الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد:
إن البيان بلحنه وخطابه، وإشارته ودلالته، وحفزه - وبلاغته، وتأثيره في النفوس، وإذكاءِ روح اليقظة فيها وتحميسها على الإقدام أو الإحجام عن شيء مّا، دون أن يمارس عليها ذلك بقوة السلطان، ولا ببريق السيوف ولا يفتقر في وجوده إلى الاستدلال، لأنه أمر وجداني يحس به المرء من نفسه، ولا يطيق درأه، والوجدانياتُ اضطراريات، فمن يبحث عن دليل وجودها فهو معاكس للفطرة، منكر لأمر يجده من نفسه، ويشعر به من داخلته.
وليس يصح في الأذهان شيء
…
إذا احتاج النهار إلى دليل
والبيانُ له صولة على النفوس، ويدخل إليها من منحنياتها العديدة بغير استئذان، ويفعل بها ما يفعله السحر بالمسحور، ولذا مدَحه النبي صلى الله عليه وسلم وذمَّه، لاعتبارين مختلفين، وقصدين متغايرين: مدحه بقوله في حديث ابن عمر: " إن من البيان لسحرا"(1) وذمه بقوله من حديث أم سلمة: " إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أبلغُ بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها"(2) .
وعقل الفقهاء عن رسول الهدى أنه مدح البيان، إذا كان لقصد صحيح، وذمَّه إذا كان لغرض فاسد، وذاك يدل على أنه ليس بمذموم ولا ممدوح
(1) أخرجه البخاري في النكاح - الفتح - 9/109/ وفي الطب 10/ 247 عن ابن عمر قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن من البيان لسحرا ".
وفي لفظ في الموطأ - 2/ 986 / " إن بعض البيان لسحر".
(2)
سيأتي تخريجه وتفصيله في ص – 36.
لذاته، وإنمَّا لمِاَ يلحقه من الأغراض، ونقل الحافظ في الفتح عن الخطابي أنه قال:" البيان اثنان: أحدهما ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والآخر ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلَب القلب، وغلب على النفس، حتى يحوِّل الشيءَ عن حقيقته، ويصرفَه عن جهته، فيلوحَ للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صَرف إلى الحق يمدح، وإذا صَرف إلى الباطل يذم، قال: فعلى هذا، فالذي يشبه بالسحر منه هو المذموم " ا?.
قال الحافظ:" وقد حمل بعضهم الحديث على المدح، والحث على تحسين الكلام، وتحبير الألفاظ
…
وحمله بعضهم على الذم لمن تصنع في الكلام، وتكلفه لتحسينه، وصرَف الشيء عن ظاهره، فشُبِّه بالسحر الذي هو تخييل لغير حقيقة" (1) . وقال صعصعة بن صوحان عن هذا الحديث:" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يكون عليه الحق، وهو ألحنُ بالحجة من صاحب الحق، فيسحرُ الناس ببيانه، فيذهبُ بالحق "(2) .
قال الحافظ: "وحمل الحديث على هذا صحيح، لكن لا يمنع حملَه على المعنى الآخر إذا كان في تزيين الحق، وبهذا جزم ابن العربي وغيره من فضلاء المالكية، وقال ابن بطال: أحسن ما يقال في هذا، أن هذا الحديث ليس ذما للبيان كله ولا مدحا، لقوله: " من البيان " فأَتى بلفظة " مِنْ " التي للتبعيض،
(1) الفتح 10/ 248.
(2)
الفتح 9/109 – وانظر مقالة صعصعة بن صوحان في أبي داود – في الأدب – حديث – 5012.
وكيف يُذَم البيان وقد امتن الله به على عباده حيث قال: {خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن3-4](1) .
قلت: وهو كلام صحيح، فالبيان فيه المذموم والممدوح كما تقدم، ولفظ الحديث في الموطأ دال على هذا التقسيم.
وإذا كان البيان بهذه المنزلة، فلا ريب أنه بمنزلة عظيمة، فبه يبلَّغ الوحي الإلهي إلى الناس، وبطلاوته ينساب إلى أفئدتهم، وعلى قوة أثره يعوَّل في تفنيد الشبهات، وقمع الشهوات، وفَتِّ المأْفُوكات وإزاحةِ اللبس عن الآي البينات.
ومن الاهتبال بالبيان وإحلاله منزلة عالية، أسمى الله تعالى كتابه بيانا في قوله:{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:138] وأسمى نبيه مبينا في قوله:
{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64] وقد أُوتي صلى الله عليه وسلم من البيان والفصاحة ذروتهما، وله فيهما أفنانٌ ومذاهبُ، لا ترتقي مصاقِعُ البلغاء إلى عليائها، ولا تطمح أن تتبوأ أعاليها، وحسبها أن تُطرِق لبيانه، وأن تتسمع لبلاغته، وأن تتلمس توجيهها، وإثارةَ غرائبها، وإدراك معانيها.
إنه في بيانه لَإمام
…
حارَ في درْك غوره البلغاء
(1) الفتح 10/248.
وهذا يستدعي حقيقة هامة، أغفلها كثير ممن يتعاملون مع الوحيَيْن قديما وحديثا، وهي أن من لم يتمكن من ناصية الأدب واللغة العربية، فلن يكون فهمه في عمومه سليما لهذين الوحيين، لأنهما في قمة سامقة من جوامع كلم البلاغة، فالتعامل معهما يستوجب استعدادا خاصا.
وما وقع فيه جميعُ الفرق المنحرفة عن فهم السلف المتقدمين: من تأويلات فاسدة، وآراء عليلة، مرَدُّ أغلبها إلى عُجْمتهم، وعدم إدراكهم مراد المتكلم من كلامه، فحملوا كلام الله ورسوله على ما لا يرضاه أحدهم لنفسه في كلامه، فضلوا بذلك وأضلوا. ولو كانوا عربا أقحاحا، أو استمدوا العربية تعلما من معادنها، لما وقعوا فيما وقعوا فيه من غرائب المحامل.
وكان العرب الخُلَّص من الأئمة أمثال مالك والشافعي، وأحمد، وأضرابهم، سلِيمِي الفهم، دقيقي التعليل، دراكين لمقاصد النصوص ومعانيها المرادة منها، فعلى أفهامهم يعوَّل وعلىما قعَّدوه يعتمَد في التفريع والتأصيل، وبه يستهدَى في التأويل والتنزيل.