المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ أوثق عرى الإيمان - العبودية

[ابن تيمية]

الفصل: ‌ أوثق عرى الإيمان

طلبَهَا من الله فَإِن الله إِذا أعطَاهُ إِيَّاه رَضِي وَإِن مَنعه إِيَّاه سخط وَإِنَّمَا عبد الله من يرضيه مَا يُرْضِي الله ويسخطه مَا يسْخط الله وَيُحب مَا أحبه الله وَرَسُوله وَيبغض مَا أبغضه الله وَرَسُوله ويوالي أَوْلِيَاء الله ويعادي أَعدَاء الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتكْمل الْإِيمَان كَمَا فِي الحَدِيث: " من أحب لله وَأبْغض لله وَأعْطى لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان ". وَقَالَ: "‌

‌ أوثق عرى الْإِيمَان

الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله ".

وَفِي " الصَّحِيح " عَنهُ صلى الله عليه وسلم: " ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان: من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَمن كَانَ يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وَمن كَانَ يكره أَن يرجع إِلَى الْكفْر بعد إِذا أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقى فِي النَّار ". فَهَذَا وَافق ربه فِيمَا يُحِبهُ وَمَا يكرههُ فَكَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَأحب الْمَخْلُوق لله لَا لغَرَض آخر فَكَانَ هَذَا من تَمام حبه لله فَإِن محبَّة مَحْبُوب

ص: 93

المحبوب من تَمام محبَّة المحبوب فَإِذا أحب أَنْبيَاء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الْحق لَا لشَيْء آخر فقد أحبهم لله لَا لغيره وَقد قَالَ تَعَالَى [54 الْمَائِدَة] : {فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين} .

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى [31 آل عمرَان] : {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله} فَإِن الرَّسُول لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا يحب الله وَلَا ينْهَى إِلَّا عَمَّا يبغضه الله وَلَا يفعل إِلَّا مَا يُحِبهُ الله وَلَا يخبر إِلَّا بِمَا يحب الله التَّصْدِيق بِهِ.

فَمن كَانَ محبا لله لزم أَن يتبع الرَّسُول فيصدقه فِيمَا أخبر ويطيعه فِيمَا أَمر ويتأسى بِهِ فِيمَا فعل وَمن فعل هَذَا فقد فعل مَا يُحِبهُ الله فَيُحِبهُ الله.

وَقد جعل الله لأهل محبته علامتين: اتِّبَاع الرَّسُول وَالْجهَاد فِي سَبيله وَذَلِكَ لِأَن الْجِهَاد حَقِيقَة الِاجْتِهَاد فِي حُصُول مَا يُحِبهُ الله من الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وَمن دفع مَا يبغضه الله من الْكفْر والفسوق والعصيان وَقد قَالَ تَعَالَى [24 التَّوْبَة] : {قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره} فتوعد من كَانَ أَهله وَمَاله أحب إِلَيْهِ من الله وَرَسُوله وَالْجهَاد فِي سَبيله بِهَذَا الْوَعيد بل قد ثَبت عَنهُ صلى الله عليه وسلم فِي " الصَّحِيح " أَنه قَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن

ص: 94

أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَلَده ووالده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ". وَفِي " الصَّحِيح " أَن عمر بن الْخطاب قَالَ: يَا رَسُول الله لأَنْت أحب إِلَيّ من كل شَيْء إِلَّا من نفسى فَقَالَ: " لَا يَا عمر حَتَّى أكون أحب إِلَيْك من نَفسك " فَقَالَ: فوَاللَّه لأَنْت أحب إِلَيّ من نَفسِي فَقَالَ: " الْآن يَا عمر ".

فحقيقة الْمحبَّة لَا تتمّ إِلَّا بموالاة المحبوب وَهُوَ مُوَافَقَته فِي حب مَا يحب وبغض مَا يبغض وَالله يحب الْإِيمَان وَالتَّقوى وَيبغض الْكفْر والفسوق والعصيان.

وَمَعْلُوم أَن الْحبّ يُحَرك إِرَادَة الْقلب فَكلما قويت الْمحبَّة فِي الْقلب طلب الْقلب فعل المحبوبات فَإِذا كَانَت الْمحبَّة تَامَّة استلزمت إِرَادَة جازمة فِي حُصُول المحبوبات فَإِذا كَانَ العَبْد قَادر عَلَيْهَا حصلها وَإِن كَانَ عَاجِزا عَنْهَا فَفعل مَا يقدر عَلَيْهِ من ذَلِك كَانَ لَهُ أجر كَأَجر الْفَاعِل كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: " من دَعَا إِلَى هدى كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أجور من اتبعهُ من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن دَعَا إِلَى ضَلَالَة كَانَ عَلَيْهِ من الْوزر مثل أوزار من اتبعهُ من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء ". وَقَالَ: " إِن بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ " قَالُوا: وهم بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: " وهم بِالْمَدِينَةِ حَبسهم الْعذر ".

ص: 95

وَالْجهَاد: هُوَ بذل الوسع - وَهُوَ كل مَا يُمْلَكُ من الْقُدْرَة - فِي حُصُول مَحْبُوب الْحق، وَدفع مَا يكرههُ الْحق. فَإِذا ترك العَبْد مَا يقدر عَلَيْهِ من الْجِهَاد كَانَ دَلِيلا على ضعف محبَّة الله وَرَسُوله فِي قلبه.

وَمَعْلُوم أَن المحبوبات لَا تنَال غَالِبا إِلَّا بِاحْتِمَال المكروهات سَوَاء كَانَت محبَّة صَالِحَة أَو فَاسِدَة فالمحبون لِلْمَالِ والرئاسة والصور لَا ينالون مطالبهم إِلَّا بِضَرَر يلحقهم فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يصيبهم من الضَّرَر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فالمحب لله وَرَسُوله إِذا لم يحْتَمل مَا يرى ذُو الرَّأْي من المحبين لغير الله مِمَّا يحْتَملُونَ فِي سَبِيل حُصُول محبوبهم دلّ ذَلِك على ضعف محبتهم لله إِذا كَانَ مَا يسلكه أُولَئِكَ فِي نظرهم هُوَ الطَّرِيق الَّذِي يُشِير بِهِ الْعقل.

وَمن الْمَعْلُوم أَن الْمُؤمن أَشد حبا لله قَالَ تَعَالَى [165 الْبَقَرَة] : {وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله} .

نعم قد يسْلك الْمُحب لضعف عقله وَفَسَاد تصَوره طَرِيقا لَا يحصل بهَا الْمَطْلُوب فَمثل هَذِه الطَّرِيق لَا تحمد إِذا كَانَت الْمحبَّة صَالِحَة محمودة فَكيف إِذا كَانَت الْمحبَّة فَاسِدَة وَالطَّرِيق غير موصل؟! كَمَا يَفْعَله المتهورون فِي طلب المَال الرِّئَاسَة والصور من حب أُمُور توجب لَهُم ضَرَرا وَلَا

ص: 96

تحصل لَهُم مَطْلُوبا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود الطّرق الَّتِي يسلكها الْعقل السَّلِيم لحُصُول مَطْلُوبه.

إِذا تبين هَذَا فَكلما ازْدَادَ الْقلب حبا لله ازْدَادَ لَهُ عبودية ازْدَادَ لَهُ عبودية، وَكلما ازْدَادَ لَهُ عبودية ازْدَادَ لَهُ حبا وفضله عَمَّا سواهُ. وَالْقلب فَقير بِالذَّاتِ إِلَى الله من وَجْهَيْن: من جِهَة الْعِبَادَة وَهِي الْعلَّة الغائية وَمن جِهَة الِاسْتِعَانَة والتوكل وَهِي الْعلَّة الفاعلة فالقلب لَا يصلح وَلَا يفلح وَلَا ينعم وَلَا يسر وَلَا يلتذ وَلَا يطيب وَلَا يسكن وَلَا يطمئن إِلَّا بِعبَادة ربه وحبه والإنابة إِلَيْهِ وَلَو حصل لَهُ كل مَا يلتذ بِهِ من الْمَخْلُوقَات لم يطمئن وَلم يسكن إِذْ فِيهِ فقر ذاتي إِلَى ربه من حَيْثُ هُوَ معبوده ومحبوبه ومطلوبه وَبِذَلِك يحصل لَهُ الْفَرح وَالسُّرُور واللذة وَالنعْمَة والسكون والطمأنينة.

وَهَذَا لَا يحصل لَهُ إِلَّا باعانة الله لَهُ فَإِنَّهُ لَا يقدر على تَحْصِيل ذَلِك لَهُ إِلَّا الله فَهُوَ دَائِما مفتقر إِلَى حَقِيقَة {إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين} فَإِنَّهُ لَو أعين على حُصُوله كل مَا يُحِبهُ ويطلبه ويشتهيه ويريده وَلم يحصل لَهُ عبَادَة لله فَلَنْ يحصل إِلَّا على الْأَلَم وَالْحَسْرَة وَالْعَذَاب وَلنْ يخلص من آلام الدُّنْيَا ونكد عيشها إِلَّا بإخلاص الْحبّ لله بِحَيْثُ يكون الله هُوَ غَايَة مُرَاده وَنِهَايَة مَقْصُوده وَهُوَ المحبوب لَهُ بِالْقَصْدِ الأول وكل مَا سواهُ

ص: 97

إِنَّمَا يُحِبهُ لأَجله لَا يحب شَيْئا لذاته إِلَّا الله وَمَتى لم يحصل لَهُ هَذَا لم يكن قد حقق حَقِيقَة (لَا إِلَه إِلَّا الله) وَلَا حقق التَّوْحِيد والعبودية والمحبة لله وَكَانَ فِيهِ من نقص التَّوْحِيد وَالْإِيمَان بل من الْأَلَم وَالْحَسْرَة وَالْعَذَاب بِحَسب ذَلِك.

وَلَو سعى فِي هَذَا الْمَطْلُوب وَلم يكن مستعينا بِاللَّه متوكلا عَلَيْهِ مفتقرا إِلَيْهِ فِي حُصُوله لم يحصل لَهُ فَإِنَّهُ مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فَهُوَ مفتقر إِلَى الله من حَيْثُ هُوَ الْمَطْلُوب المحبوب المُرَاد المعبود وَمن حَيْثُ هُوَ الْمَسْئُول الْمُسْتَعَان بِهِ المتَوَكل عَلَيْهِ فَهُوَ إلهه الَّذِي لَا إِلَه لَهُ غَيره وَهُوَ ربه الَّذِي لَا رب لَهُ سواهُ.

وَلَا تتمّ عبوديته لله إِلَّا بِهَذَيْنِ فَمَتَى كَانَ يحب غير الله لذاته أَو يلْتَفت إِلَى غير الله أَنه يُعينهُ كَانَ عبدا لما أحبه وعبدا لما رجاه بِحَسب حبه لَهُ ورجائه إِيَّاه وَإِذا لم يحب أحدا لذاته إِلَّا الله وَأي شَيْء أحبه سواهُ فَإِنَّمَا أحبه لَهُ وَلم يرج قطّ شَيْئا إِلَّا الله وَإِذا فعل مَا فعل من الْأَسْبَاب أَو حصل مَا حصل مِنْهَا كَانَ مشاهدا أَن الله هُوَ الذى خلقهَا وقدرها وسخرها لَهُ وَأَن كل مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض فَالله ربه ومليكه وخالقه ومسخره وَهُوَ مفتقر إِلَيْهِ كَانَ قد حصل لَهُ من تَمام عبوديته لله بِحَسب مَا قسم لَهُ من ذَلِك.

ص: 98

وَالنَّاس فِي هَذَا على دَرَجَات مُتَفَاوِتَة لَا يحصي طرقها إِلَّا الله.

فأكمل الْخلق وأفضلهم وَأَعْلَاهُمْ وأقربهم إِلَى الله وَأَقْوَاهُمْ وأهداهم أتمهم عبودية لله من هَذَا الْوَجْه.

وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة دين الْإِسْلَام الَّذِي أرسل الله بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه وَهُوَ أَن يستسلم العَبْد لله لَا لغيره فالمستسلم لَهُ وَلغيره مُشْرك والممتنع عَن الاستسلام لَهُ مستكبر. وَقد ثَبت فِي " الصَّحِيح " عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم: أَن " الْجنَّة لَا يدخلهَا من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر ". كَمَا أَن النَّار لَا يخلد فِيهَا من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان، فَجعل الْكبر مُقَابلا للْإيمَان؛ فَإِن الْكبر يُنَافِي حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة كَمَا ثَبت فِي " الصَّحِيح " عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ:" يَقُول الله: العظمة إزَارِي والكبرياء رِدَائي فَمن نازعنى وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذبته " فالعظمة والكبرياء من خَصَائِص الربوبية والكبرياء أَعلَى من العظمة وَلِهَذَا جعلهَا بِمَنْزِلَة الرِّدَاء كَمَا جعل العظمة بِمَنْزِلَة الْإِزَار.

وَلِهَذَا كَانَ شعار الصَّلَاة وَالْأَذَان والأعياد هُوَ التَّكْبِير وَكَانَ مُسْتَحبا فِي الْأَمْكِنَة الْعَالِيَة كالصفا والمروة

ص: 99

وَإِذا علا الْإِنْسَان شرفا أَو ركب دَابَّة وَنَحْو ذَلِك وَبِه يطفأ الْحَرِيق وَإِن عظم وَعند الْأَذَان يهرب الشَّيْطَان قَالَ تَعَالَى [60 غَافِر] : {وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين} .

وكل من استكبر عَن عبَادَة الله لَا بُد أَن يعبد غَيره فَإِن الْإِنْسَان حساس يَتَحَرَّك بالإرادة وَقد ثَبت فِي " الصَّحِيح " عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ: " أصدق الْأَسْمَاء حَارِث وَهَمَّام " فالحارث الكاسب الْفَاعِل والهمام فعال من الْهم والهم أول الْإِرَادَة فالإنسان لَهُ إِرَادَة دَائِما وكل إِرَادَة فَلَا بُد لَهَا من مُرَاد تنتهى إِلَيْهِ فَلَا بُد لكل عبد من مُرَاد مَحْبُوب هُوَ مُنْتَهى حبه وإرادته فَمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عَن ذَلِك فَلَا بُد أَن لَهُ مُرَاد مَحْبُوب يستعبده غير الله فَيكون عبدا لذَلِك المُرَاد المحبوب إِمَّا المَال وَإِمَّا الجاه وَإِمَّا الصُّور وَإِمَّا مَا يَتَّخِذهُ إِلَهًا من دون الله كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب والأوثان

ص: 100

وقبور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ أَو من الْمَلَائِكَة والأنبياء الَّذين يتخذهم أَرْبَابًا أَو غير ذَلِك مِمَّا عبد من دون الله.

وَإِذا كَانَ عبدا لغير الله يكون مُشْركًا وكل مستكبر فَهُوَ مُشْرك وَلِهَذَا كَانَ فِرْعَوْن من أعظم الْخلق استكبارا عَن عبَادَة الله وَكَانَ مُشْركًا قَالَ تَعَالَى [23-35 غَافِر] : {وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين * إِلَى فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون فَقَالُوا سَاحر كَذَّاب} إِلَى قَوْله: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عذت بربي وربكم من كل متكبر لَا يُؤمن بِيَوْم الْحساب} إِلَى قَوْله: {كَذَلِك يطبع الله على كل قلب متكبر جَبَّار} . وَقَالَ تَعَالَى [39 العنكبوت] : {وَقَارُون وَفرْعَوْن وهامان وَلَقَد جَاءَهُم مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فاستكبروا فِي الأَرْض وَمَا كَانُوا سابقين} . وَقَالَ تَعَالَى [4 الْقَصَص] : {إِن فِرْعَوْن علا فِي الأَرْض وَجعل أَهلهَا شيعًا يستضعف طَائِفَة مِنْهُم يذبح أَبْنَاءَهُم ويستحيي نِسَاءَهُمْ} . وَقَالَ [14 النَّمْل] : {وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين} . وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن كثير.

وَقد وصف فِرْعَوْن بالشرك فِي قَوْله [127 الْأَعْرَاف] : {وَقَالَ الْمَلأ من قوم فِرْعَوْن أتذر مُوسَى وَقَومه ليفسدوا فِي الأَرْض ويذرك وآلهتك} بل الاستقراء يدل على أَنه كلما كَانَ الرجل أعظم استكبارا عَن عبَادَة الله كَانَ أعظم إشراكا بِاللَّه لِأَنَّهُ كلما استكبر عَن عبَادَة الله ازْدَادَ فقرا وحاجة إِلَى المُرَاد المحبوب

ص: 101

الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود مَقْصُود الْقلب بِالْقَصْدِ الأول فَيكون مُشْركًا بِمَا استعبده من ذَلِك.

وَلنْ يَسْتَغْنِي الْقلب عَن جَمِيع الْمَخْلُوقَات إِلَّا بِأَن يكون الله هُوَ مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يعبد إِلَّا إِيَّاه وَلَا يَسْتَعِين إِلَّا بِهِ وَلَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يفرح إِلَّا بِمَا يُحِبهُ ويرضاه وَلَا يكره إِلَّا مَا يبغضه الرب ويكرهه وَلَا يوالى إِلَّا من وَالَاهُ الله وَلَا يعادي إِلَّا من عَادَاهُ الله وَلَا يحب إِلَّا لله وَلَا يبغض شَيْئا إِلَّا لله فَكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته لله واستغناؤه عَن الْمَخْلُوقَات وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الْكبر والشرك.

والشرك غَالب على النَّصَارَى وَالْكبر غَالب على الْيَهُود قَالَ تَعَالَى فِي النَّصَارَى [31 التَّوْبَة] : {اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ} وَقَالَ فِي الْيَهُود [87 الْبَقَرَة] : {أفكلما جَاءَكُم رَسُول بِمَا لَا تهوى أَنفسكُم استكبرتم ففريقا كَذبْتُمْ وفريقا تقتلون} وَقَالَ تَعَالَى [146 الْأَعْرَاف] : {سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا وَإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا} .

ص: 102

وَلما كَانَ الْكبر مستلزما للشرك والشرك ضد الْإِسْلَام وَهُوَ الذَّنب الَّذِي لَا يغفره الله قَالَ تَعَالَى [48 النِّسَاء] : {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء وَمن يُشْرك بِاللَّه فقد افترى إِثْمًا عَظِيما} وَقَالَ [116 النِّسَاء] : {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء وَمن يُشْرك بِاللَّه فقد ضل ضلالا بَعيدا} كَانَ الْأَنْبِيَاء جَمِيعهم مبعوثين بدين الْإِسْلَام فَهُوَ الدَّين الَّذِي لَا يقبل الله غَيره لَا من الْأَوَّلين وَلَا من الآخرين قَالَ نوح [72 يُونُس] : {فَإِن توليتم فَمَا سألتكم من أجر إِن أجري إِلَّا على الله وَأمرت أَن أكون من الْمُسلمين} وَقَالَ فِي حق إِبْرَاهِيم [130-132 الْبَقَرَة] : {وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين * إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين} إِلَى قَوْله: {فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ} وَقَالَ يُوسُف [101 يُوسُف] : {توفني مُسلما وألحقني بالصالحين} وَقَالَ مُوسَى [84-85 يُونُس] : {يَا قوم إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه فَعَلَيهِ توكلوا إِن كُنْتُم مُسلمين * فَقَالُوا على الله توكلنا} وَقَالَ تَعَالَى [44 الْمَائِدَة] : {إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا} وَقَالَت بلقيس [44 النَّمْل] : {رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب الْعَالمين} وَقَالَ [111 الْمَائِدَة] : {وَإِذ أوحيت إِلَى الحواريين أَن آمنُوا بِي وبرسولي قَالُوا آمنا واشهد بأننا مُسلمُونَ} وَقَالَ [19 آل عمرَان] : {إِن الدَّين عِنْد الله الْإِسْلَام} وَقَالَ [85 آل عمرَان] : {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ}

ص: 103

وَقَالَ تَعَالَى [83 آل عمرَان] : {أفغير دين الله يَبْغُونَ وَله أسلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها} فَذكر إِسْلَام الكائنات طَوْعًا وَكرها لِأَن الْمَخْلُوقَات جَمِيعهَا متعبدة لَهُ التَّعَبُّد الْعَام سَوَاء أقرّ الْمقر بذلك أَو أنكرهُ وهم مدينون لَهُ مدبرون فهم مُسلمُونَ لَهُ طَوْعًا وَكرها لَيْسَ لأحد من الْمَخْلُوقَات خُرُوج عَمَّا شاءه وَقدره وقضاه وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ وَهُوَ رب الْعَالمين ومليكهم يصرفهم كَيفَ يَشَاء وَهُوَ خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم وكل مَا سواهُ فَهُوَ مربوب مَصْنُوع مفطور فَقير مُحْتَاج معبد مقهور وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْوَاحِد القهار الْخَالِق البارئ المصور.

وَهُوَ وَإِن كَانَ قد خلق مَا خلقه بِأَسْبَاب فَهُوَ خَالق السَّبَب والمقدر لَهُ وَهَذَا مفتقر إِلَيْهِ كافتقار هَذَا وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَات سَبَب مُسْتَقل بِفعل خير وَلَا دفع ضرّ بل كل مَا هُوَ سَبَب فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى سَبَب آخر يعاونه وَإِلَى مَا يدْفع عَنهُ الضِّدّ الَّذِي يُعَارضهُ ويمانعه.

وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَحده الْغنى عَن كل مَا سواهُ لَيْسَ لَهُ شريك يعاونه وَلَا ضد يناوئه ويعارضه قَالَ تَعَالَى [38 الزمر] : {قل أَفَرَأَيْتُم مَا تدعون من دون الله إِن أرادني الله بضر هَل هن كاشفات ضره أَو أرادني برحمة هَل هن ممسكات رَحمته قل حسبي الله عَلَيْهِ يتوكل المتوكلون} وَقَالَ تَعَالَى [17 الْأَنْعَام] :

ص: 104

{وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يمسسك بِخَير فَهُوَ على كل شَيْء قدير} وَقَالَ تَعَالَى عَن الْخَلِيل [78-82 الْأَنْعَام] : {يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون * إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين * وحاجه قومه قَالَ أتحاجوني فِي الله وَقد هدان وَلَا أَخَاف مَا تشركون بِهِ إِلَّا أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئا} إِلَى قَوْله: {الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون} .

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَن عبد الله بن مَسْعُود رضى الله عَنهُ أَن هَذِه الْآيَة لما نزلت شقّ ذَلِك على أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقَالُوا: يَا رَسُول الله أَيّنَا لم يلبس إيمَانه بظُلْم؟ فَقَالَ: " إِنَّمَا هُوَ الشّرك ألم تسمعوا إِلَى قَول العَبْد الصَّالح [13 لُقْمَان] : {إِن الشّرك لظلم عَظِيم} ".

وَإِبْرَاهِيم الْخَلِيل إِمَام الحنفاء المخلصين حَيْثُ بعث وَقد طبق الأَرْض دين الْمُشْركين قَالَ الله تَعَالَى [124 الْبَقَرَة] : {وَإِذ ابتلى إِبْرَاهِيم ربه بِكَلِمَات فأتمهن قَالَ إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا قَالَ وَمن ذريتي قَالَ لَا ينَال عهدي الظَّالِمين} فَبين أَن عَهده بِالْإِمَامَةِ لَا يتَنَاوَل الظَّالِم فَلم يَأْمر الله سُبْحَانَهُ أَن يكون الظَّالِم إِمَامًا وَأعظم الظُّلم الشّرك.

وَقَالَ تَعَالَى [120 النَّحْل] : {إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا وَلم يَك من الْمُشْركين} وَالْأمة هُوَ معلم الْخَيْر الَّذِي يؤتم بِهِ

ص: 105

كَمَا أَن الْقدْوَة الذى يقْتَدى بِهِ.

وَالله تَعَالَى جعل فِي ذُريَّته النُّبُوَّة وَالْكتاب وَإِنَّمَا بعث الْأَنْبِيَاء بعده بملته قَالَ تَعَالَى [123 النَّحْل] : {ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين} وَقَالَ تَعَالَى [68 آل عمرَان] : {إِن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ وَهَذَا النَّبِي وَالَّذين آمنُوا وَالله ولي الْمُؤمنِينَ} وَقَالَ تَعَالَى [67 آل عمرَان] : {مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين} وَقَالَ تَعَالَى [135-136 الْبَقَرَة] : {وَقَالُوا كونُوا هودا أَو نَصَارَى تهتدوا قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين * قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط} إِلَى قَوْله: {وَنحن لَهُ مُسلمُونَ} .

وَقد ثَبت فِي " الصَّحِيح " عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم: أَن " إِبْرَاهِيم خير الْبَريَّة " فَهُوَ أفضل الْأَنْبِيَاء بعد النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ خَلِيل الله تَعَالَى.

وَقد ثَبت فِي " الصَّحِيح " عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم من غير وَجه أَنه قَالَ: " إِن الله اتخذنى خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم

ص: 106

خَلِيلًا ". وَقَالَ: " لَو كنت متخذا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن صَاحبكُم خَلِيل الله " يعْنى نَفسه.

وَقَالَ: " لَا تبقين فِي الْمَسْجِد خوخة إِلَّا سدت إِلَّا خوخة أَبى بكر ". وَقَالَ: " أَلا وَإِن من كَانَ قبلكُمْ كَانُوا يتخذون الْقُبُور مَسَاجِد أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد إنى أنهاكم عَن ذَلِك ". وكل هَذَا فِي " الصَّحِيح " وَفِيه أَنه قَالَ ذَلِك قبل مَوته بأيام وَذَلِكَ من تَمام رسَالَته فَإِن فِي ذَلِك تَمام تَحْقِيق مخالته لله الَّتِي أَصْلهَا محبَّة الله تَعَالَى للْعَبد ومحبة العَبْد لله خلافًا للجهمية.

وَفِي ذَلِك تَحْقِيق تَوْحِيد الله وَألا يعبدوا إِلَّا إِيَّاه ردا على أشباه الْمُشْركين وَفِيه رد على الرافضة الَّذين يبخسون الصّديق رضي الله عنه حَقه وهم أعظم المنتسبين إِلَى الْقبْلَة إشراكا بِعبَادة عَليّ وَغَيره من الْبشر.

والخلة هِيَ كَمَال الْمحبَّة المستلزمة من العَبْد كَمَال الْعُبُودِيَّة لله وَمن الرب سُبْحَانَهُ كَمَال الربوبية لِعِبَادِهِ الَّذين يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ.

وَلَفظ الْعُبُودِيَّة يتَضَمَّن كَمَال الذل وَكَمَال الْحبّ فَإِنَّهُم

ص: 107

يَقُولُونَ قلب متيم إِذا كَانَ متعبدا للمحبوب والمتيم المتعبد وتيم الله عبد الله وَهَذَا على الْكَمَال حصل لإِبْرَاهِيم وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم.

وَلِهَذَا لم يكن لَهُ صلى الله عليه وسلم من أهل الأَرْض خَلِيل إِذْ الْخلَّة لَا تحْتَمل الشّركَة فَإِنَّهُ كَمَا قيل فِي الْمَعْنى:

قد تخللت مَسْلَك الرّوح مني

وبذا سُمي الْخَلِيل خَلِيلًا

بِخِلَاف أصل الْحبّ فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم قد قَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي الْحسن وَأُسَامَة: " اللَّهُمَّ إنى أحبهما فأحبهما وَأحب من يحبهما ". وَسَأَلَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ: أَي النَّاس أحب إِلَيْك؟ قَالَ: " عَائِشَة ".

ص: 108

قَالَ: فَمن الرِّجَال؟ قَالَ: "أَبوهَا ". وَقَالَ لعَلي رضي الله عنه: " لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله ". وأمثال ذَلِك كثير.

وَقد أخبر تَعَالَى أَنه يحب الْمُتَّقِينَ وَيُحب الْمُحْسِنِينَ وَيُحب المقسطين وَيُحب التوابين وَيُحب المتطهرين وَيُحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص وَقَالَ [54 الْمَائِدَة] : {فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} فقد أخبر بمحبته لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ ومحبة الْمُؤمنِينَ لَهُ حَتَّى قَالَ [165 الْبَقَرَة] : {وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله} .

وَأما الْخلَّة فخاصة وَقَول بعض النَّاس: إِن مُحَمَّدًا حبيب الله وَإِبْرَاهِيم خَلِيل الله وظنه أَن الْمحبَّة فَوق الْخلَّة قَول ضَعِيف فَإِن مُحَمَّدًا أَيْضا خَلِيل الله كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المستفيضة.

وَمَا يرْوى أَن الْعَبَّاس يحْشر بَين حبيب وخليل وأمثال ذَلِك فأحاديث مَوْضُوعَة لَا تصلح أَن يعْتَمد عَلَيْهَا

ص: 109

وَقد قدمنَا أَن محبَّة الله تَعَالَى هِيَ محبته ومحبة مَا أحب كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ: " ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان: من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَمن كَانَ يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وَمن كَانَ يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقى فِي النَّار ". أخبر النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن من كَانَ فِيهِ هَذِه الثَّلَاث وجد حلاوة الْإِيمَان لِأَن وجد الْحَلَاوَة بالشَّيْء يتبع الْمحبَّة لَهُ فَمن أحب شَيْئا أَو اشتهاه إِذا حصل لَهُ مُرَاده فَإِنَّهُ يجد الْحَلَاوَة واللذة وَالسُّرُور بذلك واللذة أَمر يحصل عقيب إِدْرَاك الملائم الَّذِي هُوَ المحبوب أَو المشتهى. وَمن قَالَ: إِن اللَّذَّة إِدْرَاك الملائم - كَمَا يَقُوله من يَقُوله من المتفلسفة والأطباء - فقد غلط فِي ذَلِك غَلطا بَينا فَإِن الْإِدْرَاك يتوسط بَين الْمحبَّة واللذة فَإِن الْإِنْسَان مثلا يَشْتَهِي الطَّعَام فَإِذا أكله حصل لَهُ عقيب ذَلِك اللَّذَّة فاللذة تتبع النّظر إِلَى الشَّيْء فَإِذا نظر إِلَيْهِ التذ بِهِ واللذة الَّتِي تتبع النّظر لَيست نفس النّظر وَلَيْسَت هِيَ رُؤْيَة الشَّيْء بل تحصل عقيب رُؤْيَته وَقَالَ تَعَالَى [71 الزخرف] : {وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين} وَهَكَذَا جَمِيع مَا يحصل للنَّفس من اللَّذَّات والآلام

ص: 110

من فَرح وحزن وَنَحْو ذَلِك يحصل بالشعور بالمحبوب أَو الشُّعُور بالمكروه وَلَيْسَ نفس الشُّعُور هُوَ الْفَرح وَلَا الْحزن.

فحلاوة الْإِيمَان المتضمنة من اللَّذَّة بِهِ والفرح مَا يجده الْمُؤمن الْوَاجِد حلاوة الْإِيمَان تتبع كَمَال محبَّة العَبْد لله وَذَلِكَ بِثَلَاثَة أُمُور: تَكْمِيل هَذِه الْمحبَّة وتفريقها وَدفع ضدها. فتكميلها أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا فَإِن محبَّة الله وَرَسُوله لَا يكْتَفى فِيهَا بِأَصْل الْحبّ بل لابد أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا كَمَا تقدم، وتفريقها أَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، وَدفع ضدها أَن يكره ضد الْإِيمَان أعظم من كَرَاهَته الْإِلْقَاء فِي النَّار.

فَإِذا كَانَت محبَّة الرَّسُول وَالْمُؤمنِينَ من محبَّة الله وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يحب الْمُؤمنِينَ الَّذين يُحِبهُمْ الله لِأَنَّهُ أكمل النَّاس محبَّة لله وأحقهم بِأَن يحب مَا يُحِبهُ الله وَيبغض مَا يبغضه الله والخلة لَيْسَ فِيهَا لغير الله نصيب بل قَالَ: " لَو كنت متخذا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا " علم مزِيد مرتبَة الْخلَّة على مُطلق الْمحبَّة.

وَالْمَقْصُود هُوَ أَن الْخلَّة والمحبة لله تَحْقِيق عبوديته وَإِنَّمَا يغلط من يغلط فِي هَذِه من حَيْثُ يتوهمون أَن الْعُبُودِيَّة مُجَرّد ذل وخضوع فَقَط لَا محبَّة مَعَه وَأَن الْمحبَّة فِيهَا

ص: 111

انبساط فِي الْأَهْوَاء أَو إدلال لَا تحتمله الربوبية وَلِهَذَا يذكر عَن ذِي النُّون أَنهم تكلمُوا عِنْده فِي مَسْأَلَة الْمحبَّة فَقَالَ: أَمْسكُوا عَن هَذِه الْمَسْأَلَة لَا تسمعها النُّفُوس فتدعيها.

وَكره من كره من أهل الْمعرفَة وَالْعلم مجالسة أَقوام يكثرون الْكَلَام فِي الْمحبَّة بِلَا خشيَة.

وَقَالَ من قَالَ من السّلف: من عبد الله بالحب وَحده فَهُوَ زنديق وَمن عَبده بالرجاء وَحده فَهُوَ مرجئ وَمن عَبده بالخوف وَحده فَهُوَ حروري وَمن عَبده بالحب وَالْخَوْف والرجاء فَهُوَ مُؤمن موحد.

ص: 112

وَلِهَذَا وجد فِي الْمُتَأَخِّرين من انبسط فِي دَعْوَى الْمحبَّة حَتَّى أخرجه ذَلِك إِلَى نوع من الرعونة وَالدَّعْوَى الَّتِي تنَافِي الْعُبُودِيَّة وَتدْخل العَبْد فِي نوع من الربوبية الَّتِي لَا تصلح إِلَّا لله فيدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حُدُود الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ أَو يطْلب من الله مَا لَا يصلح بِكُل وَجه إِلَّا لله لَا يصلح للأنبياء وَلَا للمرسلين.

وَهَذَا بَاب وَقع فِيهِ كثير من الشُّيُوخ وَسَببه ضعف تَحْقِيق الْعُبُودِيَّة الَّتِي بيّنها الرُّسُل وحررها الْأَمر وَالنَّهْي الَّذِي جَاءُوا بِهِ بل ضعف الْعقل الَّذِي بِهِ يعرف العَبْد حَقِيقَته وَإِذا ضعف الْعقل وقلص الْعلم بِالدّينِ وَفِي النَّفس محبَّة طائشة جاهلة انبسطت النَّفس بحمقها فِي ذَلِك كَمَا ينبسط الْإِنْسَان فِي محبَّة الْإِنْسَان مَعَ حمقه وجهله وَيَقُول: أَنا محب فَلَا أؤاخذ بِمَا أَفعلهُ من أَنْوَاع يكون فِيهَا عدوان وَجَهل فَهَذَا عين الضلال وَهُوَ شَبيه بقول الْيَهُود وَالنَّصَارَى [18 الْمَائِدَة] : {نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه} قَالَ الله تَعَالَى: {قل فَلم يعذبكم بذنوبكم بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء} فَإِن تعذيبه لَهُم بِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي أَنهم غير محبوبين وَلَا منسوبين إِلَيْهِ بِنسَب الْبُنُوَّة بل يَقْتَضِي أَنهم مربوبون مخلوقون.

فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان

ص: 113

وَمن فعل الْكَبَائِر وأصر عَلَيْهَا وَلم يتب مِنْهَا فَإِن الله يبغض مِنْهُ ذَلِك كَمَا يحب مِنْهُ مَا يَفْعَله من الْخَيْر إِذْ حبه للْعَبد بِحَسب إيمَانه وتقواه.

وَمن ظن أَن الذُّنُوب لَا تضره لكَون الله يُحِبهُ مَعَ إصراره عَلَيْهَا كَانَ بِمَنْزِلَة من زعم أَن تنَاول السم لَا يضرّهُ مَعَ مداومته عَلَيْهِ وَعدم تداويه مِنْهُ لصِحَّة مزاجه وَلَو تدبر الأحمق مَا قصّ الله فِي كِتَابه من قصَص أنبيائه وَمَا جرى لَهُم من التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار وَمَا أصيبوا بِهِ من أَنْوَاع الْبلَاء الَّذِي فِيهِ تمحيص لَهُم وتطهير بِحَسب أَحْوَالهم علم بعض ضَرَر الذُّنُوب بأصحابها وَلَو كَانَ أرفع النَّاس مقَاما فَإِن الْمُحب للمخلوق إِذا لم يكن عَارِفًا بمحابّه وَلَا مرِيدا لَهَا بل يعْمل بِمُقْتَضى الْحبّ وَإِن كَانَ جهلا وظلما كَانَ ذَلِك سَببا لِبُغْض المحبوب لَهُ ونفوره عَنهُ بل سَببا لعقوبته.

وَكثير من السالكين سلكوا فِي دَعْوَى حب الله أنواعا من أُمُور الْجَهْل بِالدّينِ: إِمَّا من تعدِي حُدُود الله وَإِمَّا من تَضْييع حُقُوق الله وَإِمَّا من ادِّعَاء الدَّعَاوَى الْبَاطِلَة الَّتِي لَا حَقِيقَة لَهَا كَقَوْل بَعضهم: أَي مُرِيد لي ترك فِي النَّار أحدا فَأَنا برِئ مِنْهُ، فَقَالَ الآخر: أَي مُرِيد لي ترك أحدا من الْمُؤمنِينَ يدْخل النَّار فَأَنا مِنْهُ بَرِيء.

فَالْأول جعل مريده يخرج كل من فِي النَّار.

وَالثَّانِي جعل مريده يمْنَع أهل الْكَبَائِر من دُخُول النَّار.

ص: 114

وَيَقُول بَعضهم: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نصبت خَيْمَتي على جَهَنَّم حَتَّى لَا يدخلهَا أحد.

وأمثال ذَلِك من الْأَقْوَال الَّتِي تُؤثر عَن بعض الْمَشَايِخ الْمَشْهُورين وَهِي إِمَّا كذب عَلَيْهِم وَإِمَّا غلط مِنْهُم.

وَمثل هَذَا قد يصدر فِي حَال سكر وَغَلَبَة وفناء يسْقط فِيهَا تَمْيِيز الْإِنْسَان أَو يضعف حَتَّى لَا يدْرِي مَا قَالَ. وَالسكر هُوَ لَذَّة مَعَ عدم تَمْيِيز وَلِهَذَا كَانَ من هَؤُلَاءِ من إِذا صَحا اسْتغْفر من ذَلِك الْكَلَام وَالَّذين توسعوا من الشُّيُوخ فِي سَماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل والغرام كَانَ هَذَا أصل مقصدهم فَإِن هَذَا الْجِنْس يُحَرك مَا فِي الْقلب من الْحبّ كَائِنا مَا كَانَ وَلِهَذَا أنزل الله محنة يمْتَحن بهَا الْمُحب فَقَالَ [31 آل عمرَان] : {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله} فَلَا يكون محبا لله إِلَّا من يتبع رَسُوله وَطَاعَة الرَّسُول ومتابعته لَا تكون إِلَّا بتحقيق الْعُبُودِيَّة وَكثير مِمَّن يَدعِي الْمحبَّة يخرج عَن شَرِيعَته وسنته صلى الله عليه وسلم وَيَدعِي من الْحَالَات مَا لَا يَتَّسِع هَذَا الْموضع لذكره حَتَّى قد يظنّ أحدهم سُقُوط الْأَمر وَتَحْلِيل الْحَرَام لَهُ وَغير ذَلِك مِمَّا فِيهِ مُخَالفَة شَرِيعَة الرَّسُول وسنته وطاعته.

بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رَسُوله الْجِهَاد فِي سَبيله وَالْجهَاد يتَضَمَّن كَمَال محبَّة مَا أَمر الله بِهِ وَكَمَال بغض مَا نهى الله عَنهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي صفة من يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [54 الْمَائِدَة] :

ص: 115