المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث في بيان أضرار شهادة الزور في الشاهد نفسه وفي الهيئة الاجتماعية - تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور

[أحمد المحمصاني]

الفصل: ‌الفصل الثالث في بيان أضرار شهادة الزور في الشاهد نفسه وفي الهيئة الاجتماعية

‌الفصل الثالث في بيان أضرار شهادة الزور في الشاهد نفسه وفي الهيئة الاجتماعية

قد عرفنا مما تقدم ما لشاهد الزور من الوعيد الشديد والعقاب الأكيد في هذه الدنيا وفي الآخرة ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

ونحن الآن نبيِّن في هذا الفصل ما لشهادة الزور من الأضرار في نفس شاهدها وفي الهيئة الاجتماعية التي يعيش ويرتع فيها. وهذه الأضرار أمور معقولة يُدركها كلُّ مَنْ تأمَّلها وأمعَن في حال من يقترف تلك الجريمة الفظيعة.

فأولها: أنَّه يتَّصف بالكذب ويوسم بميسم الافتراء، وكفى بهما خزيًا ونكالًا. فإنَّ الِإنسان مفطور على الخير والصدق، فإذا مال إلى عكسهما فلا تسأل عما يعتَوِرُه من الآلام النفسيَّة والمؤذيات، لا سيما إذا حَاق به سُوء عمله فهنالك الخُسران المبين.

وثانيها: أنَّه يجد من ضميره موبِّخًا له على فساد عمله، ومؤنِّبًا شديدًا يقرِّعه على ما أجرم واقترف، وربما اعترف بما ارتكبه وقال نفسه

ص: 30

إلى تحمُّل العقوبة حتى يخلص من تقريع ضميره وإلى هذا يشير (كاد المريب أن يقول خذوني).

ومن الأسرار العجيبة التي أودعها الله في كل إنسان أنه يجد هذا الوازع في نفسه كلَّما أقدم على أمر فاسد، ينبِّهه إلى خطأه ويعرِّفه سُوء منقلبه. فمن صادفته العناية وكان قلبه أمْيل إلى الصفاء والخير ارتدع عن غَيِّه ورجع إلى رشده وأقلع عن قصده، وإلى هذا الوازع النفسيّ الموجود في كل إنسان قد أشار الشاعر الحكيم:

لا ترجع الأنفس عن غَيِّها

ما لم يكن منها لها زاجرُ

ومن الناس من يصغي إلى نداء ضميره فيعدل عن قصد الفساد والِإضرار بالناس بعد أن يهمَّ بذلك، وكثيرًا ما يظهر هذا في شاهدي الزور إذا كانوا ممن لم تسبق لهم جراءة على ذلك، فإنَّ الوازع النفسي ربما يردُّهم إلى الرشد لا سيما إذا غمرت قلوبهم خشية الله سبحانه وتعالى، وتذكَّر الشخص منهم أنَّه يُفتَضح بين الناس وتَحِلُّ به العقوبة، فتراه يتزلزل ويضطرب فيعدل عما صمم عليه من الشهادة الباطلة، ويرجع عما قصد إليه (1). وأما من طغى وبغى ورَانَ على قلبه الشر وفسد مزاجه فيضْعُفُ فيه

(1) قرأت في جريدة من جرائد مصر نقلاً عن جريدة "لسان الحال" التي تصدر ببيروت: أن بعض المتهمين بجريمة القتل في لبنان ادعى أنَّ لديه شاهدًا يُبرِّئه مما اتُّهم به، وكان قد اشترى ذمة ذلك الشاهد كما يقال، فلما حضر الشاهد وطُلب منه اليمين فتقدَّم ليضع يده على القرآن الكريم وما كاد يرفعها حتى خرَّ مغشياً عليه ولم يفق من إغمائه إلَاّ بعد ساعة، ولما أراد أن ينطق بالشهادة عُقِل لسانه، فدهش رجال المحكمة لهذا الحادث.

ثم أورد "اللسان" حادثة رواها لمحرره بعضهم قال: إنه حضر شاهدان في أثناء =

ص: 31

هذا الوازع، وربما انطفأت شُعلته من نفسه، فإذا لم تتداركه العناية الِإلهية كان من الخاسرين والعياذ بالله تعالى.

وثالثها: أنَّ شاهد الزور يُحسّ بخذلانه بين قومه وذويه ويفقد الثقة منهم، وكفى بذلك خُسرانًا مبينًا. فإنَّ الثقة بين الناس عليها مدار حياتهم، وتبادل المنفعة فيما بينهم، وطالما رأينا أُناسًا لا مال عندهم ولا رياش (1) ولكن ما للناس فيهم من الثقة أغناهم عن الغنى وبسط لهم يد الميسرة والنفوذ، فهم أغنياء أعزَّاء وإنْ كانوا في هيئة الفقراء والبؤساء.

ورابعها: أنَّه يكون في نفسه مَهينًا محتقرًا وفي أعينُ الناس أشدُّ إهانة واحتقارًا وهذا أمر محسوس ومعروف حتى أن أشد الناس احتقارًا لشاهد الزور من شهد لأجله. وقد أشار إلى هذا المعنى الِإمام الحكيم أبو محمَّد علي ابن حزم الأندلسي في كتابه "الأخلاق والسِّيَر" بقوله (2): (أول من يزهد في الغادر من غَدر له الغادر، وأول من يمقت شاهد الزور من شَهد له به).

وخامسها: أنَّ شاهد الزور يكون جُرثومة من جراثيم الفساد في

= إحدى المحاكمات في عكا ولما طُلب إليهما حَلِف اليمين على الكتاب الكريم -وكانا شاهديْ زور قَبَضا مالًا على ذلك- تقدم أحدهما وكان مُسنًا فلم يكد يرفع يده حتى ارتعش جسمه وتلجلج لسانه وقال: (أقسم بأني تناولت من فلان 30 ريالاً أجرة شهادة زور طلب إليَّ تأديتها وهذه هي الحقيقة)، فدُهشتْ هيأة المحكمة لذلك ثم أخرجته وطلبت رفيقه وكان شابًا فأراد أن يؤدي الشهادة زورًا

كما تلقنها فسقط مغشيًا عليه ثم نطق بالحقيقة، اهـ. [م].

(1)

الرياش: الحسن الفاخر من الأثاث والملبس.

(2)

ص 98، طبعة دار ابن حزم - بيروت.

ص: 32