المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

سورة الأنبياء 25 27 إضرابٌ من جهتِه تعالى غيرُ داخلٍ - تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - جـ ٦

[أبو السعود]

الفصل: سورة الأنبياء 25 27 إضرابٌ من جهتِه تعالى غيرُ داخلٍ

سورة الأنبياء 25 27 إضرابٌ من جهتِه تعالى غيرُ داخلٍ في الكلامِ الملقنِ وانتقالٌ من الأمر بتبكيتهم بمطالبة البرهانِ إلى بيان أنه لا ينجح فيهم المحاجة بإظهار حقية الحقِّ وبُطلانِ الباطل فإن أكثرهم لا يفهمون الحقَّ ولا يميزون بينه وبين الباطل {فَهُمُ} لأجل ذلك {مُّعْرِضُونَ} أي مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباعِ الرسول لا يرعوون عمَّا هُم عليهِ من الغي والضلال وإن كُرّرت عليهم البينات والحجج أو معرضون عما ألقي عليهم من البراهين العقلية والنقلية وقرىء الحقُّ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وسِّط بين السبب والمسببِ تأكيداً للسببية وقوله تعالى

ص: 63

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إله إِلَاّ أَنَاْ فاعبدون}

‌25

- استئنافٌ مقررٌ لما أُجمل فيما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية وأجمعت عليه الرسلُ عليهم السلام وقرىء يوحى على صيغة الغائب مبنياً للمفعول وأياً ما كان فصيغةُ المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ استحضارا لصورة الوحي

ص: 63

{وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً} حكايةٌ لجناية فريق من المشركين جيء بها لإظهار

‌26

- بُطلانِها وبيانِ تنزّهه تعالى عن ذلك إثرَ بيان تنزّهِه سبحانه عن الشركاء على الإطلاق وهم حيٌّ من خُزاعَةَ يقولون الملائكةُ بناتُ الله تعالى ونقل الواحدي أن قريشاً وبعضَ أجناس العرب جهينة وبني سلمةَ وخُزاعةَ وبني مَليحٍ يقولون ذلك والتعرضُ لعنوان الرحمانية المنبئةِ عن كون جميع ماسواه تعالى مربوباً له تعالى نعمةً أو مُنعَماً عليه لإبراز كمالِ شناعةِ مقالتِهم الباطلةِ {سبحانه} أي تنزّه بالذات تنزّهَه اللائقَ به على أن السبحان مصدر من سبح أي بَعُد أو أسبّحه تسبيحَه على أنه علمٌ للتسبيح وهو مقولٌ على ألسنة العباد أو سبحوه تسبيحَه وقوله تعالى {بَلْ عِبَادٌ} إضرابٌ وإبطالٌ لما قالوه كأنه قيل ليست الملائكةُ كما قالوا بل هم عبادٌ له تعالى {مُّكْرَمُونَ} مقربون عنده وقرى مكرمون بالتشديد وفيه تنبيهٌ على منشأ غلطِ القوم وقوله تعالى

ص: 63

{لَا يَسْبِقُونَهُ بالقول} صفةٌ أخرى لعباد منبئةٌ عن كمال طاعتهم وانقيادِهم لأمره تعالى أي

‌27

- لا يقولون شيئاً حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به وأصلُه لا يسبق قولُهم قولَه تعالى فأسند السبق إليهم منسوباً إليه تعالى تنزيلاً لسبق قولِهم قولَه تعالى منزلةَ سبقهم إياه تعالى لمزيد تنزيههم عن ذلك وللتنبيه على غاية استهجان السبقِ المعرَّضِ به للذين يقولون مالا يقوله الله تعالى وجعلُ القول محلاً للسبق وأداةً له ثم أنيب اللامُ عن الإضافة للاختصار والنجافى عن التكرار وقرىء لا يسبقونه بضم الباء من سابقته فسبقته أسبُقه وفيه مزيدُ استهجانٍ للسبق وإشعارٌ بأن من سبق قولُه قولَه تعالى فقد تصدّى لمغالبته تعالى في السبق فسبقه فغلبه والعياذ بالله تعالى وزيادةُ تنزيهٍ لهم عما نُفيَ عنهم ببيان أن ذلك عندهم بمنزلة الغلبة بعد المغالبة فأتى يتوهم صدور عنهم {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} بيان لتبيعتهم له تعالى في الأعمال إثرَ بيانِ تبعيتهم له تعالى في الأقوال فإن نفيَ سبقِهم له تعالى بالقول عبارةٌ عن تبعيّتهم له تعالى فيه كأنه قيل هم بأمره يقولون وبأمره

ص: 63

سورة الأنبياء 28 30 يعملون لا بغير أمره أصلاً فالقصرُ المستفادِ من تقديم الجار معتبرٌ بالنسبة إلى غير أمرِه لا إلى أمر

28 -

غيرِه

ص: 64

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} استئنافٌ وقع تعليلاً لما قبله وتمهيداً لما بعده فإن لعلمهم بإحاطته تعالى بما قدموا وأخروا من الأقوال والأعمال لايزالون يراقبون أحوالهم فلا يقدرون على قول أو عمل بغير أمره تعالى {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارتضى} أن يشفعَ له مهابةً منه تعالى {وَهُمْ} مع ذلك {من خشيته} عزوجل {مشفقون} مر تعدون وأصلُ الخشية الخوفُ مع التعظيم ولذلك خص بها العلماءُ والإشفاق الخوفُ مع الاعتناء فعند تعديتِه بمن يكون معنى الخوف فيه أظهرَ وعند تعديته

29 -

بعلى ينعكس الأمر

ص: 64

{وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ} أي من الملائكة الكلامَ فيهم وفي كونهم بمعزل مما قالوا في حقهم {إِنّى إله من دونه} متجاوزا إياه تعالى {فَذَلِكَ} الذي فُرض قولُه فرضَ مُحال {نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} كسائر المجرمين ولا يغني عنهم ما ذُكر من صفاتهم السنية وأفعالِهم المَرْضية وفيه من الدِلالة على قوة ملكوتِه تعالى وعزة جبروتِه واستحالةِ كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ماتوهمه أولئك الكفرة مالا يخفى {كذلك نَجْزِى الظالمين} مصدرٌ تشبيهيٌّ مؤكد لمضمون ما قبله أي مثلَ ذلك الجزاءِ الفظيعِ نجزي الذين يضعون الأشياءَ في غير مواضعِها وبتعدون أطوارَهم والقصرُ المستفادُ من التقديم معتبرٌ بالنسبة إلى النقصان

40 -

دون الزيادة أي لا جزاءً أنقصَ منه

ص: 64

{أَوَلَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ} تجهيل لهم تتقصيرهم في التدبُّر في الآيات التكوينيةِ الدالةِ على استقاله تعالى بالألوهية وكن جميع ما سواه مقهوراً تحت ملكوتِه والهمزةُ للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدر وقرىء بغير واو الرؤية قلبيةٌ أيْ ألم يتفكَّروا ولم يعلموا {أن السماوات والأرض كَانَتَا} أي جماعتا السمواتِ والأرضين كما في قوله تعالى إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أن تَزُولَا {رَتْقاً} الرتْق الضمُّ والالتحامُ والمعنى إما على حذف المضافِ أو هو بمعنى المفعولِ أي كانتا ذواتي رتق أو مر توقتين وقرىء رتقا شيئا تقا أي مرتوقاً {ففتقناهما} قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير كانتا شيئاً واحداً ملتزمين ففصل الله تعالى بينهما ورفع السماءَ إلى حيث هي وأقرّ الأرض وقال كعب خلق الله تعالى السمواتِ والأرض ملتصقين ثم خلق ريحاً فتوسطتها ففتقتْها وعن الحسن خلق الله تعالى الأرضَ في موضعِ بيتِ المقدس كيئة الفِهْر عليها دخانٌ ملتزقٌ بها ثمَّ أصعدَ الدخانَ وخلقَ منهُ السمواتِ وأمسكَ الفِهْرَ في موضعِها وبسَط منها الأرضَ وذلكَ قولُه تعالى كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما وقال مجاهد والسدي كانت السموات مرتتقة طبعة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات وكذلك الأرضُ كانت مرتفعة طبعة واحدة ففتقها فجعلها سبع أرضين وقال ابن عباس في

ص: 64