المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذيل [في كتمان شهادة الصدق] - تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور

[أحمد المحمصاني]

الفصل: ‌ذيل [في كتمان شهادة الصدق]

جسم الأمَّة ينخُر عظمها ويمتصُّ دمها، فيضعُفُ شأنُها بوجود أمثاله المحاربين لفطرتهم والدَّاعينَ إلى الشر والفتنة، فتتزعزع أركانها ويتهدَّم بنيانها، ويكون عليه وِزرُ عمله ووزر من عمل مثل عمله، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الِإمام ابن ماجه (1) عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منْ سَنَّ سُنَّة حَسَنةً فعُمِل بها كان له أجرُها ومثلُ أجر من عمل بها لا يَنقُصُ من أجورهم شيئًا، ومَنْ سَنَّ سُنَّة سيئة فعُمل بها كان عليه وِزرُها ووزر من عمل بها من بعده لا يَنقُصُ من أوزارهم شيئًا".

وسادسها: إذا فَشَت شهادة الزور بين الناس تسبب عنها ضعف ثقتهم ببعضهم بعضًا، وذهبت عاطفة الاطمئنان من نفوسهم، فتفتر عزائمهم عن الأعمال الخيرية والمشروعات المفيدة للنوع الِإنساني،

ويستولي عليهم اليأس والقنوط فلا يلوي أحد على أحد، ولا يتألم لما يصيبه ولا يمدُّ يده لمساعدته، وهنالك البلاءُ العظيم والخطب الجسيم.

وإذا فَشَا الكذب والافتراء في أمَّة تفككتْ منها عُرى الوحدة وتقطعت روابط الاتحاد وهيهات أن يُرجى لها نجاح أبدًا.

‌ذيل [في كتمان شهادة الصدق]

اتضح لك مما تقدم هول المفاسد التي تترتب على شهادة الزور في نفس شاهدها وفي مجموع الأمة الذي هو أحد أعضائها، ولمَّا كانت هذه

(1) ح 203، والحديث رواه بنحوه مسلم ح 1017، والنسائي ح 2554، من حديث جرير بن عبد الله أيضًا في حديث طويل.

ص: 33

الخُلَّة الشنعاء أحد طرفي رذيلة الكذب كان طرفها الآخر هو كتمان شهادة الصدق؛ لأنَّه إنْ كانت شهادة الزور ترمي إلى إحياء الباطل فكتمان شهادة الصدق يؤدي إلى إماتة الحق، وأنت ترى أن كليهما في المضرة والِإفساد سواء.

من أجل ذلك لم تكن عناية الشريعة المطهَّرة بالتحذير من هذه أقلَّ منها بالتنفير من تلك، وقد ورد النهي عنها في مُحكم التنزيل في مواضع متعددة لمناسبات مختلفة كقوله تعالى:

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 140].

{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].

{وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2].

{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} [البقرة: 283]

وغير ذلك.

وقد جاء في تفسير {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} : أنها نَدْبٌ من الله تعالى للِإنسان إلى السعي في إحياء الحق الذي يُراد جحده والشهادة به لصاحبه، ونَهْيٌ عن كتمان الشهادة سواء عَرَفها صاحب الحق أو لم يعْرِفها، وشدَّد في ذلك بأنْ جعل كاتمها آثمَ القلب. وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يدل على صحة هذا التأويل وهو قوله:"خير الشهود مَنْ شَهَد قبل أن يُستشهد"(1).

(1) أخرجه ابن ماجه بنحوه ح 2364، من حديث زيد بن خالد الجهني.

ص: 34