المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب - تأخير نصر الدين لطف بالمؤمنين ومكر بالكافرين والمنافقين

[عبد الكريم الحميد]

الفصل: ‌أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب

قِبَله العذاب، فتأمل حال المؤمن والمنافق هنا.

ومنها:

‌أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قَيّض لهم الأسباب

التي يسْتوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم وطغيانهم مُبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلّط عليه فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محْقهم وهلاكهم.

- تأمل هذا وترقّب فعل رب العالمين بأعدائه، وقد ظهرت ولله الحمد علامات ذلك واضحة من قَوَارِعِه المتوالية عليهم ونحن نسأله المزيد، وتدبّر قوله سبحانه عن فرعون وقومه:{فلما آسفونا انتقمنا منهم} فالطغاة يتمادوْن بطغيانهم والرب يمهلهم

ص: 14

ويظنون أنه مهملهم حتى إذا استكمل غضبه عليهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا معنى الآية

وقد بيّنت في "جواب الأمريكيين" وغيرهم عظم فساد هؤلاء الكفرة في الأرض وأنه أعظم من إفسادهم بالمحاربة وتقتيل المسلمين، فنحن نتربّص بهم سنن شديد المِحال -

ثم إن ابن القيم رحمه الله ذكر كلاماً، ثم قال في قُبح طاعة الكفار: (وحذّرهم سبحانه من طاعة عدوهم وأخبر أنهم إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أُحد، ثم أخبر سبحانه أنه مولى المؤمنين وهو خير الناصرين، فمن وَالاه فهو المنصور، ثم أخبر أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم والإقدام على حربهم، فإنه

ص: 15

يؤيد حزبه بجند من الرعب ينتصرون به على أعدائهم، وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدْر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشد شيء خوفاً ورعباً، والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء) - تأمل رعب أعداء الله -

وذكر كلاماً ثم قال عن المنافقين أنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية وقد فُسّر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل وأنه يُسْلمه للقتل، وقد فُسّر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره ولا حكمة له فيه، فَفُسّر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يُتم أمر رسوله ويُظهره على الدين كله.

انظر قوله في معنى ظن السوء: (وأن أمره

ص: 16

سيضمحل)، واعلم أن هذا ظن أكثر الخلق اليوم، وهو ظن المنافقين لأن طغيان الباطل وطوفانه الذي تفجّر في وقتنا قد طغى على العقول وزيّفها، ولما جاء الابتلاء بتكالب الكفار على المسلمين وحصول نوع هزيمة هي على الحقيقة ابتلاء للمنافقين ولطفاً بالمؤمنين ظهرت الكمائن الخبيثة ممن لم يقْدر الله قدره ولا يعرف حكمته، فتكلم من تكلم وعمل من عمل وظنوا أن الدين لن تقوم له قائمة، وكانت قد امتلات أذهانهم الخاوية المظلمة أن الدين لا يصلح لهذا الزمان، اللهم إلا دين مُلَقّح بمادة كفرية ونحْلة طاغوتية، فيبقى اسم ورسم في غاية الذلة والهوان، قطع الله دابر كل من ظن هذا الظن وأراد هذه الإرادة من نوّاب إبليس ووكلائه من الكفرة والمنافقين الذين {نسوا الله فنسيهم} والذين؛ (هانوا على الله فعصوْه ولوْ عَزّوا عليه

ص: 17

لعصمهم).

أيظن المنافق أن الله تخلى عن ملكه وَوَكل دينه وعباده إلى غيره وأنه يخذل من نصر دينه؟ لا، وعزته، فتعْساً للظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء، والله غالب على أمره.

ثم قال ابن القيم: (وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في سورة الفتح حيث يقول: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} ، وإنما كان هذا ظن السوء وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل وظن غير الحق، لأنه ظَنُّ غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته

ص: 18

وحمْده وتفرده بالربوبية والإلهية وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه ولكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون.

فمن ظن أنه لا ينصر رسوله ولا يُتم أمره ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويُعْليهم ويظفرهم بأعدائه ويظهرهم عليهم وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يُديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً لا يقوم بعده أبداً؛ فقد ظن بالله ظن السوء ونَسَبَهُ إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمْده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك وتأبى أن يُذل حزبه وجنده وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به فمن ظن ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله).

ص: 19

تأمله فإنه كلام نفيس للغاية منطبق على ما نحن فيه من وجوه عديدة حيث ظن أكثر الخلق برب العالمين سبحانه ظن السوء وظن الجاهلية حيث اعتقدوا أن الله يُضَيّع للأفغان والعرب الذين معهم سعْيهم بإقامة دينه وشرعه ومُنابذتهم أعدائه وجهادهم إياهم وأنه يخذلهم وينصر الكفار عليهم.

ثم قال رحمه الله: (ثم أخبر سبحانه عن حكمة أخرى في هذا التقدير؛ وهو ابتلاء ما في صدورهم، وهو اختبار ما فيها من الإيمان والنفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيماناً وتسليماً، والمنافق ومَن في قلبه مرض لابد أن يظهر مافي قلبه على جوارحه ولسانه).

لقد ظهر من كثيرين مكنونات سوء يصعب حصر ما ظهر منها وما خفي أكثر، ومن ذلك ما كتب بعض المعتوهين عن المجاهدين في بعض الجرائد من قوله في

ص: 20

إجابته المعترضين عليه لما يظهر من بغضه للمجاهدين، يقول:(أحسن الله عزاءك في أُسامتك وطالبانك)، ويقول أهلكه الله ساخراً:(فلا طالبان ولا حالِمان).

وأهل الإيمان - ولله الحمد - على يقين لا يتزعزع أن الله سوف يُخلف ظنون المنافقين ومرضى القلوب الظانين بالله الظن الذي لا يليق به سبحانه كما أخلف ظنون إخوانهم مِن قبل بنصره للحق ولمن قام به وكبْته لأعدائه وخذلانهم وموتهم بغيظهم.

وقد ظهرت ولله الحمد بشائر النصر وتحقق قول الله عزل وجل في الكفار والمنافقين: {ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولوْ كثرت وأن الله مع المؤمنين} ، فما زالت ولله الحمد القوارع الإلهية والآيات الربانية تتابع على أعداء الله مثل الرعب، وهو جند من جند الإله العظيم، وغير ذلك من الخسران

ص: 21

والخذلان والأمراض والجراد والطوفان والأعاصير والحرائق والزلازل واختلافهم فيما بينهم وغير ذلك مما يؤيّد الله به عباده المؤمنين ويخذل أعداءه الكافرين، وما زلنا في انتظار المزيد من الولي الحميد، قال تعالى:{وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} .

ثم قال ابن القيم قدّس الله روحه: (ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير؛ وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتيمز فيه أحد الفريقين من الآخر تميّزاً ظاهراً، وكان من حكمة هذا التقدير تكلُّم المنافقين بما في نفوسهم فسمعه المؤمنون وسمعوا رَدّ الله عليهم وجوابه لهم وعرفوا مؤدّى النفاق وما يؤول إليه، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة، فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة، ونعمه على المؤمنين سابغة وكم

ص: 22

فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما)، انتهى باختصار.

وإن من عرف بعض حِكَم تأخير النصر للمؤمنين على أعدائهم لم يظن بربه ظن سوء ولم يقنط من رحمته ويعلم أن تأخيره سبحانه لنصره نصر لهم وإن رغمت أنوف أعداء الله من الكفرة والمنافقين.

وإن في هذا الكلام البليغ لابن القيم كفاية كافية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أما المنافق المطبوع على قلبه فلوْ تناطحت الجبال وكلمه الموتى فإنه لا يزداد إلا عتواً ونفوراً، فلْيمت بغيظه.

وتأمل قول ابن القيم: (فلله كم من حكمة في هذه القصة بالغة، ونعمة سابغة)، مع أنه حصل في غزوة أحد ما حصل على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فتأمل كيف جاءت المِنن عن طريق المِحن، واعلم أن رب الزمانين واحد وأنه رقيب على عباده شهيد عليهم.

فالحذر كل الحذر من عزل المالك الحق عن ملكه والتعوّض بالسياسات الطاغوتية المنتنة، فإن هذا بحر قد غرق فيه أكثر الخلق على اختلاف طبقاتهم في هذا الزمان المُوَطئ للدجال والأمور العظيمة، {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} و {سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} .

والحمد لله

وصلى الله على نبينا محمد

كتبه؛ عبد الكريم بن صالح الحميد

أواخر ربيع الأول، 1423 هـ

ص: 23