المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ دلائل تهافت الدعوى الثانية: - الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم

[عبد الراضي عبد المحسن]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌المبحث الأول: حقيقة التنصير

- ‌مفهوم التنصير

- ‌خطورة التنصير في مجال القرآن الكريم

- ‌ضرورة مواجهته

- ‌المبحث الثاني: دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم

- ‌صرف الأنظار بعيدا عن القرآن

- ‌ موقف القرآن الكريم من كتب أهل الكتاب ومعتقداتهم

- ‌ إبطال المعجزة القرآنية

- ‌المبحث الثالث: تاريخ التنصيري ضد أصالة القرآن

- ‌أ-دور التأسيس (جدليات المشرقيين)

- ‌ب ـ الجدل البيزنطى

- ‌جـ ـ مرحلة الأندلس

- ‌هـ ـ مرحلة التنصير المؤسَّسِي

- ‌المبحث الرابع: مسالك الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم

- ‌المسلك الأول: ترجمة القرآن

- ‌المسلك الثاني: البحوث التنصيرية حول القرآن

- ‌المسلك الثالث: إصدار الدوريات والقواميس ودوائر المعارف المتخصصة

- ‌المسلك الرابع: ترويح المزاعم وإثارة الشبهات

- ‌المبحث الخامس: تفنيد مزاعم الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم

- ‌دلائل تهافت الدعوى الأولى

- ‌ دلائل تهافت الدعوى الثانية:

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌ دلائل تهافت الدعوى الثانية:

2 ـ‌

‌ دلائل تهافت الدعوى الثانية:

القصص القرآنى تكرار لقصص التوراة والإنجيل:

ص: 100

سبق القول بأن هذه الدعوى تفصيل للدعوى الأولى، وتحديد لمجمل مزاعمها، وتعيين القصص القرآني بأنه موضع الاقتباس والإفادة من قصص التوراة والإنجيل، ولن يجدي في رد هذه الشبهة سوى منهج نقد النصوص المقارن لإبراز جوانب التباين بين مرويات القصص القرآني ومنهجها، وبين القصص التوارتي والإنجيل.

وبواسطة هذا المنهج أمكن الوقوف على أربعة دلائل تتهافت معها دعوى تكرار القرآن لقصص التوراة والإنجيل، وهى:

الدليل الأول: اختلاف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل.

يختلف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل من عدة جوانب منها:

1 ـ مصدر القصص، حيث إن الذى يقصُّ في القرآن هو الله تبارك وتعالى (1) ، فهو المتكلم بالكلمة القرآنية، يقول تعالى:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} (يوسف/3)

ويقول تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً} (الكهف/13) .

أما في التوراة والإنجيل فالله تعالى متحدَّث عنه بطريق الحكاية لتعريف الناس به.

(1) التهامى النقرة، سيكولوجية القصة في القرآن، ص 80، الشركة التونسية للتوزيع. تونس 1974م.

ص: 101

2 ـ الخيال القصصي، بينما يقوم الخيال القصصي في التوراة والإنجيل بأكبر الأدوار في صياغة وتأليف قصصهما، وهو ما كشفت عنه دراسات حديثة تعد مرجعيات في هذا الباب، مثل دراسة: جيمس فريزر عن الفلكلور في العهد القديم (1) .

ودراسة: ((زينون كاسيدوفسكي)) عن الحقيقة والأسطورة في التوراة والتي لخّص فيها. مكانة الخيال والخرافة في القصص التوراتى، بقوله:((تناقل اليهود تراثهم الديني من جيل إلى جيل، وساهم الطابع الفلكلورى لنقل الروايات الحقيقية بتطعميها بكثرة من الخرافات والأساطير والأمثال والأقصوصات، جعلت من الصعب الآن التمييز بين الواقع والخرافة فيها)) (2) .

وكذلك الأمر فيما يخص العهد الجديد، مما حدا ((برودولف بولتمان)) أحد رواد مدرسة الأشكال الأدبية وتاريخ الأديان، إلى السعي نحو مشروع تطهير العهد الجديد من الأساطير حتى تكون له قيمة في الوقت الراهن، بقوله: ((تقف المسيحية اليوم أمام خيار عسير: فبمطالبتها الإيمان بعقائدها فإنها تشق على البشرية بإلزامها التسليم بقصص وخرافات أسطورية عفا عليها الزمن.

فإن كان هذا المطلب غير ممكن التحقيق ويترتب عليه التساؤل عما إذا كان العهد الجديد يتضمن ذاتية مستقلة عن عالم الأساطير! ؟

(1) جيمس فريزر، الفلكلور في العهد القديم، بترجمة نبيلة إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1973م.

(2)

زينون كاسيدوفسكي، الحقيقة والأسطورة في التوراة، ص 52، الأبجدية للنشر. دمشق 1990م.

ص: 102

فإن الواجب اللازم للباحث في الأديان تطهير الدعوة المسيحية من الأساطير تطهيراً كاملا، وليس جزئياً، فإما أن يقبل المرء الأساطير أو يرفضها كلية)) (1) .

أما القرآن الكريم فلا يعرف الخيال القصصي طريقاً إلى مادة مروياته، حيث يلجأ القرآن في قصصه إلى الاحتكام لمعياره النقدي في الأخبار:{إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} (الحجرات/6) .

فهو يطالب قارئ قصصه بتلمس دلائل واقعيتها وصدقها التاريخي في آثارها الماثلة للعيان: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (آل عمران/137) .

وقد وقف الأثريون على آثار القصص القرآني الشاهدة على الصدق التاريخي، مثل آثار سيل العرم الذى هدّم سد مأرب باليمن، فلازالت آثار الجنتين الواقعتين عن يمين السد وشماله ماثلة حتى اليوم تؤكد صحة قصة سبأ:{لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} (سبأ/15ـ21) .

وكذلك اكتشف علماء الآثار النقوش الثمودية في أرض تبوك ومدائن صالح وتيماء ولازالت مزاراً سياحياً حتى اليوم (2) .

ولذلك يصف القرآن قصصه بأنه: {أَحْسَنَ الْقَصَصِ} (يوسف/3)، لما توافر له من علم ومعاينة: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا

(1) Rudolf Bultmonn ، Neues Testament und MyThologie ، S: 21 ، in: Kergma und MyThos، Hrsg. von: Hans - Werner Hamburg 1960.

(2)

سيدة إسماعيل كاشف، مصادر التاريخ، ص 16.

ص: 103

غَائِبِينَ} (الأعراف/7)، وما اتسم به من حقيقة وصدق:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} (آل عمران/62) .

3 ـ التشخيص البياني، وهو التعبير بالصورة المحسوسة المتخيلة عن المعانى الذهنية والحالات الشعورية والمشاهدات والأحداث الحقيقية، وهذا النهج التشخيصي هو الأداة المفضلة في القصص القرآني. يقول سيد قطب:

((إن التعبير القرآني يتناول القصة بريشة التصوير المبدعة التى يتناول بها جميع المشاهد والمناظر التى يعرضها فتستحيل القصة حادثاً يقع ومشهداً يجرى لا قصة تروى ولا حادثاً قد مضى)) (1) .

4 ـ التصريح والتلميح، في الوقت الذى يهتم القرآن بإبراز أدق التفاصيل النفسية والشعورية لأشخاص قصصه، فإنه يكتفي بذلك التشخيص معرضاً عن التصريح بالأسماء كما في قصة ((العبد الصالح)) ((الفتى)) مع موسى، وكما في قصة ثمود {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} (الشمس/12) ، وكما في مؤمن آل فرعون.

وقد يكون هذا التلميح إلى جانب ملاءمته للمنهج القصصي الذى يهتم بإبراز الحدث وقيمته ومغزاه لكونه الهدف من القصّ، فإنه يناسب طبيعة التشريع الإسلامي فيما يخصُّ أسماء النساء مثلا: امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون، وكذلك زوجة إبراهيم هاجر وسارة، وأسماء زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، والمجادلة في زوجها (2) .

(1) سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، ص 156، دار المعارف، القاهرة 1966م.

(2)

حسين علي محمد، القرآن ونظرية الفن، ص 112، القاهرة 1413 هـ ـ 1992م.

ص: 104

5 ـ التجريد الزماني والمكاني، حيث لا يحدد القرآن زمن الحدث أو مدته أو مكانه إلا ما كان محورياً في الحدث أو مسرحاً له كمصر في قصة يوسف، أو المسجد الحرام والمسجد الأقصى في الإسراء والمعراج، أو مدة رسالة نوح، أو مدة لبث أهل الكهف في نومهم، أو المدة التي أماتها الله للمارّ على القرية الخاوية (1)

وترجع أسباب التجريد في الزمان والمكان في قصص القرآن إلى أمرين:

أولهما: عناية القصة بالحدث وتقرير الحقائق الدائمة المستقلة عن الأشخاص، والتي يمكن الإفادة من حكمتها ومغزاها في كل زمان ومكان بما يتلاءم مع عالمية رسالة القرآن واستمرارها، فما الأشخاص في القصص القرآني والحال كذلك إلا أمثلة لتلك الحقائق المقصودة لذاتها (2) .

الثانى: تحقيق الإيجاز غير المُخِلّ (3) .

6 ـ التنويع بين الإجمال والتفصيل، ففي مواضع: التحذير من العناد والتكذيب والإصرار على الباطل، والتخويف من مصائر المكذبين، يكون الإيجاز والفواصل القصيرة دون ذكر للأسماء أو للمحاورات (4)، فيورد القرآن ـ مثلا ـ في تسع آيات من سورة الفجر ثلاث قصص لمكذبي الرسل تشمل أعمالهم وعقابهم. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ

(1) التهامى نقرة، سيكلوجية القصة في القرآن، ص 97. مرجع سابق.

حسين علي محمد، القرآن ونظرية الفن، ص 113. مرجع سابق.

(2)

سيد قطب، في ظلال القرآن (2 / 217) ، دار الشروق. القاهرة 1402 هـ ـ 1982 م.

(3)

عبد الجواد المحص، أدب القصة في القرآن الكريم، ص 255، الدار المصرية بالاسكندرية 1420هـ ـ 2000م.

(4)

التهامى نقرة، سيكلوجية القصة في القرآن، ص 91.

ص: 105

فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} (الفجر/6ـ14) . وهذا مالا نظير له في التوراة أو الإنجيل.

7 ـ عاقبة القصص، يأتى ختام القصة في القرآن بعكس ختام قصص التوراة والإنجيل حيث تختم القصة مع نهاية السفر أو الإصحاح، ففي قصة يوسف مثلا يفترض أن تكون الخاتمة في لقاء يوسف بأبيه يعقوب الذى صورته التوراة على النحو التالى:((فشد يوسف مركبته وصعد لاستقبال إسرائيل أبيه إلى جاسان، ولما ظهر له وقع على عنقه وبكى على عنقه زماناً. فقال إسرائيل ليوسف أموت الآن بعد ما رأيت وجهك أنك حىّ بعد)) (1) .

وعلى الرغم من أن عبارة يعقوب لم تمس سبب العقدة الأصلية في القصة وهى رؤيا يوسف وتآمر إخوته عليه، فإن القاصّ في التوراة يكمل الأحداث بعد هذا اللقاء ليصف لقاء يعقوب بالفرعون، والمكان الذي أقطعه لبني إسرائيل، ومرض يعقوب وموته.

أما ختام القصص في القرآن فيكون غالباً في شكل عبرة، أو عظة، أو حكمة، أو تقرير موجز (2)، كما في قصة السامري مع العجل:{إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} (طه/98) ، وفي قصة

(1) سفر التكوين (46 / 29 ـ 30) .

(2)

حسين محمد علي، القرآن ونظرية الفن، ص 113، مرجع سابق.

ص: 106

أهل الكهف: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} (الكهف:26)، وفي قصة يوسف:{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (يوسف:100)، وفي قصة مريم وابنها المسيح:{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (مريم/34 ـ 35) .

الدليل الثاني: تباين أهداف القصص في القرآن والتوراة والإنجيل

تختلف أهداف القصة في التوراة والإنجيل عنها في القرآن، وذلك على النحو التالى:

أـ أهداف القصة في التوراة والإنجيل.

يمثل العهد القديم والجديد سجلا تاريخياً لحياة الشعب الإسرائيلى والنصراني، فهو كتاب تاريخ وتأريخ للاعتقاد والرؤساء والأنساب والتقاليد والنظم الاجتماعية والعلاقات الشخصية؛ لذلك جاءت عناوين الأسفار ملخّصة لمضمون تاريخها، مثل سفر التكوين الذى يؤرخ لبدء الخليقة، وسفر الخروج الذى يؤرخ لخروج اليهود من مصر، وسفر العدد الذى يحصي أعدادهم، وسفر اللاويين الذى يؤرخ لأحكام الكهنة من بني لاوي، وسفر التثنية الذى يعيد الأحكام والفروض والوصايا.

ولما كان الهدف من الكتابين التأريخ جاءت القصص فيهما في إطار الهدف العام، فجاءت سردية تأريخية متنوعة ما بين التأريخ للأنساب كما في

ص: 107

الإحصاءات التى يقوم بها العهد القديم لأعداد بني إسرائيل الداخلين إلى مصر والخارجين منها والداخلين إلى فلسطين والمهجّرين منها.... إلخ.

وكذلك التأريخ لنسب المسيح كما في شجرتي النسب الشهيرتين لدى متى ولوقا في العهد الجديد.

وما بين التأريخ للسير الذاتية والتيارات الأدبية، كما في خطابات بولس الشخصية لأصدقائه. تيموتاوس (1) ، فيلمون (2) ، وكما في التأريخ لقصائد داود في المناسبات المختلفة (3) .

وما بين القصص التأريخي للأحداث، مثل إنجيل لوقا الذى يصرح مؤلفه أن قصصه تأريخ لأحداث جرت بذكرها الألسنة. يقول لوقا: ((إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدّاما للكلمة.

رأيت أنا أيضا إذ قد تتبَّعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالى إليك أيها العزيز ثاوفيلس؛ لتعرف صحة الكلام الذى عُلِّمْتَ به، كان في أيام هيرودس ملك اليهودية)) (4) .

وفي سفر أعمال الرسل يخبر الكاتب أن قصصه تكملة لمشروع القصص التأريخى الذى بدأه في كتابه إلى ثاوفيلس وتوقف فيه عند رفع المسيح (5) .

(1) العهد الجديد، رسالة بولس الأولى إلى تيموتاوس.

العهد الجديد، رسالة بولس الثانية إلى تيموتاوس.

(2)

العهد الجديد، رسالة بولس إلى فيلمون.

(3)

العهد القديم، سفر المزامير، مزمور رقم: 45، 52، 54، 85، 89.

وانظر: سفر الأمثال، الإصحاح الأول.

(4)

إنجيل لوقا (1 / 1 ـ 5) .

(5)

العهد الجديد، سفر أعمال الرسل (1 / 1 ـ 9) .

ص: 108

وربما يكون هذا الهدف التأريخي أحد أهم أسباب مجيء القصص التوراتى والإنجيلي سردياً بارداً غير مؤثر وجدانيا في المتلقي أو مشوق له.

ص: 109

ب ـ أهداف القصص القرآني

القصص القرآني ليس مسوقاً لذاته، بل لأجل غايات وأهداف كثيرة يمكن إدراكها بالتفكير والتأمل في القصص؛ لقوله تعالى:{فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الأعراف/ 176) . ومن هذه الأهداف:

1 ـ الاستدلال على التوحيد، وهو من أهم أهداف القصص القرآنى، كما في قصص إبراهيم مع قومه، ونوح مع قومه، وموسى مع فرعون.... إلخ.

2 ـ تثبيت الرسول والمؤمنين على الحق الذي يدعون إليه رغم ما يلقونه من مشقة ويتكبدونه من تضحيات، قال تعالى:{وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} (هود/120) .

3 ـ الحكم والفصل في مواضع الاختلاف والتضارب في قصص التوراة والإنجيل، قال تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (النمل/76) ، ولعل هذا الهدف الذي حدده القرآن لقصصه أبلغ رد وأوقع دليل على تهافت دعوى الجدليات التنصيرية بأن القرآن تكرار للقصص في التوراة والإنجيل؛ لأنه يتضمن التفسير المقنع لمواضع التشابه بين القصص القرآني وقصص الكتب السابقة، فما جاءت به الكتب السابقة في مقام ادعاء المدعي، أما قصص القرآن فهو حقيقة الحدث الذي جرى يحكيه القاضي الفاصل في دعوى المدّعي، مبيِّنا به وجه الخطأ والصواب في مزاعم الادعاء ومقرراً الحقيقة التاريخية في الحدث لكل العالمين.

ص: 110

4 ـ العظة والاعتبار، قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (يوسف:111)، ويمكن القول إن معظم قصص القرآن يُقصد به العظة والاعتبار من باب: إما قياس الطرد وإما قياس العكس، فما يحيق بالمشركين وبمخالفي الرسل هو جزاء كل من جاء بمثل فعلهم، أما من جاء بعكس فعلهم فله عكس جزائهم.

ولذلك حينما يورد القرآن قصص الفساد الأخلاقي لدى الأمم السابقة، يقرن ذلك بما تلاه من جزاء ومصير ناله المفسدون، ويصدّر ذلك بطلب النظر والتأمل في التلازم بين الذنب والعقاب للاعتبار والتخويف. يقول تعالى عقب قصة قوم لوط:{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} (الأعراف/84) .

ويعقّب القرآن على قصة ثمود بالترهيب من جزاء من يفعل السيئات مثلهم، وبالترغيب في ثواب من آمن واتقى من قوم صالح. قال تعالى:{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (النمل/51ـ53) .

5 ـ الحجة والإقناع، وذلك بإيراد القصة المناسبة للموقف بما تتضمنه من حوار تبرز فيه دعاوى المخالفين القدامى ضد أنبيائهم، ثم تأتى ردود الأنبياء الإقناعية وكأنها ردود من النبي محمد صلى الله عليه وسلم على قومه أو ردود من كل داعية إلى الإسلام على مخالفيه في كل زمان ومكان، من ذلك مثلا الحوار الذي جرى بين نوح وقومه. قال تعالى: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ

ص: 111

الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} (هود /31) .

6 ـ إظهار قدرة الله المطلقة، وذلك في باب الخلق من عدم كقصة خلق آدم، أو الخلق من أم بلا أب كقصة مريم وابنها المسيح عيسى، أو إثبات القدرة على إحياء الموتى كقصة إبراهيم مع الطير، أو البعث والنشور كقصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.

الدليل الثالث: القصص الذي انفرد به القرآن

يعد هذا الدليل من أبرز أدلة ((نقد النص)) وأهمها في بيان تهافت دعوى تكرار القرآن لقصص التوراة والإنجيل، بسبب كون المصدر المزعوم الإفادة منه يفتقد مادة المرويات القصصية ويجهل كل شىء عنها، وذلك في حالة القصص الكاملة التي انفرد بها القرآن، ويزيد الأمر قوة في الإثبات والإفحام عندما تتعلق المرويات ببعض التفاصيل الدقيقة التي أتى بها القرآن في القصص المتناظرة مما لم تذكره كتب العهدين.

ومن القصص الذي انفرد به القرآن ما يلى: ـ

أـ القصص الكاملة

مثل قصص: صالح، هود، شعيب، الخضر، ذى القرنين.

ص: 112

ب ـ تفاصيل دقيقة في القصص المتناظر انفرد بها القرآن أو خالف فيها كتب التوراة والإنجيل مثل (1) :

1 ـ ما جاء في القرآن الكريم من أمر الله الملائكة بالسجود لآدم وامتناع إبليس عن هذا السجود.

2 ـ ما ورد في القرآن الكريم من قصص الخليل عليه السلام مع قومه وتحطيمه لأصنامهم ونظرته في النجوم، وحجاجه مع قومه، ومحاولتهم إحراقه في النار، وإسكانه بعض ذريته عند بيت الله الحرام، واشتراكه هو وابنه إسماعيل في رفع القواعد من البيت وبناء الكعبة.

3 ـ ما قصه علينا القرآن الكريم من محاورة بين نوح وابنه الكافر، وعدم ركوب هذا في السفينة وغرقه، ومحاورة نوح مع الله في ذلك.

4 ـ ما قصه علينا القرآن الكريم من تمزيق امرأة العزيز قميص يوسف، وحديث النسوة ودعوة امرأة العزيز إياهن وتقطيعهن أيديهن.

5 ـ ما قصه القرآن الكريم عن خبرة سحرة فرعون والتقام العصا التي انقلبت حية لحبالهم وعصيهم وسجودهم وإيمانهم برب هارون وموسى، ومحاورتهم مع فرعون.

6 ـ الشخص الثاني الذي أراد سيدنا موسى عليه السلام أن يبطش به من عدوه، في حين أن العهد القديم يدعى أن هذا الشخص عبراني.

7 ـ السامرى الذي صنع العجل لبني إسرائيل في حين أن التوراة تذكر أنه هارون عليه السلام.

(1) عبد الجواد المحص، أباطيل الخصوم حول القصص القرآني، ص 46 ـ 48، الدار المصرية. الاسكندرية 1420هـ ـ 2000م.

ص: 113

8 ـ ما قصه القرآن الكريم عن الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، ودافع عن موسى حين هموا بقتله، وذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى فنصح موسى بالخروج من أرض مصر.

9 ـ القرآن الكريم يذكر أن بنات الشيخ المدْيَني اثنتان، في حين أن التوراة تذكر أنهن سبع.

10 ـ ما ورد في القرآن الكريم من محاورة بين فرعون وهامان لأجل بناء صرح ليطلع إلى إله موسى.

11 ـ ما جاء في القرآن الكريم من خبر أمر موسى قومه بذبح بقرة ومحاورته معهم.

12 ـ أمر الله لقوم موسى بدخول الباب سجداً ومخالفتهم لهذا الأمر.

13 ـ قصة أصحاب السبت ومسخهم قردة بعد أن اعتدوا فيه.

14 ـ ما قصه القرآن الكريم من تسخير الله الشجر والطير والحديد لداود عليه السلام.

15 ـ تسخير الجن والريح لسليمان عليه السلام.

16 ـ قصة الهدهد، وكتاب سليمان لملكة سبأ وإسلامها وإحضار عرشها بلمح البصر من قبل الذي عنده علم الكتاب.

17 ـ كلام عيسى في المهد.

18 ـ صنع عيسى من الطين كهيئة الطير وصيرورته طيراً بإذن الله.

19 ـ قصة المائدة.

ص: 114

الدليل الرابع: نتائج المقارنة بين القصص المتناظر في القرآن والتوراة والإنجيل

لا شك أن المقابلة بين نصوص القصص القرآني ونصوص القصص في التوراة والإنجيل تعدُّ معياراً موضوعياً في بيان تهافت مزاعم الجدليات التنصيرية بتكرار القصص القرآني لقصص العهد القديم والجديد، وذلك لما يكشف عنه هذا المنهج المقارن للنصوص من اختلافات وفوارق تفصيلية وجوهرية بين متون القصص في الكتب الثلاثة، مما يحسم بشكل جليّ وقاطع أمر الاقتباس والمتابعة، وذلك في ضوء الاعتبارات التالية:

1 ـ تكرار المقتبس لأخطاء مصادره.

2 ـ وقوع المقتبس في الخطأ عند محاولته مخالفة المصدر الأصلي، نظراً لبعد المدة الزمنية التي تفصله عن الأحداث مع قرب المصدر زمنياً من تلك الأحداث، بل وافتراض معايشته لبعضها.

فإذا ما أضيف إلى تلك الاعتبارات بُعْد موضوعي آخر يتمثل في الاسترشاد بمقررات العلوم ونتائج مكتشفات علماء الحفريات والآثار فيما يخص مرويات القصص المتعلقة بالحقائق الكونية أو التاريخية. فإنّ جوانب الموضوعية ولوازم المنهجية العلمية ودواعي الإفادة تكون قد توفرت في ذلك النهج.

فإن قادت نتائجه إلى أن القصص القرآني قد خالف القصص التوراتي والإنجيلي في تفصيلات دقيقة، وأن مقررات العلوم: الطبيعية والفيزيائية والإنسانية والأثرية، قد وافقت التفصيلات القرآنية بينما خطّأت الروايات

ص: 115

التوراتية والإنجيلية، فسوف يكون ذلك أنصع برهان علمي على تهافت مزاعم الجدل التنصيري حول القصص القرآني خاصة، وحول أصالة القرآن عامة.

وسوف تكون المقابلة بين القصص القرآني والقصص في التوراة والإنجيل، حول القصص التالية: ـ

أـ رواية خلق العالم

جاءت قصة خلق العالم في التوراة في روايتين من سفر التكوين، أولاهما تسمى الرواية الكهنوتية التي كتبت بواسطة الكهنة في عصر المنفي، والثانية رواية (يهوية) ، أى من بين النصوص التوراتية التي تستخدم لفظ (يهوه) للتعبير عن اسم الإله، وهى أقدم تاريخياً من الرواية الأولى وإن جاءت في النصوص تالية لها، على النحو التالى (1) : ـ

الرواية الأولى

((في البدء خلق الله السموات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن، وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهارا والظلمة دعاها ليلا. وكان مساء وكان صباح يوما واحدا.

(1) سفر التكوين (1/1 ـ 2/ 9) .

ص: 116

وقال الله ليكن جلد في وسط المياه. وليكن فاصلا بين مياه ومياه. فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك. ودعا الله الجلد سماء. وكان مساء وكان صباح يوما ثانياً.

وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة. وكان كذلك. ودعا الله اليابسة أرضاً. ومجتمع المياه دعاه بحارا. ورأى الله ذلك أنه حسن. وقال الله لتنبت الأرض عشبا وبقلا يبزر بزرا وشجرا ذا ثمر يعمل ثمرا كجنسه بزره فيه على الأرض. وكان كذلك. فأخرجت الأرض عشباً وبقلاً يبزر بزرا كجنسه وشجرا يعمل ثمرا بزره فيه كجنسه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يوماً ثالثاً.

وقال الله لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل. وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين. وتكون أنوارا في جلد السماء لتنير على الأرض. وكان كذلك. فعمل الله النورين العظيمين. النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل. والنجوم وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يوماً رابعاً.

وقال الله لتفض المياه زحّافات ذات نفس حية وليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء. فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وباركها الله قائلا أثمري وأكثري واملأي المياه في البحار. وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح يوماً خامساً.

ص: 117

وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها. بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها. وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها. ورأى الله ذلك أنه حسن. وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكر وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم أثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض. وقال الله إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزرا على وجه الأرض وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزرا. لكم يكون طعاماً. ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية أعطيت كل عشب أخضر طعاماً. وكان كذلك.

ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً. وكان مساء وكان صباح يوماً سادساً.

فأكملت السموات والأرض وكل جندها. وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه. لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقا.

ص: 118

الرواية الثانية

هذه مبادئ السموات والأرض حين خلقت. يوم عمل الرب الإله الأرض والسموات كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض وكل عشب البرية لم ينبت بعد. لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض. ولا كان إنسان ليعمل الأرض. ثم كان ضباب يطلع من الأرض ويسقى كل وجه الأرض. وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض. ونفخ في أنفه نسمة حيوة. فصار آدم نفسا حية. وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً. ووضع هناك آدم الذي جبله. وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل)) .

أما رواية خلق العالم في القرآن فلم تأت مجتمعة في مكان واحد شأن غيرها من القصص القرآني، وإنما جاءت متضمنة في نقاط أساسية هى:

1 ـ خلق السموات والأرض في مراحل ستة، قال تعالى:

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} سورة ق / 38.

2 ـ تداخل مراحل خلق السموات مع مراحل خلق الأرض: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ

ص: 119

سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (فصلت/9ـ12) .

3 ـ خلق الكون من كومة أوليّة فريدة متماسكة. قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} (الأنبياء/30) .

4 ـ تعدد السموات والكواكب التي تشبه الأرض: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} (الطلاق/12) .

5 ـ خلق عالم وسيط بين السموات والأرض. قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} (الفرقان/59)، ويقول تعالى:{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} (طه/6) .

وتتفق الرواية القرآنية مع الرواية التوراتية في مسألتين فقط:

1 ـ عدد أدوار الخلق الستة.

2 ـ جعل النجوم مصدر النور.

أما وجوه الاختلاف فكثيرة يمثل كل منهما خطأ علمياً وقعت فيه الرواية التوراتية، وتأكيداً علمياً على صحة الرواية القرآنية، وهذه الوجوه هي:

1 ـ انفراد القرآن ببيان كيفية نشأة الكون من الكتلة الأولية التي تفتقت بفعل انفجار كبير يطلق عليه العلم الحديث نظرية الانفجار العظيم ((The Big Bang)) (1) .

(1) كارل ساغان، الكون، ص 124، سلسلة عالم المعرفة (178) ، وزارة الإعلام بالكويت.

ص: 120

2 ـ المراحل الست في القرآن مراحل زمنية مديدة وليست ستة أيام بشرية بحساب تعاقب شروقين أو غروبين، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} (السجدة/4ـ5) .

وهذا ما يؤكده علماء الفيزياء الكونية من أن انفصال الأرض عن الشمس كان منذ خمسة الآف مليون سنة تقريبا، وأن الأرض ظلت مئات الألوف من السنين كى يبرد سطحها (1) .

ويقابل هذا المفهوم القرآنى لمراحل الخلق الستة حصر توراتى خاطئ للمراحل الست في ستة أيام بشرية تبدأ بالأحد وتنتهى بالجمعة ويعقبها يوم السبت المقدس يوم الراحة الذي استراح الله ـ تعالى ـ فيه من عملية الخلق، وباركه وقدسه.

ويفسر جيمس فريزر عالم الديانات المقارنة الشهير أسباب وقوع الرواية التوراتية في هذا الخطأ العلمي الشنيع، بأن رواية خلق العالم في التوراة لم تكن سوى تمهيد من الكهنة لخلع القداسة على يوم السبت يوم العبادة والراحة لدى اليهود (2) . وكان المصدر الذي استقى منه الكهنة تقديس اليوم السابع من أيام الخلق هو ملحمة خلق العالم البابلية (انوما ايليش)(3) .

(1) A. K. Wells ، Outlines of geoloical History ، pp. 3 - 37 ، London 1938.

وانظر كارل ساغان، الموضع السابق.

(2)

جيمس فريزر، الفلكلور في العهد القديم (1 / 108) مرجع سابق.

(3)

زينون كاسيدوفسكى، الواقع والأسطورة في التوراة، ص 23، الأبجدية للنشر. دمشق 1990م.

ص: 121

وقد ترتب على هذا الخطأ في رواية الخلق التوراتية خطأ آخر وقعت فيه روايات العهد القديم وكذلك العهد الجديد كما يبدو في تصور إنجيل لوقا لشجرة أنساب المسيح، ألا وهو حساب عمر الإنسان على الأرض بأنه بدأ في التاسعة صباح يوم الثالث والعشرين من شهر تشرين الأول عام 4004 قبل الميلاد (1) . أى قبل ستة الآف سنة من عامنا هذا.

3 ـ إشارة القرآن إلى حالة غازية في بداية عملية الخلق {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصلت/11) .

وهى تتطابق مع معطيات العلم الحديث (2) .

4 ـ وجود العوالم الوسطية التي أخبر القرآن بخلقها بين السموات والأرض يسميها العلم الحديث بالبواقى أو المادة الكونية المنتشرة بين النجوم، ويصفها بأنها ذات كتل هائلة (3) .

5 ـ اشتمال رواية العهد القديم ـ منفردة ـ على الأخطاء التالية (4) : ـ

ـ الإشارة إلى وجود المياه في المرحلة الأولى من مراحل الخلق.

ـ ذكر النور في اليوم الأول قبل أن تخلق النجوم.

ـ ذكر الليل والنهار في اليوم الأول قبل وجود الأرض ودورانها حول الشمس

(1) السابق، ص 24.

(2)

موريس بوكاي، القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 171 ـ 172.

(3)

السابق، ص 170 ـ 171.

(4)

السابق، ص 41 ـ 45.

ص: 122

ـ وجود العالم النباتي في اليوم الثالث قبل خلق الشمس في اليوم الرابع.

ـ خلق الشمس والقمر بعد خلق الأرض، وذلك يناقض المعلومات الأساسية عن تشكل النظام الشمسي.

ـ الإشارة إلى عالم الحيوان والطيور في اليوم الخامس مع أن وجود الطيور تال لوجود عالم الحيوان.

ب ـ الطوفان:

تتفق رواية القرآن لقصة الطوفان مع رواية التوراة في العناصر التالية: ـ

1 ـ أسباب السيل (الأمطار الغزيرة وتفجر عيون الماء من الأرض) .

2 ـ صنع نوح لسفينة النجاة.

3 ـ حمل بعض البشر وبعض الحيوانات والطيور في سفينة النجاة.

وتختلف الروايتان في أمرين جوهريين: ـ

الأول: حجم الطوفان

يأتى الطوفان في القرآن عقاباً خاصاً لقوم نوح شأن غيرهم من مكذّبى الرسل: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً} (الفرقان/37)

أما في التوراة فإن الطوفان عقاب عالمي لكل البشرية. يقول سفر التكوين:

((فقال الله لنوحٍ نهاية كل بشر قد أتت أمامي لأن الأرض امتلأت ظلماً منهم، فها أنا مهلكهم مع الأرض. اصنع لنفسك فلكا فها أنا آتٍ

ص: 123

بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما في الأرض يموت)) (1) .

وهذا التدمير الشامل للأرض كما تحكيه التوراة غير مقبول من الناحية التاريخية، فبحسب تقويم العهد القديم يرجع تاريخ الطوفان إلى القرن الحادي أو الثاني والعشرين قبل الميلاد وهو يقابل تاريخ وجود الأسرة الحادية والعشرين من أسر الفترة الوسطى في مصر (2) .

ومن الناحية العلمية فإن القول بوقوع تدمير شامل للكرة الأرضية يتعارض مع أبسط مبادىء الجيولوجيا (3) .

لذلك يفسره جيمس فريزر بأنه مناسبة خلقها الكهنة لإقامة عهد بين الرب وفئة الناجين المنتقاة حسب الشروط الكهنوتية (4) .

الثاني: موقع الطوفان

تحدد التوراة مكان استقرار سفينة نوح: ((في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط)) (5) .

وجبال أراراط تقع في تركيا كما توضح ذلك خريطة الشرق الأوسط في العهد القديم الملحقة بالبحث (6) .

(1) سفر التكوين (6 / 13 ـ 17) .

(2)

موريس بوكاي، ص 53 ـ 54، مرجع سابق.

(3)

جيمس فريزر، الفلكور في العهد القديم (1 / 92) مرجع سابق.

(4)

السابق (1 / 108) .

(5)

سفر التكوين (8 / 4) .

(6)

ملحق رقم (1) .

ص: 124

أما القرآن فيحدد استقرار السفينة على ((الجودى)) وهو اسم جبل يقع في الموصل بالقرب من التقاء نهرى دجلة والفرات غير بعيد من مدينة ((أور)) عاصمة السومريين القديمة.

وذلك ما أكدته الاكتشافات الكبيرة لعالم الآثار الإنجليزى ليونار وولى الذي اكتشف مدينة أور وتحت مقابر ملوكها اكتشف طبقة من الطمي النهري سمكها ثلاثة أمتار، وتحتها آثار عمرانية لجماعة بشرية عاشت في زمن سحيق وأغرقها سيل مائي هائل، وبعد أن انحسرت مياهه جاءت بلاد الرافدين موجات بشرية أخرى سكنت المكان وهم السومريون (1) .

جـ ـ قصة يوسف:

قصة يوسف هى القصة القرآنية الوحيدة التي جاءت في مكان واحد من سورة تحمل اسم النبي يوسف بن يعقوب عليهما السلام؛ لذلك يسهل وضعها بالتوازي في مقابلة القصة التوراتية للوقوف على وجوه تباين التفاصيل بين القصتين. وذلك من خلال الجدول التالي (2) : ـ

(1) زينون كاسيدوفسكى، الواقع والأسطورة في التوراة، ص 26.

(2)

مالك بن نبى، الظاهرة القرآنية، ص 240 ـ 241.

ص: 125

ويكشف جدول التفاصيل السابق عما يلي من وجوه تباين واختلاف بين رواية القرآن ورواية العهد القديم (1) :

1 ـ القرآن يضع القصة في إطار ديني تنفذ منه أشعة روحية إلى النفس ببيان العبرة التربوية والأخلاقية التي من أجلها أنزل الله القصة.

أما العهد العتيق فقد وضع القصة في إطار عائلي، يحمل طابع السرد التاريخي المجرد، دون أن يشير إلى ما وراء الأحداث من عظات.

2 ـ يذكر القرآن الكريم أن إخوة يوسف تضايقوا من حب والدهم له ولأخيه، ولم تشر التوراة إلى الأخ بشيء.

3 ـ رؤيا يوسف التي قصَّها على أبيه كما في النص القرآني تتلخص في أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين والذي في التوراة أن يوسف رأى قبلها رؤيا، فقد رأى أنه وإياهم يحزمون حزماً في الحقل في الصحراء، فإذا حزمته قامت وأحاطت بحزم إخوته فسجدت لحزمته حزمهم فقال له إخوته: ألعلك تملك علينا ملكاً؟ أم تتسلط علينا تسلطاً؟ وازدادوا بغضا له من أجل أحلامه ومن أجل كلامه.

وأما الرؤيا الثانية فهي كما في القرآن من حيث المضمون ولكن يوسف قصها على أبيه وإخوته، ولم يعلق الإخوة ولكن الأب انتهره

(1) أحمد نوفل، سورة يوسف: دراسة تحليلية، ص 60 ـ 66، دار الفرقان. عمّان 1409هـ ـ 1989م.

ص: 128

وقال له: ما هذا الحلم الذي حلمت؟ هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض؟

3 ـ لم تذكر التوراة أن الإخوة تفاوضوا على قتل يوسف، أو أنهم راودوا أباهم لإخراجه معهم، ولكن الأب يرسل يوسف لينظر سلامتهم وسلامة الغنم ثم يرد لأبيه الخبر فذهب إليهم، وعندما رأوه تفاوضوا في شأنه.

4 ـ تآمر إخوة يوسف عليه إما قتلا أو طرحاً أو إلقاء في الجب هكذا في القرآن، والذي في التوراة أن أحد الإخوة راؤبين استبعد فكرة القتل وأشار بالطرح في البئر التي في البرية، لا لتلتقطه السيارة، ولكن ليغافلهم ويستخرجه من البئر ليعيده إلى أبيهم.

5 ـ في القرآن أن إخوة يوسف جاءوا على قميص أخيهم بدم كذب وجاؤوا أباهم وقت العشاء يبكون أخاهم فأجابهم بما نعلم، والذي في التوراه أنهم لم يجيئوا إلى أبيهم بل أرسلوا القميص الملون المغموس بالدم وأحضروه لأبيهم بواسطة الرسول الذي أرسلوه.

6 ـ في القرآن أن يعقوب تجلد للمصاب الجلل وما زاد على أن قال كلمات نورانية سامقة: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ومثل هذا الموقف الرجولي الإيماني الرفيع هو اللائق بالنبي الكريم.

وأما التوراة فتقول: ((فمزق يعقوب ثيابه ووضع مسحاً على حقويه وناح على ابنه أياماً كثيرة)) .

7 ـ في التوراة استطراد عن زنى أحد الأسباط بكنته!! ولا علاقة قطعاً بين الخبر المحشور في السياق وبين القصة.

ص: 129

8 ـ ليس في التوراة من قول العزيز لامرأته أكرمي مثواه، بل تقفز مباشرة إلى قول المرأة ليوسف عندما دخل بيتها الخاص ورفعت عينيها إليه وقالت: اضطجع معي. وليس في التوراة ذكر تعرض المرأة له بالمراودة غير ما ذكر ولا تغليق الأبواب ولا قد الثوب ولا استباق الباب، ولكن فيها أن المرأة أمسكت بثوب يوسف فتركه عندها وخرج.

9 ـ ليس في التوراة قصة الشاهد على روعة مغزاها، وليس فيها خبر النسوة على الرغم من دوره في النسيج القصصي، ولكن الذي في التوراة بعد أن حمي غضب العزيز أنه أخذ يوسف ووضعه في بيت السجن.

10 ـ في التوراة أن رؤيا الملك حصلت بعد سنتين من خروج الساقي.

11 ـ وبالنسبة لمجيء إخوة يوسف إلى مصر فإن التوراة تذكر أن يوسف حبسهم وسلك معهم مسلك إعنات حتى يأتوه بأخيهم وقال لهم: جواسيس أنتم. لتروا عورة الأرض جئتم. بهذا تمتحنون وحياة فرعون لا تخرجون من هنا إلا بمجيء أخيكم الصغير.

12 ـ ختام القصة، حيث تقول التوراة بعد أن ذكرت موت يعقوب ودفنه:((واستحلف يوسف بني إسرائيل قائلاً: الله سيفتقدكم فتصعدون عظامي من هنا، ثم مات يوسف، وهو ابن مئةٍ وعشر سنين وحنطوه ووضع في تابوت في مصر)) ، هكذا تنتهي القصة في التوراة بخاتمة ميتة فنياً.

ولكن جاءت الخاتمة الفنية في القرآن الكريم مناسبة ومعبّرة: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً.... رَبِّ قَدْ

ص: 130

آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}

أما وجوه الاختلاف ذات الصلة بالناحية العلمية والتاريخية فأمران:

الأول: وسيلة سفر أبناء يعقوب.

يذكر القرآن في ثلاثة مواضع من القصة أن العير هى وسيلة الترحال التي اتخذها أبناء يعقوب، والعير في اللغة هى ما جلب عليه الطعام من قوافل الإبل والبغال والحمير (1) .

أما التوراة فتنصُّ على أن وسيلة السفر وحمل الطعام كانت الحمير، وهو غير ملائم من وجهين:

1 ـ أن الحمار حيوان حضريّ غير مألوف في البادية وحياة الصحراء كوسيلة انتقال ولذلك لم يعرفه بنو إسرائيل إلا في الحياة الحضرية الزراعية بمصر.

2 ـ من غير المعقول أن يستطيع الحمار قطع المسافة من كنعان في بادية الشام إلى مصر مخترقاً فيافي وصحراوات شاسعة، أوعرها شبة جزيرة سيناء، كل ذلك وهو محّمل بالحبوب والغلال يعاني جفاف الصحراء وقيظ الحر الشديد.

الثاني: حاكم مصر.

تذكر التوراة أنه فرعون، ويحكى القرآن أنه ((ملك)) وليس فرعوناً، وهذا ما أكّدته الدراسات التاريخية المعاصرة التي أجراها عالم المصريات الفرنسي ((بيير

(1) المعجم الوسيط، مادة عير (2 / 663) مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ط3.

ص: 131

مونتيه)) استناداً إلى تحديد العاصمة التي كان يحكم منها يوسف وهى ((أفاريس)) الواقعة في دلتا النيل قرب قرية سان الحجر المعاصرة ذات الكتابات الهكسوسية الغزيرة وهو ما يقطع بأن قصة حياته تعود إلى فترة حكم الهكسوس؛ لأن فراعنة الأسرة الثامنة عشرة نقلوا العاصمة إلى طيبة بعد طرد الهكسوس (1) .

كذلك تذكر الوثائق المصرية التي ترجع تاريخها إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد القبائل الكنعانية الرعوية التي جاءت واستقرت في مصر.

كما أن المؤرخ اليهودى يوسفس فيلافيوس يتحدث عن الهكسوس على أنهم أجداده (2) .

وتتطابق نتائج هذه الدراسات التاريخية مع بعض إشارات النص التوراتي، حيث يذكر سفر التكوين في سياق القصة أن المصريين كانوا يعدُّون العبرانيين رجساً، فيكون من غير الطبيعي والمنطقي أن يسمح حكام مصر من الفراعنة أن يتسلط على المصريين من يعدونه رجساً.

بل الشيء المنطقي الوحيد أن يكون الهكسوس المحتلون الأجانب عن مصر قد استعانوا بآسيوي أجنبي مثلهم في حكم البلاد.

(1) زيتون كاسيوفسكى، الحقيقة والأسطورة في التوراة، ص 80، مرجع سابق.

(2)

السابق، ص 78.

ص: 132