الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن عمر بن الحكم أن أبا هريرة كان لا يرى القيء بفطر الصائم.
وبتقدير صحة الحديث فلا حجة فيه، إذ المراد به المعذور الذي اعتقد أنه يجوز له الاستقياء أو المريض الذي احتاج أن يستقيء فاستقاء فإن الاستقياء في العادة لا يكون وإلا فلا يقصد العاقل أن يستقيء حاجة فيكون المستقيء متداويا بالاستقياء كما لو تداوى بشرب دواء، وهذا يقبل منه القضاء أو يؤمر به اتفاقا، وقد اختلف الفقهاء في المجامع في نهار رمضان إذا كفر هل يجب أن يقضي يوما مكان الذي أفطره على ثلاثة أقوال: وهي الشافعي أحدها يجب. والثاني: لا يجب. والثالث: إن كفر بالعتق أو الإطعام وجب عليه الصيام وإن كفر بالصوم لم يجب عليه قضاء ذلك اليوم1.
1 وهناك دليل يقطع النزاع الذي طال وهو الإجماع على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ولا أدري كيف فات الجميع هذه الحجة.
فصل
وأما
المسألة السادسة: وهي هل تصح صلاة من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا
؟
فهذه المسألة مبينة على أصلين: أحدهما أن صلاة الجماعة فرض أم سنة؟ وإذا قلنا هي فرض فهل هي شرط لصحة الصلاة أم تصح بدونها مع عصيان تاركها؟ فهاتان مسألتان:
أما المسألة الأولى: فاختلف الفقهاء فيها فقال بوجوبها عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأبو عمر الأوزاعي وأبو ثور والإمام أحمد في ظاهر مذهبه ونص عليه الشافعي في مختصر المزني، فقال: وأما الجماعة فلا أرخص في تركها إلا من عذر، وقال ابن المنذر في كتاب الأوسط: ذكر حضور الجماعة على العميان، وإن بعدت منازلهم عن المسجد. ويدل على ذلك أن شهود الجماعة فرض لا ندب، ثم ذكر حديث ابن أم مكتوم أنه قال: يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخلا وشجرا فهل يسعني أن أصلي في بيتي قال: "تسمع الإقامة". قال: نعم. قال: "فأتها". قال ابن المنذر: ذكر تخويف النفاق على تارك شهود العشاء والصبح في جماعة، ثم قال في أثناء الباب: فدلت الأخبار التي ذكرت على وجوب فرض
الجماعة على من لا عذر له، فمما دل عليه قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير:"لا أجد لك رخصة". فإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى أن لا تكون له رخصة. قال: وفي اهتمامه صلى الله عليه وسلم بأن يحرق على قوم تخلفوا عن الصلاة بيوتهم أبين البيان على وجوب فرض الجماعة، إذ غير جائز أن يتهدد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخلف عن ندب وعما ليس بفرض.
قال: ويؤيده حديث أبي هريرة أن رجلا خرج من المسجد بعدما أذن المؤذن فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، ولو كان المرء مخيرا في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أن يعصي من تخلف عما لا يجب عليه أن يحضره، وإنما لما أمر الله جل ذكره بالجماعة في حال الخوف دل على أن ذلك في حال الأمن أوجب، والأخبار المذكورة في أبواب الرخصة في التخلف عن الجماعة لأصحاب الأعذار تدل على فرض الجماعة على من لا عذر له، ولو كان حال العذر وغير حال العذر سواء لم يكن للترخيص في التخلف عنها في أبواب العذر معنى، ودل على تأكيد فرض الجماعة قوله صلى الله عليه وسلم:"من يسمع النداء فلم يجب فلا صلاة له". ثم ساق الحديث في ذلك ثم قال: وقال الشافعي ذكر الله الأذان بالصلاة، فقال:{وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} . وقال تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} . وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان للصلوات المكتوبات فأشبه ما وصفت أن لا يحل أن تصلي كل مكتوبة إلا في جماعة حتى لا يخلو جماعة مقيمون أو مسافرون من أن يصلي بهم صلاة جماعة فلا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر وإن تخلف أحد فصلاها منفردا لم تكن عليه إعادتها صلاها قبل الإمام أو بعده إلا صلاة الجمعة فإن من صلاها ظهرا قبل صلاة الإمام كان عليه إعادتها لأن إتيانها فرض هذا كله لفظ ابن المنذر، وقالت الحنفية والمالكية: هي سنة مؤكدة ولكنهم يؤثمون تارك السنن المؤكدة ويصححون الصلاة بدونه، والخلاف بينهم وبين من قال أنها واجبة لفظي. وكذلك صرح بعضهم بالوجوب، قال الموجبون: قال الله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ
طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} . ووجه الاستدلال بالآية من وجوه:
أحدها أمره سبحانه لهم بالصلاة في الجماعة، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية بقوله:{وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} . وفي هذا دليل على أن الجماعة فرض على الأعيان إذ لم يسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، ولو كانت الجماعة سنة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف ولو كانت فرض كفاية لسقطت بفعل الطائفة الأولى ففي، الآية دليل على وجوبها على الأعيان، فهذه على ثلاثة أوجه أمره بها أولا ثم أمره بها ثانيا وأنه لم يرخص لهم في تركها حال الخوف.
الدليل الثاني: قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} . ووجه الاستدلال بها أنه سبحانه عاقبهم يوم القيامة بأن حال بينهم وبين السجود لما دعاهم إلى السجود في الدنيا فأبوا أن يجيبوا الداعي. إذا ثبت هذا فإجابة الداعي هي إتيان المسجد بحضور الجماعة لا فعلها في بيته وحده، فهكذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإجابة.
فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فرخص له فلما ولى دعاه فقال:"هل تسمع النداء". قال: نعم. قال: "فأجب". فلم يجعل مجيبا له بصلاته في بيته إذا سمع النداء فدل على أن الإجابة المأمور بها هي إتيان المسجد للجماعة، ويدل عليه حديث ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح". قال: نعم. قال: "فحي هلا". رواه أبو داود والإمام أحمد، "وحي هلا: اسم فعل أمر معناه أقبل وأجب، وهو صريح في أن إجابة هذا الأمر بحضور الجماعة، وأن المتخلف عنها لم يجبه.
وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ
وَهُمْ سَالِمُونَ} ، قال: هو قول المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح، فهذا الدليل مبني على مقدمتين إحداهما: أن هذه الإجابة واجبة، والثانية: لا تحصل إلا بحضور الصلاة في الجماعة، وهذا هو الذي فهمه أعلم الأمة وأفقههم من الإجابة وهم الصحابة رضي الله عنهم، فقال ابن المنذر في كتاب الأوسط: روينا عن ابن مسعود وأبي موسى أنهما قالا: من سمع النداء ثم لم يجب فإنه لا تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر، قال: وروي عن عائشة أنها قالت: من سمع النداء فلم يجب لم يرد خيرا ولم يرد بت، وعن أبي هريرة أنه قال: إن تمتليء أذنا ابن آدم رصاصا مذابا خير له من أن يسمع المنادي ثم لا يجيبه، فهذا وغيره يدل أن الإجابة عند الصحابة هي حضور الجماعة، وأن المتخلف غير مجيب فيكون عاصيا. الدليل الثالث: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أمرهم بالركوع وهو الصلاة وعبر عنها بالركوع لأنه من أركانها والصلاة يعبر عنها بأركانها وواجباتها كما سماها الله سجودا وقرآنا وتسبيحا فلا بد لقوله:{مَعَ الرَّاكِعِينَ} من فائدة أخرى وليست إلا فعلها مع جماعة المصلين، والمعية تفيد ذلك.
إذا ثبت هذا الأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلا إلا بالإتيان به على تلك الصفة والحال، فإن قيل: فهذا ينتقض بقوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة، قيل: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة بل مريم بخصوصها أمرت بذلك، بخلاف قوله:{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، ومريم كانت لها خاصة لم تكن لغيرها من النساء فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله ولعبادته ولزوم المسجد، وكانت لا تفارقه، فأمرت أن تركع مع أهله، ولما اصطفاها الله وطهرها على نساء العالمين أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى
نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، فإن قيل كونهم مأمورين أن يركعوا مع الراكعين لا يدل على وجوب الركوع معهم حال ركوعهم بل يدل على الإتيان بمثل ما فعلوا، كقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} ، فالمعية تقضي المشاركة في الفعل ولاتستلزم المقارنة فيه. قيل: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها وهذه المصاحبة تفيد زائدا على المشاركة ولا سيما في الصلاة فإنه إذا قيل صل مع الجماعة أو صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة.
الدليل الرابع: ما ثبت في الصحيحين، وهذا لفظ البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين 1 حسنتين لشهد العشاء". وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا يصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". متفق على صحته واللفظ لمسلم.
وللإمام أحمد عنه صلى الله عليه وسلم: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار".
قال المسقطون لوجوبها: هذا ما لا يدل على وجوب صلاة الجماعة لوجوه:
أحدها: أن هذا الوعيد إنما جاء في المتخلفين عن الجمعة، بدليل ما راه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم".
1 المرماة ما بين ظلف الشاة من اللحم، والظلف هو كل حافر منشق.
الثاني: أن هذا كان جائزا لما كانت العقوبات المالية جائزة، ثم نسخ بما نسخ العقوبات المالية.
الثالث: أنه هم ولم يفعل، ولو كان التحريق جائزا لكان واجبا لا تكون مستوية الطرفين، بل إما واجبة أو محرمة، فلما لم يفعل ذلك دل على عدم الجواز. قالوا: والحديث يدل على سقوط فرض الجماعة لأنه هم بالتخلف عنها وهو لا يهم بترك واجب. قالوا: وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما هم بإحراق بيوتهم عليهم لنفاقهم لا لتخلفهم عن حضور الجماعة.
قال الموجبون: ليس فيما ذكرتم ما يسقط دلالة الحديث، أما قولكم: إن الوعيد إنما هو في حق تارك الجمعة فنعم هو في حق تارك الجمعة وتارك الجماعة، فحديث أبي هريرة صريح في أنه في حق تارك الجماعة وذلك بين في أول الحديث وآخره، وحديث ابن مسعود في أن ذلك لتارك الجمعة أيضا فلا تنافي بين الحديثين، وأما قولكم إنه منسوخ فما أصعب هذه الدعوى وأصعب إثباتها فأين شروط النسخ من وجود معارض مقاوم متأخر ولن تجدوا أنتم ولا أحد من أهل الأرض سبيلا إلى إثبات ذلك بمجرد الدعوى، وقد اتخذ كثيرا من الناس دعوى النسخ والإجماع سلما إلى إبطال كثير من السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ليس بهين ولا تترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة صحيحة أبدا بدعوى الإجماع ولا دعوى النسخ إلى أن يوجد ناسخ صحيح صريح متأخر نقلته الأئمة وحفظته: إذ محال على الأمة أن تضيع الناسخ الذي يلزمها حفظه وتحفظ المنسوخ الذي قد بطل العمل به ولم يبق من الدين.
وكثير من المولدة المتعصبين إذا رأوا حديثا يخالف مذهبهم يتلقونه بالتأويل وحمله على خلاف ظاهره ما وجدوا إليه سبيلا فإذا جاءهم من ذلك ما يغلبهم فزعوا إلى دعوى الإجماع على خلافه فإن رأوا من الخلاف مالا يمكنهم من دعوى الإجماع فزعوا إلى القول بأنه منسوخ وليست هذه طريق أئمة الإسلام بل أئمة الإسلام كلهم على خلاف هذا الطريق وأنهم إذا وجدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة صحيحة صريحة لم يبطلوها بتأويل ولا دعوى إجماع ولا
نسخ. والشافعي وأحمد من أعظم الناس إنكارا لذلك، وبالله التوفيق.
وإنما لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما هم به للمانع الذي أخبر أنه منعه منه وهو اشتمال البيوت على من لا تجب عليه الجماعة من النساء والذرية فلو أحرقها عليهم إلى من لا يجب عليه وهذا لا يجوز كما إذا وجب الحد على حامل فإنه لا يقام عليها حتى تضع لئلا تسري العقوبة إلى الحمل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهم بما لا يجوز فعله أبدا، وقد أجاب عنه بعض أهل العلم بجواب آخر: وهو أن القوم كانوا أخوف لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمعوه يقول هذه المقالة ثم يصرون على التخلف عن الجماعة.
وأما قولكم إن الحديث يدل على عدم وجوب الجماعة لكونه هم بتركها فمما لا يلتفت إليه ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يهم بعقوبة طائفة من المسلمين بالنار وإحراق بيوتهم لتركهم سنة لم يوجبها الله عليهم ولا رسوله وهو صلى الله عليه وسلم لم يخبر أنه كان يصلي وحده بل كان يصلي جماعة هو وأعوانه الذين ذهبوا معه إلى تلك البيوت، وأيضا فلو صلاها وحده لكان هناك واجبان واجب الجماعة وواجب عقوبة العصاة وجهادهم، فترك أدنى الواجبين لأعلاهما كالحال في صلاة الخوف.
وأما قولكم إنما هم بعقوبتهم على نفاقهم لا على تخلفهم عن الجماعة فهذا يستلزم محظورين: أحدهما إلغاء ما اعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلق الحكم به من التخلف عن الجماعة. والثاني: اعتبار ما ألغاه فإنه لم يكن يعاقب المنافقين على نفاقهم بل كان يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله. الدليل الخامس: ما رواه مسلم في صحيحه أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المجسد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فرخص له، فلما ولى دعاه فقال:"هل تسمع النداء". قال: نعم. قال: "فأجب" ، وهذا الرجل هو ابن أم مكتوم، واختلف في اسمه فقيل عبد الله وقيل عمرو.
وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عن عمرو بن أم مكتوم قال: قلت: يا رسول الله أنا ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن
أصلي في بيتي؟ قال: "تسمع النداء". قال: نعم. قال: "ما أجد لك رخصة".
قا المسقطون لوجوبها: هذا أمر استحباب لا أمر إيجاب، وقوله: لا أجد لك رخصة أي إن أردت فضيلة الجماعة. قالوا: وهذا منسوخ. قال الموجبون: الأمر مطلق للوجوب فكيف إذا صرح صاحب الشرع بأنه لا رخصة للعبد في التخلف عنه لضرير شاسع الدار لا يلائمه قائده، فلو كان العبد مخيرا بين أن يصلي وحده أو جماعة لكان أولى الناس بهذا التخيير مثل الأعمى.
قال أبو بكر بن المنذر: ذكر حضور الجماعة على العميان وإن بعدت منازلهم عن المسجد، ويدل ذلك على أن شهود الجماعة فرض لاندب، وإذا قال لابن أم مكتوم وهو ضرير لا أجد لك رخصة فالبصير أولى أن لا تكون له رخصة.
الدليل السادس: ما رواه أبو داود وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر" -قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلاها".
قال المسقطون للوجوب: هذا حديث فيه علتان إحدهما أنه من رواية مغراء العبدي وهو ضعيف عندهم. الثانية: إنما يعرف عن ابن عباس موقوفا عليه.
قال الموجبون: قد قال قاسم بن أصبغ في كتابه: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر". وحسبك بهذا الإسناد صحة. ورواه ابن المنذر: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن عوف حدثنا هشيم شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا؛ قالوا: ومعارك العبدي قد روى عنه أبو اسحاق السبيعي على جلالته ولو قدر أنه لم يصح رفعه فقد صح عن ابن عباس بلا شك، وهو قول صاحب لم يخالفه صاحب.
الدليل السابع: ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن فإنهن من سنن الهدى وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم
كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو أنكم تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف.
وفي لفظ: وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه.
فوجه الدلالة أنه جعل التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم؛ وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب ولا بفعل مكروه؛ ومن استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما ترك فريضة أو فعل محرم، وقد أكد هذا المعنى بقوله: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن.
وسمى تاركها المصلي في بيته متخلفا تاركا للسنة التي هي طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان عليها وشريعته التي شرعها لأمته، وليس المراد بها السنة التي من شاء فعلها ومن شاء تركها، فإن تركها لا يكون ضلالا ولا من علامات النفاق كترك الضحى وقيام الليل وصوم الإثنين والخميس.
الدليل الثامن: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمام ة أقرؤهم". ووجه الاستدلال به أنه أمر بالجماعة وأمره على الوجوب.
الدليل التاسع: أنه صلى الله عليه وسلم أمر من صلى وحده خلف الصف أن يعيد الصلاة، فروى وابصة بن معبد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة، رواه الإمام أحمد مسند وأهل السنن وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه وحسنه الترمذي.
وعن علي بن شيبان قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا خلفه ثم صلينا وراءه صلاة أخرى فقضى الصلاة، فرأى رجلا فردا خلف
الصف، فوقف عليه حتى انصرف، وقال:"استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف". رواه الإمام أحمد وابن حبان.
وفي رواية الإمام أحمد صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فرأى رجلا يصلي فردا خلف الصف فوقف نبي الله صلى الله عليه وسلم الرجل حتى انصرف فقال له استقبل صلاتك فلا صلاة لمنفرد خلف الصف.
قال ابن المنذر: وثبت هذا الحديث أحمد وإسحاق، فوجه الدلالة أنه أبطل صلاة المنفرد عن الصف وهو في جماعة، وأمره بإعادة صلاته مع أنه لم ينفرد إلا في المكان خاصة فصلاة المنفرد عن الجماعة والمكان أولى بالبطلان، يوضحه أن غاية هذا الفذ أن يكون منفردا، ولو صحت صلاة المنفرد لما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفيها، فأمر من صلى كذلك أن يعيد صلاته.
قال المسقطون للوجوب: لايمكنكم الاستدلال بهذا الحديث إلا بعد إثبات بطلان صلاة الفذ خلف الصف. وهذا قول شاذ مخالف لجمهور أهل العلم وقد دل على صحتها إجماع الناس على صحة صلاة المرأة وحدها خلف الصف، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف جبريل، فروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل يعلمه مواقيت الصلاة فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت الشمس وأتاه حين كان الظل مثل شخصه فصنع كما صنع فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه النسائي.
فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف جبريل مقتديا به. قالوا: وقد أحرم أبو بكرة فذا خلف الصف ثم مشى حتى دخل الصف ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة. قالوا: وقد أحرم ابن عباس عن يساره صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فأداره عن يمينه ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم باستقبال الصلاة بل صحح إحرامه فذا، فهذا في النفل وحديث جابر في الفرض أنه قام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فأقامه عن يمينه.
قال الموجبون: العجب من معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة بمثل ذلك
فإنه لا تعارض بين الأحاديث بوجه من الوجوه، وأما قولكم إن هذا قول شاذ فلعمر الله ليس شاذا ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته الصحيحة والصريحة، ولو تركها من تركها فلا يكون ترك السنن لخفائها على من تركها أو لنوع تأيل مسوغا لتركها لغيره، وكيف يقدم ترك التارك لهذه السنة عليها.
هذا وقد قال بهذه السنة جماعة من أكابر التابعين منهم سعيد بن جبير وطاوس وإبراهيم النخعي ومن دونهم كالحكم وحماد وابن أبي ليلى والحسن بن صالح ووكيع. وقال بها الأوزاعي، حكاه الطحاوي عنه وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد وأبو بكر بن المنذر ومحمد بن اسحاق بن خزيمة فأين الشذوذ، وهؤلاء القائلون وهذه السنة.
وأما معارضتكم بموقف المرأة فمن أفسد المعارضات لأن ذلك هو موقف المرأة المشروع لها حتى لو وقفت في صف الرجال أفسدت صلاة من يليها عند أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد، فإن قيل لو وقفت فذة خلف صف النساء صحت صلاتها قيل ليس كذلك بل إذا انفردت المرأة عن صف النساء لم تصح صلاتها كالرجل الفذ خلف الرجال ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في تعليقه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"لا صلاة لفرد خلف الصف". خرج من هذا ما إذا كانت وحدها خلف الرجال للحديث الصحيح بقي فيما عداه على هذا العموم وأما قصة صلاته صلوات الله وسلامه عليه خلف جبريل وحده والصحابة خلفه فقد أجيب عنها بأنها كانت في أول الأمر حين علمه مواقيت الصلاة وقصة أمره صلى الله عليه وسلم الذي صلى خلف الصف فذا بالإعادة متأخرة بعد ذلك وهذا جواب صحيح.
وعندي فيه جواب آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو إمام المسلمين فكان بين أيديهم وكان هو المؤتم بجبريل وحده وكان تقدم جبريل عليه السلام أبلغ في حصول التعليم من أن يكون إلى حانبه كما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم على المنبر ليأتموا وليتعلموا صلاته وكان ذلك لأجل التعليم لم يدخل في نهيه صلى الله عليه وسلم الإمام إذا أم الناس أن يقوم في مقام أرفع منهم
وأما قصة أبي بكرة فليس فيها أنه رفع رأسه من الركوع قبل دخوله في الصف وإنما يمكن التمسك بها لو ثبت ذلك ولا سبيل إليه وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد فيمن ركع دون الصف ثم مشى راكعا حتى دخل فيه بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع، وعنه في ذلك ثلاث روايات:
إحداها تصح مطلقا، وحجة هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبا بكرة بالإعادة ولا استفصله هل أدركه قبل رفع رأسه من الركوع أم لا ولو اختلف الحال لاستفصله. وروى سعيد بن منصور في سننه عن زيد بن ثابت أنه كان يركع قبل أن يدخل في الصف، ثم يمشي راكعا ويعتد بها. وصل الصف أم لم يصل.
والرواية الثانية: أنها لا تصح. نص عليها في رواية إبراهيم بن الحارث ومحمد بن الحكم. وفرق بينه وبين من أدرك الركوع في الصف، لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة فأشبه ما لو أدركه وقد سجد، وهذه الرواية أصح عند أكثر أصحابه.
والرواية الثالثة: إن كان عالما بالنهي لم تصح صلاته وإلا صحت لقصة أبي بكرة وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تعد". والنهي يقتضي الفساد، ولكن ترك في الجاهل به حيث لم يأمره بالإعادة، وكانت هذه حال أبي بكرة.
وأما قصة ابن عباس وجابر في ترك أمرهها بابتداء الصلاة وقد أحرما فذين فهذه أولا ليس فيها أنهما قد دخلا في الصلاة. وإنما فيه أنهما وقفا عن يساره فأدارهما عند أول وقوفهما، ولو قدر أنهما أحرما كذك فمن أحرم فذا صح إحرامه بالصلاة ودخوله فيها، وإنما الاعتبار بالركوع وحده وإلا فمن وقف معه آخر قبل الركوع صحت صلاته، ولو أعتبرنا إحرام المأمومين جميعا لم ينعقد تحريم أحد حتى يتفق هو ومن إلى جانبه في ابتداء التكبير وانتهائه، وهذا من أعظم الحرج والمشقة ولهذا لم يعتبره أحد أصلا والله أعلم.
الدليل العاشر: ما رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ثلاثة في قرية لا يؤذن فيهم ولا
تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية".
فوجه الاستدلال منه أنه أخبر باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان وإقامة الصلاة، ولو كانت الجماعة ندبا يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها.
الدليل الحادي عشر: ما رواه في صحيحة رقم من حديث أبي الشعثاء المحاربي قال: كنا قعودا في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصرة حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. وفي رواية سمعت أبا هريرة وقد رأى رجلا يجتاز في المسجد خارجا بعد الأذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، ووجه الاستدلال به أنه جعله عاصيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بخروجه بعد الأذان لتركه الصلاة جماعة، ومن يقول الجماعة ندب يقول لا يعصي الله ولا رسوله من خرج بعد الأذان وصلى وحده، وقد احتج ابن المنذر في كتابه على وجوب الجماعة بهذا الحديث، وقال لو كان المرء مخيرا في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أن يعصي من تخلف عما لا يجب عليه أن يحضره، والذي يقول صلاة الجماعة ندب إن شاء فعلها وإن شاء تركها يجوز للرجل أن يخرج من المسجد وقد أخذ المؤذن في إقامة الصلاة بل يجوز له أن يجلس فلا يصلي مع الإمام والجماعة، فإذا صلوا قام فصلى وحده ولو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من يفعل هذا لأنكروا عليه غاية الإنكار بل قد أنكر ما هو دون هذا وهو على من لا يصلي مع الجماعة اكتفاء بصلاته في رحله. وقال:"ما لك لا تصلي معنا ألست برجل مسلم". وأمر بالصلاة في الجماعة لمن صلى ثم أتى مسجد الجماعة فقال: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة".
الدليل الثاني عشر: إجماع الصحابة رضي الله عنهم، ونحن نذكر نصوصهم وقد تقدم قول ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سليمان بن المغيرة عن أبي موسى الهلالي عن ابن مسعود قال: من سمع المنادي فلم يجب عذر فلا صلاة له.