المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني في ذكر بعض ما جاء عن أئمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وما ذكره بعض الفقهاء في كتبهم في حكم شاهد الزور - تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور

[أحمد المحمصاني]

الفصل: ‌الفصل الثاني في ذكر بعض ما جاء عن أئمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وما ذكره بعض الفقهاء في كتبهم في حكم شاهد الزور

‌الفصل الثاني في ذكر بعض ما جاء عن أئمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وما ذكره بعض الفقهاء في كتبهم في حكم شاهد الزور

عن مكحول والوليد بن أبي مالك قالا: كتب عمر إلى عُمَّاله في الشاهد الزور أنْ يُضربَ أربعينَ سَوطًا، وأن يُسخَّم وجهه (1)، ويُحلق رأسه، ويُطاف به، ويُطال حبسه (2).

وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أُتِيَ عمر بشاهد زور فوقفه للناس يومًا إلى الليل يقول: هذا فلان يشهد زورًا فاعرِفوه، فجلده ثم حبسه (3).

وعن علي بن الحسين قال: كان عليٌّ إذا أخذ شاهد زور بعثه إلى

(1) وفي رواية يسخَّم وجهه "بالحاء" ومعناهما: أن يسوَّد، مأخوذ من السخام وهو سواد القِدر، وقيل: المراد بالتسحيم: التخجيل والتفضيح [م].

(2)

رواه عبد الرزاق في المصنف ح 15392، وفيه: مكحول عن الوليد بن أبي مالك، والبيهقي في السنن 15/ 142.

(3)

رواه البيهقي في السنن 10/ 141.

ص: 23

عشيرته، فقال: إنَّ هذا شاهد زور فاعرفوه وعرِّفوه، ثم خَلَّى سبيله (1).

وقال العلَّامة الشيخ محمَّد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني في كتابه "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة" ما نصُّه (2):

(فصل) واختلفوا في عقوبة شاهد الزور، فقال أبو حنيفة: لا تعزير عليه بل يُوقف في قومه ويقال لهم: إنه شاهد زور، وقال مالك والشافعي وأحمد: يُعزَّر ويُوقف في قومه ويُعرَّفون أنَّه شاهد زور، وزاد مالك فقال:

ويُشهَّر (3) في الجوامع والأسواق والمجامع، اهـ.

وقال العلَاّمة الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي في كتابه "الزواجر عن اقتراف الكبائر" ما نصُّه (4): (الكبيرة السابعة والثامنة والثلاثون بعد الأربعمائة شهادة الزور وقَبولها).

أخرج الشيخان عن أبي بَكْرة واسمه نُفَيع بن الحارث رضي الله عنه قال: كنا جُلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أَلَا أُنبئكم بأكبر الكبائر" ثلاثًا "الِإشراك باللهِ، وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس فقال: "أَلَا وقول

(1) رواه البيهقي في السنن 10/ 142، وقال عَقِبَه: وهذا منقطع.

(2)

رحمة الأمة 1/ 213، من الطبعة التي بهامش كتاب الميزان للشعراني.

(3)

التشهير بشاهد الزور وتعريف الناس بحاله من العقوبات التي تَفعل في النفوس ما لا يفعله كثير من الجزاءات الأخرى، وحسبُكَ أنَّ شاهد الزور في هذه الحالة يجتنبه الناس ويمقتونه فيكون بينهم كالجمل الأجرب ينفر منه كل من يراه ولا يطمئن إليه أحد، ومتى ارتفعت ثقة الناس منه خسر خسرانًا مبينًا، ونعوذ بالله من خزي الدنيا وعذاب الآخرة [م].

(4)

الزواجر 2/ 193.

ص: 24

الزور وشهادة الزور"، فما زال يكرِّرها حتى قلنا: ليتهُ سَكَتَ (1).

وروى البخاري: "الكبائر الِإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس"(2).

والشيخان: ذَكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فقال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس"، فقال:"أَلَا أُنبئكم بأكبر الكبائر: قول الزور" أو قال: "شهادة الزور"(3).

وأبو داود واللفظ له والترمذي وابن ماجه (4): صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم

صلاة الصبح فلما انصرف قام قائمًا فقال: "عَدَلَتْ شهادة الزور الِإشراك بالله" ثلاث مرات ثم قرأ: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 30، 31]. ورواه الطبراني موقوفًا على ابن مسعود بسند حسن (5).

وأحمد بسند رُواته ثِقَات: "مَنْ شهد على مسلم شهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار"(6).

(1) تقدم تخريجه ص 20.

(2)

البخاري ح 6675 من حديث عبد الله بن عمرو، ومناسبة الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:

"اليمين الغموس"، أي الكاذبة التي تغمس صاحبها في النار والتي هي مفتاح شهادة الزور.

(3)

تقدم تخريجه ص 20.

(4)

تقدم تخريجه ص 19.

(5)

مجمع الزوائد 4/ 200.

(6)

تقدم تخريجه ص 21.

ص: 25

وابن ماجه والحاكم وصحَّحه: "لن تَزولَ قَدَما شاهد الزور حتى يوجب الله له النار"(1).

والطبراني: "إن الطير لتضرب بمناقيرها على الأرض وتحرك أذنابها من هول يوم القيامة وما يتكلم به شاهد الزور، ولا يفارق قدماه على الأرض حتى يُقذف به في النار"(2).

والطبراني بسند فيه منكر: "أَلَا أخبركم بأكبر الكبائر: الِإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان صلى الله عليه وسلم محتبيًا فحلَّ حبوته فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بطرف لسانه فقال:"ألَا وقول الزور"(3).

والطبراني بسند رجاله ثقات: "ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر: الِإشراك باللهِ " ثم قرأ: " {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وعقوق الوالدين" ثم قرأ: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]، وكان متكئًا فقعد فقال:"ألا وقول الزور"(4).

(1) تقدم تخريجه ص 21.

(2)

مجمع الزوائد 4/ 200 من حديث ابن عمر، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لا أعرفه.

(3)

مجمع الزوائد 4/ 200 من حديث أبي الدرداء، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه عمر بن المساور وهو منكر الحديث.

ومعنى "كان محتبيًا فحل حبوته": الاخباء أن يضم الِإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره أو يكون باليدين عوض الثوب. النهاية في غريب الحديث 1/ 335.

(4)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 18/ 140 من حديث عمران بن الحصين.

قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 103: رجاله ثقات إلَاّ أن الحسن مدلِّس وعنعنه.

ص: 26

تنبيه: عَدُّ هذين -يعني شهادة الزور وقبولها- هو ما صرحوا به في الأولى وقياسها في الثانية. وشهادة الزور هي أن يشهد بما لا يتحققه.

قال العز ابن عبد السلام: وَعدُّها كبيرة ظاهر إنْ وقع في مال خطير، فإنْ وقع في مال قليل كزبيبة أو تمرة فمشكل، فيجوز أنْ تُجعل من الكبائر فطمًا عن هذه المفاسد كما جُعل شرب قطرة من الخمر من الكبائر وإنْ لم تتحقق المفسدة، ويجوز أنْ يُضبط ذلك المال بنصاب السرقة.

قال: وكذلك القول في أكل مال اليتيم.

وقد مرّ عن ابن عبد السلام أنه حكى الِإجماع على أنَّ غَصْبَ الحبَّة وسرقتها كبيرة وهذا مؤيِّد للأول، أعني أنَّه لا فرق في كون شهادة الزور كبيرة بين قليل المال وكثيره فطمًا عن هذه المفسدة القبيحة الشنيعة جدًّا، ومِن ثَمَّ جُعلت عدلاً للشرك، ووقع له صلى الله عليه وسلم عند ذِكرها من الغضب والتكرير ما لم يقع له عند ذكر ما هو أكبر منها كالقتل والزنا، فدلَّ ذلك على عِظَم

أمرها، ومن ثَم جُعلت في بعض الأحاديث السابقة أكبر الكبائر، انتهى باختصار قليل.

وذكر الكمال ابن الهُمام في كتابه "فتح القدير على الهداية"(1): أنَّ شُريحًا القاضي كان يبعث بشاهد الزور إلى سوقه إن كان سوقيًا وإلى قومه إن كان غير سوقي بعد العصر أجمع ما يكونون ويقول: إن شُريحًا يُقرئكم السلام، ويقول: إنَّا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحَذِّروا الناس منه. اهـ.

(1) 7/ 477، طبعة مصطفى البابي الحلبي.

ص: 27

وشريح كان قاضيًا زمن سيدنا عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وزاحم الصحابة في الفتوى وإن كان من كبار التابعين، وهو شريح بن الحارث الكِندي أقام في الكوفة قاضيًا خمسًا وسبعين سنة وتوفي سنة سبع وثمانين من الهجرة (1)، كما ذكر ابن خَلِّكَان في تاريخه وأطال في ترجمته (2).

وقال العلَاّمة شمس الدين محمَّد ابن قيِّم الجوزية في كتابه "إعلام الموقعين" ما نصُّه (3): لا خلاف بين المسلمين أنَّ شهادة الزور من الكبائر

، ثم ذَكَر أحاديث تقدَّمت إلى أن قال: وفي المسند من حديث عبد الله بن مسعود (4) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بين يدي الساعة تسليم

الخاصَّة، وفشوَّ التجارة حتى تُعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق".

وقال الحسن بن زياد اللؤلؤي: حدثنا أبو حنيفة قال: كُنَّا عند مُحارب بن دثار فتقدم إليه رجلان فادَّعى أحدهما على الَآخر مالًا فجحده المدَّعى عليه، فسأله البيِّنة فجاء رجل فشهد عليه، فقال المشهود عليه: لا والله الذي لا إلله إلَاّ هو ما شهد عليَّ بحقٍّ، وما علمته إلَاّ رجلًا صالحًا غير هذه الزلَّة، فإنَّه فعل هذا لِحقد كان في قلبه عليَّ.

وكان محارب متكئًا فاستوى جالساً ثم قال: يا ذا الرجل سمعتُ ابن

(1) وهو ابن مائة وعشرين سنة، رحمه الله تعالى.

(2)

وفَيَّات الأعيان 2/ 460 - 463.

(3)

1/ 124، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت.

(4)

المسند 1/ 407، وزاد في آخره:"وظهور القلم".

ص: 28

عمر يقول سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليأتينَّ على الناس يوم تشيب فيه الوِلْدان وتضع الحوامل ما في بطونها وتضرب الطير بأذنابها وتضع ما في بطونها من شدة ذلك اليوم ولا ذنب عليها، وإنَّ شاهد الزور لا تقارَّ قدماه على الأرض حتى يُقذف به في النار"(1)، فإنْ كنتَ شَهدتَ بحق فاتَّقِ وأقم على شهادتك، وإنْ كنتَ شهدتَ بباطل فاتقِّ الله وغطِّ رأسكَ واخرج من هذا الباب.

وفي رواية: أنَّ الرجل قال له: كنتُ أُشهدتُ على شهادة وقد نسيتها أرجعُ فأتذكرها، فانصرف ولم يشهد عليه بشيء. اهـ، بتصرف.

* * *

(1) جامع مسانيد الِإمام أبي حنيفة 2/ 279، طبعة حيدرأباد - سنة 1332 هـ.

ص: 29