المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تعريف الغزو الفكري اصطلاحا: - تحصين المجتمع المسلم ضد الغزو الفكري

[حمود الرحيلي]

الفصل: ‌تعريف الغزو الفكري اصطلاحا:

ومن هذا يتبين لنا أن معنى الغزو الفكري لغة: قصد الشئ وإرادته وطلبه مع تردد القلب وإعمال النظر بروية.

ص: 338

‌تعريف الغزو الفكري اصطلاحاً:

عرف الباحثون الغزو الفكري بعدة تعريفات نختار منها ما يلي:

1-

(الغزو الفكري: هو مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة)1.

2-

(هو أن تتبنى أمة من الأمم ـ وبخاصة الأمة الإسلامية ـ معتقدات وأفكار الأمة الأخرى من الأمم الكبيرة ـ وهي غير إسلامية دائماً ـ دون نظر فاحص وتأمل دقيق لما يترتب على ذلك التبني من ضياع لحاضر الأمة الإسلامية في أي قطر من أقطارها وتبديد لمستقبلها، فضلاً عما فيه من صرفها عن منهجها وكتابها، وسنة رسولها، وما يترتب على هذا الصرف من ضياع أي ضياع

) 2.

3-

(الغزو الفكري: هو أن تتخذ أمة من الأمم مناهج التربية والتعليم لدولة من هذه الدول الكبيرة، فتطبقها على أبنائها وأجيالها، فتشوه بذلك فكرهم وتمسخ عقولهم، وتخرج بهم إلى الحياة، وقد أجادوا بتطبيق هذه المناهج عليهم شيئاً واحداً هو تبعيتهم لأصحاب تلك المناهج الغازية أولاً، ثم يلبس الأمر عليهم بعد ذلك فيحسبون أنهم بذلك على الصواب، ثم يجادلون عما حسبوه صواباً، ويدعون إليه)3.

1 مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز (يرحمه الله) : 3/ 438.

2 الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، د. علي محمود، 8-9.

3 المرجع السابق، 9.

ص: 338

4-

(الغزو الفكري: يعني هجمات فكرية متلاحقة ذات صلة بتاريخ المسلمين وحاضرهم، تطرح شبهات وأفكاراً مزيفة مستوعبة تراث الإسلام، وأحوال المسلمين، وقد انطلقت من البلاد الأجنبية شرقية أو غربية على يد المنصرين وأقلام المستشرقين1 بعيدة عن العمل العسكري المسلح)2.

5-

(يقصد بالغزو الفكري الوسائل غير العسكرية التي اتخذها أعداء الإسلام لإزالة مظاهر الحياة الإسلامية وصرف المسلمين عن التمسك بالإسلام، مما يتعلق بالعقيدة وما يتصل بها من أفكار وتقاليد وأنماط وسلوك)

6-

(الغزو الفكري واحد من شعب الجهد البشري المبذول ضد عدو ما لكسب معارك الحياة منه، ولتذليل قياده وتحويل مساره، وضمان استمرار هذا التحول حتى يصبح ذاتياً إذا أمكن، وهذا هو أقسى مراحل الغزو الفكري بالنسبة للمغلوب، وإن كان في نفس الوقت هو أقصى درجات نجاح الغزاة)4.

وبعد إيراد هذه التعريفات نستطيع القول بأن الغزو الفكري بوجه عام هو مجموعة الجهود التي تتخذها أمة من الأمم ضد أمة أخرى بهدف التأثير عليها لتوجيهها إلى وجهة معينة.

وهو بوجه خاص: مجموعة الجهود التي اتخذها أعداء الإسلام ضد الأمة

1 الاستشراق هو: ذلك التيار الفكري الذي تمثل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي، والتي شملت حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته، وقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن العالم الإسلامي، معبراً عن الخلفية الفكرية للصراع الحضاري بينهما. انظر الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، 33.

2 في الغزو الفكري، نذير حمدان، 6-7.

3 انظر واقعنا المعاصر، محمد قطب، 195.

4 الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، عبد الستار فتح الله، 21.

ص: 339

الإسلامية بقصد التأثير عليها في جميع الميادين التعليمية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية،.. باستخدام الوسائل والأساليب التي يراها مناسبة من أجل صرف المسلمين عن التمسك بعقيدتهم، وأخلاقهم، وسيرسلف الأمة الصالح.

والدافع إلى استخدام الغزو الفكري في الحروب الصليبية المعاصرة هو الحصيلة المرة التي خرج بها الصليبيون من حروبهم الأولى مع المسلمين في القرنين الخامس والسادس الهجريين، (الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين) ، والتي انتهت بالهزيمة الساحقة وعدم تحقيق شئ مما خرج الصليبيون من بلادهم لتحقيقه وبذلوا فيه الأموال والدماء والنفوس.

وفي تلك الحروب الأولى وقع لويس التاسع ملك فرنسا1 في الأسر بعد هزيمة حملته الصليبية، وبقي سجيناً في المنصورة فترة من الوقت حتى افتداه قومه وفُك أسره.

وفي أثناء سجنه أخذ يتفكر فيما حل به وبقومه، ثم عاد يقول لقومه:(إذا أردتم أن تهزموا المسلمين فلا تقاتلوهم بالسلاح وحده ـ فقد هُزمتم أمامهم في معركة السلاح ـ ولكن حاربوهم في عقيدتهم فهي مكمن القوة فيهم)2.

1 لويس التاسع ملك فرنسا من سنة 1226م-1270م قاد الحملة الصليبية السابعة عام 1249م، التي توجهت إلى مصر والتي باءت بالفشل، وأُسر فيها لويس، وسُجن في المنصورة بمصر، وأٌطلق سراحه بفدية كبيرة، ثم قاد في آخر حكمه حملة أخرى سنة 1270م، توجهت إلى تونس حيث فشلت أيضاً ومات فيها لويس. انظر أوربا العصور الوسطى، التاريخ السياسي، د. سعيد عبد الفتاح عاشور، 1/260-265، مكتبة الانجلو المصرية، مصر، ط السادسة، 1975م.

2 واقعنا المعاصر / محمد قطب، 196.

ص: 340

ويرجع كثير من الباحثين أنَّ ملك فرنسا لويس التاسع ـ المذكور ـ وضع خيوط المؤامرة الفكرية الجديدة على الإسلام، ولخصها في الأمور التالية 1:

1-

تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف ذات الغرض، لا فرق بين الحملتين إلا من حيث نوع السلاح الذي يُستخدم في المعركة.

2-

تجنيد المبشرين2 الغربيين في معركة سلمية لمحاربة الإسلام ووقف إنتشاره، ثم القضاء عليه معنوياً، واعتبار هؤلاء المبشرين جنوداً للغرب.

3-

العمل على استخدام مسيحي الشرق في تنفيذ سياسة الغرب.

4-

العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق الإسلامي يتخذها الغرب نقطة ارتكاز لقواته الحربية، ولدعوته السياسية والدينية، وقد اقترح لويس لهذه القاعدة الأماكن الساحلية في لبنان وفلسطين3.

1 انظر في هذا معركة المصحف لمحمد الغزالي، ص 162، واحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام، د. سعد الدين السيد صالح، ص37-38، وأساليب الغزو الفكري الحديث، لعلي جريشة، ومحمد الزيبق، ص19. وأثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة، للشيخ عبد الله الجربوع، ص 111-112.

2 مفهوم التبشير المزعوم هو الدعوة إلى النصرانية، إلا أنه في الحقيقة يتقنع بالدين، والأعمال الخيرية لتحقيق الغرض الحقيقي، وهو زعزعة عقائد غير النصارى عامة، والمسلمين خاصة، ثم تهيئتهم بشتى الوسائل لقبول النفوذ الغربي، والاستكانة للاستعمار وبسط السيطرة الغربية عليهم ثقافياً، ودينياً، وسياسياً. انظر التبشير والاستعمار في البلاد العربية، د. مصطفى خالدي، د. عمر فروخ، 5، واحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام، 39.

3 انظر أساليب الغزو الفكري د/ علي جريشة ومحمد الزيبن، 19، واحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام، د/ سعد الدين السيد صالح، 37-38.

ص: 341

ولعل هذا الذي ذكره الباحثون من التوقعات أو بغير الأسلوب الأصلي.

وقد سار الأوربيون بالفعل في طريق تنفيذ وصية لويس حيث أعدوا جيوشاً من المستشرقين والمنصرين الذين قاموا بحركة تشويه للإسلام بهدف تشكيك المسلمين فيه، كما قاموا بإنشاء قاعدة نصرانية لهم في لبنان، ويهودية في فلسطين، بالاضافة إلى ما قاموا به من تمزيق وحدة العالم الإسلامي عن طريق إشاعة النعرات العصبية في العالم الإسلامي1.

هذا هو الأسلوب الجديد في مواجهة الإسلام، وهو أسلوب الغزو الفكري الذي يفوق بعشرات المراحل أسلوب الغزو العسكري، ذلك أنه يمتاز بما يأتي:

1-

الخداع: فالعدو من خلال هذا الغزو لا يقف أمامك عياناً بياناً بل هو متخفي يأتيك من وراء حجاب ويداهمك بدون شعور منك، قد يأتيك في صورة مقال جذاب، أو كتاب بغلاف براق، أو برنامج إذاعي أو تلفزوني، أو فيلم2، أو مسلسل، بل إنه قد يأتيك من خلال واحد من أبناء جلدتك ووطنك، بل ودينك أحياناً.

2-

الخطورة: الغزو الفكري أخطر بكثير من الغزو العسكري، لأنه عميق التأثير في الشعوب المغزوة، إذ يمتد تأثيره عشرات بل مئات السنين أحياناً، والشعب الذي يُحارب بالغزو الفكري يتصرف بمحض اقتناعه هو كما يريد الغازي.

3-

عدم وجود المشقة: فالغزو الفكري سهل وبسيط، وأقل تكلفة من الغزو العسكري الذي يكلف كثيراً من الدماء والطاقات3.

1 انظر احذروا الأساليب الحديثة، 38.

2 الفيلم، شريط تصويري أو تسجيلي (ج) أفلام. انظر المعجم الوسيط، 2/702.

3 احذروا الأساليب الحديثة، 39.

ص: 342