الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَيْسَ دِينًا فَحَسْبُ، بَلْ إِنَّ مِنْ أَرْكَانِهِ الجِهَادُ. وَلَمْ يَتَّفِقْ قَطُّ أَنَّ شَعْبًا دَخَلَ الإِسْلَامَ ثُمَّ عَادَ نَصْرَانِيًّا» (1).
2 -
وهناك بجانب تفتيت وحدة المسلمين - كَهَدَفِ المُبَشِّرِينَ - هدف آخر هو التنفيس عن الصليبية وعن الانهزامات التي مُنِيَ بها الصَّلِيبِيُّونَ طوال قرنين من الزمان أنفقوهما في محاولة الاستيلاء على بيت المقدس وانتزاعه من أيدي المسلمين الهَمَجِيِّينَ!!.
3 -
وبجانب هذا وذاك يرى المستشرق الألماني بيكر Becker: « أَنَّ هُنَاكَ عِدَاءً مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ لِلإِسْلَامِ بِسَبَبِ أَنَّ الإِسْلَامَ عِنَدَمَا انْتَشَرَ فِي العُصُورِ الوُسْطَى أَقَامَ سَدًّا مَنِيعًا فِي وَجْهِ انْتِشَارِ النَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ امْتَدَّ إِلَى البِلادِ التِي كَانَتْ خَاضِعَةً لِصَوْلَجَانِهَا» (3).
وإذن هدف التبشير هو تمكين الأوروبي المسيحي من البلاد الإسلامية، والأسباب التي ذكرها هؤلاء المُبَشِّرُونَ هنا تُوصِلُ جميعها إلى هذا الهدف، سواء أكان التنفيس عن هزيمة الصليبية، أم الرغبة في الانتقام من الإسلام لأنه قام في القرون الوسطى في وجه المسيحية، أم توهين المسلمين وتمزيقهم في التوجيه والاتجاه - هو السبب المباشر في التبشير فإن نتيجته حَتْمًا وعلى أي وضع هي ما ذكرنا من تمكين الأوروبي المسيحي من المسلم الشرقي ومن وطنه.
وهنا يبدو وَاضِحًا أن التبشير مقدمة أساسية للاستعمار الأوروبي، كما أنه سبب مباشر لتوهين قوة المسلمين، «ولقد كانت الدول الأجنبية تبسط الحماية على مُبَشِّرِيهَا في بلاد الشرق لأنها تعدهم حملة لتجارتها وآرائها ولثقافتا إلى تلك البلاد، بل لقد كان ثمت ما هو أعظم من هذا عندها: لقد كان المُبَشِّرُونَ يعملون بطرق مختلفة كالتعليم مثلاً على تهيئة شخصيات شرقية لا تقاوم التبسط الأجنبي» (4).
(ب) تَصْوِيرُ المُبَشِّرِينَ لِلإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ:
وطريق التبشير لتوهين المسلمين لم يكن الدعوة إلى المسيحية والعمل على ارتداد المسلمين إلى النصرانية مباشرة، وإنما كان طريقه لتشويه الإسلام، ومحاولة إضعاف
(1) عدد يونية سَنَةَ 1930 م تحت عنوان «الجغرافيا السياسية للعالم الإسلامي» . The political geography of the Mohammadan World
(2)
" التبشير والاستعمار ": ص 117.
(3)
المصدر السابق: ص 50.
(4)
المصدر السابق: ص 50.
قيمه، ثم تصوير المسلمين في وضعهم الحالي بصورة مُزْرِيَةٍ بعيدة عن المستوى الحضاري في عصرنا الحاضر.
فالمنسينيور كولي في كتابه " البحث عن الدين الحق " يُصَوِّرُ الإسلام على هذا النحو: «الإِسْلَامُ: فِي القَرْنِ السَّابِعِ لِلْمِيْلَادِ، بَرَزَ فِي الشَّرْقِ عَدُوٌّ جَدِيدٌ ذَلِكَ هُوَ الإِسْلَامُ الذِي أُسِّسَ عَلَى القُوَّةِ، وَقَامَ عَلَى أَشَدِّ أَنْوَاعِ التَّعَصُّبِ، لَقَدْ وَضَعَ مُحَمَّدٌ السَّيْفَ فِي أَيْدِي الذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَتَسَاهَلَ فِي أَقْدَسِ قَوَانِينِ الأَخْلَاقِ، ثُمَّ سَمَحَ لأَتْبَاعِهِ بِالفُجُورِ وَالسَّلْبِ.
وَوَعَدَ الذِينَ يَهْلَكُونَ (يَسْتَشْهِدُونَ فِي سَبِيِلِ اللهِ) فِي القِتَالِ بِالاسْتِمْتَاعِ الدَّائِمِ بِالمَلَذَّاتِ (الجَنَّةِ).
وَبَعْدَ قَلِيلٍ أَصْبَحَتْ آسِيَا الصُّغْرَى وَإِفْرِيقْيَا وَإِسْبَانْيَا فَرِيسَةً لَهُ، حَتَّىَ إِيطَالِيَا هَدَّدَهَا الخَطَرُ، وَتَنَاوَلَ الاجْتِيَاحُ نِصْفَ فِرَنْسَا.
لَقَدْ أُصِيبَتْ الْمَدِنِيَّةُ.
وَلَكِنَّ هَيَاجَ هَؤُلَاءِ الأَشْيَاعِ (المُسْلِمِينَ) تَنَاوَلَ فِي الأَكْثَرِ كِلَابِ النَّصَارَى
…
وَلَكِنْ انْظُرْ! هَا هِيَ النَّصْرَانِيَّةُ تَضَعُ بِسَيْفِ شَارْلْ مَارْتَلْ سَدًّا فِي وَجْهِ سِيْرِ الإِسْلَامِ المُنْتَصِرِ عِنْدَ بْوَاتْيِهْ (*)(752 م). ثُمَّ تَعْمَلُ الحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ فِي مَدَىْ قَرْنَيْنِ تَقْرِيبًا (1099 - 1254 م) فِي سَبِيِلِ الدِّينِ، فَتُدَجِّجَ أُورُوبَا بِالسِّلَاحِ، وَتُنْجِي النَّصْرَانِيَّةَ، وَهَكَذَا تَقَهْقَرَتْ قُوَّةُ الهِلَالَ أَمَامَ رَايَةِ الصَّلِيبِ، وَانْتَصَرَ الإِنْجِيلُ عَلَى القُرْآنِ، وَعَلَى مَا فِيهِ مِنْ قَوَانِيِنِ الأَخْلَاقِ السَّاذِجَةِ» (1).
ويقول و. س. نلسون W.S.Nelson: « وَأَخْضَعَ سَيْفُ الإِسْلَامِ شُعُوبَ إِفْرِيقْيَا وَآسْيَا شَعْبًا بَعْدَ شَعْبٍ» (2).
هذا في وصف الإسلام ووصف مبادئه، أما محمد رسوله فيقول عنه أديسون Addison:« مُحَمَّدٌ لَمْ يَسْتَطِعْ فَهْمَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي خَيَالِهِ مِنْهَا إِلَاّ صُورَةً مُشَوََّهَةً بَنَى عَلَيْهَا دِينَهُ الَذِي جَاءَ بِهِ العَرَبُ» (3).
وفي وصف المسلمين يقول هنري جيسب Henry Jessup المُبَشِّرُ الأَمِرِيكِيُّ: «المُسْلِمُونَ لَا يَفْهَمُونَ الأَدْيَانَ وَلَا يُقَدِّرُونَهَا قَدْرَهَا
…
إِنَّهُمْ لُصُوصٌ، وَقَتَلَةَ، وَمُتَأَخِّرُونَ، وَإِنَّ التَّبْشِيرَ سَيَعْمَلُ عَلَىَ تَمْدِينِهِمْ» (4)، كما يقول في وصفهم جوليمين H. Guillimain في كتابه " تاريخ فرنسا ": «إِنَّ مُحَمَّدًا، مُؤَسِّسُ دِينَ المُسْلِمِينَ، قَدْ أَمَرَ أَتْبَاعَهُ أَنْ يُخْضِعُوا العَالَمَ وَأَنْ يُبَدِّلُوا جَمِيعَ الأَدْيَانِ بِدِينِهِ هُوَ
(1) ص 220، طبع 1928 م، وقد نال هذا الكتاب رضا البابا ليون الثالث عشر في سَنَةِ 1887، وعاش في المدارس المسيحية في الشرق والغرب إلى اليوم.
(2)
" التبشير والاستعمار ": ص 36.
(3)
المصدر السابق: ص 37.
(4)
المصدر السابق في نفس الصفحة.
-------------------------------------------
(*)[معركة بلاط الشهداء أو معركة بواتييه (غرب فرنسا) وقعت في 10 أكتوبر عام 732 م بين الفاتحين المسلمين بقيادة عبد الرحمن الغافقي وقوات الإفرنج (الفرنسيين) بقيادة شارل مارتل. هُزم المسلمون في هذه المعركة وقُتل قائدهم، وأَوقفت هذه الهزيمة تقدم المسلمين نحو أوروبا].