الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم
حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تلقي القرآن وحفظه
…
تمهيد:
النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس عناية بالقرآن الكريم من جميع جوانبه، ومن شدة عنايته صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بأمور تزيد من عنايتهم هم بالقرآن، كأمره إياهم بالحفظ والتعاهد والتدبر وغير ذلك، ولقد وردت لنا الأخبار بشيء من ذلك، وأنا أرى أن هذه الأخبار التي وردت ليست إلا إشارات إلى عنايته صلى الله عليه وسلم بالقرآن، ولكن واقع حاله وشدة اهتمامه لا يتصور أن تنقله النصوص على حقيقته، كيف لا يكون كل ذلك الاهتمام منه صلى الله عليه وسلم وهو المكلف الوحيد من قبل ربه بتبليغ هذا القرآن؟ وما أود أن أشير إليه هنا هو أن تسمية هذا الفصل بـ"عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم" ماهي إلا من باب تركيز الحديث على مسائل معينة خاصة، وإلا فكثير من النصوص التي أوردتها في الفصل الأول تدل على عنايته صلى الله عليه وسلم وعناية صحبه الكرام بالقرآن الكريم.
وسأسوق في هذا الفصل بعض الأمثلة الدالة على هذه المسألة:
حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تلقي القرآن وحفظه
أمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الأول، وكان هو صلى الله عليه وسلم أشد تلهفاً على حفظ القرآن، ولهذا كان إذا نزل عليه الوحي بشيء من القرآن يحرك به لسانه استعجالاً في حفظه فنهاه الله عن ذلك في قوله: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ
ِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 16-19) . ولعل ذلك والله أعلم لئلا ينشغل بالحفظ عن الفهم قال ابن حجر رحمه الله: "وكان من أصل الدين أن المبادرة إلى أفعال الخير مطلوبة، فنبه أنه قد يعترض على هذا المطلوب ما هو أجل منه وهو الإصغاء إلى الوحي وتفهم ما يرد منه، والتشاغل بالحفظ قد يصد عن ذلك فأمر أن لا يبادر إلى التحفظ لأن تحفيظه مضمون على ربه وليصغ إلى ما يرد عليه إلى أن ينقضي فيتبع ما اشتمل عليه"1.
أخرج البخاري بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل عليه بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرف منه، فأنزل الله الآية التي في {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} :{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} قال: علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} : فإذا أنزلناه فاستمع {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} علينا أن نبينه بلسانك، قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله2.
1 الفتح 8/548.
2 صحيح البخاري حديث رقم 4929.