المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

جُهُودُ المُحَدِّثِينَ فِي بَيانِ عِللِ الأحَادِيثِ د. علي بن عبد الله - جهود المحدثين في بيان علل الحديث

[علي الصياح]

الفصل: جُهُودُ المُحَدِّثِينَ فِي بَيانِ عِللِ الأحَادِيثِ د. علي بن عبد الله

جُهُودُ المُحَدِّثِينَ فِي بَيانِ عِللِ الأحَادِيثِ

د. علي بن عبد الله الصياح

‌مقدمة:

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونستعينهُ، ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} [الأحزاب: 70]

أمَّا بعد: فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الَهْدي هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتها وكلَّ بدعةٍ ضلالة.

إنَّ مِنْ نعم الله العظيمة على هذه الأمة حِفْظَ دينهِا بحفظ كتابه العزيز، وسنة نبيه الكريم، قَالَ تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] وهذا الوعدُ والضمانُ بحفظِ الذكر يشمل حفظ القرآن، وحفظ السنة النبوية - التي هي المفسرة للقرآن وهي الحكمة المنزلة كما قَالَ تعالى:{وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء:113] ، -وقد ظهر مصداقُ ذلك

ص: 1

مع طولِ المُدّة، وامتدادِ الأيام، وتوالي الشهور، وتعاقبِ السنين، وانتشارِ أهل الإسلامِ، واتساعِ رُقعتهِ، فقيض الله للقرآن من يحفظه ويحافظ عليه.

وأما السُّنَّةُ فإنَّ الله تعالى - بفضلهِ ومنتهِ وحكمته - وَفَّق لها حُفَّاظاً عارفين، وجهابذةً عالمين، وصيارفةً ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المُبْطلين، وتأويل الجاهلين، فتفرغوا لها، وأفنوا أعمارهم في تحصيلها، فجزاهم اللهُ عن الإسلامِ والمسلمينَ خيرَ الجزاءِ وأوفرَه.

وقد خلَّفَ لنا هؤلاء الأئمةُ الحفّاظ ثروةً علميةً زاخرةً، مَنْ تأملَ في فنونها وعلومها المختلفة عَلِمَ الجهدَ الشاقّ، والصبرَ الطويلَ، الذي بذله سلفُنَا وعلماؤنا في جَمْعِها، وبيانها والاستنباطِ منها، وتمييزِ ضعيفها من صحيحها، وبذل الغالي والنفيس في سبيلِ ذلكَ، وعَلِمَ أيضاً مقدار ما حَظِي بهِ السلف من تأييدٍ رباني وفضلٍ إلهيّ وتوفيقٍ سماويّ، لمَّا صَدَقوا في الطلب والعلم والعمل والدعوة وصَبَروا على ذلك {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 4] .

ومن هذه الثروة العلمية وجوانبها: جانبُ العناية بعلل الحديث وبيانها، فإنَّ لعلم علل الحديث دوراً كبيراً ودقيقاً في حفظ السُّنّة النَّبويّة، وهو يحكي التطور النقدي عند نُقّاد الحديثِ وحُفّاظِهِ لمَّا تنوعتْ وخفيتْ وغمضتْ أخطاء الرواة وأوهامهم، وسرتْ إلى روايات الثقات.

وهذا البحثُ الموسوم بـ"جُهُودُ المُحَدِّثِينَ فِي بَيانِ عِللِ الأحَادِيثِ" يكشفُ عن جوانب من عناية المحدثين بهذا الفن، ودوره البارز في حفظ السُّنّة النَّبويّة، ويتكون البحث من:

ص: 2

- المُقَدّمة -وهي هذه-.

- تمهيد وفيه مبحثان:

المبحثُ الأوَّل: تعريفُ العلل لغةً واصطلاحاً.

المبحثُ الثاني: أهميةُ علمِ العلل وشرفه وعزته، وأسباب ذلك.

- الفصلُ الأوَّل: ذكر أئمة العلل والمصنفات فيه من بدايةِ القرن الثاني إلى نهايةِ القرنِ التاسع (1) .

- الفصلُ الثاني: أمثلةٌ من دقائق تعليل النقاد للأحاديث.

- الخاتمةُ: وفيها أبرزُ نتائجِ البحث، وتوصيات مقترحة.

- المراجع.

- فهرس الموضوعات.

وأختمُ هذه المُقدّمة بمقولةٍ جميلةٍ قالها المعلميّ-رحمة الله عليه- (ت1386هـ) عند ذِكْره لما قد يقاسيه المتقنون والمخلصون من محققي الكتب قَالَ: ((إنّ أحدَهم ليتعب نحوَ هذا التعب في مواضع كثيرة جداً ولكنّه في الغالب ينتهي إلى أحدِ أمرين: إمّا عدمِ الظفَر بشيءٍ فيكتفي بالسكوت، أو بأنْ يقولَ (كذا) أو نحوها، ولا يرى موجباً لذكر ما عاناه في البحث والتنقيب، وإمّا الظفَرِ بنتيجةٍ حاسمةٍ فيقدمها للقراء لُقْمة سائغة، ولا يهمه أن يشرح ما قاساه حتى حَصَلَ عليها، والله المستعان)) (2) .

(1) وشرطي ذكر كلِّ من وُصِفَ بمعرفةِ العللِ، أو صنّفَ مصنفاً في العلل، فإنَّ التصنيفَ فيه مظنة المعرفةِ بهذا الفن الدقيق في الغالب.

(2)

حاشية الإكمال (6/331)، وانظر: ص27 من هذا البحث.

ص: 3

وهذه المقولة تحكي واقع مواطن عديدة مرّتْ عليّ أثناء إعداد البحث أقف فيها متحيراً، وربما راجعتُ من أجل معلومة لا تتجاوز سطراً أو سطرين عشرات الكتب للتحقق منها، وهو"جهدُ المقل والقدر الذي واتاه {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7] ، وإليه سبحانه وتعالى السؤال أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، مقتضياً لرضاه، وألَاّ يجعل العلم حجة على كاتبه في دنياه وأخراه، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل" (1) .

ولا يفوتني أنْ أشكر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة على تنظيم هذه الندوة العلمية"عناية المملكة العربية السعودية بالسُّنّة والسيرة النَّبويّة" فنحن في هذا الوقت بحاجةٍ مُلِحةٍ لمثل هذه الندوات العلمية المنهجية المتخصصة لما فيها من مصالح لا تخفى.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يوفق القائمين على هذه الندوة لكل خيرٍ وصلاحٍ، وأنْ يعينهم ويسددهم بمنهِ وكرمهِ.

(1) مقتبس من مقدمة العلائيّ لكتابه "نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد"(ص36) .

ص: 4