المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المسألة الرابعة وهي قوله: هل تحبط الأعمال بترك الصلاة أم لا - الصلاة - ابن القيم - ط مكتبة الثقافة

[ابن القيم]

الفصل: ‌ المسألة الرابعة وهي قوله: هل تحبط الأعمال بترك الصلاة أم لا

وقال أحمد بن يسار: سمعت صدقة بن الفضل وسئل عن تارك الصلاة فقال كافر. فقال له السائل: أتبين منه امرأته؟ فقال صدقة: وأين الكفر من الطلاق. لو أن رجلا كفرلم تطلق منه امرأته.

قال محمد بن نصر: سمعت إسحاق يقول صح عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن تارك الصلاة" كافر وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.

ص: 64

فصل

وأما‌

‌ المسألة الرابعة وهي قوله: هل تحبط الأعمال بترك الصلاة أم لا

؟

فقد عرف جوابها مما تقدم، وإنا نفرد هذه المسألة بالكلام عليها بخصوصيتها فنقول أما تركها بالكلية فإنه لا يقبل معه عمل كما لا يقبل مع الشرك عمل فإن الصلاة عمود الإسلام كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الشرائع كالأطناب والأوتاد ونحوها، وإذا لم يكن للفسطاط عمود لم ينتفع بشيء من أجزائه فقبول سائر الاعمال موقوف على قبول الصلاة، فإذا ردت ردت عليه سائر الأعمال، وقد تقدم الدليل على ذلك.

وأما تركها أحيانا فقد روي البخاري في صحيحه من حديث بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بكروا بصلاة العصر فإن من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله".

وقد تكلم قوم في معنى هذا الحديث فأتوا بما لا حاصل له. قال المهلب معناه: من تركها مضيعا لها متهاونا بفضل وقتها مع قدرته على أدائها حبط عمله في الصلاة خاصة أي لا يحصل له أجر المصلي في وقتها، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة. وحاصل هذا القول: إن من تركها فاته أجرها. ولفظ الحديث ومعناه يأبى ذلك ولا يفيد حبوط عمل قد ثبت وفعل، وهذا حقيقة الحبوط في اللغة والشرع ولا يقال لمن فاته ثواب عمل من الأعمال إنه قد حبط عمله وإنما يقال فاته أجر ذلك العمل.

وقالت طائفة: يحبط عمل ذلك اليوم لا جميع عمله فكأنهم استصعبوا

ص: 64

حبوط الأعمال الماضية كلها بترك صلاة واحدة، وتركها عنده ليس بردة تحبط الأعمال فهذا الذي استشكله هؤلاء هو وارد عليهم بعينه في حبوط عمل ذلك اليوم والذي يظهر في الحديث. والله أعلم بمراد رسوله أن الترك نوعان: ترك كلي لا يصليها أبدا فهذا يحبط العمل جميعه وترك معين في يوم معين فهذا يحبط عمل ذلك اليوم فالحبوط العام في مقابلة الترك العام، والحبوط المعين في مقابلة الترك المعين، فإن قيل: كيف تحبط الأعمال بغير الردة؟ قيل: نعم، قد دل القرآن والسنة والمنقول عن الصحابة أن السيئات تحبط الحسنات، كما أن الحسنات يذهبن السيئات. قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} . وقالت عائشة لأم زيد بن أرقم: أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب لما باع بالعينة1. وقد نص الإمام أحمد على هذا فقال: ينبغي للعبد في هذا الزمان أن يستدين ويتزوج لئلا ينظر ما لا يحل فيحبط عمله، وآيات الموازنة في القرآن تدل على أن السيئة تذهب بحسنة أكبر منها، فالحسنة يحبط أجرها بسيئة أكبر منها.

فإن قيل: فأي فائدة في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من الصلوات؟.

قيل: الحديث لم ينف الحبوط بغير العصر إلا بمفهوم لقب وهو مفهوم ضعيف جدا وتخصيص العصر بالذكر لشرفها من بين الصلوات ولهذا كانت هي الصلاة الوسطى بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الصريح.

ولهذا خصها بالذكر في الحديث الآخر وهو قوله: " الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله". أي فكأنما

ص: 65