المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مع كتاب الأغاني.. وقفات ومناقشات - جولة في كتابي (الأغاني) و (السيف اليماني)

[محمد المجذوب]

الفصل: ‌مع كتاب الأغاني.. وقفات ومناقشات

أساطين العلماء وعمالقة اللغة والأدب. فماله يضرب صفحا عن ذكر هذه القمم، ويقصر نظره على ذلك الجانب اللاهي الذي يقتصر على أمثال الموصليَّيْن وابن جامع والزف ومخارق وبر صوما وزلزل وبقية الشلة من صعاليك المغنين والزمارين والطبالين!!.

لماذا اختار لنفسه مسلك الذبابة التي لا يستهويها سوى القمامة فلا تعير الطيبات أي اهتمام!!.

ألم يكن من حق الأدب والعلم والتاريخ على مؤلف الأغاني أن يفسح ولو فرجة صغيرة من كتابه لاعطاء القارئ فرصة الإطلال على الجميل النظيف من بيئة الرشيد؟!.

وغفر الله للمتنبي الذي يصور لنا نفور بعض النفوس المريضة من روائع الشعر وإيثارها حثالته في هذه الصورة الماتعة:

بذي الغباوة من إنشادها ضرر

كما تضر رياحُ الورد بالجُعَلِ

ص: 434

‌مع كتاب الأغاني.. وقفات ومناقشات

مع كتاب للأ غانيِ.. وقفات ومناقشات:

يعتبر هذا الكتاب من أوعية المراجع التي عُنِيَت بالجانب اللاهي من بيئة الرشيد، وتستغرق أخباره مائة وأربع صفحات من خامس أجزائه الأربعة والعشرين، وكلها تحت عنوان واحد هو (نسب إبراهيم الموصلي وأخباره) ثم يلي ذلك (أخبار اسحق بن إبراهيم) وتستغرق بقية الخامس في مائة وثمان وستين صفحة لم تخل من ذكر الرشيد، وذلك غير الإلمامات الأخرى التي نثرها المؤلف عن الرشيد في مختلف المناسبات والأجزاء. وقد تناول الحديث في هذا القسم الأخير أشهر أبنائه وبخاصة المعتصم والمقتدر والواثق والمتوكل.

وتلك الصفحات المقاربة ثلاث المئات توشك أن تكون سجلا مكثفا لأخبار هذه الثلة من رموز

بني العباس وصلتهم بكبار مغني عصرهم وتلاميذهم من الجواري وهواة الغناء، وولع الجميع بذلك الفن حتى الخلاعة والذوبان..

ويبدأ أول القسمين بذكر المهدي والد هارون الرشيد، إذ كان معجبا بفن هذا الفارسي- 5/ 154- ويصف المهديَّ بأنه لا يشرب، وأنه نهى إبراهيم عن الشرب،

ص: 434

وحذره من الدخول على ولديه موسى الهادي وهارون الرشيد، ولكن إبراهيم لم يعبأ بذلك التحذير فاتصل بهما وشرب معهما.. ولما علم الهادي بمخالفته أودعه السجن مكبلا طوال عشر سنوات وصب عليه ثلاثمائة سوط- 5/ 160-.

ويستوقفنا من هذا الخبر اصرار إبراهيم على محاولة إفساد ولدي الخليفة مع علمه بأن ذلك يعرضه لأشد الأخطار، وهاهي ذي طلائعها من السياط والسجن ولبثه في القيود كل تلك السنين.. فلِمَ يُقدم على هذا الضرب الدامي من المغامرات؟!.

ويأتينا جواب الموصلي في ذلك الحوار المكشوف بينه وبن ولده إسحق، وكان ذلك يوم جاءه ذلك الزائر الأرستقراطي من هواة الغناء يريد أن يُسمعه ويستنصحه، فما إن باشر بعرض بضاعته حتى بادره الابن برأيه في صوته وغنائه، ونصح له بترك هذه الصنعة التي لم يؤهَّل لا.. ولم يرض الأب عن تصرف ولده فصاح به وأنبه والتفت إلى الفتى يطمئنه بأهليته للتقدم.. ولما خلا بابنه بعد انصراف الزائر كاشفه بما في نفسه وهو أن عليهم دفع هؤلاء الحمقى في طريق الفساد ليتخذوا منهم دريئة يواجهون بها كراهية الطبقة المحافظة التي تحتقر أمثالهم من أهل الفن، فلا تنفك تعيرهم بصناعتهم، فمن مصلحتهم إذن أن يطوِّحوا بأبنائهم إلى منحدراتهم- 5/ 195-.

ولبث إبراهيم في سجن المهدي حتى خلافة الهادي، وهناك صدر الأمر بإطلاقه وقربه فأمده بالمال والخوَل، وبلغ ما ناله من هباته مائة وخمسين ألف دينار في يوم واحد.. حتى ليقول هذا المغني:"لوعاش الهادي لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة". وعن عهد الرشيد يقول حماد بن إبراهيم: "أحصيت ما صار لوالدي من المال وثمن ما باع من الجواري فبلغ أربعة وعشرين ألفَ ألفِ درهم، وذلك غير راتبه وغلات ضياعه"-5/163-.

ويقول الأصفهاني: "ن الرشيد إثر توليته الخلافة وفراغه من إحكام الأمور جلس للشرب، ودخل عليه المغنون فكان إبراهيم أولهم، وكانت جائزته في ذلك اليوم عشرين ألف درهم" 5/ 204-.

وفي الرقة وفي مجلس الشرب تذكر الرشيد أن لذته غير تامة بسبب غياب مغنيه المفضَّل إبراهيم الذي كان قد قذف به غضبه إلى غيابات السجن فما عتم أن أمر به

ص: 435

أخرج وفكت قيوده، وهنا دفع إليه بعود وأمره فغناه وشرب وطرب، وكانت المكافأة ضيعتين نادرتي المثال هما/ الهنيء والمريء/ ويقعان بإزاء الرقة ويسقيهما نهران، وكان ذلك في غمرة النشوة طبعاً، حتى إذا ثاب الوعي استرد الرشيد هبته وعوضه عنهما مأتى ألف درهم- 5/ 166-.

وفي خرجة أخرى إلى الرقه افتقد الرشيد مغنيه فلم يجد له أثرا وبعد أيام أتاه بعذر أرضاه، ذلك أنه سمع بخبر خَمَّار استهواه فقصد إليه فأقام عنده ثلاثة أيام يكرع من خمره المعتقة، ويصنع إبراهيم في تلك القصة شعرا ويصوغ ذلك صوتا يغني به الرشيد بمصاحبة الزمار الخاص بر صوما، فأنعم عليه بمئة ألف درهم، وبعث بطلب الخَمار السرياني فجاءه بهدية من ذلك الشراب فوصله، ووهب له إبراهيم عشرة آلاف –5/176.

ويسرق إبراهيم بن المهدي- أخو الرشيد- صوتا من إبراهيم الموصلي فيتقنه. وفي مجلس الشرب أمر الرشيد أخاه بأن يغنيه فغناه بذلك الصوت وهو يشرب فنفحه ثلاثمئة ألف درهم، وهنا اعترض الموصلي حالفا بالطلاق إن الصوت له

فاعترف السارق، فنال الموصلي مكافأة أخرى مئة ألف، فكان محصول تلك الجلسة الإبليسية أربعمئة ألف درهم أي اثنين وعشرين ألف دينار – 5/216

وذات ليلة هب الرشيد من نومه فركب حماره القزم وارتدى زينته ومضى على رأس أربعمئة خادم أبيض سوى الفراشين إلى منزل الموصلي فتلقاه هذا بالتكريم اللازم وقبَّل حافر حماره، فنزل وأكل ثم دعا بشراب حُمل معه. وبدأ (كورس) من جواري الموصلي فجعلن يضربن اثنتين اثنتين وتغني واحدة، حتى غنت صبية من حاشيته بيتين فطرب الخليفة واستعاد الصوت مرارا وشرب أرطالا. ثم جاءت المفاجأة إذ سأل الرشيد الصبية عن صانع ذلك اللحن فأمسكت

وبعد لأْيٍ أسرت إليه بأن الصوت لأخته عُلَية 218/5.

وهنا يُقحم الأصفهاني ذكر الخليفة المقتدر ليرينا إياه خلف ستارة مع جواريه، وبين يدي كل من المغنين قنينة فيها خمسة أرطال نبيذ وقدح ومغسل وكوز ماء.

ص: 436

وتغنيهم جارية من تلاميذ زرياب المغني الذي أفسد الأندلس، حتى إذا انفض المجلس أخذ كل من الحضور عطية تُثرى عشرين محروما! -

5/222.

ولا يلبث الأصفهاني أن يفاجئنا هنا بواحدة من مآسي ذلك العهد حيث يرينا بمكة امرأة تبكي وهي تدعو باسم زوجها الذي فارقها لطلب الرزق في جدة، فيدنو منها إسحق بن إبراهيم ويستو صفها ذلك الزوج ثم يمضي بنا معه إلى جدة حيث لقي ذلك الكادح، وهو يشدو بلحن أعجبه فاستوقفه وسأله لم لا يعود إلى زوجته، فاعتذر بالحاجة لتأمين معاشهما، وعلم اسحق أن هذه الحاجة لا تعدو ثلاثمئة درهم في العام فنقده مئونة عشر سنوات وأخذ منه العهد أن يعي إلى أهله فلا يفارقها طوال هذه المدة!

5/223.

ويلاحَظ أن القصة مقحمة في غير موضعها وكأنى بالأصفهاني إنما أوردها في هذا السياق الغريب ليبعث قراءه على التفكير بالبون الشاسع بين أوضاع أولئك الخلفاء، وبين هؤلاء البؤساء.

ثم لا يلبث المؤلف أن يعود بقارئه إلى الخط الذي انحرف عنه قليلا ليضعنا في خلو أسطورية مع الرشيد الذي أسرَّ له مسرور الكبير بخبر تقبض له وجهه، والتفت إلى مغنيه الموصلي يستحلفه بحياته أن يُطربه بما قدر.. وأدرك هذا حاجة الخليفة إلى المسليات فانطلق يغني:

نِعمَ عوناً على الهموم ثلاثُ

مترعات من بعدهن ثلاثُ

بعدها أربع تتمة عشر

لإبطاء لكنهن حِثاث

فإذا ناولتكهن جوارٍ

عطَراتُ بيض الوجه خِناث

تَمَّ فيها لك السرور، وما طيـ

ـب عيشاً إلا الخِناث الإِناث

فقال الرشيد: ويك اسقني..

فشرب ثلاثا ثم ثلاثا ثم أربعا، ويقول اسحق: فوالله ما استوفى أخرهن حتى سكر!.. ونهض ليدخل ثم قال: قم يا موصلي، فانصرفْ يا مسرور.. أقسمت بحياتي، بحقي إلا سبقته إلى منزله بمئة ألف.5/224 و225.

ص: 437

وكان الرشيد من المعجبين بشعر ذي الرمة ولذلك عُنىَ به إبراهيم حتى التمس من الخليفة ألا يسمع شعره من غيره، ليحتكر جوائزه فيه، ولقد غناه مرة بأبيات منه فنقده ثلاثين ألف درهم ووهب له فراش البيت الذي غنى فيه، وبلغ الطرب به ذات يوم أن وثب قائما وهو يصرخ.. ثم ينتبه لنفسه فيستغفر الله!. ويعترف الموصلي أنه حصل من جوائز الرشيد على غنائه بشعر ذي الرمة وحده على ألفي ألف من الدراهم5/239-241.

ويتحفنا الأصفهاني بهذه الكبيرة الكبيرة:

أمر الرشيدُ الموصليَّ بالحضور إليه بعد العِشاء الآخرة منذرا إياه بالموت إذا تخلف، وفي الطريق إلى

الرشيد لمح إبراهيم زبيلا يدلى من القصر الملكي وقد أعد للركوب فما نشب أن جلس فيه ثم رُفع به.. وهناك واجه جواري جلوسا فلما فوجئن به تبادرن إلى الحجاب.. وقضى معهن وقتا ملأه بالضحك والطعام والشراب، وغنت ثلاث منهن، ثم كشف لهن عن نفسه فرفعن الحجاب، فأقام عندهن أسبوعا على هذا النحو ثم أدلينه بالزبيل وأخذ طريقه إلى الرشيد، فلم ينج من عقوبته إلا بسرد قصته مع الجواري، فألزمه الرشيد أن يُحضرَه مجلسهن. وفي الموعد المضروب أقبل إبراهيم فركب الزبيل إليهن، وعند الانصراف عرض عليهن أن يأتيهن بأخ له على أن يستترن منه ولا يتكلمن بحضرته فوفين بذلك تماما، حتى إذا جاء الموعد التالي جاء الرشيد معه متخفيا.. يقول الموصلي:

وشربنا كثيرا فلما أخذ منه النبيذ قال ساهيا: يا أمير المؤمنين

فتواثبن من وراء الستار حتى غابت عنا حركاتهن.. وانطلت الخدعة على الرشيد فوهب له مئة ألف درهم، ومن ثَم جعلت الجواري يُهدين إلى الموصلي الألطاف/ 245.

وهنا لابد من التساؤل: ذلك الزبيل.. لمن كان معدا قبل مغامرة الموصلي بركوبه؟!!.

والقصة مطبوعة باللون المألوف في حكايات ألف ليلة وليلة، وفي تضاعيفها ما يدل على افتعالها لمجرد التسلية أو لغرض التشويه.. وعلى أساس أمثالها رَفَع قَصاصو الغرب

ص: 438