المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حرية التدين لأهل الذمة في ظل الحكم الإسلامي: - انتشار الإسلام الفتوحات الإسلامية زمن الراشدين

[جميل عبد الله محمد المصري]

الفصل: ‌حرية التدين لأهل الذمة في ظل الحكم الإسلامي:

ويلزم الذمي بترك ما فيه غضاضة، ونقض على الإسلام، وهي ثلاثة أشياء:

ذكر الله تعالى وكتابه، ودينه بما لا ينبغي. فهذه الأَشياء يُلزم الذمي بتركها1.

ويلزم الذمي بأداء الجزية: وهي في أبسط مفاهيمها في الإِسلام ضريبة على الذمي من رعايا الدولة الإسلامية، مقابل حمايته، ومقابل فريضة الجهاد المفروضة على المسلم.

قال خالد بن الوليد عَندما صالح أهل الحيرة:

"إني عاهدت على الجزية والمنعة

فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا"2

وتسقط الجزية إذا عجز المسلمون عن حماية أهل ذمتهم، كما حصل عندما أعاد المسلمون جزية أهل حمص بعد أن أخذوها، عند انسحابهم (كل سبق)3.

وتسقط عن الذمي إذا قام بواجب الدفاع عن دار الإِسلام4 كالذي صنعه عتبة بن فرقد مع أهل أذربيجان فكان:

(عليهم أن يؤدوا الجزية قدر طاقتهم، إلا من حشر منهم في سنة، فيوضع عنه جزاء تلك السنة)5.

ويُعفى منها من لا يستطيع القتال كالمرأة، والصبي، والشيخ الكبير، والرهبان، ومن يؤدي خدمة المسلمين6.

وكانت أموال الجزية والخراج تُنفق محلياً في كل ولاية لأغراض المشروعات العامة، ولم تكن تسدّد للدولة أحياناً، بعلم المسئولين.

كل ذلك مكّن لدعوة الإسلام من أن تدخل قلوب أهل البلاد المفتوحة.

1 الشافعي _ الأم 4/118، الماوردي_ الأحكام السلطانية 140.

2 الطبري _ تاريخ 4/16.

3 البلاذري _ فتوح البلدان 143، ابن عساكر_ تاريخ دمشق 1/251.

4 انظر: محمد ضياء الدين الريس_ الخراج 174.

5 الطبري_ تاريخ 5/250.

6 انظر: ابن القيم الجوزية_ أحكام أهل الذمة 1/99.

ص: 96

‌حرية التدين لأهل الذمة في ظل الحكم الإِسلامي:

تختلف دولة الإسلام عن الدولة الدينية في المفهوم الغربي. فالدولة الدينية (في عرف الغربين) : "تخوض الحروب الدينية لتجعل ولو بالإكراه كل رعيتها متدينة بدينها، بل بمذهبها الديني، لأنها توحّد بلاد الدين والدولة، والرعية مكون من مكونات الدولة"7.

7 كما فعلت إسبانيا والبرتغال الكاثوليكيتين مع المسلمين وغيرهم من المخالفين لهم في العقيدة، بعد أن احتلوا أرض المسلمين في الأندلس واستوطنوها، فاستخدموا محاكم التحقيق (التفتيش) . وكما فعلت فرنسا الكاثوليكية مع الهيجونوت في مذبحة بارثلميو رباتلميو سنة 1571م.

ص: 96

ولذلك لم يميّز من كتب من وجهة النظر الغربية في تاريخ الإسلام بين مفهوم الجهاد- الذي يعمل على إزالة العقبات، وتحطيم الحواجز التي تعترض الدعوة، وتحول دون وصول الإسلام إلى الناسِ- وبن اعتناق الناس للإسلام1 الذي هو أجلّ نعمة للبشرية. والنعمة لا تُفرض فرضاً، ولكن النفوس الطيبة تسارع إليه عندما تتاح لها الفرصة للمعرفة والمشاهدة. والفتوحات وفرت هذه الفرصة، فلم تكن الفتوحات إذن لإجبار الناس على الدخول في الدين، قال تعالى:

{أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} 2.

وقال سبحانه وتعالى:

{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} 3.

فأمر سبحانه وتعالى الرسول والمسلمين أن تكون الدعوة طيبة، تخاطب الناس في رفق لمحاولة إقناعهم، لا إكراه فيها ولا تهديد، وأن يكون حوارهم مع أهل الكتاب هادئاً لا يجادلونهم إلا بالتي هي أحسن، فإن آمنوا فقد اهتدوا، وإن تولوا فالآمر متروك لله سبحانه وتعالى. قال تعالى:

{وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} 4.

ومن الغربيين من أكد على عدم إكراه المسلمين لغيرهم على اعتناق الإسلام مثل: "فون كريمر"5. وأجاد "غوستاف لوبون" في عرضه عدم إكراه المسلمين الناس على الإسلام، وبينّ أن الإسلام انتشر بالدعوة وحدها6.

وقال "فرانز روزنتال" معبراً عن ذلك:

"وقد نمت المدنية الإسلامية بالتوسع لا بالتعمق، داعية إلى العقيدة، مناقشة لتلك الحركات الفكرية الموجودة. وفوق كل ذلك، فبتقدم الإسلام تهاوت الحواجز القديمة من اللغة، والعادات، و. توفرت فرصة نادرة لجميع الشعوب، والمدنيات لتبدأ حياة فكريه جديدة، على أساس المساواة المطلقة، وبروح من المنافسة الحرة"7.

1 انظر: آراء بعض الغربيين: "نيبور"، "ميور"، "وسيديو"_ تاريخ العرب العام 133.

2 سورة يونس الآية: 99.

3 سورة البقرة الآية: 256.

4 سورة العنكبوت الآية: 46.

5 أنور الجندي _ الإسلام وحركة التاريخ 83.

6 غوستاف لوبون _ حضارة العرب 162، 169_ 170.

7 روزنتال_ علم التاريخ عند المسلمين 46.

ص: 97

والواقع أن أعمال الفاتحين المسلمين لا تدع مجالاً للشك في أن المسلمين لم يُكرهوا أحداً على اعتناق الإسلام، بل سارع الناس لاعتناقه لما لمسوه من نعمة الإسلام، ولما لمسوه في الفاتحين. ووصيّة محمد صلى الله عليه وسلم لجيش مؤتة معروفة1، وعلى نمطها أوصى أبو بكر رضي الله عنه جند المسلمين، وبيّن لهم كيفية معاملة أهل البلاد المفتوحة2. وأمر خالد بن الوليد أن يتألف أهل فارس ومن كان في ملكهم3. فترك المسلمون لأهل الذمة حريتهم الدينية، وخلّصوهم من اضطهاد بعضهم لبعض.

وأقرأ ما كتبه "ساويرس بن المقفع" النصراني الأرثوذكسي المعاصر للفتوحات الإسلامية، وهو يتكلم عن عدل المسلمين، ويذكر غبطة غير المسلمين في ظل الحكم الإسلامي:

"وكانت أعمال الأرثوذكسية الصالحة تنمو، وكانت الشعوب فرحين، مثل العجول الصغار، إذا حُلّ رباطهم، وأطلقوا على ألبان أمهاتهم"4.

واقرأ رسالة البطريق النسطوري "يشوع ياف" إلى "سمعان" رئيس أساقفة فارس، وقد راعه تسارع الناس إلى الدخول في الإسلام:

" أين أبناؤك أيها الأب، الذي ثكل أبناءه، أين أهل مرو العظماء، الذين على الرغم من أنهم لم يشهدوا سيفاً، ولا ناراً، ولا تعذيباً

واحسرتاه، واحسرتاه على هذه الآلاف المؤلفة التي تحمل المسيحية، والتي لم يتقدم حتى واحد منها ليهب نشمه ضحية للرب، ويريق دماءه في سبيل الدين الحق

5.

أين كذلك معابد كرمان، وبلاد فارس جميعاً

وإن العرب6 الذين منحهم الله السلطان يشاهدون ما أنتم عليه، وهم بينكم كما تعلمون ذلك حق العلم، ومع ذلك فهم لا يحاربون العقيدة المسيحية، بل على العكس يعطفون على ديننا، ويكرمون قسيسينا، وقديس الرب، ويجودون بالفضل على الكنائس والأديار، فلماذا هجر شعبك من أهل مرو عقيدتهم من أجل هؤلاء العرب؟ ولماذا حدث

1 الواقدي _ المغازي 2/757.

2 ابن عساكر _ تاريخ دمشق 1/225_ 226.

3 الطبري _ تاريخ 3/343.

4 أثر أهل الكتاب _ لكاتب هذا البحث 427، ساويرس_ سير البطارقة 111.

5 ويقصد به: النصرانية النسطورية/ وعن النسطورية انظر: الإسلام في مواجهة الحركات الفكرية_ لكاتب هذا البحث 81- 83.

6 ويقصد: المسلمين.

ص: 98

ذلك أيضاً في وقت لم يرغمهم فيه العرب

- كما يصرح بذلك أهل سرو أنفسهم- على ترك دينهم؟

"1.

إن الذي جذب الناس للإسلام، هو الإسلام ذاته، لأنه فطرة الإنسان، فتتجاوب مع الفطر السليمة. قال تعالى:

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 2.

وهذا سر عظمة هذا الدين، وسر استجابة الناس لعقيدة التوحيد العقيدة التي لا لبس فيها ولا تعقيد، البعيدة عن الفلسفات الخيالية، وعن الغموض، والتناقض. فمن السهل إدراك عقيدته من جميع البشر على مختلف مستوياتهم، ويرتفع بالإنسان من هبوطه، ويسمو به، فيعز به من يعتنقه، ويحس بالكرامة، باعتدال وتوازن عام في مختلف جوانب الحياة، وفي كل البيئات البشرية، وفي كل زمان ومكان.،ولذلك لا نجد شعباً اعتنق الإسلام وتراجع عنه باختياره، وقلّ بل ندر أن نجد عالماً سقط علماء المسلمين ارتد عن الإسلام، في حين نجد كثيراً من عظماء الأديان الأخرى ومفكريها اعتنق الإسلام، وآمن بعقيدته، وعمل على نشرها وتبليغها.

ورعية الدولة الإسلامية تشمل المسلم وغير المسلم، وكل له حقوق وعليه واجبات، وسمح الإسلام بتمايز العقائد في إطار هذه الحقوق، والواجبات، وأنقذ الناس من التعصب، والإرهاب الديني، وعاشوا في ظل دولة الإسلام بالأمن، فأقبلوا على اعتناقه، وجذبهم إليه القدوة عندما تمسك المسلمون بدينهم والعدل الذي نعموا به في ظل الدولة الإسلامية.

والعدل: أول قواعد الحكومة الإسلامية، وميزة النظام الإسلامي. ومفهومه في الدولة الإسلامية بصفة عامة: تنفيذ حكم الله، أي الحكم في الناس بما جاء به القرآن الكريم، وبسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام.

قال تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} 3.

وقال سبحانه وتعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} 4

1 أثر أهل الكتاب _ لكاتب هذا البحث 435، ارنولد _ الدعوة إلى الإسلام 101_ 102.

2 سورة الروم الآية: 30.

3 سورة النساء الآية: 58

4 سورة النحل الآية: 90.

ص: 99

وقال جل وعلا:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} 1.

وقال تعالى:

{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} 2.

ولا نعلم حكومة في تاريخ العالم التزمت بالعدل بالقدر الذي ظهر في حكومة الإسلام، وخاصة في العهدين النبوي والراشدي، فنتج عن ذلك سرعة انتشار الإسلام وشيوعه بين الناس على مختلف أجناسهم وألوانهم وعاداتهم، ولغاتهم، وأوطانهم.

ولما دوّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ديوان الجند والعطاء3، شمل بالعطاء جميع رعايا الدولة الإسلامية من المسلمين (بدون تمييز في الجنس أو اللون) ومن احتاج من غير المسلمين. فكان لذلك أثر كبير في إقبال الناس على الإسلام.

وأجمل ما تميز به العدل في الدولة الإسلامية- العدل والقضاء. فكان الفصل في خصومات الناس يتم على أساس الأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة. ورسالة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريَ في القضاء معروفة4، وقد اتخذها القضاة المسلمون أساساً لأنظمتهم القضائية.

وعينّ الخلفاء الراشدون قضاة للأمصار الإسلامية المفتوحة، مستقلين عن الأمراء وقادة الجند، ينوبون عنهم في الفصل بين الناس، على أساس من الكتاب والسنة والاجتهاد فيما لم يرد فيه نص.

وكان يراعي في اختيار القاضي، غزارة العلم، والتقوى، والورع، والعدل، فكان القضاة من خيار الناس، يخشون الله، ويحكمون بين الناس بالعدل، وكلمتهم نافذة على الولاة وعمال الخراج، بل على الخلفاء، واستمر ذلك في عهد الأمويين، وفي كثير من عهود دولة الإسلام. كما كان للقاضي رزق من بيت المال لما يلزمهم من الانقطاع لهذا العمل، وترك ما يرتزقون منه، ورزق القاضي كبير، ويُعطاه مقدماً حتى لا ينظر بعد ذلك إلى شيء، وكثير من قضاة الإسلام كانوا يرفضون الرزق محتسبين.

1 سوره المائدة الآية: 8.

2 سورة الأنعام الآيةَ: 152.

3 انظر: أبو يوسف _ الخراج 245 البلاذري _ فتوح البلدان 425_ 447.

4 وكيع - أخيار القضاة 71-72، الماوردي - الأحكام السلطانية 80.

ص: 100

وحفظ لنا التاريخ نزاهة هؤلاء القضاة، فلم يُعرف عنهم ميل إلى الدنيا واغترار بها يعدل بهم عن قول الحق، والحكم به، وكان في نظرهم سواء: الشريف والوضيع، والخليفة وأفراد الرعية، ولم يتأثروا بالفتن، وبقي القضاء نظيفاً كما هو من الاستمرار في العدل فكان عامل جذب كبير لرعايا الدولة الإسلامية إلى اعتناق الإسلام.

وقد اهتم الخلفاء بجميع أفراد الأمة من مسلمين وغير مسلمين، وقصة القبطي الذي ضربه ابن عمرو بن العاص مشهورة. وقصة العاشر والتّغلبي النصراني مع عمر بن الخطاب1، واليهودي المتسوّل2 الذي فرض له ولأمثاله من بيت مال المسلمين. وقصة جبلة بن الأيهم الغساني مع الأعرابي الفزاري3، وقصص جلوس الخلفاء أنفسهم للقضاء أمام خصومهم، كل ذلك مكن للدعوة الإسلامية من التثبيت، والامتداد، والانتشار.

وجلس الخلفاء أنفسهم أمام رعاياهم من أهل الذمة للقضاء، وقضية الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الرجل النصراني دليل على ذلك:

"وجد علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني، فأقبل به إلى شريح4 قاضيه، وقال له:

"الدرع درعي، ولم أبع، ولم أهب".

فقال شريح للنصراني: "ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين"؟.

فقال النصراني: "ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب".

فالتفت شريح إلى علي. فقال:

"يا أمير المؤمنين هل من بينة " فضحك علي.

وقال: "أصاب شريح مالي بينة".

فقضى شريح للنصراني. فأخذ النصراني الدرع، ومشى خطوات، ثم رجع وقال:

"أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه يقضي عليه. أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين".

1 يحي بن آدم- الخراج 64.

2 أبو يوسف- الخراج 126- الطماوي- عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة 98.

3 الطبري 5/.24، الكامل في التاريخ 4/ 5 10، ابن كثير- البداية8/ 217.

4 شريح الكندي من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضاء الكوفة، وأقام قاضياً ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة، فكان يقال له "قاضي المِصرَين"، وقيل أنه استعفى من القضاء قبل موته بسنة. وتوفي سنة 78هـ أو سنة 80هـ.

[انظر: الذهبي _ سير 4/101، ابن كثير_ البداية 9/25، الخطيب البغدادي 5/96]

وكيع _ أخيار القضاة 2/189_ 409 حيث استوفى أخباره.

ص: 101

فقال: "أما إذا أسلمت فهي لك" وحمله على فرسه1

وهكذا كان القضاء عامل جذب كبير الإسلام.

كما كانت صلاة الجماعة في المسجد عامل جذب قوي أيضاً، تلك العبادة التي تتجلى فيها روعة المساواة بين البشر جميعاً بأعلى صورها في إلغاء الفوارق.

ففي الجمعة والجماعة تأخذ المساواة صورتها العملية، وتزول كل الفوارق التي تميّز بين الناس، فمن ذهب إلِى المسجد أولاً آخذ مكانه في مقدمة الصفوف، وإن كان أقل الناس مالاً، وأضعفهم جاهاً، ومن تأخر حضوره أخذ مكانه مهما يكن مركزه، وتجد الغني يجانب الفقير، والعالم يجانب الأمي، والشريف بجانب الوضيع، والحاكم بجوار الخادم، ولا فرق بين واحد وآخر، فكلهم سواسية أمام الله سبحانه، في قيامهم، وركوعهم، وسجودهم، قبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، وحركاتهم واحدة خلف إمام واحد، ترتبط قلوبهم بخالقهم، لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى.

وهذه المساواة التي تظهر عملياً، وتتكرر في اليوم الواحد مرات، جذبت سكان البلاد المفتوحة للإسلام، فانتشر بينهم، وأصبح لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.

وهكذا كان المسجد وسيلة من وسائل الدعوة الهامة، فكان ركيزة هامة من ركائز بناء المجتمع الإسلامي، وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثل للمسلمين في بناء المساجد والاهتمام بها، فبنى مسجد قباء، ثم المسجد النبويَ، وبنى المساجد في الأسفار الطويلة في الطرقات والمنازل، وفي أثناء الغزو، وأثناء الحصار2. واهتم الراشدون بذلك وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ولاة الأقاليم في العراق ومصر باتخاذ مسجداً للجماعة، وللقبائل مسجداً، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجمعة فشهدوا الجمعة. وأما في الشام فأمرهم أن يتخذوا في كل مدينة مسجداً واحداً، ولا يتخذوا للقبائل.

وفي تخطيط المدن الإسلامية حرص المسلمون على إنشاء المساجد في المدن التي مصرّها المسلمون الكوفة، والبصرة، والموصل، والفسطاط، وكانت تقام في هذه الأمصار حياة إسلامية تحس بها الشعوب التي أطلتها راية الإسلام، وتلمسها كنماذج كاملة للمجتمع المسلم يتوسطها المسجد. فكانت الأمصار والأجناد من عوامل بث الدعوة، وانتشارها3 وبهذا يتضح لنا أثر الفتوحات الإسلامية في انتشار الإسلام.

1 ابن كثير _ البداية والنهاية 8/5، ابن الأثير_ الكامل في التاريخ 3/201.

2 انظر: البخاري 1/130، وقد ذكر بعض المساجد والمواقع الني صلّى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3 عن الأمصار والأجناد ودورها بالتفصيل: انظر_ تاريخ الدعوة_ للمؤلف 332_343.

ص: 102