المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الرد على من تكلم فيه وإثبات توثيقه]: - جزء فيه ذكر حال عكرمة مولى عبد الله بن عباس وما قيل فيه

[عبد العظيم المنذري]

الفصل: ‌[الرد على من تكلم فيه وإثبات توثيقه]:

وغلب النساء على جنازة كُثَيِّر يبكينه ويذكرن عزَّة في ندبهن إيَّاه.

[الرد على من تكلَّم فيه وإثبات توثيقه]:

57 -

وقال أبو عبد الله محمَّد بن نصر المروزي: عكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس وملازمته إياه، وبأن غير واحد من أهل العلم روَوا عنه وعدّلوه، وما زال العُلماء بعدهم يَرْوُون عنه.

قال: وممن روى عنه من جِلَّة التابعين: محمد بن سيرين، وجابر بن زيد، وطاوس، والزهري، وعمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم.

قال أبو عبد الله المروزي: وكل رجل ثبتت عدالته برواية أهل العلم عنه وحَمْلهم حديثَه فلم يقبل فيه تجريح أحد جرَّحه حتى يثبت عليه أمر لا يُجهل أن يكون جَرْحةً، وأما قوله: فلان كذاب فليس مما يُثْبِتُ جَرْحَةَ حتى يُبَيِّنَ ما قاله.

58 -

قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر: جماعةُ الفقهاء وأئمة الحديث؛ الذين لهم بَصَرٌ بالفقه والفُتيا (1) هذا قولهم؛ فإنَّه لا يقبل من ابن معين ولا من غيره فيمن اشتهر بالعلم وعُرف به وصَحَّت عدالته وفهمه إلَاّ أن يبين الوجه الذي يجرحه به على حسب ما يجوز من تجريح العدل المبرز العدالة في الشهادات. وهذا الذي لا يصح أن يُعتقد غيره، ولا يحل أن يلتفت إلى ما خالفه، وبالله التوفيق.

59 -

وقال أبو عمر: عكرمة مولى ابن عباس، مِن جِلَّة العُلماء،

(1) غير واضحة في الأصل، والمثبت هو الأظهر ويناسب السياق.

ص: 33

لا يقدح فيه كلام من تكلَّمَ فيه لأنَّه لا حُجَّةَ مع أحدٍ يمَلَّم فيه. وقد يحتمل أن يكون مالك جَبُنَ عن الرواية عنه لأنَّه بَلَغَهُ أن سعيد بن المسيِّب كان يرميه بالكذب؛ ويحتمل أن يكون لما نُسب إلى رأي الخوارج، وكُلُّ ذلك باطل عليه إن شاء الله.

60 -

وقال أيضاً: وأما قول سعيد بن المسيب فيه؛ فقد ذكر العلَّة الموجبة للعداوة بينهما أبو عبد الله محمَّد بن نصر المروزي في كتاب "الانتفاع بجلود الميتة"، وقد ذكرت هذا وأسبابه في كتاب "جامع بيان أخذ العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله"(1)، في باب:"قول العلماء بعضهم في بعض".

وقد تكلَّم فيه ابن سيرين، ولا خلاف أعلم بين ثقات أهل العلم أنه أعلم بكتاب الله من ابن سيرين. وقد يَظُنُّ الِإنسان ظنًّا يغضب له ولا يملك نَفْسَه.

وقال أبو عمر أيضاً: وزعموا أن مالكًا أسقط ذكر عكرمة منه -يعني حديث ابن عباس في الهلال- لأنه كره أن يكون بكتابه، لكلام سعيد بن المسيِّب وغيرِه فيه، ولا أدري صحَّةَ هذا؛ لأن مالكًا ذكره في كتاب الحج وصَرَّح باسمه ومال إلى روايته عن ابن عباس، وتَرَكَ رواية عطاء في تلك المسألة، وعطاء أجَلُّ التابعين في علم المناسك والثقة والأمانة.

61 -

وقال أبو جعفر محمَّد بن جرير الطبري: والصوابُ من القول عندنا -في عكرمة وفي غيره ممن شُهِرَ في المسلمين بالصلاح والستر- أنه جائز الشهادة، مستحق الوصف بالعدالة من أهل الإِسلام،

(1) وهو كتابه المشهور المطبوع مرارًا.

ص: 34

ولا يدفع ذو علم بعكرمة ومعرفة بمولاه عبد الله بن عباس أن عكرمة كان -وهو رجل مجتمع- لابن عباس مملوكًا، بل كان من. خواص مماليكه وأنه لم يَزَلْ في ملكه حتى مضى لسبيله رحمه الله تعالى، مع علمه به وبموضعه من العلم بالقرآن وتأويله وشرائع الإِسلام وأحكامه، وأنه لم يُحْدِث له إخراجًا عن مِلكهِ ببيعٍ ولا هِبةٍ؛ بل ذُكر عنه أنه ربما اسْتَثْبَتَه في الشيء ثم يَسْتَصوِبُ فيه قوله.

ولو كان ابن عباس اطَّلع منه على أمرٍ -في طول مكثه في مِلكه- مذمومٍ، أو مذهبٍ في الدين مكروهٍ، لكان حريًّا أن يكون قد أخرجه عن ملكه أو عاقَبَهُ بما يكون له من مذهبه أو فعله (1)، أو يتقدم إلى أصحابه بالحذر منه ومن روايته، وأعلمهم من حاله التي اطلع منه عليها ما يوجب لهم الحذر منه والأخذ عنه.

وفي تقريظ جِلَّةِ أصحاب مولى عكرمة إياه ووصفهم له بالتقدم في العلوم وأمرهم الناس بالأخذ عنه: كجابر بن زيد أبي الشعثاء ومنزلتُه من الإِسلام منزلتُه، وموضعُه من الحلال والحرام موضعُه، وتقدمه في الفضل، الذي يقول -وقد سُئِلَ عنه -: هو البحر فَسَلُوه.

وكسعيد بن جبير، ومكانه من العلم بالحلال والحرام، ومعرفته بالشرائع وتأويل القرآن ومحله من الإِسلام، يقول -وقد سُئِلَ: هل بقي أحد أعلمُ منك؟ - فيقول: نعم! عكرمة.

(1) كذا بالأصل، وكأن في العبارة سقطًا، ولعل الصواب: بما يكون له رادعًا

ص: 35

وكطاوس بن كيسان في فضله وورعه وزهده وعبادته وعلمه وقِدَمِ صُحْبَتِهِ عبدَ الله بن عباس رحمةُ الله عليهما؛ يرى استعطافه بالهدية إليه ليُفيدَ ابنه من علمه وليمكِّنه من الاقتباس منه.

وكان أيوب بن أبي تميمة السختياني في فضله وورعه وأمانته على الدين وأهله يشهد له بالثقة على ما رَوَى وحَدَّث، وينكر تهمة من يتَّهمه على ما (1) يتهمه.

وكشهر بن حوشب وأَمْرِه من سَأَلَهُ عنه بالأخذِ عنه؛ في غيرهم ممن يُتعب إحصاؤهم من أهل الفضل، ممّن يقرظه ويمدحه في دينه وعلمه بالشهادة (2) بعضهم تثبت للِإنسان العدالة ويستحق من المسلمين جواز الشهادة؛ ومن ثبتت له منهم العدالة وجازت له منهم الشهادة لم تُجرح شهادته، ولم تسقط عدالته بالظِنَّةِ والتهمة، وبأن فلان (3) قال لمولاه:[لا] تكذب عليَّ كما كذب فلان على فلان، وما أشبه ذلك من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعانٍ غير الذي يوجهه (4) إليه أهل الغباوة ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب!

وأتعجَّب كلَّ العجب مِمَّن عَلِمَ حال عكرمة ومكانه من عبد الله بن عباس وطول مكثه معه وبين ظهرانَيْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثمَّ مَنْ بَعْدَ ذلك من خيار التابعين والخالفين وهم له مقرِّظون، وعليه مُثْنون، وله في

(1) الأصل: من؛ ولكن أصلحها الناسخ فيما يظهر.

(2)

كذا بالأصل. وفي "مقدمة الفتح": ما بشهادة بعضهم. وهو الأقرب.

(3)

كذا بالأصل، والوجه: فلانًا.

(4)

الأصل: توجهه؛ وفي "مقدمة الفتح": وجهه.

ص: 36

العلم والدِّين مقدِّمون، وله بالصدق شاهدون؛ ثم يجيء بَعْدَ مُضيِّه لسبيله بدهرٍ وزمان نوابغُ يجادلون فيه من يَشْهَدُ له بما شهد له به مَنْ ذكرنا من خيار السلف وأئمة الخلف: من مُضيِّه على ستره وصلاحه وحاله من العدالة وجواز الشهادة في المسلمين؛ فإن كل ما (1) ذكرنا من حاله عمن ذكرنا عنه لا حقيقة له، ولا صحة خبر أورِدَ عنهم: لا صحة له عن ابن عمر أنه قال لمملوكه: يا نافع لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.

وقد بيَّنا من احتمال هذا القول من ابن عمر من الوجوه ما قد مضى ذكرنا بعضها، وهم مع ذلك من استشهادهم على دفع عدالة عكرمة وجرحهم شهادته وتوهينهم روايته بما ذكرنا من الرواية الواجبة عن ابن عمر، عندهم نافع مولى ابن عمر في نقل ما نقل وروى من خبر في الدين حجّة، وفيما شهد به عدل ثقة، مع صِحَّةِ الخبر عن ابن مولاه سالم أنَّه قال -إذ أُخبر عنه أنه يروي عن أبيه عبد الله بن عمر من استجازته إتيان النساء في أدبارهن-: كَذَب العبد! وذلك صريح في التكذيب منه لنافع. فلم

يَرَوا ذلك من قول سالم لنافعٍ جرحًا، ولا عليه في روايته طعنًا، ورأوا أنَّ قولَ ابن عمر لنافع: لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباسٍ له جَرْح، وفي روايته طعن، تسقطُ بها شهادتُه!!

وقال أبو جعفر: ولم نعارض (2) قائلي ما ذكرنا في عكرمة بما قيل في نافع طعنًا منَّا على نافع، بل أمرُهما عندنا في أنَّ ما نقلا في الدين من

(1) في الأصل: "من".

(2)

في الأصل: يعارض، والصواب ما أثبتُّ.

ص: 37