الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
المُبَشِّرُونَ وَالمُسْتَشْرِقُونَ فِي مَوْقِفِهِمْ مِنَ الإِسْلَامِ
للأستاذ الدكتور محمد البهي
مُقَدِّمَةٌ:
إذا كان من دواعي استقرار الحكم الوطني في مصر الحديثة الثائرة عزل عملاء السياسة وإبعادهم عن مجال الحياة السياسية، فإنَّ من صالح قيادة الأمَّة، كشعب موحَّد الاتجاه، قوي في أحاسيسه المشتركة، أنْ ينحى عملاء التبشير والاسْتِشْرَاقَ من جوانب التوجيه العام، سواء التثقيف، أو النشر، أو الصحافة، أو الإذاعة.
إنَّ عملاء التبشير والاسْتِشْرَاقَ - وهم عملاء الاستعمار في مصر والشرق الإسلامي - هم الذين درَّبتهم دعوة التبشير على إنكار المقوِّمات التاريخية والثقافية والروحية في ماضي هذه الأمَّة، وعلى التنديد والاستخفاف بها، وهم الذين وجَّهَهُم كُتَّابُ الاسْتِشْرَاقِ إلى أنْ يصُوغُوا هذا الإنكار والتنديد والاستخفاف في صورة البحث، وعلى أساس من أسلوب الجدل والنقاش في الكتابة أو الإلقاء عن طريق المحاضرة أو الإذاعة.
إنَّ التبشير والاسْتِشْرَاقَ كلاهما دعامة الاستعمار في مصر والشرق الإسلامي، فكلاهما دعوة إلى توهين القيم الإسلامية، والغض من اللغة العربية الفصحى، وتقطيع أواصر القُربى بين الشعوب العربية، وكذا بين الشعوب الإسلامية الحاضرة، والازدراء بها في المجالات الدولية العالمية.
1 -
فهناك الدعوة إلى أنَّ القرآن
[أ] كتاب مسيحي يهودي نسخه محمد.
[ب] وأنَّ الإسلام دين مادي لا روحية فيه، يدعو إلى الدنيا وليس إلى صفاء النفوس والمحبَّة.
[ج] وأنه أي الإسلام يميل إلى الاعتداء والاغتيال ويُحرِّضُ أتباعَهُ على القسوة على غير المسلمين عامة.
[د] كما أنه يدعو إلى الحيوانية والاستغراق في الملذَّات الدنيا.
2 -
وهناك الدعوة إلى:
[أ] أنَّ الفلسفة العربية فكر يوناني، كتب بأحرف عربية.
وأنَّ اللغة العربية الفصحى لم تعد صالحة اليوم، وبدلاً منها يجب أنْ نستخدم العامية واللهجات الدارجة، كما يجب أنْ تستخدم الحروف اللاتينية عوضاً عن الأحرف العربية.
3 -
وهناك دعوة إلى:
[أ] إحياء الفرعونية في مصر.
[ب] والآشورية في العراق.
[ج] والبربرية في شمال إفريقية.
[د] والفينيقية على ساحل فلسطين ولبنان.
[هـ] وإلى تفضيل الفارسية - كلغة آرية - على العربية كلغة سامية.
[و] وإلى أنَّ الذي حمل أمارات الحياة الأدبية الجديدة في الشرق العربي في نهاية القرن التاسع عشر، وكذا في الشرق الإسلامي، وحمل مظاهر الحضارة عامة - هم نصارى لبنان الذين تعلَّمُوا واستوحوا من جهود المُبشِّرين الأمريكيِّين في سوريا.
[ز] وإلى أنَّ البربر وحدهم هم أصحاب المدنية في شمال إفريقية والأندلس.
4 -
وهناك الدعوة إلى:
[أ] التنفير من حياة المسلمين الحاضرة؛ لأنها حياة بدائية ذليلة.
[ب] وإلى أنَّ السبب في ذلك هو تعاليم الإسلام والتمسك بها.
والتبشير والاسْتِشْرَاقَ في ذلك سواء والفرق بينهما هو أنَّ الاسْتِشْرَاقَ أخذ صورة «البحث» وادَّعى لبحثه «الطابع العلمي الأكاديمي» بينما بقيت دعوة التبشير في حدود مظاهر «العقلية العامة» وهي العقلية الشعبية.
استخدم الاسْتِشْرَاقُ: الكتاب والمقال في المجلات العلمية، وكرسي التدريس في الجامعة، والمناقشة في المؤتمرات «العلمية» العامة.
أما التبشير فقد سلك طريق التعليم المدرسي في دور الحضانة ورياض الأطفال والمراحل الابتدائية والثانوية للذكور والإناث على السواء. كما سلك سبيل العمل «الخيري» الظاهري في المستشفيات، ودور الضيافة، والملاجئ للكبار، ودور اليتامى واللقطاء، ولم يقتصر التبشير في استخدام «النشر والطباعة» وعمل «الصحافة» في الوصول إلى غايته.
إنَّ البلاد العربية والإسلامية في يقظتها الحالية تتعثَّرُ في خطاها نحو التماسك الداخلي، ونحو تقوية العلاقات بينها، بسبب الرواسب التي تخلَّفت عن التبشير والاسْتِشْرَاقَ، وبسبب آخر له وزنه وأثره في هذا التعثُّر وهو «ضعف المواجهة» التي يلقاها في البلاد الإسلامية هذان العاملان القويان في تركيز الاستعمار، وبعثرة القوى الوطنية في كل بلد عربي وإسلامي.
والمؤسسات الإسلامية - على تعدُّدها
وتنوعها - لم تعرف تمامًا حتى الآن «وضعية» التبشير والاسْتِشْرَاقَ في توجيه الشعوب العربية والإسلامية، حتى حاول أنْ تلقاها، فضلاً عن أن يكون لقاؤها إياها قويًا أو ضعيفًا.
1 -
فالأزهر - وهو أكبر المؤسسات الإسلامية في الشرق العربي والإسلامي - لم يخرج برسالته كثيرًا حتى الآن عن أنْ يكون ترديدًا لتفكير القرون الوسطى في مواجهة بعضهم بعضًا كأحزاب وأصحاب مذاهب فقهية وكلامية وشعوبية (سُنَّةٌ وشيعة) أو ترديدًا لتفكير المتأخرين الذين سلبوا الإنسان أخص مقوماته في الدنيا وهي ميزة الحياة. ولكن الأمل كبير الآن في إصلاح الأزهر.
2 -
و " جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة "، هي تقليد لـ " جميعة الشبان المسيحيين " في جانب، وابتعاد عنها في أهم جانب من جوانب رسالتها، تقلدها في ممارسة الرياضة ولكنها لا تقلدها في جعل الرياضة وسلية من وسائل التربية والإيمان، كما تفعل " جمعية الشبان المسيحيين ".
أما ما يلقى فيها من محاضرات، أو يعقد فيها من ندوات، فينقص هذه وتلك عنصر الجدية وحرارة الإيمان
…
3 -
و " جمعية التعريف الدولي بالإسلام "(التي تعقد اجتماعاتها بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة) هي جمعية طابعها شخصي، أكثر من أنْ يكون حملاً لرسالة وبعثًا لها، أو نشرًا لمبادئها في بلاد العالم، كما هو المفهوم من اسمها وصفاتها.
4 -
ومعهد الدراسات الإسلامية (بالروضة بالقاهرة) معهد حديث النشأة لم يتميز اتجاهه بعد، هل هو علمانء علىنحو أسلوب الدراسة العلمانية في التراث الإسلامي التي أدخلها علماء التبشير والاسْتِشْرَاقَ في الجامعات المصرية، أم هو تقليدي على نحو ما يفعل الأزهر في طريقته.
…
إنَّ رواسب التبشير والاسْتِشْرَاقَ التي أشرنا إليها فيما مضى لا تتمثل فقط في المؤسسات التبشيرية المختلفة الظاهرة في مصر والبلاد العربية والإسلامية. بل هناك أيضًا مؤسسات أخرى في مصر لا يرى منه التبشير وإنْ كانت لا تخفي هدف الاسْتِشْرَاقِ. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر - المؤسسات الآتية:
[1]
المعهد الشرقي بدير الدومنيكان، بشارع مصنع الطرابيش.
[2]
ندوة الكتاب، بشارع سليمان باشا.
[3]
دار السلام، بكنيسة دار السلام بمصر القديمة.
[4]
المعهد الفرنسي بالمنيرة.
فكل هذه المؤسسات تخضع للاتجاه الكاثوليكي في بحث الإسلام وتراثه وتخضع كذلك للنفوذ الفرنسي. والذين يعاونونها من المصريين هو أصحاب الثقافة الفرنسية
ممن درسوا في فرنسا الآداب الشرقية والثقافة الإسلامية، ويرعاها، كأب روحي، المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال إفريقية.
والذين يعاونون هذه المؤسسات من المصريين المثقفين في فرنسا والدارسين للآداب الشرقية العربية أو للتراث الإسلامي الثقافي - يزداد أثرهم كلما اتصل شأنهم واتصلت مشورتهم بتوجيه الأدب، أو الثقافة في مصر. ولذا كان من السهل أنْ نفهم الغاية من عملهم إذا قرأنا هذا الخبر التالي في جريدة يومية، صادرًا عن مصلحة حكومية، يشرف عليها بعض هؤلاء ممن وصفنا. وعنوان الخبر:«إصدار سلسلة كتب عن تاريخ الدين الإسلامي» وتحت هذا العنوان كتبت جريدة " الأخبار " بتاريخ 15 أكتوبر من عام 1957 ما يلي: «وضع المجلس سلسلة من الكتب: بعضها مترجم عن كتب المُسْتَشْرِقِينَ والبعض الآخر يؤلفه كُتًّابٌ مصريون عن تاريخ الدين الإسلامي والأطوار التي مر بها في عهود الاستعمار. وسيبحث المجلس الأعلى للفنون والآداب في جلسته يوم السبت القادم هذا المشروع للبدء في تنفيذه» .
إنه من غير شك أنَّ هناك من له نفوذ في هذا الجلس الأعلى للفنون والآداب، وهو من أنصار اتجاه التبشير والاسْتِشْرَاقَ، وَيُرَوِّجُ لرسالة التبشير والاسْتِشْرَاقَ وهي رسالة الاستعمار دون أن يكون في نفسه أي أثر للشعور بخطورة هذا الاتجاه. فنحن سنرى في الكلام عن الاسْتِشْرَاقِ في هذا البحث، ما يؤكد أنَّ هدف المُسْتَشْرِقِينَ في كتبهم عامة وقاطبة هو التوهين للقيم الإسلامية، وتفتيت الشعوب العربية والإسلامية في علاقاتها وصلات بعضها ببعض.
إنَّ المؤتمر الإسلامي - كمؤسسة إسلامية ناشئة ذات إمكانية خاصة - عليه إزاء التبشير والاسْتِشْرَاقَ:
أولاً: أنْ يساهم في تنقية الحياة المصرية والعربية والإسلامية من رواسب هذين العاملين فيعهد عملاءهما من حياة التوجيه في مصر في جوانبها المتعددة، ويكون ذا صلة وثيقة بوزارة التربية والتعليم في الإشراف على حياة مصرية إسلامية أفضل في مدارس المبشرين - وهي المدارس الدينية التابعة للفاتيكان في طوابعها المختلفة، من فرنسية وإيطالية وإسبانية وألمانية وهلم جرًا
…
وعلى صلة وثيقة بالصحافة ووزارة الثقافة والإرشاد القومي في توجيه القلم والكتاب.
ثم عليه ثانيًا: أنْ يكون مع المؤسسات التعليمية الإسلامية - كالأزهر - جهازًا قويًا يلقى به كتب المُسْتَشْرِقِينَ، وبحوثهم في مجلاتهم ومؤتمراتهم، في الرد عليهم وشرح القيم الإسلامية، وتقوية أواصر القربى بين الشعوب العربية والإسلامية.
ثم عليه ثالثًا: أن يخرج للمسلمين عاجلاً في مشارق الأرض ومغاربها:
[1]
" دائرة معارف إسلامية " يكتبها علماء مسلمون مُتَمَكِّنُونَ في فهم التراث الإسلامي من جميع بلاد العالم الإسلامي، وتكون مرجعًا للجوانب الثقافية العديدة.
[2]
وأن يُقِرَّ «ترجمة» في كل لغة من اللغات التي ترجم إليها القرآن فعلاً، بعد مراجعتها مراجعة دقيقة، من علماء لهم سعة اطلاع في التفسير والعلوم الإسلامية.
[3]
وأن يُخْرِجَ «قاموسًا» للفقه الإسلامي، على نمط القواميس العلمية الحديثة في الاجتماع والفلسفة وعلم النفس والاقتصاد
…
يكون مرجعًا سريعًا لمعرفة المصطلحات الفقهية ومدلولاتها في المذاهب الفقهية المختلفة.
والفرق بينه وبين «دائرة المعارف الإسلامية» أَنَّ هذه لا تقصر موضوعاتها على الفقه، بل تعالج جوانب التراث الإسلامي كلها كموسوعة عملية عصرية.
أما القاموس فَمُهِمَّتُهُ التعريف في صورة مجملة سريعة، علمية منظمة بالفقه الإسلامي، والمسلم المعاصر، وبالأخص في البلاد التي تعرف اللغة العربية، في حاجة ماسة إلى مثل هذا القاموس.
[4]
وأن يصدر «مجلة» تتبع بحوث الاسْتِشْرَاقِ التي يوردها الغرب الصليبي للشرق الإسلامي في الوقت الحاضر، سواء في كتبه عن التراث الإسلامي أو في بحوث مجلاته العديدة التي تعنى بهذا التراث، وبوضعية المسلمين وتوجيههم. وحركة الغرب في توريده لهذه البحوث حركة ضخمة وسريعة، كما يُرَى من الدوريات التي تنشرها الجمعيات الاسْتِشْرَاقَية في مختلف بقاع العالم بلغات مختلفة، ومن الكتب التي تصدرها دور الطباعة الكبيرة في عواصم أمريكا الشمالية وإنجلترا وفرنسا، والبيان المرافق في هذا البحث يعطي صورة تقريبية ولكنها صورة مزعجة للموجهين في العالم الإسلامي.
وإذا ابتدأ المؤتمر الإسلامي بالقاهرة في مواجهة «الاسْتِشْرَاقِ» مواجهة سافرة - وليس هناك حتى اليوم أية مؤسسة إسلامية في العالم الإسلامي تقوم بهذا الدور - لأكثر من سبب فستظهر له سبل أخرى يرى لزامًا عليه أن يسلكها كي يصل إلى هدفه وهو:
إعادة تقييم القيم الإسلامية في نفوس المسلمين، وفي نفوس الرأي العام العربي.