الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
ثانيًا: منهج المؤلف في الكتاب:
ذكر الإمامُ المُظْهريُّ في مقدمة هذا الشَّرح أنَّ زُمرة خِلَّانه وثُلَّة خُلَصائه ألحُّوا عليه في أنْ يضعَ لهم شرحًا على كتاب المصابيح، وطلبوا منه أن لا يكون هذا الشرحُ مطوَّلًا مُمِلًا، ولا مُختَصَرًا مُخِلًا، فأجابهم رحمه الله إلى ذلك.
ثمَّ ذكر أنَّه أوردَ في أوَّلِ الكتاب مقدمةً في اصطلاحات أصحاب الحديث وأنواع علوم الحديث.
وأورد فيه كلَّ راوٍ لم يكن مذكورًا في متن المصابيح.
وتَرَكَ ذِكْرَ مَنْ هو مذكورٌ فيه.
ثمَّ بدأ رحمه الله بذكر المقدمةِ التي وَعَدَ في معرفة أنواع علم الحديث، وقسَّمها إلى عشرينَ نوعًا.
ثمَّ شَرَعَ بشرح مقدمةِ الإمام البَغَويَّ رحمه الله وما انطوت عليه من الإشارات والتنبيهات.
ثمَّ أتى على شرح أحاديث الكتاب، شارحًا لها حديثًا حديثًا، على ترتيب الإمام البَغَويَّ، وظهر من ذلك أنَّه لم يُغفِلْ حديثًا من الأحاديث إلا وشَرَحه. وقد تبيَّن من خلال شرحه رحمه الله أنَّه عُني ببيان أسماء الرُّواة وضَبْطِهم؛ كقوله في حديث: "المُسلم مَنْ سَلِمَ المسلمون
…
" رواه فَضالة بن عُبيد. قال: وفضالة - بفتح الفاء -: اسم جد نافذ بن قيس بن صُهيب، وكنية فَضَالة أبو محمَّد، وهو الأنصاري (1).
وكقوله في حديث: "إنَّ أعظمَ المسلمين في المسلمين جُرمًا
…
" رواه
(1) انظر: (1/ 132).
سعد بن أبي وقاص.
قال: وكنية سعد: أبو إسحاق، واسم أبيه مالك بن أُهَيب بن عبد مَنَاف ابن زُهرة بن كِلاب القرشي، وكنية مالك: أبو وقاص.
* كما ظهر فيه عنايتُه بنُسخ "مصابيح السنة"، والتنبيهُ إلى ما وقع فيها من الأخطاء والاختلافات.
وذلك كقوله في حديثٍ لصفوانَ بن عَسَّال رضي الله عنه: "لكانَ له أربعةُ أَعْيُنٍ".
قال: وينبغي أن يكون: "كان له أربعُ أعين" بغير هاء؛ لأن العدد من الثلاثة إلى العشرة إذا أُضيف إلى مؤنَّث يكون بغير هاء، والعينُ مؤنثٌ، وهذا اللفظ في "صحيح أبي عيسى" بغير هاء كما هو القياس، وفي نُسخ المصابيح بالهاء، فلعله سهوٌ من الناسخين (1).
وكقوله في حديث عبد الله بن زيد: أنَّه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضَّأَ، وأنه مَسَحَ رأسَه بماءٍ غيرِ فَضْلِ يديه.
قال: وهذا الحديثُ منقول في "صحيح مسلم"، فينبغي أن يكون من الصِّحاح، فلعل المصنفَ رحمه الله لم يشعر كونَه في "صحيح مسلم"، ووجده في "صحيح الترمذي" فجعله من الحسان. ثمَّ ذكر بعد هذا: واعلم أنَّ عبد الله بن زيد حيث أتى ذكرُه في كتاب المصابيح فهو عبد الله بن زيد بن عاصم، إلا في حديث الأذان فإنَّه عبدُ الله بنُ زيد بن عبدِ ربِّه الأنصاريُّ الخَزْرجيُّ (2).
(1) انظر: (1/ 146).
(2)
انظر: (1/ 402). وانظر أمثلة أخرى: (1/ 277)، (2/ 225، 501)، (4/ 252).
* كما عُني رحمه الله ببيان غريب الكلمات والألفاظ معتمدًا على أمَّهات كتبِ اللغة والغريب؛ ككتاب "الصِّحاح" للجوهري، و"الفائق" للزمخشري، وغيرهما، فكان يختصرُ كلامَهم في شرح لفظةٍ ما ويذلِّل سَوقَها بعباراتٍ بسيطةٍ قريبةٍ من أفهام المُطالعين على اختلاف درجاتهم.
* كما نَثَرَ رحمه الله جملةً من المسائل الفقهية مما لها متعلَّقٌ بالحديث، مقدِّمًا في غالب الأحيان مذهبَي الإمامَين أبي حنيفة والشَّافعي - رحمهما الله - في الذِّكر، وناقلًا أكثرَ كلامَيهما وكلامَ الفقهاء الآخرين من "شرح السنة" و"التهذيب" للإمام البَغَويِّ رحمه الله تعالى.
* وظهر في الشرح أنَّ المؤلفَ رحمه الله يسيرُ على مذهب الأشاعرة في مباحث الاعتقاد، وذلك في تأويل الصِّفات الفعلية والخبريَّة للباري سبحانه وتعالى؛ كالضَّحك والغَضَب والفَوقيَّة وغيرها.
وذلك كقوله في حديث: "لا أحد أحبّ إليه المِدْحة
…
"، قال رحمه الله: اعلم أن الحبَّ فينا والغضب والفرح والحزن وما أشبه ذلك: عبارة عن تغيُّر القلب وغَلَيانه، ويزيد قدرُ واحدٍ مِنَّا بأن يمدحه أحدٌ، وربما ينقص قدرُه بترك المدح، والله تعالى منزَّه عن صفات المخلوقات، بل الحبُّ فيه معناه: الرِّضا بالشيء وإيصالُ الرحمةِ والخير إلى مَنْ أحبَّه، والغضبُ فيه إيصالُ العذابِ إلى مَنْ غَضِبَ عليه؛ يعني: مَن مَدَحَه أوصلَ إليه الرحمةَ والخير (1).
وكقوله في حديث: "لو أنَّ السماواتِ السبع وعامِرُهنَّ غيري"، قال: هذا مشكل على تأويل العامر بالسَّاكن، فإنَّ الله ليس بساكن السماواتِ والأرض، بل
(1) انظر: (4/ 114).
لا مكانَ له أصلًا (1).
- على أنَّه رحمه الله في بعض المواضع عَرَض لذِكْر مذهبِ جمهور أهلِ السنَّة في الإثبات من غير تكييف ولا تمثيلٍ ولا تشبيهٍ ولا تعطيلٍ لتلك الصفاتِ، وذلك كقوله في حديث:"وكلتا يديه يمينٌ": ما جاء من ذكرِ اليمين واليد والإِصبع وغيرها من صفات الله لا نؤوِّله، بل نؤمنُ به ونقول: هو صفةٌ من صفات الله تعالى، ولا نعلم كيفيتَها (2).
* وقد سار رحمه الله على هذا النَّهج - من الشرح وسوق الاختلاف الواقع في نسخ المصابيح، وتبيين أسماء الرواة والمسائل الفقهية - حتى الحديث رقم (1199)، حيث قلَّ رجوعُه إلى المصادر، وقلَّ تنبيهُه على فروق النسخ، وصار يكتفي بذكر اسمِ الرَّاوي للحديث فقط دون تفصيلٍ في غالب المواضع.
وقد ذكر رحمه الله سببَ ذلك فقال: "ليعلم زُمرة إخواني، وثُلَّة خُلَصائي أني قد شرطتُ في أولِ الكتاب أَنْ أوردَ كلَّ حديثٍ من أحاديث هذا الكتاب مكتوباً بالحُمرة، ثمَّ أشرح ذلك، ثم إنَّي لما رأيت غَلَبة الكفارِ على المسلمين، وسمعتُ بواقعة أميرِ المؤمنين، تكدَّر زماني، وتحيَّر جناني
…
، فهممتُ أنْ أتركَ التصنيف والتدريس طُرَّاً، وأطوي في البكاء عُمرًا، ولكن خِفْتُ ربَّ العالمين أن أتركَ ما استطعتُ إظهارَ الدين، فإنَّ هذا مما يَفْرحُ به الشيطانُ اللعين.
(1) انظر: (4/ 166). وانظر: (4/ 344).
(2)
انظر: (4/ 300 - 301). ويجب التنبيه إلى أن مذهب الجمهور من السلف والخلف إثبات هذه الصفات كما جاءت في القرآن وصحيح السنة النبوية، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل، وقد اكتفينا بالتنبيه هنا من التنبيه في أكثر من موضع من الكتاب؛ لأنَّ هذا كان غالب المنهج الذي سار عليه المؤلف رحمه الله في كتابه.
فحولَقْتُ وردَّدتُ كلمةَ الاسترجاعِ، وأقبلتُ مع امتلاء قلبي من الجراح والأوجاع إلى إتمام الكتاب، واستعنتُ فيه من الله الوهَّاب، سالكًا سبيلَ الاختصار، بأنْ أتركَ كتابةَ لفظِ المصابيح بالحُمرة، وأوردَ منه ما يُحتاجُ إلى الشَّرحِ، من غير أنْ أتركَ من الإشكالاتِ شيئًا، والله الموفِّق والمُرْشد (1).
* وقد اعتمد رحمه الله على أمَّهات المصادر والمراجع في هذا الشَّرح، وهي وإن كانت قليلة، لكنها عُمدةٌ في بابها، وهي:
1 -
"معالم السنن" للخطَّابي.
2 -
"شرح السنة" للبَغَوي.
3 -
"تفسير البغوي" المسمى: "معالم التنزيل".
4 -
"الميسَّر في شرح مصابيح السنة" للتُّوْرِبِشْتي.
5 -
"تفسير الوسيط" للواحدي.
6 -
"الصحاح" للجوهري.
7 -
"الغريبين" لأبي عبيد الهَروي.
8 -
"المُغيث في غريب الحديث" لأبي موسى المديني.
9 -
"الفائق في غريب الحديث" للزَّمخشري.
* تتمة المفاتيح في شرح المصابيح:
سار متمِّمُ شرحِ الإمامِ المُظْهري في القسم الأخير من الكتاب على نَهجِ شيخه وصاحبِ الأصل من حيث تبيين أسماء الرواة، وفروق النُّسخ، وشرح الألفاظ الغريبة، وحلِّ الإشكالات، وذكر المسائل الفقهية المتعلقة بالحديث.
(1) انظر: (2/ 444 - 445).