المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: المحدثون في جهادهم: - السنة ومكانتها من التشريع لعبد الحليم محمود

[عبد الحليم محمود]

الفصل: ‌الفصل الثالث: المحدثون في جهادهم:

‌الفَصْلُ الثَّالِثُ: المُحَدِّثُونَ فِي جِهَادِهِمْ:

في ضوء ما سبق قد يتساءل بعض الناس؟ هل معنى ذلك أنه لم تحدث محاولات للوضع، أو حدث الوضع بالفعل وتزييف، واختراع في السُنَّةِ؟ والواقع أن من يزعم أن السُنَّةَ على مجرى التاريخ قد خلت من الوضع إنما ينكر الحقائق الثابتة.

لقد حاول الكثيرون وضع أحاديث على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، وحاولوا ذلك لأسباب مختلفة منها:

1 -

أن بعض الناس كذابون بطبيعتهم، اتخذواالكذب هواية لا يستقيم أمرهم إلا على الكذب، فكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان من المعروف في جميع الأديان أن بعض الناس يكذب على الله، فإن من الأمور التي تحدث أن يكذب بعض الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2 -

وبعض الناس يسيطر عليه مذهب من المذاهب أو نزعة من النزعات، ويتشبع بذلك حتى يملأ عليه أقطاره فيكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، تأييدًا لمذهبه وتأكيدًا لنزعته، وإرضاء لهواه.

ص: 61

3 -

وبعض الناس دخل في الإسلام كرهًا للإسلام: دخله ليتآمر عليه، دخله ليكون في ظروف أكثر ملاءمة للتآمر عليه: فكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إفسادًا للمبادئ الإسلامية الصحيحة، وتزييفًا لها.

4 -

وبعض الناس استباح الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبيل موعظة الآخرين وهدايتهم، ورأى أن غايته التهذيبية تبيح له ركوب هذا المركب الفاسد.

هذه هي كل أو أكثر الأسباب التي دعت إلى وضع الأحاديث والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكن ذلك لم يكن في السُنَّةِ بدعًا من الأمر.

فهذه الأسباب في الجملة كانت ولا تزال الأسباب لتزييف التاريخ.

إن التاريخ - منذ عرف - لم يخل من العوامل التي تحاول وضعه على غير ما كان عليه بالفعل، وتلوينه على الصورة التي يريد بعض الناس - ملوكًا أو أمراء أو زعماء على أي وضع كانوا - أن يكون عليها.

ولكن تزييفهم للتاريخ لم يمنع من ظهور الحقائق، وكذبهم على التاريخ لم يمنع من بيان الحق ومعرفة الناس له.

ولقد وضع المؤرخون المحدثون أصولاً للنقد، وعلامات للحوادث المزيفة وقواعد لمعرفة الحقيقة.

ص: 62

ولقد استعانوا في سبيل المعرفة الصحيحة باللغة، وبالحوادث اليقينية المتواترة، وبالشهود العدول، وبالمقارنات.

لقد استعانوا بالنقد الداخلي، والنقد الخارجي ووصلوا بذلك إلى الحقائق التي يطمئنون إليها، برغم ما يفصل بينهم وبين مكان الأحداث من آلاف الأميال، وبرغم ما يفصل بينهم وبين أزمنة الحوادث من عشرات القرون.

ومع كل ما حاوله المؤرخون من جهد، ومع كل ما وضعوه من قواعد للوصول إلى اليقين فإنهم - والحق يقال - لم يصلوا في كل ذلك إلى ما وصل إليه سادتنا المحدثون - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -. وذلك للأسباب التالية:

1 -

لقد بدأ تسجيل السُنَّةِ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتم تسجيلها - كلها تقريبًا - في عهد الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -. فكان قرب الزمن، إذن، من عوامل صحة السنة.

2 -

وسجل أكثرها في المكان نفسه الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في أمكنة قريبة، نسبيًا، منه.

3 -

ولقد رُوِيَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث كانت تحد من الوضع، في المبدأ على الأقل، مثل حديث:«مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مِقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .

وهذه ملاحظات نذكرها لا لنقول أنها حاسمة فيما

ص: 63

يتعلق بأمر صحة ما روي - ولقد قدمنا: أن الوضع وجد بالفعل - ولكننا نذكرها في مقابلة ما يحاول بعض الناس التهويل به من أمر التزييف والوضع.

أما الأمور الحاسمة التي تجعلنا نثق بالنتائج والثمار التي وصل إليها سلفنا الصالح فيما يتعلق بأمر السنة، فإن في أساسها:

1 -

إيمان هؤلاء السلف بأنهم في عنايتهم بالسنة: - بما صح منها، وبما وضع فيها - إنما يجاهدون في سبيل الله.

لقد كانوا مؤمنين إيمانًا عميقًا ثابتًا بأن في عنقهم واجبًا دينيًا هو أن يُخَلِّصُوا سُنَّةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، من كل زيف، وأن يُنَقُّوهَا من الكدورات في إخلاص مخلص، وفي صورة من اليقين لا يفترون في الوصول إليه.

ولقد كانوا يعدون بالآلاف، ويمتازون - كما يقول أبو الحسن الندوي - بعلو نشاطهم، وقوة احتمالهم وصبرهم وقوة ذاكرتهم وحفظهم، وقد تدفق سيلهم من بلاد العجم، وقد ملكت قلوبهم وعقولهم الرغبة الشديدة في جمع الحديث، وشغفوا به شغفًا حال بينهم وبين الشهوات، فطاروا في الآفاق، ونقبوا في البلاد في البحث عن الروايات المختلفة، والأسانيد الصحيحة.

وكان لهم في ذلك هيام وغرام لم يعرفا عن أمة من الأمم في التاريخ كله، يدل على ذلك بعض الدلالة ما يروى عن

ص: 64

المحدثين من التجول في البلاد، والسفر في العالم الإسلامي، من أقصاه إلى أقصاه.

فقد روي: أن البخاري صاحب الصحيح، بدأ رحلته العلمية وهو لا يزال في الرابعة عشر من سنه، وقد زار البلدان الإسلامية: ما بين بخارى ومصر وشيوخها.

وروي عن أبي حاتم الرازي (م 277 هـ) قال: «أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر، ثم إلى الرملة ماشيًا ثم إلى طرطوس ولي عشرون سنة» .

وقد سمع محدث الأندلس ابن حيون (م 374 هـ) الحديث في الأندلس والعراق، والحجاز واليمن، وهكذا قطع قارة إفريقيا من طنجة إلى مصر، وعبر البحر الأحمر.

ومن المحدثين من سافر في قارة إفريقيا وآسيا وأوروبا في طلب الحديث وهكذا انتظمت رحلته العلمية ثلاث قارات كبرى.

وكان كثير من المحدثين يخرج من الأندلس أقصى الغرب في العالم المتمدن المعروف يومئذً ويبلغ أقصاه في الشرق إلى خراسان أو بالعكس، والمطالع في " تذكرة الحفاظ " للذهبي يدهش لطموح هؤلاء الرجال واحتمالهم المشاق في طلب العلم.

2 -

ولقد استعمل أئمتنا النقد الداخلي والنقد

ص: 65

الخارجي، بل لقد استعملوا ما يمكن أن نسميه المشاركة الوجدانية، أو بعبارة أدق، استرواح رائحة النبوة، أو استلهام طابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث، أو استبصار القلب، وإلهام الروح، وإشراق البصيرة، في المعرفة:

يقول الربيع بن خثيم: «إِنَّ مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ النَّهَارِ نَعْرِفُهُ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نَعْرِفُهُ بِهَا» (1).

وهذه الطريقة تعتبر في العصر الحاضر الأوروبي من ابتداعات القرن العشرين. لقد استعملها أئمتنا ووضعوا لها الأصول، وبينوا كيفيتها، ولم يتركوها للأهواء والمشارب، ومن أدق التعبيرات عنها ما يقوله ابن القيم: «وَسُئِلْتُ: هَلْ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ بِضَابِطٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ فِي سَنَدِهِ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ.

وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ تَضَلَّعَ فِي مَعْرِفَةِ السَّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَاخْتَلَطَتْ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَصَارَ لَهُ فِيهَا مَلَكَةٌ وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ بِمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآثَارِ، وَمَعْرِفَةِ [سِيرَةِ] رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهَدْيِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَيُخْبِرُ

(1) الحاكم، " معرفة علوم الحديث ": ص 26.

ص: 66

عَنْهُ وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَيُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ، وَيُشَرِّعُهُ لِلأُمَّةِ، بحيث كَأَنَّهُ مُخَالِطٌ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كَوَاحِدٍ مِنَ أَصَحَابِهِ.

فَمِثْلُ هَذَا يَعْرِفُ مِنْ أَحْوَالِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَهَدْيِهِ وَكَلامِهِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ [بِهِ]، وَمَا لا يَجُوزُ مَا لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ.

وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مُتَّبِعٍ مَعَ مَتْبُوعِهِ، فَإِنَّ لِلأَخَصِّ بِهِ، الْحَرِيصِ عَلَى تَتَبُّعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ وَمَا لا يَصِحُّ مَا لَيْسَ لِمَنْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ.

وَهَذَا شَأْنُ الْمُقَلِّدِينَ مَعَ أَئِمَّتِهِمْ: يَعْرِفُونَ أَقْوَالَهُمْ وَنُصُوصَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وفي هذه الطريقة أيضًًا يقول ابن دقيق العيد: «وَكثيرا ما يحكمون بذلك (أي بالوضع) باعتبار يرجع إلى المروي وألفاظ الحديث، وحاصله أنها حصلت لهم بكثرة محاولة ألفاظ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هيئة نفسانية وملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظه» .

ويقول ابن الجوزي: «الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب» .

3 -

وأنه لمن المعروف أن عناية سلفنا الصالح لم تكن موجهة إلى جمع الحديث وتدوينه فحسب، وإنما تعدت

ص: 67

ذلك - كما يقول الأستاذ الجليل أبو الحسن الندوي - إلى الوسائط التي وقعت في رواية الحديث، وهم الرواة الذين رووا هذه الأحاديث ز

فعنوا بمعرفتهم ومعرفة أسمائهم وأسماء آبائهم، وحوادث حياتهم وأخلاقهم، ومكانتهم في الأمانة، والصدق، والحفظ.

وهكذا أصبح الذين اتصلوا بالشخصية الكريمة التي وعد الله لها بالخلود وبقاء الذكر وانتشار الاسم {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (1) أصبح الذين اتصلوا بها موضوع الدارسين، والباحثين، وخرجوا من زوايا الخمول واستحقوا الحياة والاشتهار، وأصابعهم فيض من حياة هذه الشخصية الخالدة فحيوا وظهروا واحتفظ التاريخ بأسمائهم وأحوالهم، ورآه حَقًّا على نفسه، وهكذا ظهر علم أسماء الرجال في عالم الوجود، وكان من مفاخر هذه الأمة التي لا تشاركها فيها أمة من الأمم، قال الدكتور «اسبرنجر» (*) في مقدمته الإنجليزية على كتاب " الإصابة في [تمييز] الصحابة " للحافظ ابن حجر العسقلاني ما ترجمته:«لم تعرف أمة في التاريخ، ولا توجد الآن على ظهر الأرض، وفقت لاختراع فن من أسماء الرجال الذي نستطيع بفضله أن نقف على ترجمة خمسمائة الف (نصف مليون) من الرجال» .

ولم يعن المحدثون بتعريف رجال الحديث فحسب،

(1)[سورة الشرح، الآية: 4].

-----------------------

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:

(*) شبرنجر Sprenger 1813 - 1893 انظر " الأعلام "، خير الدين الزركلي: 2/ 8، الطبعة: الخامسة عشر - أيار / مايو 2002 م، نشر دار العلم للملايين. بيروت - لبنان.

وانظر " الرسالة المحمدية "، السيد سليمان الندوي، ص 62 هامش، الطبعة الأولى: 1415 هـ - 1995 م، نشر دار الأمان للنشر والتوزيع - القاهرة.

ص: 68

بل التزموا الصدق والصراحة في تعريفهم، وجمعوا كل ما يتصل بأخلاقهم وعاداتهم، وما يدل على قوتهم وضعفهم واحتياطهم وتساهلهم، وتقواهم وعلمهم وذاكرتهم، وجمعوا كل ما قاله معاصروهم فيهم، ولم يداروا ولم يجاملوا في ذلك، ولم يهابوا أحدًا، ولو كان بعضهم أميرًا مهابًا أو شيخًا وقورًا.

وقد روى التاريخ في ذلك طرائف تدل على شدة هؤلاء الناقدين وعلمهم بقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (1) وتدقيقهم.

قال أبو داود: «كَانَ أَبُو وَكِيعٍ عَلَى بَيْتِ المَالِ، فَكَانَ وَكِيعٌ (م 197) إِذَا رَوَى عَنْهُ قَرَنَهُ بِآخَرَ» (*).

وقد ترك معاذ بن معاذ العنبري (م 196 هـ) رواية [المسعودي]، لأنه رآه يطالع الكتاب، يعني قد تغير حفظه. (**). وقد قدم إليه عشرة آلاف دينار، وطلب منه أن يسكت عن فلان فلا يتكلم فيه بجرح ولا تعديل، فأبى ورفض هذا الحال العظيم، وقال:«لَا أَكْتُمُ الحَقَّ» .

وهذا قليل من كثير جِدًّا يدل على أمانة علماء الحديث والرجال، وتدقيقهم في موضوعهم، وتحريهم الحق والعدل في شهاداتهم، فهل يوجد في تاريخ العلم نظير لهذه الأمانة والتدقيق؟

(1)[سورة النساء، الآية: 135].

-----------------------

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:

(*)«وَكَانَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ لِكَوْنِ وَالِدِهِ كَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، يُقْرِنُ مَعَهُ آخَرَ إِذَا رَوَى عَنْهُ» ، انظر " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي " للسخاوي، تحقيق علي حسين علي: 4/ 356، الطبعة الأولى: 1424 هـ - 2003 م، نشر مكتبة السنة - مصر.

(**) انظر: " الاغتباط بمن رمي من الرواة بالاختلاط "، سبط ابن العجمي (المتوفى: 841هـ)، تحقيق علاء الدين علي رضا، (" نهاية الاغتباط بمن رمي من الرواة بالاختلاط ")[دراسة وتحقيق وزيادات في التراجم على الكتاب]، 1/ 205، الطبعة الأولى: 1988 م، نشر دار الحديث القاهرة.

" التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح " زين الدين العراقي، تحقيق عبد الرحمن محمد الخشت، 1/ 454، الطبعة الأولى: 1389 هـ- 1969 م، الناشر: محمد عبد المحسن الكتبي صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.

" الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح " إبراهيم بن موسى الأبناسي (المتوفى: 802هـ)، تحقيق صلاح فتحي هلل، 2/ 759، الطبعة الأولى: 1418 هـ - 1998 م، نشر مكتبة الرشد. المملكة العربية السعودية.

ص: 69

وما من شك في أن سلفنا الصالح بدأ بالاهتمام بالإسناد:

أي بالاهتمام بهؤلاء الذين رَوَوْا الحديث واحدًا عن واحدٍ حتى وصلوا به إلى رسول الله رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أو إلى أحد الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -.

ولقد اهتموا بالإسناد إلى درجة أن يجعلوه من الدين، يقول الإمام الزُّهْرِي:«الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ» .

لقد بحثوا عن هؤلاء الذين جاء حديث رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن طريقهم:

لقد بحثوا عن ميلادهم، وعن وفاتهم، وعن أخلاقهم، وعن غفلتهم وسهوهم، أو يقظتهم وصحوهم وعن ذاكرتهم وضبطهم، لقد بحثوا عن كل ما يتصل بهم في ألفاظهم التي ينطقون بها، وفي سلوكهم الذي يسيرون عليه، وفي سمتهم من ناحية الوقار والخفة، وفي أهوائهم ومشاربهم، وفي نزعاتهم، وفي ميولهم على وجه العموم.

لقد اخترع المسلمون علم تشريح كامل، وضعوا به على مائدة المعرفة ما يقرب من نصف مليون من البشر.

لقد اخترعوا عِلْمًا لم يخترعه سابقوهم، حتى بالنسبة لكتبهم المقدسة ولم يصل إليه لاحقوهم حتى في العصر الحديث.

ص: 70

علما يقول عنه المستشرق الألماني «اسبرنجر» في تصديره لكتاب " الإصابة " لابن حجر حينما كان في كلكتا 1853 - 1864: الكلمة التي سبق أن ذكرناها، والتي تعبر عن الحقيقة الواقعة.

لَقَدْ قِيلَ مَرَّةً لابْنِ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ [المَوْضُوعَةُ] المَصْنُوعَةُ؟ فقال: «يَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ» (*).

هؤلاء الجهابذة قاموا بما عليهم خير قيام.

يتحدث صاحب كتاب " تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل "(**) عن بعض ما قام به هؤلاء الجهابذة فيقول:

[التمييز بين الرواة]

قال أبو محمد: فلما لم نجد سبيلا إلى معرفه شئ من معاني كتاب الله، ولا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة النقل والرواية: وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ [والثبت] والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة [والوهم] وسوء الحفظ والكذب، واختراع الأحاديث الكاذبة.

ولما كان الدين هو الذي جاءنا عن الله عزوجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، بنقل الرواة، حق علينا معرفتهم، ووجب الفحص عن الناقلة والبحث عن أحوالهم، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة [والثبت] في الرواية مما [يقتضيه] حكم العدالة في نقل الحديث [وروايته]، بأن يكونوا أمناء

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:

(*)" شرح علل الترمذي " لابن رجب الحنبلي (المتوفى سنة 795 هـ)، تحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد، 1/ 477، الطبعة الأولى: 1407هـ - 1987م، نشر مكتبة المنار - الزرقاء - الأردن.

انظر أيضا: " تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي " للإمام السيوطي، تحقيق الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف: 1/ 287، الطبعة الثانية: 1399 هـ - 1979 م، نشر دار إحياء السُنَّةِ النبوية].

(**)" تقدمة الجرح والتعديل ": 1/ 5، الطبعة الأولى: سنة 1271 هـ - 1952، دار الكتب العلمية، مصورة عن دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن. الهند.

ص: 71

في أنفسهم، علماء بدينهم، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث وإتقان به وتثبت فيه.

وأن يكونوا أهل تمييز وتحصيل، لا يشوبهم كثير من الغفلات، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعوه، ولا يشبه عليهم بالأغلوطات.

وأن يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثرة الغلط والسهو والاشتباه، ليعرف به أدلة هذا الدين (وأعلامه - 1) وأمناء الله في أرضه على كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم هؤلاء أهل العدالة، فيتمسك بالذي رووه، ويعتمد عليه، [ويحكم به، وتجري أمور الدين عليه]، وليعرف أهل الكذب تَخَرُّصًا، وأهل الكذب وَهْمًا، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ، فيكشف عن حالهم وينبئ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إن كذب فكذب، وإن وهم فوهم، وان غلط فغلط

[طبقات الرواة]

ثم احتيج إلى تبيين طبقاتهم ومقادير حالاتهم، وتباين درجاتهم، ليعرف من كان منهم في منزلة الانتقاد والجهبذة والتنقير والبحث عن الرجال والمعرفة بهم - وهؤلاء هم أهل التزكية والتعديل والجرح.

ويعرف من كان منهم عدلا في نفسه من أهل الثبت في الحديث والحفظ له والاتقان فيه - هؤلاء هم أهل العدالة.

ص: 72

ومنهم الصدوق في روايته، الورع في دينه، [الثبت] الذي يهم أحيانًا وقد قبله الجهابذة النقاد - فهذا يحتج بحديثه أيضًا.

ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والسهو والغلط - فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب. ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.

ومنهم من قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم - ممن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال منهم الكذب، فهذا يترك حديثه ويطرح روايته ويسقط ولا يشتغل به». اهـ.

لقد كان هؤلاء الجهابذة في سبيل الدين يبدون آراءهم في أمس الناس بهم، نصيحة للمسلمين، وتقوى منهم، فَزَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ " صَحِيحِ مُسْلِمٍ ":«لَا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي» (*). وَيَسْأَلُ عَلِي بْنُ الْمَدِينِيِّ سُئِلَ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ:«سَلُوا عَنْهُ غَيْرِي» (**).

فيعيدون السؤال من جديد، فَيُطْرِقُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ:«هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ» (

).

وكان أمر وكيع بن الجراح طريفًا، فقد كان أبوه رجلاً صالحًا، لا مأخذ عليه، غير أنه كان على بيت المال، ومن

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:

(*)" فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي " للسخاوي، تحقيق علي حسين علي: 4/ 356، الطبعة الأولى: 1424 هـ - 2003 م، نشر مكتبة السنة - مصر.

(**) المصدر السابق: 4/ 356.

(

) المصدر السابق: 4/ 356.

ص: 73

أجل وظيفته هذه كان ابنه - إذا روى عنه - يقرن معه آخر.

لقد كان سلفنا - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - يعنون بالإسناد عناية فائقة، حتى لقد وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ- رضي الله عنه:«الإِسْنَادُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاتِلُ» (1).

ويفسر الدكتور ناصر الدين الأسد العناية بالإسناد تفسيرًا صادقًا فيقول ص 226 من كتابه النفيس " مصادر الشعر الجاهلي ": ويبدو لنا أن مرد التزام الإسناد المتصل في رواية الحديث إلى أمرين: أمر داخلي، وآخر خارجي. أما الداخلي فمبعثه من نفس الراوي، ومصدره شعوره بالتحرج الديني، وذلك أنه ينقل كلامًا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال في حديثه المشهور:«مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .

في الإسناد المتصل ما يجعل المحدث يطمئن إلى أن غيره من شيوخه وشيوخ شيوخه ثم التابعين والصحابة، يشتركون معه في تحمل تبعة هذا الحديث ونقله، وأنه لا

(1) انظر كتاب " السنة قبل التدوين "[للدكتور محمد عجاج الخطيب]: ص 223.

ص: 74

لا يستقل وحده بحمل هذا العبء، وأن تبعته لا تعدو النقل الأمين لما سمعه عن شيخ ثقة ثبت.

وأما الأمر الخارجي فمرجعه إلى سامعي الحديث من المحدث، وذلك أن الحديث يتضمن جزءًا كبيرًا من السنة، أو هو السنة كلها، وهو من أجل ذلك مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، بل إنه هو المصدر الثاني الذي يتلو في القيمة كتاب الله، ولذلك كان من التدقيق والتحقيق، ومما يبعث الطمأنينة في نفوس السامعين ويوحي إليهم بالثقة في حديث المحدث أن يصل بين عصره وعصر الرسول الكريم بسلسلة متصلة من الرواة المحدثين كلهم يشهد أنه سمعه ممن قبله حتى يصل الإسناد إلى [الصحابي] فالرسول.

(" مصادر الشعر الجاهلي ": ص 258، 259. اهـ. (*).

ودخل في هذا الباب - باب الإسناد - نقد الرواة، وتصنيفهم إلى فئات يأخذون من بعضها ويتوقفون عن البعض، ويعلنون على ملأ من الناس كذب البعض، وكان لهم في هذا المجال شعور مرهف، أو شعور مترف إذا أمكن هذا التعبير.

يقول الإمام مالك رضي الله عنه: «لَا يُؤْخَذُ العِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ: رَجُلٌ مُعْلِنٌ [بِالسَّفَهِ] وَإِنْ كَانَ أَرْوَى النَّاسِ، وَرَجُلٌ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتُ لَا

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:

(*)" مصادر الشعر الجاهلي " الدكتور ناصر الدين الأسد، ص 258، 259، الطبعة الخامسة 1978، نشر دار المعارف بمصر.

ص: 75

أَتَّهِمُهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَصَاحِبُ هَوَىً يَدْعُو النَّاسَ إِلَىَ هَوَاهُ، وَشَيْخٌ لَهُ فَضْلٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ» (*).

ولقد كان يحيى بن سعيد القطان رحمه الله يترك حديث الكثير ممن يظهر بعض الناس بهم الخير، فقيل له:«أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الذِينَ تَرَكْتَ حَدِيثَهُمْ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟» فَقَالَ: «لأَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ خَصْمِي أَحَبَّ إِليَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لِمَ لَمْ تَذُبَّ الكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي؟» .

لقد اتفق المحدثون على أَلَاّ يأخذوا الحديث عن:

1 -

الكذابين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لقد اختلفوا في كفر هؤلاء، بل لقد اختلفوا في قبول الله لتوبتهم، ويكفي أن يعرف الكذب من أحدهم مرة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسقط ذلك جميع أحاديثه.

على أن الكذب على الناس كان في ترك حديث الكذاب حتى ولو كان يتحرج من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك الإمام مالك رضي الله عنه فيما سبق.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:

(*) قال الإمام مالك: «لَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ، وَيُؤْخَذُ مِمَّنْ سِوَى ذَلِكَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ صَاحِبِ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ، وَلَا مِنْ سَفِيهٍ مُعْلِنٌ بِالسَّفَهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَرْوَى النَّاسِ، وَلَا مِنْ رَجُلٍ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَتَّهِمُهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا مِنْ رَجُلٍ لَهُ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ» . انظر " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي " للرامهرمزي، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، ص 403، الطبعة الثالثة: 1404 هـ، نشر دار الفكر - بيروت.

قارن بما ورد في كتاب " أبو هريرة راوية الإسلام " للدكتور محمد عجاج الخطيب ص 45، نقلاً عن " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي ": ص 79: أ - ب. و " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم: ص 32، جـ 1.

ص: 76

ولأئمتنا في تعقب الكذابين طرائف:

يقول الأستاذ السباعي في كتابه النفيس " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي "(*) مُبَيِّنًا بعض علامات الوضع في السند، ومنها:

أن يروي الراوي عن شيخ لم يثبت لقياه له أو ولد بعد وفاته، أو لم يدخل المكان الذي ادَّعَى سماعه فيه، كَمَا ادَّعَى مَأْمُونُ بْنُ أَحْمَدَ الهَرَوِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ هِشَامٍ بْنِ عَمَّارٍ، فَسَأَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حِبَّانَ:«مَتَى دَخَلْتَ الشَّامَ؟» قَالَ: «سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ» ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ:«فَإِنَّ هِشَامًا الذِي تَرْوِي عَنْهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ» (**)، وكما حَدَّثَ عبد الله بن إسحاق الكرماني عن محمد بن أبي يعقوب، فقيل له:«مَاتَ مُحَمَّدٌ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ بِتِسْعِ سِنِينَ» (

)، وكما حَدَّثَ محمد بن حاتم [الكشي] (****) عن عبد بن حميد فقال الحاكم أبو عبد الله:«هَذَا الشَّيْخُ سَمِعَ مِنْ عَبْدٍ بْنُ حُمَيْدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً» .

وفي " مقدمة مسلم ": أَنَّ الْمُعَلَّى بْنَ عُرْفَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ»، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ - يَعْنِي الفَضْلَ بْنَ دُكَيْنِ حَاكِيهِ عَنْ المُعَلَّى -:«أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟» وذلك لأن ابن مسعود تُوُفِّيَ سَنَةَ

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:

(*)" السُنَّةُ وَمَكَانَتُهَا فِي التَشْرِيعِ الإِسْلَامِي " تَأْلِيفُ الدُكْتُور الشَّيْخ مُصْطَفَى السِّبَاعِي، ص 97، الطبعة الثالثة - بيروت: 1402 هـ - 1982 م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان.

(**) انظر " لسان الميزان " لابن حجر العسقلاني، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، 6/ 447، الطبعة الأولى، 2002 م، نشر دار البشائر الإسلامية.

(

) انظر " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور محمود الطحان، 1/ 132، نشر مكتبة المعارف - الرياض. المملكة العربية السعودية.

(****) الكشي وليس المكي، محمد بن حاتم بن خُزَيْمَة، أبو جعفر الأُساميُّ الكَشّيّ المُعَمَّر. [المتوفى: 339 هـ]، انظر:" ميزان الاعتدال " للذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي، 3/ 503، الطبعة الأولى: 1382 هـ - 1963 م. وكذالك " سير أعلام النبلاء " للذهبي، تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط: 15/ 380، ترجمة رقم 203، الطبعة الثالثة: 1405 هـ / 1985 م، نشر مؤسسة الرسالة].

ص: 77

اثنتين أو ثلاثة وثلاثين قبل انقضاء خلافة عثمان بثلاثة سنين.

ولا شك أن العمدة في مثل هذه الحالة على التاريخ، تاريخ مواليد الرُّوَاة وإقامتهم ورحلاتهم وشيوخهم ووفاتهم. ولذلك كان علم الطبقات علماً قائماً بذاته لا يستغني عنه نُقَّادُ الحديث. قال حفص بن غياث القاضي:«إِذَا اتَّهَمْتُمْ الشَّيْخَ فَحَاسِبُوهُ بِالسِّنِينَ» ، يعني سِنُّهُ وسِنُّ من كتب عنه.

وقال سفيان الثوري: «لَمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الكَذِبَ اسْتَعْمَلْنَا لَهُمْ التَّوَارِيخَ» . اهـ.

ومن أعجب ما روي في ذلك، هو ما يرويه أَبُو أَحْمَدَ بْنِ عَدِيٍّ الحافظ عن الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب " الجامع الصحيح " قال: «سَمِعْتُ عِدَّةَ مَشَايِخَ [يَحْكُونَ] أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ قَدِمَ بَغْدَادَ، فَسَمِعَ بِهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، فَاجْتَمَعُوا، وَعَمَدُوا إِلَى مِائَةِ حَدِيثٍ، فَقَلَبُوا مُتُونَهَا وَأَسَانِيدَهَا، وَجَعَلُوا مَتْنَ هَذَا الإِسْنَادِ لإِسْنَادٍ آخَرَ وَإِسْنَادَ هَذَا الْمَتْنِ لِمَتْنٍ آخَرَ، وَدَفَعُوهُ إِلَى عَشَرَةِ أَنْفُسٍ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ عَشَرَةً، وَأَمَرُوهُمْ إِذَا حَضَرُوا الْمَجْلِسَ يُلْقُونَ ذَلِكَ عَلَى الْبُخَارِيِّ، وَأَخَذُوا [الْوَعْدَ] لِلْمَجْلِسِ، فَحَضَرَ الْمَجْلِسَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مِنَ الْغُرَبَاءِ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمْ، وَمِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ.

ص: 78

فَلَمَّا اطْمَأَنَّ الْمَجْلِسُ بِأَهْلِهِ، انْتُدِبَ [إِلَيْهِ] رَجُلٌ مِنَ الْعَشَرَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ:«لَا أَعْرِفُهُ» ، فَسَأَلَهُ عَنْ آخَرَ فَقَالَ:«لَا أَعْرِفُهُ» ، فَمَا زَالَ يُلْقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ عَشَرَتِهِ، وَالْبُخَارِيُّ يَقُولُ:«لَا أَعْرِفُهُ» ، فَكَانَ [الْفُقَهَاءُ] مِمَّنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ يَلْتَفِتُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَقُولُونَ:«الرَّجُلُ فَهِمَ» ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ يَقْضِي عَلَى الْبُخَارِيِّ بِالْعَجْزِ وَالتَّقْصِيرِ، وَقِلَّةِ [الْفَهْمِ]، ثُمَّ انْتُدِبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْعَشَرَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ الْمَقْلُوبَةِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ:«لَا أَعْرِفُهُ» ، فَلَمْ يَزَلْ يُلْقِي إِلَيْهِ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ عَشَرَتِهِ، وَالْبُخَارِيُّ يَقُولُ:«لَا أَعْرِفُهُ» ، ثُمَّ انْتُدِبَ إِلَيْهِ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ إِلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ، حَتَّى فَرَغُوا

ص: 79

كُلُّهُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ الْمَقْلُوبَةِ، وَالْبُخَارِيُّ لَا يَزِيدُهُمْ عَلَى:«لَا أَعْرِفُهُ» ، فَلَمَّا عَلِمَ [الْبُخَارِيُّ] أَنَّهُمْ قَدْ فَرَغُوا، الْتَفَتَ إِلَى الأَوَّلِ مِنْهُمْ، فَقَالَ:«أَمَّا حَدِيثُكَ الأَوَّلُ، فَهُوَ كَذَا، وَحَدِيثُكَ الثَّانِي فَهُوَ كَذَا، وَالثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ عَلَى الوَلَاءِ» ، حَتَّى أَتَى عَلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ، فَرَدَّ كُلَّ مَتْنٍ إِلَى إِسْنَادِهِ، وَكُلَّ إِسْنَادٍ إِلَى مَتْنِهِ، وَفَعَلَ بِالآخَرِينَ مِثْلَ ذَلِكَ. [وَرَدَّ مُتُونَ الأَحَادِيثِ إِلَى أَسَانِيدِهَا، وَأَسَانِيدَهَا إِلَى مُتُونِهَا]، فَأَقَرَّ لَهُ النَّاسُ بِالْحِفْظِ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْفَضْلِ (*).

قال الحافظ ابن حجر بعدما حكى هذه القصة، قلت:«هُنَا يُخْضَعُ لِلْبُخَارِيِّ، فَمَا العَجَبُ مِنْ رَدِّهِ الخَطَأَ إِلَى الصَّوَابِ، فَإِنَّهُ كَانَ حَافِظًا، بَلْ العَجَبَ مِنْ حِفْظِهِ لِلْخَطَأِ عَلَى تَرْتِيبِ مَا أَلْقَوْهُ عَلَيْهِ مِنْ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ» .

ونختم هذا الفصل بقول الأستاذ العَلَاّمَةِ الكبير الشيخ شبلي النعماني: «لما أرادت الأمم الأخرى من غير المسلمين أن تجمع في أطوار نهضتها أقوال رجالها وروايتهم كان قد فات عليهم زمن طويل، وانقضى بينها وبينهم عهد بعيد، فحاولوا كتابة شؤون أمة قد خلت، ولم يميزوا بين غث ذلك الماضي وسمينه، وصحيحه وسقيمه، بل لم يعلموا أحوال رواة تلك الأخبار ولا أسماءهم، ولا تواريخ ولادتهم.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:

(*) انظر: " تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي " للإمام السيوطي، تحقيق الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف: 1/ 293، الطبعة الثانية: 1399 هـ - 1979 م، نشر دار إحياء السُنَّةِ النبوية].

(**)"هدي الساري " مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني: ص 486. [" فتح الباري "، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار المعرفة - بيروت، طبعة سَنَةَ 1379 هـ].

ص: 80

فاكتفوا بأن اصطفوا من أخبار هؤلاء الرواة المجهولين ورواياتهم ما يوافق هواهم، ويلائم بيئتهم، وينطبق على مقاييسهم.

ثم لم يمض غير زمن يسير حتى صارت تلك الخرافات كالحقائق التاريخية المدونة في الكتب. وعلى هذا المنهج السقيم صنفت أكثر الكتب الأدبية مما يتعلق بالأمم الخوالي وشؤونها والأقوام القديمة وأخبارها، والأديان السالفة ومذاهبها ورجالها.

أما المسلمون فقد جعلوا لرواية الأخبار والسير قواعد محكمة يرجعون إليها، وأصولاً متقنة يتمسكون بها.

أولها: وأعلاها ألا تروى واقعة من الوقائع إلا عن الذي شهدها، وكلما بعد العهد على هذه الواقعة فمن الواجب تسمية من نقل خبرها عن الذي شهدها، ثم تسمية من نقل ذلك الخبر عن الذي نقلها عمن شهد، وهكذا بالتسلسل من وقت الاستشهاد بالواقعة والتحدث عنها إلى زمن وقوعها والتثبت عن أمانة هؤلاء الرواة، وفقههم وعدالتهم وحسن تحاملهم للخبر الذي يروونه ز

وإذا كانوا على خلاف ذلك، وجب تبنيه أيضًا.

وهذه المهمة من أشق الأمور، ومع ذلك فإن مئات من المحدثين تَفَرَّغُوا لَهَا، وَوَقَّفُوا أعمارهم على تحري ذلك واستقصائه وتدوينه، وطافوا لأجله البلاد، ورحلوا بين

ص: 81

الأقطار، باحثين دارسين لأحوال الرواة، وكانوا يلقون المعاصرين لهم من الرواة لينقدوا أحوالهم.

وإذا اطمأنوا إلى سيرة فريق منهم سألوهم عما يعرفونه من أحوال الطبقة التي كانت قبلهم.

وقد اجتمع من هذا المجهود العلمي العظيم علم مستقل من العلوم الإسلامية أطلق عليه فيما بعد عنوان (أسماء الرجال) فتيسر لمن أتى بعدهم أن يقفوا على أقدار مئات الألوف من الحفاظ والعلماء والرواة وغيرهم.

ص: 82