المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الباب الأول في هذا الباب: بين منهجين. * الأم أولاً. * الأسماء علامة أو - تربية القرآن يا ولدي

[محمود محمد غريب]

الفصل: ‌ ‌الباب الأول في هذا الباب: بين منهجين. * الأم أولاً. * الأسماء علامة أو

‌الباب الأول

في هذا الباب:

بين منهجين.

* الأم أولاً.

* الأسماء علامة أو كرامة؟

* لا يا مستر "فرويد".

* طبائع مختلفة، والطريق واحد

ص: 7

بسم الله الرحمن الرحيم

تعود الشيخ أن يبَش في وجه الضيوف على الإطلاق، إلا من جاء بموضوع - الطلاق - لما يترتَّب عليه من شقاق وفراق.

والآن ندخل بيت الشيخ في حياء. مع بعض الأصدقاء.

عارف: أعجبني مقالك الأخير في موضوع تربية الأولاد، وضرورة احترام عقلهم، والرفَّق بهم.

وكنت موفَّقاً عندما قارنت بين منهج النبي صلى الله عليه وسلم

ومنهج الخليل إبراهيم عليه السلام في علاج موضوع الأصنام.

مكارم: هذا رأي أعتز به، وجزاك الله خيراً.

فالحقيقة التي يجب أن يتنبَّه لها كل دارس هي أن الخليل إبراهيم عليه السلام حاول أن يكسر الأصنام ليوقظ العقل البشري، وليقيم لأتباعها الدليل المادي على ضعف أصنامهم، حتى عن الدفاع عن نفسها.

ولكن سرعان ما عادت الأصنام إلى الوجود واستمر الناس على عبادتها.

ص: 9

فلما جاء نبيَّنا محمد صلى الله عليه وسلم عاش أكثر من عشرين عاماً يتعامل مع العقل البشري.

ويحاول أن يصل إليه من كل جانب حتى استطاع أن يوقظ العقل من سُباته.

وأن يجعل من الذين عبدوا الأصنام مَن يكسَّرها بيده، وأن يسخر من نفسه عندما يتذكًّر عبادته لها.

إن خالد بن الوليد - الذي قاتل المسلمين يوم "أحد" من أجل (العزَّى) هو الذي كسَّرها بيده يوم فتح مكة، وهو يردد:

يا عزًّى كُفرانَكِ لا سبحانك.... إنَّي رأيت الله قد أهانك

وأبو سفيان - الذي حارب الإسلام أكثر من عشرين عاماً - من أجل "اِللاًّت وهبل" هو نفسه الذي كسَّر (اللات) وبنى مكانها مسجداً.

وعمرو بن الجموح - الذي كان يضع الطيب على صنمه، ولا يحلف إلا به، ولا يقدم النذور إلا له، هو الذي هجا صنمه عندما حطَّمه، وألقاه في بئر بجوار كلب ميَّت فقال:

واللهِ لو كنتَ إلهاَ لم تكن

أنت وكلب وسط بئر في قَرن

ص: 10

فالحمد لله العلي ذِي المنن

الواهب الرزاق ديان الدين

هو الذي أنقذني من قبل أن

أكون في ظلمة قبر مرتهن

بأحمد الهادي النبي المؤتمن.

لقد وصل الأمر بالصحابة - رضوان الله عليهم -

إن جعل عمر بن الخطاب التبرك بالشجرة التي بايع المسلمون النبي تحتها "بيعة الرضوان" اعتبر عمر التبرك بها لوناً من الوثنية التي خلصهم الإسلام منها، فقال: ألا لا يأتيني رجل عاد لمثلها إلا قتتلته بالسيف، كما يقتل المرتد وأمر بقطع الشجرة.

لقد انتهت الأصنام من القلوب، فانتهت من الوجود كله، ولم تقم لها قائمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

يا سيد مكارم: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحطم الأصنام المادية فقط، بل حطم معها تأليه البشر وعبودية الرجال.

وقصة فرعون، والنمرود، نماذج لتأليه البشر.

مكارم: ولكن كيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يوقظ العقل

ص: 11

البشري لأمَّة كاملة في هذا الوقت المحدود؟

عارف: أرى أن يقظة المربي، وسلامة المنهج، هما السبب في نجاح دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولا ننس مَدَدَ الله العظيم للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فإن معجزة النبي الأولى، هي القرآن، ومعجزته الثانية هي تربية الرجال، الَّذين لم تعرف الدنيا مثلهم.

مكارم: نحن بحاجة إلى معرفة هذا المنهج لننقذ أولادنا.

عارف: يا أستاذ مكارم:، إنك تستطيع أن تكسر زجاجة الخمر من يَدِ ولدك ولكنَّه سيذهب ويشتري غيرها.

وإذا ضيَّقت عليه مادياً، ربَّما سرق، ويشتري الخمر.

ولكنك إذا استطعت أن تقنعه بضررها، وتسجل له حالته وهو يهذي من السكر، وكيف أن الأطفال في الشوارع كانوا يعبثون به.

إذا استطعت ذلك فسوف تختفي الخمر من حياته إلى الأبد.

مكارم: سبحان الله!!

لمست المشكلة التي جئت من أجلها.

ولدي في طريقه إلى الضياع.

ص: 12

أهمل دراسته، وساء خلقه، وانحدر إلى الخمر.

لقد يسَّرت له كل شيء.

خادمة خاصة، وغرفة خاصة، وسيَّارتي تحت تصرفه.

ومع ذلك ليست مطمئناً عليه.

عارف: لماذا تركته للخادمة؟

أين أمه؟

مكارم: طلَّقتها.

لقد فَشِلت كل السبل في إصلاحها.

شغلتها المرآة عن كل شيء.

كانت - سامحها الله - لا دين ولا خلق.

طلقتها وتمثلت قول الشاعر:

رحلت أميَّة بالطلاق

وعُتقت من رق الوثاق

بانت فلم يألم لها

قلبي ولم تبكِ المساق

لو لم أرَح بفراقها

لأرحت نفسي بالإباق

عارف: إلى هذا الحد ساء ما بينكما؟!

ص: 13

مكارم: كنت أشعر أن الله لم يشرع الطلاق إلا لمثل حالتي.

عارف: لعلك لم تحسن الاختيار عندما بحثت عن زوجة؟

ونسيت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" تخيَّروا لنطفكم، فإن العِرقّ دساس ".

مكارم: لقد فرض عليّ أبي أن أتزوج منها.

واحتراماً لرأي أبي تزوجتها، وبدأت المأساة مع بداية البيت الجديد.

عارف: تزوجتها احتراماً لرأي أبيك؟ أم احتراماً لمساعداته المادية لك؟

التي شرطها بقبول الزواج؟!!

مكارم: أردت أن أضرب عصفورين بحجر، فطار العصفورين،

ووقع الحجر على رأسي.

عارف: رأي الوالدين في موضوع الزواج، رأي استشاري فقط.

والكلمة الأخيرة شرعاً في القبول أو الرفض للشاب الذي يرغب في الزواج.

يا أستاذ مكارم:

جاء في كتاب "عمدة القارئ" في شرح صحيح البخاري جـ 2 ص 129:

ص: 14

عن الخنساء بنت حزام الأنصارية، أن والدها زوجها - وهي ثيَّب - فكرهت ذلك فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها.

وفي سنن النسَّائي. وابن ماجه.. وصحيح الإمام أحمد. عن عبد الله بن بريد، عن عائشة رضي الله عنها أن فتاة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:

إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة.

فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبيها فدعاه. فجعل الأمر إليها. "يعني في أن توافق أو يفسخ النبي العقد" فقالت الفتاة:

والله يارسول الله: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إِلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ "،

- فالزواج - يا أستاذ مكارم: - عملية نفسية. وعطاء متبادل.

كل من الزوجين بحاجة إلى الآخر.

بحاجة أن يعطي عطاء الأب الكريم.

وبحاجة أيضاً إلى من يعطف عليه عطف الأمْ على طفلها

وهذا لا يكون إلا مع الانسجام النفسي.

ص: 15

الزواج مقياس لسعادة المجتمع. وعلى قدر نجاح الزواج أو فشله يقاس سعادة المجتمع أو شقاؤه.

لذلك اهتم الإسلام كثيراً بموضوع الزواج، ليضمن سلامة البناء الاجتماعي.

وحاول الإسلام أن يضع الزواج في إطار الإحصان الأخلاقي، ليجنبه المزالق.

فالزواج عندما ينبني على الأسس الإسلامية يدوم. وتدوم معه السعادة.

فالدنيا متاع

وخير متاعها الزوجة الصالحة.

ويفسَّر النبي صلى الله عليه وسلم صلاح الزوجة فيقول:

إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ

وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ

وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ

وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ.

وكم يخاف النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين أن يخطئوا طريق اختيار الزوجة، فيبنوا زواجهم على منافع دنيوية، ومكاسب مادية.

ص: 16

إن رغبة الإنسان في المال والجاه والجمال رغبة فطرية.

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم

يترفَّع بالمسلم أن يجعل الزواج وسيلة لإشباع

هذه الرغبات فقط، لما في ذهنك من انحراف بالزواج

عن رسالته الكبيرة.

روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم

قال: من تزوج امرأة لعزها، لم يزده الله إلا ذلاً.

ومن تزوج امرأة لمالها، لم يزده الله إلا فقراً.

ومن تزوج امرأة لحسبها، لم يزده الله إلا دناءة.

ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره.

ويحصَّن فرجه، أو يصل رحمه، بارك الله له فيها، وبارك لها فيه.

صيحات دائمة، تركها النبي صلى الله عليه وسلم في ضمير المسلم. حتى يحفظ البناء الأُسْريًّ، ويدوم الزواج:

ص: 17

والنبي أيضاً يقول:

"لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ وَلَأَمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ. (ابن ماجة: 1849)

مكارم: أمَة سوداء

؟!

يا شيخ عارف المرأة الجميلة تسبَّب عفَّةً للزوج من النظر للنساء الأجنبيات.

عارف: الرسول صلى الله عليه وسلم

لم يهمل جانب الجمال في حياة الأسرة.

وهو الذي قال: أن نظرات إليها سرتك

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن

يجعل الجمال هو السبب الوحيد للاختيار.

على أن غض البصر مسألة تعوُّد وتربية.

فمن أعتاد أن ينظر إلى النساء - ولم يعصمه دينه - لا يقتنع بزوجته الحلال مهما كان جمالها.

ص: 18

لأن الجمال مسألة نسبية - لا تنتهي إلى حد أعلى.

ولأن الزواج يشبع غريزة حب الملكية في الزوجين، فتبدأ هذه الغريزة في البحث عن ممنوع آخر. فلا يقتنع بزوجة، مهما كان جمالها.

يا أستاذ مكارم: غض البصر مسألة تحتاج إلى تربية وأخلاق.

وإن كنت لا أنكر دور الزواج في إعانة المسلم على غض البصر.

الزوجة الصالحة يا أستاذ مكارم: تعين زوجها على شق طريقه في الحياة آمناً.

سألت في يوم أحد الشعراء الكبار الذين تعودت أذنهم أن تسمع صيحات الإعجاب في كل ناد ومحفل.

سألته: أي كلمة دفعتك إلى الأمام؟

فقال لي:

إن إعجاب زوجتي بشعري، وإيمانها بدوري عزائي في فشلي، ودفعني إلى الأمام.

ولا يستطيع دارس للدعوة الإسلامية أن ينكر الدور العظيم الذي أدته السيدة خديجة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم -

ص: 19

لقد كانت له حنان الأم، وابتسامة الأمل، وكم أمدته بمالها عندما بخل الناس.

إن إيمان زوجات النبي صلى الله عليه وسلم برسالته حفظ ظهره، وفرغه للتطلع إلى الأمام.

لكنَّ نوحا ولوطا عليهما السلام كانا يقاتلان في جبهتين.

جبهة خطيرة في البيت، وجبهة عريضة مع الناس.

لذلك كثر جهدهما، وقل أنصارهما عليهما السلام من الله -.

يا أستاذ مكارم:

إن القرآن الكريم امتدح الزوجة المسلمة وأثبت دورها في أمان البيت وسعادته.

قال تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} 34 النساء

فهن حافظات للغيب - لأسرار بيوتهن، ولأسرار أزواجهن.

والأكثر من هذا أكَّد القرآن دور المرأة في إصلاح زوجها إن خافت سقوط بيت الزوجية فقال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا

فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} .

ص: 20

فالمرأة الصالحة هديَّة القدر لمن فاز بها.

وخلق المرأة ودينها متعة دائمة.

ألا أن النساء خُلِقْنَ شتَّى

فمنهن الغنيمة والغرام (1)

ومنهن الهلال إذا تجلَّى

لصاحبه ومنهن الظلام

فمن يظفر بصالِحهنًّ يظفر

ومن يُغبْن فليس له انتظام

مكارم: لقد غُبِنْتُ يا شيخ عارف، ودفعت الثمن غالياً.

فإن مستقبل ولدي في خطر.

لكنني - والحمد لله - اخترت له خادمة تعطيه عطاء الأم.

عارف: رحم الله أحمد شوقي عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم:

(1) الغرام: الغُرم الملازم للإنسان ملازمة الغريم لغريمه ومنه قوله تعالى {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}

ص: 21

فإذا رحمت فأنت أم أو أب

هذان في الدنيا هما الرحماء

وكلامك هذا يذكرني بقصة طريفة قرأتها وأنا صغير".

تروى أن أحد الملوك خرج للتنزه، فوجد مزرعة كبيرة ووجد حماراً يدير ناعوره (ساقية) وفي رقبته جرس، فسأل الفلاح عن سِرِّ وجود الجرس في رقبة الحمار؟

الفلاح: وضعت هذا الجرس ليحدث صوتاً كلما يتحرك الحمار، فإذا انقطع الصوت تنبَّهت وزجرت الحمار.

الملك: فماذا تعمل إذا وقف الحمار وهزًّ رأسه ليخدعك؟

الفلاح: (يضحك ويقول) ومن أين لي بحمار عقله مثل عقل جلالة الملك؟

"ويضحك الضيف"

عارف: أعتقد يا أستاذ مكارم: أن وجود الخادمة التي تعوض حنان الأم أصعب بكثير من وجود الحمار الذكي.

مكارم: كل شيء في حياة ولدي (غضب) يقلقني عليه.

عارف: (متعجباً) اسمه غضب! ؟

مكارم: نعم. لقد سميته باسم خاله.

ص: 22

عارف:

أعوذ بالله

اسمه "غضب"

الأسماء لا تشتري يا مكارم.

واختيار اسم المولود يدل على عقل أبيه.

وأنت رجل ذكي واسمك مكارم.

وقديماً قالوا: اسمك شاهد على عقل أبيك.

مكارم: الأسماء علامة.

ولو كانت الأسماء كرامة، لتشارك الناس جميعاً في اسم واحد.

عارف: لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بالأسماء.

لما لها من صدى في نفس صاحبها.

وكان يغير أسماء بعض الصحابة إن وجدها تتنافى مع التوحيد الخالص.

(كعبد العزًّى) أو تبعث على الوعورة في النفس جاء في "عمدة القارئ" في شرح صحيح البخاري جزء 12 ص 207، "وتاج العروس" مادة حَزن.

أن سعيد بن المسيَّب رضي الله عنه قال:

عندما دخل جدي في الإسلام، قال له النبي صلى الله عليه وسلم

كيف اسمك؟

قال: حزن.

والحَزن بسكون الوسط هو الوعْر من الأرض

ص: 23

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل سهل.

قال الرجل: ما كنت لأترك اسماً سمتني به أمي.

قال سعيد: فلم يزل فينا أثر هذا الاسم.

وجاء في كتاب "نهاية الأرب" في فنون الأدب الجزء الثالث:

أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يستخدم شاباً في أمر.

فسأله عمر. ما اسمك؟

قال: ظالم بن سراقة.

قال عمر: تظلم أنت ويسرق أبوك؟

ولم يستعن به.

إن عمر كان يحب الأسماء التي تشرح الصدر.

كما تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم.

وجاء في بعض كتب الأدب: أن هارون الرشيد خرج يوماً فرأى رجلاً فسأله عن اسمه.

فقال: سعيد.

قال الرشيد: أسعدك الله.

ابن من؟

قال الرجل: ابن مسلم.

ص: 24

قال الرشيد: سلَّمك الله.

أبو من؟

قال الرجل: أبو عمر.

قال الرشيد: عمَّرك الله.

ودعا له بالبركة.

يا أستاذ مكارم.

لقد ظلمتَ ولدك مرتين.

ظلمته عندما اخترت له أمًّا لا يؤهلها للزواج إلا مالها.

والمال ستار خفيف يستر عيوب المرأة حيناً ثم يفضحها.

إنه ثوب يشف عمَّا تحته من خلق وطبع.

وظلمتَه عندما اخترت له هذا الاسم - الذي لا يجعله يرفع رأسه بين الشباب.

يا أستاذ مكارم: حاول أن تصلح خطأك، وأن تعالج ولدك قبل أن يفوت الأوان.

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت

ولا يلين إذا قومته الخشب

وولدك غصن ليَّن يمكنك أن تقومه.

ص: 25

"يتناول مكارم: قرصاً مسكناً، ويشرب كوباً من الماء.

ويضع رأسه بين يديه، ثم يرفع رأسه قليلاً ويقول:

مكارم: أي غصن وأي خشب؟

لقد أصبح ولدي حجراً قاسياً.

لقد فات الأوان.

كل الذي أطلبه من الله: أن يحفظ أولادي الصغار من الانحراف.

عارف: طبعاً

الأولاد الصغار، لأنهم أبناء الزوجة الجديدة

مكارم: كلهم أولادي يا شيخ عارف.

لكن "فرويد" أستاذ علم النفس يقول:

إن شخصية الإنسان تتكون في السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل ولا تُجدى محاولة الإصلاح بعد ذلك (1) .

عارف: علم النفس حقائق علمية أو فلسفة وتدبَّر في النفس الإنسانية؟

(1)"نحو علم نفس إسلامي" للدكتور حسن الشرقاوي

ص: 26

مكارم: لا يا شيخ عارف

إنه حقائق علمية مجردة من الفلسفة.

عارف: ما دام علم النفس حقائق علمية

فلماذا تختلف نظريات علم النفس في البلاد الرأسمالية، عن نظريات علم النفس في البلاد الشيوعية

مع أن النفس الإنسانية واحدة

؟

يا أستاذ مكارم:

إن نظريات علم النفس تحليلات فلسفية، ألبست ثياب العلم، بعد أن سقطت دولة الفلسفة.

مكارم: ماذا تعني يا شيخ عارف.؟

عارف: "فرويد" أحد الأذكياء الذين خدعوا العالم.

لقد حارب الفضيلة والأخلاق باسم العلم.

اشترك في الجمعيات اليهودية التي وضعت "بروتوكولات حكماء صهيون" الذي يهدف إلى تعرية العالم من ستار الفضيلة.

لهذا السبب حاولت أجهزة الإعلام الغربية ترويج نظرياته.

مكارم: هذه قضايا شخصية

لا دخل لها بآرائه العلمية، أما كلامه من الناحية العلمية، فقد درسناه، واقتنعنا به.

ص: 27

عارف: يا أستاذ مكارم:

لو كنت طبيباً في مستشفى، وفصحت مائة مريض فوجدتهم مرضى "بفقر الدم".

هل يمكن أن تصدر بياناً بأن كل القطر مصاب بفقر الدم؟

مكارم: لا

لأن استقرائي للقطر يُعدُّ استقراء ناقصاً.

عارف: الذي حدث من "فرويد" أنه درس مجموعة من الأمراض النفسية،

ثم خرج من دراسته بقانون عام، فقد حاول أن يعمم النتائج، ويجعلها تفسيرات للنفس الإنسانية عامة، وهذا خطأ واضح.

وأسأل: ولماذا حاول "فرويد" أن يشكك الناس في الأديان، ونشأتها، ودورها في الفرد والمجتمع. بينما يصر هو على التمسك باليهودية، والاشتراك في الجمعيات اليهودية؟

مكارم: ولكن ما رأيك في نظريته التي تقول:

إن شخصية الإنسان تتكون في السنوات الخمس الأولى من عمره. ولا يمكن إصلاحها بعد ذلك؟

ص: 28

عارف: حاول "فرويد" أن يضرب خنجره المسموم في صدرين.

أن يضربه في صدر الآباء.

وأن يضربه في صدر الأبناء.

مكارم: كيف ذلك؟

عارف: عادة لا ينتبه الآباء لمراقبة تصرفات أبناءهم إلا بعد السادسة من عمرهم.

قبل هذا السن يكتفي الآباء بالضحك من تصرفات أبنائهم، ويسكتون عنها.

فإذا عزم الآباء على توجيه أبنائهم في سن الصبا جاء (فرويد) وقال لهم: انتهت فرصة التربية ولا جدوى في الأمر، ولا فائدة من التقويم لأن سن الولد قد تجاوز الخامسة

في نفس الوقت يدير "فرويد" وجهه للشباب ويقول لهم بكل صفاقة، بل يقول لهم باسم العلم:

الدين خرافة.

والأخلاق شذوذ.

والتسامي كبت.

ص: 29

والأمراض النفسية سببها عدم الانطلاق الجنسي.

بل يحاول أن يقطع آخر ما بقى من أمل في التربية "بالأسوة الحسنة"

التي يمكن أن يستفيدها الشاب من والديه.

يقول هذا الماكر:

إن الجنس هو الرباط الوحيد بين الناس - حتى بين الوالد وبنته،

وبين الأم وطفلها.

مكارم: كلامك صحيح

"فرويد" يعتقد أن الطفل يأخذ ثدي أمه بدوافع جنسية.

عارف: فهل هذا الكذاب يصلح أن يكون مربياً لجيل؟! ومعالجاً لأمَّة؟!!

* * *

العجيب أنني رأيت الإمام الغزالي - في القرن الخامس الهجري -

قد حذر من مثل دعوة "فرويد" - التي تستهدف رفع يد المربين عن الشباب.

قال الإمام الغزالي:

اعلم أن بعض من غلبت البطالة عليهم، استثقل مجاهدة النفس، والاشتغال بتزكيتها، وتهذيب أخلاقها.

فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها، وزعم أن الطبع لا يتغير.

ص: 30

ونلاحظ يا أستاذ مكارم: أن هذه دعوة "فرويد" التي يدَّعي أنها نظريات علمية.

ثم يرد عليهم الإمام الغزالي فيقول:

لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير: لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديب، ولكن التجربة أثبتت أن تأديب الحيوان ممكن.

فالفرس يمكن أن يُهذب من الجماح إلى السلامة، والانقياد.

والكلب يمكن أن يُهذب فيعلم فنون الصيد، فيصيد لصاحبه بعد أن كان يصيد لنفسه.

ونحن نلاحظ يا أستاذ مكارم: أن حيوانات السيرك يستطيع المدرب أن يقومها، وأن يُهذبها، وأن ينسيها كثيراً من تمردها الوحشي.

ثم يذكر الإمام الغزالي أن الجبلات تختلف، فبعضها سريع القبول، وبعضها بطيء القبول.

وهو يرى أن التربية لا تهدف إلى قمع الشهوات كليَّة؛ لأن الشهوات - في ذاتها - خلقها الله لحكمة.

ولكن مقاصد التربية أن تردَّ الشهوات إلى الاعتدال.

ص: 31

فشهوة الغضب يوجهها المربي إلى حفظ الشخصية وقوتها.

ومع قوتها يجب أن تنقاد للعقل قال تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلَّم بين يديه بما يكره فيغضب - حتى تحمرًّ وجنتاه - ولكن لا يقول إلا حقاً، فالغضب لا يخرجه عن الحق. (2) .

ويرسم الغزالي منهج العلاج بأن من يرغب في فضيلة ولم تكن من خلقه فعليه أن يتكلف بها أولاً.

ويجاهد نفسه عليها مدة من الزمن، فإن ذلك يطبعه عليها

فيتلذذ بفعل هذه المكرمة بعد ذلك.

فالمريض بالكِبْر يواظب على أفعال التواضع مدة طويلة - وهو فيها مجاهد لنفسه، ومتكلف، إلى أن يصير ذلك خلقاً له.

فالعلم بالتعلم، والخُلق بالتخلق.

هذا هو مذهب الغزالي في التربية.

* * *

وفي الظلال:

إن الله يعلمنا - بصفاته - كيف نتسامي على نقصنا

(2) إحياء علوم الدين ص 1441.

ص: 32

وضعفنا، ونتطلع إلى أعلي دائماً، لنراه - سبحانه - ونحاول أن نلقده - سبحانه - في حدود طاقتنا الصغيرة المحدودة.

وقد نفخ الله في الإنسان من روحه، فجعله مشتاقاً أبداً إلى تحقيق المثل الأعلى في حدود طاقته وطبيعته، ومن ثم تبقى الآفاق العليا مفتوحة ومشتاقة دائماً ليتطلَّع هذا المخلوق إلى الكمال المستطاع، ويحاول الارتفاع درجة بعد درجة، حتى يلقى الله بما يحبه له، ويرضاه.

فتجارب المربين من المسلمين تبشر بخير فعلاً.

مكارم: تجارب العلماء المسلمين تبشر بخير.

ولكن تغير الزمن له دخل في تغيير المفاهيم يا شيخ عارف.

عارف: بجوارك المكتبة.

تكرم وابحث عن العدد الثالث من عام 1979 من مجلة "آفاق عربية".

"يبحث مكارم: عن المجلة ويخرجها"

اقرأ هذا المقال، يا أستاذ مكارم.. وأسمعني ما تقرأ.

مكارم: ذكر المؤرخ الأمريكي "كريستوفر" نموذجاً لمقدرة الشباب على الترفُّع والتسامي.

واختار الشابَّ الأمريكي "جيمس روبين" والذي

ص: 33

استطاع أن يتسامى، من رجل يقود المظاهر ******* إلى واعظ ينادي الشباب بوجوب التأمل، وضبط النفس، وسمو الإنسان على نفسه وعقله.

وهكذا تحول من داعية من دعاة "الهيبز" إلى شخص مهذب، بعد أن عالج تمرده السابق بوسائل (سيكولوجية) .

ثم يقول المؤرخ الأمريكي:

إن هذه الحالة لا يمكن النظر إليها على أنها حالة استثنائية، وكما هي ظاهرة اجتماعية سائدة في الوقت الحاضر.

مكارم: تجارب المربين في الشرق والغرب تؤكد بطل نظرية (فرويد) ،

وتبعث الأمل العريض في نفسي في إنقاذ ولدي.

عارف: افتح قلبك لولدك.

واجعل من نفسك صديقاً له.

فإن الفارق الزمني بينك وبينه، ورهبة الأطفال من آبائهم في سن الطفولة، تسبَّب عُزلة بين الأبناء الآباء.

افتح قلبك له يا مكارم.

فولدك بحاجة إلى حنان

ص: 34

واستمع لمشاكله النفسية، ولا تحكم عليه بسنك أنت، وأشركه معك في شوؤن البيت، بمقدار ما يتحمل عقله.

حتى يشعر بالرجولة، ويتدرب على دوره في الحياة.

إنه الآن في مرحلة بين الطفولة - التي يتحرى أن يتخلص منها،

وبين تكاليف الرجولة - التي لا يقوى عليها.

ومن الناحية العقلية، هو الآن في مرحلة التمرد الفكري.

مكارم: ماذا تعني بمرحلة التمرد الفكري يا شيخ عارف؟

عارف: سن الطفولة يجعل الطفل يتقبل كل شيء يسمعه ويصدقه.

فهو لا يفرق بين الخرافات والحقائق.

فإذا دخل في سن المراهقة، بدأ ****** في التمرد على كل ملامح الطفولة.

ويبدأ يشك في كل المعلومات التي تلقاها في طفولته.

لذلك فهو بجاجة إلى من يحترم عقله، ويعالج تمرده.

* * *

لقد تلقى العقائد الدينية - مثلاً - بذهن فارغ من كل شيء، فصدق كل شيء سمعه.

ص: 35

أما الآن فيحتاج إلى تدريس الدين دراسة عقلية.

إن مدرس الرياضيات يحترم عقله، ويدلل له على صدق النظريات التي يُدرسها، ومدرس العلوم يقيم له التجارب العملية، ليدلل على صدق ما يقول. فيجب أن يراعى المربُّون هذه القضية.

مكارم: هل سنجري له التجارب على صدق الدِين، وأهميَّة الخلق؟!

عارف: نفس المواد التي يدرسها في مدرسته، يمكن أن نستفيد منها في تثبيت قضايا الدين في نفسه، وهذا أمراًَ سهل.

وسأهديك نسخاً من كتاب "هذه عقيدتك يا ولدي" فإنه محاولة لتوجيه الدراسة العلمية لخدمة العقيدة، وتثبيتها في نفوس الشباب.

مكارم: وإلى متى تظل مرحلة التمرد هذه يا شيخ عارف؟

عارف: إلى حوالي الخامس والعشرين من عمره.

بعدها تبدأ مرحلة الثبات الذهني، والاستقرار الفكري

مكارم: والله

كأني أرى ولدي الآن يتردد على بيوت الله، ويصادق الشباب النبيل.

لقد أصبح أملي كبيراً في نجاته وهدايته.

كنت أعتقد أن تكسير زجاجة الخمر، وحرق كتب

ص: 36

الإلحاد، والمجلات الخليعة، يكفي لإنقاذه.

ولكن منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعله يتعامل مع العقل البشري قرابة ربع قرن من الزمن، فأيقظ بذلك العقل البشري، فاختفت الأصنام إلى الأبد.

هذا هو المنهج السليم لتربية ولدي وإنقاذه من الإنحراف.

ولكن....

أنا أعرف أن الساعة الآن تجاوزت العاشرة مساءاً، ومع ذلك أطمع أن يحدثني الشيخ عارف بشيء من التفصيل عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تربية النفوس. وكيف استطاع رجل واحد أن يربي أمة كاملة ويهذبها؟

عارف: هذا حديث واسع، والأيام بيننا - إن شاء الله - وحاول أن تقرأ كتب السيرة والأخلاق، فسوف ترى الكثير والكثير.

وإذا درست سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسترى إن هذا الجيل اعتنق أكثره الإسلام بعد أن تجاوز سن الشباب، ومع ذلك غيَّر الإسلام حياتهم.

وهذه التجربة العملية تثبت خطأ ما ادعاه "فرويد"

من أن جهود المربين تضيع سُدى إذا تجاوز الطفل الخامسة من عمره.

ص: 37

ادرس سيرة هؤلاء العظماء.

لقد جعل منهم الإسلام ملائكة البشر، ومؤدبي الجبابرة، رهبان بالليل، فرسان في النهار، عندما كانوا ضعافاً، جعلوا من الصبر قوة.

فلما حكموا الدنيا، جعلوا من القوة عدلاً.

منهج وسع الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم، مع اختلاف طبائعهم، فجعل منهم وحدة فكرية وقيادية، وجعل من مجموع الصحاب من يقاتل لحساب الإسلام، ويسالم لحساب الإسلام، ويُصالح للإسلام، ويغاضب لحساب الإسلام.

إن تجردهم من المادة، ومن مظاهر الترف عندما حكموا الدنيا، يؤكد إنهم كانوا يعلمون لحساب الإسلام، ولحساب الإسلام فقط.

لقد تعلموا هذا من أسوتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء الحياة فأعطي كثيراً ولم يأخذ.

بدأ دعوته وهو زوج لأغني امرأة في قريش - كما سبق أن علمت - وعندما لقي النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه كان قد أنفق كل ماله في سبيل دعوته.

وعندما شرع الإسلام (الصدقة) حرمها النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه، وعلى أهل بيته.

ص: 38

وعندما شرع الزكاة - وهي مصدر مادي واسع - للدولة الإسلامية - حرم النبي صلى الله عليه وسلم أموال الزكاة على نفسه أيضاً، وعلى آل بيته.

وقال في عزة وعفاف: " نحن آل محمد لا نأكل الصدقة ".

ولم يسمح النبي صلى الله عليه وسلم للحسين بن علي رضي الله عنهما وكان طفلاً أن يأكل تمرة واحدة من تمر الصدقة.

وأخذها النبي صلى الله عليه وسلم من يد الحسين، وألقاها على التمر.

* * *

وحتى تَرِكَة النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقبل أن توزع على ورثته، فقد أوصى أن توزع تركته على الفقراء من بعده، وقال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة.

وقد نفَّذ أبو بكر رضي الله عنه هذه الوصية.

فلم ترث السيدة فاطمة - بنت رسول الله -، ولم ترث السيدة عائشة - بنت أبي بكر، ولم ترث السيدة حفصة - بنت عمر - ولم يرث أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من تركته، وجاء عمر بعد أبي بكر، فلم يغير شيئاً، وجاء عثمان فأقر ما فعل أبو بكر، وجاء عليٌّ فبارك للفقراء ما تحت أيديهم، ولم يرث أحد من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من التركة.

* * *

يا أستاذ مكارم: إن دول العالم اليوم تنفق الملايين

ص: 39

لعلاج مشكلة الخمر، وإنقاذ الشباب منها.

ومع ذلك لم يتقدم العالم خطوة واحدة.

فكيف استطاع الإسلام بآيات قرآنية قلائل، وبأحاديث محمدية معدودة، أن يجعل الرجل القادم من الشام، وعلى بعيره خمور الشام، يريد بيعها في المدينة، أن يسكب الخمر على الأرض، قبل أن يدخل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمجرد أن علم أن القرآن حرم الخمر تحريماً قطعياً.؟

* * *

يا أستاذ مكارم: ادرس تاريخ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الأمة تُعزل عن تاريخها، وتحجب عن عظمائها، مثلها كمثل لقيط، لا يعرف من أين جاء، ولا إلى مَن ينتسب.

* * *

ادرس تاريخ أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقد دخل الإسلام في الثامنة والثلاثين من عمره. وكان رجلاً لَيِّن القلب، فياضاً بالخير، فجعل منه الإسلام حاكماً مسلماً استطاع أن يُسيَّر أحد عشر جيشاًَ في آن واحد، وذلك عندما رأى الجزيرة تريد أن ترتد عن الإسلام، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تمنع الزكاة.

ص: 40

ونحن لا نعرف قائداً - في كل التاريخ - فتح على نفسه أحد عشر جبهة، في آن واحد، وكتب له النصر، إلا أبا بكر رضي الله عنه

وقد صدق فيه قول ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:

كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا:

فالإسلام استطاع أن يجعل من لين أبي بكر، قوة وحزماً.

* عمر:

دخل الإسلام رجلاً،

ومع ذلك غيَّره الإسلام.

وسع الناس خيراً، وملأ الأرض عدلاً.

كانت ملوك الأرض تهتز عروشها لذكر اسمه،

يا مَن رأي عمرا تكسوه بردته

والزيت أدم له والكوخ مأواه

يهتز كسري على كرسيَّه فرقا.... من بأسه وملوك الروم تخشاه

ومع هذه القوة

كان يبكي لبكاء الطفل في حجر أمه، ويقول:

لعله يبكي من ظلم عمر.!!

وصدق فيه قول القائل: أرهق عمر من يأتي

ص: 41

بعده من حكام المسلمين.

فضلاً عن ورعه وعدله الذي صار فيهما مضرب المثل.

* عثمان:

دخل الإسلام بعد الثلاثين، فحوله الإسلام من تاجر يسعى وراء الربح، إلى رجل يتاجر مع الله، عندما آثر أن يوزع قافلته التجارية على الفقراء، رداً على مزايدات التجار الذين قالوا له: نعطيك ضعف ثمنها ربحاً.

قال عثمان: عندي من يدفع أكثر.

قالوا نعطيك ضعفين.

قال: عندي من يدفع أكثر.

ثم قال: لقد وزعتها في سبيل الله.

لقد جهز عثمان رضي الله عنه جيش العسرة، وهو أول جيش أعده النبي صلى الله عليه وسلم ليقاتل به دولة الروم، وكانت الجيوش قبل ذلك تقاتل في معارك محلية - عشائر أو قبائل. ولم تقاتل دولاًَ.

كأني أرى عثمان رضي الله عنه وهو يحمل الذهب في حجره، ويصبه في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فيقلب النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بيده، وينظر إلى الجيش الذي ينتظر المال، انتظار الظمآن للماء. ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم ما يضر عثمان ما عمل بعد اليوم. "رواه أحمد والترمذي"

ص: 42

فانظر كيف هانت الدنيا، وصغر المال في عين رجل حَّوله الإسلام.

* * *

* عليٌّ:

رباه النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ الرجولة وهو صبي.

وفاق مقياس البطولة في مرحلة الشباب.

كان أحفظ لمال المسلمين من وصي اليتيم الورع.

عاش لله، ومات في سبيل الله.

ومع أنه تربى من أول حياته في بيتى النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الدعوة الإسلامية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تجاوز علي سِنَّ السابعة.

* * *

* بلال:

عبد حبشي، ولد مكبلاً بأغلال الرق، وضعف العزيمة، وعندما اعتنق الإسلام، ربي فيه قوة العزيمة، والثبات على الحق، والجرأة فيه.

لقد كان يناقش عمر - وهو أمير المؤمنين - ويشتد

ص: 43

عليه في المناقشة، فيقول أمير المؤمنين:

اللهم اكفني بلالاً.

فانظر كيف حوَّله الإسلام من عبد تربى على السياط، وإطاعة الأمر، إلى رجل يناقش أمير المؤمنين، ويجادله الرأي.

* * *

* أسامة بن زيد:

جعل منه الإسلام قائداً لجيش كان فيه أبو بكر، وعمر من الجنود، مع إنه يومها لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره.

وعندما تهامس بعض الحاقدين عليه، واستكثروا على شاب - أبوه من العبيد - وهو في سن الشباب، أن يقود جيشاً فيه كبار الصحابة جنوداً، خرج النبي صلى الله عليه وسلم من فراش مرضه الأخير، وخطب في الناس، بما يثبت اللواء في يد أسامة، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن أسامة هو الحب بن الحب.. وكان ولاية أسامة، وتسليمه لواء المعركة.

آخر عمل عسكري قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يا أستاذ مكارم: الإسلام صنع المعجزات، وحول

ص: 44

نقاط الضعف إلى قوة، والقوة إلى رحمة، والرحمة إلى عزيمة.

واستطاع بهذه العزيمة أن يُغيّر سلوك الناس داخلياً، تغييره للجماعات والأمم.

فأين هذا الواقع المشرق، من قول "فرويد"؟

إن تجربة النبي صلى الله عليه وسلم العملية، ونجاحه

في إعداد الرجال، أصدق من ألف نظرية.

* * *

* ماعز:

نموذج خالد للضمير الحي.

زنى

ولكنه أصر على التوبة، وعلى دفع ثمن خطيئته.

أصر أن يقيم النبي صلى الله عليه وسلم عليه الحد.

وحاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعه عن عزمه،

ولكن إصراره كان أكبر.

أقيم عليه الحد. وفاضت روحه إلى خالقها. متوجها بتوبة، لو قسمت على أهل الأرض لوسعتهم.

جاء في (صحيح مسلم 3207) : أن الصحابة اختلفوا في مصير ماعز بن مالك، بعد أن أقيم عليه الحد، حتى مات فمن قائل يقول: لقد هلك. لقد أحاطت به خطيئته.

ص: 45

وقائل يقول ما توبة أفضل من توبة ماعز، فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ فَقَالُوا غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ ".

* * *

يا أستاذ مكارم:

هذه قوة أبي بكر، وعدل عمر وسخاء عثمان، وشجاعة علي، وجرأة بلال، وعبقرية أسامة الحربية، وتوبة ماعز.

كل هؤلاء، وآلاف على الحق غيرهم، قد رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحل بينهم وبين الكمال النفسي، أنهم تجاوزوا سن الشباب، قبل دخولهم الإسلام.

لقد غيرهم - الإسلام.

فانهض لعلاج ولدك، فإن الفرصة سانحة،

ولا تصدق دعوة الأفَّاك (فرويد) .

فإنه ماكر خدع العالم بفلسفته.

* * *

يا أستاذ مكارم:

إن الإسلام لم يزل في شبابه

وهو يستطيع اليوم أن يصنع كل ما صنعه بالأمس من معجزات.

ص: 46

إنه قرآن تضمنت دعوته الفضيلة والأخلاق.

وقد خالف منهج القرآن في التربية مناهج الفلاسفة الذين اكتفوا بوضع نظريات عقلية في الأخلاق لم يبللوها بندى العاطفة.

وجعلوا الأخلاق مثالية فقط، ولم يراعوا واقعية الناس، وتفاوتهم في القدرة على تحصيل الكمال.

ولكن القرآن جاء بالأخلاق الواقعية، وراعى تفاوت الناس في القدرة على التخلق.

وإن شاء الله في عطلة الربيع سوف نلتقي.

لندرس بعد آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم

في مجال التربية، لعل الله أن ينفع بها ولدك وأولاد المسلمين.

يا أستاذ مكارم:

ثق إنه لو بعث نبي اليوم - ومشاكل العالم كما ترى ونزل كتاب جديد من السماء، ما زاد حرفاً واحداً عن القرآن، ولا أحل حراماً حرمه القرآن.

لذلك اكتفت السماء برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبكتابه هادياً إلى الأبد.

ص: 47

لقد قالت السماء كلمتها الأخيرة.

فليس بعد الإسلام هدي.

يخرج مكارم: على أمل اللقاء، ناقلاً حديث الشيخ إلى الأصدقاء.

* * *

ص: 48