الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا مقامي قربياً من أخي
…
كلُّ امرىء قائمٌ مع أخيه
فقوله ((مع أخيه)) هو الضرب، ووزنه ((فعلتان)) . وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مقامي)) . وبيت الخبن في العروض والضرب المقطوعين:
أصبحت والشيبُ قد علاني
…
يدعو حثيثاً إلى الخضابِ
فقوله ((علاني)) هو العروض وقوله ((خضابي)) هو الضرب، وزن كل منهما فعولن، وهذا هو المسمي عندهم بالمخلع. والمولدون التزموا الخبن في هذه العروض وضربها لحسن ذوقه، وهو من التزام ما لا يلزم. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((والشيب قد علاني)) . وأما بيت الخبن في ضرب العروض الثانية المقطوع فلم يشر النلظم إليه بشيءٍ، وانظر هل أشار بقوله ذاك إلى بيته فإن ظفرت ببيت فيه هذه اللفظة فذاك، وبيته الذي انشده العروضييون:
قلت استجيبي فلما لم تُجب
…
سالت دموعي على ردائي
قال الشريف: وإنما نبّه الناظم على ما يدخل الأعاريض والضروب هنا وفيما بعد حسب ما تقف عليه من الأبحر ليظهر لك الفرق بين ما يدخل في الأعاريض والضروب وهو غير لازم كما يدخل الحشو، وبين ما لا يدخلها فيكون لازماً سبيله العلل، فما يكون من ذلك لازماً يأتي بشاهده أولاً حيث يأتي بشواهد العلل، وما يكون غير لازمٍ جاء بشاهده آخراً بعد شواهد الزحاف، ألا تراه كيف أتى بشاهد الخبن في العروض الأولى مع العلل أولاً للزومه، وأتى بشاهد الخبن في المخلع آخراً لعدم اللزوم فتأمله. ((تنبيه)) استدرك بعضهم للبسيط عروضيين إحداهما مجزوءة حذّاء مخبونة لها ضربان: ضرب مثلها كقوله:
عجبت ما أقرب الأجلْ
…
منّا وما أبعدَ الأمل
وضرب مقطوع مخبون كقوله:
إنّ شواءً ونشوةً
…
وخبب البازل الأمون
العروض الثانية مشطورة لها ضرب مثلها كقوله:
إن أخي خالدا
…
ليس أخاً واحدا
وأجاز أيضاً استعمال العروض الأولى من البسيط غير مخبونة كقوله:
ولا تكونوا كمن لا يرتجى أوْبُهُ
وكذا أجاز استعمال ضربها الأول غير مخبون كقوله:
وبلدةٍ مجهلٍ تمسي الرياح بها
…
لواعباً وهي ناءٍ عرضُها خاويهْ
وهكذا كله شاذ لا يلتفت إليه. وقد جاء في مخلّع البسيط مفعولن مكان فاعلن، وهو أيضاً شاذ كقوله:
فسر بودٍّ أو سِر بكرهٍ
…
ما سارت الذُّلل الِّسراعُ
ورأيت بعض المتأخرين يستعمله. وزعم أبو الحكم أنه شذَّ في هذه العروض القبض، وأنشد:
يداه بالجود ضرَّتان
…
عليه كلتاهما تغارُ
قال: ولا تمكَّن حركة النون فيبقى القبض لأن التمكين مختص بالضروب، ولا يجوز في الأعاريض إلا بشرط التصريع. قال الصفاقسي: وهذا خطأ، أما أولاً، فلأن ساكن المخلع فيه بقية وتد ولا قبض فيه فلا بد من تمكين الحركة. قلت: لعله نظر إليه باعتبار ما صار إليه، ولا شك أن آخره بحسب الصورة هيئة سبب خفيف فأطلق القبض لذلك. ثم قال: وقوله ثانياً ذلك مختص بالضروب ولا يجوز في العروض إلا بشرط التصريح وهمٌ، بل ورد منه مالا يحصر وأنشد قوله:
سلى إن جهلت الناس عنّا وعنهم
…
فليس سواءً عالمٌ وجهولُ
وقوله:
ورجِّ الفتى للخير ما إن رأيته
…
على السّنّ خيراً لا يزال يزيد
وأبياتاً كثيرة من هذا النمط. ولا دليل له فيها لأن التمكين فيها فصيح بخلافه في نحو ((ضرتان)) وسيأتي الكلام عليه معه في ذلك. وهنا كملت الدائرة الأولى.
الوافر
أقول: سمي وافراً لوفور أجزائه وتداً فوتداً. قاله الخليل. وقيل: لوفور حركاته باجتماع الأوتاد والفواصل في أجزائه، والكامل وإنْ كان بهذه الصفة إلا أن الوافر حذف من حروفه فلم يكمل لاستعماله مقطوفاً، فهو موفور الحركات ناقص الحروف. قاله الزجاج. وهو مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن. قال:
دنتْ بجدًى فيه لنا غنمٌ به
…
ربيعةُ تعصيني ولم تستطع أذى
سطورُ حفيرٍ إن بها نزل الشّتا
…
تفاحش لولا خير من ركب المطا
أقول: الدال من ((دنت)) إشارة إلى أنه البحر الرابع، والباء من ((بجدى)) إشارة إلى أن له عروضين، والجيم إشارة إلى أن له ثلاثة أضرب. العروض الاولى مقطوفة لها ضرب واحد مثلها وبيته:
لنا غنمٌ نسوّقها غزارٌ
…
كأن قرون جلتها عصى
فقوله ((غزارن)) هو العروض، وقوله ((عصييو)) هو الضرب، وزن كل منهما فعولن. كان أصله مفاعلتن فقطف بحذف سببه الخفيف وهو ((تن)) وإسكان المتحرك قبله وهو اللام، فبقي مفاعلْ فنقل إلى فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لنا غنم)) وزعم أبو الحكم أنه شذ في هذه العروض القبض وانشد شاهداً عليه:
علوتَ على الرجال بخلتينِ
…
ورثتهما كما ورث الولاء
قال: ولا يجوز تمكين الحركة حتى ينشأ عنها حرف اللين كما مر في البسيط. واعترضه الصفاقسي ببطلان دعوي الشذوذ لكثرة مجيء ذلك فيها. قال:
أبي الإسلام لا أبَ لي سواه
…
إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ
وقال:
عسى الكربُ الذي أمسيت فيه
…
يكون وراءه فرجٌ قريبُ
وقال:
تخيرهُ ولم يعدلْ سواهُ
…
فنعم المرء من رجلٍ تهامى
وقال:
ذعرت به القطا ونضيت عنهُ
…
مقام الذنب كالرجل اللعين
وقال:
إذا أمسى يلمسُ منكبيه
…
تفقد لحمه حذر الهزال
وقال:
أوليت العراق ورافديه
…
فزاريّا أحذَّ يدِ القميصِ
وقال:
إذا لم تستطع أمراً فدعهُ
…
وجاوزه إلى ما تستطيع
وقال:
تظلُّ الشمس كاسفةً عليه
…
كآبةَ أنها فقدت عقيلا
وقال:
يرجّى المرء ما إن لا يراه
…
وتعوض دون أدناه الخطوبُ
قال: ومن كثير. قلت: لكنه لا ينهض مع كثرته رداً على أبي الحكم، وذلك لان جميع ما استشهد به يجوز فيه لتمكين نظماً ونثراً دون شذوذ ولا اختصاص له بعروض ولا ضرب، بل ولا بالنظم أصلاً ورأساً. وأما تمكين مثل ((خلتين)) في فصيح الكلام فممتنع نظماً ونثراً. نعم يجوز تمكينه في الضرب لإطلاق الروي، وفي العروض بشرط التصريع، وإن مكّن على غير هذا الوجه فللضرورة على شذوذ فيه. فأين هذا الذي ردّ به الصفاقسي مما أراده أبو الحكم. ثم قال: فالذي ينبغي أن يقال: تمكين حركة العروض جائز من غير شذوذ. قلت: بل هو شاذ قطعا كما عرفتَ، ولا دليل في شيءٍ مما أنشده. نعمٌ القول بقبضها شيءٌ لم يقل به أحد من العروضيين، والبيت لا ينفك عن شذوذ يلحقه بتقدير التمكين وعدمه. أما على التمكين فلما قدمناه، وأما على تقدير عدمه فلأن هذه العروض لا يدخلها مثل هذا التغيير فيما هو مقرر عند القوم. العروض الثانية مجزوءة صحيحة، ولها ضربان الأول مثلها وبيته:
لقد عَلِمتْ ربيعة أنّ
…
حبلك واهنٌ خلقُ
فقوله ((ربيعة أن)) هو العروض وقوله ((هنن خلقو)) هو الضرب، وزن كال منهما مفاعلتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ربيعة)) .
الضرب الثاني معصوب بالصاد المهملة، وبيته:
أعاتبها وآمرها
…
فتغضبني وتعصيني
فقوله ((وآمرها)) هو العروض، وقوله ((وتعصيني)) هو الضرب، كان مفاعلتن فعصب بإسكان اللام ثم نُقل إلى مفاعيلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((تعصيني)) . ويدخل هذا البحر من الزِّحاف العصب وهو حسن، والعقل وهو صالح، والنقص وهو قبيح. فبيت العصب:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه
…
وجاوزه إلى ما تستطيعُ
الأجزاء السباعية كلها معصوبة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ولم تستطع)) . ويحكى أن شخصاً سأل الخليل أن يقرأ عليه علم العروض، فأقام مدة يختلف إليها للقراءة ولم يحّصل شيئاً، فأعيى الخليل أمره، ولم ير أن يواجهه بالمنع حياءً منه، ففال له يوماً وقد حضر للقراءة: قطّع قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه
…
وجاوزه إلى ما تستطيعُ
ففطن الرجل إلى ما أراده الخليل رحمه الله فانصرف ولم يعد. وأنا أعجبُ لمن يفطن لمثل هذا كيف يصعب عليه فن العروض مع سهولته، والله مقدر الأمور. وبيت العقل:
منازلٌ لِفَرتْنا قفارٌ
…
كأنما رسومها سطورُ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سطور)) . وبيت النقص:
لسلامة دارٌ بحفيرٍ
…
كباقي الخلق السُّحْق قفارُ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((حفير)) . ويدخله في الجزء الأول من البيت العضبُ بالضاد المعجمة، والقصم، والعقصُ، والجمم، وكلها قبيح. فبيت العضب:
إنْ نَزَلَ الشتاءُ بدار قومٍ
…
تجنبَ جارَ بيتهم الشتاء
فقوله ((إنْ نزلشْ)) عضب بحذف ميمه فصار فاعلتن، فنقل إلى مفتعلن وأشار إلى هذاالشاهد بقوله! ((إن نزل الشتاء)) . وبيت القصم:
ما قالوا لنا سدداً ولكنْ
…
تفاحش أمرهم وأتوا بهجرِ
فقوله ((ما قالوا)) جزء اقصم عصب بحذف الميم، وعصب بإسكان اللام فصار فاعلتن، فنقل إلى مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((تفاحش)) وبيت العقص:
لولا ملكٌ رؤفٌ رحيمٌ
…
تداركني برحمته هلكتُ
جزؤه الأول وهو قوله ((لولام)) وزنه مفعول، كان مفاعلتن فعضب بحذف الميم ونقص بإسكان اللام وحذف النون فصار ((فاعلتُ)) فنقل إلى مفعول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لولا)) . وبيت الجمم:
أنت خير من ركب المطايا
…
وخيرهم أباً وأخاً وأمّا
الجزء وهو قوله ((أنت خىْ)) أجم، كان مفاعلتن فعضب بحذف الميم، وعُقل بحذف اللام، فصار ((فاعتن)) فنقل إلى فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خير من ركب المطا)) قلت: كان مقتضى اعتبار الترتيب في الوضع تقديم الجمم على العقص ضرورة أن التغيير فيه أقلّ، والأمر في ذلك سهل. ((تنبيهات)) الأول: أنكر الأخفش والمعري وطائفةٌ من العروضيين العقل في الوافر من أجل أن مفاعلتن انتقل بالعصب إلى مفاعيلن ومفاعيلن في سائر الشعر يتعاقب فيه الياء والنون فيكون إما مفاعيل وإما مفاعلن. لكنهم سوّغوا في مفاعيلن في الوافر أن يأتي على مفاعيل ولم يسوغوا فيه أن تأتي على مفاعلن لأنه فرع منقول عن أصل، فلم يسوّغوا فيه ما سوغوا فيما هو أصلٌ، وآثروا إبقاء الياء لأنها في محل اللام الساكنة بالعصب فكرهوا تغييرها. ثانياً: وهذا احتجاج ضعيف لا يلتفت إليه مع نقل الخليل عن العرب جواز ذلك. قال ابن بري: والصحيح إنكار العقل في المجزوء منه لئلا يلتبس بمجزوء الرجز، وهذا الالتباس محذور. قلت: فإذا وجد بيتٌ مربع على زنة مفاعلن، ولم يكن في القصيدة جزء وجد بيتٌ مربع على زنة مفاعلن، ولم يكن في القصيدة جزء على زنة مفاعلتن حكم بأن القصيدة من الرجز حملاً على ما هو الأخف، فإن مستفعلن في الرجز يصير مفاعلن بالخبن، وهو حذف ساكن، ومفاعلتن يصير مفاعلن في الوافر بالعقل وهو حذف متحرك، ولا شك أن حذف الساكن أخف من حذف المتحرك. ثم قال ابن بري: بخلاف معصوب المجزوء بالهزج. قلت: كأن عصب المجزوء عنده محذور، وأنه إذا وجد في القصيدة كلها ساغ حملها على كل واحدٍ من البحرين، ويؤيده ما قدمه قبل ذلك حيث قال: واعلم أنه متى دخل العصب في جميع أجزاء المجزوء فإنه يشبه الهزج، كقوله:
صفحنا عن بني ذهلٍ
…
وقلنا القومُ إخوانُ
لكنْ يقع الفرق بينهما بأن ننظر فإن كان في القصيدة جزء واحد على مفاعلتن فهي من الوافر، وإن لم يكن فيها ولا جزء واحد احتملت أن تكون من الوافر ومن الهزج. قلت: المرجح لحملها على الهزج قائم، لأن مفاعيلن فيه أصلي لا تغيير فيه ومفاعيلن في الوافر إنما يتصور بتغيير يرتكب فيه وهو العصب، وإذا كان كذلك فيحمل على ما هو بالمثابة التي ذكرتها على الهزج لا على الوافر، فتأمل التنبيه الثاني: إلتزم في الوافر أن يستعمل مقطوفاً لأنه شعر كثرت حركاته فاستثقلت فحذف من آخر عروضه وآخر ضربه تسهيلاً وتخفيفاً، وآثروا من الحذف ما بقي به الشعر عذب المساق لذيذ المذاق، وهو القطف. فإن قيل: فهلاّ! استثقلوا في الكامل ما استقلوا في الوافر لأن حركاتهما سواء إلا أنا وجدناهم آثروا الوافر بالحذف والتخفيف دون الكامل؟ فالجواب أن الكامل وقعت فيه الفاصلة مقدمة في جزئه وهو متفاعلن على الوتد، وهي أكثر حركاتٍ من الوتد، والوافر تاخرت فيه الفاصلة فكان جانب الحذف وهو آخر الجزء في الوافر أكثر حركاتٍ منه في الكامل. التنبيه الثالث: حكى الأخفش للوافر عروضاً ثالثة مجزوءة مقطوفة لها ضرب مثلها، وبيته:
عبيلةُ أنتِ همّي
…
وأنتِ الدهر ذكرى
ومثله:
فإن يهلك عبيدٌ
…
فقد باد القرونُ
ومثله:
أشاقك طيفُ مامه
…
بمكة أم حمامه
قال ابن بري: وهذه الأبيات لا دليل فيها لاحتمال أن تكون من مشكول المجتث كقوله:
أولئك خير قومٍ
…
إذا ذكر الخيار
قلت: هذا غلط ظاهر، فإنه إن تمّ له الاحتمال الذي أبداه فإنما يتم له في البيت الأخير فقط. وما قيله لا يتأتى فيه ذلك. ألا ترى أن قوله ((وأنتِ الدهرَ ذكرى)) لا يمكن أن يكون من المجتث بوجهٍ، وكذا البيت الثاني لا يتصور كونه من بحر المجتث أصلاً، والله الموفق للصواب.