الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: الإيمان بالرسل
المطلب الأول: بما تثبت به النبوة
ترى الماتريدية أن إثبات صدق الرسل والأنبياء يقوم على النظر في صفات الأنبياء الخَلْقية والخلقية قبل الرسالة وبعدها وعلى تأييد الله لهم بالمعجزات الدالة على صدقهم.
قال أبو منصور الماتريدي: "ثم الأصل عندنا في إعلام الرسل وجهان:
أحدهما: ظهور أحوالهم على جهة تدفع العقول عنهم الريبة، وتأبى فيهم توهم الظنة بما صحبوهم في الصغر والكبر فوجدوهم طاهرين أصفياء أتقياء بين أظهر قوم ما احتمل التسوية بينهم على ذلك، ولا تربيتهم تبلغ ذلك، على ظهور أحوالهم لهم، وكونهم بينهم في القرار والانتشار، فيعلم بإحاطة أن ذلك حفظ من يعلم أنه يقيمهم مقاما شريفا، ويجعلهم أمناء على الغيوب والأسرار، وهذا مما تميل إلى قبوله الطبيعة ويستحسن جميع أمورهم العقل فيكون الراد عليه يرد بعد المعرفة رد تعنت له.
والثاني: مجيء الآيات الخارجة عن طبائع أهل البَصر في ذلك النوع الممتنعة عن أن يطمع في مثلها أو يبلغ بكنهها التعلم مع ما لو احتمل أن يبلغ أحد ذلك بالتعلم والاجتهاد فإن الرسل بما نشؤوا لا في ذلك وربوا لا به يظهر أنهم استفادوه بالله أكرمهم بذلك لما يجعلهم أمناء على وحيه"
(1)
.
وأما جمهور الماتريدية فيرون أنه لا دليل على صدق النبي غير المعجزة، بحجة أن المعجزة وحدها هي التي تفيد العلم اليقيني بثبوت نبوة النبي أو الرسول.
قال البزدوي: "لا يتصور ثبوت الرسالة بلا دليل فيكون الثبوت بالدلائل؛ وليست تلك الدلائل إلا المعجزات، فثبتت رسالة كل رسول بمعجزات ظهرت على يديه
…
فكانت المعجزات دليل صدق دعواهم الرسالة؛ فإن ما ظهر ليس في وسع بشر، فعلم أن الله هو المنشئ، وإنما ينشئها لتكون دليلا على صدق دعواه؛ فإن قوم كل رسول سألوا منه دلائل صدقه فدعا الله تعالى ليؤيده بإعطاء ما طلبوا منه، فلما أعطاه دليل صدقه الذي طلب منه قومه صار ذلك دليل صدقه من الله تعالى، فإن الله لا يؤيد الكاذب. ولابد للناس من معرفة الرسل ولا طريق للمعرفة سوى المعجزات"
(2)
.
(1)
التوحيد: 188، 189.
(2)
أصول الدين: 97، 98.
ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء؛ ولكن القول بأن نبوة الأنبياء لا تعرف إلا بالمعجزات قول غير صحيح، بل هناك دلائل أخرى، منها ما يظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز، وما يقترن به من أحوال وغير ذلك
(1)
.
وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشيطان عليه ما ظهر من حاله عند أدنى تمييز، والناس يميزون بين الصادق والكاذب.
ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي:(إني قد خشيت على نفسي) فقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"
(2)
(10). فهو لم يخف من تعمد الكذب؛ فإنه يعلم من نفسه صلى الله عليه وسلم أنه لم يكذب؛ لكن خاف في أول الأمر أن يكون قد عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني، فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم والأعمال، وهو الصدق المستلزم للعدل والإحسان إلى الخلق، ومن جمع فيها الصدق والعدل والإحسان لم يكن ممن يخزيه الله.
وصلة الرحم وقرى الضيف وحمل الكل وإعطاء المعدوم والإعانة على نوائب الحق هي من أعظم أنواع البر والإحسان، وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه"
(3)
.
(1)
انظر: الأصفهانية: 474، 476، 477، شرح الطحاوية: 112، 114، النبوات: 37 - 43.
(2)
رواه البخاري (4953) ومسلم (160).
(3)
انظر: الأصفهانية: 479، 480، منهاج السنة: 2/ 419، 420، 8/ 549، شرح العقيدة الطحاوية: 114 - 115.