الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معجزات الرسول:
لو سئل مسلم عن معجزات الرسول لقال: معجزته القرآن.
بهذه الإجابة البسيطة قال المسلم حقًا وأجاب صدقًا. فالقرآن بما فيه -وما فيه كثير وكثير- يغني عن تلمس أي برهان أو البحث عن معجزة أخرى غيره.
لكن الفكرة الشائعة في أذهان البشر عن المعجزة تدفعهم بداءة إلى توقع الحديث عن أعاجيب وخرق لقوانين الطبيعة، وهو ما سوف نصطلح على تسميته بمعجزات الحوادث باعتبارها تمثل أحداثا شغل كل منها حيزًا محددا من الزمان والمكان.
ومن المعلوم أن وقوع معجزات الحوادث -على شاكلة ما تذكره أسفار العهد القديم، وأسفار العهد الجديد- ليس قرينة كافية على صدق النبي. فقد حذرت التوراة من إمكانية حدوث معجزات مادية على أيدي أنبياء كذبة يدعون إلى غير توحيد الله، فقالت تعليمًا من الله:"إذا قام في وسطك نبي أو حالم. وأعطاك آية أو أعجوبة، لو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها، قائلًا: لنذهب وراء آلهة آخرى.. فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم لأن الرب إلهكم يمتحنكم.. وذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم يقتل لأنه تكلم بالزيغ من وراء الرب إلهكم".
وكذلك حذر الإنجيل على لسان المسيح من أولئك الذين يحسبون مسيحيين ويأتون بمعجزات تثير عجب الناس وتستولي عليهم، لكنهم في حقيقة الأمر كذبة وإخوة للشياطين. وفي هذا يقول:
"ليس كل من يقول: يارب، يارب، يدخل ملكوت السموات، وكثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يارب، يارب أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة.
فحينئذ أصرح لهم: إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" "متى 7: 21-23".
وكذلك بين المسيح أن صدق النبوة لا يشترط ارتباطها بحدوث الأعاجيب، فهذا يحيى بن زكريا الذي قال في حقه.
"ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبيًا؟ نعم أقول لكم، وأفضل من نبي".
ويشهد الإنجيل بأن يحيى هذا "لم يفعل آية واحدة""يوحنا 10: 41".
ومع ذلك فإن دراسة معجزات الرسول تدفعنا إلى الحديث عنها من وجهين:
الأول: معجزات الحوادث على شاكلة معجزات الأنبياء السابقين.
الثاني: معجزات القرآن.
وفيما يلي عرض سريع لبعض ما يقال في هذا المجال الواسع.
معجزات الحوادث:
من كتب السيرة: نجد في كتب السيرة1 أحاديث عن معجزات وأعاجيب صنعها الرسول وشهدها الناس. كفارًا ومؤمنين وقد كان بعضها سببًا مباشرًا لإيمان من آمن منهم -ويذكر في هذا المجال ما يلي:
1-
دخل أعرابي المسجد يوم جمعة والرسول قائم يخطب. فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وتقعطت السبل. فادع الله لنا يغيثنا. فرفع الرسول يديه وقال:"اللهم اسقنا""ثلاثا"، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت واستمر الحال على ذلك ستة أيام.
2-
خرج رسول الله ذات يوم مع جمع من أصحابه فلما حضرت الصلاة لم يجد القوم ما يتوضئون به. فقالوا: يا رسول الله، ما نجد ما نتوضأ به، ورأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك. فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير، فأخذ نبي الله فتوضأ منه، ثم مد أصابعه الأربع على القدح ثم قال:"هلموا فتوضئوا"، فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء وكانوا أكثر من سبعين.
3-
لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ فلما رأى عمر بن الخطاب أن رسول الله قد هم أن يأذن لهم في نحر بعض ظهورهم "التي يركبونها" قال: يا رسول الله، كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غدًا جياعًا رجالًا؟! ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم وتجمعها ثم تدعو الله فيها بالبركة فإن الله سيبارك لنا في دعوتك.
فدعا النبي ببقايا أزوادهم فجعل الناس يجيئون بالحبة من الطعام وفوق ذلك فكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر. فجمعها رسول الله ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعو، ثم دعا الجيش بأوعيتهم وأمرهم أن يحتثوا فما بقي في الجيش وعاء إلا ملئوه.
1 راجع البداية والنهاية -لابن كثير- الجزء السادس.
4-
أتى النبي رجل من بني عامر فقال: يا رسول الله، أرني الخاتم الذي بين كتفيك فإني من أطب الناس. فقال له رسول الله:"ألا أريك آية"؟ قال: بلى، قال: فنظر إلى نخلة فقال: "ادع ذلك العذق". فدعاه فجاء ينقز بين يديه، فقال له رسول الله:"ارجع" فرجع إلى مكانه. فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيت كاليوم رجلًا أسحر من هذا؟
5-
كان في المسجد جذع نخلة يسند رسول الله ظهره إليه إذا كان يوم جمعة أو حدث أمر يريد أن يكلم الناس فيه فقالوا: ألا نجعل لك يا رسول الله شيئًا كقدر قيامك؟
قال: "لا عليكم أن تفعلوا". فصنعوا له منبرًا ثلاث مراق. فلما جلس عليه. خار الجذع كما تخور البقرة ولم يسكن إلا بعد أن التزمه الرسول ومسحه.
6-
أبصر رسول الله بشر بن راعي العير وهو يأكل بشماله، فقال:"كل بيمينك". قال: لا أستطيع "ليس عن عجز وإنما تكبرًا" قال: "لا استطعت".
فشلت يده وما وصلت إلى فيه بعد ذلك.
7-
قال حبيب بن أساف: أتيت رسول الله أنا ورجل من قومي في بعض مغازيه، فقلنا: إنا نشتهي أن نشهد معك مشهدًا. قال: "أسلمتم"؟ قلنا: لا، قال:"فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين". قال: فأسلمنا.
وشهدت مع رسول الله فأصابتني ضربة على عاتقي فجافتني فتعلقت يدي.
فأتيت رسول الله، فتفل فيها وألزقها، فالتأمت وبرأت، وقتلت الذي ضربني.
8-
أتى جابر بن عبد الله إلى رسول الله فعرف في وجهه الجوع. فرجع إلى منزله فذبح داجنًا كانت عندهم وطبخها وثرد تحتها في جفنة وحملها إلى رسول الله. فأمره أن يدعو له الأنصار فأدخلهم عليه أرسالا. فأكلوا كلهم وبقي مثل ما كان، وكان رسول الله يأمرهم أن يأكلوا ولا يكسروا عظمًا. ثم إنه جمع العظام في وسط الجفنة فوضع عليها يده، ثم تكلم بكلام لا أسمعه إلا أني أرى شفتيه تتحرك، فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها.
فقال: "خذ شاتك با جابر، بارك الله لك فيها". قال: فأخذتها ومضيت وإنها لتنازعني أذنها حتى أتيت البيت. فقالت لي المرأة: ما هذا يا جابر؟ فقلت: هذه والله شاتنا التي ذبحناها لرسول الله دعا الله فأحياها لنا. فقالت: أنا أشهد أنه رسول الله، أشهد أنه رسول الله، أشهد أنه رسول الله.
9-
وحدث يوم أحد أن سالت عين قتادة بن النعمان على خده، فأخذها الرسول في كفه وأعادها إلى مقرها فاستمرت بحالها وبعدها.
وحدث يوم خيبر أن نفث في عيني علي وهو أرمد، ومسح رجل سلمة بن الأكوع بعد أن أصيبت، فبرئت الأعضاء المصابة جميعًا لساعتها.
من القرآن الكريم: نذكر هنا بعضًا مما اصطلحنا على تسميته بمعجزات الحوادث وجاء ذكرها في القرآن. ومن هذه المعجزات:
1-
الإسراء والمعراج: وقد سجل القرآن حادث الإسراء في سورة عرفت باسمه تستفتح بالقول الكريم: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] .
وقد حدث في صبيحة الإسراء أن صلى رسول الله الصبح ثم قال لابنة عمه: "يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين".
وقال الرسول لابنة عمه: "وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت".
فأشفقت عليه أم هانئ من تكذيب قومه وأخذت بثوبه قائلة: إني أذكرك الله أنك تأتي قومك يكذبونك وينكرون مقالتك فأخاف أن يسطوا بك، قالت: فضرب ثوبه من يدي ثم خرج إليهم فأتاهم وهم جلوس فأخبرهم ما أخبرني.
وقالت عائشة: لما أسري برسول الله إلى المسجد الأقصى، أصبح يحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر
فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أن أسري به الليلة إلى بيت المقدس. فقال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أفتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح. قال: نعم. إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء.
وتذكر كتب السيرة أن رسول الله التقى ليلة الإسراء بعدد من الأنبياء وخاصة أصحاب الرسالات الكبرى ومنهم موسى. وفي هذا تقول سورة السجدة 23- حسب رأي المفسريين1: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} . وهذا يعني -قياسًا- أن يلتقي محمد خاتم النبيين بكل من أوتي كتابًا من الأنبياء والمرسلين ومنهم إبراهيم2 وداود وعيسى. وهنا نذكر ميثاق الله مع النبيين في عالم الحقيقة: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 81-83] .
هذا عن حادث الإسراء، وأما حادث المعراج فقد سجلته سورة النجم في قوله:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 13-18] .
1 تفسير ابن كثير.
2 يذكر القرآن الكريم صحف إبراهيم في قوله: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 18-19] وكذلك ما جاء في سورة: [النجم: 36-37] .
وهنا وقفة نستمع فيها إلى حديث يعتبر -في نظري- من أهم ما روته عائشة أم المؤمنين من أحاديث. ويروي هذا الحديث عنها مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم علي الله الفرية. قلت ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني.
ألم يقل الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} 1، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} 2؟
فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنما هو جبريل. لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين. رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء والأرض".
فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51] .
قالت: ومن زعم أن رسول الله كتم شيئًا من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] .
قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول:{قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ} [النمل: 65]3.
1 التكوير: 23.
2 النجم: 13.
3 اقرأ أيضًا قوله تعالى في سورة الأنعام: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الآية: 50] .
قالت: ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه -لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37] .
بقي أن نذكر عددًا من الملاحظات على معجزة الإسراء والمعراج:
1 كلتاهما آية من آيات الله جاءت للرسول شخصيًا، بدليل قوله عن الإسراء:{لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1] . وقوله عن المعراج: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18] .
ولنا بعد ذلك أن نقول: إن الله -جلت حكمته- أراد أن يخفف من أحزان الرسول، ومعاناته بسبب تكذيب قومه إياه وإيذائه ومن اتبعه من المسلمين وما تعرضوا له من حرب نفسية واقتصادية وعذاب بدني، فكان الإسراء والمعراج حتى ترتفع نفس الرسول فوق تلك المحن والآلام، ومن ثم يستطيع أن يرفع معنويات أتباعه ويبث في أنفسهم الطمأنينية والثقة في خير العاقبة.
وكان الإسراء والمعراج تعليمًا للرسول وإطلاعًا له على الملكوت حتى ينبئ عن عوالم الغيب بحديث اليقين. فالقاعدة التي درج الناس عليها أن يكون مستوى المعلم أرقى من مستوى تلاميذه. وكذلك الأنبياء جاءوا معلمين للبشرية فلا شك أن مستواهم يجب أن يكون -وإنه لكذلك- أكبر وأرقى من مستوى الناس جميعًا.
2 والمسلم ملتزم بالإيمان بمعجزة الإسراء والمعراج لكونها مسجلة في القرآن على هذا النحو البين، ولا عليه بعد ذلك أن يذكر المنطق الرياضي الذي استخدمه أبو بكر في البرهنة على صدق الحادث، وذلك حين لجأ إلى باب القياس فقال:"إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء". وما يترتب على ذلك هو أن يصدق المؤمن -كل مؤمن- الرسول في كل ما يقول.
3 ليس عجيبًا أن يرتد نفر عن الإيمان بالرسول بعد حديث الإسراء، فتاريخ الرسالات الكبرى مليء بأمثال هؤلاء الذين بقيت نفوسهم تعاني من صغار عاقها عن الارتفاع إلى مستوى الأحداث، واستمرت تقيس الأمور بمقاييس قاصرة أو خاطئة أدى بها ذلك إلى الرسول والكفر برسالته.
لقد فعل بنو إسرائيل شيئًا من ذلك مع موسى -على الرغم من الآيات والأعاجيب التي صنعها في وسطهم- فبعد أن فك أسرهم من قبضة فرعون وطوف بهم في سيناء قاصدًا فلسطين يريد اقتحامها، تخاذلت الجماعة الإسرائيلية عندما علمت بقوة سكان الأرض "وبكى الشعب تلك الليلة وتذمر على موسى وعلى هارون جميع بني إسرائيل، وقال لهما كل الجماعة: ليتنا متنا في أرض مصر
…
لماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف
…
أليس خيرًا لنا أن نرجع إلى مصر. فقال بعضهم لبعض: نقيم رئيسًا ونرجع إلى مصر" "العدد 14: 1-4".
وبعد ذلك نظم لفيف من الإسرائيليين مقاومة لزعامة موسى تريد التمرد عليه والانتكاس في حركته التحريرية وتعمل من أجل العود لمصر وكان على قيادة هذه الحركة "قورح بن يصهار بن قهات لان لاوى، وداثان وابيرام ابنا اليآب
…
يقاومون موسى مع أناس من بني إسرائيل مائتين وخمسين رؤساء الجماعة مدعوين للاجتماع ذوي اسم. فاجتمعوا على موسى وهارون وقالوا لهما: كفاكما. إن كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب.
فأرسل موسى ليدعو داثان وابيرام ابني اليآب فقالا: لا نصعد. أقليل أنك أصعدتنا من أرض تفيض لبنا وعسلًا "أرض مصر" لتميتنا في البرية حتى تترأس علينا ترؤسًا. كذلك لم تأت بنا إلى أرض تفيض لبنا وعسلًا. ولا أعطيتنا نصيب حقول وكروم. هل تقلع أعين هؤلاء القوم، لا نصعد" "العدد 16: 1-14".
وحدثت ردة لكثير من تلاميذ المسيح ومريديه حين سمعوا بعض أحاديثه.
وفي هذا يقول الإنجيل: "قال كثيرون من تلاميذه إذ سمعوا أن هذا الكلام صعب: من يقدر أن يسمعه. فعلم يسوع في نفسه أن تلاميذه يتذمرون على هذا فقال لهم: أهذا يعثركم..!
من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه "ولم يبق معه إلا الاثنا عشر" فقال يسوع للاثنى عشر: ألعلكم أنتم أيضًا تريدون أن تمضوا".
ولا ننسى ردة يهوذا الذي ائتمنه المسيح فجعله أمين سره وعينه أمينًا لصندوق الجماعة فقد "كان الصندوق عنده وكان يحمل ما يلقي فيه""يوحنا 12: 6".
ثم تآمر على سيده، بيد أن خيانته ارتدت عليه فلقي جزاءه.
ليس عجيبًا -إذن- أن يرتد نفر عن الإيمان بالرسول في أعقاب حادث الإسراء الذي كان للرسول آية، وللمؤمنين به تمحيصا واختبارًا.
2-
وحين هاجر الرسول برفقة صاحبه أبي بكر من مكة إلى المدينة كان اتجاههما في أول الرحلة إلى الجنوب -في طريق اليمن- حتى تضل قريش وهي تقتفي أثرهما، وكان غار ثور أول محطة لهما.
لكن ذلك لم يثن قريشا عن ابتعاث فتيانها في كل اتجاه يطلبون الرسول حيًا أو ميتًا، وكان منهم من اقترب من ذلك الغار وهناك لقوا راعيًا سألوه فكان جوابه: قد يكونان بالغار
…
وآنذاك شعر أبو بكر بالخطر يطبق عليهما فتصبب عرقًا وقال للرسول: لو نظر أحدهم تحت قدمية لرآنا. فأجابه الرسول: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
لقد ذهب أحد القرشيين يتسلق إلى الغار، ثم ما لبث أن عاد أدراجه.
ولما سأله أصحابه عن سبب نكوصه قال: إن عليه العنكبوت من قبل ميلاد محمد، وحمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أنه ليس فيه أحد -وهناك ارتد فتيان قريش خائبين.
لقد قضي الله -جلت حكمته- أن يعصم محمدا من الناس ويحفظه حتى يكمل الرسالة فقام جند الله ينفذون المشيئة الإلهية {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31] .
لقد عهد إلى الملائكة بإنجاح عملية الهجرة وتأمينها ضد كل محاولات الإحباط التي قد يقوم بها العدو، فنجحت العملية بأمر الله، سجل القرآن ذلك الحدث الخطير فقال مذكرًا المؤمنين:{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40] .
3-
بعث رسول الله رجلًا يستدعى له طاغية من فراعين العرب، فقال الرجل: يا رسول الله، إنه أعتى من ذلك، قال:"اذهب فادعه لي".
فذهب الرجل إلى الطاغية وقال له: يدعوك رسول الله.
قال: وما الله؟ أمن ذهب هو أو من فضة أو من نحاس؟ فرجع الداعية إلى رسول الله وقال له: قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك فقال لي: كذا وكذا.
فقال رسول الله: "ارجع إليه الثانية فادعه". فعاد الداعية إلى الطاغية فأعاد عليه هذا مثل الكلام الأول.
وتكرر ذلك الموقف للمرة الثالثة والطاغية يرفض الحضور عند رسول الله ويجادل هزؤًا واستخفافًا، وبينما هو يتحدث إلى الداعية ويزيد في المراء جاءت إليه سحابة حيال رأسه، فرعدت ووقعت منها صاعقة ذهبت بقحف رأسه.
ونزل القرآن يقول: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13] .
4-
كذلك تدخلت الملائكة في غزوة بدر التي كانت أول المعارك الحاسمة في تاريخ الإسلام وأعظمها خطرًا، وسجل القرآن ذلك الحادث الجليل فقال:
5-
وكذلك تدخلت قوى عظمى في غزوة الأحزاب وكان للملائكة عمل حاسم نصر المسلمين آنذاك بعد موقفهم المتدهور. وفي هذ يقول القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا} [الأحزاب: 9-11] .
إن تدخل الملائكة وغيرها من القوى التي لم يتعود على إدراكها البشر يعني حدوث معجزة وآية عجيبة، وهذه جميعها مرادفات للقوة حسبمان اصطل عليها في الكتاب المقدس.
هذا
…
وبعد أن عرضنا شيئًا من معجزات الحوادث باعتبارها عجائب أيد الله بها رسوله، ننتقل الآن للحديث عن المعجزة الخالدة: معجزة القرآن.
معجزة القرآن:
ماذ أقول في معجزة القرآن
…
هل يمكن أن يأتي الحديث عن الإعجاز القرآني مندرجًا تحت موضوع فرعي من جملة موضوعات يشتمل عليها واحد من فصول هذ الكتاب؟
كلا
…
فالأمر أكبر من ذلك.
بيد أني سأحاول أن أقول كلمات متفرقات تشير إلى ملامح هذا البحر الزاخر، لعلها تعين على رسم صورة -ولو من بعيد- لحقيقة معجزة القرآن.
المعجزة وسيلة لا غاية.. هكذا يشهد تاريخ الرسالات.
فهي وسيلة تعين على الإيمان بالله ورسالاته حتى إذا آمن الناس التزموا بالمنهج الإلهي الذي يضمن لهم الخير في الدنيا والآخرة.
لقد كان عرب الجزيرة العربية قبل الإسلام على تلك الحال المعروفة وأقل ما يقال في أمرهم أنهم كانوا على هامش الحياة، فلما جاءهم القرآن وأسلموا لله وتمسكوا بمنهاجه، أحيا الله مواتهم فطلعوا على العالم بحضارة قوامها الدين والدنيا، وكان لهم من جماع الأمر ما أذهل العالم ولا يزال -حتى الآن.
يقول فيليب حتى: "لو قام في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي أحد وتكهن بأن دولة خامدة الذكر وضيعة الجانب تخرج من مجاهل جزيرة العرب، ثم تنقض على الدولتين العظيمتين المعروفتين فتقوض الدولة الواحدة -دولة آل ساسان- وتظفر بأملاكها، ثم تقطع من ولايات الثانية -بيزنطة- أزهى مقاطعاته، نقول: لو صدرت مثل هذه النبوءة من فم إنسان ذلك العصر لحكم عليه بالجنون.
والواقع أن هذا ما حدث فعلًا. فبعد الرسول تغيرت طبيعة بلاد العرب الجدباء، وأخذت تنشئ رجالًا أبطالًا يندر وجود من يشاركهم في أي صقع
كان، فكأن أعجوبة حلت فيها.. إن عظمة الجيش العربي لم تقم على قوة السلاح أو جودة التنظيم، بل كان ثمرة القوة المعنوية الروحية التي كان الإيمان والدين قد عززاها في نفسه.
لقد جاء الإسلام مهيبًا بالشرق إلى النهوض من كبوته بعد ألف سنة اجتاحته فيها سطوة الغريب. ولقد انفتح أمام الأمم المغلوبة باب الحرية فصاروا يمارسون عقائد أديانهم دون إزعاج"1.
لقد أثبتت المعجزة نفسها ولم تعد في حاجة إلى برهان.
ومع ذلك سوف نتحدث عن شيء من أوجه الإعجاز القرآني.
معجزات يس:
نفرض أن العالم لم يعرف إلا كتابًا مقدسًا واحدًا جاء به من يقول للناس إنه رسول الله، فالناس المسؤلون أمامه صنفان: مؤمن به ومصدق له، أو كافر به ومكذب له. فإذا وجدنا طائفة من الناس تنتمي للصنف الأول فلا حاجة لهم إذن بالحديث عن معجزات النبي وكتابه فلقد آمنوا به وانتهى الأمر. وأما الصنف الثاني من الناس -وهم الكفار والمكذبون- فهؤلاء في موقف يقتضي بيان إعجاز الكتاب ومعجزات النبي حتى يكونوا على بينة من الأمر {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} 2، و {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} 3. فالأمر جد خطير لأنه يتعلق بمصير الإنسان الأبدي.
ومما لا شك فيه أن هناك نوعا من المعجزات يجب تنحيته جانبًا عند البرهنة على أن هذا الكتاب أو ذاك إنما هو وحي الله الذي نزل من السماء، وأعني هنا
1 تاريخ العرب -تأليف الدكتور فيليب حتى وآخرين "جامعة برنستون"- مترجم عن الإنجليزية، دار الكشاف -بيروت- 1949 ص193، 231.
2 الأنفال: 42.
3 النساء: 165.
ما اصطلحنا على تسميته بمعجزات الحوادث. وما ذلك إلا لكونها أحداثًا شغلت حيزًا من المكان والزمان وكانت حجة على مواقعيها ومن كانوا شهودًا لها، ثم انقضى أمرها وصارت ماض يستطيع العقل البشري في مختلف العصور اللاحقة لعصرها أن يثير حولها من الشبهات والأضاليل ما يجعلها حجر عثرة في طريق الإيمان، بدلًا من أن تكون وسيلة تعين عليه.
وننتقل من الإجمال إلى التفصيل فنفرض أنه التقى مجموعة من الداعين إلى أديانهم في حديقة عامة -ولتكن حديقة هايدبارك بلندن- ثم قام كل منهم يعرض على جمع من الملاحدة دينه معتمدا أولًا وأخيرا على معجزات الحوادث- فماذ يقولون؟
يقول اليهودي: منذ 33 قرنًا مضت وقف موسى وهارون أمام فرعون مصر "وطرح عصاه أمام فرعون وأمام عبيده فصارت ثعبانًا. فدعا فرعون أيضا الحكماء والسحرة.. طرحوا كل واحد عصاه فصارت العصى ثعابين ولكن عصا موسى ابتلعت عصيهم".
ومنذ 28 قرنًا أحيا إيليا ابن المرأة الأرملة حين صلى "إلى الرب وقال: يا رب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه؟ فسمع الرب لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش".
إن دين اليهودية هو دين الله الحق!
ويقول المسيحي: منذ أكثر من 19 قرنًا قدموا للمسيح "مجانين كثيرين فأخرج الأرواح بكلمة وجميع المرضى شفاهم".
وجاءه "واحد من رؤساء المجمع اسمه بايروس
…
قائلًا: ابنتي الصغيرة على آخر نسمة. ليتك تأتي وتضع يدك عليها لتشفى..فجاء إلى بيت رئيس المجمع.. وقال لهم: لم تمت الصبية لكنها نائمة.. وأمسك بيد الصبية وقال لها: طليثا قومي.. وللوقت قامت الصبية ومشت".
إن دين المسيحية هو دين الله الحق!
ويقول المسلم: منذ 14 قرنًا أصيبت عين قتادة بن النعمان في غزوة أحد فسالت حدقته فردها محمد رسول الله إلى موضعها، فكان قتادة لا يدري أيها أصيبت إذ قد شفيت عينه تمامًا.
وذبح جابر بن عبد الله داجنا كانت في منزله وطبخها ثم حملها إلى رسول الله فأمره أن يدعوا الأنصار فأدخلهم عليه أرسالًا فأكلوا كلهم، وكان رسول الله يأمرهم أن يأكلوا ولا يكسروا عظمًا. ثم إنه جمع العظام في وسط الجفنة فوضع يده عليها ثم تكلم بكلام خفيض فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها. فقال الرسول:"خذ شاتك يا جابر، بارك الله لك فيها".
إن دين الإسلام هو دين الله الحق.
إذا حدث ذلك وقدم الداعون أديانهم إلى الناس اعتمادا على تلك الحوادث فما هي النتيجة؟ إن النتيجة المؤكدة لذلك هي الرفض: رفض الدعوة والاستماع للداعين.
والحق أن هذا المشهد الذي تصورناه قد حدث شيء منه أمام كاتب هذه السطور، وكان ذلك في يوم سبت من شتاء عام 1964 حين وقف قس مسيحي في أحد الشوارع القريبة من حديقة هايدبارك ومعه نسخة من الكتاب المقدس وسلم خشبي مزدوج اعتلاه وبدأ يقدم موعظة للسامعين تذكر بعض معجزات الحوادث وتردد أفكار بولس. فانبرى له من الحاضرين شاب إنجليزي جامعي، اشتبك معه في حوار ساخن وكان مما قاله الشاب: دع ما في الكتاب وحدثني عما تقدمه لي الآن.
إن ما في الكتاب شيء انتهى منذ زمان، أما اليوم فماذ تقول لي؟
وتدخل بعض الحاضرين في الحوار الذي لم يلبث أن تحول إلى معركة كلامية عنيفة بين البروتستانت والكاثوليك استخدمت فيها أقسى الشتائم والألفاظ الجارحة!
نعم
…
إن الحديث عن معجزات الحوادث هو حديث عن الماضي الذي ولى وغاب، وهو حديث لا يقدم برهانا لإيمان المحدثين، لكنه يأتي نتيجة لإيمانهم الذي يبدأ حين يروا الآيات حاضرة بين أيديهم.
والآن
…
ماذا نقرأ في القرآن الكريم:
يقول الحق تقريرًا عن الحاضر، الآن وكل آن:
ويقول الحق تقريرًا عن المستقبل وهو لم يزل بعد بظهر الغيب إلا أنه في زمن ما سيكون حاضرًا يعيشه الناس:
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [النمل: 93] .
وبين ياء المضارع في كلمة "يرى" وسين المستقبل في كلمتي "سنريهم" و"سيريكم" نشهد آيات الله رأي العين ونتيقنها ملء العقل والبصيرة. ومن حقنا الآن أن نقول: إن معجزات يس هي معجزات كل العصور ومن بينها العصر الحديث. ولا علينا بعد ذلك إذا كتبناها هكذا: معجزات يس
…
ثم لننظر الآن بعضًا من هذه المعجزات التي نكتفي بذكر ثلاثة أوجه منها فقط يستطيع الإنسان مشاهدتها في القرآن الكريم وهي: الإعجاز العلمي -التحدث بالغيب- ثم القرآن والكتب المقدسة السابقة- وفيما يلي عرض مجمل لكل من هذه الوجوه.
1-
الإعجاز العلمي في القرآن:
كلمة عن الإعجاز اللغوي: مضى أكثر من ألف عام والباحثون في إعجاز القرآن يرون له أوجهًا مختلفة، وإن كانت جميعها -في رأيي- جاءت نتيجة لنظرهم إليه من زاوية واحدة هي لغة القرآن وما تشتمل عليه من ألفاظ ومعان ونظم. فالقرآن كلام من جنس كلام العرب ولكن قوته الإلهية فعلت بهم الأعاجيب إذ أحيتهم بعد موات وأخرجتهم من ظلمات شتى إلى نور الحق والحياة.
وإذا كانت عصا موسى واحدة من أفرع شجرة زيتون أو رمان، قطعها يومًا ليتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فإذا بها تتحول بعد الرسالة في يده إلى شيء آخر معجز: حية تسعى، وقوة تفلق البحر فتضرب به طريقًا يبسًا وتفجر من الحجارة أنهارًا -فهكذا يمكن القول عن كلام القرآن بأن إعجازه الحقيقي يكمن في فيضه الإلهي الذي غلب العرب على أمرهم -وهم أهل الكلام- فأخذهم بروعته وأصاب منهم لباب الأفئدة ومجامع الأحاسيس.
ولقد وفق قدامى الباحثين في بيان أوجه الإعجاز اللغوي للقرآن وكان من أمثلة ما قالوه في إعجاز نظمه ما عرضه عبد القاهرة الجرجاني -المتوفى عام 471هـ- في الآية رقم "100" من سورة الأنعام التي تقول: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} .
يقول عبد القاهر: "ليس بخاف أن لتقديم الشركاء حسنًا وروعة ومأخذًا في القلوب
…
إنك لا تجد شيئًا منه إذا أخرت فقلت: وجعلوا الجن شركاء لله..
والسبب في ذلك.. هو أن للتقديم ها هنا فائدة شريفة ومعنى جليلًا لا سبيل إليه مع التأخير. وبيانه: إنا وإن كان نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء وعبدوهم مع الله وكان هذا المعنى يحصل مع التأخر حصوله مع
التقديم، فإن تقديم "الشركاء" يفيد هذا المعنى ويفيد معنى آخر وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون له شريك.. لا من الجن ولا من غير الجن"1.
والذي لا جدال فيه هو أن روعة القرآن كانت هي القوة القاهرة التي غشيت من ألقي إليه السمع من العرب. فلم يلبث أن استجاب له وتحمل في سبيله كل أذى وضيق
…
والحق يقول في سورة الأنعام 36: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} .
ولا تزال روعة القرآن إلى الآن هي سر إلهي -يماثل الروح في الجسد- يفيض على الباحثين عن الحق فيخرون {لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} 2. {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} 3.
يقول القس السابق إبراهيم خليل فيلبس الذي أعلن إسلام في عام 1955: "نصبت راعيًا وقسيسًا للكنيسة الإنجيلية بباقور محافظة أسيوط سنة 1952 في حفل رائع تحدثت عنه كل الصحف الدينية وقتئذ وذاع نشاطي الديني بين المرسلين الأمريكيين ولا سيما في العمل التبشيري بين المسلمين. وكنت أعتمد في هذا المضمار على النفوذ الإنجليزي بالبلاد وقتئذ "من سنة 1945-1955" حتى انتدبني سنودس النيل الإنجيلي للتدريس بكلية اللاهوت بأسيوط لكنيسة نهضة القداسة التابعة للإرسالية الإنجليزية الكندية.
ثم تهافتت علي الإرسالية الألمانية السويسرية بأسوان للعمل كسكرتير عام للإرسالية وتم انتدابي في سنة 1954 وهناك قمت بعمل تبشيري سافر في المنطقة من الدكا بأراضي النوبا إلى إدفو جنوبًا. وكان معقل نشاطي مستشفى الجرمانية حيث يتوافقد عدد من المسلمين والمسلمات للاستشفاء والعلاج.. كما
1 دلائل الإعجاز: ص221.
2 الإسراء: 107.
3 الإسراء: 109.
كانت لي ندوات تبشيرية مع رجالات مسلمي أسوان. واستطعت أن أقوم بنهضات دينية رائعة دعوت لها كبار الشخصيات.
ومن العجب العجاب أنني في نشوة انتصاراتي بالعمل التبشيري وفي فترة إعداد نفسي لنيل درجة دكتوراة في الفسلفة واللاهوت من جامعة برنستون بأمريكا، وفي استعدادي وإعدادي للرسالة التي أسميتها "سيف جليات"1 أردت الهجوم على الإسلام بمهاجمة القرآن. ويشاء الله أن يقهرني بالقرآن الكريم ليسمعني صوته بقوله تعالى:{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} 2.
كان لهذه الآية وقع في نفسي، إذ جعلتني أفكر تفكيرًا حرًا نزيها، وأحسست بأن الله الذي علمني ما لم أعلم يستطيع أن يجردني من العلم والمعرفة ويتركني للذل والهوان. لكن إرادته لهدايتي جعلته يفيض علي من أنوار هذه الآية ما أيقظ ذهني وقلبي ووجهني إلى إرادته ومشيئته.
والحق أن ما قرره القرآن الكريم هو الصدق اليقيني: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} 3.
{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} 4.
"الحمد لله الذي هداني لهذا، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله"5.
إن روعة القرآن هي التي فعلت -ولا تزال تفعل الأعاجيب- ليس فقط بين الذين ورثوا العربية لسانًا يتحدثون به، بل أيضًا بين ذوي الألسنة الأعجمية -غير العربية- الذين إذا سمعوا القرآن يرتل أو يتغنى به، اطمأنت به قلوبهم
1 التسمية مأخوذة من المعركة التي انتصر فيها النبي داود على جالوت.
2 الجن: 1-2.
3 الأنعام: 125.
4 الزمر: 22.
5 الاستشراق والتبشير وصلتهما بالإمبريالية العالمية -تأليف: إبراهيم خليل أحمد- ص14-15.
وجلسوا بين يديه خاشعين بعد أن شعروا أنه شفاء لما في صدروهم بصرف النظر عن أسباب تلك الحالة وتعلاتها.
الإعجاز العلمي ليس بمستحدث: من يقرأ قول الحق: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12-14] .
ومن يقرأ قول الحق: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 19-20] .
ثم أخيرًا -وليس آخرًا- من يقرأ قول الحق: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] .
من يقرأ بعض أو كل هذه المجموعات الأربع من آيات القرآن الكريم -سواء أكان في عصر العلم الذي نعايشه، أو في العصر الذي سبقه منذ قرون -سوف يعلم يقينًا أنها تتحدث عن ظواهر كونية بلغة جديدة على أسماع العالمين.
لغلة العلم الحديث. لقد لاحظ شيوخ المفسرين منذ قرون عديدة وجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم وسجلوا ذلك في كتبهم، ومن ذلك ما ذكره ابن كثير في تفسيره لقول الحق:
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] .
فقد قال ابن كثير: "سنظهر لهم" دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقًا منزلًا من عند الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلائل خارجية "في الآفاق" ودلائل في أنفسهم. ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع تبارك وتعالى".
حين نقول -إذن- إن الإعجاز العلمي للقرآن يمس ما نعرفه من علوم حديثه بمسمياتها مثل علوم: الأجنة، والطبيعة الجوية، والجيولوجيا، ونشأة الكون، وبناء الخلية الحية -وهو ما تمثله المجموعات الأربع من الآيات السابق ذكرها على الترتيب، فإننا في الواقع لا نأتي بجديد من ناحية الشكل أو الإطار العام، وإنما الجديد هو المزيد من وضوح الرؤية وتعدد الآيات وتنوعها، ودقة التفاصيل.
وإذا كان لا يزال يوجد بيننا اليوم من كتاب المسلمين الذين يترددون في الحديث عن الإعجاز العلمي للقرآن اكتفاء بكونه معجزة أثبتت نفسها بما فعلت في العرب والعالم، فلا شك أن هذا الموقف الجامد لم يعد له ما يبرره بعد أن انفتحت أعين الكثير من العلماء -مسلمين وغير مسلمين- على حقائق من الإعجاز العلمي للقرآن.
منذ نحو خمسين عامًا مضت كتب شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي تقديمًا لكتاب "حياة محمد" لمؤلفه الدكتور محمد حسين هيكل وكان مما قاله:
"يقول بعض علماء الكلام إن الاطلاع على علم تشريح الأفلاك وعلم تشريح الإنسان يدل أوضح الدلالة على شمول العلم الإلهي لدقائق الوجود، وأنا أقرر أيضًا أن العلم والكشف عن سنن الوجود وعجائبه سيكون نصير الدين "الإسلامي" وسيقرب إلى العقل الإنساني طريق فهم ما كان
غامضًا مبهمًا، وما كان فوق طاقة العقل إدراكه من قبل مصداقًا لقوله تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} 1.
والكهرباء وما نشأ عنها من المخترعات قربت إلى العقل فهم إمكان تحول المادة إلى قوة وتحول القوة إلى مادة، وقد انتفع الدكتور هيكل بشيء من هذا في تقريب قصة الإسراء"2.
واليوم يكتب شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود مقالًا عن "موقف الإسلام من الفن والعلم والفسلفة" فيقول:
"قد يتساءل إنسان عن نوعية العلم الذي يدعو إليه الإسلام
…
إن العلم الذي يدعو إليه الإسلام هو العلم بالطبيعة والأحياء، والكيمياء، والطب وغير ذلك من العلوم المادية، وهو بالضرورة أيضًا علم الدين، من تفسير، وحديث، وفقه.. وإن الآية الكريمة:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} 3 إنما وردت في معرض الحديث عن الكونيات المادية.
والله سبحانه وتعالى يقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} وما من شك في أنه بمقدار تعمق الإنسان في الجانب العلمي على أساس من الإيمان وفي صدق وإخلاص تكون خشيته لله؛ إنه يرى من نواميس الكون، ومن الإتقان في الخلق، ومن الحكمة في التدبير ما يجعله يسجد لمبدع الكون ومنسقه.
وإن هؤلاء الذين يتصلون مثلًا بعلم التشريح من قرب أو يتخصصون فيه، يرون من الإحكام ومن الدقة الدقيقة في مختلف الأجهزة الجسمية، وفي
1 فصلت: 53.
2 الطبعة الثالثة عشر: ص15-16 دار المعارف بمصر.
3 فاطر: 28.
مفردات هذه الأجهزة ما يضطرهم اضطرارًا إلى السجود لرب هذا التنسيق والترتيب والإبداع.
وليس علم التشريح وحده هو الذي يبهر العالم المتبحر فيه، وإنما يبهر علم الفلك العالم الفلكي.
إنه يرى هذه النجوم التي لا تكاد تعد تسير في هذه السعة الكونية الهائلة في ترتيب وتناسق وإحكام {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} 1.
وعالم الأحياء وهو يتأمل عوالمه، ويفاجأ كل يوم بجديد وغريب وبديع فيها.
إن هؤلاء جميعًا وغيرهم يجدون أنفسهم لا محالة أمام صنع الله الذي أتقن كل شيء صنعًا فيقولون مع القرآن الكريم: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} 2.
وصدق الله إذ يقول: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} 3.
لقد أحدث الإسلام في الدنيا -بموفقه هذا من العلم- نهضة علمية، كان من ثمارها الحضارة الإسلامية التي كانت تسمي البحوث في الطبيعة وفي الكون هذه التسمية الجميلة:"العلم بسنن الله الكونية". فعلم الطبيعة في الصورة الإسلامية هو العلم بسن الله الكونية"4.
1 يس: 4.
2 الملك: 1-4.
3 فاطر: 28.
4 مجلة الأزهر: عدد رجب 1397هـ "يوليو 1977م".
إن حقيقة الإعجاز العلمي للقرآن لم تعد قضية تقبل الجدل فقد أقر بها شيوخ التفسير منذ قرون وحسمها شيوخ الأزهر في العصر الحديث. وشهد بها رجال العلم الحديث مسلمين وغير مسلمين.
من شهادات العلماء:
قام الطبيب الفرنسي، "موريس بوكاي" بعمل دراسة دقيقة وجادة في الكتب المقدسة والعلم، ونشرها بالفرنسية تحت عنوان:
La Bible، Le Coran etla Science.
وقد نشرت "دار المعارف" ترجمتها العربية تحت عنوان "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" وإذا كان جوهر هذه الدراسة ينحصر في مقابلة نصوص الكتاب المقدس -بعهديه القديم والجديد- والقرآن بحقائق العلم، فإن المؤلف قدم لدراسته هذه بالبحث في التوراة والإنجيل والقرآن ودراستها النقدية وكيفية جمعها ودرجات الدقة لنصوص كل منها.
وقد اضطره ذلك إلى تعلم اللغة العربية حتى يستطيع الحديث عن القرآن وتفسيراته حديث الواثق الذي ينهل من الأصل مباشرة، فيتجنب بذلك التفاوت والأخطاء التي قد تتعرض لها عملية الترجمة.
يقول "موريس بوكاي" في مقدمة كتابه:
"لقد كانت مقابلة نصوص الكتب المقدسة بحقائق العلوم موضوع تفكير الإنسان في كل العصور.
ففي البدء قيل إن اتفاق العلم والكتب المقدسة أمر لازم لصحة النصوص المقدسة.
وسوى نرى فيما بعد أن القرآن يثير وقائع ذات صفة علمية، وهي وقائع كثيرة جدا، خلافا لقلتها في التوراة، إذ ليس هناك أي وجه للمقارنة بين القليل جدًا لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية، وبين تعدد وكثرة
الموضوعات ذات السمة العلمية في القرآن وأنه لا يتناقض موضوع ما من مواضيع القرآن العلمية مع وجهة النظر. وتلك هي النتيجة الأساسية التي تخرج بها دراستنا.
هذه التأملات حول الصفة المقبولة أو غير المقبولة علميًا لمقولة في كتاب مقدس تتطلب منا إيضاحا دقيقًا. إذ علينا أن نؤكد أننا عندما نتحدث هنا عن حقائق العلم فإننا نعني به كل ما قد ثبت منها بشكل نهائي؟ وأن هذا الاعتبار يقضي باستبعاد كل نظريات الشرح والتبرير التي قد تفيد في عصرنا لشرح ظاهرة ولكنها قد تلغي بعد ذلك تاركة المكان لنظريات أخرى أكثر ملاءمة للتطور العلمي. وإن ما أعنيه هنا هو تلك الأمور التي لا يمكن الرجوع عنها، والتي ثبتت بشكل كاف بحيث يمكن استخدامها دون خوف الوقوع في مخاطر الخطأ، حتى وإن يكن العلم قد أتى فيها بمعطيات غير كاملة تمامًا.
وعلى سبيل المثال فإننا نجهل التاريخ التقريبي لظهور الإنسان على الأرض، غير أنه قد اكتشفت آثار لأعمال بشرية نستطيع وضع تاريخها فيما قبل الألف العاشرة من التاريخ المسيحي دون أن يكون هناك أي مكان للشك. وعليه فإننا لا نستطيع علميًا قبول صحة نص سفر التكوين الذي يعطى إنسانًا. وتورايخ تحدد أصل الأنسان "خلق آدم" بحوالي 37 قرنًا قبل المسيح. وبناء على ذلك فإن معطيات التوراة الخاصة بقدم الإنسان غير صحيحة.
قد قمت أولًا بدراسة القرآن الكريم وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة. باحثًا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث. وكنت أعرف قبل هذه الدراسة وعن طريق الترجمات أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم الحديث"1.
1 دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة: ص11-13.
بعد هذه المقدمة عرض "موريس بوكاي" لأصل الكتاب المقدس وأسفاره ومواقف الكتاب المسيحيين تجاه الأخطاء العلمية في نصوص العهد القديم ودراستها النقدية. ثم تعرض للأناجيل ومصاردها وما وصفه بـ "تناقضات وأمور غير معقولة في الروايات".
ثم تحدث عن القرآن وصحة النص وتاريخ تحريره وجمعه ومقابلة المعطيات القرآنية عن الخلق وعلم الفلك، وعالم النبات وعالم الحيوان، والتناسل الإنساني، ثم قام بموازنة بين القرآن وكل من الأناجيل والعهد القديم والمعارف الحديثة -ثم انتهى من بحثه الطويل هذا إلى خاتمة أثبت بها خلاصة ما انتهى إليه.
وفي بدء حديثه عن "القرآن والعلم الحديث" قال:
"لقد أثارت هذه الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهشتي العميقة في البداية. فلم أكن أعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحد من الدعاوى الخاصة بموضوعات شديدة التنوع، ومطابقة تمامًا للمعارف العلمية الحديثة، وذلك في نص كتب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.
في البداية لم يكن لي أي إيمان بالإسلام. وقد طرقت دراسة هذه النصوص بروح متحررة من كل حكم مسبق وبموضوعية تامة. وإذا كان هناك تأثير ما قد مورس فهو بالتأكيد تأثير التعليم الذي تلقيته في شبابي حيث لم تكن الغالبية تتحدث عن المسلمين وإنما عن المحمديين لتأكيد الإشارة إلى أن المعني به دين أسسه رجل، وبالتالي فهو دين عديم القيمة تماما إزاء الله. وككثيرين كان يمكن أن أظل محتفظًا بتلك الأفكار الخاطئة عن الإسلام وهي على درجة من الانتشار بحيث إنني أدهش دائما حينما ألتقي خارج المتخصصين بمحدثين مستنيرين في هذه النقاط. أعترف إذن بأنني كنت جاهلًا قبل أن تعطى لي عن الإسلام صورة تختلف عن تلك التي تلقيناها في الغرب.
وعندما استطعت قياس المسافة التي تفصل واقع الإسلام عن الصورة التي اختلقناها عنه في بلادنا الغربية شعرت بالحاجة الملحة لتعلم اللغة العربية التي لم
أكن أعرفها وذلك حتى أكون قادرًا على التقدم في دراسة هذا الدين الذي يجهله الكثيرون. وكان هدفي الأول هو قراءة القرآن ودراسة نصه جملة بجملة مستعينًا بمختلف التعليقات اللازمة للدراسة النقدية، وتناولت القرآن منتبهًا بشكل خاص إلى الوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات "الظواهر" الطبيعية.
لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه "الظواهر" وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك إلا في النص الأصلي، أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه "الظواهر" والتي لم يكن ممكنًا لأي إنسان في عصر محمد أن يكون عنها أدنى فكرة.
إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه مثل هذا النص لأول مرة هو ثراء الموضوعات المعالجة فهناك الخلق وعلم الفلك وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض، وعالم الحيوان، وعالم النبات، والتناسل الإنساني.
وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة، لا نكتشف في القرآن أي خطأ"1.
ثم كان من جملة ما انتهى إليه "موريس بوكاي" في خاتمة بحثه أن قال: "إن القرآن وقد استأنف التنزيلين اللذين سبقاه، لا يخلو فقط من متناقضات الرواية وهي السمة البازة في مختلف صياغات الأناجيل، بل هو يظهر أيضًا -لكل من يشرع في دراسته بموضوعية وعلى ضوء العلوم- طابعه الخاص، وهو التوافق التام مع المعطيات العلمية الحديثة، بل أكثر من ذلك وكما أثبتنا، يكتشف القارئ فيه مقولات ذات طابع علمي من المستحيل تصور أن إنسانًا في عصر محمد صلى الله عليه وسلم قد استطاع أن يؤلفها، وعلى هذا فالمعارف العلمية الحديثة تسمح بفهم بعض الآيات القرآنية التي كانت بلا تفسير صحيح حتى الآن.
1 المرجع السابق: ص144-145.
إن مقارنة عديد من روايات التوراة مع روايات نفس الموضوعات في القرآن تبرز الفروق الأساسية بين دعاوى التوراة غير المقبولة علميًا وبين مقولات القرآن التي تتوافق تمامًا مع المعطيات الحديثة، ولقد رأينا دليلًا على هذا من خلال روايتي الخلق والطوفان.
ولا يستطيع الإنسان تصور أن كثيرًا من المقولات ذات السمة العلمية كانت من تأليف بشر، وهذا بسبب حالة المعارف في عصر محمد صلى الله عليه وسلم لذا فمن المشروع تمامًا أن ينظر إلى القرآن على أنه تعبير الوحي من الله، وأن تعطى له مكانة خاصة جدًا حيث إن صحته أمر لا يمكن الشك فيه، وحيث إن احتواءه على المعطيات العلمية المدروسة في عصرنا تبدو وكأنها تتحدى أي تفسير وضعي.
عقيمة حقًا تلك المحاولات التي تسعى لإيجاد تفسير للقرآن بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية"1.
2-
التحدي بالغيب:
الإيمان بناء أساسه الغيب:
لكنه بناء قوامه البرهان، وإلا تساوات المتضادات، فاستوى النور والظلمات، واستوى الأحياء والأموات
…
وهذا محال.
فلم يشهد أحد من البشر خلق السموات والأرض، ولم يشهد بنو آدم خلق أنفسهم، لكن المؤمنين منهم يؤمنون بالغيب، فهم يؤمنون بقصة "الخلق" حسبما ترويها كتبهم المقدسة، وإن اختلفت بينها الروايات.
ولم يشهد أحد من الأجيال المتأخرة -التي بعد بها الزمان- الأنبياء والمرسلين وهم يلقون قول الله، ويبثون التعاليم، ويتحدثون إلى الناس عن
1 المرجع السابق: ص285-286.
الملائكة والبعث والجزاء، لكن المؤمنين من الناس يؤمنون بالغيب، فهم يؤمنون بهم وبما أثر عنهم ويؤمنون بالملائكة والقيامة والثواب والعقاب.
وإذا تصور الإنسان أنه يستطيع الاستغناء عن معرفة الماضي بكل ما فيه، فلا مجال على الإطلاق لإمكانية استغنائه عن معرفة المستقبل الذي ينتظره بعد الموت. إنه المستقبل الغيب، وهو المستقبل الخطير الذي يحدد مصيره الأيدي.
ويقودنا هذا إلى التسليم بأنه: إن لم يكن الغيب أولًا، فإنه الغيب أخيرًا.
من ذلك نتبين خطورة حديث الغيب في الكتب المقدسة، واعتباره برهان صدق على ما يأتي به الزمان بشرط -واحد على الأقل- أن يصدق حديثها عن كل ماض سبق أن تنبأت بشأنه من أحداث.
وللغيب في القرآن مقامه الذي يحظى به، ويكفي أن ننظر أول المصحف فتطالعنا هذه الآيات:
ولحديث الغيب في القرآن آيات تغني كل من يقبل الإيمان القائم على برهان، وأما أولئك الذين حددوا مسبقًا مواقفهم منه، وأصروا على الجحود والنكران، فقد صاروا بإرادتهم الحرة هم {الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 96-97] .
ففي قضية الإيمان يقول الحق: {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .
هذا.. ولسوف نعرض بعضا من أنباء غيب المستقبل الذي يتحدى به القرآن الكفار والجاحدين منذ نزل وحيًا على رسول الله حتى يأتي أخطر غيب في حياة البشر، ألا وهو يوم الدين.
التنبؤ بهزيمة الكفر:
منذ بدأ القرآن في التنزيل وهو في تحد مباشر لخصوم دين الله الذين أغلقوا عقولهم دونه وأعلنوا الحرب على أتباعه. ولما كان أشد خصومه هم سادة قريش وكبراءها وكان المسلمون الأوائل على قلة في العدد والقوة فكان المتوقع -وفق مقاييس البشر وخبراتهم- أن تكون أوائل آيات لينة مع أولئك الخصوم والمعاندين طالما بقي ميزان القوى في غير صالح المسلمين.
لكن الأمر جاء على عكس ما يتوقعه البشر من الحكماء والمفكرين
…
لقد بدأت آياته قوية الحملة على الكافرين واستمرت كذلك حتى اكتمل الدين.
إنها قوية لأنها الحق المطلق الذي لا يعرف في مواجهة الباطل ولو أقل القليل من المهادنة أو المداهنة.
وهي قوية أبدًا لأنها كلام الله رب العالمين
…
لقد تنبأ القرآن -في ثانية سوره نزولًا- بمقتل الزعيم القرشي الوليد بن المغيرة بضربة حدد موقعها على أنفه، وذلك بعد أن فضح أصله وكشف سرائر نفسه، فقال مخاطبًا الرسول:
ثم مرت الأيام والشهور ونزل كلام الله يتوعد ذلك العتل القرشي بعذاب الآخرة الذي ينتظره جزاء موته على الكفر. وذلك بعد أن فضح خلجات نفسه وشكوكه وهواجسه بل وتقلصاته، فقال:
ثم تمضي السنون.. ثلاث عشرة سنة أو نحوها وإذا بالوليد بن المغيرة يقتل في غزوة بدر بضربة على أنفه.
لقد زهقت نفسه كافرًا -كما تنبأ القرآن- خلال سنوات تم خلالها تحول الكثيرين من الكفر إلى الإسلام.
وبالمثل كانت نبوءة القرآن في أبي لهب -عم النبي- والذي كان من أشد الناس عداوة له وإيذاء، فنزلت فيه سادسة السور نزولًا تنبأ له بالعذاب جزاء كفره المستمر فتقول:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد] .
وكما هو معلوم فإن القرآن منذ بدأ تنزيله وآياته تذاع فور تلقيها، يقرؤه النبي على المؤمنين ويقرءونه جميعًا تعبدًا وتبركًا والتزامًا، فحين نزلت هذه السورة ذاع خبرها فورًا وكان أن سمعت بها أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب "فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر. فقالت: يا أبا بكر. هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية "المسجد". ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به".
والحق ما قاله أبو بكر، لأن الذي هجاها وتوعدها هي وزوجها أبا لهب إنما هو الله -سبحانه- ولو كانت الأمور تسير على هوى الرسول لآثر المهادنة ولين
الحديث في بدء الدعوة -على الأقل- والمسلمون آنذاك ضعاف، لكنه القرآن كلام رب العالمين فرض على الرسول فرضًا وما عليه إلا أن يصدع بما يؤمر لأنه ليس له من الأمر شيء إذ إن الأمر كله لله.
ولقد عاش أبو لهب بعد هذه النبوءة أكثر من ثلاثة عشر عامًا إلى أن مات على كفره. وكان باستطاعت أبي لهب وامرأته والوليد وأمثالهم أن يتظاهروا بالدخول في الإسلام كيدًا له وطعنًا في صدق محمد ورسالته، لكن هذا الأمر على بساطته استحال عليهم فعله تحقيقًا لنبؤات القرآن الكريم كلام رب العالمين.
وإذا تركنا التنبؤ بالأحداث على المستوى الفردي -وهو لا شك معجز ودقيق- لوجدنا القرآن ينبئ كذلك بالأحداث على المستوى الجماعي. فلقد قرر أن جمع الكافرين سيلقى الهزيمة في معركة ضد المسلمين يولى فيها الأدبار. وذلك حين قال عن الكفار وتوقعاتهم: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 44-45] .
إن القرآن يتنبأ هنا بما سوف يحدث لهم في الدنيا، لأن الآخرة لا مكان فيها لتولي الأدبار والفرار.
ولقد بين القرآن أن دحرهم في الآخرة شيء آخر ينتظرهم، وهو بطبيعة الحال أشد وأنكى. ولذلك أتبع آية النبوءة السابقة بقوله:{بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ، إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} [القمر: 46-48] .
لقد كان المسلمون حين نزلت آية النبوءة هذه على حال من الضعف الشديد، حال لا تسمح بتصور تحقيق أي انتصار على قوى الكفر التي تبطش بهم، وهي حال دفعت عمر بن الخطاب -الذي عرف
طيلة حياته بقوة البناء النفسي والبدني -لأن يقول: "أي جمع يهزم! أي جمع يغلب"!
وما هي إلا سنوات حتى كانت معركة بدر الكبرى، وفيها هزم جميع الكفار وولوا الأدبار.
التنبؤ بانتصار الإسلام:
إن التنبؤ بانتصار الإسلام مرادف تمامًا للتنبؤ بهزيمة الكفر فالنتيجة واحدة في الحالتين.
وإذا كان القرآن قد بدأ الحديث عن هزيمة الكفر قبل أن يبدأ الحديث عن انتصار الإسلام، فلأن ذلك يماثل مهاجمة الأعداء في عقر دارهم وإخراجهم منها أذلة وهم صاغرون.
وإذا كان القرآن قد بدأ بالتحدث على المستوى الفردي فلأن ذلك أشد وقعًا وأعمق أثرًا، إذ إنه يدفع رءوس الكفر إلى ضرورة المواجهة وقبول التحدي، وإلا انفضح أمرهم وانكشف ما هم فيه من زيف وضلال أمام الخصوم والأشياع -على السواء- فصاروا بذلك مثلًا للزعامة الكاذبة، وذلك خلافًا لحالة التحدي الجماعي التي قد يجد فيها الكثيرون فرصة للتقاعس عن المواجهة والقعود انتظارًا لما قد يحققه الغد من ظنون وأوهام.
هذا.. ولقد تنبأ القرآن بما سيكون عليه أمر النبي فألقى نبوءة صريحة تقطع بحفظه من كل محاولات الكفار لقتله والقضاء عليه -وذلك ما نجده في قول الله:
قالت عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة وقال: "يا أيها الناس انصرفوا. فقد عصمنا الله عز وجل".
لقد اكتملت رسالة النبي في حياته ومات ميتة طبيعية على فراشه بين أهله وصحابته فتحققت بذلك نبوءة القرآن تمامًا.
وفي مجال التنبؤ بانتصار الإسلام ممثلًا في انتصار نبيه نقرأ قول الله: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15] .
ولقد قال ابن عباس -وأصحابه- في تفسير الآية: "من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى سماء بيته ثم ليختنق به" والمعنى: "أنه من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدًا وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصره لا محالة".
إن الكلام واضح تمامًا فلقد تحقق نصر الله لرسوله في الدنيا، وهو برهان على نصره في الآخرة:{يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8] .
ولقد تنبأ القرآن بانتصار الإسلام ليكون دينًا عالميًا فقال متحديا أهل الكفر والشرك:
إن الإسلام منذ ظهر وهو يمتد أبدًا. ويجب ألا نخلط بين الإسلام وما يتعاقب على المسلمين من أحوال القوة والضعف، فتلك أمور تتناسب طرديًا مع استمساكهم به أو ابتعادهم عنه. إن هذه مسلمات يعترف بها أعداء الإسلام.
يقول المستشرق الألماني "باول شمتز":
"بينما كان الغرب في القرون الماضية يحرز انتصارات سياسية في كل مكان في وسط إفريقيا، امتد -وما زال يمتد- فحيثما حل الإسلام ضاعت جهود المبشرين المسيحيين وفقدوا الأمل في تحويل روح وثنية إلى المسيحية.
فالإسلام في تماسكه وبساطته متفوق على المسيحية المبددة جهودها في نزاعات عقائدية وخلافات مذهبية تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم فيتعسر فهمها، وليس بالإمكان حل طلاسمها. ولا يغزو الإسلام هذه المناطق عن طريق دخول الناس فيه فرادى بل يحاول غزو القبيلة كلها كوحدة وطنية لأنه لا يوجد دين آخر غير الإسلام يربط الحياة السياسية والدينية ببعضها ويوحد بين الطبيعة الروحية والدنيوية في الفرد"1.
ويقول المفكر الإنجليزي "هيلبير بلوك":
"لا يساورني أدنى شك في أن الحضارة التي ترتبط أجزاؤها برباط متين وتتماسك أطرافها تمسكًا قويًا وتحمل في طياتها عقيدة مثل الإسلام لا ينتظرها مستقبل باهر فحسب بل ستكون أيضًا خطرًا على أعدائه. ومن الممكن أن يعارض المرء هذا الرأي بأن الإسلام فقد سيطرته على بعض الأشياء المادية وخاصة ما يتصل بالحرب "القوة العسكرية" فهو لم يلحق بالتقدم التكنولوجي
1 الإسلام قوة الغد العالمية: ص319.
الحديث. إني لا أستطيع أن أدرك لماذا لم يعوض الشرق الإسلامي ما فاته في هذا الميدان؟ فلا تحتاج علوم الهندسة الحديثة إلى طبيعة عقلية خاصة، بل يتطلب الإلمام بها والتفوق فيها الخبرة وتوجيه الخبراء. لماذا لا يتعلم العالم الإسلامي ما تعلمناه في مجال التكنولوجيا، وفي مقابل هذا سوف يكون من الصعب علينا "نحن الغربيين" استعادة التعاليم الروحية التي فقدتها المسيحية بينما لم يزل الإسلام يحافظ عليها"1.
التنبؤ بانتصار الروم على الفرس:
بعث الله محمدًا برسالة الإسلام وهو في الأربعين من عمره ويقدر المؤرخون أن بدء الوحي كان حوالي عام 610م. وفي تلك الفترة كان عرب الجزيرة يعيشون على هامش الأحداث التي يصنعها ذلك الصراع الطويل بين القوتين العظميين في ذلك الزمان وهما الروم والفرس.
لقد كان صراعًا تميز بطول المعارك وشراستها وأدى إلى اضطراب الأحوال السياسية في منطقة الشرق الأدنى لمدة طويلة، ويقدم لنا المؤرخ الإنجليزي "ستيفن رنسيمان" صورة عن أحوال تلك الفترة من الصراع فيقول: "في سنة 602 استوى على السلطة الرومانية فوكاس قائد إحدى الكتائب الإمبراطورية واغتصب العرش الإمبراطوري وطفح عهده بالهمجية وانعدام الكفاية والاضطراب، فبينما عانت القسطنطينية عهد إرهاب، ساد بالأقاليم ما نشب من الفتن والحروب الداخلية بين أحزاب الملعب في المدن وبين المذاهب الدينية المتنازعة.
وفي سنة 610 أزاح فوكاس عن العرش نبيل شاب ينتمي إلى أصل أرمني هو هرقل ابن حاكم إفريقية.
وفي نفس السنة أتم كسرى الثاني ملك الفرس استعداداته الحربية لغزو الإمبراطورية "الرومانية" وتقطيع أوصالها. استمرت الحروب الفارسية تسع عشرة سنة على
1 المرجع السابق: ص323.
أن الإمبراطورية ظلت اثنتي عشرة سنة تتخذ خطة الدفاع بينما احتل جيش فارسي بلاد الأناضول وقام جيش فارسي آخر بفتح الشام فسقطت في أيديهم أنطاكية سنة 611 ودمشق سنة 613، وفي ربيع سنة 614 دخل فلسطين القائد الفارسي شهرباراز فصار ينهب الأراضي ويحرق الكنائس أينما سار ولم يفلت من يده إلا كنيسة المهد في بيت لحم لما كان يعلو بابها من فسيفساء تمثل رسم صورة الحكماء القادمين من الشرق في أزياء فارسية، وفي 15 أبريل سنة 614 اقتحم شهرباراز بيت المقدس، واستعد البطريرك زكريا لتسليم المدينة ليتجنب سفك الدماء، غير أن السكان المسيحيين رفضوا الاستكانة إلى التسليم، وفي 5 مايو سنة 614 وبفضل مساعدة اليهود المقيمين داخل المدينة شق الفرس طريقهم إلى داخل المدينة فتلا ذلك من المناظر المريعة ما يجل عن الوصف، إذ صحب اشتعال النار بالكنائس والدور من حول المسيحين أن تعرضوا للقتل دون تمييز فقام العساكر بالإجهاز على بعضهم بينما زاد عدد الذين لقوا مصرعهم على أيدي اليهود. وبلغ عدد الذين تعرضوا للقتل نحو 60 ألفًا على ما جاء في بعض الروايات، وزاد على 35 ألفًا من جرى استرقاته وبيعه
…
وزحف الفرس على مصر بعد ثلاث سنوات "617م" وأضحوا سادتها في خلال سنة واحدة. وفي تلك الأثناء تقدمت جيوشهم شمالًا حتى بلغت البوسفور.
على أن سقوط بيت المقدس في أيدي الفرس كان صدمة عنيفة للعالم المسيحي. وما قام به اليهود من دور في ذلك لم يجر نسيانه أو اغتفاره، فاتخذت الحرب مع الفرس صفة الحرب المقدسة. فلما صار هرقل آخر الأمر سنة 622 قادرًا على أن يتخذ خطة الهجوم على العدو نذر نفسه وجيشه لله ومضى على أنه محارب مسيحي يقاتل قوى الظلمة "الشر".
واستطاع هرقل آخر الأمر برغم ما جرى من تقلبات عديدة في الأحداث وما اشتد من القلق واليأس في أوقات عديدة أن ينزل الهزيمة الساحقة بالفرس1.
1 تاريخ الحروب الصليبية: الجزء الأول ص24-27.
وحين ننظر إلى ما كان عليه الحال عام 614 فإنا نجد النصر يسير في ركاب الفرس على حين تلحق بالروم الهزائم المتواليات. ولكن ذلك العام شهد نزول آيات من القرآن تقول: {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 1-6] .
لقد حزن المسلمون لهزائم الروم لما شعروا به نحوهم من روابط القربى في الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين. على حين فرح المشركون بانتصار الفرس أو كما قال المستشرق الألماني "كارل بروكلمان": "هلل المكيون لهذه الانتصارت الفارسية ولكن محمدًا أعلن أتباعه أن الهزيمة لا بد أن تحل بالفرس في وقت قريب"1.
لقد كان النبي يعلن الناس من حوله بكل ما يقول القرآن فور تلقيه وهو هنا قد أعلنهم بنبوءة رد الكرة إلى الروم وتحقيق انتصارهم على الفرس.
ولقد استمرت الأمور تسير بعد نزول آية النبوءة هذه في غير صالح الروم إذ استولى الفرس على مصر في عام 618 كما هددوا القسطنطينية قلب الإمبراطورية.
ولكن ما إن جاء عام 622 حتى بدأ الموقف يتحول لصالح الروم "واتخذ هرقل خطة مهاجمة الفرس فقام بثلاث حملات باهرة في الإقليم الواقع من خلف جبال القوقاز"2 "ثم لم يلبث أن انتزع من كسرى ثمرات النصر الذي تم له وتعقبه حتى عاصمة ملكه.. من
1 تاريخ الشعوب الإسلامية: ص90.
2 تاريخ الشعوب الإسلامية: ص90.
ذلك الحين والإمبراطورية الساسانية "الفارسية" تسير قدمًا نحو مصيرها النهائي المحتوم إلى الدمار"1.
لقد انتهت هزائم الروم أمام الفرس وبدأ انتصارهم ولم يمض على نزول آية النبوءة بضع سنين -وهو العدد أقل من عشرة- واستمر الموقف كذلك حتى استرد الروم كل ما فقدوه.
لقد كانت هذه الآية برهانًا لمن هو في ريب من القرآن على صدق تنزيله، فمن المحال على بشر عاقل أن يربط مصير دعوته بصراع متقلب الأحداث والمفاجآت كصراع الروم والفرس، فما كانت هذه النبوءة إلا تنزيلًا ممن {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الزمر: 63] .
أما بعد
…
إن أمر الغيب كان -ولا يزال- من أخطر ما يحدد حقيقة التنزيل في الكتب المقدسة ولقد كان من جراء فشل بعض التنبؤات المنسوبة للمسيح أن نسب جماعة من علماء المسيحية الخطأ إليه، وكان الأحرى بهم أن ينسبوه إلى كتبة الأناجيل.
ذلك أن الأناجيل تتنبأ بنهاية العالم وعودة المسيح ثانية إلى الأرض في القرن الأول من الميلاد.
"ورغم أن إنجيل متى هو أحد كتب العهد الجديد الذي ذكر بوضوح حدوث النهاية السريعة للعالم فإننا في الواقع نجد أن أغلب كتاب العهد الجديد قد عبروا عن هذه العقيدة.
وفي اعتقاد كثير من العلماء أن يسوع نفسه كان يتطلع إلى عودته سريعًا إلى الأرض بعد وفاته في مجد وبهاء"2.
1 موسوعة تاريخ العالم: جزء 20- ص478.
2 المسيح في مصادر العقائد المسيحية: ص23.
لقد وقف كفار قريش يعاندون رسول الله فقالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 90-93] .
لقد كانوا يطلبون المعجزات المادية -معجزات الحوادث- لا رغبة في البرهان على صدق الرسالة -فقد علموا صدق الرسول- ولكنه العناد والتعجيز.
وأمثال هؤلاء {لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ} [يونس: 96-97] .
فلقد سبق أن جاءت ثمود الناقة وقال لهم نبيهم صالح: {هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ، فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ، فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} [الشعراء: 155-158] .
وإذا كان هذا موقف سالفيهم من العرب، فإنه كذلك موقف سالفيهم من الإسرائيليين الذين وقفوا يعاندون المسيح وقد جاءهم بمعجزات الحوادث فكذبوه وقالوا إنه ساحر يستخدم قوى الشياطين:"فقد "أحضر إليه مجنون أعمى وأخرس فشفاه حتى إن الأعمى الأخرس تكلم وأبصر، فبهت كل الجموع وقالوا: لعل هذا هو ابن داود. أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين" "متى 12: 22-24".
ومن يتصفح التاريخ يجد سنة الله قائمة في إنزل العذاب بمكذبي معجزات الحوادث في الدنيا قبل الآخرة.
فلقد حدث ذلك لثمود إذ جعلهم الله عبرة وقال فيهم: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 51-52] .
وحدث ذلك لبني إسرائيل بعد أن عبدوا العجل في سيناء فقد قال لهم: "الرب إله إسرائيل.. ضعوا كل واحد سفيه على فخذه.. واقتلوا كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه وكل واحد قريبه
…
ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل.. فضرب الرب الشعب لأنهم صنعوا العجل الذي صنعه هارون" "؟! " "خروج 32: 27-35".
وحدث ذلك لبني إسرائيل بعد ذلك مرات ومرات، وحدث لذريتهم بعد أن كذبوا المسيح وتآمروا عليه فما هي إلا فترة وجيزة حتى انقض عليهم الرومان فقتلوا الآلاف وهدموا الهيكل وشردوا الباقين. تلك سنة الله التي أفهمها من قول الحق:{وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 76-77] .
هذا
…
ولما كان محمد رسول الله إلى العالمين فقد اقتضت حكمة الله أن تكون معجزته هي القرآن، كتاب هو منهج الله وهو في ذات الوقت يشتمل على آيات الله التي تستطيع البشرية في نضجها وترقيها أن تجدها ماثلة أمامها، فتستوعبها وتؤمن بها.
لقد اتسع مجال الرسالة من القبلية المحدودة إلى العالمية، فتغيرت لذلك آيات صدق الرسول من معجزات مادية لم تلبث أن طواها الزمان، إلى آيات قرآنية يتجدد الإيمان بها كلما تقدمت السنون ومرت الأعوام.
وأمر الغيب في القرآن برهان صدق ويقين، يستطيع كل عاقل أن يستخلص منه بديهية تماثل تلك البديهيات التي تقوم عليها العلوم الرياضية والطبيعية، بديهية تقول: إن من صدقك الحديث بالأمس سوف يصدقك غدًا.. ونقيض ذلك مفهوم ومعلوم..
ومن أجل ذلك نقرأ في القرآن: {وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [يونس: 20] .
3-
القرآن والكتب المقدسة السابقة:
لا يكتمل إيمام المسلم إلا إذا آمن بوحي الله وكتبه التي سبقت القرآن وقد ذكرها إجمالًا في قوله:
{وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ} [الشورى: 15] .
وبذلك كان المسلمون هم الطائفة الوحيدة على ظهر الأرض التي تؤمن بكل كتب الله المنزلة، وقد سجل القرآن ذلك في قوله:{هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} [آل عمران: 119] .
ثم ذكر القرآن بعضًا من هذه الكتب تحديدًا كما جاء في حديثه عن صحف إبراهيم:
وتحدث القرآن عما أوتيه داود فقال: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163] .
على أن ما يعنينا في هذا المقام هو موقف القرآن من الأسفار اليهودية والمسيحية، والتي تتكون بوجه عام1 من التوراة وتعرف باسم أسفار موسى الخمسة، ثم أسفار الأنبياء الذين ظهروا في بني إسرائيل من بعد موسى حتى عصر الميلاد. وأخيرًا إنجيل المسيح.
موقف محدد:
لقد جاء القرآن واضحًا في موقفه تجاه هذه الأسفار وحفظتها من الأحبار والعلماء فذكر عددًا من الأساسيات منها:
1-
تعرضت الأسفار اليهودية والمسيحية للفقد والضياع بسبب التفريط في التحفظ عليها وحفظ ما فيها فصارت تلك المفقودات نسيًا منسيًا:
1 يرفض اليهود الأسفار المسيحية كلها كما يختلف اليهود والمسيحيون على الأسفار المقدسة والمشتركة بينهم. راجع كتاب المؤلف: المسيح في مصادر العقائد المسيحية.
2-
قام على أمر هذه الكتب طائفة من الأحبار والكهنة والكتبة وجد بينهم:
"أ" الذين يحرفون كلام الله بتغييره وتبديله وعدم الحفاظ على صورته الأصلية: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] .
"ب" الذين يضيفون إلى كلام الله وينقصون منه ما شاءت لهم أهواؤهم ثم يدعون أن ذلك وحي الله:
{انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 50] .
"جـ" ولقد درج كثير منهم ممن عهد إليهم بالحفاظ على كتب الله من الكتبة والرؤساء الدينيين على كتمان الحق الذي لا يتفق وأهواءهم:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71] .
ولقد ترتب على تلك المواقف الخطرة من أهل الكتاب أن صارت هذه الأسفار تشتمل على بقية من حق أنزله الله، كما اشتملت على غير الحق الذي أشاع فيها التناقض والاختلاف.
على أن القرآن قد فرق بين الأخيار والأشرار من أهل الكتاب وأعطى كلًا قدره، فهو قد أثنى على أهل الخير منهم أطيب ثناء ووعدهم حسن المآب.
كذلك فإن القرآن حمل بشدة على الأشرار من أهل الكتاب وتوعدهم سوء المنقلب: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150-151] .
{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78] .
ونستطيع الآن تقرير ما يمكن استخلاصه من موقف القرآن من الأسفار اليهودية والمسيحية -أي الكتاب المقدس- فنقول: إن هذه الأسفار بها بقية مما أنزله الله، كما أنها فقدت قدرًا من الحقائق عندما ضاع منها حظ من التنزيل الإلهي، وهي تضم بين جنباتها اختلافًا كثيرًا بسبب ما صنعته بها أيدي البشر الذين استحفظوا عليها وقاموا على أمرها.
مجمل دراسات الكتاب المقدس:
تعرضت أسفار الكتاب المقدس لدراسات مستفيضة خلال القرون الأخيرة شارك فيها عدد كبير من علماء اليهودية والمسيحية، وقد انتهت دراستهم إلى
تقارير ونتائج محددة ليس هذا مجال عرضها ولكن يكفينا هنا أن نلم بشيء من خطوطها العامة ثم نقارن بينها وبين ما يستخلص من موقف القرآن من هذه الأسفار.
ولسوف نعرض لمجمل دراسات الكتاب المقدس من زاويتين أساسيتين؛ الأولى: عرض لبعض ما قاله العلماء عن أسفاره، والثانية: نظرة في أسفاره يستطيع بها القارئ العادي أن يلمس بنفسه حقيقة هذه الأسفار.
أولًا -أسفار العهد القديم:
"أ" حديث عن أسفار العهد القديم:
1-
تقول دائرة المعارف الأمريكية: "لقد كان هناك نشاط أدبي بين الإسرائيليين في عهد مبكر فسجلوا تقاليدهم القبلية وقوانين الجماعة الإسرائيلية، وهذا بجانب الأغاني الشعبية وترانيم العبادة وما ينطق به الكهنة والأنبياء من كهانة ووحي.. وبعد أن استقرت حياة الطائفة الإسرائيلية بدأت تظهر بالتدريج وعن غير قصد عناصر من هذه الآداب، اعتبرتها الطائفة ركائز لحياتها العقائدية.
وبهذا أعطيت هذه العناصر وقارًا خاصا تفردت به وتحولت بذلك إلى كتابات مقدسة. ولا شك أن الكتاب الأصليين لهذه الكتب لم يدر بخلدهم أن ما كتبوه وسجلوه سيكون له مثل هذه القداسة في حياة الطائفة الإسرائيلية، في يوم من الأيام"1.
2-
"وقد اكتسب كل من الأجزاء الرئيسية للعهد القديم صبغته القانونية على مدى قرون طويلة بيانها كالآتي:
1 دائرة المعارف الأمريكية: الجزء الثالث ص613.
"اكتمل للناموس "أسفار موسى الخمسة" شرعيته حوالي عام 400ق. م -والأنبياء "يشوع - صموئيل - أشعياء - أرميا.. ملاخي" حوالي عام 200 ق. م- وأما الكتب "المزامير - الأمثال - أيوب - دانيال.. أخبار الأيام" فكانت حوالي عام 90 ميلادية"1.
هذا.. وإذا كانت تواريخ تلقي موسى للتوراة تتراوح بين عامي 1290، 1250 ق. م صار من الواضح أن أسفار "الناموس" التي وصلتنا قد استغرقت أكثر من ثمانية قرون حين اكتمل بناؤها وأخذت صورتها القانونية.
ولا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة لأسفار "الأنبياء و"الكتب" فكليهما استغرق قرونًا عدة ليكتسب قانونيته.
3-
"يعتبر العهد القديم كتابًا غير متجانس، إذ إنه مجموعة من الوثائق تكونت خلاق فترة تزيد على الألف عام بواسطة رجال لهم تراث لغوي متعدد.
ولم تصلنا أية نسخة بخط المؤلف الأصلي لكتب العهد القديم، أما النصوص التي بين أيدينا فقد نقلتها إلينا أجيال عديدة من الكتبة والنساخ، ولدينا شواهد وفيرة تبين أن الكتبة قد غيروا بقصد أو بدون قصد في الوثائق والأسفار التي كان عملهم الرئيسي هو كتابتها ونقلها..
وقد حدث التغيير بدون قصد حين أخطئوا في قراءة أو سمع بعض الكلمات أو في هجائها، أو أخطئوا في التفريق بين ما يجب فصله من الكلمات وما يجب أن يكون تركيبًا واحدًا. كذلك فإنهم كانوا ينسخون الكملة أو السطر مرتين، وأحيانًا ينسون كتابة كلمات بل فقرات بأكملها، وأما تغييرهم في النص الأصلي عن قصد فقد مارسوه مع فقرات بأكملها. حين كانوا يتصورونها قد كتبت خطأ في صورتها التي بين أيديهم، كما كانوا يحذفون بعض الكلمات أو الفقرات أو يزيدون على النص فيضيفون فقرات توضيحية
…
1 المرجع السابق: ص623.
ولا يوجد سبب يدعو للافتراض بأن وثائق العهد القديم لم تتعرض للأنواع العادية من الفساد النسخي على الأقل في الفترة التي سبقت اعتبارها أسفارًا مقدسة.
ولقد نشأ بين اليهود طائفة خصصت نفسها لرعاية هذه الوثائق عرفت بالكتبة كما يشير إلى ذلك سفر عزرا
…
وقد سميت هذه الطائفة أخيرًا بالأسفاريين ولم يكن عملها مقصورًا على النسخ، بل كانوا حفاظًا على الوثائق ومترجمين لها، بل ومؤلفين بكل معنى الكلمة.
وكان من نتيجة عملهم أن أخذ النص صورته القانوية ليترجم بعد ذلك إلى اللغات الأخرى.
وحين زاد الاحترام للأسفار فإن جماعة الأسفاريين قد أدخلت على النص بعض التغييرات التي تبجل اسم إله إسرائيل، أو تشوه أسماء معبودات الوثنيين.
كما كانوا ينقحون فقرات بدت لهم غير مفهومة وأحيانًا يستخدمون أحدث ما صارت إليه اللغة بدلًا من اللغة القديمة، فكل هذا ظاهر لدينا في النص الذي نقلوه لنا"1.
4-
يشير العهد القديم الذي نعرفه اليوم إلى كتب وأسفار أخرى غير موجودة الآن وتشير إليها أسفاره مثل: العدد 21: 14-15، يشوع 10: 13، صموئيل الثاني 1: 8 الملوك الأول 11: 41"2.
5-
وتقول دائرة المعارف البريطانية: إن التقويم التاريخي لأحداث العهد القديم قد صار لاعتبارات كثيرة أمرًا غير موثوق فيه. فقبل قيام المملكة لم تكن الظروف تسمح بعمل تقويم تاريخي يعتمد عليه وفي
1 المرجع السابق: ص615-618.
2 المرجع السابق: ص619.
واقع الأمر فإن تاريخ الأحداث القديمة قد أضيف بعد قرون عديدة من وقوعها ودرجة الدقة فيها مظهرية فقط.. وحتى بعد تكوين الممكلة فإن الأخطاء تسربت إلى الأرقام بحيث صار الخطأ في تواريخ الأحدث نحو بضع عشرات من السنين.
فالتقويم التاريخي لأحداث الفترة القديمة التي تبدأ من خلق الإنسان حتى خروج بني إسرائيل من مصر يعتمد على ما يعرف باسم روايات الكهنة لأسفار موسى الخمسة. إن الأرقام هنا في الغالب -إن لم تكن دائمًا- إنما هي أرقام مصطنعة. ومن الملاحظات البارزة في هذا المجال ما نجده في اختلاف الأرقام بين كل من النسختين السامرية والإغريقية وبين النسخة العبرية، وذلك بالنسبة للفترة من بدء الخلق حتى مولد إبراهيم إذ تنخفض الأرقام في النسخة السامرية بينما ترتفع في النسخة الإغريقية.
فالنسخة العبرية تقدر للفترة من بدء الخلق حتى الطوفان 1656 عامًا، بينما يبلغ تقديرها في النسخة السامرية 1307 عامًا، وفي النسخة الإغريقية 2262 عامًا.
كذلك تقدر النسخة العبرية للفترة من الطوفان حتى دعوة إبراهيم 365عامًا بينما هي في النسخة السامرية 1015 عامًا، وفي النسخة الإغريقية 1145 عامًا.
إن هذه الأرقام ترجع إلى أصول بابلية عديمة القيمة التاريخية وحتى لو أخذنا بوجهة النظر التي تقدر عام 1491 ق. م. تاريخًا لخروج الإسرائيليين من مصر -رغم أنه تاريخ مبكر أكثر من المحتمل- فإن تاريخ بدء الخليقة يرجع إلى عام 4157 ق. م حسب النسخة العبرية "وإلى عام 5328 ق. م حسب النسخة الإغريقية" كذلك تكون بلبلة ألسن البشر قد حدثت في بابل عام 2501 ق. م حسب النسخة العبرية "وفي عام 3066 ق. م حسب النسخة الإغريقية".
لكن الآثار القديمة للمصريين والبابليين تؤكد ظهور الإنسان على وجه الأرض لفترة طويلة من الزمن قبل أي من التاريخين المذكورين لبدء الخليقة. إن الأرقام المذكورة في الإصحاحين الخامس والحادي عشر من سفر التكوين، لا تبين سوى ما كان يتصوره كتبة الأسفار عن تواريخ تلك الأيام الغابرة"1.
"ب" نظرة في أسفار العهد القديم:
إن ما عرضناه حتى الآن يكفي للقول بأن أصدق ما يقال على الإطلاق في أسفار العهد القديم وحفظتها من أهل الكتاب هو ما ذكره القرآن في تعبيره الدقيق: {نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13] فلقد ظهر بوضوح كيف كان "نسيان" كتبة الأسفاربالمعنى الحرفي للكلمة، وكيف كان "نسيانهم" بمعانيها الأخرى التي تعني الإهمال في التحفظ والترك عمدًا أو سهوًا مما نتج عنه الفقد والضياع.
ونعرض الآن عددًا محدودًا لأمثلة بسيطة يدرك بها القارئ درجة الدقة في هذه الأسفار.
1-
تقول التوراة: "مات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب. ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم""تثنية 35: 5-6".
من المؤكد أن هذا القول لم يأت به موسى وحيًا من عند الله. إنما هو وصف من عمل الكهنة حسب تصورهم للأحداث بعد وقوعها بالكثير من عشرات السنين كما يدل عليها قولهم: "إلى هذا اليوم" إذ يعني هذا أن أجيال تعاقبت في الفترة من موت موسى حتى كتابة التوراة ولا يعرف أحد منها قبر موسى.
1 دائرة المعارف البريطانية: الجزء الثالث ص510.
2-
ظهرت بعض تراجم للعهد القديم عن العبرية القديمة من أهمها النسخة السبعينية الإغريقية والنسخة الأرامية والنسخة السوريانية والنسخة اللاتينية وتختلف هذه النسخ أحيانًا عن النسخة العبرية الحديثة، إلا أنه بمقارنة هذه النسخ معًا فإنه يمكن الوصول أحيانًا إلى النص العبري الأصلي كما يتضح من المثال الآتي:
"في سفر صموئيل الأول "14: 41" نجد أن فقرة طويلة قد سقطت من النسخة العبرية الحديثة على حين بقيت تلك الفقرة في النسختين السبعينية واللاتينية. والكلمات التي كتبت بالبنط الأسود هي التي فقدت من النص العبري:
وقال شاول للرب إله إسرائيل لماذ لم تجب عبدك اليوم. إذا كان الذنب في أو في يوناثان ابني، يارب إله إسرائيل أعط أوريم ولكن إذا كان الذنب في شعبك إسرائل أعط ثميم.
فأخذ يوناثان وشاول. أما الشعب فخرجوا".
ولمعرفة السبب الذي من أجله أسقط الكاتب العبري كل هذه الكلمات نقول إن عينيه لا بد قد قفزتا من كلمة: إسرايل، قرب أول الفقرة لكلمة: إسرائيل، قرب نهايتها، وكان من نتيجة ذلك أنه حذف تلقائيًا -دون أن يدري- الكلمات الواقعة بينهما"1.
وتقرأ هذه الفقرة في الترجمة العربية الشائعة كالآتي:
"فأخذ يوناثان وشاول أما الشعب فخرجوا".
ومن الواضح أن حذف تلك الكلمات قد أفقد الفقرة معناها.
3-
يقول سفر صموئيل: "حمى غضب الرب على إسرائيل فأهاج عليهم داود قائلًا: امض وأحص إسرائيل ويهوذا.. فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذي بأس مستل السيف. ورجال يهوذا حمسمائة ألف رجل"2 "صموئيل 24: 1-9".
1 دائرة المعارف الأمريكية: ص622.
2 المرجع السابق.
لكن كاتب سفر أخبار الأيام لم تعجبه هذه الأعداد فكتب يقول:
"وقف الشيطان ضد إسرائيل وأغوى داود ليحصي إسرائيل.. فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل مستلي السيف، ويهوذا أربعمائة وسبعين ألف رجل مستلي السيف، وأما لاو وبنيامين فلم يعدهم معهم""أخبار الأيام الأول 21: 1-6".
فنجد أن الرواية الثانية قد زادت في التعداد بما يقرب من ثلث مليون وهو خطأ ينفي عن مثل هذا الكلام أي إمكانية لاعتباره وحيًا مقدسًا.
4-
ويقول سفر الملوك: "في السنة الثالثة لآسا ملك يهوذا، ملك بعشا ابن أخيا علي جميع إسرائيل في ترصة أربعة وعشرين سنة""الملوك الأول 15: 33".
وبعد أن "اضطجع بعشًا مع آبائه ودفن في ترصة وملك أيلة ابنه عوضًا عنه
…
وفي السنة السادسة والعشرين لآسا ملك يهوذا، ملك أيلة بن بعشا على إسرائيل في ترصة سنتين. فدخل زمرى وضربه فقتله في السنة السابعة والعشرين لآسا ملك يهوذا وملك ذلك عوضًا عنه" "الملوك الأول 16: 8-10".
ومن ذلك يتبين أنه في السنة السادسة والعشرين لآسا ملك يهوذا يكون بعشا ملك إسرائيل في عداد الأموات. وفي السنة السادسة والثلاثين لآسا يكون بعشا قد مضى على موته عشر سنوات.
لكن كتبة سفر أخبار الأيام نسوا ذلك فقالوا: "في السنة السادسة والثلاثين لملك آسا، صعد بعشا ملك إسرائيل على يهوذا وبنى الرامة لكيلا يدع أحدًا يخرج أو يدخل إلى آسا ملك يهوذا""أخبار الأيام الثاني 16: 1".
وعلى ذلك تكون هذه الرواية قد وقعت في خطأ فاحش، إذ كيف يصعد بعشا ملك إسرائيل بعد موته بعشر سنين ليحارب آسا ملك يهوذا؟!
إن هذا قليل من كثير مما تحتويه أسفار العهد القديم. ولقد كان من نتاج فحص هذه الأسفار بواسطة علمائها أن وجدت الكنسية الكاثوليكية وهي التي تتمسك بشدة بعقيدة الإلهام واعتبار كل الكتاب موحى به من الله -أن عليها إصدار بيان يواجه مثل هذه الحقائق التي لم تعد تقبل المراء فيها. فلقد بحث المجمع المسكوني الثاني1 للفاتيكان "1962-1965" هذه المشكلة التي تتعلق بوجود أخطاء في بعض نصوص أسفار العهد القديم، وقدمت له خمس صيغ مقترحة استغرق بحثها ثلاث سنوات من الجدل والمناقشة وأخيرًا تم قبول صيغة حظيت بالأغلبية الساحقة إذ صوت إلى جانبها 2344 ضد 6 أصوات. وقد أدرجت الوثيقة المسكونية الرابعة عن "التنزيل" فقرة تختص بالعهد القديم "الفصل الرابع ص53" تشير إلى وجود شو ائب به، وإلى بطلان بعض النصوص وبشكل لا يسمح بأية معارضة.
وتقول هذه الفقرة ما نصه:
"بالنظر إلى الوضع الإنساني السابق على الخلاص الذي وضعه المسيح، تسمح أسفار العهد القديم للكل بمعرفة من هو الله ومن هو الإنسان بما لا تقل عن معرفة الطريقة التي يتصرف بها الله في عدله ورحمته مع الإنسان، غير أن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان، ومع ذلك ففيها شهادة عن تعليم إلهي"2.
إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: كم من المؤمنين بقداسة هذه الأسفار واعتبارها تعليمًا إلهيًا موحى به من الله. يعلم هذا الذي قررته الكنيسة الكاثوليكية بشأنها وما تحتويه من شوائب وبطلان؟
1 عقد المجمع الأول في عام 1869.
2 دراسة الكتب المقدسة ص59-60.
ويتبع ذلك سؤال آخر: ثم ما هو موقف الذين علموا ذلك من هذه الأسفار؟
إن استقراء التاريخ يجعلنا نقرر أن هناك أناسًا عبر القرون وفي شتى بقاع الأرض وبمختلف الثقافات والأوضاع الدينية والفكرية والعلمية سوف يظلون يدافعون على ما توارثوه من معتقدات بصرف النظر عما لحق بها من شوائب وأباطيل
…
فإلى هؤلاء لا أملك إلا أن أردد ما قاله المسيح في الإنجيل:
"اذهبوا وتعلموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة""متى 9: 13".
ثانيًا -أسفار العهد الجديد:
"أ" حديث عن أسفار العهد الجديد:
سبق أن أصدرت كتابًا1 جمعت فيه خلاصة أبحاث علماء المسيحية ودراستهم لأسفار العهد الجديد. وكان يمكن الاكتفار بالإشارة إلى ما في ذلك الكتاب عند الحديث -الآن- عن هذه الأسفار. إلا أن احتمال عدم اطلاع بعض القراء على ذلك الكتاب يضطرني إلى اقتباس بعض منه نقلًا عن أقوال الثقات من علماء المسيحية:
1-
"إن المسيحين الأوائل لم يكونوا يعتقدون أن كتبهم المقدسة تكون عهدًا جديدًا يتميز عن العهد القديم.. إن العهد الجديد كتاب غير متجانس ذلك أنه شتات مجمع فهو لا يمثل وجهة نظر واحدة تسوده من أوله إلى آخره لكنه في الواقع يمثل وجهات نظر مختلفة"2.
1 المسيح في مصادر العقائد المسيحية.
2 المرجع السابق ص15.
2-
"في فترة المائة وخمسين عامًا الأخيرة تحقق العلماء من أن الأناجيل الثلاثة الأولى "متى ومرقس ولوقا" تختلف عن الإنجيل الرابع "يوحنا" أسلوبًا ومضمونًا.
إن الاختلاف بينهم عظيم. لدرجة أنه لو قبلت الأناجيل المتشابهة "الثلاثة الأولى" باعتبارها صحيحة وموثوقًا بها، فإن ما يترتب على ذلك هو عدم صحة إنجيل يوحنا"1.
3-
"ليس لدينا معرفة مؤكدة بالنسبة للكيفية التي تشكلت بموجبها قانونية الأناجيل الأربعة ولا بالمكان الذي تقرر فيه ذلك"2.
4-
"لقد أسقط عدد كبير من الكتب المسيحية الأولى، من العهد الجديد القانوني وهذه تتكون أساسًا من الأناجيل المحذوفة مثل: أناجيل العبريين، والمصريين، وبطرس.. وأسفار رؤيا غير معترف بها مثل رؤيا بطرس، وراعي هرمس.. وخطابات الآباء والرسوليين.
على أن التاريخ المضبوط الذي تحددت فيه قانونية أسفار العهد الجديد غير مؤكد"3.
5-
"إن النسخ الأصلية "الإغريقية" لكتب العهد الجديد فنيت منذ مدة طويلة.. وإن كل النسخ التي استخدمها المسيحيون في الفترة التي سبقت مجمع نيقية "عام 325م". قد غشيها نفس المصير. ومما يجب ذكره أنه حتى اختراع الطباعة لم يكن قد تم الوصول إلى اتفاق كامل في أي من نصوص العهد الجديد الإغريقية أو اللاتينية.
أما موقف الأناجيل فإن التغيرات الهامة قد حدثت عن قصد مثل إضافة أو إدخال فقرات بأكملها. وبالتأكيد فإن بعضًا منها قد استمد من مصدر خارجي.. إن نصوص جميع هذه المخطوطات "للعهد الجديد" تختلف
1 المرجع السابق: ص17، 18، 29.
2 المرجع السابق: ص20.
3 المرجع السابق: ص40-41.
اختلافًا كبيرًا، ولا يمكننا الاعتقاد بأن أيا منها قد نجا من الخطأ. ومهما كان الناسخ حي الضمير فإنه ارتكب أخطاء وهذه الأخطاء بقيت في كل النسخ التي نقلت عن نسخته الأصلية.
إن أغلب النسخ الموجودة في جميع الأحجام تعرضت لتغييرات أخرى على أيدي المصححين الذين لم يكن عملهم دائمًا إعادة القراءة الصحيحة"1.
إن هذا القدر الضئيل يكفي للتذكير مرة ثانية بقول "الحق" في القرآن عن أسفار العهد الجديد وكاتبيها وكهانها ومن تابعهم في الأقوال والأفعال: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 14] .
نعم
…
لقد نسوا تمامًا بكل معاني الكلمة....
ولقد كان الجزاء أن أغرى الله {بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 64] .
وكان الثمن فادحا، دفعه هؤلاء النصارى -المسيحيون- وشاركهم فيه كثير من أبناء البشرية الذين ارتبطوا بهم، أو ربطهم المسيحيون بهم.
وتبلغ هذه العداوة والبغضاء بين الأمم النصرانية قمتها المأساوية في تلك الحروب المستعرة بينهما على مدى التاريخ، وآخرها في المدى القريب هذه الحروب العالمية: الأولى "1914-1918" والثانية "1939-1945".. والله أعلم بما سيأتي به الغد. وإذا كنا لا نستطيع القطع بوقوع الحرب العالمية الثالثة فمن المؤكد أن كلا المعسكرين: الشرقي الشيوعي، والغربي الرأسممالي يستعد لها ويجند في سبيلها الموارد والأموال والقوى البشرية الهائلة. وكل هذا تجسيد للعداوة والبغضاء بين أمم هذين المعسكرين، وجميعها أمم نصرانية.
1 المرجع السابق ص35.
"ب" نظرة في أسفار العهد الجديد:
أصبح واضخًا تمامًا أن كتب العهد الجديد وخاصة الأناجيل تختلف فيما بينها اختلافًا كثيرًا يلحظه كل من تدبرها، وهو اختلاف يرجع أساسًا إلى اختلاف المصادر التي استقى منها مؤلفوها. وأولئك الذين قال عنهم لوقا -وهو واحد منهم- في مقدمة إنجيله:"إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا.. رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس. لتعرف صحة الكلام الذي علمت". ونسوق الآن عددًا محدودًا من أمثلة الاختلاف في أسفار العهد الجديد.
1-
اختلف متى ولوقا في نسب المسيح وذلك حين قرر الأول أن يوسف رجل أمه مريم -الذي كانت تدعوه مريم أبا للمسيح كما في لوقا "2: 48"- ينحدر من نسل سليمان بن داود. "متى 1: 7-16".
بينما جعله الثاني ينحدر من نسل ناثان بن داود "لوقا 3: 23-31".
وذلك بجانب اختلافات أخرى ولقد بين "موريس بوكاي" هذا الخلاف نقلًا عن مصادر كاثوليكية، في كتابه "التوراة والعلم"1، كما بينته في كتابي "المسيح في مصادر العقائد المسيحية"2 وذلك نقلًا عن مصادر أغلبها بروتستانتية.
2-
وإذا أخذنا بما ترويه الأناجيل عن الصلب وأحداثه لوجدناها قد اختلفت فيه من الألف إلى الياء.
1 دراسة الكتبة المقدسة ص105-115.
2 انظر ص78-83.
ويكفي أن يراجع القارئ ما ذكرته الأناجيل عن: "حادث القبض وملابساته -المحاكمات- توقيت الصلب "اليوم والساعة" صرخة اليأس على الصليب -شهود الصلب- كل ذلك وغيره كثير، يكفي للقول بأن الأناجيل قد اختلفت فيما بينها اختلافًا بعيدًا وهو اختلاف يكفي لرفض ما يذكره أحد الأناجيل، إذا أخذنا برواية الأناجيل الأخرى.
أيها نأخذ به، وأيها نرفض؟
رب قارئ -درج على الإيمان التقليدي بما ترويه الأناجيل- لا يجد مفرًا من أن يقول: {إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ} 1 "الملك: 26".
3-
وما تؤمن به المسيحية التقليدية من أن المسيح قد صلب ومات ووضع في قبر ثم قام من الأموات فإن حديث القيامة هذا بدأته مريم المجدلية "التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين""مرقس 16: 9" حين ذهبت وأخبرت بطرس بأن القبر خال من الجثة "فخرج بطرس والتلميذ الآخر "يوحنا" وأتيا إلى القبر
…
ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودخل القبر. .. فحينئذ دخل أيضًا التلميذ الآخر.. ورأى فآمن لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات" "يوحنا20: 3-9".
من ذلك يؤكد إنجيل يوحنا أن بطرس رئيس التلاميذ -بالذات- كان يجهل أي حديث عن قيامة المسيح. بل إن إنجيل لوقا ليؤكد هذا الجهل للتلاميذ كلهم -وفيهم بطرس- الذي كان أكثرهم تعجبًا من حديث القيامة فيقول:
"رجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله. وكانت مريم المجدلية ويوحنا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن اللواتي قلن هذا للرسل.
فترائى كلامهن لهم كالهذيان ولم يصدقوهن. فقام بطرس وركض إلى القبر فانحنى ونظر الأكفان موضوعة وحدها فمضى متعجبًا في نفسه مما كان" "لوقا 24: 9-12".
1 المسيح في مصادر العقائد المسيحية: ص179.
لكن أناجيل مرقس ومتى ولوقا تذكر لنا حديثا جرى بين المسيح وتلاميذه تنبأ فيه بقلته ثم قيامته من الأموات. فهي تقول:
"ابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان "المسيح" ينبغي أن يتألم كثيرًا ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة الكتبة ويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم.
وقال القول علانية.
فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره فالتفت وأبصر تلاميذه فانتهر بطرس قائلًا: اذهب عني يا شيطان لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" "مرقس 8: 31-33، متى 16: 21-23، لوقا 9: 22".
إن رواية الحوار بين المسيح وتلاميذه على ضوء هذه الصورة تعني أن قيامة المسيح من الأموات أصبحت أمرًا مفروغًا منه وأنها واحدة من تعاليمه لتلاميذه مثلها مثل القتل. ذلك أن الأناجيل تذكر أن المسيح "قال القول علانية".
ولما راجعه فيه بطرس أمام التلاميذ ما كان من المسيح إلى أن أغلظ له القول ولقبه بالشيطان.
فإذا وجدنا بعد ذلك أن روايات القيامة التي جاءت بها مريم المجدلية كانت بالنسبة لبطرس، ورفاقه كلامًا "كالهذيان" لا يمكن تصديقه، فإن النتيجة التي لا مفر من التسليم بها هي: أن ذلك الحوار الذي قيل إنه جرى بين المسيح وتلاميذه، والذي تنبأ فيه بقتله ثم قيامته لم يحدث على الإطلاق، وأن ما نجده عن ذلك الحوار في الأناجيل لا يعدو أن يكون إضافات أدخلت إليها فيما بعد"1.
1 راجع كتاب: المسيح في مصادر العقائد المسيحية -الباب الرابع.
4-
ومما لا شك فيه أن بولس هو مبشر المسيحية الأول بصورتها الراهنة، وإليه ينسب نصف أسفار العهد الجديد وهو لم يكن قط من تلاميذ المسيح ولم يحظ برؤيته والحديث إليه ولو مرة واحدة في حياته. لكن ما اشتهر به بولس شيئان: الأول -أنه كان من أشد اليهود عداوة للمسيحية والمسيحيين، عداوة بلغت حد القتل. وفي هذا يقول سفر أعمال الرسل عن بولس "شاول":
"أما شاول فكان لم يزل ينفث تهددًا وقتلًا على تلاميذ الرب. فتقدم إلى رئيس الكهنة وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناسًا من الطريق رجالًا أو نساء يسوقهم موثقين إلى أورشيلم""أعمال الرسل 9: 1-2".
وأما الثاني -فهو أن بولس أعلن فجاة سماعه لصوت المسيح من السماء أثناء ذهابه إلى دمشق ومن تلك الساعة تحول إلى المسيحية وصار أكبر دعاتها لكن قصة بولس مع صوت المسيح يحكيها سفر أعمال الرسل بصورتين متناقضتين تمامًا بالنسبة للمسافرين مع بولس وقيل إنهم كانوا شهودًا لتلك الحادثة. فهو يقول عنهم في الأولى:
وأما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين يسمعون الصوت ولا ينظرون أحدًا" "9: 3-6".
أما الرواية الثانية التي قصها ذات السفر فإنها تقول على لسان بولس:
"والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني""22: 6-9".
فعلى حسب الرواية الأولى نجد شهود بولس: سمعوا ولم يروا وعلى حسب الرواية الثانية فإنهم: رأوا ولم يسمعوا....؟
إن التناقض واضح لا يحتاج إلى تعليق.
لقد كان تلاميذ المسيح على حق حين شكوا في بولس، إذ "لما جاء شاول إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ" "أعمال الرسل: 9: 36".
حقًا يقول القرآن أفضل ما قيل في هذا المقام. وقل في الحديث، ودل على الحقيقة:
خلاصة الموقف مع الكتاب المقدس:
1-
تمهيد:
نزل القرآن على رسول الله في أمة أمية فتعلم منه المسلمون الأوائل "نبأ ما قبلهم، وخبر ما بعدهم، وحكم ما بينهم"، ولقد كان حب الاستطلاع دافعًا للبعض منهم أن يسأل أهل الكتاب من اليهود والنصارى عما في كتبهم فقام ابن عباس -وقد استيقن من القرآن حقيقة ما جرى لأسفار السابقين- وقال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرءونه محضًا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا.
2-
تقرير الحقيقة:
في حملة من أهل الكتاب للغو في القرآن قال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرءون التوارة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، وهنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا قرر به الحقيقة واضحة وضوح شمس الصحراء في رابعة النهار- إذ قال:"لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل الله".
إن هذا يعني أن تلك الأسفار التي في حوزة أهل الكتاب فيها: ما يمتنع تصديقه وفيها ما يمتنع تكذيبه، فالأول قد جافى الحقيقية وتلبس بغيرها، وأما الثاني فقد قال حقًا ونطق صدقًا.
3-
شهود من أهله:
ظهر الإسلام دينا شامخًا، واكتمل بناؤه في حياة رسول الله واستمر نفوذه فعالًا عبر العصور. وخلال مساره الطويل بقي موقف السلطات الدينية اليهودية والمسيحية منه قائمًا على محاربته والكفر بالنبي والقرآن. لكن السنوات الأخيرة حدثت فيها بعض التطورات الهامة.
وليس هذا مجال لعرض تلك التطورات ولكن يكفينا هنا أن نذكر بعضا من شهادات السلطات الدينية لأهل الكتاب ممثلة في هيئاتها وعلمائها. وإذا كان هذا لا يعني قبولهم الكامل للإسلام إلا أن أهم تطور حدث في هذا المجال هو اقتراب شهاداتهم عن أسفارهم المقدسة اقترابًا تطابقت نصوصه في بعض الأحيان مع شهادات الإسلام.
"أ" تقول دائرة المعارف البريطانية عن أسفار العهد القديم:
"لقد أصبح من الواضح: أن هذه الأسفار لا تحتوي كل الصدق وأن ليس كل ما تحتويه هذا الأسفار بصادق"1.
عجبًا حقًا
…
!
أليس هذا ما سبق أن نطق به محمد رسول الله لفظًا ومعنى حين قال: "لا تصدوقهم ولا تكذبوهم":؟!
"ب" في عام 1963 عقد في كندا المؤتمر التبشيري الثالث لطائفة الإنجليين.
وكان مما قاله "كانون ماكس وارن" سكرتير جميعة التبشير الكنسية في بحثه المقدم إلى المؤتمر:
"لقد تجلى الله بطرق مختلفة. ومن الواجب أن تكون لدينا الشجاعة الكافية لنصر على القول بأن الله كان يتكلم في ذلك الغار الذي يقع في تلك التلال خارج مكة"2 وهو يقصد بذلك الوحي إلى النبي محمد حين بدأ في غار حراء.
ويتحدث "بطرس واتيلى" الذي عهد إليه بكتابة تقرير عن هذا المؤتمر فيقول عن بحث "كانون وارن": "من المحال تجنب استخدام ألفاظ الإبداع والسمو عند الحديث عنه. لقد كان واحدا من أكثر الأحاديث التي
1 الجزء الثاني ص501.
2 Frontier Mission، p 18.
استمعت إليها تأثيرًا طيلة حياتي وذلك لما تميز به من سعة في الفكر ووضوح الرؤيا"1.
"جـ" وفي عام 1965 أصدر المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان فقرة عن كتب العهد القديم جاء فيها:
"إن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان".
"د" ومنذ نزل القرآن والجاحدون له مصرون على اللغو فيه وإذاعة الأراجيف والترهات حول النبي الذي جاء به. ولقد سجل القرآن عليهم تلك المواقف وأقام عليهم الحجج التي أعجزتهم وأشياعهم إلى يوم الدين.
لقد كان مما قالوه: {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 4-5] .
وقالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] .
لقد كان الأولى بذلك المعلم الخرافي أن يظهر بتعليمه. بدلًا من أن يعطي الفضل لغيره، ولكن ما الحيلة وقد عميت الأبصار وتحجرت القلوب.
ولقد كان القرآن يستدرجهم إلى ميدان التحدي، فما داموا يدعون أن مصدره بشري أرضي وليس وحيًا إلهًيا. فقد دعاهم إلى الإتيان بمثله، فقال في سخرية أليمة:{أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور: 33-34] .
وبعد أن قال لهم: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] عاد فتحداهم بسورة واحدة، فقال مخاطبًا الناس أجمعين:
1 المرجع السابق: ص17.
ولما كان القرآن تنزيلًا ممن {لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} 1 فقد كتب العجز على معانديه فقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] .
ولقد حلا للكثير من أهل الكتاب حين رأوا القرآن يعرض قصصًا يشابه بعض ما في أسفارهم أن يرددوا ما سبق أن قاله الكفار من اطلاع النبي على كتب الأولين وترديدها.
ولو كان لذلك الزعم أساس لهدمه قول بعض الباحثين المسيحيين -حين قارنوا بين أحاديث كل من أسفار العهد القديم وخاصة التوراة والأناجيل، والقرآن وذلك في الموضوعات المشتركة بينهم- فقد تبين لهم أن القرآن خلا من الأخطاء "والشوائب والبطلان" الموجودة في غيره. فكيف يتأتى ذلك إن لم يكن مصدره إلهيا؟!
وفي هذا يقول "موريس بوكاي": "لا يجد قارئ القرآن أخطاء في الأسماء كتلك التي يجدها في الأناجيل ونعني الأخطاء الخاصة بإسلام المسيح واستحالات الأنساب في العهد القديم "والتي تجعل الطوفان يحدث في القرن 22 قبل المسيح، وفي عصر كانت هناك حضارات مزدهرة على الأرض فبالنسبة لمصر كان ذلك في الفترة الوسطى التي تلت نهاية الدولة القديمة وبداية الدولة الوسطى. وبالنظر إلى ما نعرف عن تاريخ هذا العصر فإنه يكون مضحكًا القول بأن الطوفان قد دمر في ذلك العصر كل الحضارات".
1 الأعراف: 54.
ومرة أخرى تفرض الموضوعية أن نشير إلى ادعاء هؤلاء الذين يقولون بلا أي أساس أن محمدًا صلى الله عليه وسلم مؤلف القرآن قد نقل كثيرًا من التوراة، ولو كان ذلك حقًا لتساءلنا من الذي دفعه أو ما الحجة التي أقنعته بالعدول عن نقل التوراة فيما تعلق بأسلاف المسيح وإدخال تصحيح في القرآن يضع نصه بعيدًا عن أي مرمى نقدي تثيره المعارف الحديثة، على حين أن نصوص الأناجيل والعهد القديم غير مقبولة بالمرة من وجهة النظر هذه"؟ 1.
وبعد.. لقد بين القرآن حقيقة الأسفار اليهودية والمسيحية، فصدق على ما بها من بقايا حق أنزله الله، وصحح ما بها من أساسيات خالطها كثير من "شوائب وبطلان" ثم جاء مهيمنًا عليها بما استحدث وشرع. فنقل الرسالة من القبلية المحدودة إلى العالمية الواسعة، مع ما يتطلبه ذلك من تعاليم وضوابط ومعالجات لمختلف القضايا التي تهم العالمين:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] .
إن حديث القرآن عن أهل الكتاب وأسفارهم إنما هو معجزة تقوم بذاتها، وهي معجزة أساسها العلم الذي تحصله البشرية بالدراسة والتمحيص خلال العديد من القرون، ثم تأتي النتيجة مطابقة لما قال به محمد رسول الله الذي كان يتعلم الآيات من القرآن وحيًا في لحظات.
لقد كان من جوامع كلمه: "لا تصدقوهم ولا تكذبوهم".
إنها معجزة {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] .
1 دراسة الكتب المقدسة ص242.