الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: المسائل الخلافية بينهما حقيقة
(1)
أهم المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الماتريدية والأشعرية وكان الخلاف فيها حقيقيًا وليس لفظيًا، وجوهريًا ليس فرعيًا:
المسألة الأولى: معرفة الله تعالى: قالت الماتريدية أن معرفة الله تعالى واجبة بالعقل، وأنه تعالى لو لم يبعث للناس رسولا لوجب عليهم بعقولهم معرفة وجوده تعالى ووحدته واتصافه بما يليق من الصفات، وأنه محدث العالم وصانعه، وأن من لم يبلغه الوحي لا يكون معذورا.
وأما الأشاعرة فقالوا: إن معرفة الله تعالى واجبة بالشرع، وأنه لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل ورود الشرع، فلذلك قالوا: بأن الناشئ في الشاهق الذي لم تبلغه الدعوة يكون معذورا.
المسألة الثانية: صفة الإرادة: ذهبت الماتريدية إلى أن الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبة، وذهب الأشاعرة إلى أن المحبة والرضى والإرادة بمعنى واحد.
المسألة الثالثة: صفة الكلام: ذهبت الماتريدية إلى أن كلام الله لا يسمع، إنما يسمع ما هو عبارة عنه، فموسى إنما سمع صوتا وحروفا خلقها الله دالة على كلامه.
وذهب الأشاعرة إلى جواز سماع كلام الله تعالى، وأن ما سمعه موسى عليه السلام هو كلام الله تعالى النفسي، وذلك يكون بخلق إدراك في المستمع.
المسألة الرابعة: صفة التكوين: قالت الماتريدية أن التكوين صفة أزلية لله تعالى، وأن التكوين غير المكون.
وذهب الأشاعرة إلى أن التكوين ليس صفة لله تعالى، بل هو أمر اعتباري يحصل في العقل من نسبة المؤثر إلى الأثر، فلذا قالوا بأن التكوين هو عين المكون وهو حادث.
المسألة الخامسة: التكليف بما لا يطاق: ذهبت الماتريدية إلى عدم جواز التكليف بما لا يطاق، وذهب جمهور الأشاعرة إلى أن التكليف بما لا يطاق جائز.
المسألة السادسة: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى: ذهبت الماتريدية إلى القول بلزوم الحكمة في أفعال الله تعالى، وأنه لا يجوز أن تنفك عنها مطلقا.
وذهب الأشاعرة إلى نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وقالوا: أن أفعاله ليست معللة بالأغراض، ولا يجوز تعليل أفعاله تعالى بشيء من الأغراض والعلل الغائية.
(1)
انظر: الماتريدية للحربي: 498 - 501. الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للأفغاني: 1/ 452 وما بعدها.
المسألة السابعة: التحسين والتقبيح: ذهبت الماتريدية إلى أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، أي أنهم قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين.
وأما الأشاعرة فذهبوا إلى أنه لا يعرف بالعقل حسن الأشياء وقبحها، بل إنما يعرف بالشرع.
المسألة الثامنة: الاستطاعة: ذهب جمهور الماتريدية إلى أن الاستطاعة تقع على نوعين:
الأولى: سلامة الأسباب والآلات، وهي تتقدم الفعل.
الثانية: الاستطاعة التي يتهيأ بها الفعل، وتكون مع الفعل.
وأما الأشاعرة فقد ذهبوا إلى أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، ولا يجوز أن تتقدمه ولا أن تتأخر عنه.
المسألة التاسعة: الكسب: اتفقت الماتريدية والأشاعرة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهي كسب من العباد، ولكن اختلفوا في معنى الكسب.
فقالت الماتريدية: إن المؤثر في أصل الفعل قدرة الله تعالى، والمؤثر في صفة الفعل قدرة العبد، وتأثير العبد هذا هو الكسب. فقدرة العبد عند الماتريدية لها أثر في الفعل، لكن لا أثر لها في الإيجاد لأن الخلق ينفرد الله تعالى به، وإنما أثرها في القصد والاختيار للفعل.
وأما الكسب عند الأشاعرة فهو أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون الفعل مخلوقا لله إبداعا وإحداثا، ومكسوبا للعبد، والمراد بكسبه إياه: مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له.
المسألة العاشرة: إيمان المقلد: ذهبت الماتريدية إلى أن من اعتقد أركان الدين تقليدا يكون إيمانه صحيحا.
وأما الأشاعرة فذهبوا إلى عدم صحة إيمان المقلد، وقالوا: إن من شروط صحة الإيمان أن يعرف كل مسألة بدليل قطعي عقلي.
المسألة الحادية عشرة: الثواب والعقاب، فالماتريدية والأشاعرة يتفقان في القول بعدم جواز تعذيب المطيع وإثابة العاصي. أما محل الخلاف بينهما فهو في المدرك، حيث ذهبت الماتريدية إلى أن المدرك لذلك هو العقل والشرع.
أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن المدرك لذلك هو الشرع. وقد ترتب على ذلك أن الماتريدية منعوا جواز تعذيب المطيع وإثابة العاصي، بينما أجاز ذلك الأشعرية
(1)
.
المسألة الثانية عشرة: عصمة الأنبياء، حيث قالت الماتريدية بعصمة الأنبياء من الكبائر والقبائح وخصوصا فيما يتعلق بأمر الشرع وتبليغ الأحكام وإرشاد الأمة.
ويذهب الماتريدية أيضا إلى أن الأنبياء معصومون من الصغائر، وأوجبوا تأويل كل ما أوهم في حقهم عليهم السلام من الكتاب والسنة مما اغتر به بعض من أجاز عليهم الصغائر، فالأنبياء منزهون عن الصغائر والكبائر ومن جميع المعاصي.
بينما يذهب الأشاعرة إلى أن الأنبياء تصدر عنهم الصغائر قبل النبوة إذا لم تكن خسيسة وليس هناك دليل على منع ذلك، سواء أكان ذلك عمدا أم سهوا، أما بعد النبوة فإن الأنبياء معصومون عن تعمد كل ما يخل بصدقهم حتى إذا كان من الصغائر
(2)
.
(1)
تأويلات أهل السنة: 1/ 169 - 178.
(2)
المرجع السابق: 1/ 169 - 178.