المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌هارون الرشيد بين الحقيقة والخيال: - جولة في كتابي (الأغاني) و (السيف اليماني)

[محمد المجذوب]

الفصل: ‌هارون الرشيد بين الحقيقة والخيال:

‌هارون الرشيد بين الحقيقة والخيال:

انه ابن الخليفة المَهدي، خامسُ الخلفاء المنحدرين من صلب العباس بن عبد المطلب عم رسول الله عقبيه، وأكثرُهم حضورا في أذهان الخاصة والعامة من أجيال العرب والمسلمين، وبخاصة لدى المؤرخين والإخباريين الذين أحاطوا سيرته بجواءٍ أسطورية أمدت المسرحيين والسينمائيين ولا تزال بمعينٍ لا يكاد يتوقف عن عَصره وأحداثه ومتارفه، التي يقل فيها الواقع وتكثر فيها التكاذيب..

ولكن لهذه السيرة مكانها كذلك عند الثقات من مؤرخي السلف وعلمائهم، ومن هؤلاء الإمام الذهبي الذي يقول في المجلد التاسع من كتابه النفيس (سير أعلام النبلاء) :"أبو جعفر هارون.. الهاشمي العباسي.. روى عن أبيه المهدي وجده.. وروى عنه ابنه المأمون، وكان من أنبل الخلفاء وأحشم الملوك ذا حج وجهاد وغزو وشجاعة ورأي.. وفصاحة وعلم وبصر بأعباء الخلافة، ونظر جيد في الأدب والفقه.. أغزاه أبوه بلادَ الروم وهو حَدَث.. وقيل إنه كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات.. وكان يحب العلماء وبعظم حرمات الدين.. ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه.. ".

ويذكر الذهبي من مآثره تأثره بمواعظ الصالحين فيقول: وعظه ابن السماك فأبكاه، ووعظه الفضيل بن عياض حتى شهق في بكائه. وروى له أبو معاوية الضرير حديثا عن رسول الله في فضائل الجهاد فبكى حتى انتحب.. ثم يقول:"إنه حج غير مرة وله فتوحات ومواقف مشهودة، ومنها فتحه مدينة هرقلة، ومات غازيا بخرسان عام 193 هـ" وفي مكان آخر من (السيِر) يحصر الذهبي حجات الرشيد بخمس، ويقول إنه أدى إحداها ماشيا من بطن مكة. ويؤكد ما اشتهر عنه من سخاء ويستشهد لذلك ببعض الوقائع منها هبته للأصمعي خمسة آلاف دينار، ولأبي بكر بن عياش ستة آلاف دينار ولابن عيينة مائة ألف درهم، وهذان من كبار المحدثين.

ولا يغفل الذهبي موضوع اللهو الذي ينسب إلى الرشيد فيشير إليه بقوله (وله أخبار شائعة في اللهو واللذة والغناء) وعن علاقته بالشرب ينقل عن الإمام ابن حزم قوله (أراه

ص: 430

كان يشرب النبيذ المختلف فيه لا الخمر المتفق على تحريمها) ولنتأمل قليلا في كل من العبارتين.

ففي الأولى ترى الذهبي يورد خبره مرسلا لا يفيد اليقين بل لا يتجاوز حدود الشائعات، ولعله إنما نقله مما كتبه بعض القُصاص ولم يبذل أي جهد في تحقيقه.

وأما خبر ابن حزم عن الشرب فقد كفانا تعقيبه عليه بما يرجح أنه من النوع غير المحرم.. ومعلوم أن بعض فقهاء العراق أيامئذ كان يقول بإباحة النبيذ، ولعل مرادهم بالمباح منه منقوع التمر والزبيب ونحوهما قبل حصول التخمر، ومن هذا النوع ماكان يُحضَّر لرسول الله صلي الله عليه وسلّم فيشرب منه ما لم يتغير طعمه، فإذا بدأ بالتغير عافه.. أما المتخمر فلا خلاف بين العلماء على تحريمه، كثيره وقليله. وفق الحكم النبوي "كل مسكر حرام"1.

وعلى هذا فمجاهرة الرشيد بشربه تكون من قبيل الإعلان بأنه مع المبيحين لتعاطيه، وإلا فإن توقيره لمقام النبوة أشهر من أن يذكر، وحسبنا من شواهده ذلك الموقف الذي يسجله الأصفهاني نفسه للرشيد حين سمع أحد جلسائه من الأشراف يعقب على حديث نبوي بكلمة غير مناسبة، فإذا هو يتفجر غضبا ويدعو بالنطع والسيف، ولولا شفاعة بعض الحضور بتخريجه كلمةَ الشريف على وجه مقبول لذهب دمه مع الريح..

ويبقى أن نلقي نظرة تحليلية على كلا الخبرين تذكِّر القارئ بواقع لا ينبغي أن نغفله عندما نطالع بعض الكتب المؤلفة عن مجون ذلك العصر، وما أكثر تلك المراجع التي صنفها القُصاص فشحنوها بما صح وجُرح دون أن يأبهوا بقرب ذلك أو بعده من الحقيقة، إذ كانت همتهم في الغالب منصرفة إلى التنافس في إيراد الغرائب ليستكثروا من قرائها ورواتها، وليحققوا لأنفسهم المكاسب التي يلتمسونها بالوصول إلى مجالس الكبار، ومن أمثلة ذلك ما يرويه الأصفهاني نفسه عن أحد هذه الكتب الموسوم بـ (الأغاني الكبير) منسوبا إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي وفيه يقول حماد بن إسحاق:(ما ألف أبي هذا الكتاب قطّ ولا رآه، ويؤكد ذلك أن أكثر أشعاره المنسوبة إنما جُمعت لما ذكر معها من الأخبار وما يجيء فيها إلى وقتنا هذا) ومعنى ذلك أن كاتب الخبر يسمعه فيَروقه

1 رواه الإمام مسلم.

ص: 431