المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌رشيد رضا الإصلاح يبدأ بالصحافة والتعليم (في ذكرى وفاته: 23 من جمادى - المعجم الجامع في تراجم المعاصرين

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة صاحب الموضوع الأصلي

- ‌مقدمة الكتاب الخاص بالموسوعة

- ‌أحمد أمين

- ‌أحمد بن أحمد سلامة

- ‌أحمد بن عبد الكريم نجيب

- ‌أحمد بن علي سير مباركي

- ‌أحمد بن محمد بن أحمد بن حمد المنقور

- ‌أحمد شحاته الألفى

- ‌أحمد فهمي أبو سنة

- ‌أحمد محمد نور سيف

- ‌أحمد محمد الشرقاوي

- ‌أحمد منصور آل سبالك

- ‌إبراهيم بن احمد بن محمد المنقور

- ‌إبراهيم بن عبد العزيز السويح

- ‌إبراهيم بن عبد الله اللاحم

- ‌إبراهيم بن ناصر المنيف

- ‌إحسان إلهي ظهير

- ‌إحسان عباس

- ‌إسماعيل محمد الأنصاري

- ‌العربي بن أحمد الحاج

- ‌ أحمد شاكر

- ‌ أحمد النجمي

- ‌أبو الأعلى المودودي

- ‌أبو الحسن الندوي

- ‌بكر عبد الله أبو زيد

- ‌تنكو عبد الرحمن

- ‌ ثناء الله المدني

- ‌ جعفر شيخ إدريس

- ‌ جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري

- ‌جاد الحق على جاد الحق

- ‌حاتم العوني

- ‌حافِظُ بنُ أَحْمَدِ الْحَكَمِي

- ‌حامد بن عبد الله أحمد العلي

- ‌ أبي إسحاق الحويني

- ‌ حسام الدين بن موسى محمد بن عفانه

- ‌حسن بن جعفر العتمي

- ‌حسن بن عبد اللطيف بن مانع

- ‌ حسنين محمد مخلوف

- ‌حسين مجيب المصري

- ‌حسين بن عبد العزيز آل الشيخ

- ‌حمد بن محمد الجاسر

- ‌حمزة بن عبد الله بن أحمد المليباري

- ‌ حمود الشعيبي

- ‌ حمود بن عبد الله التويجري

- ‌ حماد الأنصاري

- ‌حسن البنا

- ‌حسن أيوب

- ‌خالد المشيقح

- ‌خالد بن عبد الله المصلح

- ‌ خالد بن عثمان السبت

- ‌خالد بن عبد الرحمن بن رشيد القريشي

- ‌خير الدين الزركلي

- ‌ ربيع بن هادي المدخلي

- ‌ رضا أحمد صمد

- ‌رشيد رضا

- ‌ زغلول النجار

- ‌ زيد المدخلي

- ‌زهير الشاويش

- ‌سعد بن عبد الله الحميد

- ‌سعد بن ناصر الشثري

- ‌سعدي الهاشمي

- ‌سعود الشريم

- ‌سعود بن عبد الله الفنيسان

- ‌سعيد أحمد الأكبر آبادي

- ‌سعيد الأفغاني

- ‌سعيد بن مسفر

- ‌سعيد عبد العظيم

- ‌سليم بن عيد بن محمد بن حسين الهلالي

- ‌سليمان بن ناصر بن عبد الله العلوان

- ‌سيد حامد علي

- ‌سلمان بن فهد العودة

- ‌سليمان بن عبد العزيز بن عبد العزيز القصير

- ‌ سلطان العيد

- ‌ سليمان بن حمد العودة

- ‌ سيد سابق

- ‌سيد قطب

- ‌سليمان بن ناصر العلوان

- ‌شفيع أحمد أبو سلمة

- ‌شكيب أرسلان

- ‌صالح بن أحمد الخريصي

- ‌صالح بن حمد بن نصر الله بن مشعاب

- ‌صالح بن عبد الرحمن بن عبد الله الأطرم

- ‌صالح بن عبد العزيز آل الشيخ

- ‌صالح بن عبد العزيز بن عثيمين

- ‌صالح بن عبد الله بن حميد

- ‌صالح بن عبد الرحمن بن محمد بن حمد الفوزان

- ‌صالح بن محمد اللحيدان

- ‌ صفوت حجازي

- ‌طارق محمد الصالح السويدان

- ‌طارق محمد الطواري

- ‌الطاهر بن عاشور

- ‌ طاهر الجزائري

- ‌ عباس المصري

- ‌عائشة عبد الرحمن

- ‌ عائض القرني

- ‌أبوتراب الظاهري

- ‌عبد الباسط عبد الصمد

- ‌عباس محمود العقاد

- ‌عبد الحميد بن باديس

- ‌عبد الحميد كشك

- ‌عبد الرحمن بن حمزة المرزوقي

- ‌عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

- ‌ عبد الرحمن بن ناصر السعدي

- ‌عبد الرحمن بن صالح العشماوي

- ‌عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف

- ‌عبد الرحيم عبد الرحمن

- ‌عبد العزيز الثعالبي

- ‌عبد الرزاق عفيفي عطية

- ‌عبد العزيز بن حمد المنيف

- ‌عبد العزيز بن خلف الخلف

- ‌عبد العزيز بن راشد آل حسين

- ‌عبد العزيز بن عبد الله آل باز

- ‌عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي

- ‌عبد العزيز بن محمد السعيد

- ‌عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

- ‌ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

- ‌ عبد العزيز آل سعود

- ‌ عبد العظيم بن بدوى بن محمد الخلفى

- ‌عبد الفتاح المرصفي

- ‌ عبد القادر الأرناؤوط

- ‌عبد الكريم بن صالح بن عبد الكريم آل حميد

- ‌عبد الكريم جرمانوس

- ‌عبد اللطيف علي سلطاني

- ‌عبد الله إبراهيم الأنصاري

- ‌عبد الله السعد

- ‌عبد الله الغماري

- ‌عبد الله بن جبرين

- ‌عبد الله بن حمد الحسين

- ‌عبد الله بن سليمان بن حميد

- ‌عبد الله بن صالح الفوزان

- ‌عبد الله بن عباد

- ‌عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح بن حمد بن محمد بن حمد البسام

- ‌عبد الله بن عبد المحسن بن عبد الرحمن التركي

- ‌عبد الله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ

- ‌عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن حميد

- ‌ عبد الله بن موسى العمار

- ‌عبد الله قادري الأهدل

- ‌عبد الله كنون الحسني

- ‌عبد الله بن حمد بن عبد الله السكاكر

- ‌عبد الله بن محمد بن رميان الرميان

- ‌عبد المحسن الزامل

- ‌عبد المحسن العباد

- ‌عبد الرحمن السديس

- ‌عبد الرحمن بن محمد بن خلف بن عبد الله الدوسري

- ‌ عبد الرحمن المعلمي اليماني

- ‌عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية

- ‌عبد الله الخياط

- ‌عبد السلام هارون

- ‌عبد العزيز السلمان

- ‌ عبد العظيم بن بدوى

- ‌عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم الشاوي

- ‌عبد الفتاح أبوغدة

- ‌ عبد القادر شيبة الحمد

- ‌عبد الكريم الخضير

- ‌ عبد الله الخليفي

- ‌ عبد الله الخياط

- ‌عبد الله الغنيمان

- ‌عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بية

- ‌ عبد الله بن خميس

- ‌عبد الله بن سعدي الغامدي العبدلي

- ‌عبد الله بن يوسف الجديع

- ‌عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي

- ‌عبد الملك بن عبد الله بن دهيش

- ‌ عبد الوهاب بن عبد العزيز الزيد

- ‌عبد الوهاب بن إبراهيم

- ‌عبد الله عزام

- ‌عبيد الله بن عبد السلام الرحماني المباركفوري

- ‌عثمان بن عبد العزيز بن منصور

- ‌عطية محمد سالم

- ‌علاء الدين خروفة

- ‌علي الطنطاوي

- ‌ علي بن حسن الحلبي

- ‌علي بن خضير الخضير

- ‌علي بن محمد بن حسين العمران

- ‌ علي عبد الرحمن الحذيفي

- ‌علي عزّت بيجوفيتش

- ‌علي محمود بن الخوجة

- ‌علي بن محمد بن سعيد الشهراني

- ‌عمر بن عبد العزيز المترك

- ‌عمر بن محمد الفلاني

- ‌عمرو بن عبد المنعم بن عبد العال ال سليم

- ‌عمر السبيل

- ‌عبيد الله بن حميد

- ‌عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل

- ‌ عبد العزيز السلمان

- ‌ عبد السلام البرجس

- ‌ علي بن محمد الفقيهي

- ‌ علي رضا

- ‌ عز الدين القسام

- ‌علي بن عبد الله جابر

- ‌ فالح بن محمد بن فالح الصغير

- ‌فهد بن جاسر الزكري

- ‌فوزان بن نصر الله بن محمد بن مشعاب

- ‌ فيصل مولوي

- ‌ فوزي الأثري

- ‌محمد البشير الإبراهيمي

- ‌مانع بن حماد الجهني

- ‌ محمد أحمد شقرون

- ‌محمد أمان الجامي

- ‌محمد أمين الشافعي

- ‌محمد إبراهيم بن أحمد علي

- ‌محمد بن إسماعيل المقدم

- ‌محمد ابن أبي شنب

- ‌ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي

- ‌محمد الحسن ولد الددو

- ‌مُحمّدِ بنِ محمّدٍ المُختارِ الشنقيطيِّ

- ‌محمد الصومالي

- ‌ محمد الغزالي

- ‌ محمد الدويش

- ‌ محمد بن إبراهيم شقرة

- ‌محمد بن إبراهيم بن حسان

- ‌محمد بن إبراهيم بن عثمان بن جبير

- ‌ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

- ‌محمد بن الأمين بن عبد الله بن أحمد بن الإدريسي العمراني

- ‌محمد بن سليمان بن أحمد البدر

- ‌ محمد بن صالح العثيمين

- ‌محمد بن طراد الدوسري

- ‌محمد بن عبد الله بن عبد العزيز السبيل

- ‌محمد بن عبد الرحمن بن محمد اليحيى

- ‌ محمد بن عبد الوهاب

- ‌محمد بن علي جماح الغامدي

- ‌محمد بن عمر العقيل

- ‌محمد بن عمرو عبد اللطيف

- ‌محمد بن مسلم بن عثيمين

- ‌محمد جبريل

- ‌محمد جميل غازي

- ‌محمد حسين يعقوب

- ‌محمد خالد الفاضل

- ‌محمد صالح المنجد

- ‌ محمد عزير شمس

- ‌محمد عيد عباسى

- ‌محمد محمود الصواف

- ‌ محمد موسى آل نصر

- ‌محمد فؤاد عبد الباقي

- ‌ محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني

- ‌ محمد نبهان بن حسين بن محمد

- ‌ محمد بن الشيخ عبد الرحمن آل إسماعيل

- ‌محمد بن تركي بن سليمان التركي

- ‌محمد متولي الشعراوي

- ‌محمد أنور شاه الكشميري

- ‌ محمد متولي الشعراوي

- ‌محمد بهجت البيطار

- ‌محمد عبده

- ‌محمد سعيد رسلان

- ‌ محمود شاكر

- ‌مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار

- ‌ مشهور حسن آل سلمان

- ‌مصطفى أحمد الزرقاء

- ‌ مصطفى العدوي

- ‌مصطفى محمد حلمي سليمان

- ‌مصطفى السباعي

- ‌موسى إبراهيم الإبراهيم

- ‌محمد بن حسن بن عقيل موسى الشريف:

- ‌ محمد حامد الفقي

- ‌ مقبل بن هادي الوادعي

- ‌ محمد تقي الدين الهلالي

- ‌محب الدين الخطيب

- ‌ناصر بن حمد آل راشد

- ‌ناصر بن حمد بن حمين الفهد

- ‌ ناصر بن عبد الكريم العقل

- ‌ناصيف اليازجي

- ‌نايف حامد العباس

- ‌نور الدين بن مختار الخادمي

- ‌ نعمان الألوسي البغدادي

- ‌هميجان بن مذيور القحطاني

- ‌وحيد الزمان القاسمي الكيرانوي

- ‌وليد المنيسى

- ‌وهبة الزحيلي

- ‌يعقوب بن عبد الكريم الباحسين

- ‌يوسف القرضاوي

- ‌يوسف بن عيسر القناعي

- ‌يوسف بن عبد العزيز بن صالح العقل

الفصل: ‌ ‌رشيد رضا الإصلاح يبدأ بالصحافة والتعليم (في ذكرى وفاته: 23 من جمادى

‌رشيد رضا

الإصلاح يبدأ بالصحافة والتعليم

(في ذكرى وفاته: 23 من جمادى الأولى 1354هـ)

أحمد تمام

الشيخ رشيد رضا

كان الشيخ رشيد رضا أكبر تلامذة الأستاذ الإمام محمد عبده، وخليفته من بعده، حمل راية الإصلاح والتجديد، وبعث في الأمة روحًا جديدة، تُحرِّك الساكن، وتنبه الغافل، لا يجد وسيلة من وسائل التبليغ والدعوة إلا اتخذها منبرًا لأفكاره ودعوته ما دامت تحقق الغرض وتوصل إلى الهدف.

وكان رحمه الله متعدد الجوانب والمواهب، فكان مفكرًا إسلاميًا غيورًا على دينه، وصحفيًا نابهًا ينشئ مجلة "المنار" ذات الأثر العميق في الفكر الإسلامي، وكاتبًا بليغًا في كثير من الصفح، ومفسرًا نابغًا، ومحدثًا متقنًا في طليعة محدثي العصر، وأديبًا لغويًا، وخطيبًا مفوهًا تهتز له أعواد المنابر، وسياسيًا يشغل نفسه بهموم أمته وقضاياه، ومربيًا ومعلمًا يروم الإصلاح ويبغي التقدم لأمة.

وخلاصة القول: إنه كان واحدًا من رواد الإصلاح الإسلامي الذين بزغوا في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وعملوا على النهوض بأمتهم؛ حتى تستعيد مجدها الغابر، وقوتها الفتية على هدى من الإسلام، وبصر بمنجزات العصر.

المولد والنشأة

في قرية "القلمون" كان مولد "محمد رشيد بن علي رضا" في (27 من جمادى الأولى 1282هـ = 23من سبتمبر 1865م) ، وهي قرية تقع على شاطئ البحر المتوسط من جبل لبنان، وتبعد عن طرابلس الشام بنحو ثلاثة أميال، وهو ينتمي إلى أسرة شريفة من العترة النبوية الشريفة، حيث يتصل نسبها بآل "الحسين بن علي" رضي الله عنها .

وكان أبوه "علي رضا" شيخًا للقلمون وإمامًا لمسجدها، فعُني بتربية ولده وتعليمه؛ فحفظ القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ثم انتقل إلى طرابلس، ودخل المدرسة الرشيدية الابتدائية، وكانت تابعة للدولة العثمانية، وتعلم النحو والصرف ومبادئ الجغرافيا والحساب، وكان التدريس فيها باللغة التركية، وظل بها رشيد رضا عامًا، ثم تركها إلى المدرسة الوطنية الإسلامية بطرابلس سنة (1299هـ = 1882م) ، وكانت أرقى من المدرسة السابقة، والتعليم فيها بالعربية، وتهتم بتدريس العلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية، وقد أسس هذه المدرسة وأدارها الشيخ "حسين الجسر" أحد علماء الشام الأفذاذ ومن رواد النهضة الثقافية العربية، وكان يرى أن الأمة لا يصلح حالها أو ترتقي بين الأمم إلا بالجمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا على الطريقة العصرية الأوربية مع التربية الإسلامية الوطنية.

ولم تطل الحياة بتلك المدرسة فسرعان ما أُغلقت أبوابها، وتفرّق طلابها في المدارس الأخرى، غير أن رشيد رضا توثقت صلته بالشيخ الجسر، واتصل بحلقاته ودروسه، ووجد الشيخ الجسر في تلميذه نباهة وفهمًا، فآثره برعايته وأولاه عنايته، فأجازه سنة (1314هـ = 1897م) بتدريس العلوم الشرعية والعقلية والعربية، وهي التي كان يتلقاها عليه طالبه النابه، وفي الوقت نفسه درس "رشيد رضا" الحديث على يد الشيخ "محمود نشابة" وأجازه أيضًا برواية الحديث، كما واظب على حضور دروس نفر من علماء طرابلس، مثل: الشيخ عبد الغني الرافعي، ومحمد القاوجي، ومحمد الحسيني، وغيرهم.

في قريته

اتخذ الشيخ رشيد رضا من قريته الصغيرة ميدانًا لدعوته الإصلاحية بعد أن تزود بالعلم وتسلح بالمعرفة، وصفت نفسه بالمجاهدات والرياضيات الروحية ومحاسبة نفسه وتخليص قلبه من الغفلة وحب الدنيا، فكان يلقي الدروس والخطب في المسجد بطريقة سهلة بعيدة عن السجع الذي كان يشيع في الخطب المنبرية آنذاك، ويختار آيات من القرآن يحسن عرضها على جمهوره، ويبسط لهم مسائل الفقه، ويحارب البدع التي كانت شائعة بين أهل قريته.

ولم يكتف الشيخ رضا بمن يحضر دروسه في المسجد، فذهب هو إلى الناس في تجمعاتهم في المقاهي التي اعتادوا على الجلوس فيها لشرب القهوة والنارجيلة، ولم يخجل من جلوسه معهم يعظهم ويحثهم على الصلاة، وقد أثمرت هذه السياسة المبتكرة، فأقبل كثير منهم على أداء الفروض والالتزام بالشرع والتوبة والإقبال على الله، وبعث إلى نساء القرية من دعاهن إلى درس خاص بهن، وجعل مقر التدريس في دار الأسرة، وألقى عليهن دروسًا في الطهارة والعبادات والأخلاق، وشيئًا من العقائد في أسلوب سهل يسير.

الاتصال بالأستاذ الإمام

في الفترة التي كان يتلقى فيها رشيد رضا دروسه في طرابلس كان الشيخ محمد عبده قد نزل بيروت للإقامة بها، وكان محكومًا عليه بالنفي بتهمة الاشتراك في الثورة العرابية، وقام بالتدريس في المدرسة السلطانية ببيروت، وإلقاء دروسه التي جذبت طلبة العلم بأفكاره الجديدة ولمحاتة الذكية، وكان الشيخ محمد عبده قد أعرض عن السياسة، ورأى في التربية والتعليم سبيل الإصلاح وطريق الرقي، فركز جهده في هذا الميدان.

وعلى الرغم من طول المدة التي مكثها الشيخ محمد عبده في بيروت فإن الظروف لم تسمح لرشيد رضا بالانتقال إلى المدرسة السلطانية والاتصال بالأستاذ الإمام مباشرة، والتلمذة على يديه، وكان التلميذ النابه شديد الإعجاب بشيخه، حريصًا على اقتفاء أثره في طريق الإصلاح، غير أن الفرصة سنحت له على استحياء، فالتقى بالأستاذ الإمام مرتين في طرابلس حين جاء إلى زيارتها؛ تلبية لدعوة كبار رجالها، وتوثقت الصلة بين الرجلين، وازداد تعلق رشيد رضا بأستاذه، وقوي إيمانه به وبقدرته على أنه خير من يخلف "جمال الدين الأفغاني" في ميدان الإصلاح وإيقاظ الشرق من سباته.

وحاول رشيد رضا الاتصال بجمال الدين الأفغاني والالتقاء به، لكن جهوده توقفت عند حدود تبادل الرسائل وإبداء الإعجاب، وكان جمال الدين في الآستانة يعيش بها كالطائر الذي فقد جناحيه فلا يستطيع الطيران والتحليق، وظل تحت رقابة الدولة وبصرها حتى لقي ربه سنة (1314هـ = 1897م) دون أن تتحقق أمنية رشيد رضا في رؤيته والتلمذة على يديه.

في القاهرة

لم يجد رشيد رضا مخرجًا له في العمل في ميدان أفسح للإصلاح سوى الهجرة إلى مصر والعمل مع محمد عبده تلميذ الأفغاني حكيم الشرق، فنزل الإسكندرية في مساء الجمعة (8 من رجب 1315 هـ = 3 من يناير 1898م) ، وبعد أيام قضاها في زيارة بعض مدن الوجه البحري نزل القاهرة واتصل على الفور بالأستاذ الإمام، وبدأت رحلة جديدة لرشيد رضا كانت أكثر إنتاجًا وتأثيرًا في تفكيره ومنهجه الإصلاحي.

ولم يكد يمضي شهر على نزوله القاهرة حتى صارح شيخه بأنه ينوي أن يجعل من الصحافة ميدانًا للعمل الإصلاحي، ودارت مناقشات طويلة بين الإمامين الجليلين حول سياسة الصحف وأثرها في المجتمع، وأقنع التلميذ النجيب شيخه بأن الهدف من إنشائه صحيفة هو التربية والتعليم، ونقل الأفكار الصحيحة لمقاومة الجهل والخرافات والبدع، وأنه مستعد للإنفاق عليها سنة أو سنتين دون انتظار ربح منها.

مجلة المنار

صدر العدد الأول من مجلة المنار في (22 من شوال 1315هـ = من مارس 1898م) ، وحرص الشيخ رشيد على تأكيد أن هدفه من المنار هو الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة، وبيان أن الإسلام يتفق والعقل والعلم ومصالح البشر، وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام، وتفنيد ما يعزى إليه من الخرافات.

وأفردت المجلة إلى جانب المقالات التي تعالج الإصلاح في ميادينه المختلفة بابًا لنشر تفسير الشيخ محمد عبده، إلى جانب باب لنشر الفتاوى والإجابة على ما يرد للمجلة من أسئلة في أمور اعتقادية وفقهية، وأفردت المنار أقسامًا لأخبار الأمم الإسلامية، والتعريف بأعلام الفكر والحكم والسياسة في العالم العربي والإسلامي، وتناول قضايا الحرية في المغرب والجزائر والشام والهند.

ولم يمض خمس سنوات على صدور المجلة حتى أقبل عليها الناس، وانتشرت انتشارًا واسعًا في العالم الإسلامي، واشتهر اسم صاحبها حتى عُرف باسم رشيد رضا صاحب المنار، وعرف الناس قدره وعلمه، وصار ملجأهم فيما يعرض لهم من مشكلات، كما جاء العلماء يستزيدون من عمله، وأصبحت مجلته هي المجلة الإسلامية الأولى في العالم الإسلامي، وموئل الفتيا في التأليف بين الشريعة والعصر.

وكان الشيخ رشيد يحرر معظم مادة مجلته على مدى عمرها المديد، يمده زاد واسع من العلم، فهو عالم موسوعي ملم بالتراث الإسلامي، محيط بعلوم القرآن، على دراية واسعة بالفقه الإسلامي والسنة النبوية، عارف بأحوال المجتمع والأدوار التي مر بها التاريخ الإسلامي، شديد الإحاطة بما في العصر الذي يعيش فيه، خبير بأحوال المسلمين في الأقطار الإسلامية.

منهجه في الإصلاح

كتب رشيد مئات المقالات والدراسات التي تهدف إلى إعداد الوسائل للنهوض بالأمة وتقويتها، وخص العلماء والحكام بتوجيهاته؛ لأنهم بمنزلة العقل المدبر والروح المفكر من الإنسان، وأن في صلاح حالها صلاح حال الأمة، وغير ذلك بقوله:"إذا رأيت الكذب والزور والرياء والنفاق والحقد والحسد وأشباهها من الرذائل فاشية في أمة، فاحكم على أمرائها وحكامها بالظلم والاستبداد وعلى علمائها ومرشديها بالبدع والفساد، والعكس بالعكس".

واقترح رشيد رضا لإزالة أسباب الفرقة بين المسلمين تأليف كتاب يضم جميع ما اتفقت عليه كلمة المسلمين بكل فرقهم، في المسائل التي تتعلق بصحة الاعتقاد وتهذيب الأخلاق وإحسان العمل، والابتعاد عن مسائل الخلاف بين الطوائف الإسلامية الكبرى كالشيعة، وتُرسل نسخ بعد ذلك من هذا الكتاب إلى جميع البلاد الإسلامية، وحث الناس على دراستها والاعتماد عليها.

وطالب بتأليف كتب تهدف إلى توحيد الأحكام، فيقوم العلماء بوضع هذه الكتب على الأسس المتفق عليها في جميع المذاهب الإسلامية وتتفق مع مطالب العصر، ثم تُعرض على سائر علماء المسلمين للاتفاق عليها والتعاون في نشرها وتطبيق أحكامها.

التربية والتعليم

كان الشيخ رشيد رضا من أشد المنادين بأن يكون الإصلاح عن طريق التربية والتعليم، وهو في ذلك يتفق مع شيخه محمد عبده في أهمية هذا الميدان، "فسعادة الأمم بأعمالها، وكمال أعمالها منوط بانتشار العلوم والمعارف فيها".

وحدد "رشيد رضا" العلوم التي يجب إدخالها في ميدان التربية والتعليم لإصلاح شئون الناس، ودفعهم إلى مسايرة ركب العلم والعرفان، مثل: علم أصول الدين، علم فقه الحلال والحرام والعبادات، التاريخ، الجغرافيا، الاجتماع، الاقتصاد، التدبير المنزلي، حفظ الصحة، لغة البلاد، والخط.

ولم يكتف بدور الموجه والناصح، وإنما نزل ميدان التعليم بنفسه، وحاول تطبيق ما يراه محققًا للآمال، فأنشأ مدرسة دار الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة المدربين لنشر الدين الإسلامي، وجاء في مشروع تأسيس المدرسة أنها تختار طلابها من طلاب العلم الصالحين من الأقطار الإسلامية، ويُفضل من كانوا في حاجة شديدة إلى العلم كأهل جاوة والصين، وأن المدرسة ستكفل لطلابها جميع ما يحتاجون إليه من مسكن وغذاء، وأنها ستعتني بتدريس طلابها على التمسك بآداب الإسلام وأخلاقه وعبادته، كما تُعنى بتعليم التفسير والفقه والحديث، فلا خير في علم لا يصحبه خلق وسلوك رفيع، وأن المدرسة لا تشتغل بالسياسة، وسيُرسل الدعاة المتخرجون إلى أشد البلاد حاجة إلى الدعوة الإسلامية.

وقد افتتحت المدرسة في ليلة الاحتفال بالمولد النبوي سنة (1330هـ = 1912م) في مقرها بجزيرة الروضة بالقاهرة، وبدأت الدراسة في اليوم التالي للاحتفال، وكانت المدرسة تقبل في عداد طلبتها شباب المسلمين ممن تتراوح أعمارهم ما بين العشرين والخامسة والعشرين، على أن يكونوا قد حصلوا قدرًا من التعليم يمكنهم من مواصلة الدراسة.

غير أن المدرسة كانت في حاجة إلى إعانات كبيرة ودعم قوي، وحاول رشيد رضا أن يستعين بالدولة العثمانية في إقامة مشروعه واستمراره لكنه لم يفلح، ثم جاءت الحرب العالمية لتقضي على هذا المشروع، فتعطلت الدراسة في المدرسة، ولم تفتح أبوابها مرة أخرى.

مؤلفاته

بارك الله في عمر الشيخ الجليل وفي وقته رغم انشغاله بالمجلة التي أخذت معظم وقته، وهي بلا شك أعظم أعماله، فقد استمرت من سنة (1316هـ = 1899م) إلى سنة (1354 = 1935م) ، واستغرقت ثلاثة وثلاثين مجلدًا ضمت 160 ألف صفحة، فضلاً عن رحلاته التي قام بها إلى أوربا والآستانة والهند والحجاز، ومشاركته في ميادين أخرى من ميادين العمل الإسلامي.

ومن أهم مؤلفاته "تفسير المنار" الذي استكمل فيه ما بدأه شيخه محمد عبده الذي توقف عند الآية (125) من سورة النساء، وواصل رشيد رضا تفسيره حتى بلغ سورة يوسف، وحالت وفاته دون إتمام تفسيره، وهو من أجل التفاسير. وله أيضًا: الوحي المحمدي ونداء للجنس اللطيف، وتاريخ الأستاذ الإمام والخلافة، والسنة والشيعة، وحقيقة الربا، ومناسك الحج.

وفاة الشيخ

كان للشيخ رشيد روابط قوية بالمملكة العربية السعودية، فسافر بالسيارة إلى السويس لتوديع الأمير سعود بن عبد العزيز وزوده بنصائحه، وعاد في اليوم نفسه، وكان قد سهر أكثر الليل، فلم يتحمل جسده الواهن مشقة الطريق، ورفض المبيت في السويس للراحة، وأصر على الرجوع، وكان طول الطريق يقرأ القرآن كعادته، ثم أصابه دوار من ارتجاج السيارة، وطلب من رفيقيه أن يستريح داخل السيارة، ثم لم يلبث أن خرجت روحه الطاهرة في يوم الخميس الموافق (23 من جمادى الأولى 1354هـ = 22 من أغسطس 1935م)، وكانت آخر عبارة قالها في تفسيره:"فنسأله تعالى أن يجعل لنا خير حظ منه بالموت على الإسلام".

مصادر الدراسة:

أحمد الشرباصي: رشيد رضا صاحب المنار - إصدارات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة.

إبراهيم العدوي - رشيد رضا الإمام المجاهد - المؤسسة المصرية العامة للتأليف - القاهرة - بدون تاريخ.

أنور الجندي - أعلام وأصحاب أقلام - دار نهضة مصر للطبع والنشر - القاهرة - بدون تاريخ.

المصدر: موقع إسلام أون لاين: www.islam-online.net

ص: 74