الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إياكم والكذب فإنَّ الكذب يَهدي إلى النار.
وقال بعض الحكماء: الكذاب لِصّ؛ لأن اللصّ يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك.
وقال الِإمام أبو محمَّد علي ابن حزم الأندلسي في كتاب "الأخلاق والسِّير" ما نصه (1): (لا شيء أقبح من الكذب، وما ظَنُّكَ بعيب يكون الكفر نوعًا من أنواعه، فكل كُفر كذب، فالكذب جنس والكفر نوع تحته.
والكذب متولد من الجَوْر والجُبْن والجهل؛ لأن الجبن يولِّد مهانة النفس والكذاب مَهِين النفس بعيد عن عزتها المحمودة).
الاعتصام بالصدق
قال الله تعالى في سورة التوبة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} .
وقال عز وجل في سورة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70، 71].
وقال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البِرِّ"(2).
وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا فتح له قُفل قلبه وجعل فيه اليقين
(1) ص 146، طبعة دار ابن حزم.
(2)
رواه مسلم 4/ ص 2013.
والصدق، وجعل قلبه واعيًا لما سَلَك فيه وجعل قلبه سليمًا ولسانه صادقًا وخليقته مستقيمة، وجعل أذنه سميعة وعينه بصيرة" (1).
وقال صلى الله عليه وسلم: "تحرَّوا الصدق وإنْ رأيتم أنَّ فيه الهَلَكَة فإنَّ فيه النجاة، واجتنبوا الكذب وإنْ رأيتم فيه النجاة فإنَّ فيه الهَلَكَة"(2).
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال للحسن بن علي رضي الله عنهما: "دع ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبك، فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب رِيبة"(3).
وقال بعض الأدباء: لا سيف كالحق ولا عون كالصدق، ولذلك قيل: مَنْ قلَّ صدقه قلَّ صديقه.
وقال الله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119].
ويَجْمُل بنا أن نذكر نبذة في الصدق أوردها الِإمام شمس الدين
(1) أورده في كنز العمال ح 30768، وقال: رواه أبو الشيخ من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(2)
رواه هناد بن السري في الزهد ح 1376 عن مجمع بن يحيى مرسلاً.
(3)
رواه الترمذي ح 2518، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ح 5711، وأحمد 1/ 200.
محمَّد ابن قَيِّم الجوزية في كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد صلى الله عليه وسلم"(1)، وهي:
إنَّ الله عظَّم مقدار الصدق وعلَّق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرَّهما به، فما أنجى الله مَنْ أنجاه إلَاّ بالصدق، ولا أهلكَ من أهلكَه إلَاّ بالكذب. وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].
وقد قسَّم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق، والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب، وهو تقسيم حاصر مطَّرد منعكس، فالسعادة دائرة مع الصدق
والتصديق، والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب.
وأخبر سبحانه وتعالى أنَّه لا ينفعُ العبادَ يوم القيامة إلَاّ صدقهم، وجعل عَلَم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذبَ في أقوالهم وأفعالهم.
فجميع ما نَعَاه عليهم أصلُه الكذب في القول والفعل، فالصدق بريد الِإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه، (بل هو لُبُّه وروحه. والكذب بريد الكفر والنفاق ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه)(2) ولُبُّه. فمضادة الكذب للِإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والِإيمان إلَاّ ويطرد أحدهما صاحبه ويستقرُّ موضعه. والله سبحانه أنجى الثلاثة بصدقهم (3) وأهلك غيرهم من المتخلِّفين بكذبهم،
(1) 3/ 590.
(2)
ما بين الهلالين سقط من الأصل، وأثبتُّه من "زاد المعاد" ليتم المعنى.
(3)
وهو المذكورون في الآية الكريمة: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ =
فما أنعم الله على عبد بعد الإِسلام بنعمة أفضلَ من الصدق الذي هو غذاء الإِسلام وحياته، ولا ابتلاه ببليَّة أعظمَ من الكذب الذي هو مرض الإِسلام وفساده. انتهى ببعض تصرف.
* * *
= وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
…
} [التوبة: 117، 118]. [م].