الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة النور (40) المستويةُ وقيل هي جمعُ قاعٍ كجيرة جمعُ جارٍ وقُرىء بقيعاتٍ بتاء ممدودةٍ كديماتٍ إمَّا على أنَّها جمعُ قيعةٍ أو على أنَّ الأصلَ قيعة قد أُشبعت فتحةُ العينِ فتولَّد منها ألِفٌ {يَحْسَبُهُ الظمان مَاء} صفةٌ أخرى لسرابٍ وتخصيص الحسبان بالظَّمآن مع شموله لكلِّ مَن يراه كائنا من كان من العطشانِ والريَّانِ لتكميل التَّشبيهِ بتحقيق شركة طرفيه في وجهِ الشَّبهِ الذي هو المطلع المطمع والمقطع الموئس {حتى إذا جاءه} أي إذا جاءَ العطشانُ ما حَسِبَه ماءً وقيل موضعَه {لَمْ يَجِدْهُ} أي ما حسبَه ماءً وعلَّق به رجاءه {شيئا} أصلالا محقَّقاً ولا متوهَّماً كما كان يراهُ من قبلُ فضلاً عن وجدانه ماء وبه تمَّ بيانُ أحوالِ الكفرة بطريق التَّمثيل وقوله تعالى {وَوَجَدَ الله عِندَهُ فوفاه حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب} بيانٌ لبقيَّة أحوالِهم العارضة لهم بعد ذلك بطريقِ التَّكملة لئلَاّ يتوَّهم أنَّ قُصارى أمرِهم هو الخيبةُ والقنوط فقطْ كما هُوَ شأنُ الظَّمآنِ ويظهر أنَّه يعتريهم بعد ذلك التَّمثيل من عدمِ وجدان الكَفَرةِ من أعمالِهم المذكُورةِ عيناً ولا أثراً كما في قوله تعالى وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً كيف لا وأنَّ الحكم بأنَّ أعمالَ الكَفَرة كسرابٍ يحسبه الظمآنُ ماء حتَّى إذا جاءه لم يجدُه سيئا حكمٌ بأنَّها بحيث يحسبونَها في الدُّنيا نافعةً لهم في الآخرة حتَّى إذا جاءوها لم يجدُوها شيئاً كأنه قيل حتى إذا جاء الكَفَرةُ يومَ القيامةِ أعمالَهم التي كانُوا في الدُّنيا يحسبونها نافعةً لهم في الآخرة يجدُوها شيئاً ووجدُوا الله أي حكمَهُ وقضاءَهُ عند المجيءِ وقيل عند العملِ فوفَّاهم أي أعطاهُم وافياً كاملاً حسابَهم أي حسابَ أعمالِهم المذكورةِ وجزاءها فإنَّ اعتقادَهم لنفعها بغير إيمانٍ وعملهم بموجبه كفرٌ على كفره وجب للعقاب قطا وإفرادُ الضَّميرينِ الرَّاجعينِ إلى الذين كفروا إمَّا لإرادة الجنس كالضمان الواقع في التَّمثيلِ وإمَّا للحملِ على كلِّ واحدٍ منهم وكذا إفرادُ ما يرجع إلى أعمالِهم هذا وقدفيل نزل في عُتْبةُ بنُ ربيعةَ بنِ أُميَّة كان قد تعبَّد في الجاهليَّةِ وليس المسوحَ والتمسَ الدِّينَ فلمَّا جاء الإسلامُ كفرَ
{أَوْ كظلمات} عطفٌ على كسراب وكلمة للتَّنويع
40
إثرَ ما مُثِّلت أعمالُهم التي كانُوا يعتمدونَ عليها أقوى اعتمادٍ ويفتخرون بها في كلِّ وادٍ ونادٍ بما ذُكر من حال السَّرابِ مع زيادةِ حسابٍ وعقابٍ مُثِّلتْ أعمالُهم القبيحةُ التي ليس فيها شائبةٌ خيريَّةٌ يغترُّ بها المغترُّون بظلماتٍ كائنة {فِى بَحْرٍ لُّجّىّ} أي عميقٍ كثيرِ الماءِ منسوبٍ إلى اللُّجِّ وهو معظمُ ماءِ البحرِ وقيل إلى اللُّجَّةِ وهي أيضاً معظمُه {يغشاه} صفة أُخرى للبحر أي يسترُه ويُغطِّيه بالكُلِّية {مَوْجٍ} وقوله تعالى {من فوقه مَوْجٌ} جملةٌ مِن مبتدأ أو خبر محلُّها الرَّفعُ على أنَّها صفةُ لموجٌ أو الصِّفةُ هي الجارُّ والمجرورُ وموجٌ الثَّانِي فاعلٌ له لاعتمادِه على الموصوفِ والكلامُ فيهِ كما مرَّ في قوله تعالى نُّورٌ على نُورٍ أي يغشاهُ أمواجٌ متراكمةٌ متراكبةٌ بعضُها على بعضٍ وقوله تعالى {من فوقه سَحَابٌ} صفةٌ لموجٌ الثَّاني على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ من فوق ذلك الموجِ سحابٌ ظلمانيٌّ ستَر أضواءَ النُّجومِ وفيه إيماءٌ إلى غاية تراكم الأمواج وتضاعيفها حتى كأنها بلغت
سورة النور (41) السحاب {ظلمات} حبر مبتدأٍ محذوفٍ أيْ هيَ ظلماتٌ {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} أي متكاثفة متراكمة وهذا بيان لكمال شدَّةِ الظُّلماتِ كما أن قوله تعالى نُورٍ بيانٌ لغاية قُوَّةِ النُّورِ خلا أنَّ ذلك متعلِّق بالمشبَّهِ وهذا بالمشبَّه به كما يُعرِبُ عنه ما بعده وقُرىء بالجرِّ على الإبدالِ من الأُولى وقُرىء بإضافةِ السَّحابِ إليها {إِذَا أَخْرَجَ} أي مَن ابتُليَ بها وإضمارُه من غير ذكرِه لدلالة المَعْنى عليه دلالةً واضحة {يَدَهُ} جعلها بمرأى منه قريبةً من عينه لينظرَ إليها {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} وهي أقربُ شيءٍ منه فضلاً عن أنْ يراها {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً} الخ اعتراضٌ تذييليٌّ جىءَ به لتقدير ما أفاده التَّمثيلُ من كون أعمالِ الكَفَرةِ كما فُصِّل وتحقيق أنَّ ذلك لعدمِ هدايتِه تعالى إيَّاهم لنورِه وإيرادُ الموصولِ للإشارة بما في حيز الصلة إلى علة الحكم وأيهم ممَّن لم يشأ الله تعالى هدايتهم أي مَن لم يشأ الله أنْ يهديَه لنوره الذي هُو القرآنُ هدايةً خاصَّةً مستتبعة للاهتداء حتماً ولم يوقفه للإيمان به {فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} أي فما له هدايةٌ ما من أحدٍ أصلاً وقوله تعالى
{أَلَمْ تَرَ} الخ استئنافٌ خُوطبَ بهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم للإيذان بأنه تعالى أفاض عليه صلى الله عليه وسلم أعلى المراتب النُّور وأجلاها وبيَّن له من أسرار الملك الملكوت وأدقها وأخفَاها والهمزةُ للتَّقرير أي قد علمت عملا يقينيّاً شبيهاً بالمشاهدة في القوَّة والرَّصانةِ بالوحي الصَّريحِ والاستدلالِ الصَّحيحِ {أَنَّ الله يُسَبّحُ لَهُ} أي ينزهه تعالى على الدَّوام في ذاتِهِ وصفاتِه وأفعالِهِ عن كل مالا يليقُ بشأنه الجليلِ من نقص أو خللٍ {مَن في السماوات والأرض} أي ما فيهما إما بطريف الاستقرارِ فيهما من العُقلاء وغيرِهم كائناً ما كان أو بطريق الجزئية منهما تنزيها تفهمه العقولُ السَّليمةُ فإنَّ كل موجود من الموجودات المُمكنة مُركبّاً كان أو بسيطاً فهو من حيثُ ماهيته ووجود أحواله يدلُّ على وجود صانعٍ واجبِ الوجود متَّصفٌ بصفاتِ الكمال مقدَّسٌ عن كلِّ مالا يليق بشأن من شئونه الجليلةِ وقد نبَّه على كمالِ قُوَّةِ تلك الدِّلالةِ وغاية وضوحِها حيثُ عبَّر عنها بما يخص العقلاء من التَّسبيح الذي هو أقوى مراتب التَّنزيه وأظهرها تنزيلاً للسان الحالِ منزلةَ لسانِ المقالِ وأكَّدَ ذلك بإيثار كلمةِ مَن على مَا كأنَّ كلَّ شيءٍ ممَّا عزَّ وهان وكلَّ فردٍ من أفراد الأعراضِ والأعيان عاقلٌ ناطقٌ ومخبرٌ صادقٌ بعلُّوِ شأنِه تعالى وعزَّةِ سُلطانه وتخصيصُ التَّنزيه بالذِّكر مع دلالةِ ما فيهما على اتِّصافِه تعالى بنعوتِ الكمالِ أيضاً لما أنَّ مساقَ الكلامِ لتقبيح حال الفكرة في إخلالهم بالتَّنزيه بجعلهم الجماداتِ شركاءَ له في الأُلوهيَّةِ ونسبتهم إيَّاه إلى اتخاذ الولد تعالى عن ذلكَ عُلُّواً كبيراً وحملُ التَّسبيح على ما يليقُ بكلِّ نوعٍ من أنواع المخلوقات بأن يرادبه معنى مجازيٌّ شاملٌ لتسبيحِ العُقلاءِ وغيرهم حسبما هو المتبادرُ من قوله تعالى كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ يردُّه أنَّ بعضاً من العُقلاءِ وهم الكفرةُ من الثَّقلينِ لا يسبِّحونَهُ بذلك المعنى قطعاً وإنَّما تسبيحُهم ما ذُكر من الدِّلالةِ التي يُشاركهم فيها غيرُ العُقلاءِ أيضاً وفيه مزيد تخطئة لهم وتعيير ببيان أنَّهم يسبِّحونه تعالى باعتبارِ أخسِّ جهاتهم التي هي الجماديَّةُ والجسميَّةُ والحيوانيَّةُ ولا
يسبِّحونه باعتبارِ أشرفها التي هي الإنسانيَّةُ {والطير} بالرَّفعِ عطفاً على مَن وتخصيصُها بالذكر مع اندارجها في جُملة ما في الأرض لعدم استقرار قراها واستقلالها بصنعٍ بارعٍ وإنشاءٍ رائعٍ قُصد بيانُ تسبيحها من تلك الجهةِ لوضوح إنبا عن كمال قُدرةِ صانعِها ولطفِ تدبير مُبدعِها حسبما يعرب عنه التقيد بقوله تعالى {صافات} أي تسبيحه تعالى حال كونِها صافاتٍ أجنحتَها فإنَّ إعطاءه تعالى للأجرام الثَّقيلةِ ما تتمكنُ من الوقوف في الجوِّ والحركةِ كيف تشاءُ من الأجنحةِ والأذنابِ الخفيفةِ وإرشادها إلى كيفية استعمالهما بالقبضِ والبسط حجَّةٌ نيِّرةٌ واضحة المكنونِ وآيةٌ بيِّنة لقومٍ يعقلون دالَّةٌ على كمالِ قُدرة الصَّانعِ المجيد وغاية حكمة المبتدىء المُعيدِ وقولُه تعالى {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} بيانٌ لكمالِ عراقةِ كلِّ واحدٍ مما ذكر في التَّنزيه ورسوخ قدمِه فيه بتمثيل حالِه بحالِ مَن يَعلمُ ما يصدرُ عنه من الأفاعيلِ فيفعلها عن قصدٍ ونيَّةٍ لا عن اتفاقٍ بلا رويَّةٍ وقد أدمج في تضاعيفِه الإشارة إلى أنَّ لكلِّ واحدٍ من الأشياء المذكورةِ مع ما ذُكر من التَّنزيه حاجةً ذاتيَّةً إليه تعالى واستفاضه من لا يهمه بلسان استعدادِه وتحقيقه أنَّ كلَّ واحدٍ من الموجُوداتِ الممكنةِ في حدِّ ذاته بمعزلٍ من استحقاقِ الوجودِ لكنَّه مستعدٌّ لأنْ يفيضَ عليه منه تعالى ما يلقى بشأنه من الوجودِ وما يتبعه من الكمالاتِ ابتداءً وبقاء فهو مستفيضٌ منه تعالى على الاستمرار ففيض عليه في كلِّ آنٍ من فيوض الفُنونِ المتعلِّقةِ بذاته وصفاته مالا يحيط به نطاق البيان بحيثُ لو انقطعَ ما بينه وبين العناية والربانية من العلاقة لانعدم بالمدة وقد عبَّر عن تلك الاستفاضةِ المعنويَّةِ بالصَّلاةِ التي هي الدُّعاءُ والابتهالُ لتكميل التَّمثيل وإفادة المزايا المذكُورة فيما مرَّ على التَّفصيلِ وتقديمُها على التَّسبيحِ في الذكر لقدمها عليه في الرتبة وهذا ويجور أنْ يكونَ العلمُ على حقيقتِه ويراد به مطلقُ الإدراكِ وبما ناب عنه التَّنوينُ في كلِّ أنواع الطير وأفرادها بالصلاة وبالتسبيح ما ألهمه الله تعالى كلُّ واحدٍ منها من الدُّعاءِ والتَّسبيحِ المخصوصينِ بِهِ لكنْ لا على أن يكونَ الطَّيرُ معطُوفاً على كلمة مَن مرفوعاً برافعِها فإنَّه يؤدِّي إلى أنْ يُرادَ بالتَّسبيح معنى مجازيٌّ شاملٌ للتَّسبيحِ المقاليِّ والحاليِّ من العُقلاءِ وغيرهم وقد عرفتَ ما فيه بل بفعل مُضمرٍ أريد به التَّسبيحُ المخصوص بالطَّيرِ معطوف على المذكورِ كما مرَّ في قولِه تعالى وَكَثِيرٌ من الناس أي تسبح الطَّيرِ تسبيحاً خاصًّا بها حال كونها صافات أجنحتها وقوله تعالى قل قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ أي دعاه وتسبيحَه اللَّذينِ ألهمهما الله عز وجل إيَّاه لبيان كمال رُسوخه فيهما وأنَّ صدورَهما عنه ليس بطريقِ الاتفاق بلا رويَّةٍ بل عن علمٍ وإيقانٍ من غير إخلالٍ بشيءٍ منهما حسبما ألهمَه الله تعالى فإنَّ إلهامَه تعالى لكلِّ نوعٍ من أنواعِ المخلوقاتِ علوماً دقيقةً لا يكادُ يهتدِي إليه جهابذةُ العُقلاءِ ممَّا لا سبيلَ إلى إنكارِه أصلا كيف لا وإن القُنفذَ مع كونه أبعدَ الأشياءِ من الإدراك قالُوا إنَّه يحسُّ بالشَّمالِ والجَنوبِ قبل هبوبِها فيغير المدخلَ إلى حجرة حتَّى رُوي أنَّه كان بقُسطنطينيَّةَ قبل الفتحِ الإسلاميِّ رجلٌ قد أثرى بسببِ أنَّه كان يُنذر النَّاسَ بالرِّياحِ قبل هبوبِها وينتفعون بإنذارِه بتدارُكِ أمورِ سفائنِهم وغيرها وكانَ السَّببُ في ذلك أنَّه كان يقتنِي في دارِه قُنفذاً يستدلُّ بأحوالِه على ما ذُكر وتخصيص تسبيحِ الطَّيرِ بهذا المَعْنى بالذِّكرِ لما أنَّ أصواتَها أظهرُ وجُوداً وأقربُ حملاً على التَّسبيحِ وقولُه تعالَى {والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} أي ما يفعلونَهُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله وما على الوجه الأوَّل عبارةَ عمَّا ذُكر من الدِّلالة الشَّاملةِ لجميع الموجُوداتِ من العُقلاءِ وغيرِهم والتَّعبيرُ عنها بالفعل مسنداً
سورة النور (42 43) إلى ضميرِ العُقلاء لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ وعلى الثَّاني إمَّا عبارة عنها عن التَّسبيح الخاصِّ بالطَّير معاً أو تسبيح الطَّيرِ فقط فالفعلُ على حقيقته وإسناده إلى ض لما مرَّ والاعتراضُ حينئذٍ مقررٌ لتسبيح الطَّيرِ فقط وعلى الأوَّلينِ لتسبيح الكلِّ هذا وقد قيلَ إنَّ الضَّمير في قولِه تعالى وقد علم الله عز وجل وفي صلاته وتسبيحه لكلٌّ أي قدْ علَم الله تعالَى صلاةَ كلِّ واحدٍ مما في السماوات والأرضِ وتسبيحه فالاعتراضُ حينئذٍ مقررٌ لمضمونه على الوجهينِ لكن لأعلى أنْ تكونَ ما عبارةً عمَّا تعلَّق به علمُه تعالى من صلاتِه وتسبيحِه بل عن جميع أحوالِه العارضةِ له وأفعاله الصَّادرةِ عنه وهما داخلتانِ فيها دخولاً أوليًّا
{ولله ملك السماوات والأرض} لا لغيرِه لأنَّه الخالقُ لهما ولما فيهما من الذَّواتِ والصِّفاتِ وهو المتصرفُ في جميعِها إيجاداً وإعداماً بدءاً وإعادةً وقولُه تعالى {وإلى الله} أي إليهِ تعالى خاصَّة لا إلى غيرِه {المصير} أي رجوعُ الكلِّ بالفناء والبعثِ بيانٌ لاختصاصِ المُلك به تعالى في المعادِ إثرَ بيانِ اختصاصِه به تعالى في المبدإِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمار لتربية المهابةِ والإشعارِ بعلَّةِ الحُكم
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِى سَحَاباً} الإزجاءُ سوقُ الشَّيءِ برفقٍ وسهولة غلبَ في سوقِ شيءٍ يَسيرٍ أو غيرِ معتدَ به ومنه البضاعةُ المُزجاة ففيه إيماءٌ إلى أنَّ السَّحابَ بالنسبةِ إلى قُدرتِه تعالى مما لا يعتد به {ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ} أي بين أجزائِه بضمِّ بعضِها إلى بعض وقرئ يُوَلِّف بغير همزةٍ {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} أي مُتراكماً بعضُه فوقَ بعضٍ {فَتَرَى الودق} أي المطرَ إثرَ تراكمِه وتكاثفِه وقوله تعالى {يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} أي من فتوقِه حالٌ من الوَدْق لأنَّ الرُّؤيةَ بصريَّةٌ وفي تعقيب الجعلِ المذكورِ برؤيته خارجاً لا بخروجه من المبالغةِ في سرعةِ الخُروج على طريقة قوله تعالى فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق ومن الاعتناءِ بتقرير الرُّؤيةِ ما لا يخفى والخِلالُ جمع خَلَلٍ كجِبَالٍ وجَبَلٍ وقيل مفردٌ كحِجابٍ وحِجاز ويؤيده أنه قرئ من خَلَلِه {وَيُنَزّلُ مِنَ السماء} من الغمامِ فإن كلَّ ما علاك سماءٌ {مِن جِبَالٍ} أي من قطعٍ عظامٍ تُشبه الجبالَ في العِظَمِ كائنة {فِيهَا} وقوله تعالى {مِن بَرَدٍ} مفعولُ ينزل على أنَّ مِن تبعيضيَّةٌ والأُوليانِ لابتداء الغايةِ على أنَّ الثَّانية بدلُ اشتمالٍ من الأُولى بإعادة الجار أن ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها بعضُ يرد وقيل المفعولُ محذوفٌ ومِن برد بيان للجبال أن ينزل مبتدئا من السماء من جبالٍ فيها من جنس البَرَدِ برداً والأولُ أظهرُ لخُلوهِ عن ارتكاب الحذف والتصريح ببعضه المنزل وقيل المفعولُ مِن مشبهة بالجبالِ في الكثرةِ وأياما كان فتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول لما غيرَ مرةٍ من الاعتناء بالمقدم
سورة النور (24 45) والتشريق إلى المؤخَّر وقيل المرادُ بالسَّماءِ المظلة وفيها جبال من برد أن كما في الأرض جبالاً من حَجَرٍ وليس في العقل وما ينفيه من قاطع والمشهر أن الأنجرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبق الباردةَ من الهواءِ وقوي البردُ اجتمع هناك وصار سَحَاباً وإنْ لم يشتدَّ البردُ تقاطر مطراً وإنِ اشتدَّ فإنْ وصلَ إلى الأجزاء البُخاريَّةِ قبل اجتماعها نزل ثلجا وإلا نزل بَرَداً وقد يبردُ الهواءُ برداً مُفرطاً فينقبض وينعقدُ سحاباً وينزل منه المطر أو الثلجُ وكلُّ ذلك مستند إلى إدارة الله تعالى ومشيئتِه المبنيَّةِ على الحِكم والمَصَالحِ {فَيُصِيبُ به} أي ما ينزله من البَرَد {مَن يَشَآء} أنْ يصيبَه به فيناله ما يناله من ضرر نفسه وماله {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء} أنْ يصرفَه عنه فينجُو من غائلتِه {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} أي ضوءُ برقِ السَّحابِ الموصوفِ بما مرَّ من الإزجاءِ والتَّأليفِ وغيرِهما وإضافةُ البرقِ إليه قبل الإخبار بوجودِه فبه للإيذانِ بظهور أمرِه واستغنائِه عن التَّصريح به وقُرىء بالمدِّ بمعنى الرِّفعةِ والعُلو وبإدغامِ الدَّالِ في السِّينِ وبرقه يفتح الرَّاءِ على أنَّه جمع برقه وهي مقدار على البرق كالغُرفةِ وبضمِّها للإتباع لضمَّة الباءِ {يَذْهَبُ بالأبصار} أي يخطفُها من فرطِ الأضاءة وسرعق ورودِها وفي إطلاق الأبصارِ مزيدُ تهويلٍ لأمرِه وبيانٌ لشدَّةِ تأثيرِه فيها كأنَّه يكادُ يذهبُ بها ولو عندَ الإغماضِ وهذا مِن أقوى الدَّلائلِ على كمالِ القُدرةِ من حيثُ أنَّه توليدٌ للضدِّ من الضدِّ وقُرىء يُذهب من الإذهابِ على زيادةِ الباءِ
{يقلب الله الليل والنهار} بالمُعاقبة بينهما أو ينقص أحدِهما وزيادةِ الآخرِ أو بتغيير أحوالهما بالحرِّ والبردِ وغيرهما ممَّا يقعُ فيهما من الأمور التي من جملها ما ذُكر من إزجاءِ السَّحابِ وما ترتَّب عليهِ {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما فُصِّل آنِفاً وما فيه من معنى البُعد مع قُربِ المشارِ إليه للإيذان يعلو رتبته بعد منزلتِه {لَعِبْرَةً} أي لدلالةً واضحةً على وجود الصَّانعِ القديمِ ووحدتِه وكمال قُدرتِه وإحاطة علمِه بجميعِ الأشياءِ ونفاذ مشيئته وتنزيهِه عمَّا لا يليقُ بشأن العليِّ {لأُوْلِى الأبصار} لكلِّ مَن له بصرٌ
{والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ} أي كلَّ حيوانٍ يدبُّ على الأرض وقُرىء خالقُ كلِّ دابةٍ بالإضافة {مِن ماء} وهو جزء مادة أو ماء مخصوص وهو النُّطفةُ فيكون تنزيلاً للغالب منزلةَ الكلِّ لأنَّ من الحيوانات ما يتولَّد لا عن نُطفةٍ وقيل من ماء متعلق بداية وليس صلة الخلق {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بطنه} كالحية وتسمية حركها مشياً مع كونِها زَحْفاً بطريقِ الاستعارةِ أو المُشاكلةِ {ومنهم من يمشى على رِجْلَيْنِ} كالإنسِ والطَّيرِ {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على أَرْبَعٍ} كالنعم والوحش وعدم التعريض لما يمشي على أكثرَ من أربعٍ كالعناكبِ ونحوِها من الحشرات لعدمِ الاعتدادِ بها وتذكيرُ الضَّميرِ في منهم لتغليبِ العُقلاءِ والتَّعبير عن الأصنافِ بكلمة مَن ليوافقَ التَّفصيلُ الإجمالَ والتَّرتيبُ لتقديم ما هُو أعرفُ في القُدرةِ {يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء} ممَّا ذُكر وممَّا لم يُذكرْ بسيطاً كان أو مركّباً على ما يشاء من الصُّورَ والأعضاء
سورة النور (46 49) والهيئات والحَرَكات والطَّبائعِ والقُوَى والأفاعيلِ مع اتِّحادِ العُنصرِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضعِ الإضمارِ لتفخيمِ شأنِ الخلقِ المذكورِ والإيذانِ بأنَّه من أحكامِ الأُلوهيَّةِ {إِنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيفعلُ ما يشاءُ كما يشاءُ وإظهارُ الجلالةِ كما ذُكر مع تأكيد استقلال الاستئنافِ التعليليِّ
{لقد أنزلنا آيات مبينات} أي لكل مل يليقُ بيانُه من الأحكام الدِّينيةِ والأسرار التَّكوينيَّةِ {والله يَهْدِى مَن يَشَاء} أنْ يهديَه بتوفيقِه للنَّظرِ الصَّحيحِ فيما وإرشاد إلى التَّأملِ في مطاويها {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} موصلٍ إلى حقيقة الحقِّ والفوز بالجنَّةِ
{وَيِقُولُونَ امَنَّا بالله وبالرسول} شروعٌ في بيان أحوالِ بعضِ مَن لم يشأ الله هدايتَه إلى الصِّراطِ المستقيمِ قال الحسنُ نزلتْ على المُنافقين الذين كانُوا يُظهرون الإيمانَ ويُسرُّون الكفرَ وقيل نزلتْ في بشرٍ المُنافقِ خاصمَ يهوديّاً فدعاهُ إلى كعب بن الأشراف واليهوديُّ يدعُوه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقيل في المغيرةِ بنِ وائل خاصم عليا رضي الله عنه في أرض وماء فإني أن يحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأياما كان فصيغةُ الجمعِ للإيذانِ بأنَّ للقائلِ طائفةً يُساعدونَهُ ويُشايعونَهُ في تلك المقالةِ كما يقال بنُو فلان قتلُوا فُلاناً والقاتلُ واحدٌ منهم {وأطعنا} أي أطعناها في الأمرِ والنَّهيِ {ثُمَّ يتولى} عن قبول حُكمِه {فَرِيقٌ مّنْهُمْ مِن بَعْدِ ذلك} أي من بعد ما صدرَ عنهم ما صدرَ من ادِّعاءِ الإيمانِ بالله وبالرَّسولِ والطَّاعةِ لهما على التَّفصيلِ وما في ذلك من معنى البُعد للإيذانِ بكونه أمراً معتدًّا به واجبَ المُراعاةِ {وَمَا أُوْلَئِكَ} إشارةٌ إلى القائلينَ لا إلى الفريقِ المتولِّي منهم فقط لعدمِ اقتضاءِ نفيِ الإيمانِ عنهم نفيَه عن الأوَّلينَ بخلافِ العكسِ فإنَّ نفيَه عنِ القائلينَ مقتضٍ لنفيِه عنهم على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلتهم في الكفر والفسادِ أي وما أُولئك الذين يدَّعُون الإيمانَ والطَّاعةَ ثم يتولَّى بعضُهم الذين يشاركونهم في العقدِ والعملِ {بالمؤمنين} أي المؤمنينَ حقيقةً كما يُعرب عنه اللامُ أي ليسو بالمؤمنينَ المعهودين بالإخلاص في الإيمان والثَّباتِ عليه
{وَإِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ} أي الرَّسولُ {بَيْنَهُمْ} لأنَّه المباشرُ حقيقةً للحكمِ وإنْ كانَ ذلك حكمَ الله حقيقةً وذكرُ الله تعالى لتفيخمه صلى الله عليه وسلم والإيذانِ بجلالةِ محلِّه عندَهُ تعالى {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي فاجأ فريقٌ منهم الإعراضَ عن المحاكمةِ إليه صلى الله عليه وسلم لكون الحق عليهم بأنه صلى الله عليه وسلم يحكمُ بالحقِّ عليهم وهو شرح للتَّولِّي ومبالغةٌ فيه
{وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق} لا عليهم {يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} مُنقادين لجزمِهم بأنَّه صلى الله عليه وسلم يحكمُ لهم وإلى صلةٌ ليأتُوا فإنَّ الإتيانَ والمجيءَ يُعدَّيان بإلى أو لمذعنين
سورة النور (50 51) على تضمينِ معنى الإسراعِ والإقبال كما في قولِه تعالى فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ والتقديمُ للاختصاصِ
{أَفِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} إنكارٌ واستقباحٌ لإعراضِهم المذكورِ وبيانٌ لمنشئه بعد استقصاء عدَّةٍ من القبائح المحقَّقةِ فيهم والمتوقَّعةِ منهم وترديدِ المنشئية بينها فمدارُ الاستفهام ليس نفسَ ما وليتْه الهمزةُ وأَمْ من الأمورِ الثَّلاثة بل هو منشئيتها له كأنَّه قيل أذلك أي إعراضُهم المذكورُ لأنَّهم مرضى القلوبِ لكفرِهم ونفاقِهم {أَمْ} لأنَّهم {ارتابوا} في أمر نبوته صلى الله عليه وسلم مع ظهور حقيَّتِها {أَمْ} لأنَّهم {يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} ثمَّ أُضربَ عن الكلِّ وأُبطلت منشيته وحُكم بأنَّ المنشأَ شيءٌ آخرُ من شنائعِهم حيثُ قيلَ {بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون} أي ليسَ ذلك لشيءٍ ممَّا ذُكر أمَّا الأوَّلانِ فلأنَّه لو كان لشيء منها لأعرضوا عنه صلى الله عليه وسلم عند كونِ الحقِّ لهم ولما أتوا إليه صلى الله عليه وسلم مُذعنينَ لحُكمِه لتحقُّقِ نفاقِهم وارتيابِهم حينئذٍ أيضاً وأمَّا الثالث فلا نتفائه رأساً حيثُ كانُوا لا يخافون الحيفَ أصلاً لمعرفتِهم بتفاصيل أحواله صلى الله عليه وسلم في الأمانةِ والثَّباتِ على الحقِّ بل لأنَّهم هم الظالمون يُريدون أنْ يظلمُوا مَن له الحقُّ عليهم ويتمُّ لهم جحودُه فيأبون المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم لعلمهم بأنه صلى الله عليه وسلم يقضي عليهم بالحقِّ فمناطُ النَّفيِ المُستفادِ من الإضراب في الأوَّلينِ هو وصف منشئيَّتِهما للإعراضِ فقط مع تحقُّقِهما في نفسِهما وفي الثَّالثِ هو الأصلُ والوصف جميعاً هذا وقد خُصَّ الارتياب بماله منشأٌ مصححٍ لعروضِه لهم في الجُملةِ والمعنى أمِ ارتابُوا بأنْ رَأَوا منه صلى الله عليه وسلم تُهمةً فزالتْ ثقتُهم ويقينُهم به صلى الله عليه وسلم فمدارُ النَّفيِ حينئذٍ نفسُ الارتياب ومنشيته معاً فتأمَّل فيما ذُكر على التَّفصيلِ ودَعْ عنك ما قيل وقيل حسبما
51 -
يقتضيه النَّظرُ الجليلُ
{إنما كان قول المؤمنين} بالنَّصبِ على أنَّه خبرُ كانَ وأنْ مع ما في حيزها اسمها وقرئ بالرَّفعِ على العكسِ والأوَّلُ أقوى صناعةً لأنَّ الأَولى للاسميَّةِ ما هُو أوغلُ في التَّعريفِ وذلكَ هو الفعلُ المصدَّرُ بأَنْ إذْ لا سبيلَ إليه للتَّنكيرِ بخلافِ قولَ المُؤمنين فإنَّه يحتملُه كما إذا اعتزلتْ عنه الإضافةُ لكن قراءةُ الرَّفعِ أقعدُ بحسب المَعْنى وأوفى لمُقتضى المقام لما أنَّ مصبَّ الفائدةِ وموقِعَ البيانِ في الجُملِ هو الخبرُ فالأحقُّ بالخبريَّةِ ما هو أكثرُ إفادةً وأظهرُ دلالةً على الحدوثِ وأوفرُ اشتمالاً على نِسَب خاصةٍ بعيدةٍ من الوقُوع في الخارج وفي ذهن السَّامعِ ولا ريب في أن ذلك ههنا في أنْ مع ما في حيُّزها أتمَّ وأكملَ فإذا هو أحق بالخيرية وأما ما تفيدُه الإضافةُ من النِّسبةِ المطلقةِ الإجماليةِ فحيث كانتْ قليلةَ الجَدوى سهلةَ الحصولِ خارجاً وذِهناً كان حقُّها أنْ تلاحَظَ ملاحظةً مجملةً وتجعلَ عُنواناً للموضوعِ فالمعنى إنَّما كانَ مطلقُ القولِ الصَّادرِ عن المؤمنين {إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ} أي الرسول صلى الله عليه وسلم {بينهم} أى وبين
سورة النور (52 53) خصومِهم سواءً كانُوا منهم أو من غيرِهم {إِن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي خصوصية هذا القولِ المحكيِّ عنهم لا قولاً آخرَ أصلاً وأما قراءةُ النَّصبِ فمعناها إنما كانَ قولُ المؤمنين أي إنما كانَ قولاً لهم عند الدَّعوةِ خصوصيةَ قولِهم المحكيِّ عنهم ففيه من جعل النِّسبتينِ وأبعدهما وقوعاً وحضُوراً في الأذهانِ وأحقِّهما بالبيان مفروغاً عنها عُنواناً للموضوعِ وإبرازِ ما هو بخلافِها في معرضِ القصدِ الأصليِّ ما لا يخفى وقرئ ليُحكمَ على بناءِ الفعلِ للمفعولِ مُسنداً إلى مصدرِه مجاويا لقوله تعالى إذا إِذَا دُعُواْ أي ليُفعل الحكمُ كما في قولِه تعالى لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ أي وقعَ التَّقطُّعُ بينكم {وَأُوْلئِكَ} إشارةٌ إلى المؤمنينَ باعتبارِ صدورِ القولِ المذكُورِ عنهم وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبتِهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ أي أولئكَ المنعوتونَ
52 -
بما ذكر من النعت الجميلِ {هُمُ المفلحون} أي هُم الفَائزون بكلِّ مطلبٍ والنَّاجُون من كلِّ محذورٍ
{وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ} استئناف جئ به لتقرير مضمونِ ما قبله من حُسنِ حالِ المُؤمنين وترغيب مَن عداهُم في الانتظام في سلكِهم أي ومَن يُطعهما كائناً مَن كان فيما أُمرا به من الأحكامِ الشَّرعيَّةِ اللازمةِ والمتعديَّةِ وقيل في الفرائضِ والسُّننِ والأولُ هو الأنسبُ بالمقام {وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ} بإسكانِ القافِ المبنيِّ على تشبيهه بكنف وقرئ بكسرِ القافِ والهاءِ وبإسكانِ الهاءِ أي ويخشَ الله على ما مَضَى من ذنوبِه ويتقه فيما يستقبلُ {فَأُوْلَئِكَ} الموصُوفون بما ذُكر من الطَّاعةِ والخشية والاتِّقاءِ {هُمُ الفائزون} بالنَّعيم المُقيم
53 -
لا مَن عداهُم
{وَأَقْسَمُواْ بالله} حكايةٌ لبعضٍ آخَرَ من أكاذيبِهم مؤكَّد بالأيمانِ الفاجرةِ وقولُهُ تعالى {جَهْدَ أيمانهم} نُصبَ على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ لفعله الذي هو في حيِّز النصبِ على أنه حالٌ من فاعلِ أقسمُوا أي أقسمُوا به تعالى يجهدون أيمانَهم جَهداً ومعنى جَهد اليمينِ بلوغُ غايتِها بطريقِ الاستعارةِ من قولِهم جهدَ نفسَه إذا بلغَ أقصى وُسعِها وطاقتِها أي جاهدين بالغينَ أقصى مراتبِ اليمينِ في الشدَّةِ والوكادةِ وقيل هو مصدرٌ مؤكدٌ لأقسمُوا أي أقسمُوا إقسامَ اجتهادٍ في اليمينِ قال مقاتلٌ مَن حلفَ بالله فقدِ اجتهدَ في اليمينِ {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ} أي بالخروجِ إلى الغزوِ لا عن ديارِهم وأموالِهم كما قيل لأنَّه حكايةٌ لما كانُوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أينما كنتَ نكُنْ معك لئن خرجتَ خرجنَا وإنْ أقمتَ أقمنَا وإن أمرتَنا بالجهادِ جاهدنَا وقوله تعالى {لَيُخْرِجَنَّ} جوابٌ لأقسمُوا بطريقِ حكايةِ فعلِهم لا حكايةِ قولِهم وحيثُ كانتْ مقالتُهم هذه كاذبةً ويمينُهم فاجرةً أمر صلى الله عليه وسلم بردِّها حيثُ قيل {قُلْ} أي ردًّا عليهم وزَجْراً لهم عن التَّفوه بها وإظهاراً لعدمِ القَبُول لكونِهم كاذبينَ فيها {لَاّ تُقْسِمُواْ} أى على ما ينبئ عنه كلامُكم من الطَّاعةِ وقوله تعالى {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ والجملةُ تعليلٌ للنَّهيِ أي لا تقسمُوا على ما تدَّعُون من الطَّاعةِ لأنَّ طاعتَكم طاعةٌ نفاقيةٌ واقعةٌ باللِّسان فَقَط من غيرِ مُواطأةٍ من القلبِ وإنَّما عبر عنها بمعروفةٌ للإيذانِ بأنَّ كونها كذلك
سورة النور (245) مشهورٌ معروفٌ لكلِّ أحدٍ وقرئ بالنَّصبِ والمعنى تُطيعون طاعةً معروفة هذاوحملها على الطَّاعةِ الحقيقيَّةِ بتقديرِ ما يُناسبها من مبتدأ أو خبرٍ أو فعلٍ مثلُ الذي يُطلب منكم طاعة معروفة حقيقتة لا نفاقيةٌ أو طاعةٌ معروفةٌ أمثلُ أو ليكُن طاعةً معروفةً أو أطيعوا طاعةً معروفةً ممَّا لا يُساعده المقامُ {إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأعمال الظاهرةِ والباطة التي من جملتها ما تُظهرونه من الأكاذيب المؤكِّدةِ بالأيمان الفاجرةِ وما تُضمرونه في قلوبكم من الكفرِ والنَّفاقِ والعزيمةِ على مُخادعة المُؤمنين وغيرِها من فُنون الشرِّ والفسادِ تضمرونه الجملة تعليلٌ للحكم بأنَّ طاعتَهم طاعة نفاقية مشعر بأنَّ مدارَ شُهرةِ أمرِها فيما بينَ المُؤمنين إخبارُه تعالى بذلك
54 -
ووعيدٌ لهم بأنَّه تعالى مجازيهم بجميع أعمالِهم السَّيئةِ التي منها نفاقُهم
{قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول} كرَّر الأمرَ بالقول لإبراز كمالِ العنايةِ به والإشعارِ باختلافهما من حيثُ أنَّ المقولَ في الأوَّلِ نهيٌ بطريق الردِّ والتَّقريعِ كما في قوله تعالى {اخسؤوا فِيهَا وَلَا تُكَلّمُونِ} وفي الثَّاني أمرٌ بطريقِ التَّكليفِ والتَّشريعِ وإطلاقُ الطَّاعة المأمورِ بها عن وصفِ الصحَّةِ والإخلاصِ ونحوهما بعد وصف طاعتهم بما ذُكر للتَّنبيه على أنَّها ليستْ من الطَّاعةِ في شيءٍ أصلاً وقوله تعالى {فَإِن تَوَلَّوْاْ} خطابٌ للمأمورين بالطَّاعةِ من جهتِه تعالى واردٌ لتأكيد الأمر بها والمبالغةِ في إيجاب الامتثال به والحملِ عليه بالتَّرهيب والتَّرغيبِ لما أنَّ تغييرَ الكلامِ المَسوقِ لمعنى من المعاني وصَرْفَه عن سننه المسلوك ينبئ عن اهتمامٍ جديدٍ بشأنه من المتكلِّم ويستجلبُ مزيدَ رغبةٍ فيه من السَّامعِ كما أشير إليه في تفسيرِ قولِه تعالى {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} لا سيَّما إذا كان ذلك بتغيير الخطابِ بالواسطةِ إلى الخطابِ بالذَّاتِ فإنَّ في خطابِه تعالى إيَّاهم بالذَّات بعد أمرِه تعالى إيَّاهم بوساطته صلى الله عليه وسلم وتصدِّيه لبيان حُكمِ الامتثالِ بالأمر والتولِّي عنه إجمالاً وتفصيلاً من إفادةِ ما ذُكر من التَّأكيدِ والمُبالغةِ ما لا غايةَ وراءَه وتَوهُّم أنَّه داخلٌ تحت القولِ المأمورِ بحكايتِه من جهته تعالى وأنَّه أبلغُ في التَّبكيتِ تعكيسٌ للأمرِ والفاءُ لترتيب ما بعدها على تبليغه صلى الله عليه وسلم للمأمور به إليهم وعدمُ التَّصريحِ به للإيذانِ بغاية ظهور مسارعته صلى الله عليه وسلم إلى تبليغ ما أُمرَ به وعدم الحاجةِ إلى الذِّكرِ أي إنْ تتولَّوا عن الطَّاعةِ إثرَ ما أُمرتم بهَا {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ} أي فاعلمُوا أنَّما عليه صلى الله عليه وسلم {ما حمل} أي ما أُمر بهِ من التَّبليغِ وقد شاهدتمُوه عند قوله أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ} أي ما أُمرتم بهِ منَ الطَّاعة ولعلَّ التَّعبيرَ عنه بالتَّحميل للإشعارِ بثقله وكونِه مُؤنةً باقيةً في عهدتِهم بعدُ كأنَّه قيل وحيثُ توليتُم عن ذلك فقد بقيتم تحت ذلك الحملِ الثَّقيلِ وقولُه تعالى مَا حُمّلَ محمولٌ على المُشاكلة {وَإِن تُطِيعُوهُ} أي فيما أَمركم به من الطَّاعةِ {تَهْتَدُواْ} إلى الحقِّ الذي هو المقصدُ الأصليُّ المُوصلُ إلى كلِّ خيرٍ والمُنجِّي من كلِّ شرَ وتأخيرُه عن بيانِ حكم التَّولِّي لما في تقديم التَّرهيبِ من تأكيد التَّرغيبِ وتقريبه ممَّا هو من بابه من الوعد الكريمِ وقولُه تعالى {وَمَا عَلَى الرسول إِلَاّ البلاغ المبين} اعتراضٌ مقرر لما قبله من أنَّ غائلةَ التولِّي وفائدة الإطاعةِ مقصورتانِ عليهم واللامُ إمَّا للجنسِ المُنتظمِ له صلى الله عليه وسلم
سورة النور (55) انتظاما أوليا أو للعهد أي ما على جنس الرَّسولِ كائناً مَن كان أو ما عليه صلى الله عليه وسلم إلَاّ التَّبليغُ الموضِّحُ لكلِّ ما يَحتاج إلى الإيضاحِ أو الواضحُ على أنَّ المُبينَ مِن أبانَ بمعنى بانَ وقد علمتُم أنَّه قد فعله بما لا مزيدَ عليهِ
55 -
وإنما بقيَ ما حُمِّلتم وقوله تعالى
{وعد الله الذين آمنوا مِنْكُمْ} استئنافٌ مقرِّرٌ لما في قوله تعالى وأن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ من الوعد الكريمِ ومُعربٌ عنه بطريق التَّصريحِ ومبينٌ لتفاصيلِ ما أُجمل فيه من فنون السَّعاداتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّة التي هي من آثار الاهتداءِ ومتضمِّنٌ لما هو المرادُ بالطَّاعة التي نيطَ بها الاهتداءُ والمرادُ بالذين آمنُوا كلُّ من اتَّصف بالإيمان بعد الكُفر على الإطلاق من أيِّ طائفةٍ كان وفي أيِّ وقتٍ كان لا مَن آمنَ من طائفةِ المُنافقين فقط ولا مَن آمنَ بعد نزولِ الآيةِ الكريمةِ فحسب ضرورةَ عمومِ الوعد الكريم للكلِّ كافَّةً فالخطاب في منكم لعامَّةِ الكَفَرةِ لا للمنافقين خاصَّةً ومِن تبعيضيَّةٌ {وَعَمِلُواْ الصالحات} عطفٌ على آمنُوا داخلٌ معه في حيزِ الصِّلةِ وبه يتمُّ تفسيرُ الطَّاعةِ التي أُمر بها ورُتِّب عليها ما نُظم في سلك الوعدِ الكريمِ كما أُشير إليه وتوسيطُ الظَّرف بين المعطُوفينِ لإظهار أصالةِ الإيمانِ وعراقتِه في استتباع الآثارِ والأحكامِ وللإيذانِ بكونِه أوَّلَ ما يُطلب منهم وأهمَّ ما يجبُ عليهم وأمَّا تأخيرُه عنهما في قولِه تعالى وَعَدَ الله الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً فلأنَّ مِن هناك بيانيَّةٌ والضمير الذين معه صلى الله عليه وسلم من خُلَّصِّ المؤمنين ولا ريب في أنه جامعون بين الإيمان والأعمال الصَّالحةِ مثابرون عليهما فلا بُدَّ من ورود بيانِهم بعد ذكر نُعوتهم الجليلة بكمالِها هذا ومَن جعلَ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأُمةِ عُموماً على أنَّ من تبعيضية أوله صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المُؤمنينَ خُصوصاً على أنَّها بيانيَّةٌ فقد نَأَى عمَّا يقتضيهِ سباقُ النظمِ الكريم وسياقه بمنازلَ وأبعدَ عمَّا يليقُ بشأنه صلى الله عليه وسلم بمراحلَ {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض} جواب للقسم إما بالإضماء أو بتنزيل وعدِه تعالى منزلةَ القسمِ لتحقُّق إنجازِه لا محالة أى ليجعلهم خلفاءَ مُتصرِّفين فيها تصرُّفَ الملوكِ في ممالكهم أو خَلَفاً من الذين لم يكونُوا على حالهم من الإيمانِ والأعمالِ الصَّالحةِ {كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ} هم بنوُ إسرائيلَ استخلفهم الله عز وجل في مصرَ والشَّامَ بعد إهلاكِ فرعونَ والجبابرةِ أو هُم ومَنْ قبلهم من الأمم المؤمنةِ التي أُشير إليهم في قوله تعالى أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ الله جاءتهم رسلهم بالبينات إلى قوله تعالى فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين ولنسكتكم الأرض مِن بَعْدِهِمْ ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنه مصدرٌ تشبيهيٌّ مؤكِّدٌ للفعل بعد تأكيدِه بالقسم وما مصدريةٌ أي ليستخلفنَّهم استخلافاً كائنا كاستخلافه تعالى للذين من قبلهم وقرئ كما استُخلفَ على البناء للمفعول فليس العاملُ في الكاف حينئذٍ الفعل المذكور بل ما يدلُّ هو عليه من فعلٍ مبنيَ للمفعول جارٍ منه مجرى المطاوعِ فإنَّ استخلافَه تعالى إيَّاهم مستلزمٌ لكونِهم مستخلَفين
سورة النور (56) لا محالة كأنَّه قيل ليستخلفنَّهم في الأرض فيُستخلفُنَّ فيها استخلافاً أيْ مستخلفيَّةً كائنة كمستخفلية من قبله وقد مرَّ تحقيقُه في قوله تعالى كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ ومن هذا القَبيلِ قولُه تعالَى وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا على أحد الوجهين أى فنتبت نباتاً حسناً وعليهِ قولُ مَنْ قالَ وعضّةُ دهرٍ يا ابنَ مروانَ لم تَدَع
…
مِنَ المالِ إلا مُسْحَتٌ أو بحلف أى فلم يبق إال مُسحتٌ الخ {وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ} عطفٌ على ليستخلفنَّهم منتظم معه ف سلك الجوابِ وتأخيرُه عنه مع كونه أجلَّ الرَّغائبِ الموعودة وأعظمها لما أنَّ النُّفوسَ إلى الحظوظِ العاجلة أميلُ فتصدير المواعيد بها في الاستمالةِ أدخلُ والمعنى ليجعلنَّ دينَهم ثابتاً مُقرَّراً بحيثُ يستمرُّون على العمل بأحكامِه ويرجعون إليهِ في كلِّ ما يأتُون وما يذرُون والتَّعبيرُ عن ذلك بالتَّمكينِ الذي هو جُعل الشَّيءِ مكاناً لآخرَ يُقال مكَّن له في الأرضِ أي جعلها مقرًّا له ومنه قولُه تعالى إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض ونظائره وكلمة في للإبذان بأنَّ ما جُعل مقرًّا له قطعةٌ منها لا كلُّها للدِّلالةِ على كمال ثبات الدِّين ورصانةِ أحكامِه وسلامتِه من التَّغييرِ والتَّبديلِ لا بتنائه على تشبيهِه بالأرض في الثَّبات والقرار مع ما فيه من مُراعاةِ المُناسبة بينه وبين الاستخلافِ في الأرضِ وتقديمُ صلةِ التَّمكينِ على مفعوله الصَّريحِ للمُسارعةِ إلى بيان كونِ الموعودِ من منافعهم تشويقها لهم إليه وترغيباً لهم في قبوله عند ورودِه ولأنَّ في توسيطها بينَهُ وبينَ وصفِه أعني قوله تعالى {الذى ارتضى لَهُمْ} وفي تأخيرِها عنه من الإخلالِ بجَزَالةِ النظمِ الكريمِ مَا لَا يَخْفى وفي إضافة الدِّين إليهم وهو دينُ الإسلامِ ثم وصفُه بارتضائه لهم تأليفٌ لقلوبِهم ومزيدُ ترغيبٍ فيه وفضلُ تثبيتٍ عليه {وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ} بالتَّشديدِ وقرئ بالتَّخفيفِ من الإبدالِ {مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ} أي من الأعداء {آمنا} حيثُ كان أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قبل الهجرةِ عشرَ سنين بل أكثرَ خائفين ثم هاجرُوا إلى المدينةِ وكانوا يُصبحون في السِّلاحِ ويُمسون كذلك حتى قالَ رجلٌ منهم ما يأتي علينا يومٌ نأمنُ فيه فقالَ صلى الله عليه وسلم لا تعبرون إلايسيرا حتى يجلسَ الرَّجلُ منكم في الملإِ العظيمِ مُحتبياً ليس معه حديدةٌ فأنزل الله عز وجل هذه الآية وأنجزو عده وأظهرَهم على جزيرةِ العربِ وفتح لهم بلادَ الشَّرقِ والغرب وصاروا لى حالٍ يخافُهم كلُّ مَن عداهُم وفيه من الدِّلالةِ على صحَّة النُّبوةِ للإخبارِ بالغيبِ على ما هُو عليه قبل وقوعِه ما لا يخفى وقيل المرادُ الخوفُ من العذابِ والأمنُ منه في الآخرةِ {يَعْبُدُونَنِى} حالٌ من الموصول الأوَّلِ مفيدةٌ لتقييد الوعد بالثَّباتِ على التَّوحيدِ أو استئنافٌ ببيان المقتضى للاستخفاف وما انتظم معه في سلكِ الوعدِ {لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً} حالٌ من الواوِ أي يعبدوننِي غيرَ مشركين بي في العبادة شيئاً {وَمَن كَفَرَ} أي اتَّصف بالكُفر بأنْ ثبتَ واستمرَّ عليه ولم يتأثَّر بما مرَّ من التَّرهيب الترغيب فإنَّ الإصرارَ عليه بعد مُشاهدةِ دلائلِ التَّوحيدِ كفرٌ مستأنف زائدة على الأصل وقيل كفرَ بعد الإيمانِ وقيل كفرَ هذه النِّعمةَ العظيمةَ والأولُ هو الأنسبُ بالمقامِ {بَعْدَ ذَلِكَ} أي بعد ذلك الوعدِ الكريمِ بما فُصِّل من المطالب العاليةِ المستوجبةِ لغاية الاهتمامِ بتحصيلها والسعيِ الجميلِ في حيازتِها {فَأُوْلَئِكَ} البُعداءُ عن الحقِّ التائهون في تيهِ الغَواية والضَّلال {هُمُ الفاسقون} الكاملونَ في الفِسق والخروجِ عن حُدودِ الكُفر والطُّغيانِ
عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ ويستدعيهِ النظامُ فإنَّ خطابَه تعالى للمأمورينَ بالطَّاعةِ على طريقِ التَّرهيبِ من التَّولِّي بقوله تعالى فَإِن تَوَلَّوْاْ الخ وترغيبَه تعالى إيَّاهم في الطَّاعة بقوله تعالى وَإِن تُطِيعُوهُ تهتدوا الخ وعده تعالى إيَّاهم على الإيمان والعملِ الصَّالحِ بما فُصِّل من الاستخلافِ وما يتلُوه من الرَّغائبِ الموعُودةِ ووعيدَه على الكفرِ ممَّا يوجبُ الأمرَ بالإيمانِ والعملِ الصَّالحِ والنَّهيِ عن الكُفر فكأنَّه قيل فآمنوا وعملوا صلاحا وأقيمُوا أو فلا تكفرُوا وأقيمُوا وعطفُه على أطيعُوا الله مما لا يليقُ بجزالةِ النَّظمِ الكريمِ {وَأَطِيعُواْ الرسول} أمرهم الله سبحانه وتعالى بالذَّاتِ بما أمرَهم به بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعتِه التي هي طاعتُه تعالى في الحقيقة تأكيداً للأمرِ السَّابقِ وتقريراٌ لمضمونه على أنَّ المرادَ بالمُطاع فيه جميعُ الأحكامِ الشَّرعيةِ المنتظمةِ للآداب المرضيَّةِ أيضاً أي وأطيعُوه في كلِّ ما يأمرُكم به وينهاكم عنه أو تكميلاً لما قبله من الأمرين الخاصَّينِ المتعلِّقينِ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ على أنَّ المرادَ بما ذُكر ما عداهما من الشَّرائعِ أي وأطيعُوه في سائر ما يأمرُكم به الخ وقوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} متعلِّقٌ على الأوَّلِ بالأمرِ الأخيرِ المُشتمل على جميعِ الأوامرِ وعلى الثَّانِي بالأوامرِ الثَّلاثةِ أي افعلُوا ما ذُكر من الإقامةِ والإيتاءِ
57 -
والإطاعةِ راجينَ أنْ ترجموا
{لا تحسبن الذين كفروا} لمَّا بُيِّن حالَ من أطاعه صلى الله عليه وسلم وأُشير إلى فوزِه بالرَّحمةِ المُطلقة المستتبعةِ لسعادةِ الدَّارينِ عُقّب ذلك ببيانِ حالِ من عصاه صلى الله عليه وسلم ومآل أمره في الدينا والآخرةِ بعد بيانِ تناهيهِ في الفسقِ تكميلاً لأمرِ التَّرغيبِ والتَّرهيبِ والخطاب إما لكل أحد ممن يصلُح له كائناً من كانَ وإما للرسول صلى الله عليه وسلم على منهاج قوله تعالى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ونظائرِه للإيذانِ بأنَّ الحُسبانَ المذكورَ من القُبحِ والمحذوريةِ بحيث ينهى عنه من يمتنعُ صدورُه عنه فكيف بمَن يمكن ذلك منه ومحلُّ الموصولِ النَّصبُ على أنَّه مفعولٌ أوَّلٌ للحُسبانِ وقوله تعالى {معجزين} ثانيهما وقوله تعالى {فِى الأرض} ظرفٌ لمعجزين لكن لا لإفادةِ كون الإعجاز المنفيّ فيها لا في غيرها فإن ذلك مما لا يحتاجُ إلى البيانِ بل لإفادة شمولِ عدم الإعجازِ بجميعِ أجزائِها أي لا تحسبنَّهم مُعجزين الله عز وجل عن إدراكِهم وإهلاكِهم في قُطر من أقطارِ الأرضِ بما رحُبتْ وإنْ هربُوا منها كلَّ مهرب وقرئ لا يَحسَبنَّ بياءِ الغَيْبة على أنَّ الفاعلَ كلُّ أحدٍ والمعنى كما ذُكر أي لا يَحسبنَّ أحدٌ الكافرينَ معجزين له سبحانَهُ في الأرضِ أو هو الموصولُ والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لكونه عبارةً عن أنفسِهم كأنَّه قيل لا تحسبنَّ الكافرين أنفسَهم مُعجزين في الأرضِ وأما جعلُ معجزين مفعولاً أوَّلَ وفي الأرضِ مفعولاً ثانياً فبمعزلٍ من المُطابقة لمقتضى المقامِ ضرورةَ أنَّ مصبَّ الفائدةِ هو المفعولُ الثَّاني ولا فائدةَ في بيانِ كونِ المُعجزين في الأرضِ وقد مرَّ في قولِه تعالى إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً وقولِه تعالى {وَمَأْوَاهُمُ النار} معطوفٌ على جملة النَّهيِ بتأويلِها بجُملةٍ خبريَّةٍ لأنَّ المقصودَ بالنَّهيِ عن الحُسبان تحقيقُ نفيِ الحُسبانِ كأنَّه قيل ليسَ الذين كفرُوا مُعجزين ومأواهم الخ أو على جملةٍ مقدَّرةٍ وقعتْ تعليلاً للنَّهيِ كأنَّه قيل لا تحسبنَّ الذين كفرُوا معجزين في الأرضِ فإنَّهم مُدرَكُونَ ومأواهم الخ وقيل الجملةُ المقدَّرةُ بل هم مقهورون فتدبر {ولبئس المصير}
سورة (58) جوابٌ لقسمٍ مقدَّرٍ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي وبالله لبئسَ المصيرُ هي أي النار والحملة اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله وفي إيراد النَّارِ بعنوان كونها مأوى ومصير الهم إثرَ نفيِ فَوتِهم بالهرب في الأرض كلَّ مهرَبٍ من الجزالة مالا غايةَ وراءَهُ فللَّه درُّ شأنِ التنزيل
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ} رجوع إلى بيان تتمةِ الأحكامِ السَّابقةِ بعد تمهيدِ ما يُوجب الامتثالَ بالأوامر والنَّواهي الواردة فيها وفي الأحكام اللَاّحقةِ من التمثيلات والتَّرغيبِ والتَّرهيبِ والوعدِ والوعيدِ والخطابُ إمَّا للرِّجالِ خاصَّةً وللنساء داخلاتٌ في الحكم بدلالة النَّصِّ أو للفريقينِ جميعاً بطريقِ التَّغليبِ رُوي أنَّ غلام الأسماء بنتِ أبي مَرْثَدٍ دخل عليها في وقتٍ كرهتْهُ فنزلتْ وقيلَ أرسلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِدْلَجَ بنَ عمروٍ الأنصاريَّ وكانَ غُلاماً وقتَ الظَّهيرةِ ليدعو عمر رضي الله عنه فدخلَ عليه وهو نائمٌ قد انكشفَ عنه ثوبُه فقال عمرُ رضي الله عنه لودتت أنَّ الله تعالى نَهَى آباءَنا وأبناءَنا وخدمَنا أنْ لا يدخلوا علينا هذه السَّاعاتِ إلا بإذنٍ ثمَّ انطلقَ معه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فوجدَه وقد أُنزلتْ عليه هذه الآيةُ {لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم} من العبيدِ والجَوَاري {والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم} أي الصِّبيانُ القاصرُون عن درجة البلوغِ المعهود والتَّعبيرُ عنه بالحُلُم لكونِه أظهرَ دلائلِه مّنكُمْ أي من الأحرارِ {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} أي ثلاثةَ أوقاتٍ في اليَّومِ واللَّيلةِ والتَّعبيرُ عنها بالمرَّات للإيذانِ بأنَّ مدارَ وجوبِ الاستئذانِ مقارنةُ تلك الأوقاتِ لمرور المستأذنينَ بالمخاطبينَ لا أنفسِها {مّن قَبْلِ صلاة الفجر} لظهورِ أنَّه وقتُ القيامِ من المضاجعِ وطرحِ ثيابِ النَّومِ ولبسِ ثيابِ اليقظةِ ومحلُّه النصبُ على أنَّه بدل من ثلاث مرات أو مرات أو الرع على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي أحدُها من قبل الخ {وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم} أي ثيابَكم التي تلبسونَها في النَّهارِ وتخلعونَها لأجل القَيلولةِ وقوله تعالى {مّنَ الظهيرة} وهي شدَّةُ الحرِّ عند انتصافِ النَّهارِ بيان للحين والصريح الأمرِ أعني وضعَ الثِّيابِ في هذا الحينِ دُون الأوَّلِ والآخرِ لما أنَّ التَّجردَ عن الثِّيابِ فيه لأجل القيلولةِ لقلَّة زمانِها كما ينبئ عنها إيرادُ الحين مُضافاً إلى فعل حادث متقض ووقوعُها في النَّهارِ الذي هُو مَئِنَّةٌ لكثرةِ الورودِ والصُّدورِ ومَظِنَّةٌ لظهورِ الأحوالِ وبروزِ الأمورِ ليسَ من التَّحقُّقِ والاطرادِ بمنزلةِ ما في الوقتينِ المذكورينِ فإنَّ تحقُّقَ التَّجردِ واطِّرادَه فيهما أمرٌ معروفٌ لا يحتاجُ إلى التَّصريحِ به {وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء} ضرورةَ أنَّه وقتُ التَّجردِ عن اللِّباسِ والالتحافِ باللِّحافِ وليسَ المرادُ بالقبليَّةِ والبعديَّةِ المذكورتينِ مطلقَهُما المتحقِّقَ في الوقتِ الممتدِّ المتخللِ بينَ الصَّلاتينِ كما في قوله تعالى وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين وقوله تعالى مِن بَعْدِ أن نزع الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى بل ما يعرض منهما
سورة النور 59 لطرفي ذلك الوقتِ الممتدِّ المتصلين بالصَّلاتينِ المذكورتينِ اتِّصالاً عاديّاً وقولُه تعالى {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وقولُه تعالى {لَكُمْ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لثلاثُ عوراتٍ أي كائنةٌ لكم والجملة استئناف مسوق لبيان علَّةِ وجوبِ الاستئذانِ أي هنَّ ثلاثةُ أوقاتٍ يختلُّ فيها التَّستُّر عادةً والعورةُ في الأصلِ هو الخللُ غلبَ في الخللِ الواقعِ فيما يهمُّ حفظُه ويُعتنى بسترِه أُطلقتْ على الأوقاتِ المُشتملةِ عليها مبالغةً كأنَّها نفس العورة وقرئ ثلاثَ عوراتٍ بالنَّصبِ بدلاً من ثلاثَ مرَّاتٍ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ} أي على المماليكِ والصِّبيانِ جُنَاحٌ أي إثمٌ في الدُّخولِ بغيرِ استئذانٍ لعدمِ ما يُوجبه من مخالفةِ الأمرِ والاطِّلاعِ على العوراتِ {بَعْدَهُنَّ} أي بعد كلِّ واحدةٍ من تلك العوراتِ الثَّلاثِ وهي الأوقاتُ المتخلِّلةُ بين كلِّ اثنتينِ منهنَّ وإيرادُها بعُنوان البعديَّةِ مع أنَّ كلَّ وقتٍ من تلكَ الأوقاتِ قبل عورةٍ من العَورات كما أنَّها بعد أخرى منهنَّ لتوفيةِ حقِّ التَّكليفِ والتَّرخيصِ الذي هو عبارة عن رفعه إذا لرخصة إنَّما تتصور في فعل يقعُ بعد زمان وقوعِ الفعلِ المكلَّف والجملة على القراءتينِ مستأنَفة مَسوقة لتقرير ما قبلها بالطرد والكس وقد جُوِّز على القراءة الأولى كونُها في محلِّ الرفعِ على أنها صفة أخرى لثلاثُ عوراتٍ وأمَّا على القراءة الثَّانيةِ فهي مستأنفةٌ لا غير إذ لو جُعلت صفةً لثلاثُ عورات وهي بدلٌ من ثلاثَ مرَّاتٍ لكانَ التَّقديرُ ليستأذنكم هؤلاءِ في ثلاث عورات لا إثمَ في ترك الاستئذانِ بعدهنَّ وحيثُ كان انتفاءُ الإثمِ حينئذٍ ممَّا لم يعلمه السَّامعُ إلا بهذا الكلامِ لم يتسنَّ إبرازُه في معرض الصِّفةِ بخلافِ قراءة الرَّفع فإنَّ انتفاءَ الإثمِ حينئذٍ معلومٌ من صدر الكلام وقوله تعالى {طوافون عَلَيْكُمْ} استئنافٌ ببيان العذر المرخَّص في ترك الاستئذان وهي المخالطةُ الضَّروريةُ وكثرةُ المداخلةِ وفيه دليلٌ على تعليل الأحكامِ وكذا في الفرق بين الأوقات الثَّلاثةِ وبين غيرِها بكونها عَورات {بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ} أي بعضكم طائفٌ على بعضٍ طوافاً كثيراً أو بعضُكم يطوفُ على بعضٍ {كذلك} إشارةٌ إلى مصدرِ الفعلِ الذي بعده وما فيه من معنى البعد لما مر مرارا من تفخيم شأنِ المشار إليه والإيذان ببعد منزلته وكونه من الوضوح بمنزلة المشار إليهِ حسّاً أي مثلَ ذلك التبيينِ {يُبيّنُ الله لكم الأيات} الدالة على الأحكامِ أي ينزلها بينةً واضحة الدلالاتِ عليها لا أنَّه تعالى يبينها بعد أن لم تكن كذلك والكافُ مقحمةٌ وقد مرَّ تفصيلُه في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أُمَّةً وسطا ولكم متعلق يبين وتقديمُهُ على المفعولِ الصريحِ لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخَّر وقيل يبين عللَ الأحكامِ وليس بواضحٍ مع أنَّه مؤدٍ إلى تخصيص الآيات بما ذكر ههنا {والله عَلِيمٌ} مبالِغٌ في العلمِ بجميع المعلوماتِ فيعلم أحوالَكم {حَكِيمٌ} في جميع أفاعيلِه فيشرع لكُم ما فيه صلاحُ أمرِكم معاشاً ومعاداً
{وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم} لمَّا بيِّن فيما مرَّ آنفاً حكمَ الأطفالِ في أنَّه لا جناح عليهم في ترك الاستئذانِ فيما عدا الأوقاتِ الثلاثة عقب ببيان حالِهم بعد البلوغِ دفعاً لمَا عسى يُتوهم أنَّهم وإنْ كانُوا
سورة النور 60 61 أجانبَ ليسُوا كسائرِ الأجانبِ بسببِ اعتيادهم الدُّخولَ أي إذا بلغَ الأطفالُ الأحرارُ الأجانبُ {فَلْيَسْتَأْذِنُواْ} إذا أرادُوا الدخولَ عليكم وقوله تعالى {كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ} في حيِّز النَّصبِ على أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ للفعل السَّابقِ والموصول عبارةٌ عمَّن قيل لهم لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ الآية ووصفهم بكونِهم قبل هؤلاء باعتبار ذكرِهم قبل ذكرِهم لا باعتبار بلوغِهم قبل بلوغِهم كما قيل لما أنَّ المقصودَ بالتشبيه بيانُ كيفيَّةِ استئذان هؤلاءِ وزيادةُ إيضاحِه ولا يتسنَّى ذلك إلا بتشبيهِه باستئذانِ المعهودين عند السَّامعِ ولا ريبَ في أنَّ بلوغهم قبلَ بولغ هؤلاءِ مما لا يخطُر ببال أحدٍ وإنْ كان الأمرُ كذلك في الواقع وإنَّما المعهودُ المعروفُ ذكرهم قبلَ ذكرِهم أي فليستأذنُوا استئذاناً كائناً مثل استئذانِ المذكورينَ قبلهم بأنْ يستأذنُوا في جميع الأوقاتِ ويرجعُوا إنْ قيل لهم ارجعُوا حسبما فُصِّل فيما سلف {كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الكلامُ فيه كالذي سبقَ والتَّكريرُ للتأكيد والمبلغة في الأمر بالاستئذانِ وإضافةُ الآياتِ إلى ضمير الجلالةِ لتشريفها
{والقواعد مِنَ النساء} أي العجائزُ اللاتي قعدنَ عن الحيض والحملِ {اللاتى لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً} أي لا يطمعنَ فيه لكبرهنَّ {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} أي الثيابَ الظَّاهرةَ كالجلباب ونحوِه والفاءُ فيه لأن اللَاّمَ في القواعدِ بمعنى اللَاّتِي أو للوصفِ بها {غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ} غير مظهراتٍ لزينةٍ ممَّا أمر بإخفائِه في قوله تعالى وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ وأصلُ التَّبرجِ التَّكلُّفُ في إظهارِ ما يَخْفى من قولِهم سفينةٌ بارجةٌ لا غطاءَ عليها والبَرَجُ سعةُ العين بحيث يرى بيضاها محيطاً بسوادِها كلِّه إلا أنَّه خُصَّ بكشفِ المرأةِ زينتَها ومحاسنَها للرِّجال {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} بترك الوضعِ {خَيْرٌ لَّهُنَّ} من الوضعِ لبُعده من التُّهمَة {والله سَمِيعٌ} مبالغٌ في سمعِ جميعِ ما يُسمع فيسمعُ ما يَجري بينهنَّ وبين الرِّجالِ من المقاولةِ {عَلِيمٌ} فيعلم مقاصدهنَّ وفيه من التَّرهيبِ ما لا يخفى
{لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلَا عَلَى المريض حَرَجٌ} كانت هؤلاء الطوائفُ يتحرَّجُون من المؤاكلة الأصحَّاءِ حِذاراً من استقذارِهم إيَّاهم وخَوفاً من تأذِّيهم بأفعالِهم وأوضاعِهم فإنَّ الأعمى رُبَّما سبقتَ يدُه إلى ما سبقت حِذاراً من استقذارِهم إيَّاهم وخَوفاً من تأذِّيهم بأفعالِهم وأوضاعِهم فإنَّ الأعمى رُبَّما سبقتَ يدُه إلى ما سبقتْ إليه عينُ أكيلِه وهو لا يشعرُ به والأعرج بتفسح في مجلسِه فيأخذُ أكثرَ من موضعِه فيضيقُ على جليسِه
والمريضُ لا يخلُو عن حالةٍ تُؤذي قرينَه وقيل كانُوا يدخلُون على الرَّجل لطلبِ العلمِ فإذا لم يكُن عنده ما يُطعمهم ذهبَ بهم إلى بيوتِ آبائِهم وأمَّهاتِهم أو إلى بعضِ مَن سمَّاهم الله عز وجل في الآيةِ الكريمةِ فكانُوا يتحرَّجون من ذلكَ ويقولُون ذهبَ بنا إلى بيتِ غيرِه ولعلَّ أهلَه كارهون لذلكَ وكذا كانُوا يتحرَّجُون من الأكلِ من أموالِ الذينَ كانُوا إذا خرجُوا إلى الغزوِ خلفوا هؤلاء في بيوتِهم ودفعُوا إليهم مفاتيحَها وأذنُوا لهم أنْ يأكلُوا مما فيها مخافةَ أنْ لا يكون إذنُهم عن طيبِ نفسٍ منهم وكانَ غيرُ هؤلاء أيضاً يتحرَّجون من الأكلِ في بيوتِ غيرِهم فقيل لهم ليسَ على الطوائفِ المعدودةِ {وَلَا على أَنفُسِكُمْ} أي عليكم وعلى مَن يُماثلكم في الأحوالِ من المؤمنينَ حرجٌ {أَن تَأْكُلُواْ} أي تأكلُوا أنتُم وهم معكم وتعميمُ الخطابِ للطَّوائفِ المذكورةِ أيضاً يأباهُ ما قبله وما بعدَه فإنَّ الخطابَ فيهما لغير أولئكَ الطَّوائفِ حتماً {مِن بُيُوتِكُمْ} أي البيوتِ التي فيها أزواجُكم وعيالُكم فيدخل فيها بيوتُ الأولادِ لأنَّ بيتَهم كبيتِه لقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبين وقوله صلى الله عليه وسلم إنَّ أطيبَ مالِ الرَّجلِ من كسبِه وإنَّ ولدَه من كسبِه {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} وقرئ بكسرِ الهمزةِ والميمِ وبكسرِ الأُولى وفتحِ الثَّانيةِ {أَوْ بُيُوتِ إخوانكم أَوْ بُيُوتِ أخواتكم أَوْ بُيُوتِ أعمامكم أَوْ بُيُوتِ عماتكم أَوْ بُيُوتِ أخوالكم أَوْ بُيُوتِ خالاتكم أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} من البيوتِ التي تملكُون التَّصرفَ فيها بإذنِ أربابِها على الوجهِ الذي مرَّ بيانُه وقيل هي بيوتُ المماليكِ والمفاتحُ جمع مِفْتحٍ وجمعُ المفتاحِ مفاتيحُ وقرئ مُفتاحَه {أَوْ صَدِيقِكُمْ} أي أو بيوتِ صديقِكم وإنْ لم يكُن بينكم وبينهم قرابةٌ نَسَبيةٌ فإنَّهم أرضى بالتَّبسطِ وأسرُّ به من كثيرٍ من الأقرباءِ رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ الصَّديقَ أكبرُ من الوالدينِ إن الجهنميين لمَّا استغاثُوا لم يستغيثوا بالآباءِ والأمَّهاتِ بل قالُوا فما لنا من شافعين ولا صديقٍ حميم والصَّديقُ يقعُ على الواحدِ والجمعِ كالخَليط والقَطينِ وأضرابِهما وهذا فيما إذا عَلم رضَا صاحبِ البيتِ بصريحِ الإذنِ أو بقرينةٍ دالَّةٍ عليه ولذلكَ خصص هؤلاء بالذكر الاعتيادهم التَّبسطَ فيما بينُهم وقولُه تعالى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ حكمٍ آخرَ من جنسِ ما بُيِّن قبله حيثُ كان فريقٌ من المؤمنين كبني ليث ابن عمروٍ من كِنانةَ يتحرَّجون أنْ يأكلُوا طعامَهم مُنفردين وكانَ الرَّجلُ منهم لا يأكلُ ويمكثُ يومَه حتَّى يجدَ ضيفاً يأكلُ معه فإنْ لم يجدْ من يُؤاكله لم يأكلْ شيئاً ورُبَّما قعدَ الرَّجلُ والطَّعامُ بين يديهِ لا يتناولُه من الصَّباحِ إلى الرَّواحِ ورُبَّما كانتْ معه الإبلُ الحُفّلِ فلا يشربُ من ألبانِها حتَّى يجدَ مَن يُشاربه فإذا أمسى ولم يجد أحد أكلَ وقيل كان الغنيُّ منهم يدخلُ على الفقيرِ من ذوي قرابته وصدقته فيدعُوه إلى طعامِه فيقول إنِّي أتحرَّجُ أنْ آكلَ معك وأنا غنيٌّ وأنت فقيرٌ وقيل كان قومٌ من الأنصار لا يأكلون إذا نزلَ بهم ضيفٌ إلا مع ضيفِهم فرُخِّص لهم في أن يأكلُوا كيف شاءوا وقيل كانوا إذا اجتمعُوا ليأكلوا طعاماً عزلُوا للأعمى وأشباهِه طعاماً على عده فبيَّن الله تعالى أن ذلك ليس بواجبٍ وقوله تعالى جَمِيعاً حالٌ من فاعلِ تأكلوا وأشتاتاً عطفٌ عليهِ داخلٌ في حُكمه وهو جمعُ شَتَ على أنَّه صفةٌ كالحقِّ يقال أمر شتٌّ أي متفرِّقٌ أو على أنه في الأصلِ مصدرٌ وُصف به مبالغةً أي لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تأكلوا مجتمعين أو متفرِّقين {فَإِذَا دَخَلْتُمْ} شروع في بيان الآدابِ التي تجب رعايتها عند مباشرةِ ما رُخِّص فيه إثرَ بيان الرُّخصةِ فيه {بُيُوتًا} أي من البيوتِ
سورة النور 62 المذكورة {فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ} أي على أهلِها الذين بمنزلة أنفسِكم لما بينكم وبينهُم من القرابة الدِّينيةِ والنَّسبيةِ الموجبة لذلك {تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله} أي ثابتةً بأمره مشروعةً من لدنه ويجوزُ أنْ يكون صلةً للتَّحية فإنَّها طلبُ الحياة التي هي من عنده تعالى وانتصابُها على المصدريَّةِ لأنَّها بمعنى التَّسليمِ {مباركة} مستتبعة لزيادة الخيرِ والثواب ودوامهما {طَيّبَةً} تطيبُ بها نفسُ المستمع وعن أنسٌ رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال متى لقيتَ أحداً من أمَّتي فسلِّم عليه يطُلْ عمرُك وإذا دخلتَ بيتَك فسلِّم عليهم يكثُر خيرُ بيتك وصلِّ صلاةَ الضُّحى فإنَّها صلاةُ الأبرارِ الأوَّابينَ {كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات} تكرير لتأكيد الأحكامِ المختتمةِ به وتفخيمها {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي ما في تضاعيفها من الشَّرائعِ والأحكامِ وتعملون بموجبها وتحوزُون بذلك سعادةَ الدَّارين وفي تعليل هذا التَّبيينِ بهذه الغاية القُصوى بعد تذييل الأولين بما يُوجبهما من الجزالة ما لا يخفى
{إنما المؤمنون الذين آمنُوا بالله ورسولِه} استئناف جئ به في أواخر الأحكام السَّابقةِ تقريراً لها وتأكيداً لوجوب مراعاتِها وتكميلاً لها ببيانِ بعضٍ آخرَ من جنسها وإنَّما ذكر الإيمان بالله ورسوله في حيِّز الصِّلةِ للموصولِ الواقع خبراً للمبتدأ مع تضمُّنِه له قطعا تقرير لما قبله وتمهيداً لما بعده وإيذانا بأنه حقيق بأن يجعل قريناً للإيمان بهما مُنتظماً في سلكه فقوله تعالى {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ} الخ معطوفٌ على آمنُوا داخلٌ معه في حيزِ الصلة أي إنَّما الكاملون في الإيمانِ الذين آمنُوا بالله ورسولِه عن صميم قلوبهم وأطاعوهُما في جميع الأحكامِ التي من جملتها ما فُصِّل من قبل من الأحكامِ المتعلِّقةِ بعامة أحوالِهم المطَّردة في الوقوع وأحوالِهم الواقعة بحسب الاتِّفاقِ كما إذا كانوا معه صلى الله عليه وسلم على أمر مهمَ يجب اجتماعُهم في شأنه كالجمعةِ والأعيادِ والحروبِ وغيرِها من الأمور الدَّاعيةِ إلى اجتماع أولي الآراءِ والتَّجارِب ووصف الأمر بالجمع للمبالغة وقرئ أمرٍ جميعٍ {لَّمْ يَذْهَبُواْ} أي من المجمعِ مع كون ذلك الأمرِ مما لا يوجبُ حضورَهم لا محالةَ كما عند إقامة الجمعةِ ولقاء العدوِّ بل يسوِّغ التَّخلفَ عنه {حتى يستأذنوه} صلى الله عليه وسلم في الذهابِ لا على أنَّ نفسَ الاستئذانِ غايةٌ لعدم الذَّهاب بل الغاية هي الإذنُ المنوط برأيِه صلى الله وعليه وسلم والاقتصار على ذكرِه لأنَّه الذي يتمُّ من قبلهم وهو المعتبرُ في كمال الإيمانِ لا الإذنُ ولا الذهابُ المترتِّبُ عليه واعتبارُه في ذلك لِما أنَّه كالمصداقِ لصحَّتِه والمميِّز للمخلصِ فيه عن المنافق فإنَّ ديدنه التَّسللُ للفرار ولتعظيم ما في الذهابِ بغير إذنه صلى الله عليه وسلم من الجنايةِ وللتَّنبيهِ على ذلك عقب بقوله تعالى {إن الذين يستأذنونك أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ} فقَضَى بأنَّ المستأذنينَ هم المؤمنون بالله ورسولِه كما حكم في الأول بأنَّ الكاملينَ في الإيمان هم الجامعونَ بين الإيمانِ بهما وبين الاستئذانِ وفي أولئك من تفخيم شأنِ المستأذنينَ ما لا يخفى {فإذا استأذنوك} بيانٌ لما هو وظيفتُه صلى الله عليه وسلم في هذا البابِ إثرَ بيانِ ما هو وظيفةُ المؤمنينَ وأن الإذن عند الاستئذان
سورة النور 63 ليس بأمرٍ محتومٍ بل هو مفوَّض إلى رأيِه صلى الله عليه وسلم والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي بعد ما تحقَّق أنَّ الكاملين في الإيمان هم المستأذنُون فإذا استأذنوك {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} أي لبعضِ أمرِهم المهم وخَطبهم المُلِّمِ {فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} لما علمتَ في ذلك من حكمةٍ ومصلحةٍ {واستغفر لَهُمُ الله} فإنَّ الاستئذانَ وإنْ كان لعذرٍ قويَ لا يخلُو عن شائبةِ تقديمِ أمرِ الدُّنيا على أمرِ الآخرةِ {أَنَّ الله غَفُورٌ} مبالِغٌ في مغفرةِ فرطاتِ العبادِ {رَّحِيمٌ} مبالِغٌ في إفاضةِ آثار الرَّحمةِ عليهم والجملةُ تعليلٌ للمغفرة الموعودةِ في ضمن الأمرِ بالاستغفار لهم
{لَاّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ} استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله والالتفاتُ لإبراز مزيدِ الاعتناءِ بشأنِه أَيْ لَا تجعلوا دعوته صلى الله عليه وسلم إيَّاكم في الاعتقاد والعملِ بها {كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أي لا تقيسُوا دعاءَه صلى الله عليه وسلم إيَّاكُم على دعاء بعضِكم بعضاً في حالٍ من الأحوالِ وأمرٍ من الأمور التي من جُملتها المساهلةُ فيه والرُّجوعُ عن مجلسه صلى الله عليه وسلم بغير استئذانٍ فإنَّ ذلكَ من المحرَّماتِ وقيل لا تجعلوا دعاءه صلى الله عليه وسلم ربَّه كدعاءِ صغيرِكم كبيرَكم يجيبه مرَّةً ويردُّه أُخرى فإنَّ دعاءَه مستجابٌ لا مردَّ له عند الله عز وجل وتقريرُ الجملةِ حينئذٍ لما قبلها أما من حيثُ إنَّ استجابتَه تعالى لدعائه صلى الله عليه وسلم ممَّا يُوجب امتثالَهم بأوامره صلى الله عليه سلم ومتابعتَهم له في الورود والصُّدورِ أكملَ إيجابٍ وأما من حيثُ إنها موجبةٌ للاحتراز عن التَّعرض لسخطه صلى الله عليه وسلم المؤدِّي إلى ما يُوجبُ هلاكهم من دعائه صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِمْ وأمَّا ما قيل من أنَّ المعنى لا تجعلوا نداءه صلى الله عليه وسلم كنداءِ بعضِكم بعضاً باسمِه ورفع الصَّوتِ والنِّداءِ من رواء الحجرات ولكن بلقيه المعظَّم مثل يا رسولَ الله يا نبيَّ الله مع غايةِ التَّوقيرِ والتَّفخيمِ والتَّواضعِ وخفضِ الصَّوتِ فلا يناسب المقامَ فإن قوله تعالى {قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ} الخ وعيد لمخالفي أمره صلى الله عليه وسلم فيما ذكرَ من قبلُ فتوسيطُ ما ذكر بينهما مما لا وجهَ لَهُ والتسلل الخروج من البيت على التَّدريجِ والخفيةِ وقد للتَّحقيق كما أنَّ رُبَّ تجئ للتَّكثير حسبما بُيِّن في مطلع سورةِ الحجرِ أي يعلمُ الله الذين يخرجُون من الجماعة قليلاٌ قليلاً على خُفيةٍ {لِوَاذاً} أي مُلاوذةً بأن يستترَ بعضُهم ببعضٍ حتَّى يخرجَ أو بأن يلوذَ بمن يخرجُ بالإذنِ إراءةً أنَّه من أتباعه وقرئ بفتحِ اللَاّمِ وانتصابُه عَلى الحاليةِ من ضمير يتسللون أي مُلاوذين أو على أنَّه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل مضمرٍ هو الحالُ في الحقيقة أي يلوذُون لِواذاً والفاء في قوله تعالى {فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ} لترتيب الحذرِ أو الأمرِ به على ما قبلها من علمه تعالى بأحوالهم فإنَّه ممَّا يُوجب الحذرَ البتةَ أي يخالفون أمرَه بترك مقتضاه ويذهبونَ سمتا خلاف سمته وعن إما لتضمُّنه معنى الإعراضِ أو حملِه على معنى يصدون عن أمره دُون المؤمنين من خالفَه عن الأمر إذا صدَّ عنه دونه وحذفُ المفعولِ لما أنَّ المقصودَ بيانُ المُخالِفِ والمُخالَفَ عنه والضَّميرُ لله تعالى لأنَّه الآمرُ حقيقةً أو للرَّسول صلى الله عليه وسلم لأنَّه المقصودُ بالذِّكر {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي محنةٌ في الدُّنيا أَوْ {يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي في الآخرةِ وكلمةُ أَوْ لمنعِ الخُلوّ دونَ الجمعِ وإعادة الفعل صريحا
سورة النور 64 للاعتناء بالتَّهديد والتَّحذيرِ واستُدل به على أنَّ الأمرَ للإيجاب فإنَّ ترتيب العذابينِ على مخالفته كما يُعرب عنه التَّحذيرُ عن إصابتهما يوجبُ وجوبَ الامتثالِ به حتماً
{أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض} من الموجوداتِ بأسرِها خلفا وملكا وتصرفا إيجادا وإعداما بدء وإعادةً {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} أيُّها المُكلَّفون من الأحوالِ والأوضاعِ التي من جُملتها الموافقةُ والمخالفةُ والإخلاصُ والنِّفاقُ {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} عطفٌ على ما أنتُم عليهِ أي يعلمُ يومَ يُرجع المنافقون المخالفون للأمرِ إليه تعالى للجزاءِ والعقابِ وتعليقُ علمِه تعالى بيومِ رجوعِهم لا يرجعهم لزيادةِ تحقيق علمِه تعالى بذلك وغايةُ تقريرِه لما أنَّ العلمَ بوقت وقوع الشيء مستلزم للعمل بوقوعِه على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وفيه إشعارٌ بأنَّ علمَه تعالى لنفسِ رجوعِهم منَ الظهورِ بحيثُ لا يحتاجُ إلى البيانِ قطعاً ويجوزُ أن يكونَ الخطابُ أيضاً خاصّاً بالمنافقين على طريقه الالتفات وقرئ يَرجعون مبنيّاً للفاعلِ {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} منَ الأعمال السَّيئةِ التي من جُملتها مخالفةُ الأمر فيترتب عليه ما يليقُ به من التَّوبيخ والجزاء وقد مرَّ وجهُ التَّعبيرِ عن الجزاء بالتنبئة في قولِه تعالى إِنَّمَا بغيكم على أَنفُسِكُمْ الآيةَ {والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ من مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ} عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مَن قرأَ سُورةَ النُّور أُعطِيَ من الأجر عشرَ حسناتٍ بعددِ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ فيما مَضَى وفيما بَقِي والله سبحانه وتعالى أعلم