الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هـ لا مِنْ فِرْعَوْنَ ط الْمُسْرِفِينَ هـ الْعالَمِينَ هـ ج مُبِينٌ هـ لَيَقُولُونَ هـ لا بِمُنْشَرِينَ هـ صادِقِينَ هـ تُبَّعٍ لا للعطف مِنْ قَبْلِهِمْ ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار أَهْلَكْناهُمْ ج لأن التعليل أوضح مُجْرِمِينَ هـ لاعِبِينَ هـ لا يَعْلَمُونَ هـ أَجْمَعِينَ هـ لا لأن ما بعده بدل وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ هـ لا رَحِمَ اللَّهُ ط الرَّحِيمُ هـ الْأَثِيمِ هـ ج لاحتمال أن يكون كَالْمُهْلِ خبرا بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف فِي الْبُطُونِ لا الْحَمِيمِ هـ الْجَحِيمِ هـ الْحَمِيمِ هـ ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق الْكَرِيمُ هـ تَمْتَرُونَ هـ أَمِينٍ هـ لا عُيُونٍ
هـ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال مُتَقابِلِينَ هـ ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك عِينٍ هـ ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور آمِنِينَ هـ لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به الْأُولى ج لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا بإضمار قد الْجَحِيمِ هـ لا لأن فَضْلًا مفعول له مِنْ رَبِّكَ ط الْعَظِيمُ هـ يَتَذَكَّرُونَ هـ مُرْتَقِبُونَ هـ.
التفسير:
أقسم بالقرآن إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصا لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان- أعني قوله إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ اعتراض.
والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة. وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان. ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر. وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان. وما رأيت لهم دليلا يعوّل عليه. قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضا وليلة الصك لأن الله تعالى يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله تعالى إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشرا يدفعون عنه مكايد الشيطان.»
وقال «إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد
شعر أغنام بني كلب.»
ومما أعطى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير. ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة. وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدئ بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر. والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة. ومعنى يُفْرَقُ يفصل ويكتب كُلُّ أَمْرٍ هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وقيل: يعطى كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته. وفي انتصاب أَمْراً وجوه: إما أن يكون حالا من أَمْرٍ حَكِيمٍ لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في أَنْزَلْناهُ أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدرا من غير لفظ الفعل وهو يُفْرَقُ لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يجوز أن يكون بدلا من قوله تعالى إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلا ليفرق، أو لقوله أَمْراً مِنْ عِنْدِنا وقوله مِنْ رَبِّكَ وضع للظاهر موضع الضمير إيذانا بأن الربوبية تقتضي الرحمة. ثم حقق ربوبيته بقوله إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ إلى قوله الأولين. ومعنى الشرط في قوله إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض. قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك. وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ في الدنيا أو يستهزؤن بنا فلا جرم أوعدهم بقوله فَارْتَقِبْ ويَوْمَ مفعول به أي انتظره. والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخانا يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين.
وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
«أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر» «1»
أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها. وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم. وقيل: الدخان الشر والفتنة. وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام. وذلك
أن قريشا لما استصعبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف.
فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان.
فمشى إليه صلى الله عليه وسلم أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا. فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله هذا عَذابٌ أي قائلين هذا إلى آخره.
ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا وتَوَلَّوْا عَنْهُ واتهموه صلى الله عليه وسلم بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون. ومعنى «ثم» تبعيد الحالتين. ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زمانا قليلا. واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى. والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين. ويَوْمَ ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد «أن» لا يعمل فيما قبله.
وقيل: بدل من يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقصة موسى. ومعنى فَتَنَّا امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيبا في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [طه: 44] و «أَنْ» مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف. وعِبادَ اللَّهِ مفعول به لقوله فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ [طه: 47] أو منادى والمعنى أدوا إليّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة. والقصة مذكورة في «الشعراء» وغيرها وأَنْ تَرْجُمُونِ أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي فَدَعا رَبَّهُ شاكيا أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ مصرون على الكفر فَأَسْرِ أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم
(1)
رواه مسلم في كتاب الفتن باب 39 أبو داود في كتاب الملاحم باب 12 ابن ماجه في كتاب الفتن باب 28 أحمد في مسنده (4/ 6) بلفظ «ترون عشر آيات: الدخان والدجال.... ونزول عيسى....»
ما يستحقونه بإجرامهم. ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في «يونس» رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [الآية: 88] وفي رَهْواً وجهان: أحدهما ساكنا أي لا تضربه. ثانيا واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبسا. وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانيا حتى ينطبق ويزول الانفاق خوفا من أن يدركهم قوم فرعون، والله تعالى أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحا منفجرا على حاله. والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في «الشعراء» . وقوله فَما بَكَتْ كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه
الحديث «وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء»
وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك. وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك.
قال الواحدي في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية.»
ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم. وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا. قوله مِنْ فِرْعَوْنَ بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذابا مهينا لشدة شكيمته وفرط عتوه.
وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه. وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس مِنْ فِرْعَوْنَ على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال. ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ بإيتاء الملك والنبوة عَلى عِلْمٍ منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم. ولا ريب أن هذا قبل التحريف. وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ فقال إِنَّ هؤُلاءِ يعني كفار قريش لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [المؤمنون: 37] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو
حال كونهم نطفا. ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتا لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ أنشر الله الموتى أحياهم فَأْتُوا أيها النبي والذين آمنوا معه بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
يروى أنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة البعث،
فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة. ابن عباس: تبع نبي.
أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا أدري تبع نبيا كان أم غير نبي»
رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلا صالحا ذم الله قومه ولم يذمه. وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زمانا ومكانا. وعن سعيد بن جبير كسا البيت. وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند. وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعا لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك برا وبحرا. ثم برهن على صحة البعث بقوله وما خَلَقْناهُما إلى آخره، وقد مر في «الأنبياء» وفي «ص» نظيره.
وإنما جمع السموات هاهنا لموافقة قوله في أول السورة رَبِّ السَّماواتِ وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين ما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله. والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحدا منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة.
والضمير في لا هُمْ يُنْصَرُونَ للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه. وقوله إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الغالب على من عصى الرَّحِيمُ لمن أطاع. ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ وقد مر تفسيرها في الصافات. والْأَثِيمِ مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر. والمهل دردي الزيت وقد مر في «الكهف» . ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [الصافات: 65] هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلا يَغْلِي إلى آخره. ثم أخبر أنه سبحانه يقول للزبانية خُذُوهُ أي خذوا الأثيم فَاعْتِلُوهُ جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار. ومنه العتل للجافي الغليظ. وقوله مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ دون أن يقول «من الحميم» تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته.
يروي أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين
جبليها أعز ولا أمنع مني فو الله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي «شيئا» فنزلت الآية.
أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه إِنَّ هذا العذاب ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ تشكون. ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.
وقوله وَزَوَّجْناهُمْ اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا.
والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن. وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان.
وهكذا اختلفوا في الحور. فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقا آخر. وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا. يَدْعُونَ أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان آمِنِينَ من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها. وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. وقال أهل التحقيق:
إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته. فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة. وفي الآخرة أيضا في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى. ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.