الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: معنى جمع القرآن في الاصطلاح
.
جمع القرآن الكريم يطلق في علوم القرآن على معنيين:
أحدهما: جمعه بمعنى حفظه في الصدور عن ظهر قلب، ويدل له قوله تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (القيامة: 17) أي: جمعه في صدرك، وإثبات قراءته في لسانك1 وما جاء عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه – أنه قال:" جمعتُ القرآن فقرأته كلَّه في ليلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخشى أن يطول عليك الزمان، وأن تملَّ، فاقرأه في شهر، فقلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي قال: فاقرأه في عشرة، قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: فاقرأه في سبع، قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي فأبى" 2 فمعنى قوله: جمعت القرآن أي: حفظته عن ظهر قلب.
ومنه قولهم: " جُمَّاع القرآن " أي: حفاظه.
الثاني: جمعه بمعنى كتابته، ويدل له ما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري في قصة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – ومما ورد فيه:
قول عمر بن الخطاب لأبي بكر – رضي الله عنهما: " وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن "
وقول أبي بكر الصديق لزيد بن ثابت – رضي الله عنهما: " فتتبع القرآن فاجمعه " أي: اكتبه كله.
1انظر الكشاف ج6 – ص 269.
2الحديث أخرجه ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة، باب في كم يستحب يختم القرآن، سنن ابن ماجة ج1 – ص 428.
وقول زيد بن ثابت – رضي الله عنه: " فتتبعت القرآن أجمعه من العسف واللخاف وصدور الرجال " 1
وإذا نظرنا إلى أشهر أسماء القرآن الكريم، فإننا سنجد فيها اسمين يدلان على المعنيين:
الأول: القرآن.
الثاني: الكتاب.
فالاسم الأول " القرآن " إشارة إلى جمعه عن طريق المعنى الأول، وهو الحفظ في الصدور. فالقرآن: لفظ مشتق من الفعل "قرأ" بمعنى تلا، فهو مرادف للقراءة، ودل على هذا قوله عز:{وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} (طه:114) أي: لا تعجل بقراءة القرآن قبل أن ينتهي جبريل من قراءته. وقوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} (الإسراء: 78) أي: قراءة القرآن في هذا الوقت تشهدها الملائكة ويشهدون بها.
قال اللحياني 2 وجماعة من أهل اللغة: " قرآن: مصدر كغفران، سمي ب "المقروء" أي المتلو، تسمية للمفعول بالمصدر، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (القيامة: 17،18) أي: قراءته، والمراد: جبريل عليه السلام. ومنه كذلك قول حسان بن ثابت يرثي عثمان ابن عفان رضي الله عنهما:
ضَحُّوا بأشمطَ عنوانُ السجود به
…
يُقَطِّعُ الليلَ تسبيحاً وقرآنا3
أي: قراءة. ويقال: قرأ الرجل، إذا تلا، يقطع قرآنا وقراءة 4
1 الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن. صحيح البخاري ج6 – ص 98
2 هو علي بن حازم اللحياني، لغوي عاصر، الفراء، كان حيا سنة 207هـ، معجم المؤلفين 7: 56
3 الاشمط: أبيض الرأس يخالطه سواد، انظر ديوان حسان ص 469.
4 انظر قوله في مدخل إلى تفسير القرآن د. زرزور ص 45.
والاسم الثاني "الكتاب" إشارة إلى جمعه عن طريق المعنى الثاني وهو الحفظ في السطور، فالكتاب في الأصل مصدر، ثم سمي المكتوب فيه كتاباً1.
قال السخاوي المتوفى سنة 643هـ " ومن أسمائه – أي القرآن – الكتاب، سمي بذلك، لأن الكَتْبَ الجمع يقال: كتب إذا جمع الحروف بعضها على بعض، وتكَتَّب بنو فلان، أي: اجتمعوا2.
وقال الدكتور محمد دراز: روعي في تسميته قرآناً كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعاً
…
فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلاً بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر3.
وحين يتحدث المؤلفون في علوم القرآن عن موضوع جمع القرآن الكريم فإن أغلبهم يطلق عبارة جمع القرآن الكريم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وجمعه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وجمعه في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويريدون بالجمع معاني مختلفة، فبتدبر الأمر وتتبع الروايات نجد أن لفظ الجمع حين يطلق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد به حفظه عن ظهر قلب وكتابته على الأدوات المتوفرة ذلك الوقت.
1انظر المفردات ص 423.
2جمال القراء ج1 ص 28.
3النبأ العظيم ص 12، 13
وحين يطلق في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه يقصد به كتابة القرآن الكريم في مصحف واحد مسلسل الآيات مرتب السور. وحين يطلق في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه يقصد به نسخ المصحف الذي كتب في عهد أبي بكر رضي الله عنه بمصاحف متعددة. وسنتناول بالتفصيل إن شاء الله – هذه المراحل في المباحث التالية:-