جمعٌ. والعامَّةُ «بينَهما» باعتبار النَوْعين.
قوله: {إِلَاّ بالحق} : حالٌ: إمَّا من الفاعلِ، وهو الظاهرُ، وإمَّا من المفعولِ أي: إلَاّ مُحِقِّين أو مُلْتَبِسين/ بالحق.
قوله: {إِنَّ يَوْمَ الفصل مِيقَاتُهُمْ} : العامَّةُ على رَفْعِ «ميقاتُهم» خبراً ل «إنَّ» . وقُرِئ بنصبِه على أنه اسمُ «إنَّ» و «يومَ الفصلِ» خبرُه. و «أَجْمعين» تأكيدٌ للضميرِ المجرور.
قوله: {يَوْمَ لَا يُغْنِي} : يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً من «يومَ الفصل» أو بياناً عند مَنْ لا يَشْتَرِط المطابقةَ تعريفاً وتنكيراً، وأَنْ يكونَ منصوباً بإضمار أَعْني. وأَنْ يكونَ صفةً ل «مِيقاتُهم» ولكنه بُنِي. قاله أبو البقاء. وهذا لا يتأتَّى عند البَصْريين لإِضافتِه إلى مُعْرَبٍ. وقد تقدَّمَ آخرَ المائدة، وأَنْ
يَنْتَصِبَ بفعلٍ يَدُلُّ عليه «يومَ الفَصْلِ» أي: يَفْصِلُ بينهم يومَ لا يُغْني. ولا يجوز أَنْ ينتصِبَ بالفصلِ نفسِه لِما يَلْزَمُ مِنْ الفَصْلِ بينهما بأجنبيّ وهو «ميقاتُهم» ، و «الفَصْل» مصدر لا يجوز فيه ذلك. وقال أبو البقاء:«لأنَّه قد أُخْبر عنه» ، وفيه تَجَوُّزٌ فإنَّ الإِخبارَ عَمَّا أُضِيْفَ إلى الفَصْلِ لاغي الفَصْلِ.
قوله: «ولا هم» جُمِع الضميرُ عائداً به على «مَوْلَى» ، وإنْ كان مفرداً لأنه قَصَدَ معناه فجُمِعَ، وهو نكرةٌ في سِياق النفيِ فَعَمَّ.
قوله: {إِلَاّ مَن رَّحِمَ الله} يجوزُ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: - وهو قولُ الكسائيِّ - أنه منقطِعٌ. الثاني: أنه متصِلٌ تقديرُه: لا يُغْني قريبٌ عن قريبٍ إلَاّ المؤمنين فإنَّهم يُؤْذَنُ لهم في الشفاعةِ فيَشْفَعُون في بعضِهم. الثالث: أَنْ يكونَ مرفوعاً على البدليةِ مِنْ «مَوْلَى» الأول، ويكونُ «يُغْني» بمعنى يَنْفَعُ، قاله الحوفي. الرابع: أنه مرفوعُ المحلِّ أيضاً على البدلِ مِنْ واو «يُنْصَرُون» أي: لا يمنعُ من العذابِ إلَاّ مَنْ رحمه الله.
قوله: {كالمهل} : يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً ثانياً، وأَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هو كالمُهْلِ. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ «طعام الأثيم» . قال أبو البقاء: «لأنَّه لا عاملَ إذ ذاك» . وفيه نظرٌ؛ لأنَّه يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً، والعاملُ فيه معنى التشبيه، كقولك: زيدٌ أخوك شجاعاً.
والأَثيم صفةُ مبالَغَةٍ. ويقال: الأَثُوم كالصَّبورِ والشَّكور. والمُهْل: قيل دُرْدِيُّ الزيت. وقيل عَكَر القَطِران. وقيل: ما أُذِيْبَ مِنْ ذَهَبٍ أو فضة. وقيل:
ما أُذِيْبَ منهما ومِنْ كُلِّ ما في معناهما من المُنْطبعات كالحديدِ والنحاس والرَّصاص. والمَهْلُ بالفتح: التُّؤَدَةُ والرِّفْقُ. ومنه {فَمَهِّلِ الكافرين} [الطارق: 17] . وقرأ الحسن «كالمَهْل» بفتح الميم فقط، وهي لغةٌ في المُهْلِ بالضم.
قوله: «يَغْلي» قرأ ابن كثير وحفصٌ بالياءِ مِنْ تحتُ. والفاعلُ ضميرٌ يعود على طعام. وجَوَّز أبو البقاء أَنْ يعودَ على الزَّقُّوم. وقيل: يعود على المُهْلِ نفسِه، و «يَغْلي» حالٌ من الضميرِ المستترِ في الجارِّ أي: مُشْبهاً المُهْلَ غالياً. ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنَ المُهْلِ نفسِه. وجَوَّزَ أبو البقاء أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: هو يَغْلي أي: الزقُّوم أو الطعامُ. والباقون «تَغْلي» بالتاء مِنْ فوقُ، على أنَّ الفاعلَ ضميرُ الشجرةِ، والجملةُ خبرٌ ثانٍ أو حالٌ على رَأْيٍ، أو خبرُ مبتدأ مضمر أي: هي تَغْلي.
قوله: {كَغَلْيِ الحميم} : نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالٌ مِنْ ضميرِه أي: تَغْلي غَلْياً مثلَ غَلْيِ الحميمِ أو يَغْليه مُشْبهاً غَلْيَ الحميمِ.
قوله: {فاعتلوه} : قرأ نافعٌ وابنُ كثير وابن عامر بضمِّ عين «اعْتُلوه» . والباقون بكسرِها، وهما لغتان في مضارع عَتَله أي: ساقَه بجفاءٍ وغِلْظَة ك عَرَش يَعْرِش ويَعْرُش. والعُتُلُّ: الجافي الغليظُ.
قوله: {إِنَّكَ أَنتَ} : قرأه الكسائيُّ بالفتحِ على معنى العلَّةِ أي: لأنَّك. وقيل: تقديرُه: ذُقْ عذابَ أنَّك أنت العزيزُ. والباقون بالكسرِ على الاستئنافِ المفيدِ للعلَّة، فتتحدُ القراءاتان معنىً. وهذا الكلامُ على سبيلِ التهكمِ، وهو أغيَظُ للمُسْتَهْزَأ به، ومثلُه قولُ جريرٍ لشاعرٍ سَمَّى نفسه زهرةَ اليمن:
4020 -
ألَمْ يَكُنْ في وُسُومٍ قد وَسَمْتُ بها
…
مَنْ كان موعظةً يا زهرةَ اليَمَنِ
وكان هذا الشاعرُ قد قال:
4021 -
أبْلِغْ كُلَيْباً وأَبْلِغْ عَنْك شاعرَها
…
أنِّي الأَغَرُّ وأنِّي زهرةُ اليمنِ
قوله: {فِي جَنَّاتٍ} : / يجوز أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ قولِه: «في مَقام» بتكرير العاملِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ خبراً ثانياً.
قوله: {يَلْبَسُونَ} : يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ المستكِنِّ في الجارِّ، وأَنْ يكونَ خبراً ل «إنَّ» فيتعلَّقَ الجارُّ به، وأَنْ يكون مُسْتأنفاً.
قوله: «مُتقابلين» حالٌ مِنْ فاعلِ «يَلْبَسون» وقد تقدَّم تفسيرُ هذه الألفاظِ: السُّنْدس والإِستبرق والمقام.
قوله: {كَذَلِكَ} : في هذه الكاف وجهان، أحدُهما: النصبُ نعتاً لمصدرٍ أي: نفعلُ بالمتقين فعلاً كذلك أي: مِثْلَ ذلك الفعلِ. والثاني: الرفعُ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: الأمرُ كذلك. وقَدَّر أبو البقاء قبلَه جملةً حاليةً فقال: «تقديرُه: فَعَلْنا ذلك والأمرُ كذلك» ، ولا حاجةَ إليه. والوقفُ على «كذلك» ، والابتداءُ بقولِه «وزَوَّجْناهم» .
قوله: «بِحُوْرٍ عِيْنٍ» العامَّةُ على تنوين «حور» مَوْصوفين ب «عِيْن» . وعكرمة لم يُنَوِّن، أضافهنَّ لأنهنَّ ينقسِمْنَ إلى عِيْنٍ وغيرِ عِيْنٍ. وتقدَّم تفسيرُ الحُور العين.
قوله: {يَدْعُونَ} : حالٌ مِنْ مفعولِ «زَوَّجْناهم» ، ومفعولُه محذوفٌ أي: يَدْعُوْن الخَدَمَ بكلِّ فاكهةٍ.
قوله: «آمِنين» يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً ثانية، وأَنْ يكونَ حالاً من فاعلِ «يَدْعُون» فتكونَ حالاً متداخلةً.
قوله: {لَا يَذُوقُونَ} : يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في «آمِنين» ، وأَنْ يكونَ حالاً ثالثةً أو ثانيةً مِنْ مفعولِ «زَوَّجْناهم»
و «آمنين» حالٌ مِنْ فاعلِ «يَدْعُون» كما تقدَّمَ، أو صفةٌ ل «آمِنين» أو مستأنفٌ. وقرأ عمرو بن عبيد «لا يُذاقون» مبنياً للمفعول.
قوله: {إِلَاّ الموتة الأولى} فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه منقطعٌ أي: لكنْ الموتةُ الأولى قد ذاقُوها. الثاني: أنه متصلٌ وتَأَوَّلوه: بأنَّ المؤمنَ عند موتِه في الدنيا بمنزلته في الجنة لمعاينة ما يُعْطاه منها، أو لِما يَتَيَقَّنُه مِنْ نعيمِها. الثالث: أنَّ «إلَاّ» بمعنى سِوى نقله الطبريُّ وضَعَّفَه. قال ابن عطية: «وليس تَضْعيفُه بصحيحٍ، بل هو كونُها بمعنى سِوى مستقيمٌ مُتَّسِقٌ» . الرابع: أن «إلَاّ» بمعنى بَعْد. واختاره الطبريُّ، وأباه الجمهورُ؛ لأنَّ «إلَاّ» بمعنى بعد لم يَثْبُتْ. وقال الزمخشري:«فإنْ قلت: كيف اسْتُثْنِيَتِ الموتةُ الأُولى المَذُوْقَةُ قبلَ دخول الجنةِ مِنَ الموتِ المنفيِّ ذَوْقُه؟ قلت: أُريدَ أَنْ يُقالَ: لا يَذُوْقون فيها الموتَ البتةَ، فوضع قولَه {إِلَاّ الموتة الأولى} مَوْضِعَ ذلك؛ لأنَّ الموتَةَ الماضيةَ مُحالٌ ذَوْقُها في المستقبل فهو من بابِ التعليقِ بالمُحال: كأنَّه قيل: إنْ كانت الموتةُ الاُولى يَسْتقيم ذَوْقُها في المستقبلِ؛ فإنَّهم يَذْوْقونها في الجنة» . قلت: وهذا عند علماءِ البيانِ يُسَمَّى نَفْيَ الشيء بدليلِه. ومثلُه قول النابغةِ:
4022 -
لا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهُمْ
…
بهنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكتائبِ
يعني: إنْ كان أحدٌ يَعُدُّ فُلولَ السيوفِ مِنْ قِراع الكتائب عَيْباً فهذا
عيبُهم، لكنَّ عَدَّهُ من العيوبِ مُحالٌ، فانتفى عنهم العيبُ بدليل تعلُّقِ الأمرِ على مُحال. وقال ابن عطية بعد ما قَدَّمْتُ حكايَته عن الطبريِّ: فَبيَّنَ أنه نَفَى عنهم ذَوْقَ الموتِ، وأنه لا ينالُهم من ذلك غيرُ ما تقدَّم في الدنيا «. يعني أنه كلامٌ محمولٌ على معناه.
قوله:» ووَقاهم «الجمهورُ على التخفيف. وقرأ أبو حيوةَ» ووقَّاهم «بالتشديد على المبالغة، ولا يكونُ للتعدية فإنَّه متعدٍّ إلى اثنين قبلَ ذلك.
قوله: {فَضْلاً} : هذا مفعولٌ مِنْ أجلِه، وهو مُرادُ مكي حيث قال:«مصدرٌ عَمِلَ فيه» يَدْعُون «. وقيل: العاملُ فيه» ووَقاهم «وقيل: آمِنين» فهذا إنما يظهر على كونِه مفعولاً مِنْ أجله. على أنَّه يجوزُ أن يكونَ مصدراً لأنَّ يَدْعُون وما بعده من باب التفضُّلِ، فهو مصدرٌ مُلاقٍ لعاملِه في المعنى. وجَعَله أبو البقاء منصوباً بمقدر أي: تَفَضَّلْنا بذلك فَضْلاً أي: تَفَضُّلاً.
قوله: {يَسَّرْنَاهُ} : أي: القرآن بلسانك أي بلغتك. والباءُ للمصاحبة/.
قوله: {فارتقب إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} : مفعولا الارتقاب محذوفان أي: فارتقب النصرَ مِنْ رَبِّك إنهم مُرْتَقِبون بك ما يتمنَّوْنَه من الدوائرِ والغوائلِ ولن يَضِيْرَك ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: {تَنزِيلُ} : قد تقدَّم مثلُه أولَ غافر. وقال أبو عبدِ الله الرازيُّ: «العزيزِ الحكيمِ إنْ كانا صفةً لله كان حقيقةً، وإنْ كانا صفةً للكتاب كان مجازاً» . وقد رَدَّ عليه الشيخ جَعْلَه إياهما صفةً للكتاب قال: «إذ لو كان كذلك لَوَلِيَتِ الصفةُ موصوفَها فكان يُقال: تَنزيلُ الكتابِ العزيزِ الحكيمِ من الله» قال: «لأنَّ» من الله «إنْ تَعَلَّقَ ب» تَنْزيل «وتنزيل خبرٌ ل حم أو لمبتدأ محذوفٍ لَزِمَ الفَصْلُ به بين الصفة والموصوف، ولا يجوزُ، كما لا يجوزُ» أعجبني ضَرْبُ زيدٍ بسوطٍ الفاضلِ؛ أو في موضع الخبر، و «تنزيلُ» مبتدأ، فلا يجوز الفصْلُ به أيضاً لا يجوز: ضرْبُ زيدٍ شديدٌ الفاضلِ «.
قوله: {وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} : فيه وجهان، أظهرهما: أنه معطوفٌ على «خَلْقِكم» المجرورِ ب «في» والتقديرُ: وفي ما يَبُثُّ. والثاني: أنه معطوفٌ على الضميرِ المخفوضِ بالخَلْق، وذلك على مذهبِ مَنْ يرى العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ واستقبحه الزمخشريُّ وإنْ
أُكِّد نحو: «مررتُ بك أنت وزيدٍ» يُشير بذلك إلى مذهب الجرميِّ فإنَّه يقول: إن أُكِّد جازَ، وإلَاّ فلا، فقولُه مذهبٌ ثالثٌ.
قوله: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} و {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} قرأ «آياتٍ» بالكسر في الموضعَيْن الأخوَان، والباقون برفعهما. ولا خلافَ في كسرِ الأولى لأنها اسمُ «إنَّ» . فأمَّا {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} بالكسر فيجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أنها معطوفةٌ على اسم «إنَّ» ، والخبرُ قولُه:«وفي خَلْقِكم» . كأنه قيل: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِنْ دابة آياتٍ. والثاني: أَنْ تكونَ كُرِّرَتْ تأكيداً لآيات الأُولى، ويكونُ «في خَلْقكم» معطوفاً على «في السماوات» كُرِّر معه حرفُ الجَرِّ توكيداً. ونظيرُه أَنْ تقولَ:«إنَّ في بيتك زيداً وفي السوق زيداً» فزيداً الثاني تأكيدٌ للأول، كأنك قلت: إنَّ زيداً زيداً في بيتك وفي السوق وليس في هذه عطفٌ على معمولَيْ عاملَيْن البتةَ.
وقد وَهِم أبو البقاء فجعلها مِنْ ذلك فقال: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يُقرأ بكسر التاءِ، وفيه وجهان، أحدهما: أنَّ «إنَّ» مضمرةٌ حُذِفَتْ لدلالة «إنَّ» الأُولى عليها، وليسَتْ «آيات» معطوفةً على «آيات» الأولى لِما فيه من العطفِ على معمولَيْ عامليْن. والثاني: أَنْ تكونَ كُرِّرَتْ للتأكيد لأنها مِنْ لفظ «آيات» الأُوْلى، وإعرابُها كقولِك:«إن بثوبك دماً وبثوبِ زيد دماً» ف «دم» الثاني مكررٌ؛ لأنَّك مُسْتغنٍ عن ذِكْرِه «انتهى.
فقوله:» وليسَتْ معطوفةً على آياتِ الأولى لِما فيه من العطفِ على عامِلَيْن «وَهَمٌ؛ أين معمولُ العاملِ الآخر؟ وكأنه توهَّمَ أنَّ» في «ساقطةٌ مِنْ قولِه:» وفي خَلْقِكم «أو اختلطَتْ عليه {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} بهذه؛ لأنَّ تَيْكَ فيها ما يُوْهِمُ العطفَ على عامِلَيْن وقد ذكره هو أيضاً.
وأمَّا الرفعُ فمِنْ وجهَيْن أيضاً، أحدهما: أَنْ يكونَ» في خَلْقِكم «خبراً مقدَّماً، و» آياتٌ «مبتدأً مؤخراً، وهي جملةٌ معطوفةٌ على جملة مؤكدةٍ. ب» إنَّ «. والثاني: أَنْ تكون معطوفةً على» آيات «الأولى باعتبار المحلِّ عند مَنْ يُجيزُ ذلك، لا سيما عند مَنْ يقولُ: إنه يجوز ذلك بعد الخبرِ بإجماعٍ.
وأمَّا قولُه: {واختلاف الليل والنهار} الآية فقد عَرَفْتَ أنَّ الأخَوَيْن يقرآن» آيات «بالكسرِ، وهي تحتاج إلى إيضاحٍ، فإن الناسَ قد تكلَّموا فيها كلاماً كثيراً، وخرَّجوها على أوجهٍ مختلفةٍ، وبها استدلَّ على جوازِ العطفِ على عاملين.
قلت: والعطفُ على عامِلَيْن لا يختصُّ بقراءةِ الأخوَيْن بل يجوز أَنْ يُسْتَدَلَّ عليه أيضاً بقراءة الباقين، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى. فأما قراءةُ الأخوين ففيها أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ «اختلافِ الليلِ» مجروراً ب «في» مضمرةً، وإنما حُذِفَتْ لتقدُّم ذكرِها مَرَّتَيْنِ، وحرفُ الجرِّ إذا دَلَّ عليه دليلٌ/ جاز حَذْفُه وإبقاءُ عملِه. وأنشَدَ سيبويه:
4023 -
الآن قَرَّبْتَ تَهْجُونا وتَشْتِمُنا
…
فاذهَبْ فما بك والأيامِ من عَجَبِ
تقديرُه: وبالأيام لتقدُّم الباءِ في «بك» ولا يجوزُ عَطْفُه على الكاف لأنه ليس مِنْ مذهبه - كما عَرَفْتَ - العطفُ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ
الجارِّ، فالتقديرُ في هذه الآيةِ:«وفي اختلافِ آيات» ف «آيات» على ما تقدَّم من الوجهين في «آيات» قبلَها: العطفِ أو التأكيدِ. قالوا: ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ عبد الله «وفي اختلافِ» تصريحاً ب «في» . فهذان وجهان.
الثالث: أَنْ يُعْطَفَ «اختلافِ» على المجرورِ ب «في» وآياتٍ على المنصوبِ ب «إنَّ» . وهذا هو العطفُ على عاملَيْنِ، وتحقيقُه على معمولَيْ عاملين: وذلك أنَّك عَطَفْتَ «اختلاف» على خَلْق وهو مجرورٌ ب «في» فهو معمولُ عاملٍ، وعَطَفْتَ «آياتٍ» على اسمِ «إنَّ» وهو معمولُ عاملٍ آخرَ، فقد عَطَفْتَ بحرفٍ واحدٍ وهو الواوُ معمولين وهما «اختلاف» و «آيات» على معمولَيْن قبلَهما وهما: خَلْق وآيات. وبظاهرِها استدلَّ مَنْ جَوَّز ذلك كالأخفشِ. وفي المسألة أربعةُ مذاهب: المَنْعُ مطلقاً، وهو مذهبُ سيبويه وجمهورِ البصريين. قالوا: لأنه يُؤَدِّي إلى إقامة حرفِ العطفِ مقامَ عاملين وهو لا يجوزُ؛ لأنه لو جاز في عامِلَيْن لجازَ في ثلاثةٍ، ولا قائل به، ولأنَّ حرفَ العطفِ ضعيفٌ فلا يَقْوَى أَنْ ينوبَ عن عاملَيْنِ ولأنَّ القائلَ بجوازِ ذلك يَسْتَضْعِفُه، والأحسنُ عنده أن لا يجوزَ، فلا ينبغي أَنْ يُحْمَلَ عليه كتابُ اللَّهِ، ولأنه بمنزلةِ التعديتَيْنِ بمُعَدٍّ واحد، وهو غيرُ جائزٍ.
قال ابن السراج: «العطفُ على عاملَيْن خطأٌ في القياسِ، غيرُ مَسْموع من العرب» ثم حَمَل ما في هذه الآيةِ على التكرارِ للتأكيد. قال الرمَّاني: «هو كقولِك:» إنَّ في الدارِ زيداً والبيتِ زيداً «فهذا جائزٌ بإجماعٍ فتدبَّرْ هذا الوجهَ
الذي ذكره ابنُ السراجِ فإنه حسنٌ جداً، لا يجوزُ أَنْ يُحْمَلَ كتابُ اللَّهِ إلَاّ عليه. وقد بَيَّنْتُ القراءةَ بالكسرِ ولا عيبَ فيها في القرآن على وجهٍ، والعطفُ على عاملَيْن عيبٌ عند مَنْ أجازه ومَنْ لم يُجِزْه، فقد تناهى في العيب، فلا يجوزُ حَمْلُ هذه الآيةِ إلَاّ على ما ذكره ابنُ السَّراج دون ما ذهبَ إليه غيرُه» .
قلت: وهذا الحَصْرُ منه غيرُ مُسَلَّمٍ فإنَّ في الآيةِ تخريجاتٍ أُخَرَ غيرَ ما ذكره ابن السراج يجوزُ الحَمْلُ عليها. وقال الزجاج: «ومثلُه في الشعر:
4024 -
أكلَّ امرِئٍ تَحْسَبين امْرَأً
…
ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا
وأنشد الفارسيُّ للفرزدق:
4025 -
وباشَرَ راعيها الصَّلا بلَبانِه
…
وجَنْبَيْه حَرَّ النارِ ما يتحرَّق
وقول الآخر:
4026 -
أَوْصَيْتُ مِنْ رُبْدَةَ قَلْباً حُرَّاً
…
بالكلبِ خيراً والحَماةِ شَرا
قلت: أمَّا البيتُ الأولُ فظاهرُه أنه عَطَفَ و» نارٍ «على» امرئ «المخفوض ب» كل «و» ناراً «الثانية على» امرَأ «الثاني. والتقدير: وتحسبين كلَّ نارٍ ناراً، فقد عطف على معمولَيْ عاملَيْن. والبيتُ الثاني عَطَفَ فيه» جَنْبَيْه «على» بلبانه «وعَطَفَ» حَرَّ النارِ «على» الصلا «، والتقدير: وباشر بجَنْبَيْه حرَّ النار، والبيتُ
الثالث عَطَفَ فيه» الحَماة «على» الكلب «و» شَرًّا «على» خيراً «، تقديرُه وأَوْصَيْتُ بالحَماة شراً. وسيبويه في جميع ذلك يرى الجرَّ بخافضٍ مقدرٍ لكنه عُورض: بأنَّ إعمال حرفِ الجرِّ مضمراً ضعيفٌ جداً، ألا ترى أنَّه لا يجوزُ» مررتُ زيدٍ «بخفضِ» زيد «إلَاّ في ضرورةٍ كقولِه:
4027 -
إذا قيلَ أيُّ الناسِ شرُّ قبيلةٍ
…
أشارَتْ كليبٍ بالأكفِّ الأصابعُ
يريد: إلى كليب، وقولِ الآخر:
402 -
8-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
حتى تَبَذَّخَ فارتقى الأعلامِ
أي إلى الأعلام، فقد فَرَّ مِنْ شيءٍ فوقَع في أضعفَ منه. وأُجيب عن ذلك: بأنه لَمَّا تَقَدَّم ذِكْرُ الحرف في اللفظِ قَوِيَتِ الدلالةُ عليه، فكأنَّه ملفوظٌ به بخلافِ ما أَوْرَدْتموه في المثالِ والشعر.
والمذهب الثاني: التفصيلُ - وهو مذهب الأخفش - وذلك أنَّه يجوز بشرطَيْنِ، أحدُهما: أَنْ يكونَ أحدُ العاملَيْن جارًّا. والثاني: أن يتصلَ المعطوفُ بالعاطفِ أو يُفْصَلَ بلا، مثالُ الأولِ الآيةُ الكريمةُ والأبياتُ التي قَدَّمْتُها. ولذلك استصوب المبردُ استشهادَه بالآيةِ. ومثالُ الفَصْل ب لا قولك:» ما في الدارِ
زيدٌ ولا الحجرةِ عمروٌ «، فلو فُقِدَ الشرطانِ نحو: إنَّ/ زيداً شَتَمَ بِشْراً، وواللَّهِ خالداً هنداً، أو فُقِدَ أحدُهما نحو: إنَّ زيداً ضربَ بَكْراً، وخالداً بشراً. فقد نَقَلَ ابنُ مالكٍ الامتناعَ عند الجميعِ. وفيه نظرٌ لِما سَتَعْرِفُه من الخلافِ.
الثالث: أنَّه يجوزُ بشرطِ أَنْ يكونَ أحدُ العامِلَيْنِ جارَّاً، وأَنْ يكونَ متقدماً، نحوَ الآيةِ الكريمةِ، فلو لم يتقدَّمْ نحوَ:» إنَّ زيداً في الدار، وعمراً السوقِ «لم يَجُزْ، وكذا لو لم يكنْ حرفَ جرٍّ كما تقدَّمَ تمثيلُه.
الرابع: الجوازُ، ويُعْزَى للفَرَّاء.
الوجهُ الرابعِ من أوجهِ تخريجِ القراءةِ المذكورة: أَنْ تنتصِبَ» آيات «على الاختصاصِ.
قاله الزمخشريُّ، وسيأتي فيما أَحْكيه عنه.
وأمَّا قراءةُ الرفعِ ففيها أوجهٌ، أحدُها: أَنْ يكونَ الأولُ والثاني ما تقدَّم في {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} . الثالث: أَنْ تكونَ تأكيداً لآيات التي قبلها، كما كانَتْ كذلك في قراءةِ النصبِ. الرابع: أَنْ تكونَ المسألةُ من بابِ العطفِ على عامِلَيْن؛ وذلك أنَّ «اختلافِ» عطفٌ على «خَلْقِكم» وهو معمولٌ ل «في» و «آيات» معطوفةٌ على «آيات» قبلَها، وهي معمولةٌ للابتداءِ فقد عَطَفَ على معمولَيْ عامِلَيْنِ في هذه القراءةِ أيضاً. قال الزمخشري:«قُرِئَ {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} بالرفع والنصبِ على قولِك:» إنَّ زيداً في الدار وعمراً في السوقِ، أو وعمروٌ في السوق «. وأمَّا قولُه:{آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فمن العطفِ على عامِلَيْنِ سواءً نَصَبْتَ أم رَفَعْتَ فالعاملان في النصبِ هما:» إنَّ «، و» في «أُقيمت الواوُ مُقامَهما فعَمِلَتْ الجرَّ في و {واختلاف اليل والنهار} والنصبَ في» آياتٍ «.
وإذا رَفَعْتَ فالعاملانِ: الابتداءُ، و» في «عملت الرفع في» آيات «والجرَّ في» اختلاف «» . ثم قال في توجيهِ النصبِ:«والثاني أَنْ ينتصِبَ على الاختصاصِ بعد انقضاءِ المجرور» .
الوجهُ الخامسُ أَنْ يرتفعَ «آياتٌ» على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي آياتٌ. وناقَشَه الشيخُ فقال: «ونسبةُ الجرِّ والرفعِ، والجرِّ والنصبِ للواوِ ليس بصحيحٍ؛ لأنَّ الصحيحَ من المذاهبِ أنَّ حرفَ العطفِ لا يعملُ» قلت: وقد ناقشه الشيخُ شهابُ الدين أبو شامةَ أيضاً فقال: «فمنهم مَنْ يقولُ: هو على هذه القراءةِ أيضاً - يعني قراءةَ الرفعِ - عطفٌ على عاملَيْنِ وهما حرفُ» في «، والابتداءُ المقتضي للرفعِ. ومنهم مَنْ لا يُطْلِقُ هذه العبارةَ في هذه القراءةِ؛ لأنَّ الابتداءَ ليس بعاملٍ لفظي» .
وقُرئ «واختلافُ» بالرفعِ «آيةٌ» بالرفعِ والتوحيدِ على الابتداء والخبر، وكذلك قُرئ {وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٌ آيةٌ} بالتوحيد. وقرأ زيد بن علي وطلحة وعيسى «وتصريف الريح» كذا قال الشيخ. قلت وقد قرأ بهذه القراءةِ حمزةُ والكسائيُّ أيضاً، وقد تقدَّم ذلك في سورةِ البقرةِ.
قوله: {نَتْلُوهَا} : يجوز أَنْ يكونَ خبراً ل «تلك» و «آيات الله» بدلٌ أو عطفُ بيانٍ. ويجوزُ أَنْ تكونَ «تلك آيات» مبتدأً أو خبراً،
و «نَتْلُوها» حالٌ. قال الزمخشري: «والعاملُ ما دَلَّ عليه» تلك «مِنْ معنى الإِشارةِ ونحوُه: {وهذا بَعْلِي شَيْخاً} [هود: 72] . قال الشيخ:» وليس نحوَه؛ لأنَّ في {وهذا بَعْلِي شَيْخاً} [هود: 72] حرفَ تنبيه. وقيل: العاملُ في الحالِ ما دَل عليه حرفُ التنبيهِ أي: تَنَبَّهْ. وأمَّا «تلك» فليس فيها حرفُ تنبيهٍ؛ فإذا كان حرفُ التنبيهِ عاملاً بما فيه مِنْ معنى التنبيهِ، لأنَّ الحرفَ قد يَعْمَلُ في الحال، فالمعنى: تَنَبَّه لزيدٍ في حال شيخِه أو في حال قيامِه. وقيل: العاملُ في مثل هذا التركيبِ فعلٌ محذوفٌ يَدُلُّ عليه المعنى، أي: انظرْ إليه في حالِ شيخه، ولا يكون اسمُ الإِشارةِ عاملاً ولا حرفُ التنبيهِ إنْ كان هناك.
قلت: بل الآيةُ نحوَ {وهذا بَعْلِي شَيْخاً} [هود: 72] من حيثيةِ نسبةِ العملِ لاسمِ الإِشارةِ. غايةُ ما ثَمَّ أنَّ في الآيةِ الأخرى ما يَصْلُحُ أَنْ يكونَ عاملاً، وهذا لا يَقْدَحُ في التنظيرِ إذا قَصَدْتَ جهةً مشتركةً. وأمَّا إضمارُ الفعلِ فهو مشتركٌ في الموضعَيْن عند مَنْ يَرَى ذلك. قال ابنُ عطيَة:«وفي» نتْلوها «حَذْفُ مضافٍ أي: نَتْلُوْ شَأْنَها وشَرْحَ العِبْرَةِ فيها. ويُحتمل أَنْ يريدَ بآيات الله القرآنَ المنزَّلَ في هذا المعنى، فلا يكونُ فيها حَذْفُ مضافٍ» / وقرأ بعضُهم «يَتْلوها» بياءِ الغَيْبةِ عائداً على الباري تعالى. و «بالحَقِّ» حالٌ من الفاعل أي: مُلْتَبسِينَ بالحق، ومن المفعولِ أي: مُلْتَبسةً بالحقِّ. ويجوزُ أَنْ تكونَ للسببيَّةِ فتتعلَّقَ بنفس «نَتْلوها» .
قوله: {بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ} . قال الزمخشريُّ: «أي: بعد آياتِ اللَّهِ فهو
كقولِكَ: أَعْجبني زيدٌ وكرمُه تريدُ كرمَ زيدٍ» . ورَدَّ عليه الشيخُ: بأنَّه ليس مُراداً، بل المرادُ إعجابان، وبأنَّ فيه إقحامَ الأسماءِ مِنْ غيرِ ضرورة. قال:«وهذا قَلْبٌ لحقائقِ النحو» .
وقرأ الحرميَّان وأبو عمروٍ وعاصمٌ في روايةٍ «يُؤْمنون» بياء الغيبة. والباقون بتاءِ الخطاب. وقوله: «فبأيِّ» متعلِّقٌ به، قُدِّم لأنَّ له صدرَ الكلامِ.
قوله: {يَسْمَعُ} : يجوزُ فيه أَنْ يكونَ مستأنفاً أي: هو يَسْمَعُ، أو دونَ إضمارِ «هو» ، وأَنْ يكونَ حالاً من الضمير في «أثيم» وأَنْ يكونَ صفةً.
قوله: «تُتْلَى عليه» حالٌ مِنْ «آياتِ الله» ولا يَجيْءُ فيه الخلافُ: وهو أنه يجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ نصبٍ مفعولاً ثانياً؛ لأنَّ شرطَ ذلك أَنْ يقعَ بعدها ما لا يُسْمَعُ نحو: «سمعت زيداً يقرأ» . أمَّا إذا وقع بعدها ما يُسْمَعُ نحو: «سمعتُ قراءةَ زيدٍ يترنَّم بها» فهي متعدية لواحدٍ فقط، والآياتُ مِمَّا يُسْمَعُ.
قوله: «ثم يُصِرُّ» قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما معنى» ثم «في قوله: {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً} ؟ قلت: كمعناه في قولِ القائل:
4029 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
يرى غَمَراتِ الموتِ ثم يزورُها
وذلك أنَّ غمراتِ الموتِ حقيقةٌ بأَنْ ينجوَ رائيها بنفسِه ويطلبَ الفِرارَ
منها، وأمَّا زَوْراتُها والإِقدامُ على مزاوَلَتِها فأمرٌ مُسْتَبْعَدٌ. فمعنى» ثم «الإِيذانُ بأنَّ فِعْلَ المُقْدِمِ عليها بعدما رآها وعاينها شيءٌ يُسْتَبْعَدُ في العاداتِ والطباعِ، وكذلك آياتُ اللَّهِ الواضحةُ الناطقةُ بالحق. فَمَنْ تُلِيَتْ عليه وسَمِعها كان مُسْتَبْعَداً في القول إصرارُه على الضلالةِ عندها واستكبارُه عن الإِيمان بها» .
قوله: {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكون مستأنفةً، وأَنْ تكونَ حالاً.
قوله: {وَإِذَا عَلِمَ} : العامَّةُ على فتح العينِ وكسرِ اللامِ خفيفةً مبنياً للفاعلِ. وقتادة ومطر الوراق «عُلِّم» مبنياً للمفعول مشدَّداً.
قوله: «اتَّخَذها» الضميرُ المؤنث فيه وجهان، أحدهما: أنه عائد على «آياتِنا» . والثاني: أنه يعودُ على «شيئاً» وإنْ كان مذكراً؛ لأنه بمعنى الآية كقول أبي العتاهية:
4030 -
نفْسي بشيءٍ من الدنيا مُعَلَّقَةٌ
…
اللَّهُ والقائمُ المهدِيُّ يَقْضِيها
لأنه أراد ب «شيء» جاريةً يقال لها: عُتْبَة.
قوله: «أولئك» إشارةٌ إلى معنى «كلِّ أَفَّاكٍ» حُمِل أولاً على لفظها فَأُفْرِدَ، ثم على معناها فَجُمِعَ كقولِه:{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] .
قوله: {وَلَا مَا اتخذوا} عطف على «ما كَسَبوا» ، و «ما» فيهما: إمَّا
مصدريةٌ أو بمعنى الذي أي: لا يُغْني كَسْبُهُمْ ولا اتِّخاذُهم، أو الذي كَسَبُوه ولا الذي اتَّخذوه.
قوله: {جَمِيعاً مِّنْهُ} : «جميعاً» حالٌ مِنْ {مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} أو توكيدٌ. وقد عدَّها ابنُ مالكٍ في ألفاظِه. و «منه» يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةً ل «جميعاً» ، وأَنْ يتعلَّقَ ب «سَخَّر» أي: هو صادرٌ مِنْ جهته ومِنْ عندِه. وجَوَّزَ الزمخشريُّ في «منه» أَنْ يكونَ خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي جميعاً منه، وأَنْ تكونَ {وَمَا فِي الأرض} مبتدأً، و «منه» خبرَه. قال الشيخ:«وهذان لا يجوزان إلَاّ على رَأْيِ الأخفش مِنْ حيث إنَّ الحالَ تَقدَّمَتْ بمعنى جميعاً، فقُدِّمَتْ على عاملِها المعنويِّ، يعني الجارَّ، فهي نظيرُ:» زيد قائماً في الدار «. والعامَّةُ على» مِنْه «جارّاً ومجروراً. [وقرأ] ابن عباس بكسرِ الميمِ وتشديدِ النونِ ونصبِ التاءِ، جعله مصدراً مِنْ: مَنَّ يَمُنَّ مِنَّةً، فانتصابُه عنده على المصدرِ المؤكِّد: إمَّا بعاملٍ مضمرٍ، وإمَّا بسَخَّر؛ لأنَّه بمعناه. قال أبو حاتم:» سَندُ هذه القراءةِ إلى ابنِ عباسِ مظلمٌ «. قلت: قد رُوِيَتْ أيضاً عن جماعة جِلَّةٍ غيرِ ابنِ عباس، فنقلها ابنُ خالويه عنه وعن
عبيد بن عمير، ونقلها صاحبُ» اللوامح «وابنُ جني، عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير.
وقرأ مَسْلمة بن محارب كذلك، إلَاّ أنَّه رفع التاءَ جَعَلَها خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي منه. وقرأ أيضاً في روايةٍ أخرى بفتحِ الميم وتشديدِ النون وهاءِ كنايةٍ مضمومة، جعله مصدراً مضافاً لضمير الله تعالى.
ورَفْعُه من وجهين، أحدهما بالفاعلية ب» سَخَّر «أي: سَخَّر لكم هذه الأشياءَ مَنُّه عليكم. والثاني: أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هو، أو ذلك مَنُّه عليكم.
قوله: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ} : قد تقدَّم نظيرُه في سورة إبراهيم.
قوله: «ليَجْزِيَ» قرأ ابنُ عامر والأخَوان «لنجزيَ» بنونِ العظمةِ أي: لنجزيَ نحن. وباقي السبعة «ليجزِيَ» بالياء مِنْ تحتُ مبنياً للفاعلِ أي: ليجزيَ اللَّهُ. وأبو جعفر بخلافٍ عنه وشيبةُ وعاصم في روايةٍ كذلك، إلَاّ أنه مبنيٌّ للمفعولِ. هذا مع نصبِ «قوماً» . / وفي القائمِ مَقامَ الفاعلِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: ضميرُ المفعولِ الثاني عادَ الضميرُ عليه لدلالةِ السِّياقِ تقديرُه: ليُجْزَى هو أي: الخيرُ قوماً. والمفعول الثاني مِنْ بابِ «أَعْطى» يقومُ مَقامَ الفاعلِ بلا
خلافٍ. ونظيرُه: «الدرهمُ أُعْطي زيداً» . الثاني: أنَّ القائمَ مقامَه ضميرُ المصدرِ المدلولِ عليه بالفعلِ أي: ليُجْزَى الجزاءُ. وفيه نظر؛ لأنه لا يُتْرَكُ المفعول به ويُقام المصدرُ ولا سيما مع عَدَم التصريحِ به. الثالث: أنَّ القائمَ مَقامَه الجارُّ والمجرورُ. وفيه حُجَّةٌ للأخفشِ والكوفيين، حيث يُجيزون نيابةَ غيرِ المفعولِ به مع وجودِه وأنشدوا:
4031 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
لَسُبَّ بذلك الجَرْوِ الكِلابا
[وقوله] :
4032 -
لم يُعْنَ بالعلياءِ إلَاّ سَيِّدا
…
والبصريون لا يُجيزونه.
قوله: {على شَرِيعَةٍ} : هو المفعولُ الثاني ل «جَعَلْناك» . والشريعةُ في الأصلِ: ما يَرِدُه الناسُ من المياهِ في الأنهارِ. يقال
لذلك الموضع: شَرِيعة. والجمعُ شرائِع قال:
4033 -
وفي الشَّرائِع مِنْ جَيْلانَ مُقْتَنِصٌ
…
رَثُّ الثيابِ خَفِيُّ الشخصِ مُنْسَرِبُ
فاسْتُعير ذلك للدين لأنَّ العبادَ يَرِدُوْن ما تَحْيا به نفوسُهم.
قوله: {هذا بَصَائِرُ} : أي: هذا القرآنُ. جمعُ «بَصيرة» باعتبارِ ما فيه. وقُرِئ «هذه» رُجوعاً إلى الآياتِ؛ ولأنَّ القرآنَ بمعناها كقولِه:
4034 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
سائِلْ بني أَسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ
لأنه بمعنى الصيحة.
قوله: {أَمْ حَسِبَ} : «أم» منقطعةٌ، فَتُقَدَّر ب بل والهمزةِ، أو ب بل وحدها، أو بالهمزة وحدَها. وتقدم تحقيق هذا.
قوله: {كالذين آمَنُواْ} : هو المفعولُ الثاني للجَعْل أي: أَنْ نجعلَهم كائنين كالذين آمنوا أي: لا يَحْسَبُوْن ذلك، وقد تَقَدَّمَ في سورة الحج: أنَّ الأخَوَيْن وحفصاً قرؤُوا هنا «سواءً» بالنصب، والباقون
بالرفع، ووَعَدْتُ بالكلام عليه هنا، فأقول وبالله التوفيق: أمَّا قراءةُ النصبِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أَنْ تَنْتَصِبَ على الحالِ من الضميرِ المستترِ في الجارِّ والمجرورِ وهما: «كالذين آمنوا» ، ويكونُ المفعولُ الثاني للجَعْل «كالذين آمنوا» أي: أحَسِبوا أَنْ نَجْعَلَهم مثلَهم في حالِ استواءِ مَحْياهم ومماتِهم ليس الأمرُ كذلك. الثاني: أَنْ يكونَ «سواءً» هو المفعولَ الثاني للجَعْل، و «كالذين» في محلِّ نصبٍ على الحال أي: لن نجعلَهم حالَ كونِهم مثلَهم سواءً، وليس معناه بذاك. الثالث: أَنْ يكونَ «سواءً» مفعولاً ثانياً ل «حَسِب» .
وهذا الوجهُ نحا إليه أبو البقاء، وأظنُّه غَلَطاً لِما سَيَظْهَرُ لك فإنَّه قال:«ويُقْرأ بالنصب. وفيه وجهان، أحدهما: هو حالٌ من الضميرِ في الكافِ أي: نجعلَهم مثلَ المؤمنين في هذه الحالِ. والثاني: أَنْ يكونَ مفعولاً ثانياً ل» حَسِب «والكافُ حالٌ، وقد دَخَلَ استواءُ مَحْياهم وممَاتُهم في الحُسْبان، وعلى هذا الوجهِ مَحْياهم ومماتُهم مرفوعان ب» سَواء «؛ لأنَّه قد قَوِيَ باعتمادِه» انتهى. فقد صَرَّح بأنه مفعولٌ ثانٍ للحُسْبان. وهذا لا يَصِحُّ البتةَ؛ لأنَّ «حَسِبَ» وأخواتِها إذا وَقَعَ بعدها «أنَّ» المشددةُ أو «أَنْ» المخففةُ أو الناصبةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المفعولين، وهنا قد وَقع بعد الحُسْبان «أنْ» الناصبةُ فهي سادَّةٌ مَسَدَّ المفعولَيْنِ، فَمِنْ أين يكونُ «سواءً» مفعولاً ثانياً ل حَسِب؟
فإنْ قلتَ: هذا الذي قُلْتُه رأيُ الجمهورِ سيبويهِ وغيرِه، وأمَّا غيرُهم كالأخفشِ فيدَّعي أنها تَسُدُّ مَسَدَّ واحدٍ. إذا تقرَّر هذا فقد يجوزُ أنَّ أبا البقاءِ ذَهَبَ هذا المذهبَ، فأعرب «أَنْ نجعلَهم» مفعولاً أولَ و «سواءً» مفعولاً ثانياً.
فالجواب: أنَّ الأخفشَ صَرَّحَ بأنَّ المفعولَ الثاني حينئذٍ يكونُ محذوفاً. ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّه لا يُحْذَفُ امتنع مِنْ وجهٍ آخرَ: وهو أنه قد رفع به «محياهُم ومماتُهم» لأنه بمعنى مُسْتَوٍ كما تقدَّم، ولا ضميرَ يَرْجِعُ مِنْ مرفوعِه إلى المفعولِ الأولِ، بل رَفَعَ أجنبياً من المفعولِ الأولِ. وهو نظيرُ:«حَسِبْتُ قيامَك مُسْتوياً ذهابُك وعَدَمُه» .
ومَنْ قرأ بالرفع فتحتمل قراءتُه وجهَيْن، أحدهما: أَنْ يكونَ «سواءٌ» خبراً مقدماً. و «مَحْياهم» مبتدأً مؤخراً/ ويكون «سواء» مبتدأً و «مَحْياهم» خبرَه.
كذا أعربوه. وفيه نظرٌ تقدَّم في سورة الحج وهو: أنَّه نكرةٌ لا مُسَوِّغ فيها، وأنه متى اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ جَعَلْتَ النكرةَ خبراً لا مبتدأً. ثم في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها استئنافية. والثاني: أنها بدلٌ من الكافِ الواقعةِ مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري: «لأنَّ الجملةَ تقع مفعولاً ثانياً فكانَتْ في حكمِ المفردِ. ألا تراكَ لو قُلْتَ: أن نجعلَهم سواءٌ مَحْياهم ومماتُهم، كان سديداً، كما تقول: ظننتُ زيداً أبوه منطلقٌ» . قال الشيخ: «وهذا - أَعْني إبدالَ الجملة من المفرد - أجازه ابنُ جني وابنُ مالك، ومنعَه
ابنُ العِلْجِ» ، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقرير ذلك ثم قال:«والذي يَظْهَرُ أنه لا يجوزُ» ، يعني ما جَوَّزه الزمخشريُّ قال:«لأنَّها بمعنى التصييرِ ولا يجوزُ:» صَيَّرْتُ زيداً أبوه قائمٌ «لأنَّ التصييرَ انتقالٌ من ذاتٍ إلى ذاتٍ، أو من وصفٍ في الذاتِ إلى وصفٍ فيها. وتلك الجملةُ الواقعةُ بعد مفعولِ» صَيَّرْت «المقدرةُ مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقالٌ مما ذكرْنا فلا يجوز» . قلت: ولِقائلٍ أَنْ يقولَ: بل فيها انتقالٌ مِنْ وصفٍ في الذاتِ إلى وصفٍ فيها؛ لأنَّ النحاة نَصُّوا على جوازِ وقوع الجملةِ صفةً وحالاً نحو: مررتُ برجلٍ أبوه قائمٌ، وجاء زيدٌ أبوه قائم. فالذي حكموا عليه بالوصفيَّةِ والحاليةِ يجوزُ أَنْ يقعَ في حَيِّز التَّصْيير؛ إذ لا فَرْقَ بين صفةٍ وصفةٍ من هذه الحيثيَّة.
الثالث: أن تكونَ الجملةُ حالاً، التقدير: أم حَسِبَ الكفار أَنْ نُصَيِّرهم مثلَ المؤمنين في حالِ استواءِ محياهم ومماتِهم، ليسوا كذلك بل هم مُفْترقون. وهذا هو الظاهر عند الشيخِ. وعلى الوجهين الأخيرين تكونُ الجملةُ داخلةً في حَيِّز الحُسْبانِ. وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال:«يَقْتضي هذا الكلامُ أنَّ لفظَ الآية خبرٌ، ويظهر أنَّ قولَه: {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} داخلٌ في المَحْسَبَةِ المُنْكَرَةِ السيئةِ، وهذا احتمالٌ حسن والأولُ جيدٌ» انتهى. ولم يبين كيفيةَ دخولِه في الحُسْبانِ، وكيفيَّةُ أحدِ الوجهين الأخيرَيْن: إما البدلِ وإمَّا الحاليةِ كما عَرَفْتَه.
وقرأ الأعمشُ «سواءً» نصباً «مَحْياهم ومَماتَهم» بالنصب أيضاً. فأمَّا «سواءً» فمفعولٌ ثانٍ أو حالٌ كما تقدَّم. وأمَّا نصب «مَحْياهم ومماتَهم» ففيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونا ظَرْفَيْ زمانٍ، وانتصبا على البدلِ مِنْ مفعولِ «
نَجْعَلَهم» بدلِ اشتمال، ويكون «سواءً» على هذا هو المفعولَ الثاني. والتقدير: أن نجعلَ محياهم ومماتَهم سواءً. والثاني: أَنْ ينتصِبا على الظرفِ الزمانيِّ. والعاملُ: إمَّا الجَعْلُ أو سواء. والتقدير: أَنْ نجعلَهم في هذَيْن الوقتَيْن سواءً، أو نجعلَهم مُسْتَوِين في هذين الوقتين.
قال الزمخشري مقدِّراً لهذا الوجه: «ومَنْ قرأ بالنصبِ جَعَلَ» مَحْياهم ومماتَهم «ظَرْفَيْنِ كمَقْدَمِ الحاجِّ وخُفوقِ النجم» .
قال الشيخ: «وتمثيلُه بخُفوق النجم ليس بجيدٍ؛ لأنَّ» خُفوقَ «مصدرٌ ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقةِ على حَذْفِ مضافٍ أي: وقتَ خُفوقِ بخلاف مَحْيا ومَمات ومَقْدَم فإنها موضوعةٌ على الاشتراك بين ثلاثةِ معانٍ: المصدريةِ والزمانيةِ والمكانيةِ. فإذا اسْتُعْملت مصدراً كان ذلك بطريق الوَضْعِ لا على حَذْفِ مضافٍ كخُفوق؛ فإنه لا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ لكونِه موضوعاً للمصدرية» . وهذا أمرٌ قريبٌ لأنَّه إنما أراد أنه وَقَع هذا اللفظُ مُراداً به الزمانُ. أمَّا كونُه بطريق الأصالةِ أو الفرعيةِ فلا يَضُرُّ ذلك.
والضميرُ في «مَحْياهم ومماتُهم» يجوزُ أَنْ يعودَ على القَبِيْلَيْنِ بمعنى: أنَّ مَحْيا المؤمنين ومماتَهم سواءٌ عند الله في الكرامةِ، ومَحْيا المجترحين ومماتَهم سواءٌ في الإِهانةِ عنده، فَلَفَّ الكلام اتِّكالاً على ذِهْنِ السَّامع وفهمِه. ويجوزُ أَنْ يعودَ على المُجْترحين فقط. أَخْبَرَ أَنَّ حالَهم في الزمانَيْن سواءٌ.
قال أبو البقاء: «ويُقْرَأُ» مَماتَهم «بالنصب أي: في مَحْياهم ومماتَهم.
والعاملُ» نَجْعل «أو سواء. وقيل: هو ظرفٌ» . قلت: قوله: «وقيل» هو القولُ الأولُ بعينِه.
قوله: {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} قد تقدَّم إعرابُه. وقال ابنُ عطيةَ هنا: «ما» مصدريةٌ أي: ساء الحكمُ حُكْمُهم.
قوله: {بالحق} : فيه ثلاثةُ أوجهٍ: حالٌ من الفاعلِ أو من المفعول أو الباءُ للسببيَّة.
قوله: «ولِتُجْزَى» فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أَنْ يكونَ عطفاً على «بالحق» في المعنى؛ لأنَّ كلاً منهما سببٌ/ فعطفَ العلَة على مثلها. الثاني: أنَّها معطوفةٌ على مُعَلَّلٍ محذوفٍ تقديرُه: لِيَدُلَّ بها على الدلالةِ على قُدْرَتِه «ولتُجْزَى. الثالث: أنْ تكونَ لامَ الصيرورةِ أي: وصار الأمرُ منها مِنْ حيث اهْتدى بها قومٌ وضَلَّ عنها آخرون.
قوله: {أَفَرَأَيْتَ} : بمعنى: أَخْبِرْني، وتقدَّم حكمُها مشروحاً. والمفعولُ الأولُ «مَنْ اتَّخذ» ، والثاني محذوف، تقديره بعد غشاوة: أيهتدي، ودَلَّ عليه قولُه:«فَمَنْ يهْديه» وإنما قَدَّرْتَه بعد غشاوة لأجلِ صلاتِ الموصولِ.
قوله: «على عِلْمٌ» حالٌ من الجلالةِ أي: كائناً على علمٍ منه فيه أنَّه أهلٌ لذلك. وقيل: حالٌ من المفعول أي: أضلَّه وهو عالِمٌ، وهذا أشنعُ له.
وقرأ الأعرجُ «آلهةً» على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره:«آلهتَه هواه» .
قوله: «غِشاوة» قرأ الأخَوان «غَشْوَة» بفتح الغين وسكونِ الشين. والأعمشُ وابن مصرف كذلك إلَاّ أنَّهما كسرا الغَيْنَ. وباقي السبعة «غِشاوة» بكسر الغين. وابنُ مسعود والأعمشُ أيضاً بفتحها، وهي لغةُ ربيعةَ. والحسن وعكرمة وعبد الله أيضاً بضمِّها، وهي لغةُ عُكْلية. وتقدَّم الكلامُ في ذلك أولَ البقرة، وأنَّه قُرئ هناك بالعين المهملة. والعامَّةُ:«تَذَكَّرون» بالتشديد والجحدريُّ بتخفيفها. والأعمش بتاءَيْن «تَتَذَكَّرون» .
قوله: {مِن بَعْدِ الله} أي: مِنْ بعد إضلالِ الله إياه.
قوله: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا} : تقدَّم نظيرُ هذه الآياتِ كلِّها. وقرأ زيد بن علي «نُحْيا» بضمِّ النون.
قوله: {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} : العامَّةُ على نصب الحجة. وزيد بن علي وعمرو بن عبيد وعبيد بن عمير بالرفع وتقدَّمَ تأويلُ
ذلك، و «ما كان» جوابُ «إذا» الشرطية. وجعله الشيخُ دليلاً على عدمِ إعمالِ جواب «إذا» فيها؛ لأن «ما» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها قال:«وخالفَتْ غيرَها مِنْ أدواتِ الشرطِ، حيث لم تقترنْ الفاءُ بجوابِها إذا نُفِي ب» ما «.
قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ} : في عامِله وجهان، أحدُهما: أنه «يَخْسَرُ» ويومئذٍ بدلٌ مِنْ «يومَ تَقومُ» ، التنوينُ على هذا تنوينُ عوضٍ من جملةٍ مقدرةٍ، ولم يتقدَّم من الجمل إلَاّ «تقومُ الساعةُ» فيصير التقديرُ: ويومَ تقومُ الساعةُ يومئذٍ تقومُ الساعةُ. وهذا الذي قَدَّروه ليس فيه مزيدُ فائدةٍ، فيكونُ بدلاً توكيدياً. والثاني: أن العاملَ فيه مقدرٌ. قالوا: لأنَّ يومَ القيامةِ حالةٌ ثالثةٌ ليسَتْ بالسماءِ ولا بالأرضِ؛ لأنهما يتبدَّلان فكأنه قيل: ولله مُلْكُ السماواتِ والأرضِ، والمُلْكُ يومَ تقومُ. ويكون قولُه «يومئذ» معمولاً ليَخْسَرُ. والجملةُ مستأنفةٌ من حيث اللفظُ، وإنْ كان لها تعلُّقٌ بما قبلَها مِنْ حيث المعنى.
قوله: {جَاثِيَةً} : حالٌ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّة. والجاثية أي: على الرُّكَبِ؛ لأنَّها خائفةٌ والمذنبُ مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعةً، ومنه: الجُثْوَةُ للقَبْر لاجتماع الأحجارِ عليه. قال:
4035 -
تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرابٍ عليهما
…
صَفائِحٌ صُمٌّ مِنْ صَفِيْحٍ مُنَضَّدِ
وقُرِئ «جاذِيَةً» بالذال المعجمة، وهو أشدُّ اسْتيفازاً من الجاثي.
قوله: «كلُّ أمةٍ» العامَّةُ على الرفعِ بالابتداءِ. و «تُدْعى» خبرُها. ويعقوب بالنصبِ على البدلِ مِنْ «كُلُّ أمة» الأولى بدلِ نكرةٍ موصوفةٍ مِنْ مِثْلها.
قوله: «اليومَ تُجْزَوْن» هذه الجملةُ معمولةٌ لقولٍ مضمرٍ التقديرُ: يُقال لهم: اليومَ تُجْزَوْن. واليومَ معمولٌ لِما بعدَه «وما كُنتم» هو المفعولُ الثاني.
قوله: {يَنطِقُ} : يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً، وأَنْ يكونَ خبراً ثانياً، وأَنْ يكونَ «كتابُنا» بدلاً و «يَنْطِقُ» خبرٌ وحده. و «بالحق» حال.
قوله: {أَفَلَمْ} : هو على إضمارِ القولِ أيضاً. وقدَّر الزمخشريُّ على عادتِه جملةً بين الهمزةِ والفاءِ أي: ألَمْ تَأْتِكم رُسُلي فلم تكنْ آياتي.
قوله: {إِنَّ وعْدَ الله} : العامَّةُ على كسرِ الهمزةِ: لأنها مَحْكِيَّةٌ بالقولِ. والأعرج وعمرو بن فائد بفتحها. وذلك مُخَرَّجٌ على لغة سُلَيْمٍ: يُجْرُون القولَ مُجْرى الظنِّ مطلقاً. وفيه قولُه:
4036 -
إذا قلتُ أنِّي آيِبٌ أهلَ بلدةٍ
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: «والساعةُ» قرأ حمزة بنصبِها عطفاً على «وعدَ الله» . والباقون برفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ: الابتداءُ وما بعدها من الجملةِ المنفيَّة خبرُها. الثاني: العطفُ على محلِّ اسم «إنَّ» لأنَّه/ قبل دخولِها مرفوعٌ بالابتداءِ. الثالث: أنه عطفٌ على محلِّ «إنَّ» واسمِها معاً؛ لأنَّ بعضَهم كالفارسيِّ والزمخشريِّ يَرَوْنَ أنَّ ل «إنَّ» واسمِها موضعاً، وهو الرفعُ بالابتداء.
قوله: «إلَاّ ظَنَّاً» هذه الآيةُ لا بُدَّ فيها مِنْ تأويلٍ: وذلك أنه يجوزُ تفريغُ العاملِ لِما بعده مِنْ جميعِ معمولاته، مرفوعاً كان أو غيرَ مرفوعٍ، إلَاّ المفعولَ المطلقَ فإنه لا يُفَرَّغُ له. لا يجوزُ «ما ضَرَبْتَ إلَاّ ضَرْباً» كأنه لا فائدةَ فيه؛ وذلك أنه بمنزلةِ تكريرِ الفعلِ فكأنَّه في قوةِ «ما ضرَبْتُ إلَاّ ضرَبْتُ» . وكانَتْ هذه العلةُ خَطَرَتْ لي حتى رأيتُ مكِّياً وأبا البقاءِ نَحَوا إليها فللَّه الحمدُ.
وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما معنى» إنْ نَظُنُّ إلَاّ ظَنًّا «؟ قلت: أصلُه نَظُنُّ ظنًّا. ومعناه إثباتُ الظنِّ فحسب. فأَدْخَلَ حرفَ النفي والاستثناءَ ليُفادَ إثباتُ الظنِّ ونفيُ ما سواه؛ وزِيْدَ نَفْيُ ما سوى الظنِّ توكيداً بقولِه: {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} . فظاهرُ كلامِه أنه لا يَتَأَوَّلُ الآيةَ بل حَمَلها على ظاهرِها؛ ولذلك قال الشيخ:» وهذا كلامُ مَنْ لا شعورَ له بالقاعدةِ النحوية: مِنْ أنَّ التفريغَ
يكونُ في جميع المعمولاتِ مِنْ فاعلٍ ومفعولٍ وغيرِهما إلَاّ المصدرَ المؤكِّدَ فإنه لا يكونُ فيه «.
وقد اختلفَ الناسُ في تأويلِها على أوجهٍ، أحدُها: ما قاله المبردُ وهو: أنَّ الأصلَ: إنْ نحن إلَاّ نظنُّ ظنَّاً. قال:» ونظيرُه ما حكاه أبو عمروٍ «ليس الطِّيْبُ إلَاّ المِسْكُ» تقديرُه: ليس إلَاّ الطيبُ المسكُ «قلتُ: يعني أن اسمَ» ليس «ضميرُ الشأنِ مستترٌ فيها، وإلَاّ الطيبُ المسكُ في محل نصب خبرُها، وكأنه خَفِيَ عليه أنَّ لغةَ تميمٍ إبطالُ عملِ» ليس «إذا انتقض نفيُها ب» إلَاّ «قياساً على» ما «الحجازيةِ، والمسألةُ طويلةٌ مذكورةٌ في كتابي» شرح التسهيل «وعليها حكايةٌ جَرَتْ بين أبي عمروٍ وعيسى بن عمر. الثاني: أنَّ» ظنَّاً «له صفةٌ محذوفةٌ تقديره: إلَاّ ظناً بَيِّناً، فهو مختصٌّ لا مؤكِّد. الثالث: أَنْ يُضَمَّنَ» نظنُّ «معنى نَعْتقد، فينتصِبَ» ظَنَّاً «مفعولاً به لا مصدراً. الرابع: أنَّ الأصلَ: إنْ نظنُّ إلَاّ أنكم تظنون ظنَّاً، فحذف هذا كلَّه، وهو مَعْزُوٌّ للمبردِ أيضاً. وقد رَدُّوه عليه: من حيثُ إنَّه حَذَفَ أنَّ واسمَها وخبرَها وأبقى المصدرَ. وهذا لا يجوزُ. الخامس: أنَّ الظنَّ يكونُ بمعنى العِلْمِ والشكِّ فاستثنى الشكَّ كأنه قيل: ما لنا اعتقادٌ إلَاّ الشكَّ. ومثلُ الآية قولُ الأعشى:
4037 -
وحَلَّ به الشَّيْبُ أثقالَه
…
وما اعْتَرَّه الشيبُ إلَاّ اعْتِرارا
يريد اعْتِراراً بَيِّناً.
الظرف؛ حيث أضاف إليه ما هو واقعٌ فيه كقوله: {بَلْ مَكْرُ اليل والنهار} [سبأ: 33] . وتقدَّم الخلافُ في قولِه: «لا يُخْرَجُون» في أولِ الأعراف. وتقدَّم معنى الاستعتاب.
قوله: {رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين} : قرأ العامَّةُ «ربِّ» في الثلاثة بالجرِّ تَبَعاً للجلالة بياناً أو بدلاً أو نعتاً. وابن محيصن برفع الثلاثةِ على المدح بإضمار «هو» .
قوله: {وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات} : يجوزُ أَنْ يكونَ «في السماوات» متعلقاً بمحذوف حالاً مِنْ «الكبرياء» ، وأَنْ يتعلَّقَ بما تعلَّقَ به الظرفُ الأولُ لوقوعِه خبراً. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ «الكبرياء» لأنها مصدرٌ. وقال أبو البقاء:«وأَنْ يكونَ - يعني في السماوات - ظرفاً، والعاملُ فيه الظرفُ الأولُ والكِبْرياء؛ لأنَّها بمعنى العظمة» ولا حاجةَ إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتةُ المصدرية.
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: {عَمَّآ أُنذِرُواْ} : يجوزُ أَنْ تكونَ «ما» مصدريةً أي: عن إنذارهم، أو بمعنى الذي أي: عن الذي أُنْذِرُوْه. و «عن» متعلقةٌ بالإِعراض و «مُعْرِضون» خبرُ الموصول.
قوله: {أَرَأَيْتُمْ} : تقدَّمَ حُكْمُها. ووقع بعدَها «أَرُوْني» فاحتملت وجهين، أحدُهما: أَنْ تكونَ توكيداً لها لأنَّهما بمعنى أَخْبروني، وعلى هذا يكونُ المفعولُ الثاني ل «أَرَأَيْتُمْ» قولَه:«ماذا خَلَقوا» لأنه استفهامٌ، والمفعولُ الأولُ هو قولُه:«ما تَدْعُون» . والوجه الثاني: أنْ لا تكونَ مؤكِّدةً لها، وعلى هذا تكون المسألةُ من بابِ التنازعِ لأنَّ «أَرَأَيْتُمْ» يطلب ثانياً، و «أرُوْني» كذلك، وقولُه:«ماذا خَلَقوا» هو المتنازَعُ فيه، وتكون المسألةُ من إعمالِ الثاني والحذفِ من الأولِ. وجوَّزَ ابنُ عطية في «أَرَأَيْتُم» أنْ لا يتعدَّى. وجعل «ما تَدْعُوْن» استفهاماً معناه التوبيخُ. قال:«وتَدْعُوْنَ» معناه «تَعْبدون» قلت: وهذا رأيُ الأخفشِ وقد قال بذلك في قولِه: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة} [الكهف: 63] وقد مضَى ذلك.
قوله: «من الأرض» هذا بيانُ الإِبهامِ الذي في قوله: «ماذا خَلَقُوا» .
قوله: «أَمْ لهم» هذه «أم» المنقطعةُ. والشِّرْكُ: المُشاركة.
قوله: {مِّن قَبْلِ هاذآ} صفةٌ ل «كتاب» أي: بكتابٍ مُنَزَّلٍ من قبل هذا. كذا قَدَّره أبو البقاء. والأحسنُ أَنْ يُقَدَّرَ/ كونٌ مطلقٌ أي: كائِن مِنْ قبلِ هذا.
قوله: «أَو أَثَارَةٍ» العامة على «أَثارة» وهي مصدرٌ على فَعالة كالسَّماحَة والغَواية والضَّلالة، ومعناها البقيةُ مِنْ قولِهم: سَمِنَتِ الناقةُ على أثارةٍ مِنْ لحم، إذا كانت سَمينةً ثم هَزَلَتْ، وبقِيَتْ بقيةٌ مِنْ شَحْمِها ثم سَمِنَتْ. والأثارَةُ غَلَبَ استعمالُها في بقيةِ الشَّرَف. يقال: لفلانٍ أثارةٌ أي: بقيةٌ أشرافٌ، ويُستعمل في غيرِ ذلك. قال الراعي:
وذاتِ أثارَةٍ أكلَتْ عليها
…
نباتاً في أكِمَّتِهِ قِفارا
وقيل: اشتقاقها مِنْ أَثَر كذا أي: أَسْنَدَه. ومنه قول عمر: «ما حَلَفْتُ
ذاكراً ولا آثِراً» أي: مُسْنِداً له عن غيري. وقال الأعشى:
4039 -
أإنَّ الذي فيه تَمارَيْتُما
…
بُيِّنَ للسامعِ والآثِرِ
وقيل فيها غيرُ ذلك. وقرأ عليُّ وابنُ عباس وزيد بن علي وعكرمة في آخرين «أَثَرَة» دونَ ألفٍ، وهي الواحدة. ويُجْمع على أثَر كقَتَرَة وقَتَر. وقرأ الكسائيُّ «أُثْرَة» و «إثْرَة» بضم الهمزة وكسرِها مع سكونِ الثاء. وقتادةُ والسُّلمي بالفتح والسكون. والمعنى: بما يُؤثَرُ ويُرْوى. أي: ايتوني بخبرٍ واحدٍ يَشْهَدُ بصحةِ قولِكم. وهذا على سبيلِ التنزُّلِ للعِلْمِ بكذِبِ المُدَّعي. و «مِنْ عِلْمٍ» صفةٌ لأَثارة.
قوله: {وَمَنْ أَضَلُّ} : مبتدأ وخبرٌ.
قوله: {مَن لَاّ يَسْتَجِيبُ} «مَنْ» نكرةٌ موصوفةٌ أو موصولةٌ، وهي مفعولٌ بقولِه:«يَدْعُو» .
قوله: {وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ} يجوزُ أَنْ يكونَ الضميران عائدَيْنِ على «مَنْ» مِنْ قولِه: {مَن لَاّ يَسْتَجِيبُ لَهُ} وهم الأصنامُ وتُوْقَعُ عليهم «مَنْ» لمعاملتهم إياها معاملةَ العقلاءِ، أو لأنَّه أراد جميعَ مَنْ عُبِدَ مِنْ دونِ الله. وغَلَّب العقلاءَ، ويكون