الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستعجال في القراءة
الناس في قراءة القرآن صنفان: صنف يقرأ القرآن بتعقل وتدبر لمعانيه، فهذا لا يهمه أن يختم القرآن في أسبوع أو شهر، وصنف آخر يقرأ القرآن ليزداد عدد الحروف التي يقرأها، ويكون له بكل حرف عشر حسنات، كما ثبت في الحديث الصحيح، وهذا الصنف هو الذي يكون همه أن يختم القرآن في أقصر مدة ممكنة.
قال ابن حجر "قال النووي: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرؤه هذرمة. والله أعلم"1.
وقد يجتمع الأمران في شخص واحد فمرة يقرأ القرآن قراءة فهم وتمعُّن في معانيه ومبانيه، ومرة يقرؤه قراءة يريد بها الإكثار من الحسنات، وقد ورد كل ذلك عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن مدار الكلام في هذا المبحث على الأحاديث الواردة في نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستعجال، والحقيقة أن أكثر هذه الأحاديث مروية عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقد كان شاباً قوياً فتياً يريد أن
1 فتح الباري 8/715.
يستمتع بقوته وشبابه - ورد نص ذلك في بعض الروايات - في طاعة الله فكان يصوم الأيام المتواصلة، ويقرأ القرآن في ليلة واحدة.
أخرج البخاري رحمه الله بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: "أنكحني أبي امرأة ذات حسب فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "القني به"، فلقيته بعد، فقال: " كيف تصوم؟ " قال: قلت: أصوم كل يوم قال: "وكيف تختم؟ " قال: كل ليلة، قال: "صم في كل شهر ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر". قال: قلت أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم ثلاثة أيام في الجمعة" قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: "أفطر يومين وصم يوماً، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال:"صم أفضل الصوم، صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة". فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً وأحصى، وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئاً فارق النبي صلى الله عليه وسلم" 1.
وقد أخرج الشيخان وغيرهما الحديث بألفاظ متقاربة، ولكنها تختلف في ذكر الأيام التي حددها له الرسول صلى الله عليه وسلم ليختم فيها، ففي بعض الروايات ثلاثة أيام وفي بعضها سبعاً.
1 البخاري 5052.
وأخرج أبو داود أحد هذه الأحاديث وفي آخره قال - أي رسول الله صلى الله عليه وسلم – "لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث"1.
ولعل نهي الرسول صلى الله عليه وسلم هذا بسبب أنه يخشى على أمته من الملل، فإذا طال العمر يدبُّ الوهن إلى جسم الإنسان وقد يصيبه الفتور. ولكن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
وقد أخرج الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر من السنة أكثر صياماً منه في شعبان وكان يقول: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يملَّ حتى تملوا" وكان يقول: "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل"2.
ومما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الإسراع في القراءة خوفاً على أتباعه من الملل ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل"3.
وثمة سبب آخر لنهيه عليه الصلاة والسلام عن الإسراع ألا وهو الحث على التدبر فالإسراع في التلاوة وتدبر المعاني نقيضان قد لا يلتقيان. وقد سبق ذكر الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث". وأخرج مسلم بسنده عن شقيق قال:
1 سنن أبي داود رقم 1390.
2 صحيح مسلم رقم 782.
3 أخرجه مسلم في صحيحه 1159.