المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌محمد نبي الملكوت: - النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام

[أحمد عبد الوهاب علي]

الفصل: ‌محمد نبي الملكوت:

‌محمد نبي الملكوت:

جاء يحيى بن زكريا، والمسيح عيسى، ومن بعده تلاميذه وحواريوه يبشرون جميعًا باقتراب "ملكوت الله" أو "ملكوت السموات".

فمن الواضح "أن ملكوت الله" أو "ملكوات السموات" هو شيء عظيم وخطير الشأن، وتحقيق للنبوءات السابقة. وهو أمل يرتجى في تخليص البشرية من أغلالها وهدايتها إلى طريق الله البر الرحيم. ومن المؤكد أن "ملكوت الله" شيء يأتي بعد المسيح الذي جاء يبشر باقترابه.

ولقد بين المسيح أن الملكوت يعني نبوة ورسالة. ففي حواره مع "رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب" في الهيكل، ألقى إليهم النذير بنزع النبوة من بني إسرائيل وإعطائها لأمة أخرى أفضل وأجدر بحمل رسالة الله إلى الآخرين -فقال قولته الشهيرة:"لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره".

لقد أوتي بنو إسرائيل النبوة وحملوا الرسالة فماذا فعلوا؟!

تربصوا بالأنبياء وعصوا المرسلين، فاستحقوا ما جرى لهم، والله أعلم بما هو آت

ولقد جاء محمد نبي الملكوت المنتظر بعد المسيح، وهو نبي -لا يزال- يقول فيه الإنجيل على لسان المسيح مخاطبًا تلاميذه:

"إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن.

وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق. لأنه لا يتكلم من نفسه بل بكل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية".

وأخيرًا جاء محمد نبي الملكوت.. فماذ فعل الذين كانوا ينتظرونه؟

ص: 275

لقد كانوا أول كافر به

!

إنها قصة متكررة تستقي أحداثها المأساوية من قلوب مريضة ونفوس هوى بها الهوى.

فلا يزال اليهود يصلون إلى اليوم من أجل قدوم المسيح المخلص

ولقد جاء المسيح منذ 20 قرنا، وبلغ الرسالة وأعطى البشارة وهم له رافضون.

ولا يزال المسيحيون يصلون إلى اليوم من أجل قدوم ملكوت الله قائلين: "أبانا الذي في السموات.. ليتقدس اسمك وليأت ملكوتك".

ولقد جاء الملكوت منذ 14 قرنًا: نبيه محمد، وكتابه القرآن، ورسالته الإسلام، لكنهم بقوا على حالهم من الغفلة والصد والنكران.

ولقد بلغ الضلال غايته حين نسجت حول الإسلام وكتابه ونبيه أحاديث الإفك ودعاوى الباطل، وألصق به ما ليس منه في شيء، ثم ما لبثت تلك الأباطيل أن صارت تراثًا. يتوارثونها جيلًا بعد جيل.

وكان قمة المأساة حين وقف البابا إيربان الثاني رأس الكنيسة الكاثوليكية ليعطي في مجمع كليرمونت عام 1095 إشارة البدء بالحروب الصليبية -محطمًا بذلك كل ما تقوله الأناجيل عن تعالي المسيح في المحبة والتسامح -ثم ينعت المسلمين بالكفرة ويقول لسامعيه:

"أنتم فرسان أقوياء ولكنكم تتناطحون وتتنابذون فيما بينكم. ولكن تعالوا حاربوا الكفار. يا من تنابذتم اتحدوا، يا من كنتم لصوصًا كونوا الآن جنودًا.

تقدموا للدفاع عن المسيح، لا تمنعكم عواقيب ولا تلهكم نساؤكم ولا أولادكم ولا أموالكم عن القتال في سبيل الله.

تقدموا إلى بيت المقدس، انتزعوا الأرض الطاهرة واحفظوها لأنفسكم فهي تدر سمنًا وعسلًا.

ص: 276

اذهبوا إلى القتال وسنرتب أموركم وأموالكم في غيابكم.

سأغفر لكم ذنوبكم وخطاياكم بالقوة التي زودني بها الله"!

ولقد استمر ذلك الحقد الأسود هو الميراث الذي يحرص الجميع على الأخذ منه بنصيب ولو كان أقل القليل.

وإذا كانت الحروب الصليبية قد فشلت في تحقيق مطامع مثيريها في الاستيلاء على الأرض واغتصاب خيراتها وإقامة ممالك صليبية في الشرق الإسلامي. فإن روحها العدوانية لا تزال تتحكم في تحديد السياسية الدولية إلى الآن.

يقول "إيوجين روستو" رئيس قسم التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية ومستشار الرئيس الأمريكي السابق "ليندون جونسون" حتى عام 1967: "يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب. بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية.

لقد كان الصراع محتدمًا بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى "الحروب الصليبية" وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصورة مختلفة. ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي.

إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي، فلسفته وعقيدته ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة في الدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها"1.

1 سلسلة: نحو وعي إسلامي: العدد 2، ص25-26.

ص: 277

إن "رستو" يحدد بوضوح أن هدف الاستعمار في الشرق الأوسط هو تدمير الحضارة الإسلامية وذلك استمرارًا للحروب الصليبية، وهو في هذا لا يأتي بجديد. إنما هو يردد تعاليم عتاة الاستعمار الغربي وينهل مما توارثوه جميعًا من جهل بالإسلام وحقد عليه ورعب ملأ قلوبهم منه بسبب ما أشاعته السلطات الدينية حوله من أساطير وخرافات.

فمن قبل قال "جلادستون" رئيس وزراء بريطانيا: "ما دام هذا القرآن موجودا، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان"1.

وحين احتلت بريطانيا فلسطين في الحرب العالمية الأولى نشرت الصحف البريطانية صورة الجنرال "اللنبى" وكتبت تحتها عبارته المشهورة التي قالها عقب فتح المقدس: "اليوم انتهت الحروب الصليبية".

وقد هنأ "لويد جورج" وزير الخارجية البريطانية الجنرال "اللنبى" في البرلمان لإحراز النصر فيما أسماه: الحملة الصليبية الثامنة.

وكانت هذه السموم هي التي نفثها الجنرال "جورو" الفرنسي عندما اقتحم "دمشق وتوجه فورًا إلى قبر صلاح الدين وركله بقدمه قائلًا: "ها قد عدنا يا صلاح الدين".

وهكذا يحصد المسلمون والمسيحيون ثمار ضلالات دينية سببها الجهل المتعمد بالإسلام -لا تزال حتى الآن سببًا وحيدًا لاشتعال الحروب المتتالية بينهم.

1 الإسلام على مفترق الطرق: ص41، تأليف المستشرق النمسوي "ليوبولد فايس"، وكان قد بدأ في عام 1922 عمله مراسلًا متجولًا لعدد من الصحف الأوربية في الشرق الإسلامي حيث درس أحواله الدينية والسياسية والاجتماعية ولما عاد إلى النمسا عام 1926 أعلن إسلامه وتسمى باسم "محمد أسد".

ص: 278

إن تبعة ذلك كله تقع أولًا على عاتق علماء المسيحية ومبشريها. ثم هي تقع بعد ذلك على عاتق كل من يؤمن بتعاليم المسيح في الإنجيل ويصدقها القول والفعل.

وإذا تركنا مسيحية القرون الوسطى والنظرة الخاطئة للإسلام والمسلمين وسرنا عبر التاريخ حتى مطلع القرن العشرين، لوجدنا تكريسًا لما سبق من خرافات وأباطيل.

فقد عقد بالقاهرة عام 1906 مؤتمر للتبشير يجمع إرساليات التبشير البروتستانتينية للتفكير في نشر الإنجيل بين المسلمين. وقد افتتح يوم 4 إبريل في منزل أحمد عرابي باشا في باب اللوق وبلغ عدد مندوبي الإرساليات 62 بين رجال ونساء، من الولايات المتحدة وإنجلترا وألمانيا وهولندا والسويد والدانمرك.

وانتخب القسيس "زويمر" -رئيس إرساليات التبشير في البحرين وصاحب فكرة عقد المؤتمر- رئيسا له. وقد جمعت أبحاثه في كتاب يحمل اسم "وسائل التبشير بالنصرانية بين المسملين" واشتمل الفصل الأول منه على بحث "عما إذا كان الإله الذي يعبده المسلمون هو إله النصارى واليهود أم لا؟ وقد صرح الدكتور "لبسيوس" بأن إله الجميع واحد، إلا أن القسيس "زويمر" خالفه في هذا الرأي فقال: إن المسلمين مهما يكونون موحدين فإن تعريفهم لإلههم يختلف عن تعريف المسيحيين لأن إله المسلمين ليس إله قداسة ومحبة"1.

عجيب حقًا أمر هؤلاء الناس....

لقد عرف الإسلام كدين منذ منتصف القرن السابع، واشتهر بالتوحيد الخالص وعبادة الإله الواحد خالق كل شيء، والتصديق بكل رسالات الله وكتبه وأنبيائه ومنهم إبراهيم وموسى وعيسى المسيح.

تلك كلها معلومات أولية لا تحتاج من غير المسلم إلى دراسة أو تمحيص.

1 الغارة على العالم الإسلامي ص22.

ص: 279

ومع ذلك نجد البابا "إيربان الثاني" يقف بعد ذلك بنحو خمسة قرون ليعلن للشعوب المسيحية أن المسلمين كفار..! وتستمر السلطات الدينية المسيحية في التشكيك في إيمان المسلمين بالله لدرجة أن يثار في مؤتمر القاهرة التبشيري عام 1906 سؤال عما إذا كان إله المسلمين هو إله المسيحيين واليهود. ثم يصر كبير المبشرين "زويمر" على رفض القول بأن الإله واحد في الديانات الثلاث.

ولعل السبب في هذا الموقف هو أنه ما دام إله المسلمين هو إله المسيحيين فإن السؤال الذي يعقب ذلك بداهة هو: لماذا -إذن- يقوم تبشير بالنصرانية بين المسلمين؟

آنذاك يقتصر نشاط التبشير على الوثنيين -هذا إذا كان هدفه دينيًا حقًا ولم يربط نفسه بالاستعمار والسيطرة العنصرية-وآنذاك يفقد كثير من المبشرين ما يتمتعون به من مكاسب مادية ومعنوية.

نحو صفحة جديدة:

إن عهدا جديدًا في العلاقات بين المسيحية والإسلام يوشك أن يبدأ وهو عهد يطوي صفحات الماضي بكل شرورها ومآسيها ويفتح آفاقًا واسعة من الفهم والاعتراف بالحقائق التي تأتي نتيجة الدراسات الجادة والمجردة عن الأحكام المسبقة.

ولقد بدأ يلوح في الآفاق ما ينبئ بإمكانية تحقيق فهم أفضل من المسيحية نحو الإسلام، وذلك في عصر يتجه نحو العالمية ويواجه فيه المؤمنون بالأديان السماوية -اليهودية والمسيحية والإسلام- خطر الإلحاد والكفر بالله ورسالته.

فلقد أبطلت الكنيسة الكاثوليكية في النصف الثاني من القرن العشرين ما سبق أن أعلنه أحد رؤسائها السابقين في نهاية القرن الحادي عشر، من اعتبار المسلمين كفارًا، وذلك في بحوثها التي عرضت في المجمع الثاني للفاتيكان، والذي عقد في الفترة 63-1965.

ص: 280

فقد قالت هذه الوثائق: "إن كنيسة المسيح تعترف بأن مبادئ عقيدتها قد بنيت لدى الرسل والأنبياء طبقًا لسر الخلاص الإلهي.

فهي تعترف فعلًا بأن جميع المؤمنين وهم أبناء إبراهيم -حسب العقيدة- داخلون في رسالة ذلك النبي.

وبدافع المحبة نحو إخواننا فلننظر بعين الاعتبار إلى الآراء والمذاهب، التي وإن تباينت كثيرًا عن آرائنا ومذهبنا فإنها تضم نواة من تلك الحقيقة التي تنير قلب كل إنسان يولد في هذا العالم.

ولنعانق أولًا المسلمين الذين يعبدون إلها واحدًا، والذين هم أقرب إلينا في المعنى الديني وفي علاقات ثقافية إنسانية واسعة".

وفي عام 1977 عقد في قرطبة المؤتمر الثاني للحوار الإسلامي المسيحي.

وقد ألقى كلمة الافتتاح الكاردينال "أنريكي ترانكون" مطران مدريد ورئيس أساقفة أسبانيا- فكان مما قاله:

"إني كأسقف أود أن أنصح المؤمنين المسيحيين بنسيان الماضي، كما يريد المجمع البابوي منهم، وأن يعربوا عن احترامهم لنبي الإسلام.. إن المجهودات الفكرية واللاهوتية التي يتسم بها هذا المؤتمر تهدف إلى غاية بعيدة، إلى البحث بكل أمانة عن البراهين التي تحمل المسيحيين على تقدير محمد نبي الإسلام تقديرًا إيجابيًا استنادًا إلى العقيدة المسيحية وطرق فكرنا اللاهوتي.

إن هذا شي هام جدًا بالنسبة للمسيحي، إذ كيف يستطيع أن يقدر الإسلام والمسلمين دون تقدير نبيهم والقيم التي بثها ولا يزال يبثها في حياة أتباعه؟ إن ذلك سيكون دليلا على عدم المحبة والاحترام للمسلمين الذين يجب أن ننظر إليهم بتقدير كما بحثنا في المجمع الكاثوليكي.

لن أحاول هنا تعداد قيم نبي الإسلام الرئيسية الدينية منها والإنسانية فليست هذه مهتمي، وسوف يلقيها عليكم الأخصائيون

ص: 281

واللاهوتيون المسيحيون بالمؤتمر. غير أني أريد أن أبرز جانبين إيجابيين -ضمن جوانب أخرى عديدة- وهما إيمانه بوحدة الله وانشغاله بالعدالة.

أما إيمانه بالله الأحد فهو سمة رسالته وحياته. إنها أهم عقيدة تركها لأمته.

وأما دعوته إلى العدالة مع شتى التطبيقات الدينية والاجتماعية فهي ما تزال قائمة.. بيد أني أود أن أخص بالذكر دعوته إلى سواسية الناس رجالًا ونساء إلى تحقيق العدالة بينهم".

وفي مؤتمر قرطبة ألقى الدكتور "ميجيل كروث إيرناندث" بحثا عن "الجذور الاجتماعية والسياسية للصورة المزيفة التي كونتها المسيحية عن النبي محمد" وقد جاء فيه: "سبق أن أكدت في مناسبة سابقة -وأظن أنني قد قررت ذلك عدة مرات- الاستحالة من الوجهة التاريخية والنفسية لفكرة النبي المزيف التي تنسب لمحمد ما لم نرفضها بالنسبة لإبراهيم وموسى وأصحاب النبوات الأخرى من العبرانيين الذين اعتبروا أنبياء.

إنه لم يحدث أن قال نبي "منهم" بصورة بينة وقاطعة -أن عالم النبوة قد أغلق

وفيما يتعلق بالشعب اليهودي فإن عالم النبوة ما يزال مفتوحًا ما داموا ينتظرون المسيح المخلص.

أما فيما يتعلق بالحركة المسيحية فإنه لا يوجد أي تأكيد قطعي يدل على انتهاء عالم النبوة، وأي قارئ لرسائل القديس بولس وآثار الحواريين وسفر الرؤيا يعلم ذلك جيدًا.

وفيما يتعلق بي فإن يقيني أن محمدًا نبي لدرجة أنني حاولت في دراسة لي كتبت عام 1968 أن أشرح كيف أن محمدًا كان نبيًا حقًا

ص: 282

من وجهة النظر الدينية المسيحية، وكيف أن الله يمكنه بل ويريد رسالة النبي للعرب برغم وجود الديانة المسيحية".

كذلك قال "إجناثيو نايت" أستاذ تاريخ الثقافة بالجامعة المركزية بمدريد في بحث له ألقاه في مؤتمر قرطبة بعنوان "إلى أي مدى يعتبر محمد نبيًا من قبل المسيحيين":

"إن محمدًا هو نبي إحدى الديانات الكبرى المعاصرة

إن الإسلام اليوم هو أكبر قوة حية وهو الذي يدفع تيارات العالم الثالث ويجمع بين 102 دولة من الدول النامية وغير المنحازة في مواجهة أغنى 30 دولة في العالم الأول الرأسمالي والصناعي وفي مواجهة 20 دولة من دول العالم الثاني الشيوعي.

وإذا كانت المسيحية قد تشعبت ليس فقط إلى 260 مذهبًا موجودا الآن وإنما انقسمت إلى ثلاث شعب كبيرة: الأرثوذكسية الشرقية، والبروتستانت، والكاثوليك -وكذلك البوذية تشعبت إلى المهايانة والهينيلنه والزن الياباني -فإن الإسلام ما يزال يحتفظ بأساس وحدته.

إن الإسلام ليس استمرارًا فحسب بل وتقدما كذلك. وفي أفريقيا نجد أن هناك شخصًا يعتنق المسيحية مقابل شخصين يعتنقان الإسلام، ولا نريد أن نعرض للبوذية أو غيرها من الديانات التي تعاني من حالة انقراض واضح.

ولماذا نرى أن الاتحاد ضروري بين أتباع الديانات؟ من الممكن استنتاج الإجابة مما عرضناه سابقًا، ذلك أنه لم يحدث قط في تاريخ الإنسانية أن زحف الإلحاد بهذه الصورة. لقد كانت الديانات تتصارع فيما بينها للسيطرة على أتباعها ولكنا اليوم أمام الدفاع عن العقيدة الجامعة، أي الإيمان بالله بعد أن أصبح هذا الإيمان في حالة خطر.

وفي نهاية الأمر ومع ترك الاختلافات الموجودة بين العديد من الديانات،

ص: 283

ومع النظر فيما يجمع بيننا، نتساءل: أليس الإله واحدًا؟ أما فيما يتعلق بالأنبياء فهم مشتركون: محمد وموسى وعيسى.

وهكذا فإن الوحدة أمر حاسم ومهم لتخليص البشرية وعقائدها المشتركة في الإله.

ويجب أن يكون ذلك بالدرجة الأولى بين الديانتين الكبيرتين: المسيحية والإسلام، حتى يمكنهما بعد ذلك جذب البوذية واليهودية والهندوكية.

ولهذا فإن الخطوة الأولى نحوم الهدف الواسع والبعيد هي دراسة وفهم وتقدير عيسى ومحمد، وهما نبيان مؤسسان ومحبوبان من جميع المؤمنين".

المسيح ليس خاتم النبيين:

لقد تعرض المسيح لما تعرض له الأنبياء من السخرية والتكذيب. "ولما جاء إلى وطنه كان يعلمهم في مجمعهم حتى بهتوا وقالوا: من أين لهذا هذه الحكمة والقوات؟! أليس هذا ابن النجار؟! أليست أمه تدعى مريم، وإخوته يعقوب وموسى وسمعان ويهوذا؟! أو ليست أخواته جميعهن عندنا؟! فمن أين لهذا هذه كلها؟! فكانوا يعثرون به".

لقد كان المسيح عالم بتلك الحقيقة، وأنه كنبي -مثل غيره من الأنبياء- لا بد وأن يواجه مثل تلك المواقف، ولهذا ألقى إليهم قوله الذي يمثل حكمة صدقتها أحداث الزمان:"فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته".

"متى 13: 54-57، مرقس 6: 1-4، لوقا 4: 24، يوحنا 4: 44".

لقد كانت هذه واحدة من المقولات القليلة التي اتفقت عليها الأناجيل الأربعة.

ص: 284

ولقد كان المسيح عالمًا بما تقوله الأسفار المقدسة عند بني إسرائيل -وهو واحد منهم- عن الأنبياء الذين ظهروا فيهم. وكان منهم قلة من الصادقين، أهل الحق والحقيقة، وبجانبهم كثرة كاثرة من أدعياء النبوة ومحترفيها، وفي هؤلاء الكذبة تقول أسفار العهد القديم:

"قد رأيت في أنبياء السامرة حماقة. تنبئوا بالبعل وأضلوا شعبي إسرائيل.

وفي أنبياء أورشليم رأيت ما يقشعر منه: يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره.. من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض. هكذا قال رب الجنود: لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبئون لكم. فإنهم يجعلونكم باطلًا. يتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم الرب.

"قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبئوا باسمي بالكذب قائلين: حلمت، حلمت. حتى متى يوجد في قلب الأنبياء المتنبئين بالكذب بل هم أنبياء خداع قلبهم. الذين يفكرون أن ينسوا شعبي اسمي بأحلامهم""أرميا 23: 13-27".

"هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل: لا تغشكم أنبياؤكم الذين في وسطكم وعرافوكم ولا تسمعوا لأحلامكم التي تتحلمونها. لأنهم إنما يتنبئون لكم باسمي بالكذب. أنا لم أرسلهم يقول الرب""أرميا 29: 8-9".

وبعد أن جاء المسيح رسولًا من الله إلى بني إسرائيل، وأبلغهم رسالة ربه ثم رحل عنهم، ظهر من بعده -وخاصة بين المنتسبين إلى الطائفة الجديدة التي حملت اسمه- أنبياء كذبة وأدعياء رسالة مزيفة. وفي هذا تقول أسفار العهد الجديد:"ولما اجتازوا الجزيرة إلى بافوس وجدا رجلًا ساحرًا نبيًا كذابًا يهوديًا اسمه باريشوع""أعمال الرسل 13: 6".

ص: 285

"أيها الأحباء: لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح، هل هي من الله، لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم. هم من العالم، من أجل ذلك يتكلمون من العالم والعالم يسمع لهم. نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا. ومن ليس من الله لا يسمع لنا. من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال""رسالة يوحنا الأولى 4: 1-6".

"أيها الأولاد: هي الساعة الأخيرة. وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون. من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة.

منا خرجوا. لكنهم لم يكونوا منا لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا، لكن ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا" "رسالة يوحنا الأولى 2: 18-19".

ولكن كان أيضًا في الشعب أنبياء كذبة كما سيكون فيكم أيضًا معلمون كذبة الذين يدسون بدع هلاك" "رسالة بطرس الثانية 2: 1".

"ولكن ما أفعله سأفعله، لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجدوا كما نحن أيضًا في ما يفتخرون به. لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح""كورنثوس الثانية 11: 12-13".

لقد كان ادعاء النبوة وبأ انتشر في الشعب الإسرائيلي قبل المسيح، ثم امتدت عدواه إلى الطائفة الجديدة التي بدأت تنشق عن اليهودية وتقيم لها كيانا مستقلًا، وصار أتباعها يعرفون باسم المسيحيين "أعمال الرسال 11: 26".

ومن أجل ذلك حذر المسيح من أدعياء النبوة فقال: "احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة.

من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبا أو الحسك تينًا" "متى 7: 15-16".

ومن الواضح أنه لو كان المسيح خاتم الأنبياء والمرسلين لقرر ذلك صراحة، ولم يكلف أتباعه مشقة فحص النبوات من بعده وفق معيار الثمار التي تجتنى منها، للتمييز بين الحق والباطل.

ص: 286

وما كان له أن يقول إنه خاتم النبيين بعد حديثه الصريح -الذي ذكرناه سلفًا- عن الرسول روح الحق الآتي بعده إلى العالم، والذي يذكره الإنجيل بأنه سيكون:"معزيًا آخر""يوحنا 14: 16"، سبقه ولا شك معزون آخرون.

وبجانب هذا، تتحدث أسفار العهد الجديد عن استمرارية النبوة الحقة بعد المسيح، وعن وجود أنبياء حقيقيين في الشعب المسيحي، فتقول:

"فحدث أنهما اجتمعا في الكنيسة سنة كاملة وعلما جمعًا غفيرًا. ودعى التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولًا.

وفي تلك الأيام انحدر أنبياء من أورشليم إلى أنطاكية. وقام واحد منهم اسمه أغابوس وأشار بالروح أن جوعًا عظيمًا كان عتيدًا أن يصير على جميع المسكونة، الذي صار أيضًا في أيام كلوديوس قيصر" "أعمال الرسل 11: 26-28".

"وكان في أنطاكية في الكنيسة هناك أنبياء ومعلمون""أعمال الرسل 13: 1".

"ويهوذا وسيلًا: إذ كانا هما أيضًا نبيين، وعظا الإخوة بكلام كثير وشدداهم""أعمال الرسل 15: 32".

"وضع الله أناسا في الكيسة: أولًا رسلًا، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلمين، ثم قوات، وبعد ذلك مواهب شفاء أعوانا تدابير، وأنواع السنة""كورنثوس الأولى 12: 28".

"جدوا للمواهب الروحية وبالأولى أن تتنبئوا.. إني أريد أن جميعكم تتكلمون بألسنة، ولكن بالأولى أن تتنبئوا. لأن من تنبأ أعظم ممن يتكلم بألسنة.

ص: 287

أما الأنبياء: فليتكلم اثنان أو ثلاثة، وليحكم الآخرون.. لأنكم تقدرون جميعكم أن تتنبئوا واحدا واحدا. ليتعلم الجميع ويتغرى الجميع.

وأرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء" "كورنثوس الأولى 14: 1-32".

"لا تطفئوا الروح. لا تحتقروا النبوات. امتحنوا كل شيء. تمسكوا بالحسن. امتنعوا عن كل شبه شر""تسالونيكي الأولى 5: 19-20".

أما بعد:

لقد كان هذا تبيانًا لابد منه لما قاله الدكتور "ميجيل كروث إيرناندث"، في بحثه الذي قدمه في مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي بقرطبة -وذكرناه سلفًا- حين قرر أنه:"فيما يتعلق بالحركة المسيحية، فإنه لا يوجد أي تأكيد قطعي يدل على انتهاء عالم النبوة "بعد المسيح"، وأي قارئ لرسائل القديس بولس وآثار الحواريين وسفر الرؤيا يعلم ذلك جيدًا.

على أن أسفار "موسى والأنبياء" قد بينت للناس جميعًا كيفية التمييز بين النبي الصادق والنبي الكاذب، فقررت أن:

1-

النبي الكاذب لا يقول: لا إله إلا الله. فهو يزيغ الناس عن عبادة الإله الواحد الذي أنزل التوراة على موسى:

"إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلمًا وأعطاك آية أو أعجوبة. ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلأ: لنذهب وراء آلهة أخرى لم نعرفها. ونعبدها، فلا تسمع لكلام ذلك النبي إذ الحالم ذلك الحلم، لأن الرب يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم""تثنية 13: 1-3".

ص: 288

2-

النبي الكاذب يطلق نبوءات كاذبة لا تتحقق:

"وإن قلت في قلبك كيف تعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب. فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر. فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه""تثنية 18: 21-22".

3-

وتكون عاقبة النبي الذي يفتري على الله الكذب أن يعالجه الموت سريعًا:

"وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلامًا أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى. فيموت ذلك النبي""تثنية 18: 20".

ولقد كان هذا ما حدث فعلًا للأنبياء الكاذبين. فقد "قال أرميا النبي "الصادق" لحننيا النبي "الكاذب": اسمع يا حننيا، إن الرب لم يرسلك، وأنت قد جعلت هذا الشعب يتكل على الكذب.

لذلك هكذا قال الرب: هأنذا طاردك عن وجه الأرض. هذه السنة تموت لأنك تكلمت بعصيان على الرب. فمات حننيا النبي "الكاذب" في تلك السنة في الشهر السابع" "أرميا 28: 15-17".

"هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل عن آخاب بن قولايا وعن صديقا بن معسيا اللذين يتنبآن لكم باسمي بالكذب وهأنذا أدفعهما ليد نبوخذ ناصر ملك بابل فيقتلهما أمام عيونكم.

ثم صار كلام الرب إلى أرميا قائلًا: أرسل إلى كل السبي قائلًا: هكذا قال الرب لشمعيا النحلامي. من أجل أن شمعيا قد تنبأ لكم وأنا لم أرسله وجعلكم تتكلون على الكذب. لذلك هكذا قال الرب.

هأنذا أعاقب شمعيا النحلامي ونسله. لا يكون له إنسان يجلس في وسط هذا الشعب" "أرميا 29: 21-32".

ص: 289

وما كان الله لينذر إنسانًا يدعي أنه رسول الله، كذبًا وافتراء على الله، دون أن يعالجه بالموت. فلقد وصل ذلك الدعي في ظلمه إلى مداه. وفي هذا يقول القرآن العظيم:

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144] .

وكان حديث الله إلى الكافرين بنبوة محمد من مشركي العرب، ومن على شاكلتهم حتى الآن، أن يعلموا قضاء الله حقًا وعدلًا في كل مفتر كذاب. وهو أن يعاجله بالموت عقابًا له. فقال -وقوله الحق- في بعض أوائل آيات القرآن نزولًا:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 44-47] .

نعم

إن بقاء محمد بن عبد الله يدعو إلى الله بصفته رسولًا منه إلى الناس بإذنه، لمدة تزيد على اثنين وعشرين عامًا، تعرض فيها لمختلف المخاطر والأهوال وخرج منها جميعًا سالمًا وقد اكتملت رسالته وأتم الله دينه، ثم انتهت حياته بميتة طبيعية بين أهله وصحابته والمسلمين، إن في ذلك لبرهانا من أقوى البراهين على صدق ما جاء به، وآية بينة لأهل الكتاب -من اليهود والنصارى- الذين لا بد وأن يعوا ما تقول كتبهم في النبوة والأنبياء.

{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] .

المشكلة والحل:

لقد عرضنا آنفًا بعضًا مما قاله علماء المسيحية ومفكريها الدينيين في مؤتمر قرطبة عام 1977، وكيف دعوا إلى قيام وحدة بين الإسلام والمسيحية للدفاع

ص: 290

عن الإيمان بالله أمام تيارات الإلحاد الزاحفة التي تدمر كل قيم الإنسان وأخلاقيات وتهوي به إلى ما دون مرتبة الأنعام.

ومن الواضح أن الحديث عن الوحدة هنا يقصد به وحدة الفكر الديني وهو أمر لا يمكن تحقيقه بالتمني ولا حتى بالنوايا الطيبة. ولكنه يحتاج إلى مراجعة للمواقف ومواجهة للحقائق وإعادة العالم الصغير قبل توحيد العالم الكبير.

إن المنطق يقضي بأن تقوم الوحدة المسيحية أولًا بين طوائفها المختلفة، بعد ذلك تلتقي المسيحية الموحدة مع الإسلام للاتفاق على ما يجمع بينهما وترك نقاط الخلاف بعد إعلانها صراحة.

وإذا أردنا مواجهة الحقائق ومعرفة سبب الفرقة والشقاق الذي ولد العداوة والبغضاء نقول ما يقوله "ستيفن رنسيمان" في حديثه عن الشقاق الديني في المسيحية: "إن الموضوع الأساسي الذي دارت حوله خصوماتهم ومنازعاتهم فكان طبيعة المسيح التي تعتبر أهم وأعقد المشاكل في أصول الدين المسيحي"1؟.

لقد جاءت هذه المشكلة -التي مزقت المسيحية عبر القرون ومنعت ولا تزال تمنع أي إمكانية لحدوث تقارب فكري مع الإسلام- من بذور ألقاها بولس في رسائله التي بدأت كتابتها بعد رفع المسيح بأكثر من 20 عامًا. لقد خلط بولس بين الله والمسيح، ومن ثم بدأ الحديث عما يعرف بلاهوت المسيح وتجسد الإله.

يقول بولس: "الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد".

"الله.. الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين".

1 تاريخ الحروب الصليبية: الجزء الأول ص20.

ص: 291

"إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلًا الله، لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرًا شبه الناس".

ثم جاء إنجيل يوحنا الذي كتب بعد رفع المسيح بمدة تتراوح بين 70-90 عامًا ليكرس فكرة الخلط بين الله والمسيح وتجسيد الله ويقول: "في البدء كان الكمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله".

هذه هي المشكلة العقائدية التي تمنع كل وحدة، والحل الوحيد هو الالتزام بما تذكره الأناجيل من ألقاب وأسماء للمسيح قبلها بل ودعا إلى التمسك بها. لقد أجمعت الأناجيل على أن المسيح هو: ابن الإنسان -ابن داود- رسول الله -نبي- سيد -ومعلم

ويكفي التذكرة بما قاله المسيح لتلاميذه: "أنتم تدعونني معلمًا وسيدًا، وحسنا تقولون لأني أنا كذلك".

لقد بين البحث العلمي الذي قام به سبعة من علماء المسيحية المعاصرين أن الحديث عن تجسد الله إنما يعني خرافة.. ولقد جاء ذلك في كتاب جمع بحوثهم ونشر في لندن عام 1977 تحت عنوان "أسطورة تجسد الإله"1.

تقول مقدمة الطبعة الخامسة لهذا الكتاب -والتي صدرت عام 1978 -عن تطور المسيحية الغربية في مواجهة معارف الإنسان الحديثة منذ القرن التاسع عشر: "إنها قبلت التسليم بأن أسفار الكتاب المقدس كتبها مجموعة من البشر في ظروف متنوعة ولا يمكن الموافقة على اعتبار ألفاظها تنزيلا إلهيًا.

إن المعارف الإنسانية تستمر في النمو بمعدل متزايد، كما أن الضعط على المسيحية يقوى أبدًا مما يجعلها تكيف نفسها لتصير شيئًا يمكن الإيمان به، إيمان أهل الفكر الواعي والإخلاص أولئك الذين جذبتهم إليها بعمق شخصية يسوع وما تلقيه من أضواء على معنى حياة الإنسان

1 The Myth god incarnate، Edited by john Hick.

ص: 292

إن المشتركين في هذا الكتاب مقتنعون أن تطورًا لاهوتيا آخر لا بد منه في هذا الجزء الأخير من القرن العشرين. وتنبع الحاجة إليه من تطور معرفتنا بمصادر المسيحية، ويتضمن ذلك اعترافًا أن يسوع كان -كما يقدمه لنا سفر أعمال الرسل "2: 21"1 -رجل قد تبرهن من قبل الله، لأداء دور معين خلال هدف إلهي، وأن التصور الذي لحق به أخيرًا باعتباره الإله المتجسد، والأقنوم الثاني من الثالثوث المقدس الذي عاش حياة البشر، إن كل ذلك إلا أسلوب أسطوري أو شاعري للتعبير عما يعنيه بالنسبة لنا.

إن هذا الاعتراف أصبح لازمًا لصالح الحقيقة

ولنقلها الآن: إن ما نأمل فيه هو تنقية الحديث عن الله وعن يسوع من الخلط والتشويش، وبذلك يتحرر الناس لخدمة الله في طريق المسيحية باستقامة وكمال".

حقًا إن تحقيق الوحدة بين المؤمنين بالله والمؤمنين بالمسيح ليس له من سبيل سوى الكف عن الخلط بين الله والمسيح، ثم تقديس الله بما يتفق وجلاله، ثم الإيمان بأن المسيح "رجل قد تبرهن من قبل الله بقوات وعجائب صنعها الله بيده" وأنه كان فقط "إنسانًا نبيًّا مقتدرًا في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب" "لوقا: 24: 19".

ولا مجال -إذن- للحديث عن المسيح بأكثر من هذا الذي تقوله أسفار العهد الجديد.

1 يقصد هنا ما قاله بطرس: "أيهال الرجال الإسرائيليون.. اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضًا تعلمون".

ص: 293

لقد وضحت المشكلة الآن ووضح حلها الوحيد، لو جنح من يهمهم الأمر إلى العقل والصدق مع أنفسهم قبل الصدق مع الآخرين. والنتيجة المنطقية لذلك أن يكف المسيحيون عن التبشير بالمسيحية بين المسلمين بعد أن اتحدت بينهم أسس العقيدة، وأن يوجهوا نشاطهم إلى الوثنيين والمرتدين من الملاحدة الشيوعيين.

وآنذاك ينعم العالم بسلام لم يشهده من قبل، سلام من الله، وسلام بين المؤمنين، ثم سلام مفروض بعد ذلك على البقية من غير المؤمنين.

ص: 294

بيان للناس:

إن خير ما نختم به كتاب "النبوة والأنبياء" أن نضع كل إنسان أمام مسئوليته الفردية التي يتوقف عليها مصيره الأبدي كما يتوقف عليها صلاح حال الدنيا وتحقيق حياة أفضل للإنسان.

إن القرآن كتاب الله قد نزل من أجل كل الناس. فالواجب المقدس يقتضي أن يلم كل إنسان بهذا الكتاب الذي جاء من أجله، وعليه بعد ذلك أن يقرر ما يشاء.

يقول الله لكل الناس: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] .

ويقول الله لرسوله في القرآن وعن طريقه يقول للناس: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] .

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

ص: 295

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يونس: 104-109] .

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحج: 49-51] .

ويقول الله لليهود والنصارى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15-16] . صدق الله العظيم.

ص: 296