الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة المؤمنون
سورة المؤمنون مكّية، وهي أربعة آلاف وثمانمائة وحرفان، وألف وثمانمائة وأربعون كلمة، ومائة وثماني عشرة آية.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: [من قرأ سورة المؤمنين بشّرته الملائكة بالرّوح والرّيحان، وما تقرّ به عينه عند نزول ملك الموت]
(1)
.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} (1)؛أي فاز ونجا وسعد المصدّقون بالله ورسوله، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:[لمّا خلق الله جنّة عدن، فيها ما لا عين رأت؛ ولا أذن سمعت؛ ولا خطر على قلب بشر، قال لها: تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون-ثلاثا-ثمّ قالت: أنا حرام على كلّ بخيل ومراء]
(2)
.قرأ طلحة بن مصرّف: «(قد أفلح المؤمنون)» على المجهول؛ أي أبقوا
(3)
في الثواب، وحرف {(قَدْ)} في اللّغة لتزيين الكلام وتحسينه، وقيل: لتقريب الحالة الماضية الى الحالة الآتية، فدلّ على أن فلاحهم قد حصل وهم عليه في الحال، وهو أبلغ في الصّفة من تجريد ذكر الفعل، والفلاح هو البقاء والنجاح.
(1)
ذكره الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 201 وإسناده واه.
(2)
رواه الحاكم مختصرا في مستدركه: ج 3:كتاب التفسير: الحديث (3532).وأخرجه الطبري في جامع البيان بلفظ آخر عن كعب. وفي الدر المنثور: ج 6 ص 83؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن عدي والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس).
(3)
في المخطوط: (اتقوا) وهو غير مناسب، وجرى التصحيح كما في الجامع لأحكام القرآن: ج 12 ص 103.
قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ} (2)؛أي متواضعون خائفون، ويقال: ساكنون بالقلب والجوارح فلا يلتفتون يمينا ولا شمالا، كما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصّلاة، فقال صلى الله عليه وسلم:[ولو خشع قلبه لخشعت جوارحه]
(1)
،وعنه صلى الله عليه وسلم:[أنّه كان إذا وقف في الصّلاة رفع بصره نحو السّماء، فلمّا نزلت هذه الآية جعل نظره إلى موضع سجوده]
(2)
.وحقيقة الخشوع:
هو جمع الهمّة لتدبّر الأفعال والأذكار.
وعن الحسن أنه قال
(3)
: (إنّ الخاشعين هم الّذين لا يرفعون أيديهم في الصّلاة إلاّ في التّكبيرة الأولى) وقال ابن عبّاس: (معنى قوله تعالى: {(خاشِعُونَ)} أي أذلاّء)، وقال مجاهد:(الخشوع هو غضّ البصر وخفض الجناح).وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يخاف الرحمن أن يسند بصره إلى شيء، وأن يحدّث نفسه بشيء من الدّنيا. وقال عمرو بن دينار:(ليس الخشوع الرّكوع والسّجود، ولكنّه السّكون وحسن الهيئة في الصّلاة).
وقال عطاء: (هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصّلاة)،وعن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا قام أحدكم إلى الصّلاة فإنّ الرّحمة تواجهه، فلا يحرّكنّ الحصى]
(4)
.وقيل: نظر الحسن إلى رجل يعبث ويقول: اللهم زوّجني من
(1)
في الدر المنثور: ج 6 ص 85؛ قال السيوطي: (أخرجه الحكيم الترمذي عن أبي هريرة).وفي تخريج الإحياء: ج 1 ص 339؛ قال العراقي: (رواه الحكيم الترمذي في النوادر من حديث أبي هريرة بسند ضعيف، والمعروف أنه من قول سعيد بن المسيب. رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وفيه رجل لم يسم).
(2)
رواه الحاكم في المستدرك: ج 3:كتاب التفسير: الحديث (3535).وأخرجه الطبري في جامع البيان: ج 10 ص 4: النص (19231).
(3)
في الأصل المخطوط: (كان) ومقتضى السياق: (قال).
(4)
رواه الإمام أحمد في المسند: ج 5 ص 150.والترمذي في السنن: كتاب الصلاة: باب ما جاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة: الحديث (379).والنسائي في السنن: كتاب صفة الصلاة: باب النهي عن مسح الحصى: الحديث (1114).وأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب في مسح الحصى في الصلاة: الحديث (945).
الحور العين، فقال له الحسن:(بئس الخاطب أنت، تخطب وأنت تعبث).وقال قتادة: (الخشوع هو وضع اليمين على الشّمال في الصّلاة).وقال بعضهم: (هو جمع الهمّة لها والإعراض عمّا سواها).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (3)؛قال الحسن:
(معناه: عن المعاصي معرضون)،وقال الزجّاج:(اللّغو هو كلّ باطل ولهو ولعب وهزل).وقيل: اللّغو الذي يعرضون عنه: هو كلّ ما لا فائدة فيه، ومنه قوله تعالى:
{وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً}
(1)
أي شغلهم الجدّ فيما أمرهم الله به عن كلّ باطل ولهو ولعب، وعن كلّ ما لا فائدة فيه من قول وفعل. وقال مقاتل: اللّغو (هو الشّتم والأذى)
(2)
.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ} (4)؛أي مؤدّون، فعبّر عن التأدية بالفعل لأنه فعل. قال ابن عبّاس:(يعني به الصّدقة الواجبة)،وقيل: معناه:
والذين هم للعمل الصالح فاعلون، ويدخل في هذا كلّ فعل يذكر به الإنسان ويحمد عليه، كما يقال: ما أعطى الله أحدا نعمة إلاّ أوجب عليه فيها زكاة، فزكاة العلم نشره وتعليمه، وزكاة الجاه إعانة الملهوف.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ} (5)؛أي يحفظونها عن الحرام، ويغضّون البصر عما لا يحلّ لهم.
قوله تعالى: {إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (6)؛أي يلامون في إطلاق ما حرّم عليهم إلاّ على أزواجهم وإمائهم فإنّهم لا يلامون فيه. قال مجاهد: (يفرض على الرّجل حفظ فرجه إلاّ من امرأته وأمته، فإنّه لا يلام على ذلك).
قوله تعالى: {فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ} (7)؛أي من طلب للوطء طريقا سوى ما أحلّ الله من النساء الأربع أو ما ملكت أيمانهم فأولئك هم المجاوزون من الحلال إلى الحرام، فمن زنى فهو عاد.
(1)
الفرقان 72/.
(2)
قاله مقاتل في التفسير: ج 2 ص 392.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ} (8)؛أي الذين هم لما ائتمنوا عليه فيما بينهم وبين الله وبين الناس حافظون حتى يؤدّوه على وجهه.
والرّعي: هو القيام على إصلاح ما يتولاّه، كما قال صلى الله عليه وسلم:[كلّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته]
(1)
،وقال الله تعالى {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها}
(2)
.وقرأ ابن كثير: «(لأمانتهم)» بالتّوحيد لأنه مصدر واسم جنس فيقع على الكثير
(3)
،والأمانة قد تكون بين العبيد، كالودائع وأشباهها، وتكون بين الله وعبيده كالصيام والاغتسال من الجنابة والصّلاة، فيجب على المؤمنين الوفاء بجميع حقوق الأمانات. قوله تعالى:{(وَعَهْدِهِمْ راعُونَ)} يشتمل على طاعة الله تعالى التي يجب الوفاء بها، وعلى جميع العقود والأيمان والنّذور.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ} (9)؛أي يواظبون على الصّلوات، ويجتهدون في أوقاتها المداومون فيها بفرائضها وسننها وآدابها.
قوله تعالى: {أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ} (10)؛أي أهل هذه الصّفات التي ذكرها الله من أوّل هذه السّورة إلى ههنا هم الوارثون الذين يرثون يوم القيامة منازل أهل النّار من الجنّة التي كانت لهم لو أطاعوا الله ورسوله. قال صلى الله عليه وسلم: [ما منكم من أحد إلاّ وله منزلان، منزل في الجنّة ومنزل في النّار، فإن مات ودخل النّار ورث أهل الجنّة منزله]
(4)
.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ} (11)؛ الفردوس في اللّغة: هو البستان الجامع لمحاسن أجناس الكروم وغيرها. وقال عكرمة: (الفردوس هو الجنّة بلغة الحبشة).
(1)
رواه الطبراني في الأوسط: ج 7:الحديث (6876.والبخاري في الصحيح: كتاب النكاح: باب (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً):الحديث (5188).
(2)
النساء 58/.
(3)
ينظر: الحجة للقراء السبعة: ج 3 ص 177.وإعراب القرآن للنحاس: ج 3 ص 78.
(4)
رواه ابن ماجة في السنن: كتاب الزهد: باب صفة الجنة: الحديث (4341) بإسناد صحيح.
وفي الحديث: أنّ حارثة بن سراقة قتل يوم بدر، فقالت أمّه: يا رسول الله إن كان ابني من أهل الجنّة لم ابك عليه، وإن كان من أهل النّار بالغت في البكاء عليه، فقال:[يا أمّ حارثة! إنّ ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى من الجنّة]
(1)
.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنّة] ثمّ قرأ {(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)} إلى آخر الآيات العشر
(2)
.وقال مجاهد: (من حفظ العشر من سورة المؤمنين ورث الفردوس).قال ابن عبّاس: (الفردوس خير الجنان)،وقال صلى الله عليه وسلم:[إنّ الله غرس الفردوس بيده، ثمّ قال: وعزّتي وجلالي؛ لا يدخلها مدمن خمر وديّوث] قالوا: ما الدّيّوث يا رسول الله؟ قال: [الّذي يرضى الفواحش لأهله]
(3)
.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} (12)؛أي خلقنا آدم من سلالة سلّت من طين، والسّلالة: ما سلّ من الشيء؛ أي نزع واستخرج منه، يقال للنّطفة: سلالة، والولد سليل وسلالة. قال مجاهد:(السّلالة منيّ بني آدم)
(4)
،وقال عكرمة:(هو الماء سلّ من الظّهر سلاّ)،والمراد بالانسان ولد آدم، وهو اسم جنس يقع على الجميع. والمعنى: خلقنا ابن آدم من سلالة من طين؛ أي من صفوة ماء آدم الذي هو من طين
(5)
.
قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ} (13)؛ثم خلقنا ولد آدم من نطفة في موضع حرير يعني الرّحم، مكن فيه الماء بأن هيّأ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمره الذي جعل له. وإنّما سمي المنيّ سلالة؛ لأنه سلّ من أصلاب الرجل وترائب النّساء، ثم يكون قراره في أرحام الأمّهات.
(1)
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الجهاد: باب من أتاه سهم غرب فقتله: الحديث (2809).
(2)
رواه الإمام أحمد في المسند: ج 1 ص 34.
(3)
ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص 878.والديلمي في الفردوس: النص (675) عن علي رضي الله عنه. وذكره المتقي الهندي في كنز العمال: الرقم (15135) وتمامه كما في الرقم (15137)،وعزاه إلى الخرائطي في مساوئ الأخلاق عن عبد الله بن نوفل.
(4)
أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (19263).
(5)
أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (19262) عن ابن عباس.
قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً؛} أي صيّرنا النطفة دما منعقدا، ثم صيّرنا الدم لحما بلا عظم، والمضغة: هي القطعة الصغيرة من اللّحم. وقوله تعالى: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً؛} أي حولنا المضغة عظاما، {فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً؛} أي ثم ألبسنا العظام لحما؛ ليكون أبهى في النظر وليكون اللحم وقاية للعظم. وقرأ ابن عامر:«(فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم لحما)»
(1)
.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ؛} بأن جعلنا فيه الرّوح بعد أن لم يكن، ثم جعلناه ذكرا أو أنثى إلى أن أعطيناه الفهم والتمييز ليأخذ ثدي أمّه عند الحاجة فيرتضع ويشتكي إذا تضرّر بشيء. وقال مجاهد:(معنى قوله: {(ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ)} يعني سوّينا شبابه).وقال قتادة: (يعني أنبتنا شعره وأسنانه)
(2)
.وقيل: معناه:
أعطيناه العقل والقوّة والفهم، وربّيناه حالا بعد حال إلى أن بلغ أن يتقلّب في البلاد.
وقيل: إذا اجتمع الماء المتخلّق منه الولد، فأول الحالات أن يزيد، ثم يستحيل ذلك الماء علقة، وهو دم عبيط، ثم يصير مضغة، وفي تلك الحالة تظهر الأعضاء النّفيسة كالقلب والدّماغ والكبد، فالقلب أول عضو مكوّن ثم الدماغ ثم الكبد، ثم ينحّى بعضها عن بعض، وتخطّط الأطراف، ثم يصير لحما على عظام، وعظام البدن مائتان وأربعون عظما، فإذا نفخ فيه الروح لأربعة أشهر انقسم دم الحيض ثلاثة أقسام: قسم يتغذى به الولد، وقسم يحتبس إلى النّفاس، وقسم يصعد إلى الثّدي.
وإنّما ينفخ الرّوح في الجنين لأربعة أشهر؛ لأنه يكون نطفة أربعين يوما، ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم يصير مضغة أربعين يوما، ثم ينفخ فيه الرّوح. ويكون
(1)
في المخطوط تصحيف: رسمها الناسخ بلفظ: (فخلقنا المضغة عظاما فكسونا المضغة لحما) وهو غير مناسب، والصحيح ما أثبتناه. وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر:(عظما) بسكون الظاء على التوحيد في الموضعين، يريد الإفراد لا الجمع. ينظر: معالم التنزيل: ص 879.وتفسير ابن عطية: ص 1325.
(2)
أخرجه الطبري في جامع البيان: ج 10 ص 15: النص (19272).
الولد في بطن أمّه معتمدا على رجليه وراحة يديه على ركبتيه وظهره إلى وجه الأم، ووجهه إلى ظهرها حتى لا تتأذى الأمّ بنفسه.
وإنّما خلق الله عينيه في رأسه لتكون مشرفة على جميع الأعضاء في الجهات كلها، كالطّليعة للعسكر، وأصلح المواضع للطلائع المكان المشرف، وجعلهما في كهفين حراسة لهما وتوفيرا لضوئهما، وجعل لهما الهدب ليدفع ما نظر إليهما.
وخلق الله الأنف لينحصر فيه الهواء المستنشق لترويح الرّئة والدماغ. وخلق الفم وعاء لجميع الكلام، وخلق اللّسان آلة للنّطق، ولتقليب الطعام الممضوغ، والمضغ يكون في جانبي الفم حراسة لأداة النّطق. وخلق الشّفتين غطاء للفم والأسنان، ويحجب اللّعاب، ومعينا على الكلام، وجمالا في الصّورة، والأسنان تقطّع؛ والأنياب تكسر؛ والأضراس تطحن. وخصّ الفكّ الأسفل بالتحريك؛ لأن تحريك الأخفّ أحسن، لأن الأعلى يشتمل على الأعضاء الشّريفة فلم يخاطرها في الحركة؛ لأن الحركة تضعفها. وجعل ماء الأذن مرّا لئلاّ يقيم فيه الهوام، فإذا دخل الأذن دابّة لم يكن لها همّ إلاّ الخروج. وجعل ماء العين مالحا لئلاّ يذوب، وجعل ماء الفم عذبا ليطيّب طعم الطعام.
وخلق الله الأصابع آلة لعمل الأشياء كالكتابة والصّناعة والخياطة، وجعلها على الكفّ لتحفظ ما يجعل فيها، ولم يخلق الأصابع خالية من العظام لتكون أفعالها قويّة، ولم يجعل عظامها مجوّفة لتكون أقوى على القبض والحركات. وجعل القلب في وسط الصّدر لأنه أعدل الأماكن وقد ميّل قليلا إلى اليسار ليبعد عن الكبد، والرّئة، وغطاء للقلب ووقاية له، وهو بيت النّفس ومنزل الفرح. وخلق الله الأمعاء كثيرة التّلافيف ليطول ستر الغذاء، فلا يحتاج الإنسان إلى الغذاء في كلّ وقت، وخلق الله القدم أخمص ليمسك الماشي في الدّرج.
قوله تعالى: {فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} (14)؛أي المصوّرين المحوّلين من حال إلى حال، ومعنى قوله (تبارك الله) أي استحقّ التعظيم والثناء، وقيل: دام لم يزل ولا يزال. وقوله تعالى: {(أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)} لا يقتضي أن يكون معه
خالق آخر كما قال {أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}
(1)
،ويقال:
{(أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)} أي أحسن المقدّرين، فإنّ الخلق هو التقدير كما قال تعالى مخبرا عن عيسى عليه السلام {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ}
(2)
أي أقدّر لكم من الطّير.
قال ابن عبّاس: (كان عبد الله بن شريح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأملى عليه هذه الآية، فلمّا بلغ إلى قوله {(آخَرَ)} خطر بباله {(فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)} ،فلمّا أملاها عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم كذلك، قال عبد الله: إنّ محمّدا نبيّ يوحى إليه، وأنا نبيّ يوحى إليّ. فلحق بمكّة فمات كافرا)
(3)
.
قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ} (15)؛أي بعد الحياة والخلق الحسن والصّورة الحسنة ميّتون عند انقضاء آجالكم. قرأ أشهب العقيليّ:
«(لمائتون)» بالألف، والميّت والمائت الذي لم تفارقه الروح وهو سيموت، والميت بالتخفيف الذي فارقه الروح، فلذلك لم يخفّف كقول {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}
(4)
.
قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ} (16)؛يعني من قبوركم للجزاء والحساب.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ؛} أي سبع سماوات، سميت طرائق؛ لأن كلّ شيء فوق شيء فهو طريقة، يقال: طارقت نعلي إذا جعلت جلدا فوق جلد. ويقال: سميت طرائق لأنّها طرق الملائكة. قوله تعالى: {وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ} (17)؛أي وما كنّا عن حفظ السّماوات، وعن إنزال المطر على العباد وقت الحاجة غافلين، ولو جازت الغفلة لسقطت السّماوات بعضها على بعض.
قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ؛} أي أنزلنا المطر من السّماء بقدر الحاجة إليه؛ أي بقدر ما يكفيهم للمعيشة، وقيل: بقدر يعلمه
(1)
الفرقان 24/.
(2)
آل عمران 49/.
(3)
في الجامع لأحكام القرآن: ج 7 ص 40؛ قال القرطبي: (رواه الكلبي عن ابن عباس).
(4)
الزمر 30/.
الله. قوله تعالى: {(فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ)} أي جعلنا سكناه ومستقرّه في الأرض مثل العيون والغدران والرّكايا. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [أنزل الله من الجنّة خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنّيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل. وذلك قوله {(فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ)}.فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم والحجر الأسود وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السّماء، فذلك قوله تعالى: {وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ} (18)؛فإذا رفعت هذه الأشياء فقد أهلها خير الدّين والدّنيا]
(1)
.
قوله تعالى: {فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ؛} أي أخرجنا لكم بذلك المطر بساتين من نخيل وكروم، وإنّما خصّها بالذّكر لأنّها أشرف الثّمار، وقوله تعالى:{لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ؛} سوى النخيل والأعناب، {وَمِنْها تَأْكُلُونَ} (19)؛بإباحة الله لكم تأكلونها صيفا وشتاء.
قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ؛} أي وأنبتنا بذلك المطر شجرة وهي الزيتونة تخرج من جبل سيناء للبركة، كأنه قال: من جبل البركة. وقرئ {(طُورِ سَيْناءَ)} بفتح السّين. واختلفوا في المراد بالطّور، قال بعضهم: هذا الجبل الذي نادى موسى ربّه عنده. يقال: إن أصل شجرة الزيتون من ذلك الجبل؛ أي أوّل ما غرست فيه. وقال بعضهم: هو جبل بالشّام كثير الأشجار والأثمار. وقيل عن الزيتونة: أول شجرة نبتت في الأرض بعد الطّوفان. قوله تعالى: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} (20)؛قرأ أكثر القرّاء {(تَنْبُتُ)} بفتح التاء وضمّ الباء؛ أي تنبت بثمار الدّهن يعني الزّيت. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمّ التاء وكسر الباء، ومعناه معنى الأول. والباء في قوله تعالى {(بِالدُّهْنِ)} للتعدّي، يقال: أنبته ونبت به، ونبت
(1)
أخرجه الخطيب في تأريخ بغداد: ج 1 ص 79 - 80:باب ذكر نهري بغداد دجلة والفرات وما جعل الله فيهما من المنافع والبركات.
الشّيء وأنبت بمعنى واحد، قال الشاعر:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم
…
قطينا لهم حتّى إذا أنبت البقل
ويجوز أن تكون الباء زائدة على قراءة من ضمّ التاء، كقوله {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}
(1)
.قوله تعالى: {(وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ)} يعني الإدام، لأن الزيت إدام يصبغ به الخبز، يقال: صبغ وصباع كما يقال: لبس ولباس
(2)
.
قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً؛} أي لعظة ودلالة على وحدانيّتنا لو اعتبرتم واستدللتم، {نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها} يعني اللّبن، {وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ؛} من الأولاد والأوتار والأصواف والأشعار والرّكوب على الإبل، {وَمِنْها تَأْكُلُونَ} (21)؛يعني لحومها.
قوله تعالى: {وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} (22)؛أي تحملون على الإبل في البرّ وعلى السّفن في البحر، وهذا كقوله تعالى {وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}
(3)
يقال: إن الله تعالى جعل للناس مركبين، مركبا ليّنا لسير البرّ، ومركبا يابسا لسير البحر.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ؛} أي أرسلناه إليهم ليدعوهم إلى عبادتنا، {فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} (23) عبادة غيره.
{فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ؛} أي الأشراف منهم والرؤساء قالوا لسفائهم: {ما هذا؛} الذي يدعوكم إلى التوحيد، {إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛} أي آدميّ مثلكم، {يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ؛} أي يتقدّم عليكم بدعوى النبوّة ليكون له الفضل عليكم فتكونوا له تبعا، {وَلَوْ شاءَ اللهُ؛} أن يرسل إلينا رسولا من عنده، {لَأَنْزَلَ؛} أي لأرسل {مَلائِكَةً؛} من عنده، {ما سَمِعْنا بِهذا؛} بمثل هذه الدّعوة، {فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ} (24)؛ولا أرسل
(1)
البقرة 195/.
(2)
ينظر: الحجة للقراء السبعة: ج 3 ص 180.
(3)
الاسراء 70/.
إليهم بشرا،
{إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ؛} أي قالوا: ما نوح إلاّ رجل به جنون، {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ} (25)؛أي فانتظروا حتى يموت فنستريح منه.
فلما يئس من إيمانهم؛ {قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ} (26)؛أي أعنّي عليهم بتكذيبهم إيّاي وجحودهم نبوّتي، والمعنى: انصرني عليهم بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم.
قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا؛} أي وأرسلنا إليه جبريل أن يعلّمه صنعة الفلك ليصنعها بمرأى منّا، {فَإِذا جاءَ أَمْرُنا؛} بنجاتك وإهلاكهم، {وَفارَ التَّنُّورُ؛} ونبع الماء من تنّور الخسارة.
وعن عليّ رضي الله عنه: (أنّ معنى قوله {(وَفارَ التَّنُّورُ)} أي طلع الفجر).
قوله تعالى: {فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؛} أي احمل في السّفينة من كلّ ذكر وأنثى، كما روي أنّ الله تعالى حشر إليه جميع الحيوانات حتى أخذ من كلّ جنس زوجا، ويقرأ {(مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ)} بالتنوين، فعلى هذه القراءة يكون الفعل واقعا على زوجين، وأما على القراءة الثانية فالفعل واقع على اثنين
(1)
.
قوله تعالى: {وَأَهْلَكَ؛} معناه: واحمل فيها أهلك، {إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ؛} أي إلاّ من حقّ عليه العذاب {مِنْهُمْ،} لكفره وهو ابنه كنعان وامرأته وأهله. قوله تعالى: {وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا؛} أي لا تسألني نجاة الذين ظلموا من أهلك، {إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} (27)؛مع الأجانب.
قوله تعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ؛} أي إذا اعتدلت في السفينة راكبا واستقرّ بك ولمن معك الفلك في الماء، {فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ؛} أي أحمد الله، {الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً؛} أي أنزلني من السّفينة موضعا مباركا. وقال بعضهم: أراد به الإنزال في السّفينة وهو
(1)
ينظر: الحجة للقراء السبعة: ج 3 ص 181 - 182.
الأقرب؛ لأنه إنّما أمر بهذا الدّعاء في حال استوائه على السفينة، فاقتضى أن السفينة هي المنزل دون منزل آخر.
وقرأ العامة {(مُنْزَلاً)} بضمّ الميم على المصدر؛ أي إنزالا مباركا، وقرأ أبو بكر بفتح الميم وكسر الزّاي؛ أي موضعا مباركا
(1)
،قال مقاتل:(يعني بالبركة أنّهم توالدوا وكثروا)
(2)
.
وقوله تعالى: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} (29)؛أي أنت خير المنزلين في الدّنيا والآخرة، وهذا اللفظ سنّة لكلّ من أراد أن ينزل منزلا.
قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛} معناه: أنّ في أمر نوح والسّفينة وهلاك أعداء الله لدلالات على قدرة الله ووحدانيّته، {وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ} (30) أي ما كنّا إلاّ مبتلين بإرسال الرّسل إليهم؛ أي مختبرين إيّاهم كيف نرى طاعة المطيعين ومعصية العاصين.
وقوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} (31)؛أي ثم خلقنا من بعد هلاك قوم نوح قوما آخرين يعني: عادا،
{فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ؛} يعني هودا عليه السلام فإنّ أول نبيّ بعد نوح هود عليه السلام فقال لهم: {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} (32)؛إلى آخر الآية.
قوله تعالى: {وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ؛} أي جحدوا البعث والنّشور، {وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛} أي متّعناهم في الحياة الدّنيا وأعطيناهم من نعيم العيش ووسّعنا عليهم ونعّمناهم؛ أي قال أشراف قوم هود ورؤساؤهم الذين جحدوا بالبعث والنشور ومتّعناهم في الحياة الدّنيا:{ما هذا؛} أي ما هو {إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛} أي آدميّ مثلكم، {يَأْكُلُ مِمّا}
(1)
نقله الطبري في جامع البيان: مج 10 ج 18 ص 25؛ قال: (وقرأه عاصم) وذكره. وفي الجامع لأحكام القرآن: ج 12 ص 119 - 120؛ قال القرطبي: (وقرأ زر بن حبيش وأبو بكر عن عاصم والمفضل) وذكره.
(2)
قاله مقاتل في التفسير: ج 2 ص 395.
{تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ} (33)؛أي يأكل من الطعام الذي تأكلون منه؛ ويشرب من الذي تشربون، فليس هو بأولى بالرّسالة منكم.
قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ} (34)؛ معناه: لئن أطعتم آدميّا بشرا مثلكم إنّكم إذا لمبعوثون، وهذا القول منهم دليل على غاية جهلهم حيث عبدوا أصناما لا تضرّ ولا تنفع، ولم يعدّوا ذلك خسرانا، والأصنام أجسام مثلهم بل دونهم.
ثم عدّوا عبادة الله وطاعته هو خسرانا،
قالوا: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ؛} أي وصرتم، {تُراباً وَعِظاماً؛} بالية؛ {أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} (35)؛ أي أن تخرجوا من قبوركم،
{*هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ} (36)،أي بعدا بعدا لما تحاولون من البعث بعد الموت، وهذه كلمة استنكار واستبعاد، ويقرأ {(هَيْهاتَ)} سبع قراءات بالنّصب والكسر والرفع والتنوين وغير التنوين والسّكون
(1)
،فمن نصب جعلها مثل (أين وكيف)،وقيل: لأنّها أداة مثل خمسة عشر وبعلبكّ، ومن رفع جعله مثل (منذ وقطّ وحيث)،ومن كسر جعله مثل أمس. قال الشاعر:
تذكّرت أيّاما مضين من الصّبا
…
وهيهات هيهاتا إليك رجوعها
وقال آخر:
لقد باعدت أمّ الحمارس دارها
…
وهيهات من أمّ الحمارس هيهاتا هيهات
ومعنى (هيهات) بعد الأمر جدا حتى امتنع، وهو اسم سمي به الفعل، وهو بعد كما قالوا: صه بمعنى اسكت، ومه بمعنى لا تفعل، وليس له اشتقاق وفيه ضمير مرتفع عائد إلى قوله {(مُخْرَجُونَ)} ،والتقدير {(هَيْهاتَ)} أي هو الإخراج، والمعنى: بعد إخراجكم للوعد؛ أي الذي توعدون. قال أبو عمرو: (إذا وقفت فقل هيهاه بالهاء) وقال الفرّاء: (كان الكسائيّ يختار الوقف عليها بالهاء، وأنا أختار التّاء لأنّها ليست
(1)
ذكر ست قراءات ولعله جمع بين أنواع التنوين. وفي الجامع لأحكام القرآن: ج 18 ص 122 نقل القرطبي عن الأنباري أنها عشر لغات. والسبع هي: (هَيْهاتَ) و (هيهات) و (هيهات) و (هيهاتا) و (هيهات) و (هيهات) و (هيهات).
هاء التّأنيث)
(1)
.وروي أن سيبويه قال: (هي بمنزلة بيضات)
(2)
يعني في التّأنيث، فإذا كان كذلك كان الوقف بالهاء.
قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا؛} أي قالوا ما هي إلاّ حياتنا الدّنيا التي نحن فيها، {نَمُوتُ وَنَحْيا؛} أي يموت قوم ويحيا قوم آخرون، {وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} (37)؛بعد الموت.
قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً؛} أي قالوا: ما هود إلاّ رجل اختلق على الله كذبا بأنه رسول إلينا، وأنّا نبعث، {وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} (38)؛أي بمصدّقين فيما يقول.
قوله تعالى: {قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ} (39)؛أي قال هود: رب أعنّي عليهم بتكذيبهم إيّاي،
{قالَ؛} الله: {عَمّا قَلِيلٍ؛} على تكذيبهم أي عمّا قليل من الزّمان والوقت، يعني عند الموت وعند نزول العذاب بهم، {لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ} (40)؛على الكفر والتكذيب،
{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ؛} أي صاح بهم جبريل صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم. قوله تعالى: {(بِالْحَقِّ)} أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم.
قوله تعالى: {فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً؛} أي صيّرناهم بعد الهلاك كغثاء السّيل، وهو ما يكون على وجه السّيل من القصب والحطب والحشيش والأشجار اليابسة المتبقّية البالية، إذا جرى السيل رأيت ذلك مخالطا زبد السّيل، والمعنى: صيّرناهم هلكا فيبسوا كما يبس الغثاء من نبت الأرض. وقوله تعالى: {فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ} (41)؛أي بعدا من رحمة الله للقوم الكافرين.
(1)
معاني القرآن: ج 2 ص 236.
(2)
في أصل المخطوط تصحيف للكلمة (بيضات).وتم الضبط على ما نقله ابن عادل في اللباب في علوم الكتاب: ج 14 ص 210.وينظر: الكتاب لسيبويه: ج 3 ص 291 - 292.وإعراب القرآن للنحاس: ج 3 ص 80.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ} (42)؛أي ثم خلقنا بعد هلاك قوم هود أهل أعصار آخرين فسكنوا ديارهم إلى أن هلكوا،
{ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ} (43)؛أي لا تموت أمة قبل أجلها ولا يتأخر موعدهم عنه، وقوله تعالى:{(مِنْ أُمَّةٍ)} من هاهنا صلة.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا؛} أي بعضها في إثر بعض مترادفين، {كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً؛} أي قوما، {رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً؛} في الهلاك والتعذيب، {وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ؛} لمن بعدهم من الناس يتحدّثون بأمرهم وشأنهم ويتمثّل بهم في السرّ. {فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} (44).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «(تترا)» بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين مثل سكرى وشكوى، فمن نوّن كان الألف فيه كالألف في أنت زيدا أو عمرا، فإذا وقفت كان ألفا، يعني توقف عليه بالألف، ومن لم ينوّن كتبها بالياء
(1)
.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ} (45) ظاهر المعنى.
قوله تعالى: {إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا؛} أي تكبّروا عن الإيمان بالله وعبادته، {وَكانُوا قَوْماً عالِينَ} (46)،أي وكانوا قوما قاهرين للناس بالبغي والتّطاول عليهم كما قال الله تعالى:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ}
(2)
، وقال مقاتل:(معنى قوله {(عالِينَ)} أي متكبرين عن توحيد الله)
(3)
.
قوله تعالى: {فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا؛} أي ليس لهم فضل علينا، {وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ} (47)؛يعني بني إسرائيل لنا مطيعون،
{فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} (48)؛بتكذيبهما.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ؛} يعني التوراة، {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} (49)؛لكي يهتدوا به من الضّلالة.
(1)
ينظر: الحجة للقراء السبعة: ج 3 ص 182.
(2)
القصص 4/.
(3)
تفسير مقاتل: ج 2 ص 397.
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً؛} أي جعلنا ولادة عيسى من غير أب دلالة على التوحيد والبعث، ولم يقل: آيتين؛ لأن معنى الآية فيهما واحدة.
وقيل: معنى كلّ واحد منهما آية، كما قال {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها}
(1)
أي آتت كلّ واحدة أكلها، وقال تعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ}
(2)
ولم يقل أرجاس. وقيل: معناه: جعلنا شأنهما واحدا؛ لأن عيسى ولد من غير أب، وأمّه ولدت من غير مسيس ذكر.
قوله تعالى: {وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ} (50)؛أي جعلناهما يأويان إلى بقعة مرتفعة ذات استواء واستقرار، ومكان ظاهر. والرّبوة:
المكان المرتفع من الأرض.
واختلفوا في هذه البقعة، قال قتادة:(يعني بيت المقدس، وهو أرفع موضع في الأرض وأقرب موضع إلى السّماء ثمانية عشر ميلا)
(3)
،وقال أبو هريرة:(هي رملة بأرض فلسطين)
(4)
،وروى الحسن وابن المسيّب:(أنّها دمشق).وقوله تعالى {(ذاتِ قَرارٍ)} أي مستوية ليستقرّ عليها ساكنوها، وهي مع ذلك ساحة واسعة، والمعين الماء الجاري الطاهر الذي تراه العيون، يقال عانت الرّكبة إذا سالت بالماء.
قوله: {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً؛} قال الحسن ومجاهد والسديّ والكلبي وقتادة ومقاتل: (الخطاب في هذه الآية لمحمّد صلى الله عليه وسلم وحده، إلاّ أنّه ذكره بلفظ الجماعة، لما في الخطاب من تضمين أنّ الرّسل جميعا أمروا بهذا الخطاب، وقيل لهم: كلوا من الطّيّبات؛ أي من الحلال، أمرهم الله أن لا يأكلوا إلاّ حلالا).
قال الحسن: (أما والله ما عنى به أصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكنّه قال: انتهوا إلى الحلال منه).قوله تعالى: {(وَاعْمَلُوا صالِحاً)}
(1)
الكهف 33/.
(2)
المائدة 90/.
(3)
أخرجه الطبري في جامع البيان: النص (19311).
(4)
أخرجه الطبري في جامع البيان: النص (19307)
أي اعملوا ما أمركم به الله وأطيعوه في أمره ونهيه. قوله تعالى: {إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (51)؛ظاهر المعنى.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى {(يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ)} وقال {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ}
(1)
،-ثمّ ذكر-الرّجل
(2)
يطيل السّفر أشعث أغبر، يمدّ يده إلى السّماء: يا رب يا رب! مطعمه حرام؛ ومشربه حرام؛ وملبسه حرام؛ وغذّي بالحرام، فأنّى يستجاب له؟!]
(3)
.ويروى عن عيسى: كان يأكل من غزل أمّه
(4)
،وكان نبيّنا صلى الله عليه وسلم كان يقول:[جعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجعل الذّلّ والصّغار على من خالفني]
(5)
فبيّن أن رزقه من الغنيمة وأطيب الطيّبات الغنيمة.
قوله تعالى: {وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً؛} أي دينكم ودين من قبلكم دين واحد. وقيل: جماعتكم جماعة واحدة كلّكم عباد الله، {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (52)؛أي فاتّقوا عذابي، وافعلوا ما أمرتكم به واتركوا ما نهيتكم عنه.
قرأ الكوفيّون: {(وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ)} بكسر الهمزة على الابتداء. وقرأ الباقون بفتحها مع التشديد، وخفّف النون ابن عامر مع فتح الهمزة، فمن فتح الهمزة وشدّد
(1)
البقرة 172/.
(2)
الجملة من كلام الراوي، والضمير فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والرجل: بالرفع مبتدأ مذكور على سبيل الحكاية من لفظ سيدنا الرسول محمّد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن ينصب على أنه مفعول (ذكر).
(3)
رواه مسلم في الصحيح: كتاب الزكاة: باب قبول الصدقة من الكسب الطيب: الحديث (1014/ 65 و 1015).والإمام أحمد في المسند: ج 2 ص 328 و 400.والترمذي في الجامع: أبواب التفسير: باب ومن سورة البقرة: الحديث (2989).
(4)
أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (19319) عن عمرو بن شرحبيل.
(5)
رواه الإمام أحمد في المسند: ج 2 ص 92.وعلقه البخاري في الصحيح: كتاب الجهاد: باب ما قيل في الرماح؛ وقال: (ويذكر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.وفي مجمع الزوائد: ج 5 ص 267؛ قال الهيثمي: (رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وثقه ابن المديني وأبو حاتم وغيرهما، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات).
النون فمعناه: وبأنّ هذه، وقيل: واعلموا إنّ هذه أمّتكم أمة واحدة، أي ملّتكم ملّة واحدة وهي دين الإسلام، ومن خفّف مع الفتح جعل (أن) صلة، وتقديره: وهذه أمّتكم، وقيل: تكون مخفّفة من الثقيلة كقوله تعالى {وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ}
(1)
.
قوله تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً؛} معناه: أنتم أهل ملّة واحدة فلا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا فتقطّعوا أمرهم بينهم زبرا؛ أي فرقا، وقيل: معناه:
كتبا مختلفة ديوانها، فكفروا بما سواها كاليهود آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل والقرآن، والنصارى آمنوا بالإنجيل وكفروا بالقرآن. وقرئ «(زبرا)» بفتح الباء ومعناه قطعا وجماعات، ومنه زبر الحديد قطعه.
قوله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (53)؛أي كلّ طائفة بما عندهم من الاعتقاد معجبون، فاتركهم في ضلالتهم وجهالتهم إلى أن يأتيهم ما وعدوا به من العذاب. وقيل: إلى أن يموتوا فيظهر لهم الحقّ من الباطل عند المعاينة في القيامة. وقيل: كلّ حزب من المشركين واليهود والنصارى بما عندهم من الدّين راضون، يرون أنّهم على الحقّ،
{فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ} (54)؛أي في ضلالتهم وجهالتهم وغفلتهم حتى يرون العذاب بالسّيف أو بالموت، يعني: كفار مكّة.
قوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ؛} أي يظنّون أنّ إمدادنا إياهم بالمال والبنين مسارعة منا لهم في الخيرات لكرامتهم علينا ومنزلتهم عندنا، {بَلْ لا يَشْعُرُونَ} (56) أن ذلك استدراج لهم وإملاء إلى حين.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} (57) أي حذرون من عذابه، والإشفاق هو الخوف، يقال: أنا مشفق من هذا الأمر؛ أي خائف،
{وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} (58)؛أي يصدّقون بالقرآن أنه من عند الله،
{وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} (59)؛معه غيره،
(1)
يونس 10/. ينظر: الحجة للقراء السبعة: ج 3 ص 183 - 184.
{آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ؛} أي والذين يتصدّقون بالأموال، ويعملون ما عملوا من الصّالحات، وقلوبهم فزعة خائفة أن لا يقبل منهم ذلك. قال مجاهد:(المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل)
(1)
.
وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)} ،فقال:[لا يا ابنة الصّدّيق، الّذين يصومون ويتصدّقون ويخافون أن لا تقبل منهم، ويصلّون ويعرفون ألاّ تقبل منهم، ويتصدّقون ويعرفون ألاّ تقبل منهم]
(2)
.وقال الحسن: {(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا} ؛أي يعملون ما عملوا من البرّ وهم يرون أنّ ذلك لا ينجيهم من عذاب الله)
(3)
،قال الزجّاج:
(وقلوبهم وجلة {أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ} (60)؛أي لأنّهم يوقنون برجوعهم إلى الله.
قوله تعالى: {أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ؛} أي أهل هذه الصّفة هم الذين يسارعون في الأعمال الصالحة، {وَهُمْ لَها سابِقُونَ} (61)؛أي إليها سابقون، يكون {(لَها)} بمعنى إليها، كقوله:{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها}
(4)
أي إليها. وقيل:
معناه: وهم لها سابقون في الجنّة؛ أي من أجل مسارعتهم في الخيرات سابقون في الجنّة.
وقوله تعالى: {وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها؛} أي إلاّ طاقتها من العمل، فمن لم يستطع أن يصلّي قائما فيصلّي قاعدا. وقوله تعالى:{وَلَدَيْنا كِتابٌ؛} أي عند ملائكتنا المقرّبين كتاب يشهد لكم وعليكم، يريد به صحائف الأعمال، وقيل:
(1)
أخرجه الطبري في جامع البيان: النص (19330).
(2)
رواه الإمام أحمد في المسند: ج 6 ص 159.والترمذي في السنن: كتاب التفسير: باب ومن سورة المؤمنون: الحديث (3175).وابن ماجة في السنن: كتاب الزهد: باب التوقي على العمل: الحديث (4198).
(3)
أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (19336).
(4)
الزلزلة 5/.
يعني اللوح المحفوظ، فيه كلّ شيء مكتوب، سبق في علم الله، {يَنْطِقُ بِالْحَقِّ؛} أي يبيّن الصدق، {وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} (62)؛أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم، ولا يزاد على سيّئاتهم.
قوله تعالى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ؛} أي قلوب أهل مكّة في غفلة وجهالة، {مِنْ هذا} الذي تقدّم ذكره من أعمال البرّ. وقيل: في غفلة من القرآن، {وَلَهُمْ أَعْمالٌ؛} خبيثة لا يرضاها الله من المعاصي والخطايا، {مِنْ دُونِ ذلِكَ؛} أي من دون أعمال المؤمنين، {هُمْ لَها عامِلُونَ} (63)؛ويجوز أن يكون قوله {(مِنْ هذا)} إشارة إلى الكتاب الذي ينطق بالحقّ؛ أي قلوبهم في غفلة من ذلك الكتاب، وأعمالهم التي عملوها محصاة فيه، ولهم أعمال من دون ما هم عليه لا بدّ أن يعملوها، وهو ما سبق في علم الله أنّهم يعملونه. والغمرة: الغفلة التي تغطّي القلب وتغلب عليه.
قوله تعالى: {حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ} (64)؛ أي حتى إذا أخذنا أعيانهم ورؤساءهم بالقتل يوم بدر وبما يرون من العذاب وقت المعاينة، وقال الضحّاك: (بالجوع حين دعا عليهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم: [اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ سنين كسنين يوسف]
(1)
فابتلاهم الله بالقحط حتّى أكلوا العظام والجيف والكلاب والأولاد والقذر)
(2)
.قوله تعالى: {(إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ)} أي يصيحون ويصرخون بالتوبة، وقيل: يجرعون ويستغيثون. وأصل الجؤار رفع الصّوت بالتّضرّع.
قوله تعالى: {لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ؛} وعيدا بهم كالاستهزاء مثل قوله {لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا}
(3)
،قوله تعالى:{إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ} (65)؛أي لا
(1)
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الدعوات: باب الدعاء على المشركين: الحديث (6393). ومسلم في الصحيح: كتاب المساجد: باب استحباب القنوت: الحديث (675/ 295).
(2)
ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص 884.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج 12 ص 135.
(3)
الأنبياء 13/.
تمنعون من عذابنا.
قوله تعالى: {قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ؛} أي تقرأ عليكم في الدّنيا، يعني القرآن، {فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ} (66)؛أي تولّون مدبرين وتعرضون عن الإيمان به،
قوله تعالى: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ؛} أي متعظّمين ببيت الله الكعبة. وقيل: بحرم الله أنه لا يظهر عليكم أحد، فالكناية تعود إلى الحرم وهو كناية من غير مذكور، والمعنى: والمستكبرين في البيت الحرام لأمنهم فيه مع خوف سائر الناس في مواضعهم.
قوله تعالى: {سامِراً تَهْجُرُونَ} (67)؛أي سمّارا تهجرون القرآن والنبيّ صلى الله عليه وسلم، والهجر: هجر الحقّ بالإعراض عنه، وقد يقال: هجر المريض إذا هدأ في كلامه.
والسّمر: الحديث باللّيل، كانوا يتحدّثون حول الكعبة في أوائل الليل بالطّعن في النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام والمسلمين، وإنّما وحّد {(سامِراً)} لأنه في موضع المصدر.
قال الحسن ومقاتل: (المعنى: يهجرون القرآن ويرفضونه فلا يلتفتون إليه، كما قال تعالى {(قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ)} الآية).ويجوز أن يكون معناه من الهجر؛ وهو الكلام القبيح، يقال: هجر هجرا؛ إذا قال غير الحقّ، وهو قول السديّ والكلبي وقتادة ومجاهد، وكانوا إذا دخلوا البيت سبّوا النبيّ صلى الله عليه وسلم والقرآن
(1)
.ويقال أيضا في هذا المعنى: أهجر هجرا؛ إذا أفحش في منطقه، ومنه قراءة نافع:«(تهجرون)» أي يفحشون في الكلام، ويقولون الخنا، وذلك أنّهم كانوا يسبّون النبيّ صلى الله عليه وسلم
(2)
،والهجر هو الفحش من الكلام، يقال في المثل:(من كثر هجره وجب هجره).
قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ؛} أي أفلم يدّبّروا القرآن في حسن لفظه ونظمه، وكثرة فوائده ومعانيه، مع سلامته من التناقض والاختلاف، فتعلّموا أنه من عند الله، ويقال: معناه: أفلم يدّبّروا القرآن فيعرفوا ما فيه من العبر والدّلالات على صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم.
(1)
أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (19383) عن مجاهد، و (19387) عن الحسن وقتادة.
(2)
نقله الطبري في جامع البيان: مج 10 ج 18 ص 53،وذكر الآثار فيه.
قوله تعالى: {أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} (68)؛معناه: أم جاءهم أمر بديع لم يأت آباءهم؛ أي ألم يعلموا أن الرّسل قد أرسلوا إلى من قبلهم؟ والمعنى: أجاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين فأنكروه وأعرضوا عنه. ويحتمل أن يكون معناه: بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين فأنكروه وتركوا التدبر له
(1)
.لأن {(أَمْ)} بمعنى: (بل).
قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ؛} بالصّدق والأمانة قبل إظهار الدّعوة؟ {فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} (69).قال ابن عبّاس: (كانوا يعرفون محمّدا صلى الله عليه وسلم صغيرا وكبيرا صادق اللّسان وفيّ العهد) وفي هذا توبيخ لهم بالإعراض عنه بعد ما عرفوا صدقه وأمانته.
قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ؛} أي قالوا: إنّ محمّدا مجنون ليصدّوا الوجوه ويصرفوها عنه، وقد كذبوا في ذلك، فإن المجنون يهذي ويقول ما لا يفعل، {بَلْ جاءَهُمْ؛} النبيّ صلى الله عليه وسلم {بِالْحَقِّ؛} أي بالقرآن الذي لا تخفى صحّته وحسنه على أحد، {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ} (70).
قوله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ،} قال مقاتل والسدي: (الحقّ هو الله) والمعنى: لو جعل مع نفسه شريكا كما تحبّون، {لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ؛} كقوله {لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا}
(2)
.وقيل:
معناه: لو وضع الحقّ على أهوائهم لهلك أهل السّماوات والأرض؛ لأنّ الحقّ يدعو إلى المحاسن، والهوى يدعو إلى القبائح، ولو جعل الهوى متبوعا لبقيت الأمور على الظّلم والجهالات، فتخلط الأمور أقبح الاختلاط، ولم يوثق بالوعد والوعيد، فأدّى ذلك إلى الفساد؛ لأن الهوى هو ميل النفس إلى المشتهى من غير داعي الهوى.
(1)
سقطت من المخطوط مع تصحيف كلمة (تركوا)،وتمامه ضبط كما في الجامع لأحكام القرآن: ج 12 ص 139.
(2)
الأنبياء 22/.
قوله تعالى: {بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ؛} أي أعطيناهم القرآن الذي فيه عزّهم وشرفهم، وأمروا بالعمل بما فيه، {فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ؛} القرآن، {مُعْرِضُونَ} (71)؛وهو نظير قوله {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ}
(1)
وقوله {كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ}
(2)
والمعنى: تولّوا عمّا جاءهم به من شرف الدّنيا والآخرة.
قوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ؛} معناه: أم تسألهم على تبليغ الرّسالة الجعل فيتثاقلون لذلك، قوله تعالى:{(فَخَراجُ رَبِّكَ)} أي ما وعد الله لك من الأجر والثواب في الآخرة، {وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ} (72)؛أي أفضل المعطين. وأصل الخرج والخراج: الضريبة والعلّة، كخراج الأرض.
وقال النضر بن شميل: (سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج، فقال: الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرّعت به من غير وجوب)
(3)
،
قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} (73)؛أي إلى طريق قائم يرضاه الله وهو الإسلام.
قوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ} (74) معناه: وإنّ الذين لا يصدّقون بالقيامة عن دين الحقّ لناكبون؛ أي مائلون عادلون، ومنه النّكباء. وقيل: معناه: إنّهم في الآخرة عن صراط جهنّم يسقطون يمنة ويسرة.
قوله تعالى: {*وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (75)؛أي ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من الشدّة التي أصابت أهل مكّة من الجوع والقحط الذي أخذهم سبع سنين للجّوا في طغيانهم؛ أي لتمادوا في ضلالتهم يتحيّرون ويتردّدون. وقيل: ولو رحمناهم في الآخرة فرددناهم إلى الدّنيا لعادوا إلى الكفر كما كانوا. قال الله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ}
(4)
.
(1)
الزخرف 44/.
(2)
الأنبياء 10/.
(3)
ذكره الثعلبي في الكشف والبيان: ج 7 ص 52.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج 12 ص 142 مختصرا.
(4)
الأنعام 28/.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ؛} يعني الجوع الذي أصابهم بدعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم: [اللهمّ سنين كسنيّ يوسف]
(1)
فجاعوا حتى أكلوا الوبر والدم
(2)
، {فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ} (76)؛أي فما خضعوا لربهم وما تضرّعوا ولا انقادوا في الأمر لله وما رغبوا إليه في الدّعاء، ولو كشف عنهم العذاب لم يشكروا، والاستكانة: طلب السّكون، والتّضرّع: طلب كشف البلاء من القادر عليه.
قوله تعالى: {حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ؛} قيل: إنه القتل يوم بدر، وقيل: إنه عذاب الآخرة، {إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} (77)؛أي آيسون يتحيّرون، والإبلاس: اليأس مع التحيّر. وقيل: لمّا أصابهم من الجوع ما أصابهم، جاء أبو سفيان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: أنشدك الله والرّحم، ألست تزعم أنّك بعثت رحمة للعالمين؟ قال [بلى] قال: فإنّك قد قتلت الآباء بالسّيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى هذه الآية
(3)
.
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ} (78)؛أي خلق لكم السمع تسمعون به، والأبصار تبصرون بها، والقلوب تعقلون بها، فشكركم فيما أعطي
(4)
إليكم قليل
(5)
،والأفئدة هي القلوب.
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ؛} أي خلقكم في الأرض، {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (79)؛أي تجمعون إلى موضع الحساب والجزاء.
(1)
تقدم.
(2)
في المخطوط: (الوس بالدم) والصحيح كما أثبتناه. وهو يسمى العلهز. أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (19397) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه الحاكم في المستدرك: ج 3 ص 155:كتاب التفسير: باب كراهة السمر: الحديث (3539).والبيهقي في دلائل النبوة: ج 4 ص 81.وفي مجمع الزوائد: ج 7 ص 73؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني وفيه علي بن الحسين بن واقد، وثقه النسائي وغيره، وضعفه أبو حاتم. وأخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (19398) بإسناد آخر.
(4)
في المخطوط: (طبع) وهو غير مناسب.
(5)
في اللباب في علوم الكتاب: ج 14 ص 246؛ذكر ابن عادل قال: (قال أبو مسلم: وليس المراد أنّ لهم شكرا وإن قلّ، لكنه كما يقال للكفور والجاحد للنعمة: ما أقلّ شكر فلان).
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ؛} أي يحييكم في أرحام أمّهاتكم، ويميتكم عند انقضاء آجالكم، {وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ؛} أي له ملك اختلافهما ومرورهما يوما بعد ليلة، وليلة بعد يوم، {أَفَلا تَعْقِلُونَ} (80)؛ أدلّة الله تعالى تستدلّون به على وحدانيّة الله تعالى.
قوله: {بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ} (81)؛أي لم يعقلوا أدلّتنا ولم يستدلّوا بها علينا، بل كذبوا بالبعث كما كذب آباؤهم قبلهم، والمعنى: كذبت قريش بالبعث مثل ما كذب الأولون،
{قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ} (82)؛بعد الموت.
قوله تعالى: {لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ؛} أي خوّفنا بهذا الذي تخوّفنا به من قبل أن تخوّفنا به، {إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (83) أي ما هذا الذي تخوّفنا به يا محمّد إلاّ أحاديث الأوّلين.
قوله تعالى: {قُلْ؛} لهم يا محمّد: {لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها؛} من الخلق والعجائب، أجيبوا {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (84)؛خالقها. ثم أجاب الله عنهم لمّا علم أنّهم لا يجيبون فقال:
{سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ} لهم يا محمّد:
{أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (85)؛فتستدلّون على أنّ من له ملك السّماوات والأرض وما فيهما قادر على البعث والنّشور، فإنّ من ملك الأرض ومن فيها ملك إنشاءها بعد هلاكها.
قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (87)؛عقابه على إنكار البعث. ومن قرأ {(سَيَقُولُونَ لِلّهِ)} ومعناه: كأنه قال: لمن السّماوات؟ فقال: لله.
قوله تعالى: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ؛} أي من ذا الذي له خزائن كلّ شيء وهو يغيث ويمنع من السّوء، ولا يمنع منه من أراد به سوء، أجيبوا {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلّهِ؛} ملكوت كلّ شيء، {قُلْ} لهم يا محمّد {فَأَنّى تُسْحَرُونَ} (89)؛أي تصرفون عن الحقّ إلى ما ليس له أصل ولا حقيقة، وقد ألقي إليكم حقائق الأدلة.
والمعنى بقوله: {(فَأَنّى تُسْحَرُونَ)} أي كيف يخيّل لكم الحقّ باطلا، والصحيح فاسدا.
قوله تعالى: {بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ؛} أي جئناهم بالحقّ وبيّنّا لهم، يعني أتيناهم بالتوحيد والقرآن، {وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ} (90)؛فيما يضيفون إلى الله من الولد والشّريك.
قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ؛} هذا ردّ على اليهود في قولهم: عزير ابن الله، وعلى النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، وعلى من قال من المشركين:
الملائكة بنات الله، {وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ،} هذا ردّ على عبدة الأوثان.
وقوله تعالى: {إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ؛} معناه: لو كان معه آلهة لا نفرد كلّ إله بخلقه، لا يرضى أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، {وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ؛} أي لطلب بعضهم قهر بعض، فلم ينتظم أمرهما كما لا ينتظم أمر بلد فيه ملكان قاهران.
قوله تعالى: {سُبْحانَ اللهِ؛} أي تنزيها لله {عَمّا يَصِفُونَ} (91)؛ من اتّخاذ الولد والشريك،
{عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ؛} من خفضه جعله نعت الله، ومن رفعه كان خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم، فقراءة الخفض هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقراءة الباقين بالرفع
(1)
.ومعنى الآية: عالم ما غاب عن العباد وما علمه العباد، {فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ} (92).
قوله تعالى: {قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ} (93)؛معناه: قل يا محمّد رب أرني ما يوعدون من العذاب والنّقمة؛ يعني القتل ببدر. وقيل: معناه: قل يا محمّد: يا
{رَبِّ؛} إن أريتني ما يوعدون من العذاب، {فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ} (94)؛أي منهم.
قوله تعالى: {وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ}
(1)
ينظر: الحجة للقراء السبعة: ج 3 ص 186.وفي الجامع لأحكام القرآن: ج 12 ص 147؛ قال القرطبي: (وقرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي: (عالم) بالرفع على الاستئناف، أي هو (عالم الغيب).الباقون بالجر على الصفة لله. وروى رويس عن يعقوب: (عالم) إذا وصل خفضا و (عالم) إذا ابتدأ رفعا).
{لَقادِرُونَ} (95)؛أي نحن قادرون على تعذيبهم، لكنّ الإمهال لحكمة تقتضي ذلك.
قوله تعالى: {اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ؛} يعني بالإحسان الإعراض والصّفح، والسّيّئة: أذى المشركين إيّاه، وهذا قبل الأمر بالقتال، والمعنى: اذكر لهم المقاتلة والحجة على طريق التلطّف والاستدعاء إلى الحق كما قال تعالى {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً}
(1)
.قوله تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ} (96)؛أي بما يكذّبون وبما يقولونه من الشّرك فيجازيهم عليه.
قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ} (97)؛أي اعتصم بك وأمتنع بك من همزات الشّياطين، وهمزات الشياطين: دفعهم الناس إلى المعاصي بالإغواء، ويقال: الهمزة هي الوسوسة الشّاغلة عن أمر الله تعالى،
{وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} (98)؛عند القراءة وعند الموت وعند الغضب. وعن الحسن: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قام إلى الصّلاة فهلّل وكبّر ثلاثا؛ وقال: [أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، من همزه ولمزه ونفثه ونفخه] فسئل عن همزه؛ فقال: [هو أخذ الشّيطان للإنسان حتّى يصرع ويجنّ] وسئل عن نفثه؛ فقال: [هو الشّعر] وسئل عن نفخه؛ فقال: [إنّه الكبر]
(2)
.
قوله تعالى: {حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} (99)؛أخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدّنيا عند معاينة الموت. والمعنى: حتّى إذا عاين أحدهم الموت وأعوانه قال: ربّ ارجعون إلى الدّنيا.
وإنّما قال: {(رَبِّ ارْجِعُونِ)} بلفظ الجماعة لأن الله تعالى يخبر عن نفسه بما يخبر به عن الجماعة في قوله تعالى {إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ}
(3)
وأمثاله، وكذلك العرب
(1)
طه 44/.
(2)
رواه الإمام أحمد في المسند: ج 5 ص 253.وعبد الرزاق في المصنف: ج 2 ص 84:الحديث (2580).
(3)
ق 43/.
تخاطب الرجل الواحد بلفظ الجماعة كما يقول الرجل لآخر: أنتم تفعلون كذا ونحن نفعل كذا، ومنه قوله تعالى:{قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ}
(1)
.
قوله تعالى: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً؛} قال ابن عبّاس: (معناه: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأعمل طاعة الله)
(2)
{فِيما تَرَكْتُ؛} أي في ما مضى من عمري، قال الله تعالى:{كَلاّ} لا يرجع إلى الدّنيا، ولا يجوز أن يكون (لعلّ) في هذه الآية للشّكّ؛ لأنه لا معنى لذلك مع حرصه على الرّجعة والنجاة من الموت والعذاب، وإنّما المعنى: لكي أعمل صالحا، و {(كَلاّ)} كلمة ردع وزجر وتنبيه أي لا يكون له ذلك.
قوله تعالى: {إِنَّها؛} أي من مسألة الرّجوع إلى الدّنيا، {كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها،} عند موته ولا فائدة في ذلك، {وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (100)؛أي من أمامهم حاجز وحجاب بينهم وبين الرّجوع إلى الدّنيا، وهم فيه إلى يوم يبعثون، فالقبر حاجز، وكل فصل بين شيئين برزخ.
قوله تعالى: {فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ} (101)؛قال ابن عبّاس: (يعني النّفخة الأولى)
(3)
.وقيل: هي النفخة الثانية. وقوله تعالى: {(فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ)،} قال الحسن: (والله إنّ أنسابهم لقائمة بينهم كما قال الله تعالى {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}
(4)
ولكنّهم لا ينتفعون بأنسابهم ولا يتعاطفون عليها، فكأنّهم لا أنساب لهم).
وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم كما يتفاخرون في الدّنيا، ولا يتساءلون كما تسأل العرب في الدّنيا: من أيّ قبيل أنت؟ وقيل: لا يسأل بعضهم بعضا عن خبره وحاله كما كانوا في الدّنيا؛ لشغل كلّ واحد منهما بنفسه، ولا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل شيئا من ذنوبه.
(1)
القصص 9/.
(2)
في الدر المنثور: ج 6 ص 115؛ قال السيوطي: (أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة).
(3)
أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (19424).
(4)
عبس 34/-35.
قوله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ؛} يعني بالطاعات؛ {فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (102)؛وقيل: فمن ثقلت موازينه بكلمة التّوحيد، فأولئك هم المفلحون، قال صلى الله عليه وسلم:[ولو وضعت السّماوات السّبع وما فيهنّ والأرض في كفّة، رجحت بجميع ذلك]
(1)
.
قوله تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ؛} يعني بكلمة الشرك {فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ} (103)؛ظاهر المعنى. قوله تعالى:
{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ؛} قيل: الفلح هو الإحراق، يقال: لفحته النار إذا أحرقته، وتأثير الفلح أعظم من تأثير النّفح، والنفح مذكور في قوله {نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ}
(2)
.قوله تعالى: {وَهُمْ فِيها كالِحُونَ} (104)؛الكلوح: تقلّص الشّفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان.
قال الحسن: (تغلظ شفاههم، وترتفع شفته العليا، وتنزل شفته السّفلى، فتظهر الأسنان، فهو أقبح ما يكون).قال صلى الله عليه وسلم: [وتشويه النّار حتّى تقلّص شفته العليا فتبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السّفلى حتّى تبلغ سرّته]
(3)
،قال ابن مسعود:(ألم تر إلى الرّأس المسموط بالنّار كيف بدت أسنانه وقلّصت شفتاه)
(4)
.
قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ} (105)؛ أي تجحدون،
{قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا؛} بكثرة معاصينا، {وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ} (106)؛في الدّنيا فلم نهتد. قرأ الكوفيّون غير عاصم:«(شقاوتنا)» بالألف وفتح الشّين، وهما بمعنى واحد. الشّقوة: هي المضرّة اللاّحقة في العاقبة،
(1)
الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أخرجه الطبراني في الأوسط: ج 5 ص 365: الحديث (4722) وهنا ساقه بمعناه. والترمذي في الجامع: أبواب الإيمان: باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله: الحديث (2638)،وقال: حديث حسن غريب.
(2)
الأنبياء 46/.
(3)
أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج 3 ص 88.والترمذي في الجامع: أبواب التفسير: الحديث (2587).والحاكم في المستدرك: كتاب التفسير: باب بيان عذاب أهل النار: الحديث (3542).
(4)
في الدر المنثور: ج 6 ص 118؛ قال السيوطي: (أخرجه أبو نعيم في الحلية).
والسّعادة: هي المنفعة التي تكون في العاقبة. والشّقوة بفتح الشّين بمنزلة الفعلة الواحدة، وكسر الشّين في هذا دالّ على الكثرة واللّزوم
(1)
.
قوله تعالى: {رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها؛} أي من النار إلى الدّنيا، {فَإِنْ عُدْنا} إلى التّكذيب والمعاصي، {فَإِنّا ظالِمُونَ} (107).
قوله تعالى: {قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ} (108)؛ {(اخْسَؤُا)} كلمة إهانة ومذلّة؛ وهي في الأصل لطرد الكلاب، تقول: خسأت الكلب إذا طردته؛ فخسأ أي تباعد. قال الزجّاج: (معناه تباعدوا تباعد سخط، وابعدوا بعد الكلب، ولا تكلّمون في رفع العذاب عنكم، ولا تسألون الخروج من النّار، فإنّي لا أدفع عنكم العذاب، ولا أهوّنه عليكم)
(2)
.
قال عبد الله بن عمرو: (أنّ أهل جهنّم يدعون مالكا أربعين عاما فلا يجيبهم، ثمّ يقول: إنّكم ماكثون، ثمّ ينادون ربّهم: ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون. فلا يجيبهم مقدار عمر الدّنيا، ثمّ يردّ عليهم: اخسئوا فيها ولا تكلّمون بعد ذلك، ويكون لهم زفير كزفير الحمير، وشهيق كشهيق البغال، وعويّ كعويّ الكلاب)
(3)
.
قوله تعالى: {إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ؛} أي يقال لهم: إنه كان طائف من عبادي يقولون: {رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ} (109)؛وهم الأنبياء والمؤمنون، وهذا تعليل لاستحقاقهم العذاب بما عاملوا الأنبياء والمؤمنين باتّخاذهم سخريّا.
وقوله تعالى: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا؛} أي تسخرون منهم وتستهزئون بهم.
قرأ نافع وحمزة والكسائيّ: بضمّ السّين هاهنا وفي ص، وقرأ الباقون بكسرها وهما
(1)
ينظر: الحجة للقراء السبعة: ج 3 ص 186 - 187.
(2)
في معاني القرآن وإعرابه: ج 4 ص 20؛قال الزجاج: (معنى اِخْسَؤُا: تباعدوا تباعد سخط، يقال: خسأت الكلب أخسؤه: إذا زجرته ليتباعد).
(3)
رواه الحاكم في المستدرك: كتاب التفسير: الحديث (3544).وابن أبي حاتم في التفسير: ج 8 ص 2508: الأثر (14046).
لغتان، ولم يختلفوا في الزّخرف أنه بالضّمّ؛ لأنه بمعنى التّسخير
(1)
.
قوله تعالى: {حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} (110)؛ لاشتغالكم بالسّخرية منهم وبالضّحك، فنسب الأنبياء إلى عباده المؤمنين، وإن لم يفعلوا؛ لما أنّهم كانوا السبب فيه.
قوله تعالى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا؛} على أذيّتكم واستهزائكم، {أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ} (111)؛في الجنّة. قرأ حمزة والكسائيّ «(إنّهم)» بالكسر على الاستئناف، وقرأ الباقون بالفتح على معنى جزيتهم بالفوز
(2)
.
قوله تعالى: {قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} (112)؛أي كم لبثتم في القبور؟ وقيل المكث في الدنيا، يقول الله تعالى للكفار يوم البعث: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟
{قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛} فيرون أنّهم لم يلبثوا إلاّ يوما أو بعض يوم لعظم ما هم فيه من العذاب، نسوا ذلك. ويقال: يلحقهم دهشة وحيرة فينسون ذلك. وقوله تعالى: {فَسْئَلِ الْعادِّينَ} (113)؛يعني الملائكة الذين يحفظون عليهم آجالهم. وقرأ ابن كثير: «(قل كم لبثتم)» على فعل الأمر، وقوله:
{قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً؛} في جنب لبثكم في العذاب
(3)
؛ {لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (114)
قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً} أي أظننتم أنا خلقناكم للعبث تأكلون وتشربون وتفعلون ما تريدون وتموتون، {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ} (115)؛أي فلا تحشرون للحساب، ولا ترجعون إلى موضع لا تملكون فيه لأنفسكم ضرّا ولا نفعا؟
قال ابن عبّاس: (معناه: أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا كما خلقنا البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب عليها لما قال {أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً}
(4)
أي يهمل
(1)
ينظر: الحجة للقراء السبعة: ج 3 ص 187.
(2)
ينظر: الحجة للقراء السبعة: ج 3 ص 189.
(3)
ينظر: الحجة للقراء السبعة: ج 3 ص 189.
(4)
القيامة 36/.
كما تهمل البهائم؟
قوله تعالى: {فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ؛} أي هو الملك الحقّ الذي له الملك؛ لأنه ملك غيره، وكلّ من ملك غيره فملكه مستعار له، فإنه لا يملك إلاّ بتمليكه الله إياه، فكأنه لا يعتدّ بملكه في ملك الله.
قوله تعالى: {لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} (116)؛سمي العرش كريما لكثرة خيره بمن حوله، يقال: فلان كريم؛ أي كثير الخير.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ؛} أي من يدع مع الله إلها آخر لم ينزل بعبادته كتاب ولا بعث لها رسول ولا حجّة له عليه، فإنّما حسابه عند ربه، فهو يجازيه بما يستحقّ كما قال تعالى:
{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ}
(1)
،وقوله تعالى:{إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ} (117)؛ أي لا يسعد من جحد وكذب، ولا يأمن ولا ينجو من عذاب الله الكافرون.
قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ} (118)؛يحتمل أن يكون أمرا للنبيّ صلى الله عليه وسلم بالاستغفار منه، كما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:[إنّي لأستغفر الله كلّ يوم سبعين مرّة]
(2)
،ويروى [مائة مرّة]
(3)
.
وعن ابن مسعود: أنّه مرّ بشابّ مبتلى، فقرأت في أذنه {(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً)} حتّى ختم السّورة فبرئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[وماذا قرأت في أذنه؟] فأخبره، فقال:[والّذي بعثني بالحقّ نبيّا؛ لو أنّ رجلا مؤمنا قرأها على جبل لزال]
(4)
.
آخر تفسير سورة (المؤمنون) والحمد لله رب العالمين
(1)
الغاشية 26/.
(2)
أخرجه الطبراني في الأوسط: ج 5 ص 124:الحديث (4234).والإمام أحمد في المسند: ج 2 ص 282.وابن ماجة في السنن: كتاب الأدب: الحديث (3816).
(3)
رواه الطبراني في الأوسط: ج 3 ص 456:الحديث (2978).والإمام أحمد في المسند: ج 5 ص 394.وابن ماجة في السنن: كتاب الأدب: باب الاستغفار: الحديث (3815).
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير: النص (14070).وفي الدر المنثور: ج 6 ص 122؛ قال السيوطي: (أخرجه الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن السني في عمل اليوم والليلة وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه).