الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
((ذِكْرُ الأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ))
(1)
1-
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْمُقَرِّبِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْكَرْخِيُّ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ (يَوْمَئِذٍ)(2)[قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّرَّاجُ الْقَارِيُّ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ](3)، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ (عُبَيْدُ اللَّهِ)(4) بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَاتِمٍ السِّجْزِيُّ الْوَايِلِيُّ بِمَكَّةَ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (بْنِ مُحَمَّدٍ)(5) الْمُهَلَّبِيُّ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلَالٍ الْبَزَّازُ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ (مِنْ سُفْيَانَ)(6) عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ (أَبِي)(7) قَابُوسٍ مَوْلًى
(1) هذا العنوان لا يوجد في الأصل.
(2)
كلمة (يومئذ) لا توجد في النسخ الأخرى.
(3)
ما بين القوسين لا يوجد في (هـ) .
(4)
في (م) و (ر)(عبد الله) ، وهو خطأ.
(5)
(بن محمد) لا يوجد إلا في الأصل.
(6)
كذا في الأصل وفي (م) ، وفي بقية النسخ (منه) .
(7)
في (م)(ابن) .
لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا (أَهْلَ الأَرْضِ)(1) يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ (2) .
(1) في (ر) و (هـ)(من في الأرض) ، وهو لفظ الترمذي.
(2)
أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في الرحمة، ح (4941) ، 5/231، والذهبي في العلو ص 20، وأحمد في المسند 2/160، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، ح (1904) ، 4/323، وهو عندهما أتم. والحاكم في المستدرك، وصححه 4/159، والدارمي في الرد على الجهمية ص 20.
وهذا الحديث من الأدلة الصريحة الواضحة التي تدل على علو الله تبارك وتعالى بذاته، وأنه في السماء. ومن أجل ذلك أورده المصنف.
كما يدل على إثبات صفة الرحمة لله تبارك وتعالى، وهي من الصفات الثابتة له سبحانه بالكتاب، كما ثبتت بالسنة، قال تعالى:{رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً} (غافر: من الآية7)، وقوله سبحانه:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} (الأحزاب: من الآية43)، وقوله:{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} (الأنعام: من الآية54)، وقوله:{فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين} (يوسف: من الآية64) . ومن السنة هذا الحديث، وحديث أسامة في البخاري: "
…
إنما يرحم الله من عباده الرحماء" فتح الباري 13/434.
وحديث أبي هريرة المتفق عليه في اختصام الجنة والنار وفيه: "
…
فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي
…
" الحديث، وغيرهما من الأحاديث.
إلا أن المتكلمين من الجهمية وأضرابهم أنكروا صفة الرحمة، وأرجعوها إلى معنى الإرادة، بحجة أن في إثباتها تشبيها للخالق بالمخلوق، لأنها في الإنسان ضعف وخور وتألم على المرحوم، وإثبات الرحمة لله يقتضي إضافة هذا المعنى بما فيه من ذم. إلا أن هذا القول باطل، لأن مذهب السلف -رضوان الله عليهم- التفريق بين محبته وغضبه ورضاه وبين إرادته، وما أوردوه غير وارد للأمور الآتية:
1-
أن وصف الرحمة في الآدميين من الأمور الممدوحة، أما وصف الخور والضعف فهو من الأمور المذموم. قال تعالى:{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة} (البلد: من الآية17) ، ونهى عباده عن الوهن والحزن، فقال:{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:139)، وندبهم إلى الرحمة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تنزع الرحمة إلا من شقي". وقال: "من لا يرحم لا يرحم". ومحال مع هذا أن يكون المراد لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي. ولكن لما كانت الرحمة تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور -كما في رحمة النساء، ونحو ذلك- ظن الغالط أنها كذلك مطلقا.
2-
لو قدر أنه في حق المخلوقين مستلزمة لذلك، لم يجب أن تكون في خق الخالق مستلزمة له، كما أن جميع صفاتنا من العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام وغير ذلك، تستلزم فينا نقصا وحاجة، يجب تنزيه الله تعالى عنها، لأن صفات الله كاملة لا نقص فيها، لأنه سبحانه بذاته وصفاته منزه عن النقائص. فصفاته لا تشبه صفات المخلوقين.
3-
وكذلك الوجود والقيام بالنفس فينا يستلزم احتياجا إلى خالق يجعلنا موجودين، والله منزه في وجوده عما يحتاج إليه وجودنا، فنحن وصفاتنا وأفعالنا مقرونون بالحاجة إلى الغير، والحاجة لنا أمر ذاتي لا يمكن أن نخلو عنه، فهو بنفسه حي قيوم، واجب الوجود، ونحن بأنفسنا محتاجون فقراء، فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا وأفعالنا وما اتصفنا به من الكمال من العلم، والقدرة، وغير ذلك هو مقرون بالحاجة والحدوث والإمكان، لم يجب أن يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال، ولا يقدر ولا يعلم، لكون ذلك ملازما للحاجة والضعف فينا. فكذلك الرحمة وغيرها إذا قدر أنها في حقنا ملازمة للحاجة والضعف لم يجب أن يكون في حق الله ملازمة لذلك.
4-
إننا نعلم بالاضطرار أنا إذا فرضنا موجودين أحدهما يرحم غيره، فيجلب له المنفعة، ويدفع عنه المضرة، والآخر قد استوى عنده هذا وهذا، وليس عنده ما يقتضي جلب منفعة ولا دفع مضرة، كان الأول أكمل.
انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 6/117-118.
وبهذا تبين أن شبهة القوم واهية، وأن صفة الرحمة ثابتة بالعقل، كما ثبتت بالنص، وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث:"في الأرض وفي السماء" أي من على الأرض، ومن على السماء، لأن "في" هنا بمعنى "على"، كما في قوله تعالى:{فَسِيحُوا فِي الْأَرْض} (التوبة: من الآية: 2)، أي على الأرض. وقوله:{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} (طه: من الآية: 71) ، أي عليها.
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ غَيْرَ مُسَلْسَلٍ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الْعَدَنِيِّ
(1) التسلسل: من نعوت الأسانيد، وهو عبارة عن تتابع رجال الإسناد، وتواردهم فيه واحدا بعد واحد على صفة أو حالة واحدة. كما في إسناد هذا الحديث.
انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 248.
عَنْ سُفْيَانَ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) (1) .
2-
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ ثَنَا (حَمَدُ)(2) بْنُ أَحْمَدَ الْحَدَّادُ، أَنْبَأَ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَنْبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: كَانَتْ لِي غَنَمٌ بَيْنَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ (3) فِيهَا جَارِيَةٌ لِي، فَأَطْلَعْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّئْبُ ذَهَبَ مِنْهَا بَشَاةٍ وَأَنَا مِنْ بَنِي آدَمَ، (آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ)(4) ، فَرَفَعْتُ يَدِي فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ (لَهُ ذَلِكَ)(5) فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أَعْتِقُهَا؟ قَالَ: ادْعُهَا، فَدَعَوْتُهَا. قَالَ:(فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (6) أَيْنَ اللَّهُ، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَنْ أَنَا، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ. (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ)(7) ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَمَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَئِمَّةِ رحمهم الله عز وجل (8)
(1) في (م) و (ر)(وقال حديث صحيح) .
(2)
في جميع النسخ عدا الأصل (أحمد) وهو خطأ، وإنما هو كما في الأصل، وهو حمد بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن مهران، أبو الفضل الأصبهاني الحداد. انظر: السير 19/20.
(3)
الجوانية: بفتح الجيم وتشديد الواو، وكسر النون، وياء مشددة: موضع أو قرية قرب المدينة. معجم البلدان 2/175.
(4)
(آسف كما يأسفون) معناه: أغضب كما يغضبون، ومن هذا قوله سبحانه:{فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} (الزخرف: من الآية: 55) . معالم السنن للخطابي مع المتن 1/572.
(5)
في النسخ الأخرى (ذلك له) .
(6)
ما بين القوسين لا يوجد في الأصل، وهو موجود في النسخ الأخرى.
(7)
ما بين القوسين لا يوجد في الأصل.
(8)
مسلم، كتاب المساجد، ح (537) ، 1/382.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبو داود في كتاب الصلاة، ح (930) ، 1/570، وابن أبي عاصم في كتاب السنة بتحقيق الألباني، ح (489) ، 1/215، والنسائي، كتاب السهو، 3/13، ومالك في الموطأ، كتاب العتق والولاء، باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة، 2/776، إلا أن مالكا قال: عن عمر بن الحكم، صوابه: معاوية، وقد وهم فيه مالك، كما قال الحافظ. انظر: التقريب 2/53. وذكره الزرقاني في شرح الموطأ 4/84. ورواه ابن أبي زمنين المالكي في أصول السنة، انظر: ح (47) ، 1/353، بتحقيق محمد هارون، وتابع مالكا في هذا الوهم أيضا. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص 422، إلا أنه وهم، فقال: إن مسلما أخرج الحديث دون قصة الجارية.
وأحمد في المسند 5/447، وأبو داود الطيالسي ح (1105) ، وابن خزيمة في كتاب التوحيد ص 121.
التعليق:
وهكذا نرى أن الجارية بادرت فأجابت النبي صلى الله عليه وسلم بمحض الفطرة بأن الله في السماء - حين سألها أين الله؟
وكل صاحب فطرة مستقيمة لا يمكن أن يجيب على مثل هذا السؤال إلا بما أجابت به الجارية، ففي الخبر مسألتان -كما يقول الإمام الذهبي- رحمه الله: إحداهما: شرعية قول المسلم: "أين الله". وثانيهما: قول المسؤول: "في السماء" فمن أنكر هاتين المسألتين، فإنما ينكر على المصطفى صلى الله عليه وسلم. العلو ص 26.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا دليل على أن الرجل إذا لم يعلم أن الله عز وجل في السماء دون الأرض فليس بمؤمن، ولو كان عبدا فأعتق لم يجز في رقبة مؤمنة، إذ لا يعلم أن الله في السماء، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أمارة إيمانها معرفتها أن الله في السماء، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أين الله؟ " تكذيب لقول من يقول: هو في كل مكان، لا يوصف بأين، لأن شيئا لا يخلو منه مكان يستحيل أن يقال: أين هو؟ ولا يقال أين؟ إلا لمن هو في مكان، يخلو منه مكان، ولو كان الأمر كما يدعي هؤلاء الزائفة لأنكر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قولها وعلمها، ولكنها علمت به فصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد لها بالإيمان بذلك، ولو كان في الأرض كما هو في السماء لم يتم إيمانها حتى تعرفه في الأرض كما عرفته في السماء. فالله تبارك وتعالى فوق عرشه فوق سماواته، بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد، وعلمه من فوق العرش بأقصى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خلقه وأدناهم واحد لا يبعد عنه شيء. انتهى/ الرد على الجهمية ص 17-18.
ويقول أستاذنا الفاضل الدكتور/ محمد خليل هراس رحمه الله: هذا الحديث يتألق نصاعة ووضوحا، وهو صاعقة على رؤوس أهل التعطيل، فهذا رجل أخطأ في حق جاريته بضربها، فأراد أن يكفر عن خطيئته بعتقها، فاستمهله الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يمتحن إيمانها، فكان السؤال الذي اختاره لهذا الامتحان هو (أين الله؟) ولما أجابت بأنه في السماء، رضي جوابها وشهد لها بالإيمان. ولو أنك قلت لمعطل: أين الله؟ لحكم عليك بالكفران. انظر: حاشية التوحيد لابن خزيمة ص 121.
ومن أنكر من المبتدعة صحة السؤال عن الله (بأين) فإنه إنما ينكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتهمه بارتكاب خطأ كبير، وهذا -كما ترى- في غاية الضلال، وهو قدح صريح واضح في عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته.
وقد أعل بعض المبتدعة هذا الحديث بالاضطراب، كما فعل الكوثري حين علق على هذا الحديث في كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، إلا أن هذا القدح غير وارد، لأنه تعسف واضح وتجن بين. وردا على هذا الزعم الباطل قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني:"وهذا الحديث صحيح بلا ريب، لا يشك في ذلك إلا جاهل أو مغرض من ذوي الأهواء الذين كلما جاءهم نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف ما هم عليه من الضلال، حاولوا الخلاص منه بتأويله، بل بتعطيله، فإن لم يمكنهم ذلك حاولوا الطعن في ثبوته كهذا الحديث، فإنه مع صحة إسناده وتصحيح أئمة الحديث إياه دون خلاف بينهم أعلمه، منهم الإمام مسلم حيث أخرجه في صحيحه، وكذا أبو عوانة في مستخرجه عليه، والبيهقي في الأسماء، حيث عقبه (ص 422) وهذا صحيح قد أخرجه مسلم. ومع ذلك نرى الكوثري الهالك في تعصبه يحاول التشكيك في صحته بادعاء الاضطراب فيه، فقد علق على هذا الحديث فيما سوده على كتاب الأسماء بقوله (ص 441-442) : "انفرد عطاء بن يسار برواية حديث القوم عن معاوية بن الحكم، وقد وقع في لفظ له كما في "كتاب العلو للذهبي" ما يدل على أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع الجارية لم يكن إلا بالإشارة، وسبك الراوي ما فهم من الإشارة في لفظ اختاره (!) فلفظ عطاء الذي يدل على ما قلنا هو:(حدثني صاحب الجارية نفسه الحديث) وفيه: فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده مستفهما: من في السماء؟ قالت: الله. قال: فمن أنا، فقالت: رسول الله، قال: اعتقها فإنها مسلمة، وهذا من الدليل على أن (أين الله) لم يكن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم (!) وقد فعلت الرواية بالمعنى
3 -
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ (1) ، أَثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّا
في الحديث ما نراه من الاضطراب".
كذا قال، وأنت إذا تذكرت ما بيناه لك من صحة الحديث، وإذا علمت أن حديث عطاء عن صاحب الجارية نفسه لا يصح من قبل إسناده، لأنه من رواية سعيد بن زيد، فهو وإن كان في نفسه صدوقا، فليس قوي الحفظ، ولذلك ضعفه جمع، بل كان يحيى بن سعيد يضعفه جدا، وقد أشار الحافظ في "التقريب" إلى هذا فقال:"صدوق له أوهام" زد على هذا أن ما جاء في روايته من ذكر اليد والاستفهام هو مما تفرد به دون كل من روى هذا الحديث من الرواة الحفاظ ومن دونهم، فتفرده بذلك يعده أهل العلم بالحديث منكرا بلا ريب. فتأمل عصمني الله وإياك من الهوى، كيف اعتمد هذا الرجل (الكوثري) على هذه الرواية المنكرة، وليس هذا فقط، بل ضرب بها الرواية الثابتة المتفق على صحتها بين المحدثين. واعتبر الرواية المنكرة دليلا على ضعف واضطراب الرواية الصحيحة، فماذا يقول المؤمن عن هذا الرجل الذي يستغل علمه واطلاعه لتشكيك المسلمين في أحاديث نبيهم صلى الله عليه وسلم؟ عامله الله بما يستحق، ثم إنه لم يكتف بهذا بل أخذ ينسب إلى الراوي (وهو ثقة أيا كان هذا الراوي لأن كل رواة الحديث ثقات) أخذ ينسب إليه الكذب على رسول الله (وهو يعلم، لأن معنى كلامه السابق أن الراوي اختار أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للجارية:"أين الله" والواقع عند الكوثري أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك، وإنما الراوي وضعه من عنده مكان رواية سعيد بن زيد "فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها مستفهما": من في السماء؟ انتهى كلام الألباني. مختصر العلو ص 82.
أقول: لقد تجرأ الكوثري كثيرا وأطلق لنفسه العنان في شتم أئمة أهل السنة وكتبهم، ورواة الحديث، والطعن عليهم، وتجريحهم حتى لكأنه لا يستريح له بال، ولا يقر له قرار إلا إذا نال منهم بالافتراءات الظالمة، والاتهامات الملفقة. وإذا أردت -أخي القارئ- مزيدا من الأدلة والإيضاح فعليك بمراجعة الدراسة التي قمت بوضعها -بالاشتراك- لكتاب الصواعق المنزلة لابن القيم، فسترى أن الكوثري قد أفرط في هذا الاتجاه الخطير حتى أصبح يعرف بأنه من أكثر المبتدعة عداء لأئمة الإسلام وعقيدة المسلمين. وسترى أن نعته بالإمامة -الذي منحه إياه أتباعه- إنما هو من باب إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق. والله المستعان.
(1)
في النسخ الأخرى "أبو بكر بن النقور". وهو أبو بكر بن النقور عبد الله بن محمد بن أبي =
الطُّرَيْثِيثِيُّ) (1) ، أَثَنَا (أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ)(2) أَيِ اللَّالَكَائِيُّ أَنَبَأَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ أَنَبَأَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ (3) ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (عُتْبَةَ)(4)(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)(5) أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ أَعْجَمِيَّةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ (عِتْقَ)(6) رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ
= الحسين أحمد بن محمد البغدادي البزاز ثقة محدث توفي سنة (565) انظر شذرات الذهب 4 / 215
(1)
في النسخ الأخرى (أبو بكر الطريثيثي) .
وهو أحمد بن علي بن زكريا الطريثيثي، شيخ الصوفية بخرسان، توفي سنة (497) . طبقات الشافعية للسبكي 4/39.
قال ابن الأثير: الطريثيثي، بضم الطاء وفتح الراء وسكون الياء المثناة هذه النسبة إلى "طريثيث" وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور. انظر: اللباب 2/281.
(2)
في بقية النسخ (أبو القاسم الطبري) .
(3)
المسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، الكوفي الهذلي، المسعودي. قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين:"ثقة"، وقال علي بن المديني: ثقة وقد كان يغلط فيما روى عن عاصم بن بهدلة وعن سلمة. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: المسعودي ثقة اختلط بآخره، توفي سنة (160) .
سير أعلام النبلاء 7/93، والتهذيب 6/210.
(4)
في بقية النسخ (عبيد) وهو خطأ.
(5)
(عن أبي هريرة) لا يوجد في غير الأصل.
وما في النسخ الأخرى من إرسال موافق لما عند الإمام مالك في الموطأ، وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي بقوله: قال ابن عبد البر: ظاهره الإرسال، لكنه محمول على الاتصال، للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة. قال الزرقاني: وفيه نظر. إذ لو كان كذلك ما وجد مرسل قط. فلعله أراد للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة الذين رووا الحديث. قلت: وقد ذكر الحافظ المزي ثلاثة عشر حديثا مما رواه عبيد الله عن أبي هريرة، وبعضها في الصحيح. انظر: تحفة الأشراف 10/241-244.
(6)
(عتق) لا توجد في النسخ الأخرى.
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَأَشَارَتْ بِأُصْبُعِهَا السَّبَّابَةِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَنَا؟ فَأَشَارَتْ بِأُصْبُعِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِلَى السَّمَاءِ، أَيْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: اعْتِقْهَا. أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْقَاضِي الْبَرْقِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا (1) .
4-
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدِيٍّ (بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ)(2) أَنْبَأَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأَ (الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ)(3) أَنْبَأَ أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ، أَنْبَأَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، ثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زِيَادَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ، أَوِ اشْتَكَى أَخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبَّنَا الله الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ
(1) رواه مالك في الموطأ، كتاب العتق والولاء 2/777.
وأحمد في المسند 3/450، وابن خزيمة في كتاب التوحيد ص 123. والذهبي في العلو ص 17، وقال: حديث حسن، وتعقبه الشيخ الألباني قائلا: في إسناده المسعودي واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، وكان اختلط، وهذا رواه في الاختلاط، لأنه من رواية يزيد بن هارون عنه، فقد قال ابن نمير: كان ثقة واختلط بآخره، سمع منه ابن مهدي ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة. فقول الذهبي في (الأصل) إسناده حسن، غير حسن. انظر: مختصر العلو ص81.
قلت: على فرض صحة هذه الرواية فإنها غير حديث معاوية بن الحكم السلمي السابق. وهي وأمثالها شواهد لا بأس بها. وثبوت حديث معاوية أمر واضح وجلي، وفي كل هذه الأحاديث، يمتحن النبي صلى الله عليه وسلم إيمان هؤلاء الجواري بسؤاله لهن:"أين الله؟ ". أفلا يستحي هؤلاء المعطلة من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، فهم لا يصفون الله تعالى إلا بما يدل على عدمه لا على وجوده حين ينفون عنه العلو والاستواء.
(2)
لا توجد في الأصل.
(3)
في (م)(أبو القاسم) وهو خطأ، وإنما هو أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهامشي، توفي سنة 414هـ. انظر: تذكرة الحفاظ 3/1135.
وَالأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ" (1) ، اغْفِرْ لَنَا (حَوْبَنَا) (2) وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطِّيِّبِينَ، أَنْزِلْ (3) رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى (4) الْوَجَعِ فَيَبْرَأَ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ (5) .
5-
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ)(6) أَنْبَأَ (أَبُو الْفَضْلِ)(7) أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ، أَنْبَأَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ (8) ، أَنْبَأَ أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحْمُدِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ (9) أَنْبَأَ أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ (بْنِ زِيَادٍ)(10) الديرعاقولي ثَنَا رَجَاءُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ، ثَنَا عِمْرَانُ بْنُ خَالِدِ بْنِ طَلِيقٍ (11) حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ:
(1) في (هـ) و (ر) زيادة (والأرض) .
(2)
قال الخطابي: الحوب: الإثم، ومنه قوله تعالى:{إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (النساء: من الآية: 2) . والحوبة أيضا مفتوحة الحاء مع إدخال الهاء.
انظر: معالم السنن بحاشية سنن أبي داود 4/218.
(3)
في (هـ) و (ر)(أنزل علينا) .
(4)
في (هـ) و (ر)(على هذا) .
(5)
انظر: سنن أبي داود، كتاب الطب، باب كيف الرقى، ح (3892) ، 4/218، وأخرجه أيضا أحمد في المسند 6/21، والدارمي في الرد على الجهمية ص 18، والبيهقي في الأسماء والصفات ص 533، والذهبي في العلو ص 27، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ح (648) ، 2/389، وفي إسناده زياد بن محمد الأنصاري، قال الذهبي في العلو: لين الحديث. وقال البخاري والنسائي وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا، يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك. انظر: التهذيب لابن حجر 3/393.
(6)
هكذا ورد الاسم كاملا في الأصل، وفي بقية النسخ (محمد بن عبد الباقي) فقط.
(7)
(أبو الفضل) لا يوجد في النسخ الأخرى.
(8)
في النسخ الأخرى (أبو علي بن شاذان) فقط.
(9)
ورد الاسم كاملا في الأصل. وفي بقية (أبو سهل بن زيا) فقط.
(10)
(بن زياد) لا يوجد في غير الأصل.
(11)
هو عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن عمران بن حصين.
اخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ إِلَى الْحُصَيْنِ أبي عِمْرَانَ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَذْكُرُ آلِهَتَنَا، فَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تُكَلِّمَهُ وَتَعِظَهُ، فَمَشَوْا مَعَهُ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ بَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَجَلَسُوا وَدَخَلَ حُصَيْنٌ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَوْسِعُوا لِلشَّيْخِ، فَأَوْسَعُوا لَهُ، وَعِمْرَانُ وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُتَوَافِرُونَ، فَقَالَ حُصَيْنٌ: مَا هَذَا الَّذِي يَبْلُغُنَا عَنْكَ أَنَّكَ تَشْتِمُ آلِهَتَنَا وَتَذْكُرُهُمْ، وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ جَفْنَةً وَخُبْزًا (1) . فَقَالَ:(إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ)(2)، يَا حُصَيْنُ كَمْ إِلَهًا تَعْبُدُ الْيَوْمَ؟ قَالَ: سَبْعَةً فِي الأَرْضِ وَإِلَهًا فِي السَّمَاءِ. قَالَ: فَإِذَا أَصَابَكَ الضِّيقُ فَمَنْ تَدْعُو؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ، قَالَ: فَإِذَا هَلَكَ الْمَالُ فَمَنْ تَدْعُو؟ قَالَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: فَيَسْتَجِيبُ لَكَ وَحْدَهُ وَتُشْرِكُهُمْ مَعَهُ؟! قَالَ: أَمَا (رَضِيتَهُ)(3) أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، أَوَ تَخَافُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَيْكَ؟ قَالَ: لَا وَاحِدَةً مِنْ هَاتَيْنِ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَمْ أُكَلِّمْ مِثْلَهُ. فَقَالَ: يَا حُصَيْنُ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، قَالَ: إِنَّ لِي قَوْمًا (وَعَشِيرَةً)(4) فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟ قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَهْدِيكَ لأَرْشَدِ أَمْرِي، وَأَسْتَجِيرُكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، عَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَانْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا يَنْفَعُنِي، فَقَالَهَا، فَلَمْ يَقُمْ حَتَّى أَسْلَمَ، فَوَثَبَ عِمْرَانُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: مِمَّا صَنَعَ عِمْرَانُ، دَخَلَ حُصَيْنٌ وَهُوَ مُشْرِكٌ فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى نَاحِيَتِهِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَضَى حَقَّهُ، فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ رِقَّةٌ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ حُصَيْنٌ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: قُومُوا فَشَيِّعُوهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ سُدَّةِ الْبَابِ (5)
(1) الجفنة: الرجل الكريم، كانت العرب تدعو السيد المطعام "جفنة" لأنه يضعها -أي يضع الجفنة، وهي القصعة العظيمة- ويطعم الناس فيها، فسمي باسمها. انظر: لسان العرب، مادة "جفن".
(2)
ما بين القوسين لا يوجد في النسخ الأخرى.
(3)
في (م)(رضيت) .
(4)
كلمة (وعشيرة) لا توجد في (م) .
(5)
سدة الباب، بضم السين فناؤه. انظر: لسان العرب، مادة "سدد".
نَظَرَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالَتْ: صَبَأَ وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ (1) .
6-
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْمَوْصِلِيِّ أَنْبَأَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصَّيْرَفِيُّ، أَنْبَأَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ (إِبْرَاهِيمَ)(2) بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ، أَنْبَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ أَنْبَأَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي (قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ)(3) خَرَجَ عَبْدٌ أَسْوَدُ لِبَعْضِ أَهْلِ خَيْبَرَ فِي غَنَمٍ لَهُ حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ قَالُوا: (رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَدْنُونِي مِنْهُ، قَالَ: فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالشَّهَادَةِ فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ غَنَمَهُ فَرَمَى فِي وُجُوهِهَا بِالْبَطْحَاءِ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبِي
(1) أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد ص 120، والبيهقي في الأسماء والصفات ص 534، والذهبي في العلو ص 24، وقال:(عمران) ضعيف. وقد عجبت للمغالطة المكشوفة التي سطرها الكوثري في تعليقه على هذا الحديث في هامش الأسماء والصفات للبيهقي ص 534 حين زعم أن من عد هذا إقرارا من النبي صلى الله عليه وسلم لحصين على كون الله في السماء، فإنه يلزم عليه أن يعده أقره على الستة في الأرض. وهذا الإلزام واضح الفساد، ولا يحتاج إلى أدنى جهد لإبطاله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حواره مع حصين ألزمه بالإيمان بالله وحده لا شريك له، والإقرار بأن الآلهة الأخرى التي كان يعبدها حين لا تملك له نفعا ولا تدفع عنه ضرا، بل الذي يملك له النفع ويدفع عنه الضر هو الله الذي أقر به في السماء وحده لا شريك له. ولا نستغرب هذه المغالطة من الكوثري لأنه وأمثاله من المعطلة يصدمون بصراحة الأدلة ووضوحها فلا يملكون إلا الكذب والافتراء، فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويتشبثون بخيط العنكبوت، بل بما هو أوهى وأهن من الشبه العقلية الباطلة.
(2)
(إبراهيم) لا يوجد في النسخ الأخرى.
(3)
في النسخ الأخرى (ثنا ابن إسحاق) .
فَوَاللَّهِ لَا أَتَّبِعُكِ أَبَدًا، فَوَلَّتْ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهَا، قَالَ: فَقَاتَلَ الْعَبْدُ حَتَّى اسْتُشْهِدَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي سَجْدَةً وَاحِدَةً، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأُلْقِيَ خَلْفَهُ (فَالْتَفَتَ)(1) إِلَيْهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْتَفَتَّ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَعْرَضْتَ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ مَعَهُ الآنَ لَزَوْجَتَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، قَالَ:(وَاسْمُ الْعَبْدِ أَسْلَمُ)(2) . (أَخْرَجَهُ الأُمَوِيُّ فِي الْمَغَازِي)(3) .
7-
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ الْمَوْصِلِيُّ، أَنْبَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الطُّيُورِ، أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ، أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الأجيرد الْكِنْدِيِّ، عَنِ الْعُرْسِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ بْنِ فَرْوَةَ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: كَانَ بِأَرْضِنَا حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ شَهْلَا، فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا عَدِيُّ بْنَ عُمَيْرَةَ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ يَا ابْنَ شَهْلَا، فَقَالَ:
(1) في (ر) و (هـ) ثم التفت.
(2)
اختلف في اسمه، وقد اشتهر عند أكثر من ذكر قصته بالأسود الراعي. وقد ذكر ابن حجر أن اسمه أسلم، وأورد اعتراض ابن الأثير بأنه ليس في شيء من السياقات أن اسمه أسلم، وقال ابن حجر: وهو اعتراض متجه، وقد سماه أبو نعيم يسارا. وقال الرشاطي في الأنساب: أسلم الحبشي، أسلم يوم خيبر. انظر: الإصابة لابن حجر ص 63.
(3)
ما بين القوسين لا يوجد في الأصل. وأثبته من (ر) و (هـ) .
هذا الحديث أخرجه الحاكم بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه بلفظ نحوه. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: كان شرحبيل -راوي الحديث عن جابر - متهما.
وقال فيه ابن حجر: "صدوق اختلط بآخره". انظر: التقريب 1/348.
وأورد هذه القصة أيضا ابن هشام في السيرة 3/459-460، وابن القيم في زاد المعاد 3/323، والبيهقي في دلائل النبوة 4/219، وابن كثير في البداية والنهاية 4/191. بزيادة عند بعضهم ونقصان عند بعضهم الآخر، إلا أن موضع الشاهد من القصة وهو قوله: (الذي في السماء) لا يوجد عند منهم.
إِنِّي أَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ أَصْحَابَ الْفِرْدَوْسِ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، لَا وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ هَذِهِ الصِّفَةَ إِلَّا فِينَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَأَجِدُ نَبِيَّهَا يَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، فَمَنْ تَبِعَهُ كَانَ عَلَى هُدًى، لا نَرَاهُ يَخْرُجُ إِلا مِنَّا مَعْشَرَ يَهُودَ. وَأَجِدُ وَقْعَتَيْنِ تَكُونَانِ، إِحْدَاهُمَا بِمِصْرِينَ، وَالأُخْرَى (بِصِفِّينَ)(1) ، فَأَمَّا مِصْرِينُ قَدْ سَمِعْنَا بِهَا مِنْ أَرْضِ الْفَرَاعِنَةِ، وأما صِفِّينُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَيْنَ هِيَ. قَالَ عَدِيٌّ: فَوَاللَّهِ مَا مَكَثْنَا إِلا يَسِيرًا حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ تَنَبَّأَ، وَسَجَدَ عَلَى وَجْهِهِ، فَذَكَرْتُ حَدِيثَ ابْنِ شَهْلَا، فَخَرَجْتُ مُهَاجِرًا إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ يَسْجُدُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ إِلَهَهُمْ فِي السَّمَاءِ، فَأَسْلَمْتُ وَاتَّبَعْتُهُ (2) .
8-
قُرِئ عَلَى (الشَّيْخِ)(3) مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي وَأَنَا أَسْمَعُ أَخْبَرَكُمْ (أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ)(4)، قَالَ: أَنْبَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ (الْحَسَنِ)(5) أَنْبَأَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ (مُحَمَّدِ)(6) بْنِ زِيَادٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ
(1) صفين موضع قرب الرقة، على شاطئ الفرات من الجانب الغربي، بين الرقة وبالس، فيه كانت وقعة صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما سنة (37هـ) . معجم البلدان 3/414.
(2)
هذا الخبر يوجد في النسخ الأخرى بعد حديث الراعي الأسود المتقدم، رقم (6) . وورد إسناده فيها مختصرا، حيث اكتفى بإسناد الحديث الذي قبله لتطابقهما فيما قبل سعيد بن يحيى ففيها: وبهذا الإسناد قال سعيد بن يحيى إلخ
…
ولعل هذا تصرفا من النساخ.
وقد أورد هذا الخبر ابن حجر عند ترجمة عدي بن عميرة، عن ابن إسحاق. الإصابة 4/474، والذهبي في العلو ص 25، وقال: هذا حديث غريب.
(3)
كلمة (الشيخ) لا توجد في النسخ الأخرى.
(4)
في النسخ الأخرى (أبو بكر الطريثيثي) وهو كنيته ونسبته. وقد تقدم.
(5)
في (ر) و (م)(الحسين) وهو خطأ، وإنما هو هبة الله بن الحسن اللالكائي، وسيأتي ذكر إخراجه لهذا الحديث.
(6)
في (هـ) و (ر)(أحمد) وهو خطأ، وهو أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل. الفقيه الشافعي، توفي سنة (
الأَنْطَاكِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ السَّكَنِ عَنْ شُعْبَةَ وَقَيْسٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ (1) عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ارْحَمْ مَنْ فِي الأَرْضِ، يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ (2) .
9-
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الصَّالِحُ (3) أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ النَّقُورِ (الْبَزَّازِ)(4) أَنْبَأَ الأَمِينُ (أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيُوسُفِيُّ)(5) أَنْبَأَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ (ثَنَا أَبِي)(6) ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، ثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ عَنِ ابْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوضٍ لَمْ تُحَصِّلْ مِنْ تُرَابِهَا، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَرْبَعَةٍ، بَيْنَ زَيْدٍ الْخَيِّرِ، وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حصن، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ، أَوْ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، شَكَّ
(1) هو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أن لا اسم له غيرها. يقال: اسمه عامر، كوفي ثقة من كبار الثالثة، مات سنة ثمانين. التقريب 2/448.
(2)
هذا الحديث مرسل، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ذكر ذلك ابن حجر في التهذيب 5/75. أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ح (655) ، وأورده موقوفا على عبد الله بن مسعود، رقم: (657) ، تحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان، وسيأتي في هذا الكتاب تحت رقم: (61) . وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص 20، والحاكم في المستدرك 4/248، وقال: صحيح الإسناد. وأورده الذهبي في العلو ص 20، وقال: وراه عمار بن زريق عن أبي إسحاق مرفوعا، والواقف أصح، مع أن رواية أبي عبيدة عن والده فيها إرسال. اهـ.
وهذا الحديث كما أنه من الأدلة على إثبات صفة العلو، فهو من الأدلة التي يستدل بها السلف أيضا على إثبات صفة الرحمة، كما تقدم عند الكلام على الحديث رقم:(1) .
(3)
في (هـ) زيادة (العالم) .
(4)
(البزاز) لا توجد إلا في الأصل.
(5)
في النسخ الأخرى (أبو طالب اليوسفي) فقط.
(6)
في (هـ)"قال حدثني أبي" وفي (م)"ثني أبي" بالاختصار وبدون "قال"، وفي (ر)"حدثني أبي" بدون "قال".
عُمَارَةُ، فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَالأَنْصَارُ وَغَيْرُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ مَنْ فِي السَّمَاءِ (صَبَاحَ مَسَاءَ)(1) ، ثُمَّ أَتَاهُ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ (2) مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ (3) ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ (4)، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، (قَالَ) (5) : فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: وَيْحَكَ، أَلَيْسَ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِ اللَّهَ أَنَا، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ خَالِدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنَقَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَلَعَلَّهُ (يَكُونُ)(6) يُصَلِّي، فَقَالَ: إِنَّهُ (رُبَّ مُصَلٍّ)(7) ، يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لَمْ أُوْمَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُقَفٍّ، فَقَالَ: هَاهْ، إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِِئ هَذَا قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ (8) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا، (مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا: الْبُخَارِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ. وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ
(1) في النسخ الأخرى (صباحا ومساءا) .
(2)
غائر العينين: أي أن عينيه داخلتان في محاجرهما لاصقتان بقعر الحدقة.
(3)
مشرف الوجنتين: أي غليظهما، والوجنتان تثنية وجنة، والوجنة من الإنسان ما ارتفع من لحم خده.
(4)
ناشز الجبهة: أي مرتفع الجبهة.
(5)
"قال" لا توجد في النسخ الأخرى.
(6)
"يكون" لا توجد في بقية النسخ.
(7)
في (هـ)"رب رجل يصلي".
(8)
قال الخطابي: الضئضئ: الأصل، يريد أنه يخرج من نسله الذي هو أصلهم، أو يخرج من أصحابه وأتباعه الذين يقتدون به، ويبنون رأيهم ومذهبهم على أصل قومه. والمروق الخروج من الشيء والنفوذ إلى الطرف الأقصى منه. والرمية: الطريدة التي يرميها الرامي.
معالم السنن بحاشية أبي داود (5/122) .
عَنِ ابْنِ أَبِي نعم، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) (1) .
10-
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ
(1) ما بين القوسين في الأصل فقط.
وانظر الحديث في البخاري من الطريق المذكورة، كتاب المغازي، باب بعد علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن، ح (4351) ، فتح الباري (8/67) ، وأورده البخاري من طرق أخرى في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح (3610) ، 6/617. وكتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} ، ح (3344) ، 6/376، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} ، ح (7432) ، 13/415. وأخرجه مسلم من عدة طرق منها الطريق المذكورة هنا. انظر: صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج، ح (1064) ، 2/741.
وأبو داود في كتاب السنة، باب في قتال الخوارج، ح (4764) ، 5/121.
التعليق: هذا الحديث أورده المصنف للاستدلال به على علو الله تعالى. ودلالته في غاية الصراحة والوضوح، والحديث من أصح الأحاديث كما رأيت. والرجل المذكور فيه -صاحب الموقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ذو الخويصرة التميمي رئيس الخوارج، كما جاء في أحد روايات الحديث عند البخاري، ح (3610) ، وهذا الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر فيه بما لم يحدث بعد. وقد تحقق هذا الخبر فظهرت هذه الطائفة في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين خرجوا عليه في موقعة صفين التي دارت بينه وبين معاوية، رضي الله عنهما. وقد ذكر الشهرستاني أن أول الخارجين عليه كان من جنده في صفين، وأشدهم خروجا عليه ومروقا من الدين: الأشعث بن قيس الكندي، ومسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي، فقد حملوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه على قبول التحكيم، بعد أن أوشك جند معاوية على الانهزام، وقالوا لعلي: القوم يدعوننا إلى كتاب الله، وأنت تدعونا إلى السيف، وأصروا على موقفهم وهددوا بأنه إن لم يستجب لهم فسيفعلون به ما فعلوا بعثمان رضي الله عنه، فقبل رضي الله عنه التحكيم. وكان من الأمر ما كان، فلم يرض الخوارج بما آل إليه الموقف. فما كان منهم إلا أن خرجوا على علي، وقالوا له: لم حكمت الرجال؟ لا حكم إلا لله، وهم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان.
وهم فرق شتى، أكبرها المحكمة، والأزرقة، والنجدات، والبيهسية، والعجاردة، والثعالبة، والأباضية، والصفرية، والباقون فروعهم.
انظر: الملل والنحل للشهرستاني 1/114-115.
ويجمعهم تكفير علي، وعثمان، والتبري منهما، ويكفرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام الجائر.
وكانت هذه الطائفة من أعبد الناس، ولكنهم مع شدة عبادتهم اعتمدوا على التأويل لنصوص الوحي بما يتفق مع عقولهم، ويسند مذاهبهم وأهوائهم فجانبوا الإسلام الصحيح، ولذلك صدق عليهم ما وصفهم به الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث:"يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". وهذه الفئة من أخطر الفرق الإسلامية.
وللخوارج ألقاب، فبالإضفة إلى وصفهم بأنهم خوارج يلقبون بالحرورية، والشراة، والمارقة، والمحكمة، والنواصب. انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري 1/206.
أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ثَنَا)(1) عَبْدُ اللَّهِ (ثَنَا)(2) أَبِي ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ. اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ (لَهَا)(3) ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ، فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بَرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ (لَهَا)(4) ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ عز وجل، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ، فَلَا يَزَالُ (يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ)(5) حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ، فَيُقَالُ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي
(1) في (هـ)"قال ثنا".
(2)
في النسخ الأخرى "حدثني".
(3)
"لها" ليست في الأصل وأضفتها من النسخ الأخرى.
(4)
ما بين القوسين لا يوجد في الأصل، وأصفته من النسخ الأخرى.
(5)
ما بين القوسين لا يوجد في الأصل، وأصفته من النسخ الأخرى.
الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإِنَّهُ لَا تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، ثُمَّ تُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ (1) .
11-
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ صَدَقَةَ الْحَرَّانِيُّ، أَنْبَأَ الْفِرَاوِيُّ، أَنْبَأَ عَبْدُ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ، أَنْبَأَ أَبُو أَحْمَدَ الْجُلُودِيُّ، أَنْبَأَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، ثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، ثَنَا مَرْوَانُ ثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى (فِرَاشِهِ) (2) ، فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا". (أَخْرَجَهُ مُسْلِم)(3) .
12-
أَنْبَأَ أَبُو سَعِيدٍ (الْخَلِيلُ بْنُ أَبِي الرَّجَاءِ الرَّارَانِيُّ)(4)، قَالَ: أَنْبَأَ أَبِو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ، أَنْبَأَ أَبُو نُعَيْمٍ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَلَّادٍ، ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي
(1) في هامش (ر) قال الحافظ أبو نعيم: هذا حديث متفق على عدالة ناقله، اتفق الإمامان محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج على ابن أبي ذئب، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وهما من شرطهما، وراه المتقدمون الكبار عن ابن أبي ذئب مثل ابن أبي فديك، وعبد الرحيم بن إبراهيم. انتهى.
أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، ح (4262) ، 2/1423. وأحمد في المسند 2/364، وأورده الذهبي في العلو ص 22، وقال: رواه أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وقال: هو على شرط البخاري ومسلم.
(2)
في (هـ) و (ر)"فراشها".
(3)
في النسخ الأخرى (أخرجه البخاري ومسلم) . والحديث في مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها، ح (1436) ، 2/1060، وفي البخاري، كتاب النكاح أيضا، باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، ح (5193-5194) ، إلا أنه أورده بلفظ آخر ليس فيه الشاهد، وهو "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجئ لعنتها الملائكة حتى تصبح"، ولفظ آخر:"إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع". انظر: فتح الباري 9/294.
(4)
في النسخ الأخرى "الخليل أبو الرجاء الرازاني" وإنما هو كما في الأصل. وهو الشيخ الجليل المسند أبو سعيد خليل بن أبي الرجاء بدر بن أبي الفتح، ثابت بن روح، الأصبهاني، الراراني -براءين مهملتين- الصوفي، مات سنة (596هـ) . انظر: سير أعلام النبلاء 21/269.
أُسَامَةَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا أَبُو الْحَارِثِ الْوَارِقُ، عَنْ (بَكْرِ)(1) بْنِ خُنَيْسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نَسِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لَيَكْرَهُ فِي السَّمَاءِ أَنْ يخطأ أَبُو بَكْرٍ فِي الأَرْضِ"(2) .
(1) في (م)"بكير"، وهو خطأ. انظر ترجمته في: التهذيب 1/481.
(2)
موضوع، أورده ابن الجوزي في الموضوعات 1/319، وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يرويه عن بكر بن خنيس إلا أبو الحارث واسمه نصر بن حماد. قال يحيى: هو كذاب، وقال مسلم بن الحجاج: ذاهب الحديث، وقال النسائي ليس بثقة. أهـ. وانظر: ميزان الاعتدال (4/250/ 251)، وقال العقيلي: نصر بن حماد كذاب. الضعفاء (4/301) ، وأورده الدارقطني في الضعفاء والمتروكين ص 380.
أما بكر بن خنيس الكوفي فقال الدارقطني: متروك، وقال النسائي وآخرون: ضعيف. وقال أبو داود، وابن معين: ليس بشيء. انظر: التهذيب (1/481-482) ، والميزان 1/344. وأورده الذهبي في العلو ص 55، وقال أبو الحارث: مجهول، وبكر واه، وشيخه المصلوب تالف، والخبر غير صحيح، وعلى باغض الصديق اللعنة. اهـ. وقوله: أبو الحارث مجهول فيه نظر، لأنه -أي الذهبي ترجم له في الميزان- كما تقدم- وذكر آراء العلماء فيه.
وأما المصلوب: فهو محمد بن سعيد راوي الحديث عن ابن نسى، فهو شامي من أهل دمشق. قال الذهبي في الميزان: هالك اتهم بالزندقة فصلب، وقال النسائي: غير ثقة، ولا مأمون، وقال الثوري، وأحمد بن حنبل: كذاب. وقال أبو داود عن أحمد بن حنبل: عمدا كان يضع الحديث. وقال النسائي: "الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخرسان، ومحمد بن سعيد بالشام". وقال الدارقطني، وغيره: متروك.
انظر: ميزان الاعتدال 3/561-562، والتهذيب 9/184-185.
ورواه الطبراني في الكبير (20/67-68) بطريق لا تقل تهالكا عن هذه، لأن فيها أبو العطوف، جراح بن المنهال الجزري، منكر الحديث كما قال عنه البخاري ومسلم، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث، ويشرب الخمر. انظر: الميزان 1/390، وفيها الوضين بن عطاء، قال ابن سعد: ضعيف، وقال أبو حاتم: يعرف وينكر، وقال الجوزجاني: واهي الحديث. الميزان 4/334.
وأبو بكر الصديق رضي الله عنه له من المناقب والفضائل العظيمة ما ليس لغير من الصحابة، وقد وردت إلينا من طرق في غاية الصحة، كما في فضائله عند البخاري، ومسلم وغيرهما من أئمة المحدثين.
13-
كَتَبَ إِلَيَّ الإِمَامُ الْفَقِيهُ نَجْمُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُرِيدُ أَنْ أَسَأَلَكَ عَنْ مَسَأَلَةٍ، قَالَ: فَمَا هِيَ، قُلْتُ: جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ، وَأَكْثَرُ النَّاسُ يُنْكِرُونَ هَذَا. وَمَنْ يُنْكِرُ هَذَا الأَمْرَ؟! كَذَلِكَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ (1) .
(1) هذا الخبر لا يوجد في الأصل.
وهكذا نرى أن هذه الأحاديث وما سبقها من الآيات تدل بغاية الصراحة والوضوح على علو الله تبارك وتعالى بذاته، وأنه سبحانه في جهة العلو دون غيرها من الجهات، ورغم وضوح الأدلة وصراحتها بذلك فقد أنكر المبتدعة علو الله تعالى بذاته، وحكموا بعقولهم -المريضة- على نصوص الوحي، فقالوا: لو كان الله تعالى كذلك -أي في جهة العلو بذاته- لأشبه المخلوقات، لأن ذلك يعني أن يكون الله في مكان، والمكان يقتضي التحيز والتجسيم، وهذه من خصائص المخلوقين، لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق مجسم. إلا أن هذا لا يلزم أهل الحق في شيء.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: ولا معنى لهذا الإلزام، لأنه تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، ولا يدرك بقياس، ولا يقاس بالناس، لأنه سبحانه كان قبل الأمكنة، ثم يكون بعدها، لا إله إلا هو خالق كل شيء لا شريك له. وقد اتفق المسلمون وكل ذي لب أنه لا يعقل كائن إلا في مكان، وما ليس في مكان فهو عدم. وقد صح في العقول، وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قال قائل: إذا وصفنا ربنا أنه كان في الأزل لا في مكان، ثم خلق الأماكن فصار في مكان، ففي ذلك إقرار منافيه بالتغيير والانتقال إذا زال عن صفته في الأزل، وصار في مكان دون مكان، قيل له كذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان ثم صار في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك، وانتقل من لا مكان إلى كل مكان، فإن قال إنه كان في الأزل في كل مكان، وكما هو الآن فقد أوجب الأماكن والأشياء معه وهذا فاسد
…
"اجتماع الجيوش الإسلامية" ص 97. فالله سبحانه في السماء على العرش كما أخبر عن نفسه، وكما أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم، والعلو مما تقتضيه الضرورة والفطرة، وبدائة العقول، إلا أن ذلك لا يعني أنه سبحانه حالا في مخلوقاته، لأن الجهة التي أثبتناها لله تعالى إنما هي جهة عدمية لا وجودية، فالجهة إنما هي ثابتة لله تعالى بهذا المعنى، ويوضح الإمام ابن تيمية المعنى الصحيح للجهة الذي يجب إثباته لله تعالى، فيقول: "أما من يعتقد الجهة، فإن كان يعتقد أن الله تعالى في داخل المخلوقات، وتحويه المصنوعات، وتحصره السماوات، أو يكون بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته، فهذا مبتدع ضال، وكذلك أيضا إن كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله، إلى العرش، أو غيره، فهو أيضا مبتدع ضال، وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين
…
فهو مبتدع ضال. فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلت على أن الله غني عن كل شيء، ودلت على أن الله مباين لمخلوقاته عال عليها. وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سماواته على عرشه بائن من مخلوقاته، فإنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه، يحمل العرش وحمله العرش بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، بل يثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفي عنه مماثلة المخلوقات، ويعلم أن الله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذا مصيب في اعتقاده، موافق لسلف الأمة وأئمتها. انظر: مقدمة درء تعارض العقل والنقل 1/38-39.
وهكذا نرى أن الحق في مسألة الجهة والمكان هو اعتقاد أن الله عال على مخلوقاته بائن منها منفصل عنها، وهذا يعني الجهة العدمية لا الوجودية، لأنه لا شيء من المخلوقات فوق العرش حتى يكون الله تعالى حالا فيها. وقد سبق الفيلسوف المعروف أبو اليد ابن
رشد -سبق ابن تيمية على هذا التفصيل في الجهة، وهو ما ارتضاه شيخ الإسلام لموافقته الحق
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذي تدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة والعقل والفطرة جميعا، والمتكلمون ينفون الجهة بإطلاق، وهو نفي باطل، لأنهم يثبتون وجود الله تعالى، ويزعمون أنهم ينزهونه عن مشابهة المخلوقات بنفي أن يكون في جهة من الجهات، وهذا إثبات وهمي حقيقته نفي وجود الله تعالى. وهو خطأ جسيم كابروا به العقل والفطرة فضلا عن نصوص الوحي الصريحة القاطعة، والذي فصل أهل الحق فيه هذا التفصيل فنزهوه عن الحلول بإثبات علوه ومباينته وانفصاله عن جميع مخلوقاته سبحانه.
وإنني لأعجب من أولئك المبتدعة الذين يلغون عقولهم، ويروجون لمذهبهم، ويصرون على صحته، وأنه لا حق سواه، مع أن مخالفته للوحي المعصوم لا تحتاج إلى كد ذهن، ولا إمعان روية، لأنها في غاية الجلاء وفي منتهى الوضوح. فالله تعالى يقول عن نفسه إنه في السماء وإنه فوق. ويخبر عنه رسوله بذلك فيما لا يحصى كثرة من الأحاديث، والفطرة والعقل شاهدان على ذلك. وهم يقولون موجود، ولكنه ليس في مكان. أو أنه في كل مكان، فهل هذا إلا تعطيل لنصوص الوحي، وإلغاء للعقل، ومكابرة الفطرة؟! وذلك كانت سفسطتهم وبالا عليهم، فأوقعهم في حيرة وشك، وكانت نهاية أمرهم الإفلاس، والاعتراف بالتخبط وعدم الاهتداء، كما سبق أن أوضحنا من مقالات أئمتهم في الدراسة التي قدمنا بها لهذا الكتاب. ولا ريب أن القوم سيكون لهم موقف مما خالف مذهبهم من نصوص الوحي، من أجل محاولة المحافظة على ماء وجوههم المهراقة، فعمدوا إلى النصوص المثبتة لهذه الصفة، التي هي من أعظم الصفات وأجلها، فأولوها بما يبعدها عن الوقوف في وجه باطلهم، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله واصفا موقفهم وحقيقته ومؤداه: "
…
التاسع: التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو في غاية العلو والشرف، ويحطه إلى معنى دونه بمراتب كثيرة، وهو شبيه بعزل السلطان عن ملكه، وتوليته مرتبة دون الملك بكثير، مثاله: تأويل الجهمية قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (الأنعام: من الآية: 18)، وقوله:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} (النحل: من الآية: 50)، ونظائره بأنها فوقية الشرف. كقولهم: الدرهم فوق الفلس، والدنيار فوق الدرهم، فتأمل تعطيل المتأولين حقيقة الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية، وهي المستلزمة لعظمة الرب جل جلاله، وحطها إلى كون قدره فوق قدر بني آدم، وأنه أشرف منهم، وكذلك تأويلهم علوه بهذا المعنى، وأنه كعلو الذهب على الفضة". الصواعق المنزلة 1/92-93.
ومن اطلع على تأويلات القوم وجدهم لم يستفيدوا منها إلا تعطيل حقائق النصوص والانحراف بها عن دلالتها، إذ وجهوها إلى معان أخرى لا تستقيم لهم، ولزمهم فيها نظير
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما فروا من أجله، فوقعوا في حبائل شراكهم التي نصبوها، ورضوا من الغنيمة بالتناقض والاضطراب، ويوضح الإمام ابن القيم هذا الأمر فيقول: "
…
إن المتأولين لم يستفيدوا بتأويلهم إلا تعطيل النصوص، والتلاعب بها، وانتهاك حرمتها، ولم يتخلصوا مما ظنوه محذورا، بل هو لازم لهم فيما فروا إليه، كلزومه فيما فروا منه، بل قد يقعون في ما هو أعظم محذورا، كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء فرارا من التحيز والحصر، ثم قالوا هو في كل مكان بذاته، فنزهوه عن استوائه على عرشه ومباينته لخلقه، وجعلوه في أجواف البيوت والآبار والأواني والأمكنة التي يرغب عن ذكرها، فهؤلاء قدماء الجهمية، فلما علم متأخروهم فساد ذلك قالوا: ليس وراء العالم، ولا فوق العرش إلا العدم المحض، وليس هناك رب يعبد، ولا إله يصلى له ويسجد، ولا هو أيضا في العالم، فجعلوا نسبته إلى العرش كنسبته إلى أخس مكان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. انظر: الصواعق المنزلة 1/121.
وهذه هي نتيجة الزيغ والضلال، مصداقا لقوله تعالى:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم} (الصف: من الآية: 5) ، فاللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك