المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مفتاح هذه الشخصية: - جولة في كتابي (الأغاني) و (السيف اليماني)

[محمد المجذوب]

الفصل: ‌مفتاح هذه الشخصية:

وهذا ما حدث إذ أتاح له – عن طريق شهرته الأدبية- أن يعقد الصلات الوثيقة مع وزراء وكبراء من ذلك العهد، وأن يتولى منصب الكتابة – وهي أشبه بالوزارة – في ظل البويهي ركن الدولة، وكذلك تسنمه منصة القضاء.. وقد نجح في هذا الجانب كل النجاح إذ كان موضع تقدير الكثير من رجال القمة يؤاكلهم ويشاربهم ويذاكرهم ويقارضهم الشعر ويجرع معهم الخمرة كشأنه مع الوزير المهلبي، الذي يبلغ به التعالي إلى مثل عمل الوزير ابن الزيات، حيث كان يقف على جانبي كل منهما عند طعامه غلام يقدم إليه ملعقة وآخر يتناولها منه في كل لقمة.. ومع ذلك لا يمنعه تعاليه من مجالسة الأصفهاني على مائدته الخاصة، وذات مرة يغلب السعال على أبي الفرج فيقذف بقيئه وسط تلك المائدة فينهض الوزير ليرفعها بنفسه ثم يدعو بغيرها ويواصلان الأكل معا دون عتاب ولاعقاب!!.

وطبيعي أن أحد الأسباب التي ساعدت الأصفهاني على احتلال هذه المكانة إنما يعي إلى إخفائه أمويته تحت ستار التشيع الذي كان بالنسبة إلى سياسة ذلك العهد العباسي أخف الشرين..

وقد سبق أن حدثنا القارئ عن المنهج الشيطاني الذي سلكه الأصفهاني في الهجر المغلف على كل الجماعات العربية من علوية وعباسية وشيعية دون استثناء ولا مهادنة، حتى تصير به المناسبة إلى ذكر الأعاجم وبخاصة البويهيين والبرامكة، فإذا هو خافض الجناح لا يشير إليهم إلا بغاية الاحترام والتقديس!.

ص: 428

‌مفتاح هذه الشخصية:

ومعلوم أن لكل جهاز مفتاحه الذي به يُتَوصل إلى تشغيله.. وأمامنا مَثَل التلفاز الذي تقف منه تلقاء كيان بالغ التعقيد لا تعرف كيف تتعامل معه حتى يهديك خبير إلى الزر الذي لا تكاد تمسه حتى يكشف لك أسراره. والإنسان ذلك الجهاز العجيب المؤلف من مئات بل آلاف الأجزاء أكثر تعقيدا وأسرار فلا سبيل لك إلى حقيقته حتى تهتدي إلى مفتاح شخصيته فيسهل لك الوصول إلى أعمق أغواره..

وفي ظني أني وضعت يد القارئ على مفتاح تلك الشخصية الأصفهانية من خلال العرض الآنف لمقوماتها المتميزة.

ص: 428

إنها العقدة المنطلقة من الحقد اللاهب على كل ما هو عربي أو إسلامي فجَّرها في عقلَيْهِ الظاهرِ والباطن انهيارُ السلطان الأموي، الذي حرمه فرص التمتع بعزة الملك، الذي كان من الطبيعَي أن يكون أحد ورثائه الأقربين لو قُيض لأبيه- آخر خلفاء بني أمية – الانتصار على خصومه.

فعن طريق هذا المفتاح ستعرف الكثير من البواعث التي سوف تسوق صاحب الأغاني في ذلك الاتجاه التخريبي الذي لم يسلم من شره عربي أو مسلم أيا كانت هويته.. ومن هذا المنطلق كان تركيزه- في أغانيه- على الكثير من الرموز التي اشتهرت بفضائلها خلال القرون، فراح يلطخ صورها بالكثير من المشوهات..، وكانت مطيته في هذا الطريق هي الأدب والشعر والغناء دون تفريق بين الصالح والفاسد والمثوق والمجروح من الأخبار.. وقد اختار لسمومه المستويات العليا من الطبقات التي هي قدوة الجماهير.. ومعيار توجهاتها الأساسية00 لتكون العدوى أسرع حركة وأشد فتكا..

والمفكر الرصين حين ينظر إلى عمل الأصفهاني من خلال هذا المنظار لن يفوته العلم بأن وراء هاتيك الأصباغ التي يسبغها على مجالس الرشيد رغبة مصممة على اختراق جدار المناعة التي تشد المجتمعات الإسلامية إلى تراثها الروحي، ليسهل انفصالها عن منابع القيم التي ترسخ ارتباطها بالماضي العريق لكي تصبح مهيأة لقبول كل التغييرات، إثْرَ فقدانها مشاعر الاعتزاز بأصولها التي أمست في تصورها الجديد موضع الارتياب، وبعد أن انحسرت عنها تلك النفحات القدسية التي كانت تتلقاها من خطاب ربها:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت/33)

إنها عملية غسل للأدمغة والقلوب تستهدف تدمير المقومات الإِسلامية التي بها كان المسلمون خير أمة أخرجت للناس..

ومن يستطيع أن يدفع عن هذه الأمة ذلك الوباء الوبيل وهي تطالع سِير أبرز رموزها الوارثين لذلك التراث المجيد غارقين إلى آذانهم في تلك الغمرات الآسنة!!.

ص: 429