الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأصل الأول: في الصفات
مدخل
…
الأصل الأول في الصفات
* الأصل في الصفات وهو: أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسوله إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل كما جمع الله تعالى بينهما في قوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] .
فقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} : نفي متضمن لكمال صفاته مبطل لمنهج أهل التمثيل.
وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} : إثبات لأسمائه وصفاته وإبطال لمنهج أهل التحريف والتعطيل.
فنثبت ما أثبته الله لنفسه وننفي ما نفى الله عن نفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
وهذا هو المنهج السليم الواجب المبني على العلم والحكمة والسداد في القول والاعتقاد.
وله دليلان: أثري ونظري، وإن شئت فقل: سمعي وعقلي.
- أما الأثري السمعي فمنه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف:180] . وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] ،
وقوله: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:74] . {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء:36] .
- وأما النظري العقلي فلأن القول في أسماء الله وصفاته من باب الخبر المحض الذي لا يمكن للعقل إدراك تفاصيله، فوجب الوقوف فيه على ما جاء به السمع.
فصل
والجمع بين النفي والإثبات في باب الصفات هو حقيقة التوحيد فيه؛ وذلك لأن التوحيد مصدر "وحد/ يوحد" ولا يمكن صدق حقيقته إلا بنفي وإثبات، لأن الاقتصار على النفي المحض تعطيل محض. والاقتصار على الإثبات المحض لا يمنع المشاركة.
مثال ذلك: لو قلت: ما زيد بشجاع؛ فقد نفيت عنه صفة الشجاعة وعطلته منها. ولو قلت: زيد شجاع. فقد أثبت له صفة الشجاعة، لكن ذلك لا يمنع أن يكون غيره شجاعاً أيضاً. ولو قلت: لا شجاع إلا زيد. فقد أثبت له صفة الشجاعة، ونفيت أن يشاركه غيره فيها، فكنت موحداً له في صفة الشجاعة.
إذن؛ لا يمكن توحيد أحد بشيء إلا بالجمع بين النفي والإثبات.
* واعلم أن الصفات الثبوتية التي وصف الله بها نفسه كلها صفات كمال، والغالب فيها التفصيل، لأنه كلما كثر الإخبار عنها وتنوعت دلالتها
ظهر من كمال الموصوف بها ما لم يكن معلوماً من قبل؛ ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر من الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه.
* وأما الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه فكلها صفات نقص ولا تليق به كالعجز، والتعب، والظلم، ومماثلة المخلوقين، والغالب فيها الإجمال؛ لأن ذلك أبلغ في تعظيم الموصوف وأكمل في التنزيه. فإن تفصيلها لغير سبب يقتضيه فيه سخرية وتنقص للموصوف.
ألا ترى أنك لو مدحت ملكاً فقلت له: أنت كريم، شجاع محنك، قوي الحكم، قاهر لأعدائك
…
إلى غير ذلك من صفات المدح، لكان هذا من أعظم الثناء عليه، وكان فيه من زيادة مدحه وإظهار محاسنه ما يجعله محبوباً محترماً؛ لأنك فصلت في الإثبات.
ولو قلت: أنت ملك لا يساميك أحد ملوك الدنيا في عصرك؛ لكان ذلك مدحاً بالغاً؛ لأنك أجملت في النفي.
ولو قلت: أنت ملك غير بخيل، ولا جبان، ولا فقير، ولا يقال، ولا كناس ولا بيطار، ولا حجام
…
وما أشبه ذلك من التفصيل في نفي العيوب التي لا تليق به؛ لعد ذلك استهزاء به وتنقصاً لحقه.
* وقد يأتي الإجمال في أسماء الله تعالى وصفاته الثبوتية كقوله تعالى في الأسماء: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [لأعراف: 180] وقوله في الصفات {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60] ؛ أي: الوصف الأعلى.
* وقد يأتي التفصيل في الصفات المنفية لأسباب منها:
1-
نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون المفترون كقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ
مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنون: 91] .
2-
دفع توهم نقص في كماله كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [قّ:38] .
الأمثلة على التفصيل في الإثبات كثيرة جداً:
قوله تعالى في سورة الحشر: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة
…
} إلى آخر السورة، [الحشر: 22 – 24] فقد تضمنت هذه الآيات أكثر من خمسة عشر اسماً، وكل اسم منها قد تضمن صفة أو صفتين أو أكثر.
- وكقوله تعالى في سورة الحج: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ}
…
إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج: 59 – 65] فهذه سبع آيات متوالية، ختمت كل آية منها باسمين من أسماء الله – عز وجل – وكل اسم منها متضمن لصفة أو صفتين أو أكثر.
* وأما أمثلة الإجمال في النفي فمنها قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] . وقوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} [مريم: 65] . وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] .
فصل
واعلم أن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، كما دل على ذلك السمع، والعقل، والحس.
* أما السمع: فقد قال الله عن نفسه: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} [النساء: 58] . وقال عن الإنسان: {إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ
نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان:2] . ونفي أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] .
وأثبت لنفسه علماً وللإنسان علماً، فقال عن نفسه:{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنّ} [البقرة: 235] وقال عن الإنسان: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ} [الممتحنة: 10] . وليس علم الإنسان كعلم الله تعالى، فقد قال الله عن علمه:{وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [الأنعام: 80] . وقال: {إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران:5] . وقال عن علم الإنسان: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} [الإسراء: 85] .
* وأما العقل: فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه.
ولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه.
* وأما الحس: فإننا نشاهد للفيل جسماً وقدماً وقوة، وللبعوضة جسماً وقدماً وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وقدميهما، وقوتيهما.
فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقاً ممكناً، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع.