الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني
في هذا اللقاء:
* خالق النفس أولى بتربيتها.
* هل يستطيع العلم هداية الناس؟
* بناء الفرد بناء للأمة.
* العقل الذي يعنيه القرآن.
* قرآن للجميع.
* الحقيقة بلا فلسفة.
* جدل القرآن بين الشدة واللين.
* وإنَّا أو إيَّاكم.
دخل الشيخ عارف الصف الدراسي، فحيا تلاميذه تحية الإسلام، فرودا عليه بأحسن منه، وكتب على السبورة، "منهج القرآن في احترام العقل وتربيته" وبدأ الشيخ يشرح الدرس.
عارف: بمقدار علم المربي بأسرار النفس الإنسانية يقاس نجاحه في التربية.
والنفس الإنسانية صندوق مغلق.
وخالق النفس هو الأعلم باسرارها، والقرآن كتاب الله.
فإذا وضع القرآن منهجاً للتربية كان منجه خير منهج. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} وأنتم تعلمون يا أولادي أن مصمم جهاز التليفزيون هو أقدر الناس على إصلاحه - ولله المثل الأعلى -
وقد أثبتت التجربة التاريخية، أن القرآن استطاع أن يهدم دولة الأصنام إلى الأبد، في أقل من ربع قرن من الزمان.
سمير: كان يمكن للعلم الحديث أن يُحكم دولة الأصنام.
عارف: لو سلمَّنا بكلامك يا سمير، اللزم أن يعيش الناس ثلاثة عشر قرناً من الزمان في ضلال، وتيه، حتى
يحطم العلم الحديث الأصنام،
وأسألك يا سمير: هل استطاع العلم الحديث أن يقضي على عبادة البقر في الهند، أو أن يحرر الرجل في الصين من السجود لصنم "بوذا"؟
والأمر الأهم يا سمير.
إن العلم لو نجح في منع الناس من عبادة الأصنام.
فلن ينجح في هدايتهم لمنهج الله.
سمير: الحق معك يا فضيلة الشيخ.
عارف: وسوف أدرس لكم منهج القرآن في تربية العقل بشيء من التفصيل.
أدار الشيخ وجهه إلى السبورة، وكتب عليها "القرآن والعقل" ثم استدار إلى تلاميذه وقال: "
بناء الفرد صورة مصغرة لبناء الأمة.
لذلك جعل القرآن الكريم قتل الفرد ظلماً كقتل الناس جميعاً، وإحياءه - بتربيته على الحق، وإنقاذه من الضلال - إحياء للناس جميعاً.
قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ
نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} .
فالإنسان أُمَّة.
وإذا كان لابد للأمة من حاكم يتخير لها الطريق، ويزجر منحرفها، فالعقل الذي صنعه الإسلام، وربَّاه القرآن، هو ذلك الحاكم.
سمير: العقل كان موجوداً قبل الإسلام، وهو موجود عند غير المسلمين.
فكيف نتصور أن الإسلام هو الذي صنع العقل؟
عارف: إذا قلنا إن الإسلام احترم العقل، فنحن لا نعني بكلمة العقل القوة المدركة في الإنسان، والتي بغيرها يصبح الإنسان مجنوناً، لأن هذه القوة موجودة عند المسلمين، وغير المسلمين.
ولكننا نعني بكلمة العقل - في العُرف الإسلامي - "العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويُميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد.
وهو القوة التي إن فقدها الإنسان، لا يصبح مجنوناً،
ولكن يصبح جامد الفكر، متعنت الحكم، ضال الطريق"
اقرأ يا سمير كتاب "التفكير فريضة إسلامية"
للمرحوم عباس محمود العقاد.
* * *
والقرآن قبل أن يخاطب العقل، حاول أن يحطَِّم الأسوار
التي تعوق العقل عن أداء رسالته.
وذلك مثل عبادة التقاليد، وما ينشأ عن ذلك من احترام للعرف الخاطئ.
إن كثيراً من الناس إن ناقشتهم في قضية، قالوا لك: الحق معك، ولكن العرف جرى بما نفعله.
ولا نستطيع مخالفة العرف.
وقد صور القرآن حالهم فقال:
وقال تعالى:
فلاحظ أن إبراهيم عليه السلام ناقشهم مناقشة عقلية بارعة، فأدخلوا رؤوسهم في الرمال، وصدوا دعوته، لمجرد أنها تتصادم مع العرف الذي وجدوا عليه آباءهم.
سمير: هل يريد الإسلام أن يعزل المسلم عن العرف الجاري واحترام التقاليد؟
عارف: لا يا سمير، الإسلام اعترف بالعرف، بشرط ألا يأمر بمعصية، أو يشجع الناس على بدعة.
* * *
ثانياً: عَمِلَ الإسلام على تحطيم الستار عن تجار الدين، فقال تعالى:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} 31 التوبة.
سمير: هل عبد أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم؟
عارف: يا سمير سؤالك هذا سأله من قبلك عدى ابن حاتم الطائي
"وكان قبل إسلامه نصرانياً" فقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمعه يتلو الآية الكريمة فقال له:
عدى: إنهم لم يعبدوهم يا رسول الله.
فأجابه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فقال: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ
…
قال الآلوسي في تفسيره للآية:
الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من عبادة الأرباب، أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم. بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.
فالإسلام يحرر العقل من عبادة العرف، ويحرره من سلطان كل دعوة منحرفة، تحت أي شعار. ومن يدرس السيرة، يعرف قصة مسجد الضرار - الذي بناه المنافقون ليفرقوا صفوف المسلمين، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه، وكاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل دعوتهم، لولا أن الله فضح طويَّتهم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدم المسجد، قال تعالى:
* * *
ثالثاً:
وقد تصاب الأمم ببعض الحكام المتجبَّرين - الذين يعملون على فرض ربوبيتهم، وفرض فكرهم المنحرف.
وخلاص عقل المؤمن من فكر السلطان المنحرف يوضحه موضوع القصة في القرآن الكريم، وسندرسه قريباً إن شاء الله.
فالإسلام حرر العقل البشري من عبادة العرف.
والفكر الديني المنحرف.
وفكر السلطان الجائر.
وذلك تمهيداً لتربيته على الحق.
"يدق الجرس فيخرج الشيخ عارف"
* * *
يدخل الشيخ ويحيي تلاميذه ويكتب على السبورة (منهج القرآن في تربية العقل) وفي جانب السبورة يكتب العناوين الآتية: -
1-
تجنب القرآن لمنهج الفلاسفة
2-
كتاب للجميع.
3-
جدل القرآن بين الشدة واللين.
4-
{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}
ويبدأ الشيخ يشرح الدرس مستفتحاً بـ
" بسم الله الرحمن الرحيم ".
المنهج الأول:
تجنب القرآن أساليب الفلاسفة المعقدة، وقدم الحقائق الإيمانية في صورة قضايا مُسلمات، كقوله تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} ، وترك للواقع المشاهد أن يثبت بطلان نقيضها.
ذلك لأن تعامل جزئيات الكون مع بعضها، وتناسق أطرافه، ووحدة النظام القائم في السموات والأرض، كل هذا يؤكد وحدانية الله.
نبيل: يا فضيلة الشيخ ليس كل الناس يستطيع أن يُدرك هذه المعاني ليستدل بها على وحدانية الله
…
عارف: أحسنت يا نبيل
…
فقد استخدام القرآن أسلوب الحوار مع العقل لتنبيهه إلى هذه الحقائق.
قال تعالى:
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} "الطور من 35 - 43"
وقال تعالى:
بهذه المناقشة الهادئة يسوق القرآن الحقائق إلى العقل الإنساني فيلجئه إلى التسليم بمجرد أن يتجنب الجدل والعناد.
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 25 لقمان
فالقرآن عندما تجنَّب أساليب الفلاسفة المعقدة، ومناهج استدلالهم الجافة، وضح جزئيات العقيدة، حتى لا يترك للمسلمين مجالاً للتخمين والتفلسف، ودخول الغيب بغير دليلن مما يؤدى بهم إلى الفرقة (1) والاختلاف.
(1) قال الإمام الزركشي: إن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم يتخط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجل صورة تشتمل على أدق دقيق لتفهم العامة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة وتفهم الخواص من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الخطباء.
(البرهان. 2 / 24) .
إن هذه الأمة توحدت في الأرض يوم أن وحدت ربها في السماء، ولو بقيت هذه الأمة على منهج القرآن لما تفرقت شيعا وجماعات، يعلم الله أنها لم تختلف في أصل من أصول العقيدة وجوهرها.
إن هجوم الفلسفة اليونانية على الفكر الإسلامي في عصر الترجمة وما تلاه من عصور، شغل المسلمين كثيرا بدراسة ما وراء الطبيعة، والبحث في ذات الله، وما هي إلا ظنون وتخمينات، وطلاسم لفظية لا حقيقة لها ولا معنى، وقد أغنى الله المسلمين عنها، وكفاهم هذا البحث والتنقيب، بما ذكره القرآن صريحا في مسألة توحيد الله، والإيمان بصفاته.
أحضِر يا سمير كتاب " ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين " للأستاذ أبي الحسن الندوي.
" يفتح الشيخ الكتاب ص: 150، ويقرأ منه ما يؤيد رأيه "
إن المسلمين لم يشكروا هذه النعمة العظيمة - يعني
نعمة توضيح القرآن لجزيئات العقيدة وصيانتهم من أساليب الفلاسفة - وظل المسلمون قروناً طويلة يجاهدون في علوم "ما وراء الطبيعة" والبحث في "ذات الله" وصفاته ويُضيَّعون ذكاءهم في مباحث فلسفية لا تجدي نفعاً، ولا تأتي بنتيجة، وليس لها دعوة في الدنيا ولا في الآخرة.
اشتغلوا بمباحث الروح وفلسفة الإشراق، ومسائل وحدة الوجود، وبذلوا فيها قسطاً كبيراً من أوقاتهم وجهودهم وذكائهم وخرجوا منها بلا ثمرة ولا فائدة.
سمير: لكننا نرى كبار العلماء من الذين ثبت إخلاصهم لهذا الدين العظيم قد درسوا هذه العلوم وانشغلوا بها.
عارف: هؤلاء العلماء يا سمير
…
درسوا هذه العلوم ليردوا على أصحابها بلغتهم.
فقد كتب الإمام أبو حامد الغزالي كتابه العظيم - "تهافت الفلاسفة" فلم تستطع الفلسفة أن ترفع رأسها بعده.
كما كتب الإمام ابن تيمية كتابه العظيم (الرد على المنطقيين) والذي قال في مقدمته " إن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد ".
فعلماء المسلمين من أصحاب الفطنة درسوا علوم الفلاسفة ليردُّوا بها عليهم.
* * *
المنهج الثاني: -
حاول القرآن أن يستخدم مظاهر الطبيعية المعلومة لدى الناس وأن يجعل منها مقدمات عقلية ليوصل العقل إلى الحقيقة (2) .
(2) قال الإمام الرازي: إن القضايا العقلية المحضة يصعب العلم بها على سبيل الإحاطة التامة - إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال، وألفوا استحضارات المعقولات المجردة، ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر. من أجل ذلك لجأ القرآن إلى الطبيعة المحسوسة. ليجسد الدليل. حـ 4 ص 55 بتصرف.
وألفتُ أنظارَكم يا ابنائي إلى سر دقيق في مناقشة القرآن للعقل.
فالقرآن يسوق الدليل من الوضوح بحيث يفهمه رجل البادية، ورجل الشارع، وفي نفس الوقت إذا درسه العالم المتخصص يغرق في بحره العميق.
سمير: كيف يكون الكلام واضحاً للعوم. خفياً على الخواص؟
عارف: يا سمير
…
بالمثال يتضح المقال، ويفهم الأخيار. اقرأ قوله الله سبحانه وتعالى في سورة الواقعة:
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} ماذا فهمت من الآية؟
سمير: الآية واضحة، فالقرآن يسأل العقل البشري مَن الذي يحول النظفة إلى جنين؟
عارف: فهمك صحيح، ولكن أساتذة الطب إذا قرأوا الآية فإنهم سيدرسون النطفة ليتعرفوا على أسرارها. فيجدوا أن النطفة تحتوي على سائل منوي، وعلى حيوان منوي.
فإذا درسوا السائل المنوي وجدوا أن به مادة قلوية، احتار العلماء في سر وجودها، حتى قالوا: أن وجودها لا فائدة منه.
ولكن بعض الأساتذة المسلمين قام بدارسة سر هذا السائل، إيماناً منه بإن الله لم يخلق شيئاً عبثاً، فتوصل إلى نتيجة عظيمة: إن هذا "السائل المنوي" أودعه الله في النطفة لأن النطفة تمر بمنطقة ملوثة "بأحماض البول".
هذه الأحماض يمكن أن تقتل الحيوان المنوي.
من أجل ذلك أوجد الله هذه المادة القلوية لتتعادل مع بقايا "الأحماض البولية" فيصل الحيوان المنوي إلى قراره المكين آمناً.
سمير: سبحان الله!! {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}
صدق الله العظيم.
عارف: وعلماء الطب أيضاً يا سمير إذا درسوا الآية الكريمة، ودرسوا الحيوان المنوي وخصائصه العجيبة، وقدرته على نقل العوامل الوراثية إلى أجيال متعددة، حتى الأمراض الوراثية للزوج وأسلافه بنقلها الحيوان المنوي - الذي بلغ من الصغر بحيث لو جُمعت كل الحيوانات المنوية، التي خُلق منها العالم فإنه لا يزيد حجمها على نص قرص من الإسبرين، ومع ذلك فالحيوان المنوي شيء مستقل الشخصية كل الاستقلال عن الأب.
إذا درسوا ذلك علموا بعض مُراد الله من الآية الكريمة.
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} ؟
وعندما تدخل كلية الطب يا سمير، وتدرس أسرار الله في تكوين الجنين فستفهم عمق جدل القرآن، وأضع أيديكم على سر وحد من أسرار الله الذي تشير إليه الآية.
فالجنين في بطن أمه، ينمو نماء عجيباً وسريعاً، فحجمه يتصاعف في مدة الحمل حوالي 26 مليون مرة، في مدة لا تزيد على تسعة أشهر.
فهو في الليلة الأولى خلية واحدة.
وبعد مدة الحمل يصبح مخلوقاً كاملاً. مما جعل العلماء وبعد يقولون لو استمرت الزيادة بعد الولادة بنفس السرعة التي كانت عليها في بطن الأم، لبلغ حجم الرجل حجم المجموعة الشمسية كلها، إذا وصل العشرين من عمره.
سمير: (متعجباً) حجم المجموعة الشمسية كلها!!
عارف: نعم يا سمير، فالطفل في الليلة الأولى من الحمل حجمه 1/20.000.000 من الأوقية، وعند ولادته يكون حجمه 2 4/3 كغم أو 3 كغم، فمعنى ذلك أن حجمه في بطن أمه تضاعف ألوف الملايين من المرات اقرأ كتاب "بواتيق وأنابيب" للدكتور أحمد زكي ص 244.
ولكن الحياة لا تمضي في النمو على هذه الوتيرة، فهي لا تلبث أن تقف إلى حد وصورة معينين.
واقرأ كتاب "الطاقة الإنسانية للأستاذ أحمد حسين ص 160
فسترى بعض الأسرار التي تعنيها الآية.
وناهيك بكتاب "الطب محراب الإيمان" للدكتور خالص حلبي، لتعرف بعض ما يعنيه القرآن في قوله تعالى:{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} ؟.
يا سمير.... إن الله أنزل كتاباً واحداً، يتمتع العوام بفهمه، ويضيق عقل العلماء عن الإحاطة بسره، قم يا سمير وأحضر كتاب "النبأ العظيم" من المكتبة.
"يخرج سمير ويعود بالكتاب ويعطيه للشيخ عارف ويقرأ الشيخ
…
"
قال المرحوم محمد عبد الله دراز: - لو إنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب، ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم.
فأما إن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى العامة والخاصة، فيراها
كل منهم مقدرة على مقياس عقله، وعلى وفق حاجته.
فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم.
فهو قرآن واحد، يراه البلغاء أوفى كلامٍ بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم.
فهو متعة العامة والخاصة على السواء ميسر لكل من أراد.
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} .
يا سمير
…
بعد هذا الكلام الراقي، اقرأ ما قاله أبو عبد الله في كتابه (أقسام اللذات) والذي كتبه في آخر حياته، بعد أن جرب كل الأساليب الفلسفية، قال: لقد تأملت طرق الفلاسفة فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً.
ورأيت أقرب الطرق "طريق القرآن" سواء في الإثبات أو في النفي.
ففي الإثبات قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وفي النفي قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل ما عرفت من كتاب (الرد على المنطقيين لابن تيمية" ص 321)
* * *
يا أبنائي.... عندما ندرس "جدل القرآن" نرى القرآن
يلين بالحوار مرة، ويشتد به مرة أخرى، لأن بعض النفوس ينفع معها القول اللين، وبعضها تحتاج إلى زجر وتهديد.
فنرى القرآن يلين في الحديث فيقول:
فالحوار لين، والله يعزز كلامه بالقسم.
وفي بعض الأحيان، يشتد الحوار، وذلك لما يحدثه أسلوب الجلال من رهبة في النفس وانتباه للعقل.
فالله الذي يرحم الجنين عند خروجه من بطن أمه، ويلطف به وبأمه، {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} 12، 13 الرعد.
{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} 16، 17 فاطر
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} 29، 30 الملك.
فالأسلوب هنا شديد وأثره في النفس عميق لأن بعض النفوس ترهب ولا ترغب، كما يؤكد الأسلوب الشديد في الجدل، إن حياة الناس في خطر، وإن أمانهم الوحيد هو الدخول في رحمة الله وفي حماه.
* * *
"يجلس الشيخ على الكرسي، ويقول لتلاميذه: بقى موضوع المناظرات سأحدثكم عنه وأنا جالس".
عارف: يعرف المربون في كل عصر أن المناظرات مقبرة الحقيقة، وأن الجدل الشديد يدفع أحد المتجادلين أو كليهما إلى الإصرار على رأيه مع وضوح بطلانه كراهة الهزيمة.
ولأن الجدل الشديد يُغضب الإنسان، ويُغلق عقله
ومع إغلاق العقل لا تجدي المناقشة.
لذلك استخدم القرآن لوناً من المناقشة ترفع البغضاء من النفوس وتعدها لقبول الحق.
هذا المنهج هو طريقة "الاحتمالات".
فلاحظوا يا أبنائي أن جو المناقشة في الآيات هادئ.
كما تلاحظون أن القرآن يلمس نفوس الناس فعندما يوجه السؤال إليهم في قوله تعالى:
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} لا ينتظر منهم الإجابة، ويكلف النبي أم يجيب بقوله تعالى {قُلِ اللَّهُ} لأن حال الناس في الرخاء ينسون الله ولا يذكرون نعمه، بخلاف حالهم في البلاء والشدة.
فإنهم لا يجدون ملجأ إلا الله:
ثم يناقش عقولهم بمنهج "الاحتمالات" فيقول:
{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} 24 سبأ.
فالخصم عندما يسمع هذا الكلام تتهيأ نفسه للبحث عن الطرف الناجي. ويتفتح عقله لقبول المناقشة (3) .
فإذ تذكر مقدمة الآية وسأل نفسه:
من الذي يرزقنا من السموات - سحاباً - يحمل المطر إلى الذين يعيشون في الجبال العالية حيث لا تقوى الأنهار لرفع المياه إليهم ولا يقوى البشر إلا بشق الأنفس ويرزقنا من الأرض غذاء ودواء وكساء وزينة؟
إن استحضار هذه الصورة الذهنية، مع حيادية المناقشة هو أقرب لوصول العقل إلى الحقيقة.
(2) قال الفخر الرازي عند تفسيره للآية: هذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها وذلك لأن أحد المتناظرين إذا قال للآخر الذي تقوله خطأ، وأنت باعتقاد ذلك مخطئ.
فإن الطرف الثاني يغضب، وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلال الفكر لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض من المناقشة.
وأما إذا قال له بأن أحدنا لا شك في أنه مخطئ، والتمادي في الباطل قبيح، والرجوع إلى الحق أحسن، فإن الخصم يجتهد في النظر ويترك التعصب. "جـ 25 ص 257"
ومن أسلوب (الاحتمالات) أيضاً جاء قوله تعالى:
{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} الزخرف 33.
سمير: معلوم أن الله - سبحانه - ليس له ولد، فما سر الآية؟
عارف: رأي المفسرين في تفسير هذه الآية أن النبي، صلى الله عليه وسلم وهو أول العابدين، لو عَلِمَ أن لله ولدا لسارع إلى تقديسه، والاعتراف به. ولكن النبي أكد أن الرحمن ليس له ولد، فبَطَلت دعوى المشركين - بأن الملائكة بنات الله، ودعوى النصارى القائلين بأن المسيح ابن الله.
هذا رأي المفسرين يا سمير.
ولكن أستاذي الدكتور محمد بن فتح الله بدران رحمه الله له فهم جميل في الآية درَّسه لنا.
قال رحمه الله: لو أراد الله أن يتخذ ولداًَ هل سيقع اختياره على أي ولد؟ أو يصطفي أول العابدين؟
قلنا له: يصطفي أول العابدين؛ لأن الله يقول: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} 5 الزمر
قال الشيخ: ومن أول العابدين؟
قلنا له: محمد صلى الله عليه وسلم.
ابتسم الشيخ وقال:
إذن ظهر معنى قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} .
لكنني مع أني أول العابدين لست ابناً للرحمن فتكون النتيجة: إذا الرحمن ليس له ولد.
نبيل: هذا تفسير عظيم للآية.
عارف: يا نبيل هذا فهم للآية وليس تفسيراً لها.
سمير: هل هناك فارق بين الفهم والتفسير؟
عارف: التفسير علم عظيم لا يستطيعه إلا متخصص، وله قواعد ومصطلحات.
أما الفهم فمن حق أي إنسان أن يفهم القرآن على قدر استعداده.
هذا وفهمه لنفسه فقط (4)
(4) 1- التفسير هو البيان والتوضيح من كلمة (فَسَر) أي بَيَّنَ. وقيل إنه من كلمة (سَفَرَ) أي كشف. ومنه (امرأة سافرة) أي كاشفة عن وجهها، (والصبح إذا أسفر) إذا أضاء. ويشترط في المفسر للقرآن:
أ- صحة الاعتقاد، لأن أصحاب العقائد الفاسدة يؤولون الآيات، ويصرفونها عن معناها ليستدلوا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بها على باطلهم.
ب - أن يكون ملمًّا بالقرآن، حتى يفسر القرآن بالقرآن.
وهذا أعظم تفسير.
جـ - أن يكون عالماً بالتفسير المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته.
د- أن يكون واسع العلم باللغة العربية وعلومها، وذلك ليعرف التعبير المجازي والحقيقي، وليعرف موضع الحمل والمفردات من الإعراب.
هـ - أن يحيط بالعلوم المتعلقة بالقرآن، ويتمكن من دراستها.
كعلم القراءات، وعلم التوحيد، وعلم أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ. فإذا جَهِل الشخص هذه العلوم فمن حقه أن يَفهم القرآن، وليس من حقه أن يفسره.
أما الفهم فمن حق كل مسلم أن يفهم القرآن في حدود تفكيره وعلمه.
على أن يكون فهمه لنفسه فقط، ولمن يقتنع به.
وقد أثر منهج "الاحتمالات" في مناقشة العلماء وفي الشعر العربي.
فعندما أدعى بعض الناس أن الأجساد لا تبعث يوم القيامة.
قال المتنبي:
قال المنجِمَ والطبيب كلاهما
…
لا تَبَعث الأجسام قلت إليكما
إن صح قولكما فلستُ بخاسر
…
أو صحَ قولي فالنكالَ عليكما
وقد جاءني أحد الشباب يَنكرَ الآخرة فقلت له يحتمل أن يكون كلامك صحيحاً، ففرح الشاب وشعر إنه انتصر. فقلت له:
أنا رجل آمنت بالقيامة فابتعدت عن الزنا وعن السرقة، فعشت نظيف السيرة، مستريح النفس.
فإذا مت. ولم يبعثني الله - كما تقول - فما خسرت شيئاً
…
وإن بعثني الله فأنا في الجنة.
فأنا في الحالتين رابح، ما خسرت شيئاً بسبب إيماني.
أما أنت يا ولدي فماذا تفعل إذا فوجئت بأن القيامة حق.
وأن الله يبعث من في القبور؟
(عند ذلك سكت الشاب، وقال لي لقد احتطتَ لنفسك عندما آمنت بالآخرة، وخير لي أن أؤمن بالآخرة) .
* * *
وهناك طرق أخرى كثيرة لجدل القرآن أرجو أن تتعلموا منها كيف تناقشون الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، تجادلونهم بالتي هي أحسن (4) .
فإن الإسلام قضية عادلة غير أنه وقع في أيدي محامين فاشلين.
(4) 1- من ذلك ربط القرآن بين تكوين الجنين وبين البعث. لأن الذي خلقنا في ظلمة الأرحام، يعيدنا في بطن الأرض قال تعالى:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}
2-
من ذلك أيضاً - في غير موضوع البعث أن يثبت للعقل أن دعواه يترتب عليها أمر مستحيل. {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}
3-
سؤال المنكر أسئلة تثبت بطلان دعواه.
فعندما قال اليهود {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} لينكروا بذلك نزول القرآن من عند الله. سألهم القرآن {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} ؟ 91 الأنعام.
4-
أن يجيب القرآن في كلمة واحدة فيهدم بها عقيدة المشركين. {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} رد عليهم القرآن بكلمة واحدة فأبطل دعواهم قال تعالى: {وَخَلَقَهُمْ} .
فما دام الله قد خَلَقَ الجن فلا يجوز أن يجعلوهم شركاء لله.
فتدبر هذا الإيجاز العجيب، والوضوح التام، والبرهان الناصع، في جدل القرآن.