الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 -
في المعاملات
لم يقتصر التيسير في الإسلام على العقيدة والعبادة بل تعداه إلى المعاملات التي تأخذ مساحة واسعة من حياة الإنسان العملية، فالتجارة والصناعة والزراعة والتعليم وغيرها، يدخل جميعها تحت مظلة المعاملات، والناس في المعاملات أكثر عرضة للمعاصي والآثام، لأن المحرك لها هو المال، ومعلوم مدى تأثير المال في نفس الإنسان وطباعه وسلوكه، لذلك كانت النصوص القرآنية والنبوية تترى في اتباع التيسير والمسامحة في المعاملات، يقول عليه الصلاة والسلام:«رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (1) .
ويقول أيضًا: «من أقال مسلما أقاله الله عثرته يوم القيامة» (2) .
ويمكن بيان بعض صور التيسير في المعاملات من خلال المحاور الآتية:
(1) صحيح البخاري، رقم2076، ص333.
(2)
سنن ابن ماجه، رقم2199، ص315. ورواه أبو داود في سننه برقم3460، ص500. رجاله ثقات.
أ - ففي البيع أجاز الإسلام للمتبايعين الخيار في عدد من المواضع كما إذا كانا في مجلس البيع، رفعا للحرج الذي قد يقع فيه أحدهما، لأنه ربما يحصل ضرر كبير إذا تم هذا العقد، يقول عليه الصلاة والسلام:«إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع» (1) .
ب - ثم إن هذا الدِّين حرم الربا الذي فيه ظلم للناس واستغلال لظروفهم، وسبب في إفشاء الفقر والغنى الفاحشين، وسبب لزرع الأحقاد والضغائن بين أبناء المجتمع الواحد، فحرم الله الربا وأباح القرض الحسن، يقول الله تعالى:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} (2) . ويقول جل ثناؤه: {وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} (3) .
ج - كما حرم هذا الدين احتكار الطعام والسلع واحتجازها في وقت تشتد حاجة الناس إليها، يقول عليه الصلاة والسلام:«لا يحتكر إلا خاطئ» (4) .
ويقول عليه الصلاة والسلام: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقا على الله تبارك وتعالى أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة» (5) .
(1) صحيح البخاري، رقم2112، ص339. ورواه مسلم في صحيحه برقم3855، ص664.
(2)
سورة البقرة، الآية:276.
(3)
سورة المزمل، الآية:20.
(4)
صحيح مسلم، رقم4123، ص702.
(5)
مسند الإمام أحمد، رقم20579، ص1487. رواته ثقات.
د - التيسير على المدين المعسر: وهو مبدأ عظيم جاء به الإسلام، رحمة بحاله وتقديرًا لظروفه القاسية، وهو عنصر قوي من عناصر التكافل الاجتماعي بين أبناء الأمة، حيث يجعل من المجتمع وحدة متينة، قائمة على الحب والوئام، والتعاون والتراحم، وهو تطبيق عملي لقوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (1) .
إن هذا المبدأ المبارك في التيسير على المدين المعسر يفتقده العالم المعاصر في ظل هذا التطور الحضاري الهائل، ومع وجود الجمعيات العالمية الكبرى التي تعنى بشؤون الإنسان وحرياته وحقوقه، وهو وصية الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أربعة عشر قرنًا لأصحابه وللأمة من بعدهم في قوله:«من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» (2) .
ويقول عليه الصلاة والسلام في قصة رجل من الأمم السابقة كان يتجاوز عن المعسرين: «كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه» (3) .
(1) سورة البقرة، الآية:280.
(2)
صحيح مسلم، رقم4000، ص684.
(3)
صحيح البخاري، رقم2078، ص333. ورواه مسلم في صحيحه برقم3997، ص684.