المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب في الردة - إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين - جـ ٤

[البكري الدمياطي]

الفصل: ‌باب في الردة

‌باب في الردة

(الردة) لغة الرجوع، وهي أفحش أنواع الكفار ويحبط بها العمل إن اتصلت بالموت فلا يجب إعادة

ــ

باب في الردة

أي في بيان أحكامها، أعاذنا الله وأحبتنا وجميع المسلمين منها، وإنما ذكر هذا الباب بعدما قبله لانه جناية مثله، لكن ما تقدم من أول الجناية إلى هنا متعلق بالنفس وهذا متعلق بالدين، وأخره عما تقدم، وإن كان هذا أهم، لكثرة وقوع ذلك اه.

ع ش، وحاصل الكلام على أنواع الردة أنها تنحصر في ثلاثة أقسام: اعتقادات وأفعال وأقوال، وكل قسم منها يتشعب شعبا كثيرة.

فمن الأول: الشك في الله أو في رسالة رسوله أو في شئ من القرآن أو في اليوم الآخر أو في وجود الجنة أو النار أو في حصول الثواب للمطيع والعقاب للعاصي أو فيما هو مجمع عليه مما هو معلوم من الدين بالضرورة أو اعتقاد فقد صفة من صفاته تعالى أو تحليل ما هو حرام، ومن الثاني السجود لصنم أو لشمس أو مخلوق آخر، ومن الثالث قوله لمسلم يا كافر أو يا عديم الدين قاصدا بالاول أن دينه المتلبس به وهو الاسلام كفر، وبالثاني أن ما هو متصف به لا

يسمى دينا، أو قوله لو آخذني الله بترك الصلاة مع ما أنا فيه من المرض والشدة ظلمني، أو قوله أنا أفعل بغير تقدير الله عند سماعه من يقول فعلك هذا بتقدير الله تعالى، أو قوله لو شهد عندي جميع المسلمين ما قبلتهم استهزاء بهم وسخرية، أو قوله للمفتي عند إعطائه جواب سؤال استفتاه فيه أي شئ هذا الشرع ويرمي الجواب استخفافا بالشرع، أو قوله: وقد أمر بحضور مجلس علم أي شئ أعمل بمجلس العلم، أو لعنة الله على كل عالم قاصد الاستخاف ان لم يرد الاستغراق وإلا لم يشترط الاستخفاف لشموله الانبياء والملائكة، أو قوله يكون الابعد قوادا إن صليت أو صمت، أو ما أصبت خيرا منذ صليت، أو الصلاة لا تصلح لي قاصدا بذلك الاستخفاف أو الاستهزاء، أو قول مريض طال مرضه توفني مسلما أو كافرا إن شئت، أو قول معلم الصبيان اليهود خير من المسلمين لانهم يقضون حق معلمي أولادهم لكن إن قصد الخيرية المطلقة ومما يخشى منه الكفر، والعياذ بالله تعالى، شتم رجل اسمه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ذاكرا النبي، والكلام بكلام الدنيا عند سماع قرآن أو أذان، وقوله للقراء هؤلاء آكلوا الربا، وقوله لصالح وجهه كالخنزير، أو أنا أريد المال سواء كان من حلال أو حرام.

واعلم: أنه يجري على ألسنة العامة جملة من أنواع الكفر من غير أن يعلموا أنها كذلك فيجب على أهل العلم أن يبينوا لهم ذلك لعلهم يجتنبونه إذا علموه لئلا تحبط أعمالهم ويخلدون في أعظم العذاب، وأشد العقاب، ومعرفة ذلك أمر مهم جدا، وذلك لأن من لم يعرف الشر يقع فيه وهو لا يدري، وكل شر سببه الجهل، وكل خير سببه العلم، فهو النور المبين، والجهل بئس القرين، وقد استوفى الكلام على جميع أنواع الردة وبيان المختلف فيه منها والمتفق عليه ابن حجر في كتابه المسمى بالاعلام بقواطع الاسلام، فمن أراد الاحاطة بجميع ذلك فعليه بالكتاب المذكور (قوله: الردة لغة الرجوع) أي عن مطلق شئ إلى غيره سواء كان رجوعا عن الاسلام إلى غيره وهو الكفر أو عن شئ آخر إلى غيره فالمعنى اللغوي أعم من الشرعي كما هو الغالب (قوله: وهي) أي الردة.

(وقوله أفحش أنواع الكفر) أي أغلظ من غيرها من بقية أنواع الكفر وذلك لقوله تعالى: * (ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر) * الآية، وقوله تعالى: * (ومن يبتغ

(1) سورة البقرة، الاية:217.

ص: 149

عباداته التي قبل الردة.

وقال أبو حنيفة تجب، وشرعا:(قطع مكلف) مختار، فتلغو من صبي ومجنون ومكره عليها إذا كان قلبه مؤمنا (إسلاما بكفر عزما) حالا أو مآلا فيكفر به حالا (أو قولا أو فعلا باعتقاد) لذلك الفعل أو القول أي معه (أو) مع (عناد) من القائل أو الفاعل (أو) مع (استهزاء) أي استخفاف، بخلاف ما لو اقترن به ما

ــ

غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) * ولخبر البخاري من بدل دينه فاقتلوه (وقوله: ويحبط بها العمل) أي الحاصل منه قبل الردة فكأنه لم يعمل شيئا ويترتب على ذلك وجوب مطالبته به في الآخرة، (وقوله إن اتصلت بالموت) فإن لم تتصل

به بأن أسلم قبله فلا يحبط بها العمل وإنما يحبط بها ثوابه فقط فيدعو له العمل مجردا عن الثواب، ويترتب على ذلك أنه لا يجب عليه قضاؤه ولا يطالب به في الآخرة (قوله: فلا يجب إعادة إلخ) مفرع على مفهوم قوله إن اتصلت بالموت وهو فإن لم تتصل بالموت فلا يحبط عمله فلا يجب إعادة، ولعله سقط هذا المفهوم من النساخ (قوله: وقال أبو حنيفة تجب) أي الاعادة لانها يحبط بها عنده العمل مطلقا ولو لم تتصل بالموت (قوله: وشرعا) معطوف على لغة (قوله: قطع مكلف) من إضافة المصدر لفاعله، وخرج به الكفر الاصلي فلا يسمى ردة وهي تفارقه في أمور منها أن المرتد لا يقر على ردته فلا يقبل منه إلا الاسلام، ومنها أنه يلزم بأحكامنا لالتزامه لها بالاسلام، ومنها إنه لا يصح نكاحه، ومنها تحرم ذبيحته ولا يستقر له ملك ولا يسبى ولا يفادي ولا يمن عليه ولا يرث ولا يورث، بخلاف الكافر الاصلي في جميع ذلك، (قوله: فتلغو) أي الردة: أي لا يؤاخذ بها (وقوله من صبي ومجنون) أي وسكران غير معتد بسكره (قوله: ومكره عليها) أي وتلغو من مكره عليها لقوله تعالى: * (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) * (قوله: إسلاما) أي دوام إسلام، وهو مفعول قطع، وخرج به قطع الصلاة ونحوها فلا يسمى ردة (قوله: بكفر) متعلق بقطع، وقوله عزما تمييز محول عن المضاف والاصل بعزم كفر (قوله: حالا أو مآلا) يعني أن العزم على الكفر يقطع الاسلام سواء عزم أن يكفر حالا أو عزم أن يكفر غدا، ومثل العزم على التردد فيه فيكفر به أيضا (قوله: فيكفر به حالا) أي فيكفر بعزمه على الكفر في المآل: أي المستقبل حالا (قوله: أو قولا أو فعلا) معطوفان على عزما فهما منصوبان عى التمييز أيضا لان المعطوف على التمييز تمييز وهما محولان عن المضاف أيضا، والتقدير أو قول كفر أو فعله، وقد علمت بعضا من الاقوال المكفرة والافعال كذلك، ومن الاول أيضا غير ما تقدم أن يقول الله ثالث ثلاثة، ومن الثاني غير ما تقدم أن يلقى مصحفا وكتب علم شرعي أو ما عليه اسم معظم في قاذورة ولو طاهرة، وأما ضرب الفقيه مثلا للاولاد الذين يتعلمون منه بألواحهم أو رميهم بها من بعد فقال ع ش: الظاهر أنه ليس كفرا لأن الظاهر من حال الفقيه أنه لا يريد الاستخفاف بالقرآن.

نعم: ينبغي حرمته لاشعاره بعدم التعظيم كما قالوه فيما لو روح بالكراسة على وجهه (قوله: باعتقاد) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لما قبله، وظاهر عبارته أن الاعتقاد وما بعده من العناد والاستهزاء مختصان بالقول والفعل وليس كذلك، بل تأتي الثلاثة أيضا في العزم على الكفر، كما صرح بذلك في التحفة والنهاية فعزمه عليه يكون مع اعتقاد أو عناد أو استهزاء، قال بعضهم لا يظهر الاستهزاء في العزم.

وقوله أي معه: أفاد أن الباء بمعنى مع (قوله: أو مع عناد) أي بأن عر ف أن الحق باطنا وامتنع أن يقر به كأن يقول الله ثالث ثلاثة، أو يسجد لصنم عنادا لمن يخاصمه مع اعتقاد أن الله واحد، أو أن السجود لا يكون إلا لله (قوله: أو مع

استهزاء) مثل م ر للاستهزاء في القول بما إذا قيل له قلم أظفارك فإنه سنة فقال لا أفعله وإن كان سنة أو لو جاءني به النبي ما قبلته ما لم يرد المبالغة في تبعيد نفسه أو يطلق فإن المتبادر منه التبعيد، كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى تبعا للسبكي في أنه ليس من التنقيص قول من سئل في شئ لو جاءني جبريل أو النبي ما فعلته.

اه (قوله: بخلاف الخ) مقابل قوله باعتقاد وما معه: أي أن هذه الثلاثة أعني العزم على الكفر، أو قوله أو فعله تقطع الاسلام، ويحصل بها الردة بالاعتقاد أو العناد أو الاستهزاء.

أما إذا لم تقترن بها بل اقترنت بسبق لسان أو حكاية كفر أو غير ذلك فلا تقطع الاسلام ولا يحصل بها الردة.

(وقوله: ما لو اقترن به) ما واقعة على الثلاثة الأول: أعني العزم والقول والفعل، وضمير به يعود عليها.

(وقوله:

(1) سورة آل عمران، الاية:85.

(2)

سورة النحل، الاية:106.

ص: 150

يخرجه عن الردة كسبق لسان أو حكاية كفر أو خوف قال شيخنا كشيخه وكذا قول الولي حال غيبته أنا الله ونحوه مما وقع لائمة من العارفين كابن عربي وأتباعه بحق وما وقع في عبارتهم مما يوهم كفرا غير مراد به ظاهره كما لا يخفى على الموفقين.

نعم، يحرم على من لم يعرف حقيقة اصطلاحهم وطريقتهم مطالعة كتبهم فإنها مزلة قدم

ــ

كسبق لسان إلخ) تمثيل لما يخرجه عن الكفر.

(وقوله: أو حكاية كفر) أي كفر غيره كأن يقول قال فلان أنا الله مثلا.

(وقوله: أو خوف) أي كأن يكون في بلاد الكفر وأمروه بالسجود لصنم فسجد له خوفا منهم أن يقتلوه لو لم يسجد، ومثل ما ذكر من سبق اللسان وما بعده الاجتهاد فيما لم يقم الدليل القاطع على خلافه كاعتقاد المعتزلة عدم رؤية الباري في الآخرة أو عدم عذاب القبر أو نعيمه فلا يكفرون بذلك لانه اقترن به اجتهاد (قوله: وكذا قول الولي) أي مثل ما اقترن به ما يخرجه عن الردة قول الولي في حال غيبته أنا الله فلا يقتل لعدم تكليفه حينئذ.

وعبارة المغني: وخرج بذلك من سبق لسانه إلى الكفر أو أكره عليه فإنه لا يكون مرتدا، وكذا الكلمات الصادرة من الاولياء في حال غيبتهم، وفي أمالي الشيخ ابن عبد السلام أن الولي إذا قال أنا الله عزر التعزير الشرعي ولا ينافي الولاية لانهم غير معصومين، وينافي هذا قول القشيري من شرط الولي أن يكون محفوظا كما إن من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخادع، فالولي الذي توالت أفعاله على الموافقة، وقد سئل ابن سريج عن الحسين الحلاج لما قال: أنا الحق فتوقف فيه، وقال هذا رجل خفي علي أمره، وأما أقول فيه شيئا، وأفتى بكفره بذلك القاضي أبو عمرو والجنيد وفقهاء عصره، وأمر المقتدر بضربه ألف سوط، فإن مات وإلا ضرب ألفا أخري، فإن لم يمت قطعت يداه ورجلاه ثم ضرب عنقه، ففعل به جميع ذلك لست بقين من ذي الحجة ستة تسع وثلثمائة والناس مع ذلك يختلفون في أمره، فمنهم من يبالغ في تعظيمه، ومنهم من يكفره لانه قتل بسيف الشرع، وجرى ابن المقري، تبعا لغيره، على كفر من شك في كفر طائفة، كابن عربي الذين ظاهر كلامهم عند غيرهم الاتحاد، وهو بحسب ما فهموه من ظاهر كلامهم، ولكن كلام هؤلاء

جار على اصطلاحهم: إذ اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي مجاز في غيره، والمعتقد منهم لمعناه معتقد لمعنى صحيح، وأما من اعتقد ظاهره من جهلة الصوفية فإنه يعرف فإن استمر على ذلك بعد تعريفه صار كافرا.

اه.

وفي شرح الروض بعد كلام: والحق أن هؤلاء، أي الطائفة كابن عربي، مسلمون أخيار وكلامهم جار على اصطلاحهم كسائر الصوفية وهو حقيقة عندهم في مرادهم وإن افتقر عند غيرهم ممن لو اعتقد ظاهره عنده كفر إلى تأويل: إذ اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي مجاز في غيره بالمعتقد منهم لمعناه معتقد لمعنى صحيح، وقد نص على ولاية ابن عربي جماعة علماء عارفون بالله منهم الشيخ تاج الدين بن عطاء الله والشيخ عبد الله اليافعي ولا يقدح فيه وفي طائفة ظاهر كلامهم المذكور عند غير الصوفية لما قلناه ولانه قد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصود العبارة عن بيان حاله الذي ترقى إليه وليست في شئ منهما كما قاله العلامة السعد التفتازاني وغيره.

اه.

في حاشية الامير علي عبد السلام الناس في التوحيد متفاوتون، فالعامة الاسلامية اقتصروا على علم ظاهر لا إله إلا الله، ومنهم من ترقى إلى معرفة ما يمكن بالبراهين الفكرية، ومنهم من فتح عليه بأمور وجدانية، ومنهم من ذاق الكل من الله وإليه فرضي بكل شئ من هذه الحيثية، كما سبقت الاشارة إليه غير مرة، ومنهم من غاب عن المغايرة وطفح في سكره حيث قال أنا الله، أو ما في الجبة إلا الله، أو ما في الكون إلا الله، فمنهم من عذرهم بذلك، ومنهم من عاقبهم، والكل على خير إن شاء الله تعالى حيث صح الأصل.

اه (قوله: وما وقع) مبتدأ، خبره غير مراد به ظاهره، والمعنى أن ما وقع في عبارات القوم مما يوهم الكفر كالكلمات المتقدمة غير مراد به ظاهره، بل له معنى صحيح عندهم اصطلحوا عليه (قوله: كما لا يخفى على الموفقين) أي المنورين البصيرة (قوله: نعم يحرم الخ) استدراك على كون ما وقع من هذه الطائفة غير مراد ظاهره بل له معنى صحيح عندهم (قوله: مطالعة) فاعل يحرم (قوله: فإنها) أي مطالعة كتبهم، (وقوله: مزلة قدم) أي موضع زللها، والمراد من طالع كتبهم وهو لا يعرف حقيقة اصطلاحهم يكون ذلك له سببا في زلله وخروجه

ص: 151

له، ومن ثم ضل كثيرون اغتروا بظواهرها.

وقول ابن عبد السلام: يعزر ولي قال أنا الله؟ فيه نظر، لانه إن قاله وهو مكلف فهو كافر لا محالة، وإن قاله حال الغيبة المانعة للتكليف فأي وجه للتعزير.

اه.

وذلك (كنفي صانع و) نفي (نبي) أو تكذيبه (وجحد مجمع عليه) معلوم من الدين بالضرورة من غير تأويل وإن لم يكن فيه نص

ــ

عن سنن أهل الحق والاستقامة إلى سنن أهل البدع والضلالة (قوله: ومن ثم) أي ومن أجل أنها مزلة قدم (قوله: وقول ابن عبد السلام إلخ) عبارة التحفة: وقوله ابن عبد السلام يعزر ولي قال أنا الله ولا ينافي ذلك ولايته لانه غير معصوم فيه نظر لأنه إن كان غائبا فهو غير مكلف لا يعزر كما لو أول بمقبول، وإلا فهو كافر، ويمكن حمله على ما إذا شككنا في حاله

فيعزر فطما له ولا يحكم عليه بالكفر لاحتمال عذره ولا بعدم الولاية لانه غير معصوم.

اه (قوله: وذلك) أي المكفر قولا أو فعلا أو عزما، لكن الأمثلة التي ذكرها بعضها يناسب الاول، وبعضها يناسب الثاني، وبعضها يناسب الثالث فتكون على التوزيع، (وقوله: كنفي صانع) أي وجوده وهو الله سبحانه وتعالى والذي نفى الصانع الدهرية وهم طائفة يزعمون أن العالم لم يزل موجودا كذلك بلا صانع، ومثله نفي صفة من صفاته الواجبة له تعالى إجماعا كالقدم والبقاء ونكر لفظ صانع لانه هو الوارد ففي حديث الطبراني والحاكم اتقوا الله فإن الله فاتح لكم وصانع (قوله: ونفي نبي) أي نبوته، والمراد نبي من الانبياء الذين يجب الإيمان بهم تفصيلا، وهم الخمسة والعشرون المذكورون في القرآن وقد نظمهم بعضهم في قوله: حتم على كل ذي التكليف معرفة لانبياء على التفصيل قد علموا في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا (قوله: أو تكذيبه) أي نبي من الانبياء، ومثل التكذيب تنقيصه بأي منقص كان: كأن صغر اسمه مريدا تحقيره.

وخرج بتكذيبه الكذب عليه فلا يكون كفرا وإن كان حراما.

قال في التحفة: وقول الجويني أن الكذب على نبينا صلى الله عليه وسلم كفر بالغ ولده إمام الحرمين في تزييفه وأنه زلة.

اه (قوله: وجحد مجمع عليه) أي إنكار ما أجمع على إثباته أو على نفيه فدخل فيه جميع الواجبات المجمع عليها وجميع المحرمات كذلك، ودخل أيضا القرآن فمن أنكر وجوب شئ من الواجبات كالصلاة والصوم أو حرمة شئ من المحرمات المجمع عليها كالزنا واللواط وشرب الخمر أو أنكر شيئا من القرآن، ولو آية، كفر بذلك، وسبب التكفير به - كما في التحفة - أن في إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة تكذيبا للنبي صلى الله عليه وسلم.

(وقوله: معلوم من الدين بالضرورة) أي معلوم من أدلة ديننا علما يشبه الضروري الذي لا يحتاج إلى نظر واستدلال بحيث استوى في معرفته العامة والخاصة.

قال اللقاني: ومن لمعلوم ضرورة جحد من ديننا يقتل كفرا ليس حد (قوله: من غير تأويل) متعلق بجحد، أي جحد من غير تأويل: أي أو بتأويل قطعي بالبطلان كجحد أهل اليمامة وجوب الايمان بعد موته صلى الله عليه وسلم قائلين أنه لا يجب الايمان إلا في حياته لانقطاع شريعته بموته كبقية الانبياء فهذا التأويل باطل قطعا لان شريعته صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، أما ما كان بتأويل غير قطعي البطلان كجحد كفر فرعون وإثبات إيمانه تمسكا بظاهر

قوله تعالى: * (قال آمنت) * الآية فلا يكون مكفرا لوجود تأويل وإن كان فاسدا لان الايمان لا ينفع عند يأس الحياة بأن وصل لآخر رمق كالغرغرة وإدراك الغرق في الآية من ذلك كما هو واضح لكنه غير قطعي الفساد.

والحاصل كفر فرعون مجمع عليه لما ذكر لكن من جحد ذلك لا يكفر لوجود تأويل ما قال وفي التحفة بعد كلام: وبما تقرر علم خطأ من كفر القائلين بإسلام فرعون لانا وإن اعتقدنا بطلان هذا القول لكنه غير ضروري وإن فرض أنه

(1) سورة يونس، الاية:90.

ص: 152

كوجوب نحو الصلاة المكتوبة وتحليل نحو البيع والنكاح وتحريم شرب الخمر واللواط والزنا والمكس وندب الرواتب والعيد بخلاف مجمع عليه لا يعرفه إلا الخواص ولو كان فيه نص كاستحقاق بنت الابن السدس مع البنت وكحرمة نكاح المعتدة للغير، كما قاله النووي وغيره، وبخلاف المعذور كمن قرب عهده بالاسلام

(وسجود لمخلوق) اختيارا من غير خوف ولو نبيا وإن أنكر الاستحقاق أو لم يطابق قلبه جوارحه لان ظاهر حاله يكذبه وفي الروضة عن التهذيب من دخل دار الحرب فسجد لصنم أو تلفظ بكفر ثم ادعى إكراها فإن فعله في خلوته لم يقبل أو بين أيديهم وهو أسير قبل قوله أو تاجر فلا وخرج بالسجود الركوع لان صورته تقع في العادة

ــ

مجمع عليه بناء على أنه لا عبرة بخلاف أولئك إذ لم يعلم أن فيهم من بلغ مرتبتة الاجتهاد.

اه (قوله: وان لم يكن فيه نص) غاية في تكفير جاحد مجمع عليه: أي يكفر به وإن لم يكن لهذا المجمع عليه نص من القرآن أو السنة كالاجماع السكوتي (قوله: كوجوب الخ) تمثيل للمجمع عليه فإذا جحده كفر.

وقوله نحو الصلاة: أي كالصيام والزكاة والحج (قوله: وتحليل نحو البيع والنكاح) عطف على وجوب: أي وكتحليل الخ: أي فهو مجمع عليه، فمن جحده كفر (قوله: وندب الرواتب) أي السنن الراتبة: أي فهو مجمع عليه، فمن أنكره كفر، وقوله والعيد: عطف على الرواتب أي وندب العيد: أي صلاته قال في الاعلام وفي تعليق البغوي من أنكر السنن الراتبة أو صلاة العيدين يكفر، والمراد إنكار مشروعيتها لانها معلومة من الدين بالضرورة ومنكر هيئة الصلاة زعما منه أنها لم ترد إلا مجملة وهذه الصفات والشروط لم ترد بنص جلي متواتر يكفر أيضا إجماعا اه.

(قوله: بخلاف مجمع عليه إلخ) محترز قوله معلوم من الدين بالضرورة.

(وقوله: لا يعرفه إلا الخواص) أي دون العوام.

قال ع ش: ظاهره وإن علمه ثم أنكره وهو المعتمد.

وفي شرح البهجة لشيخ الاسلام ما يخالفه.

اه.

(قوله: كاستحقاقه بنت الابن السدس) تمثيل للمجمع عليه الذي لا يعرفه إلا الخواص: أي فمن جحده لا يكفر به (قوله: وكحرمة نكاح المعتدة) أي فمن جحدها لا يكفر.

قال ع ش: أي مع اعترافه بأصل العدة وإلا فإنكار العدة من أصلها كفر لثبوته بالنص وعلمه بالضرورة.

اه.

(قوله: وبخلاف المعذور) محترز قيد ملحوظ.

أي وجحد مجمع عليه من غير عذر وكان الأولى التصريح به (قوله: كمن قرب عهده بالإسلام) تمثيل للمعذور، ومثله من نشأ ببادية بعيدة عن العلماء (قوله: وسجود لمخلوق) معطوف على نفي صانع: أي وكسجود لمخلوق سواء كان صنما أو شمسا أو مخلوقا غيرهما فيكفر به لانه أثبت لله شريكا.

قال في الإعلام.

سواء كان السجود في دار الحرب أم في دار الإسلام بشرط أن لا تقوم قرينة على عدم استهزائه أو عذره وما في الحلية عن القاضي عن النص أن المسلم لو

سجد للصنم في دار الحرب لم يحكم بردته ضعيف وواضح أن الكلام في المختار.

اه.

(قوله: اختيارا) خرج المكره كأن كان في دار الحرب وأكرهوه على السجود لنحو صنم.

وقوله من غير خوف: لا حاجة إليه لأنه يغني عنه ما قبله (قوله: ولو نبيا) أي ولو كان المخلوق نبيا فإنه يكفر بالسجود له (قوله: وإن أنكر الاستحقاق) أي يكفر بالسجود للمخلوق وإن أنكر استحقاقه له واعتقد أنه مستحق لله تعالى خاصة (وقوله: أو لم يطابق الخ) عطفه على ما قبله من عطف العام على الخاص.

قال في الاعلام: وفي المواقف وشرحها من صدق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك سجد للشمس كان غير مؤمن بالاجماع لان سجوده لها يدل بظاهره على أنه ليس بمصدق ونحن نحكم بالظاهر، فلذلك حكمنا بعدم إيمانه لان عدم السجود لغير الله داخل في حقيقة الايمان حتى لو علم أنه لم يسجد لها على سبيل التعظيم واعتقاد الالهية، بل سجد لها وقلبه مطمئن بالتصديق لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله وإن أجرى عليه حكم الكافر في الظاهر.

اه.

(قوله: من دخل دار الحرب) أي من المسلمين (قوله: فسجد) أي من دخل دار الحرب.

(وقوله: لصنم) أي أو نحوه كشمس (قوله: أو تلفظ بكفر) معطوف على سجد لصنم (قوله: ثم ادعى إكراها) خرج به ما إذا لم يدعه فيحكم بكفره مطلقا (قوله: فإن فعله) أي المذكور من السجود والتلفظ بالكفر، والجملة جواب من (وقوله: في خلوته) أي ليس بين أيديهم) (وقوله: لم يقبل) أي لأن قرينة حاله تكذبه (قوله: أو بين أيديهم) معطوف على الجار والمجرور قبله: أي أو فعله بين أيديهم.

(وقوله: قبل) لان قرينة حاله وهي أسره وكونه بين أيديهم تصدقه (قوله: أو تاجر) معطوف على أسير: أي فإن فعله بين

ص: 153

للمخلوق كثيرا، بخلاف السجود.

قال شيخنا: نعم يظهر أن محل الفرق بينهما عند الاطلاق، بخلاف ما لو قصد تعظيم مخلوق بالركوع كما يعظم الله تعالى به فإنه لا شك في الكفر حينئذ.

اه.

وكمشي إلى الكنائس بزيهم من زنار وغيره وكإلقاء ما فيه قرآن في مستقذر، قال الروياني أو علم شرعي، ومثله بالاولى ما فيه اسم معظم (وتردد في كفر) أيفعله أو لا، وكتكفير مسلم لذنبه بلا تأويل لانه سمي الاسلام كفرا، وكالرضا بالكفر:

ــ

أيديهم وهو تاجر فلا يقبل لان عدم الاسر يدل على كذبه (قوله: وخرج بالسجود الركوع) أي فلا يكفر به ولكنه يحرم (قوله: لأن صورته) أي الركوع، وهو علة لعدم كفره بالركوع (قوله: بخلاف السجود) أي فإن صورته لا تقع في العادة لمخلوق (قوله: أن محل الفرق بينهما) أي الركوع والسجود، (وقوله: عند الإطلاق) أي عند عدم قصده شيئا أي أو عند قصده تعظيمه لكن لا كتعظيم الله.

قال البجيرمي: الحاصل أن الانحناء لمخلوق، كما يفعل عند ملاقاة العظماء، حرام عند الاطلاق أو قصد تعظيمهم لا كتعظيم الله تعالى، وكفر إن قصد تعظيمهم كتعظيم الله تعالى.

اه.

(قوله: فإنه) أي من قصد تعظيم مخلوق بالركوع كتعظيم الله (وقوله لا شك في الكفر) أي في كفره.

فأل عوض عن الضمير.

(وقوله: حينئذ) أي حين إذ قصد ما ذكر (قوله: وكمشى إلى الكنائس) معطوف على كسجود لمخلوق: أي والمكفر أيضا كمشى إلى الكنائس حالة كونه متلبسا بزيهم: أي بهيئتهم التي يتلبسون بها كأن يشد على وسطه زنارا وهو خيط غليظ فيه ألوان

يشد في الوسط فوق الثوب أو يخيط فوق الثياب بموضع لا يعتاد الخياطة عليه كالكتف ما يخالف لونها أو يضع البرنيطة فيكفر بذلك وأفهم قوله وكمشي إلى الكنائس بزيهم أنه لو فقد أحدهما كأن مشى إلى الكنائس لا بزيهم بل بزي المسلمين أو تزيا بزيهم من غير مشي إليها لا يكفر، وهو كذلك (قوله: وكإلقاء ما فيه قرآن في مستقذر) أي فيكفر به.

قال في الاعلام: والمراد بالمستقذر النجاسات مطلقا، بل والقذر الطاهر، كما صرح به بعضهم، ثم قال: وكإلقاء المصحف ونحوه في القذر تلطيخ الكعبة أو غيرها من المساجد بنجس، ولو قيل إن تلطيخ الكعبة بالقذر الطاهر كذلك لم يبعد، إلا أن كلامهم ربما يأباه.

اه.

وقال في التحفة: وقضية قوله كإلقاء أن الالقاء ليس بشرط وأن مماسة شئ من ذلك بقذر كفر أيضا، وفي إطلاقه نظر، ولو قيل لا بد من قرينة تدل على الاستهزاء لم يبعد.

اه.

وقال سم: اختلف مشايخنا في مسح القرآن من لوح المتعلم بالبصاق، فأفتى بعضهم بحرمته مطلقا وبعضهم بحرمته إن بصق على القرآن ثم مسحه، وبحله إن بصق على نحو خرقة ثم مسح بها.

اه.

وقال ع ش: ما جرت به العادة من البصاق على اللوح لازالة ما فيه ليس بكفر، وينبغي عدم حرمته أيضا، ومثله ما جرت العادة به أيضا من مضغ ما عليه قرآن أو نحوه للتبرك به أو لصيانته عن النجاسة.

اه.

(قوله: قال الروياني أو علم شرعي) قال في الاعلام أيضا: وهل مراد الروياني بالعلوم الشرعية الحديث والتفسير والفقه وآلاتها كالنحو وغيره وإن لم يكن فيه آثار السلف أو يختص بالحديث والتفسير والفقه؟ الظاهر الاطلاق، وإن كان بعيد المدرك في ورقة من كتاب نحو مثلا ليس فيها اسم معظم.

اه.

(قوله: ومثله) أي العلم الشرعي، وقوله ما فيه اسم معظم: أي من أسماء الله أو أسماء الانبياء أو الملائكة (قوله: وتردد في كفر) عطف على نفي صانع: أي وكتردد في كفر هل يفعله أم لا؟ فإنه يكفر به حالا.

قال في شرح الروض: لان استدامة الايمال واجبة والتردد ينافيها.

اه.

فإن قلت: التردد من أي قسم من الاقسام السابقة: هل هو من العزم أو الفعل أو القول؟.

قلت: يحتمل أن يكون من العزم لأن المراد به القصد مطلقا سواء كان مع جزم أو مع تردد، ويحتمل أن يكون من الفعل ويراد به ما يشمل الفعل القلبي، ويحتمل أن يكون من الثالث بأن يراد من التردد التردد اللساني لكن الموافق للقلبي كما هو ظاهر (قوله: وكتكفير مسلم) أي بأن قال له يا كافر.

وقوله لذنبه: أي لاجل ارتكابه ذنبا من الذنوب، وهو ليس بقيد، بل مثله بالأولى ما إذا كفره من غير ذنب.

(وقوله: بلا تأويل) أي فيكفر به إن كفره بلا تأويل للكفر ككفر النعمة مثلا، وإلا فلا يكفر (قوله: لانه سمى الاسلام كفرا) علة لمقدر: أي فيكفر من كفر مسلما من غير تأويل لانه سمى الاسلام المتلبس به كفرا، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الرجل لاخيه يا كافر فقد باء بها أي رجع بكلمة الكفر (قوله:

وكالرضا بالكفر) أي فيكفر به.

قال في الاعلام: ومن المكفرات أيضا أن يرضى بالكفر ولو ضمنا: كأن يسأله كافر يريد

ص: 154

كأن قال لمن طلب منه تلقين الاسلام اصبر ساعة فيكفر في الحال في كل ما مر لمنافاته الاسلام، وكذا يكفر من أنكر إعجاز القرآن أو حرفا منه أو صحبة أبي بكر أو قذف عائشة رضي الله عنها، ويكفر في وجه حكاه القاضي من

ــ

الاسلام أن يلقنه كلمة الاسلام فلم يفعل أو يقول له اصبر حتى أفرغ من شغلي أو خطبتي ولو كان خطيبا، وكأن يشير عليه بأن لا يسلم وإن لم يكن طالبا لاسلام فيما يظهر.

اه.

(قوله: فيكفر في الحال) تفريع على جميع ما مر من نفي صانع إلى هنا بدليل قوله في كل ما مر.

(وقوله: لمنافاته) أي ما مر للاسلام (قوله: وكذا يكفر من أنكر إعجاز القرآن) أي لانه مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة.

(قوله: أو حرفا منه) أي أو أنكر حرفا من القرآن: أي أو آية مجمعا عليها كبسملة النمل التي في وسطها، أما بسملة الفاتحة فلا يكفر من نفاها منها لعدم الاجماع عليها، ومثله ما لو زاد فيه آية معتقدا أنها منه فيكفر به.

تنبيه: قال شيخنا الاستاذ العارف بربه المنان سيدنا السيد أحمد بن زيني دحلان في كتابة له في التجويد ما نصه: قد كفر بعضهم من وقف على نحو قوله تعالى: * (وقالت اليهود) * وابتدأ بقوله: * (عزير ابن الله) * أو * (وقالت النصارى) * وابتدأ بقوله: * (المسيح ابن الله) * أو وقالت اليهود وابتدأ بقوله: * (يد الله مغلولة) * أو * (ما أنتم بمصرخي) * وابتدأ بقوله: * (إني كفرت) * والمحققون على أنه لا يطلق القول بالتكفير ولا بالحرمة، بل إن كان مضطرا وابتدأ بما بعده غير معتقد لمعناه لا يكفر وإن اعتقد معناه كفر مطلقا وقف أم لا، وعليه يحمل كلام من أطلق فإن وقف متعمدا غير معتقد المعنى حرم ولم يكفر.

اه.

(قوله: أو صحبة أبي بكر) أي أو أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه فيكفر به لثبوتها بالقرآن، وفي إنكارها تكذيب للقرآن، وظاهره أنه لا يكفر بإنكار صحبة غيره.

وفي رسالة شيخنا الاستاذ في فضل أبي بكر رضي الله عنه ما نصه: ومن الآيات الدالة على فضله قوله تعالى: * (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) * أجمع المسلمون على أن المراد بالصاحب هنا أبو بكر رضي الله عنه، ومن ثم من أنكر صحبته كفر إجماعا، ولا كذلك إنكار صحبة غيره.

اه.

وفي البجيرمي: قال الشهاب الرملي: لو قال أبو بكر لم يكن من الصحابة كفر، ولو قال ذلك لغير أبي بكر لم يكفر، وفيه نظر: لأن الاجماع منعقد على صحابة غيره، والنص وارد شائع.

قلت: وأقل الدرجات أن يتعدى ذلك إلى عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم لان صحابتهم يعرفها الخاص والعام من النبي صلى الله عليه وسلم، فنافي صحبة أحدهم مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم.

اه (قوله: أو قذف عائشة رضي الله عنها أي وكذلك يكفر من قذف عائشة لان القرآن نزل ببراءتها، ففي قذفها حماها الله تكذيب للقرآن (قوله: ويكفر في وجه إلخ) قال في الاعلام:

وفي وجه حكاه القاضي حسين في تعليقه أنه يلحق بسب النبي صلى الله عليه وسلم سب الشيخين وعثمان وعلي رضي الله عنهم فقال: من سب الصحابة فسق ومن سب الشيخين أو الحسنين يكفر أو يفسق وعبارة البغوي: من أنكر خلافة أبي بكر يبدع ولا يكفر، ومن سب أحدا من الصحابة ولم يستحل يفسق، واختلفوا في كفر من سب الشيخين.

قال الزركشي كالسبكي وينبغي أن يكون الخلاف إذا سبه لامر خاص به، أما لو سبه لكونه صحابيا فينبغي القطع بتكفيره لان ذلك استخفاف بحق الصحبة، وفيه تعريض بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم: رأى أبا بكر وعمر فقال هذان السمع والبصر وهكذا القول في شأن غيرهما من الصحابة.

وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: يقول الله تعالى: من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب - وفي رواية فقد استحل محارمي، ولا شك أنا نتحقق ولاية العشرة، فمن آذى واحدا منهم فقد بارز الله تعالى بالمحاربة فلو قيل يجب عليه ما يجب على المحارب لم يبعد ولا يلزم هذا في غيرهم إلا من تحققت ولايته بإخبار

(1) سورة البقرة، الاية:113.

(2)

سورة التوبة، الاية:30.

(3)

سورة البقرة، الاية:113.

(4)

سورة التوبة، الاية:30.

(5)

سورة المائدة، الاية:64.

(6)

سورة إبراهيم، الاية:22.

(7)

سورة إبراهيم، الاية:22.

(8)

سورة التوبة، الاية:40.

ص: 155

سب الشيخين أو الحسن والحسين رضي الله عنهم، لا من قال لمن أراد تحليفه لا أريد الحلف بالله بل بالطلاق مثلا أو قال رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت.

تنبيه: ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظم خطره وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديما وحديثا.

(ويستتاب) وجوبا (مرتد) ذكرا كان أو أنثى لانه كان محترما بالاسلام وربما عرضت له شبهة فتزال (ثم) إن لم يتب بعد الاستتابة (قتل) أي قتله الحاكم ولو بنائبه بضرب الرقبة لا بغيره (بلا

ــ

الصادق.

اه (قوله: لا من قال الخ) أي لا يكفر من قال لخصمه وقد أراد الخصم بالله تعالى لا أريد الحلف بالله تعالى بل بالطلاق أو الاعتاق (قوله: أو قال رؤيتي إياك كرؤية ملك المو ت) أي لا يكفر بذلك ولا يكفر أيضا من قال لمسلم سلبك الله الايمان أو لكافر لا رزقك الله الايمان لانه مجرد دعاء عليه بتشديد الامر والعقوبة عليه، ولا إن دخل دار الحرب وشرب معهم الخمر وأكل لحم الخنزير، ولا إن صلى بغير وضوء متعمدا أو بنجس أو إلى غير القبلة ولم يستحل ذلك، ولا إن تمنى حل ما كان حلالا في زمنه قبل تحريمه: كأن تمنى أنه لا يحرم الله الخمر، ولا إن شد الزنار على وسطه أو وضع قلنسوة المجوس على رأسه أو دخل دار الحرب للتجارة أو لتخليص الاساري، ولا إن قال النصرانية خير من المجوسية، ولا إن قال لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها.

صرح بذلك كله في شرح الروض (قوله: تنبيه ينبغي للمفتي) أي يتعين عليه.

(وقوله: أن يحتاط إلخ) أي أن يسلك طريق الاحتياط في الافتاء بتكفير أحد، فلا يفتي بذلك إلا بعد الفحص الشديد واليقين السديد (قوله: لعظم خطره) أي التكفير وذلك لانه ربما كفر مسلما بلفظ غير مكفر فيكفر، وقوله وغلبة

عدم قصده أي المكفر، وقوله سيما: أي خصوصا من العوام فإنهم يتلفظون بكلمات مكفرة ولا يقصدون معناها (قوله: وما زال أئمتنا على ذلك) أي على الاحتياط فيه قال في التحفة بعده: بخلاف أئمة الحنفية فإنهم توسعوا بالحكم بمكفرات كثيرة مع قبولها للتأويل بل مع تبادره منها، ثم رأيت الزركشي قال عن ما توسع به الحنفية أن غالبه في كتب الفتاوى نقلا عن مشايخهم وكان المتورعون من متأخري الحنفية ينكرون أكثرها ويخالفونهم ويقولون هؤلاء لا يجوز تقليدهم لانهم غير معروفين بالاجتهاد ولم يخرجوها على أصل أبي حنيفة لأنه خلاف عقيدته: إذ منها إن معنا أصلا محققا هو الايمان فلا نرفعه إلا بيقين.

فليتنبه لهذا وليحذر ممن يبادر إلى التكفير في هذه المسائل منا ومنهم فيخاف عليه أن يكفر لانه كفر مسلما.

اه.

ملخصا.

فائدة: قال الغزالي: من زعم أن له مع الله حالا أسقط عنه نحو الصلاة أو تحريم نحو شرب الخمر وجب قتله، وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر.

وقتل مثله أفضل من قتل مائة كافر لان ضرره أكثر.

اه (قوله: ويستتاب إلخ) شروع في بيان ما يجب على المرتد والعياد بالله تعالى بشئ مما مر وحاصل ذلك أنه يجب عليه العود فورا إلى دين الاسلام، ولا يحصل إلا بالتلفظ بالشهادتين والاقلاع، عما وقعت به الردة والندم على كل ما صدر منه والعزم على أن لا يعود لمثله.

ويجب عليه أيضا قضاء ما فاته من واجبات الشرع في مدة الردة، فإذا فعل ذلك كله حكم عليه بالعود إلى الاسلام لقوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * ولخبر فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم فإن لم يعد لذلك بنفسه وجب على الإمام أو نائبه أن يأمره بذلك فورا بأن يقول له تب وارجع لدين الاسلام وإلا قتلتك.

(وقوله وجوبا) أي استتابة واجبة والفرق بينه وبين تارك الصلاة حيث ندبت استتابته أن جريمة المرتد تقتضي تخليده في النار ولا كذلك جريمة تارك الصلاة (قوله: ذكرا كان أو أنثى) تعميم في المرتد (قوله: لانه كان محترما بالاسلام) علة للاستتابة.

أي إنما استتيب أولا ولم يقتل من غير استتابة لانه كان محترما بالاسلام أي ولانه صلى الله عليه وسلم أمر في امرأة ارتدت أن يعرض عليها الاسلام، فإن أسلمت وإلا قتلت (قوله: وربما عرضت له شبهة) كالعلة الثانية للاستتابة: أي ولانه ربما عرضت له شبهة اقتضت ردته فيسعى في إزالتها قال في التحفة: بل الغالب أنها، أي الردة، لا تكون عن عبث محض.

اه.

وقال في

(1) سورة الانفال، الاية:38.

ص: 156

إمهال) أي تكون الاستتابة والقتل حالا لخبر البخاري: من بدل دينه فاقتلوه، فإذا أسلم صح إسلامه وترك وإن تكررت ردته لاطلاق النصوص.

نعم يعزر من تكررت ردته لا في أول مرة إذا تاب، خلافا لما زعمه جهلة القضاة.

تتمة: إنما يحصل إسلام كل كافر أصلي أو مرتد بالتلفظ بالشهادتين من الناطق فلا يكفي ما بقلبه من

الايمان، وإن قال به الغزالي وجمع محققون ولو بالعجمية، وإن أحسن العربية على المنقول المعتمد، لا بلغة

ــ

الروض وشرحه، ولو سأل المرتد قبل الاستتابة أو بعدها إزالة شبهة عرضت له نوظر بعد إسلامه لا قبله لانه الشبهة لا

تنحصر فحقه أن يسلم ثم يستكشفها من العلماء، وهذا ما صححه الغزالي.

وفي وجه يناظر أولا لان الحجة مقدمة على السيف.

اه (قوله: ثم إن لم يتب) أي المرتد وقوله بعد الاستتابة: أي طلب التوبة منه (قوله: قتل) أي كفرا لا حدا فلا يجب غسله ولا تكفينه ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين لخروجه عنهم بالردة (قوله: أي قتله الحاكم) فلو قتله غيره عزر لافتياته على الامام، ومحله إذا كان المرتد حرا، فإن كان رقيقا جاز للسيد قتله في الأصح لأنه ملكه فله فعل ما يتعلق به من تأديب ونحوه (قوله: بضرب الرقبة) متعلق بقتل: أي قتل بضرب رقبته بسيف.

(وقوله لا بغيره) أي غير ضرب الرقبة بسيف كإحراق وتغريق وذلك لخبر إذا قتلتم فأحسنوا القتلة (قوله: بلا إمهال) متعلق بكل من قوله يستتاب.

(وقوله: قتل) كما يدل عليه: تفسيره بعد (قوله: لخبر البخاري الخ) دليل للقتل حالا (قوله: فإذ أسلم الخ) الأولى تقديمه على قوله ثم إن لم يتب الخ لأنه مفرع على الاستتابة: أي فإذا امتثل أمر الامام وتاب بأن عاد إلى الإسلام صح إسلامه وترك.

(وقوله: وإن تكررت ردته) غاية لصحة إسلامه إذا أسلم.

(وقوله: لاطلاق النصوص) راجع للغاية: أي تقبل توبته وإن تكررت منه الردة لاطلاق النصوص كقوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * وكخبر فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم (قوله: نعم يعزر من تكررت ردته) استدراك من صحة إسلامه إذا تكررت منه الردة: أي يصح إسلامه مع تكررها لكنه يعزر لزيادة تهاونه بالدين، (وقوله: لا في أول مرة) عطف على محذوف: أي فيعزر في المرة الثانية والثالثة لا في أول مرة أما فيها فلا يعزر (وقوله: إذا تاب) متعلق بيعزر (قوله: خلافا لما زعمه جهلة القضاة) أي من تعزيره في أول مرة.

وعبارة التحفة: ولا يعزر مرتد تاب على أول مرة خلافا لما يفعله جهلة القضاة.

اه.

(قوله: تتمة) أي في بيان ما يحصل به الاسلام مطلقا على الكافر الاصلي وعلى المرتد (قوله: إنما يحصل إسلام إلخ) عبارة التحفة ولا بد في الاسلام مطلقا وفي النجاة من الخلود في النار كما حكى عليه الاجماع في شرح مسلم من التلفظ بالشهادتين الخ (قوله: بالتلفظ بالشهادتين) متعلق بيحصل وإنما توقف صحة الاسلام عليه لان التصديق القلبي أمر باطني لا اطلاع لنا عليه فجعله الشارع منوطا بالنطق بالشهادتين الذي مدار الاسلام عليه (وقوله: من الناطق) خرج به الاخرس فلا يطالب بالنطق، بل إذا قامت قرينة على إسلامه كالاشارة كفى في حصول الاسلام (قوله: فلا يكفي ما بقلبه من الإيمان) أي في إجراء أحكام المؤمنين في الدنيا عليه بناء على ن النطق شرط في الايمان أو في النجاة من النار بناء على أنه شطر منه.

والحاصل: اختلف في النطق بالشهادتين: هل هو شرط في الايمان لاجل إجراء الاحكام عليه أو شطر منه، أي

جزء منه، فذهب إلى الاول محققو الاشاعرة والماتريدية وغيرهم.

ويترتب عليه أن من صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله غير مؤمن في الاحكام الدنيوية، ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق فهو مؤمن في الاحكام الدنيوية غير مؤمن عند الله، وذهب إلى الثاني قوم محققون كالامام أبي حنيفة وجماعة من الاشاعرة، وعليه فيكون الايمان عند هؤلاء اسما لعملي القلب واللسان جميعا وهما التصديق والاقرار، ويترتب عليه أن من صدق بقلبه ولم يتفق له الاقرار

(1) سورة الانفال، الاية:38.

ص: 157

لقنها بلا فهم ثم بالاعتراف برسالته (ص) إلى غير العرب ممن ينكرها فيزيد العيسوي من اليهود محمد رسول الله إلى جميع الخلق أو البراءة من كل دين يخالف دين الاسلام، فيزيد المشرك كفرت بما كنت أشركت به وبرجوعه عن الاعتقاد الذي ارتد بسببه ومن جهل القضاة أن من ادعى عليه عندهم بردة أو جاءهم يطلب الحكم بإسلامه يقولون له تلفظ بما قلت وهذا غلط فاحش، فقد قال الشافعي رضي الله عنه إذا ادعى على رجل أنه ارتد وهو مسلم لم اكشف عن الحال وقلت له قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وأنك برئ من كل دين يخالف دين الاسلام.

اه.

قال شيخنا: ويؤخذ من تكريره رضي الله عنه لفظ أشهد أنه لا بد منه في صحة

ــ

في عمره لا مرة ولا أكثر مع القدرة على ذلك لا يكون مؤمنا لا عندنا ولا عند الله تعالى، وهذا ضعيف.

والمعتمد الاول (قوله: وإن قال به) أي بالاكتفاء بما في قبه من الايمان (قوله: ولو بالعجمية) أي يحصل الاسلام بالتلفظ بالشهادتين، ولو أتى بهما بالعجمية.

(قوله: وإن أحسن العربية: غاية للغاية) وكلاهما للرد (قوله: لا بلغة إلخ) أي لا يكفي في حصول الاسلام الاتيان بهما بلغة لقنها له العارف بتلك اللغة وهو لا يفهم المراد منها (قوله: ثم الاعتراف) عطف على التلفظ: أي إنما يحصل الاسلام بالتلفظ وبالاعتراف لفظا برسالته صلى الله عليه وسلم إلى غير العرب.

(وقوله ممن ينكرها) حال من الاعتراف: أي حالة كون الاعتراف المشروط ممن ينكر رسالته إلى غير العرب ويقول إنها خاصة بالعرب (قوله: فيزيد العيسوي إلخ) قال في الاسنى: العيسوية فرقة من اليهود تنسب إلى أبي عيسى اسحاق بن يعقوب الاصبهاني كان في خلافة المنصور يعتقد أنه صلى الله عليه وسلم رسول إلى العرب خاصة، وخالف اليهود في أشياء غير ذلك منها أنه حرم الذبائح.

اه.

(وقوله: محمد رسول) الأولى أن يقول بعد محمد رسول الله إلى جميع الخلق، لان المزيد الجار والمجرور فقط (قوله: أو البراءة) ظاهر صنيعه أنه معطوف على محمد رسول الله الخ.

ويكون المعنى أو يزيد البراءة من كل الخ، وهو صريح عبارة الفتح ونصها: نعم العيسوي لا بد في صحة إسلامه أن يقول بعد محمد رسول الله إلى جميع الخلق أو يبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام.

اه.

(قوله: فيزيدك المشرك إلخ) لا يناسب تفريعه على ما قبله، فالاولى الاتيان بواو الاستئناف بدل الفاء (قوله: وبرجوعه الخ) عطف على قوله بالاعتراف يعني إذا اعتقد مكفرا من المكفرات، فلا بد مع النطق بالشهادتين منرجوعه عن اعتقاده.

قال ع ش: كأن يقول برئت من كذا، فيبرأ منه ظاهرا أما في نفس الأمر فالعبرة بما في نفسه.

اه.

(قوله: ومن جهل القضاة) الجار والمجرور خبر مقدم، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها بعد مبتدأ مؤخر (قوله: أن من ادعى عليه عندهم) أي عند القضاة، (وقوله: بردة) أي أنكرها.

(وقوله: أو جاءهم يطلب

الحكم بإسلامه) أي بعد أن نسبت إليه الردة.

(وقوله ويقولون أي القضاة له) أي لمن ادعى عليه بالردة أو جاءهم يطلب الحكم بإسلامه.

(وقوله: تلفظ بما قلت) أي مما نسب إليك من ألفاظ الردة، وهذا مقول يقولون (قوله: وهذا) أي ما يقولون له غلط فاحش لما يلزم عليه من إعادة لفظ الكفر على لسانه (قوله: فقد قال الشافعي إلخ) استدلال على كون ما يفعله القضاة غلطا فاحشا.

(وقوله: إذا ادعى على رجل) أي عندي.

(وقوله: لم أكشف عن الحال) أي عن السبب الذي ارتد به (قوله: وأشهد أن محمدا رسول الله) في التحفة إسقاط واو العطف وكتب سم عليها هذا النص فيه تصريح بأن لا يشترط عطف إحدى الشهادتين على الاخرى، ويوافقه قولهم لو أذن كافر غير عيسوي حكم باسلامه بالشهادتين مع أن الاذان لا عطف على شهادتيه.

اه.

(قوله: ويؤخذ من تكريره) أي الإمام الشافعي رضي الله عنه.

(وقوله لفظ أشهد) مفعول تكرير.

وقوله أنه: نائب فاعل يؤخذ.

(وقوله: لا بد منه) أي من التكرير.

قال سم: ينبغي أن يغني عنه العطف.

اه.

وفي حاشية العلامة الباجوري على الجوهرة ما نصه: ولا بد من لفظ أشهد وتكريره ولا يشترط أن يأتي بحرف العطف على ما قاله الزيادي ورجع إليه الرملي آخرا، فلا يكفي إبدال لفظ أشهد بغيره وإن كان مرادفا لما فيه من معنى التعبد ولا بد من ترتيب الشهادتين وموالاتهما ثم قال: وما تقدم من الشروط مبني على المعتمد في مذهبنا معاشر الشافعية، وبه قال ابن عرفة من المالكية حيث قال: لا بد أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله

ص: 158

الاسلام وهو ما يدل عليه كلام الشيخين في الكفارة وغيرها، لكن خالف فيه جمع، وفي الاحاديث ما يدل لكل.

اه.

ويندب أمر كل من أسلم بالايمان بالبعث ويشترط لنفع الاسلام في الآخرة، مع ما مر تصديق القلب بواحدانية الله تعالى.

ورسله وكتبه واليوم الآخر، فإن اعتقد هذا ولم يأت بما مر لم يكن مؤمنا وإن أتى به بلا اعتقاد ترتب عليه الحكم الدنيوي ظاهرا.

ــ

وخالف الابي شيخه ابن عرفة فقال: لا يتعين ذلك بل يكفي كل ما يدل على الايمان فلو قال الله واحد ومحمد رسول الله كفى، ونحوه ما قاله الابي لبعض من الشافعية وهو العلامة ابن حجر، وللنووي ما يوافقه أيضا، فيكون في المسألة قولان لاهل كل من المذهبين.

قال المصنف في شرحه: وأولهما أولى بالتعويل.

اه (قوله: وهو) أي وجوب التكرير (قوله: في الكفارة) أي في بابها وقوله وغيرها: أي غير الكفارة (قوله: لكن خالف فيه) أي في وجوب التكرير (قوله: وفي الأحاديث ما يدل لكل) أي من وجوب التكرير وعدمه (قوله: بالايمان بالبعث) متعلق بأمر والبعث عبارة عن احياء الموتى وإخراجهم من قبورهم بعد جمع الاجزاء الاصلية وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ويندب أيضا أمره بجميع ما يجب به الايمان من عذاب القبر ونعيمه وسؤال منكر ونكير والميزان.

والصراط والنار والجنة ونحو ذلك مما أخبر به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم (قوله: ويشترط لنفع الاسلام) أي لكونه منجيا في الدار الآخرة (قوله: مع ما مر) أي من التلفظ بالشهادتين (قوله: تصديق القلب بوحدانية الله تعالى) أي بأن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، ولا بد

أيضا من تصديقه بما يجب له سبحانه وتعالى وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه تفصيلا، ومجموع ذلك واحد وأربعون عقيدة قد تقدم بيانها أول الكتاب، ثم بعد ذلك تصديقه بأن الله متصف بكل كمال منزه عن شائبة النقصان (قوله: ورسله) معطوف على وحدانية الله تعالى: أي ويشترط تصديق القلب برسله: أي بأن لله رسلا أرسلهم فضلا منه ورحمة للعباد ليعلموا الناس الشرائع والاحكام وأنه لا يعلم عددهم إلا الله تعالى لقوله تعالى: * (منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك) * لكن ما قام الدليل بمعرفتهم تفصيلا يجب تصديق القلب بهم كذلك، وهؤلاء هم الخمسة والعشرون المذكورون في القرآن، وما قام الدليل بمعرفتهم إجمالا يجب تصديق القلب بهم كذلك، ولا بد من تصديقه بما يجب لهم عليهم الصلاة والسلام من الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة وبما يستحيل عليهم من أضداد هذه الاربعة، وبما يجوز في حقهم من الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى النقص في مراتبهم العلية (قوله: وكتبه) معطوف على وحدانية أيضا: أي ويشترط تصديق القلب بكتبه أي المنزلة من السماء على الانبياء، والمراد بها ما يشمل الصحف واختلف في عددها والمشهور أنها مائة وأربعة: المنزل على شيث ستون، وعلى إبراهيم ثلاثون، وعلى موسى قبل التوراة عشرة، والكتب الاربعة، أعني التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، ويشترط أيضا تصديق القلب بملائكته وهم أجسام لطيفة نورانية لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون شأنهم الطاعات ومسكنهم السموات * (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) * (قوله: واليوم الآخر) أي ويشترط تصديق القل ب باليوم الآخر وهو يوم القيامة، وأوله من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى على الصحيح، وقيل إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وسمي باليوم الآخر لانه آخر أيام الدنيا بمعنى أنه متصل بآخر أيام الدنيا لانه ليس منها حتى يكون آخرها، وسمي بيوم القيامة لقيام الناس فيه من قبورهم وقيامهم بين يدي خالقهم وقيام الحجة لهم وعليهم، ويشترط أيضا تصديق القلب بما يقع فيه من هول الموقف: أي ما ينال الناس فيه من الشدائد لطول الموقف، قيل ألف سنة - كما في آية السجدة، وقيل خمسين ألف سنة، كما في آية سأل، ولا تنافي لان العدد لا مفهوم له وهو مختلف باختلاف أحوال الناس فيطول على الكفار ويتوسط على الفساق ويخف على الطائعين حتى يكون كصلاة ركعتين (قوله: فإن اعتقد هذا) أي ما ذكر من وحدانية الله تعالى والرسل والكتب واليوم الآخر (قوله: ولم يأت بما مر) أي بالشهادتين (قوله: لم يكن مؤمنا) أي عندنا وعند الله إن قلنا بالشطرية أو عندنا فقط إن قلنا بالشرطية كما

(1) سورة غافر، الاية:78.

(2)

سورة التحريم، الاية:6.

ص: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مر، ومحل ما ذكر إذا لم يكن عدم الاتيان بهما عن إباء بأن عرضت عليه الشهادتان فأبى، فإن كان كذلك فهو كافر مطلقا على القولين (قوله: وإن أتى به) أي بما مر من الشهادتين، (وقوله: بلا اعتقاد) أي لما مر من الوحدانية، وما بعدها (قوله: ترتب عليه الحكم الدنيوي) أي فهو مؤمن عندنا في الدنيا ويترتب عليه الاحكام الدنيوية في مناكحته وأكل ذبيحته ومن غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين بعد موته لحديث أمرت أن أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر وليس مؤمنا عند الله بل هو منافق في الدرك الاسفل من النار: ثبتنا الله على الايمان ورزقنا التمتع بالنظر إلى وجهه الكريم في الجنان.

بجاه سيدنا محمد سيد ولد عدنان.

آمين.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ص: 160