المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌باب ذوي الأرحام

‌باب ذوي الأرحام

ذوو الأرحام كل قريب ليس له فرض ولا تعصيب.

والقرابة أصول وفروع وحواشي.

فذوو الأرحام من الأصول هم:

1-

كل جد بينه وبين الميت أنثى، كأبي الأم وأبي الجدة.

2-

كل جدة أدلت بذكر بينه وبين الميت أنثى، كأم أبي الأم وأم أبي الجدة.

3-

كل جدة أدلت بأب أعلى من الجد، كأم أبي الجد. هذا المذهب، والصواب أن هذه من ذوات الفروض؛ لأنها مدلية بوارث فترث كأم الجد.

وذوو الأرحام من الفروع كل من أدلى بأنثى كأولاد البنات وأولاد بنات الابن

وذوو الأرحام من الحواشي هم:

1-

جميع الإناث سوى الأخوات، كالعمة والخالة وبنات الأخ وبنات الأخت وبنات العم.

2-

كل من أدلى بأنثى سوى الإخوة من الأم، كابن الأخت وبنته والعم لأم والخال.

3-

فروع الإخوة من الأم، كابن الأخ لأم وبنته.

وكل من أدلى بأحد من ذوي الأرحام فهو منهم.

وقد اختلف العلماء في توريث ذوي الأرحام؛ فقال مالك

ص: 72

والشافعي: لا يرثون. وقال أبو حنيفة وأحمد: يرثون، بشرط أن لا يوجد عاصب ولا ذو فرض يُرَدُ عليه، وهذا مروي عن عمر وعلي وأبي عبيدة وعمر بن عبد العزيز وعطاء وغيرهم، وهو الصواب؛ لقوله تعالى:{وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ."لأنفال: من الآية75".، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ابن أخت القوم منهم". رواه البخاري ومسلم"1"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"الخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه"2".

ونصوص الكتاب والسنة في توريثهم إما مجملة كالآية، وإما في فرد واحد منهم كالحديث، فمن ثَمَّ اختلف القائلون بتوريثهم على ثلاثة أقوال:

أحدها: اعتبار قرب الدرجة؛ فمن كان أقرب إلى الوارث

1 رواه البخاري "3528" كتاب المناقب، باب ابن أخت القوم منهم، ومولى القوم منهم.

ومسلم "1059" بعد "133" كتاب الزكاة، 46- باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوي إيمانه.

2 أخرجه الإمام أحمد "4/131" والترمذي "2103" كتاب الفرائض، 12- باب ما جاء في ميراث الخال.

وقال: حسن صحيح. وأبو داود "2899" كتاب الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام.

والنسائي "6351" كتاب الفرائض، 15- توريث الخال.

وابن ماجه "2737" كتاب الفرائض، 9- باب ذوي الأرحام.

وصحيح أبو عوانة "3/446" وابن حبان "6035".

والحاكم "4/382" وابن الجارود "964" والضياء "74"، وحسنه البزار "1/376 - البحر".

وضعفه ابن معين والبهقي.

ص: 73

كان أولى بالميراث من أي جهة كانت، وحجة هذا القول قوله تعالى:{وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} . "الأنفال: 75".، ومتى اعتبرنا الأولوية كان الأقرب أولى.

القول الثاني: اعتبار قرب الجهة، وهذا مذهب أبي حنيفة فيجعل الجهات أربعاً: بنوة ثم أبوة ثم أخوة ثم عمومة، فمتى كان في الجهة الأولى وارث من ذوي الأرحام لم يرث أحد من الجهة التي بعدها قياساً على الإرث بالتعصيب، ويسمى هذا المذهب مذهب أهل القرابة، قاله في "المغني" ص232 ج6.

القول الثالث: اعتبار التنزيل فينزل كل واحد من ذوي الأرحام منزلة من أدلى به، ثم يقسم المال بين المدلى بهم، فما صار لكل واحد أخذه المدلى، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.

وإليك مثالاً يظهر به أثر الخلاف:

فلو هلك هالك عن بنت بنت بنت، وبنت أخٍ لغير أم: فالمال لبنت الأخ على القول الأول؛ لأنها أقرب إلى الوارث، ولبنت البنت على القول الثاني؛ لأنها أسبق جهة، وبينهما نصفين على القول الثالث؛ لأن بنت البنت بمنزلة البنت فلها النصف فرضاً وبنت الأخ بمنزلته فلها الباقي تعصيباً.

ذكر هذا المثال في "المغني" صفحة "235" ج"6" من الطبعة المفردة ونحوه في "العذب الفائض" صفحة "23 ج"2"

أحوال ذوي الأرحام

أحوال ذوي الأرحام ثلاث:

الأولى: أن يكون الموجود واحداً فله جميع المال بالتعصيب إن أدلى بعاصب، وبالفرض والرد إن أدلى بذي فرض.

ص: 74

فلو هلك هالك عن بنت أخ شقيق: فلها المال كله تعصيباً. ولو هلك عن بنت أخ لأم: فلها السدس فرضاً والباقي رداً.

الثانية: أن يكون الموجود اثنين فأكثر والمُدْلَى به واحد، فلهم جميع المال أيضاً؛ لأن المُدْلَى به إما عاصب يحوز جميع المال بالتعصيب، وإما صاحب فرض يستحق جميع المال فرضاً وردّاً. ثم يقسم المال بين هؤلاء الجماعة كان المُدْلَى به مات عنهم، غير أن الذكر والأنثى سواء على المشهور من مذهب أحمد.

فلو هلك هالك عن ابن بنت أخ شقيق، وأخته: فالمال بينهما تعصيباً؛ لأن جدهما يرثه كذلك، لكن الذكر والأنثى سواء.

ولو هلك هالك عن ثلاثة أخوال متفرقين: فالمال للخال لأم والخال الشقيق فرضاً وردّاً؛ لأنهما مدليان بالأم وهي ترثه كذلك، فللخال لأم السدس؛ لأنه أخ الأم من الأم والباقي للخال الشقيق، لأنه أخ الأم الشقيق ولا شيء للخال لأب؛ لأنه محجوب بالخال الشقيق. ولو كان بدل الخال الشقيق خالة شقيقة، لكان لها النصف؛ لأنها أخت الأم الشقيقة، وللخال لأم السدس؛ لأنه أخ الأم من الأم، والباقي للخال لأب؛ لأنهم يرثون الأم كذلك لو ماتت عنهم.

الحال الثالثة: أن يكون الموجود من ذوي الأرحام اثنين فأكثر، والمدلى بهم اثنان فأكثر؛ فنقسم المال أولاً بين المدلى بهم كان الميت مات عنهم، ومن سقط منهم سقط من يدلى به، ثم نقسم نصيب كل واحد من المدلى بهم على من يدلون به على حسب إرثهم منه، غير أن الذكر والأنثى سواء.

فلو هلك هالك عن ابن بنت، وخالة، وبنت أخ لأم، وبنت

ص: 75

أخ لأب: فاقسم المال أولاً بين المدلى بهم؛ وهم بنت وأم وأخ لأم وأخ لأب؛ فللبنت النصف يأخذه ابنها، وللأم السدس تأخذه الخالة، والباقي للأخ لأب تأخذه ابنته، ولا شيء للأخ لأم؛ لأن البنت تحجبه فلا يكون لابنته شيء.

ولو هلك عن ثلاث خالات متفرقات، وثلاث عمات متفرقات، فالخالات يدلين بالأم فلهن الثلث، والعمات يدلين بالأب فلهن الباقي، ثم اقسم الثلث بين الخالات يكن للشقيقة ثلاثة، وللتي لأب واحد، وللتي لأم واحد، واقسم الباقي بين العمات يكن للشقيقة ثلاثة وللتي لأب واحد، وللتي لأم واحد، وبهذا صار الثلث للخالات أخماساً والثلثان للعمات أخماساً.

ولو هلك هالك عن ابني بنت، وبنت بنت أخرى، وبنت عم: فابنا البنت الأولى مدليان ببنت، وبنت البنت الثانية مدلية ببنت أخرى وبنت العم مدلية بالعم؛ فيكون لابني البنت الأولى نصيب أمهما ثلث، ولبنت البنت الثانية نصيب أمها ثلث، ولبنت العم الباقي نصيب أبيها.

جهات ذوي الأرحام

لما كانت القرابة أصولاً وفروعاً وحواشي؛ جعل أصحاب الإمام أحمد في المشهور عند المتأخرين منهم جهات ذوي الأرحام ثلاثاً "أبوة وأمومة وبنوة".

فالأبوة يدخل فيها جميع من يدلي بالأب من الأجداد والجدات والحواشي الذين لا فرض لهم ولا تعصيب، كأبي أم الأب، والعمات، والعم لأم، وبنات الإخوة لغير أمٍّ، وأولاد الأخوات لغير أم، وبنات الأعمام، ومن أدلى بواحد من هؤلاء.

ص: 76

والأمومة يدخل فيها جميع من يدلي بالأم من الأجداد والجدات والحواشي، الذين لا فرض لهم ولا تعصيب، كأبي الأم، والأخوال، والخالات، وأولاد الإخوة لأم، ومن أدلى بواحد من هؤلاء.

وظاهر المذهب أن أولاد الإخوة لأم من جهة الأبوة، والصحيح ما قدمنا؛ فإن الإخوة لأم وفروعهم لا صلة لهم بالأب إطلاقاً.

والبنوة يدخل فيها جميع الفروع الذين لا فرض لهم ولا تعصيب، وهم مَنْ بَيْنه وبين الميت أنثى كأولاد البنات وأولاد بنات الابن ومن أدلى بهم.

فإذا اجتمع اثنان فأكثر في جهة فأيهما وصل إلى الوارث أولاً حجب الآخر، وإن كانا في جهتين ألحقنا كل واحد بالوارث الذي أدلى به مهما بعدت درجته، ثم قسمنا المال بين المدلى بهم، فما صار لكل واحد أخذه المدلي، كما سبق.

فلو هلك هالك عن بنت بنت، وبنت بنت بنت، وبنت بنت بنت عم: فلبنت البنت النصف؛ لأنها بمنزلة البنت؛ والباقي لبنت بنت بنت العم؛ لأنها بمنزلة العم؛ ولا شيء لبنت بنت البنت؛ لأن بنت البنت أقرب إلى الوارث منها فتحجبها لكونها في جهتها، ولم تحجب بنت العم النازلة؛ لأنها ليست في جهتها.

ولو هلك عن بنت بنت أخ شقيق، وبنت عم شقيق فالمال لبنت العم؛ لأنها أقرب إلى الوارث والجهة واحدة.

ولو هلك عن بنت بنت، وبنت خال، وبنت بنت عمة: فالأقرب إلى الوارث بنت البنت، ثم بنت الخال، لكن لما كانت

ص: 77

الجهات متعددة لم يسقط الأبعد بالأقرب، فنلحق كل واحد بمن أدلى به من الورثة؛ يكن لبنت البنت النصف؛ لأنها بمنزلة البنت ولبنت الخال السدس؛ لأنها بمنزلة الأم، ولبنت بنت العمة السدس فرضاً والباقي تعصيباً لأنها بمنزلة الأب.

فوائد:

الفائدة الأولى: سبق أن ذوي الأرحام لا يرثون إلا بشرط أن لا يوجد عاصب ولا ذو فرض يرد عليه، فلو وجد عاصب أو ذو فرض يرد عليه فلا شيء لذوي الأرحام.

فلو هلك عن عم لغير أم، وعمة: فالمال للعم بالتعصيب ولا شيء للعمة.

ولو هلك عن أخ لأم، وعمة: فالمال للأخ فرضاً ورداً ولا شيء للعمة.

فإن كان صاحب الفرض لا يرد عليه وهو الزوج والزوجة، لم يمنع ذلك ميراث ذوي الأرحام، ويعطى الزوج أو الزوجة نصيبه كاملاً فلو هلكت امرأة عن زوج، وبنت بنت: فللزوج النصف ولبنت البنت النصف

ولو هلك رجل عن زوجة، وبنت بنت: فللزوجة الربع ولبنت البنت النصف فرضاً والباقي رداً.

الفائدة الثانية: سبق أن الذكر والأنثى في باب ذوي الأرحام سواء؛ وعلل الأصحاب ذلك بأنهم يرثون بالرحم المجردة فاستوى ذكرهم وأنثاهم كأولاد الأم.

وعن أحمد رواية أن للذكر مثل حظ الأنثيين إلا من يدلي بأولاد الأم فذكرهم وأنثاهم سواء كمن أدلوا به، وهذه الرواية

ص: 78

قوية الدليل؛ لأن ذوي الأرحام يرثون بغيرهم، فينبغي أن يعطوا حكم من أدلوا به، فإذا أدلوا بمن يفضل ذكرهم على أنثاهم فضل الذكر على الأنثى، وإن أدلوا بمن لا يفضل ذكرهم على أنثاهم لم يفضل الذكر.

فلو هلك هالك عن ابن أخت شقيقة، وأخته وابن أخت لأم، وأخته، وبنت عم شقيق: فلابن الأخت الشقيقة وأخته النصف بالسوية على المذهب، أو للذكر مثل حظ الأنثيين على الرواية الثانية ولابن الأخت لأم وأخته السدس بالسوية على كلتا الروايتين، والباقي لبنت العم.

الفائدة الثالثة: المشهور من المذهب"1" أنه إذا كان لذي الرحم جهتا إرث يدلي بهما اعتبر أقواهما إرثاً، فيجعلون العمة بمنزلة الأب لا بمنزلة الجد أو الجدة أو العم كما قيل بذلك.

فلو هلك هالك عن عمة، وبنت أخ شقيق: فالمال للعمة على المذهب؛ لأنها بمنزلة الأب، وبنت الأخ بمنزلة الأخ. وعلى القول الثاني المال بينهما إن قلنا بميراث الإخوة مع الجد وإلا فللعمة. وعلى القول الثالث للعمة السدس؛ لأنها بمنزلة الجدة، والباقي لبنت الأخ؛ لأنها بمنزلة الأخ. وعلى القول الرابع المال لبنت الأخ؛ لأنها بمنزلته فتحجب العمة؛ لأنها بمنزلة العم.

ويحتمل أن يعتبر أقواهما اتصالاً بالمدلى به إذا كان وارثاً، فنجعل العمة بمنزلة أبيها الجد؛ لأنها فرعه كما جعلنا بنت الأخ بمنزلة أبيها الأخ، ونجعل العم لأم بمنزلة أمه الجدة أم الأب؛

1 انظر: "المغني""6/206".

ص: 79

لأنه فرعها فهو أقوى صلة بها من الأب، وهذا الاحتمال من عندي وبه أقول إن لم يمنع منه إجماع.

الفائدة الرابعة: ليس فائدة كون الشخص من جهة الأبوة أو الأمومة أو البنوة أنه يرث ميراث الأب أو الأم أو الولد؛ لأنه إنما يرث ميراث أول وارث يتصل به ويدلي به، ولكن فائدة ذلك معرفة الحاجب من المحجوب، فإنهما إذا كانا في جهة واحدة حجب الأقرب الأبعد، وإن كانا في جهتين فأكثر ألحق كل واحد بمن أدلى به، وإن بعد فلا يسقط الأبعد في جهة بالأقرب في جهة أخرى، فأبو أم الأم يرث ميراث أم الأم لا ميراث الأم، وبنت العم الشقيق ترث ميراث العم لا ميراث الأب وابن بنت الابن يرث ميراث بنت الابن لا ميراث الابن.

ص: 80