المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الوصية الثانية: الرقية الشرعية - الرقية الشرعية من الكتاب والسنة

[علي بن محمد بن ناصر الفقيهي]

الفصل: ‌الوصية الثانية: الرقية الشرعية

‌الوصية الثانية: الرقية الشرعية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فقد وعدنا في البحث الماضي، أننا سنورد بقية الأحاديث الواردة في الرقية الشرعية، ومن أي شيء تكون الرقى، وكيفية رقية رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي علمها لأصحابه، أو أقرهم عليها ثم نتبع ذلك بما أحدثه الناس في الآونة الأخيرة، وما أضافوه من صفات وكيفيات، ودعايات، وما أحدثته تلك الأمور على العامة من الناس، إذ لم يعرف عن سلف هذه الأمة أن عالما فتح عيادة باسم الرقية، وتفرغ لها ونسج حولها ما يعمله بعض الناس في هذه الأيام، بحيث أصبح كثير من العوام يرحلون من بلد إلى بلد لقصد هذا الرجل الذي يرقى من المس أو العين أو غير ذلك.

وسنعرف أن الرقية الشرعية التي ثبتت عن رسول الله صلى اله عليه وسلم يوجد من يتقنها وقد يتوفر فيه الشرط الذي سبق ذكره - وهو التقوى والتوكل على الله، في كل مكان - ولا حاجة بالمصاب أن يسافر مئات الكيلوات بل فوق الألف الكيلو. ولكن نتابع ما أشرنا إليه وهو إيراد الأحاديث النبوية الواردة في الرقية وكيفيتها

- وقد آثرت - أن أجعل الأصل في هذه الأحاديث ما رواه البخاري.

فقد سبق ذكر الحديث الذي رواه البخاري في كتاب الطب تحت عنوان "باب الرقى بالقرآن والمعوذات".

ولما كانت المعوذات من القرآن، إذ المقصود بها سورة الإخلاص وسورة الفلق

ص: 13

والناس، فقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث: هذا من عطف الخاص على العام، لأنه يقصد بالمعوذات سورة الإخلاص، والفلق، والناس، وهي من القرآن.

وقد اتبع البخاري ذلك الباب بقوله "باب الرقى بفاتحة الكتاب" وأورد تحته حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:

أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتو على حي من أحياء العرب، فلم يقروهم - أي لم يضيفوهم - كما في الرواية الأخرى، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا:"هل معكم من دواء أو راقي؟ " فقالوا: "إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا"، فجعلوا لهم قطيعا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتو بالشاء، فقالوا:"لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه، فضحك وقال: "وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم" 1.

كما اتبعه بباب الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب، وأورد تحته رواية ابن عباس في نفس القصة2.

وهذا الحديث الذي فيه النص على الرقية- بفاتحة الكتاب.

وهي: الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. إلى آخر السورة، وقد شفى الله ذلك اللديغ - الذي- لدغته، حية أو عقرب، بإذن الله - بتلك الرقية من أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حيث رقاه بفاتحة الكتاب، وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم على تلك الرقية وعلى أخذ الجعل عليها.

والسؤال - إذا كانت الرقية مفيدة بإذن الله - بفاتحة الكتاب، أليس كل مكلف من المسلمين يؤدي الصلاة المفروضة، يحفظ فاتحة الكتاب ففي كل مدينة

1 البخاري فتح الباري 0 98/1 1 ح 5736.

2البخاري فتح الباري 0 98/1 1 ح 5737.

ص: 14

أو قرية يوجد بحمد الله من يحفظ هذه السورة، بل من يحفظ القرآن كله، فنحن في عصر انتشر فيه التعليم، حتى في الهجر والبوادي، ويوجد حفظة القرآن من الرجال والنساء، على اختلاف أعمارهم، ويوجد بحمد الله من أئمة المساجد والمدرسين وغيرهم ممن تتوفر فيه التقوى والصلاح، لأنه كما سبق أن التأثر والتأثير بكلام الله ينبغي أن تتوفر فيه شرطان:

الأول: من جهة العليل - أن - المريض، وهو صدق القصد.

الثاني: من جهة المداوي - أي الراقي- وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل.

وإذا كان في كل قرية ومدينة يوجد من يحفظ فاتحة الكتاب والمعوذات، والدعاء المأثور عن الرسول في الرقية، وهو ما سيأتي ذكره - فهل يلزم أن تفتح عيادات في البلد الفلاني أو المدينة الفلانية فيهرع إليها الناس من مسافات بعيدة - باسم الرقية الشرعية.

إن من يزور تلك العيادات، ويرى تلك الأعداد من الرجال والنساء، وطالبي الأرزاق حول العيادات، يتنافسون بتقديم بيع المواعين والزيوت، يرثى لحالة هؤلاء العوام وأشباههم، لتعلقهم بهذا الشخص وإنه لا يرقي أو لا يشقى أحد بالرقية، إلا برقيته.

وقد تبين من إفادة المنصفين من هؤلاء الذين انتحلوا هذه المهنة، ومارسوها فترة طويلة، أن أكثر المريدين لهذه العيادات ليس عندهم إلا أوهام وأمراض نفسية، وتلك الأوهام ناتجة عن ضعف الإيمان والتوكل على الله.

قلت: وقد زادتهم هذه العيادات المفتوحة، وما أشيع لها من دعايات وهنا على وهن.

ص: 15

ولما كانت الرقية في هذا الحديث بفاتحة الكتاب، فقد نقل ابن حجر رحمه الله في شرحه للحديث، عن ابن القيم رحمه الله، خصائص هذه السورة فقال:"إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع - قلت - ويقصد - ببعض الكلام هو ما ثبت عن رسول الله أو أقره من الدعوات في الرقية -" قال: "فما الظن بكلام رب العالمين، ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا في غيره من الكتب مثلها، لتضمنها جميع معاني الكتاب، فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله ومجامعها، وإثبات المعاد، وذكر التوحيد، والافتقار إلى الرب في طلب الإعانة به، والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء، وهو طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، المتضمن كمال معرفته وتوحيده، وعبادته، بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، والاستقامة عليه، ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى منعم عليه لمعرفته بالحق والعمل به، ومغضوب عليه لعدوله عن الحق بعد معرفته.

وضال لعدم معرفته له، مع ما تضمنته من إثبات القدر، والشرع والأسماء والمعاد والتوبة، وتزكية النفس، وصلاح القلب، والرد على جميع أهل البدع. وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء1، والله أعلم.

ثم يتابع الإمام البخاري رحمه الله أبواب الرقية فيقول "باب رقية العين" ويورد حديث عائشة رضي الله عنها، قالت؟: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر - أن يسترقى من العين.

وحديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال:"استرقوا لها فإن بها النظرة"2.

1 فتح الباري 10/198.

2البخاري، فتح الباري 5 99/1 1 ح 5738، 739؟

ص: 16

ففي هذين الحديثين مشروعية الرقية من العين، يقوله ابن حجر في شرح الحديث:"والعين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر".

قال: "ووقع عن أحمد من وجه آخر - عن أبي هريرة رفعه "العين حق، ويحفرها الشيطان وحسد ابن آدم ".

وقوله في الحديث "فإن بها النظرة" اختلف في المراد بالنظرة فقيل: عين من

نظر الجن، وقيل من الإنس وبه جزم أبو عبيد الهروي، والأولى أنه أعم من ذلك، وإنها أصيبت بالعين فلذلك أذن صلى الله عليه وسلم في الاسترقاء لها، وهو دال على مشروعية الرقية من العين1.

وهذا أورد البخاري حديث أبي هريرة تحت "باب العين الحق" ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العين حق". ونهى عن الوشم2.

يقول ابن حجر في شرح الحديث:

قوله "باب العين حق" أفي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو هو من جملة ما تحقق كونه. قال المازري:"أخذ الجمهور بظاهر الحديث، وأنكره طوائف المبتدعة لغير معنى، لأن كل شيء ليس محالا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل، فهو من متجاوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى، وهل من فرق بين إنكارهم هذا، وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة" اهـ.

1 فتح الباري 10/ 201- 202

2 البخاري، فتح الباري 10/203 ح 5740

ص: 17

أي - أن ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجب التصديق به والإيمان بوقوعه، ولا دخل للعقل في إنكاره، فإذا كان العقل لا يدرك ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور الآخرة، وأولها أن الميت تعاد إليه روحه بعد وضعه في قبره، ثم يأتيه منكر ونكير ويسألانه عن ربه ودينه ونبيه، وإنه ينعم في قبره، أو يعذب، فمن آمن بذلك لزمه الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك وقوع العين وإصابة الإنسان بها وإنها تؤثر، وهو أمر واقع، كما سيرد التمثيل له في المبحث التالي إن شاء الله وإنما ينكر ذلك أهل الأهواء والبدع الذين يردون نصوص الشريعة بعقولهم، فإلى المبحث التالي، لبيان هذا الموضوع، ونص رقية النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 18